مسلم لحظة طبع قلبه على الإيمان، وجوارحه على الاستقامة على الدين؛ لأنه بإسلامه متهيئ للقبول والتأثر, فإذا قابل ذلك النور العظيم أشرق عليه، فظهر أثره على قلبه بقوة الإيمان، وعلى جوارحه بالاستقامة والعمل الصالح، والأخلاق الكريمة، وقد كان يأتيه الكافر, فينظر إليه فإذا به يصير مؤمنا صادقا, فما بالك بالمسلم؟ ويشهد لهذا الرأي الراجح الحديث المروي في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام ١ من الناس, فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس, فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم, ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس, فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم".
стр. 597
" بم تعرف الصحبة ؟ ":
تعرف الصحبة بأمور:
١- بالتواتر: كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم وسواء أكان ذلك بالقرآن على سبيل التنصيص على الصحبة كالصديق أبي بكر ﵁ فقد أجمع المفسرون على أنه المراد بالصاحب في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ , أو ذكر اسمه كزيد بن حارثة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ , أو بالسنة المتواترة.
٢- أو بالاستفاضة والشهرة كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن وسلمة بن الأكوع وغيرهم.
стр. 598
٣- أو يقول صحابي عنه أنه صحابي كحممة بن أبي حممة الدوسي, الذي مات مبطونا بأصبهان زمن سيدنا عمر, فشهد له أو موسى الأشعري أنه سمع النبي ﷺ حكم له بالشهادة. ذكره أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ورويت قصته في مسند الطيالسي ومعجم الطبراني.
٤- أو بإخبار بعض ثقات التابعين عنه بأنه صحابي وهذا بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح.
٥- أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي, وذلك بشرط أن يكون معروف العدالة وبشرط أن يكون ادعاؤه لذلك قبل مضي مائة سنة من وفاته ﷺ فإن ادعاها بعد المائة, فلا تقبل دعواه ويكون كاذبا وذلك كجماعة ادعوا الصحبة بعد المائة كأبي الدنيا الأشج، ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي, فقد أجمع أهل الحديث على كذبهم, وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". الحديث١, وفيه: "يريد بذلك انخرام ذلك القرن", وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" , وهذه الرواية المقيدة باليوم يحمل عليها ما ورد في بعض طرق حديث جابر عند مسلم أيضا: "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة".
وبهذه المناسبة أنبه إلى أن بعض المستشرقين وتابعهم بعض الكتاب المعاصرين٢ زعموا أن الحديث يدل على قيام الساعة، والساعة لم تقم
стр. 599
بعد مائة سنة من مقالته، وقالوا: إن الحديث غير صحيح لمخالفته للواقع والمشاهدة! ولو أنهم عقلوا وتأملوا لعلموا أن المراد انخرام ذلك القرن أي انتهاء أهله كما بينته رواية البخاري, بل جاء في روايته أيضا أن بعض الناس وهموا وظنوا أن المراد قيام الساعة, ثم تبين لهم أن المراد انتهاء الجيل، والساعة كما نطلق على الساعة الكبرى تطلق على الساعة الخاصة كساعة الأمم أو الأجيال، فرد الحديث بناء على وهم وخطأ في الفهم ليس من قواعد البحث العلمي الصحيح في شيء.
وكلام الأصوليين أيضا يقتضي ما ذكرناه, فإنهم اشترطوا في ثبوت الصحبة بادعائه أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي. قال الآمدي في الإحكام: "فلو قال من عاصره: أنا صحابي مع إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه، وحكاهما ابن الحاجب احتمالين من غير ترجيح. قال: ويحتمل أن لا يصدق لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه"١.
стр. 600
" عدالة الصحابة ":
١- الصحابة كلهم عدول عند جمهور الفقهاء من المحدثين والفقهاء والأصوليين، ومعنى عدالتهم استقامتهم على الدين، وائتمارهم بأوامره وانتهاؤهم عن نواهيه, وأنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ وذلك لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور، وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو من الغلط, فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم أو عدالة بعضهم إلا شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء لا يعتد بأقوالهم وآرائهم؛ لعدم استنادها إلى برهان وسنعرض لهذه الآراء فيما بعد ومناقشتها.
стр. 601
وعدالة الصحابة ثابتة معلومة من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكلام من يعتبر به أئمة الدين والعلم من السلف الصالح ومن جاء بعدهم.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١, والمقصود بالخطاب أولا بالذات هم الصحابة، والوسط هم الخيار العدول إذ الوسط من كل شيء خياره وأعدله، وقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢, ففي الآية شهادة لهم بالخيرية, وهي خيرية الدين ففيها شهادة لهم بالعدالة، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ , الآية٣, وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ , الآية٤, وهم أهل بيعة الرضوان وكانوا زهاء ألف وخمسمائة, وقال عز شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٥, وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٦ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تزكيهم؛
стр. 602
وتشيد بفضلهم ومآثرهم، وصدق إيمانهم وإخلاصهم وسموا أخلاقهم، وأي شيء أكبر شهادة من الله الذي علم ما كان وما يكون؟ بل من أصدق من الله قيلا؟
أما السنة فقد نوه النبي ﷺ بعد التهم، ودعا إلى معرفة حقوقهم وإنزالهم منازلهم، وعدم إيذائهم والتهجم عليهم لما لهم من الأفضال والفضائل, ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" الحديث, وفي الحديث المتفق على صحته عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ١, وروي الترمذي وابن حبان في صحيحه أن النبي ﷺ قال: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه"، وروى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين".
والواقع التاريخي يؤيد هذا الحديث وغيره كل التأييد، وإنما يعلم ذلك حق العلم من اطلع على تاريخ الصحابة وسيرهم، وما كانوا عليه من العلم والعمل والتقوى، والتضحية بالنفس والمال والأهل والولد وطهارة الأخلاق والترفع عن الأهواء والشهوات.
وقد كان كبار الصحابة, ولا سيما الخلفاء الراشدون المهديون يعرفون هذا الفضل لكل صحابي, ولو لم يكن له من الصحبة إلا الرؤية, فقد روي
стр. 603
أنه جيء للفاروق عمر ﵁ برجل بدوي قد هجا الأنصار وكانت له صحبة فقال لهم: "لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ ما أدري ما نال فيها لكفيتموه، ولكن له صحبة منه", فها هو عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته, فضلا عن معاقبته لكونه علم أنه حظي بشرف الصحبة١.
قال الخطيب البغدادي في "كفايته" بعد أن ذكر الكثير من الآيات والأحاديث: على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحالة التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم, وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم ... ثم روي بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: "إذا رأيت الرجل يتنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق, وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة, وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة". وما أحكمها من كلمة ألقى بها الله سبحانه على لسان الإمام أبي زرعة ﵀ وأثابه.
وكذلك عرف للصحابة فضلهم كبار أئمة الفقه والأصول والرواية روى الحافظ البيهقي عن الإمام الشافعي -وهو هو دينا وعقلا وعلما وألمعية- أنه ذكر الصحابة في رسالته القديمة وأثنى عليهم بما هم أهله ثم قال: "وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا"٢.
стр. 604
ولا يشكلن عليك ما روي من مراجعة الخليفتين أبي بكر وعمر لبعض الصحابة في بعض مروياتهم وطلبهم شاهدا ثانيا، ومراجعة بعض الصحابة لبعض في القليل النادر, فذلك ليس لتهمة ولا تجريح، وإنما هو زيادة في اليقين والتثبيت في الرواية, وبهذا التحوط وضع الخليفتان الراشدان المنهج السليم في التثبيت والاحتياط لمن يأتي بعدهما، وليس أدل على هذا من قول عمر لأبي موسى الأشعري, وقد طلب منه أن يأتي بمن يشهد معه أنه سمع ما رواه عن رسول الله ﷺ : "أما إني لم أتهمك ولكنه الحديث عن رسول الله ﷺ ". فهل بعد هذا التصريح يتهم الصحابة متهجم، ويتظنن عليهم متظنن؟
٢- "رأي المازري": قال المازري في شرح البرهان: "لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كل من رآه ﷺ يوما ما، أو زاره يوما ما، أو اجتمع به لفرض وانصرف عن كثب, وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعو النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون", وقد رد كلام المازري هذا كثير من العلماء ولم يوافقوا عليه، قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هو قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد على رسول الله ﷺ ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر١.
٣- القول الثالث أن الصحابة كغيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقا, ويرده ما ذكرنا من الآيات والأحاديث وأقوال جمهور الأئمة.
٤- أنهم عدول إلى وقت وقوع الفتن، وأما بعد ذلك فلا بد من
стр. 605
البحث عمن ليس ظاهر العدالة منهم.
٥- قول المعتزلة: إنهم كلهم عدول إلا من قاتل عليّ بن أبي طالب منهم فإنه ليس بعدل.
٦- ويقرب من هذا القول من قال: كلهم عدول إلا من داخل الفتنة مقاتِلا أو مقاتَلا.
وكل هذه الأقوال ليست بصواب إحسانا للظن بهم، وحملا لهم فيما شجر بينهم من خلاف وحروب على الاجتهاد, قال الحافظ ابن كثير: "وأما ما شجر بينهم بعده ﵊, فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل, ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ, ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ مأجور أيضا، وأما المصيب فله أجران، وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه ﵃ أجمعين.
وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل عليًّا. قول باطل مرذول ومردود، وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين", وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه عليّ، واجتمعت الكلمة على معاوية، وسمي "عام الجماعة" وذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمى الجميع "مسلمين" وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم "مؤمنين" مع الاقتتال، ومن كان من الصحابة مع معاوية؟ يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة, والله أعلم وجميعهم صحابة فهم عدول كلهم"١.
стр. 606
" المكفرون لبعض الصحابة ":
وهناك طوائف من الروافض وأضرابهم كفروا الصحابة إلا البعض من غير دليل من عقل أو نقل، وإنما هو الهوى والتعصب المذهبي المذموم، وهم أحق أن يبوءوا بما رموا به هؤلاء السادة الأماجد، ولقد ضلوا ببدعتهم التي خالفوا فيها نصوص القرآن والسنة الصحيحة والعقل والتاريخ الصحيح وأضلوا غيرهم, وليحملن أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم إلى يوم القيامة. قال العلامة ابن كثير: "وأما طوائف الرفض١ وجهلهم, وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيا وسموهم, فهو من الهذيان بلا دليل, إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن بارد، وهو متبع، وهو أقل من أن يرد، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر مما علم من امتثالهم أوامره بعده ﵊، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات، في سائر الأحيان والأوقات مع الشجاعة والبراعة، والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثله في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين ولعن الله من يتهم الصادق، ويصدق الكاذب, آمين يا رب العالمين"٢.
стр. 607
" أكثر الصحابة رواية للحديث ":
لم يكن الصحابة في الرواية سواء, فمنهم المقل ومنهم المكثر، وأكثرهم رواية سبع، منهم من زادت مروياته عن الألفين، ومنهم من كانت مروياته دون الألفين وفوق الألف وقد نظمهم بعضهم بقوله:
سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر
стр. 608
أبو هريرة سعد١ جابر أنس
صديقه وابن عباس كذا ابن عمر
وإليك أسماءهم على ترتيبهم الأكثر فالأكثر:
١- أبو هريرة: روى خمسة آلاف وثلثمائة وأربعة وسبعين حديثًا "٥٣٧٤".
٢- عبد الله بن عمر: روى ألفين وستمائة وثلاثين حديثًا "٢٦٣٠".
٣- أنس بن مالك: روى ألفين ومائتين وستًا وثمانين حديثًا "٢٢٨٦".
٤- عائشة: روت ألفين ومائتين وعشرة أحاديث "٢٢١٠".
٥- ابن عباس: روى ألفًا وستمائة وستين حديثًا "١٦٦٠".
٦- جابر بن عبد الله: روى ألفا وخمسمائة وأربعين حديثًا "١٥٤٠".
٧- أبو سعيد الخدري: روى ألفا ومائة وسبعين حديثًا "١١٧٠".
ويلي هؤلاء في الكثرة:
١- عبد الله بن مسعود, فقد روى ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثًا.
٢- عبد الله بن عمرو بن العاص روى سبعمائة حديث.
وقد اعتمد العلماء في ذلك على ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتابه "تلقيح فهوم أهل الأثر", وقد اعتمد ابن الجوزي في عدده على ما وقع لكل صحابي في مسند الإمام الجليل بقي بن مخلد الأندلسي٢ المتوفى سنة ٢٧٦هـ, فقد ذكر في كتابه أصحاب الألوف يعني من روى عنه أكثر من ألفي حديث، ثم أصحاب الألف يعني من روى فوق الألف
стр. 609
ودون الألفين، ثم أصحاب المئين يعني من روى أكثر من مائة وأقل من ألف، وهكذا إلى أن ذكر من روى عنه حديثان ثم من روى عنه حديث واحد.
ومسند بقي بن مخلد من أجل كتب المسانيد، كتبه على أسماء الصحابة، ثم رتب أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه فجاء كتابا حافلا في بابه جامعا بين الطريقتين: طريقة المسانيد وطريقة التأليف على الأبواب، وقد فضله الإمام ابن حزم على مسند الإمام أحمد، ومن أراد الاستيعاب عن بقي ومسنده فليرجع إلى كتابي "أعلام المحدثين ص١٠٣".
ومما ينبغي أن يعلم أن هذا العدد يدخل فيه الأحاديث المكررة، فإن بعض المحدثين يعتبرون الحديث المكرر بمنزلة أحاديث، والحديث الواحد المفرق قطعا على حسب الاستدلال بمثابة أحاديث، ولم توجه سهام النقد الطائشة لأحد من المكثرين من الرواية أكثر ما وجهت إلى الصحابي الجليل أبي هريرة؛ لذلك رأيت لزاما عليّ في هذا المقام أن أكتب كلمة إنصاف لهذا الصحابي المظلوم على أساس من قواعد البحث العلمي الصحيح لا على أساس من الهوى والتعصب.
стр. 610
" الصحابي المظلوم أبو هريرة ":
لم أر أحدا من الصحابة -فيما أعلم- تعرض لسهام النقد الظالم بمثل ما تعرض له سيدنا أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- وهذه الحملة الجائرة تضرب في القدم إلى آماد بعيدة، فقد نقل لنا العلامة ابن قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث" الكثير مما رمي به أبو هريرة في القديم من النظام وأمثاله من أهل البدع والأهواء الذين لا علم لهم بالحديث ورجاله، ثم رد على طعونهم وتكلم كلام رجل عالم عاقل مثبت
стр. 611
نرجو أن يكافئه الحق عليه١.
ولم نر أحدا يعتد به من أئمة العلم في الإسلام تعرض لأبي هريرة بما يغض من شأنه، أو يحط من قدره، ثم جاء بعض المستشرقين فوقعوا على أقوال هؤلاء المتحاملين، فأخذوها وزادوا وأعادوا فيها، ثم طلعوا علينا بآراء مبتسرة وأحكام جائرة، ولعل من نافلة القول أن أنبه إلى الأغراض السيئة التي يقصدها المستشرقون من وراء حملاتهم التي هي امتداد للحملات الصليبية، والتي يقصدون منها تقويض دعائم الإسلام والعروبة، وإضعاف الروح الدينية في نفوس المسلمين، كي يتم لدولهم ما تريد من الغلب السياسي، والاستئثار بخيرات البلاد، واستذلال رقاب العباد، وهم -شهد الله- يريدون من الطعن في بعض الصحابة حينا وفي السنة حينا آخر تشكيك المسلمين في الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام، وهي السنة, وتقليل الثقة بها, وإذا تشكك المسلمون في السنة، وقللوا الثقة بها استعجم عليهم فهم القرآن, ومعرفة المراد منه, وإذا استعجم القرآن, فقل على الإسلام العفاء.
وقد نجح المستشرقون إلى حد ما في التأثير في بعض الكتاب المسلمين, ولا سيما الذين صنعوهم على يديهم في العصر الأخير, فاقتفوا آثارهم فيما زعموا، ورددوا دعاواهم التي لم يقم عليها دليل، بل وزادوا عليها من عند أنفسهم، وهؤلاء وأولئك نفثوا سمومهم تحت ستار البحث وحرية النقد، والله يعلم والراسخون في العلم أن ما زعموا أبعد ما يكون عن العلم الصحيح والبحث القويم، والنقد النزيه.
وقد تابعهم بعض الباحثين من أهل العلم والمعرفة في بعض ما قالوا وذلك كما صنع صاحب "فجر الإسلام" و"ضحاه"، وتابعهم أيضا
стр. 612
بعض أدعياء العلم والأدب في كل ما قالوه، بل وأربي عليهم, وذلك كما صنع صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" وقد عقد في كتابه فصلا طويلا تحت عنوان "أبو هريرة" حشاه بكل حارجة من السباب والشتيمة، وتهجم فيه عليه وعلى بعض الصحابة ورماهم بالكذب والاختلاق، وردد في هذا مقالة النظام وغيره من الطاعنين, وتبعهم حذو النعل بالنعل، ولا تكاد تطلع على صفحة من هذا الفصل إلا وتجد فيها من الأخطاء العلمية، والإسفاف في التعبير ما نربأ بأي كاتب عنهما مما يدل على أنه دخل إلى هذا البحث, وهو متشبع بأهواء وأحقاد نفسية مما نأى به عن البحث المستقيم، والرأي الصواب.
وقواعد البحث النزيه تقتضي من الباحث إذا ما شرح في بحث أن يجمع مادته ونصوصه ثم يجرد نفسه من أي هوى أو رأي خاص، ثم يبحث ويمحض الروايات، ويوازن بين النصوص حتى يأتي حكمه أقرب إلى الحق والصواب، أما أن يأخذ ما يشاء بهواه، ويدع ما يشاء بهواه, فهذا ما لا تقره قواعد البحث العلمي الصحيح والنقد النزيه.
من هو أبو هريرة؟ هو عبد الرحمن بن صخر أو عبد الله على الأصح على كثرة ما اختلف في اسمه, واسم أبيه في الجاهلية والإسلام, وهو دوسي ودوس قبيلة من الأزد إحدى قبائل اليمن, وكان ذا شرف فيهم. قال ابن إسحاق: "كان وسيطا في دوس" ولم يختلف أحد أنه قدم على النبي مسلما عقب خيبر وكانت في المحرم سنة سبع فيكون صاحب النبي أربع سنين قضى منها فترة وجيزة مع الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي بالبحرين مؤذنا ومعلما كما روى ذلك ابن سعد في الطبقات فما يخلص له من زمن مصاحبته للنبي يزيد عن ثلاث سنوات, وهي ليست بالزمن القصير في عمر الصحبة، وليس ببدع في العقل, ولا في العادة أن يجمع شخص فيها من الأحاديث أكثرها مما يجمعه غيره, ولا سيما إذا كان له من التفرغ والإقبال على العلم وقوة الحافظة والذكاء، وطول العمر
стр. 613
والأسباب الحاملة على الإكثار ما لم يتهيأ لغيره, وإنا لنجد في العصور المتقدمة والمتأخرة -على فرق ما بين الحالين- بعض التلاميذ والمريدين الذين لازموا أساتذتهم وشيوخهم مدة غير طويلة يقيدون عنهم الكتب والمجلدات ويحفظون عن ظهر قلب من كلامهم ما يربو على ما حفظه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وأحب أن لا يعزب عن علمنا أن هذه الخمسة الآلاف وزيادة من الأحاديث؛ منها ما لا يزيد عن بضعة أسطر ومنها ما هو دون ذلك؛ وهي تشمل كل ما سمعه من النبي أو رآه من فعله، أو تلقاه عن غيره من قدماء الصحابة فأي غرابة في هذه؟ وإليك أهم الأسباب والبواعث لهذا الإكثار.
стр. 614
بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به ... "١.
٢- هذا إلى ما امتاز به من ذاكرة قوية، وحافظة نادرة بسبب دعاء النبي ﷺ وقد سمعت ما رواه مسلم آنفا، وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: "قلت يا رسول الله إني لأسمع منك حديثا أنساه فقال: "ابسط رداءك" قال: فبسطته، فغرف بيده, ثم قال: "ضمه" , فضممته فما نسيت شيئا بعد", وقد رويت هذه القصة من طرق كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة٢ وقد عد العلماء هذا من معجزاته ﷺ وروى النسائي بسند جيد في "العلم" من كتاب "السنن", والحاكم في المستدرك أن زيد بن ثابت قال: "كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي ﷺ ، فقال: "ادعوا" فدعوت أنا وصاحبي، وأمن النبي ﷺ ، ثم دعا أبو هريرة, فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي وأسألك علما لا ينسى، فأمن النبي ﷺ فقلنا: ونحن يا رسول الله، فقال: "سبقكما به الغلام الدوسي" , وقد صدقت الحوادث هذه الميزة في أبي هريرة, روي عن أبي الزعيزعة كاتب مروان قال: "أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله، وأمرني أن أنظر، فما غير حرفا عن حرف" وروى البخاري في التاريخ من حديث محمد بن عمارة بن حزم "أنه قعد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلا فجعل أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله ﷺ بالحديث, فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه حتى يعرفوه ... فعل ذلك مرارا, فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الصحابة".
فلا تعجب إذا كان حظي بثناء الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم
стр. 615
من أئمة العلم والفقه والرواية, فهذا هو ابن عمر ﵄ يترحم عليه في جنازته ويقول: "كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ﷺ ", رواه ابن سعد في طبقاته, وروى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح قال: "كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ ", وقال الإمام الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره", وقال الإمام البخاري: "روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم وكان أحفظ من روى الحديث في عصره", فهل نصدق هؤلاء الأئمة أم نصدق المستشرقين وأبواقهم؟
وكان ﵁ إذا بدأ الحديث يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق أبو القاسم ﷺ : "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" , رواه أحمد، وروى مسدد في مسنده عن أبي هريرة قال: "بلغ عمر حديثي فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت: نعم إن رسول الله قال يومئذ: "من كذب عليّ ... " الحديث, قال: فاذهب الآن فحدث", وهذا يدل على شدة تحريه وتنبئه في الرواية.
٣- حرصه البالغ على حديث رسول الله ﷺ قولا وعملا؛ وقد شهد له النبي ﷺ بذلك, روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث, أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه".
٤- لقد كان من دواعي إكثاره أيضا تفرغه للعلم والرواية والفتيا بعد رسول الله ﷺ ، ولم يتول الإمارة إلا فترة من حياته زمان الفاروق عمر ثم رغب عنها فيما بعد, روى عبد الرزاق بسنده عن ابن سيرين: "أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين, فقدم بعشرة آلاف, فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال, فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطية
стр. 616
تتابعت، وخراج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله فأبى, فقال: لقد طلب العمل من كان خيرا منك قال: إنه يوسف نبي الله ابن نبي الله, وأنا أبو هريرة بن أمية, وأخشى ثلاثا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، ويضرب ظهري ويشتم عرضي وينزع مالي.
٥- تأخر وفاته, فقد توفي سنة سبع وخمسين على الصحيح, وقيل ثمان أو تسع وخمسين للهجرة, وقد أتاح له تفرغه, وتأخر وفاته أن كان الآخذون عنه كثيرون جدا, وقد سمعت مقالة البخاري الآنفة, وأنه له من الأصحاب والتلاميذ نحو الثمانمائة١, وغير خفي عنا أن للأصحاب والتلاميذ الفضل الأكبر في نشر علم الشيخ وحديثه وعلى قدر كثرتهم أو قلتهم يكون شهرة مذهب الإمام أو عدم شهرته, ومن الكلمات المأثورة عن الإمام الشافعي قوله: "الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به", فلا تعجب بعد هذه المقدمات أن يكون أبو هريرة أكثر الصحابة رواية, ومن أراد استيفاء الرد على كل ما أثير حول أبي هريرة وغيره من الصحابة فليرجع إلى كتابي "دفاع عن السنة"٢.
"فائدة": السبب في قلة مرويات الصديق رضي الله تعالى عنه مع أنه أول من آمن من الرجال وأفضل الصحابة مع كثرة ملازمته للنبي ﷺ أن الكثرة في الرواية لا ترجع إلى طول الصحبة فحسب، بل هناك عوامل أخرى عرضنا لها في بيان الحق في كثرة رواية أبي هريرة كالتفرغ للعلم والرواية، وتأخر الوفاة، والصديق ﵁ اشتغل عقب وفاة الرسول بمهام الخلافة، وتثبيت دعائم الإسلام بقتال المرتدين, ونشر رسالة الإسلام, فلم يكن عنده وقت للرواية, وأيضا فقد تقدمت وفاته قبل استقرار الأحوال، وانتشار الحديث وتفرغ الناس للعلم، واعتنائهم بسماعه وتحصيله وحفظه.
стр. 617
" أكثر الصحابة علما وفتيا ":
كما اشتهر بالإكثار من الرواية بعض الصحابة، كذلك اشتهر بالفقه والفتيا آخرون، ومنهم من جمع بين الأمرين كالإكثار من الرواية والفقه والفتوى كابن عباس ﵃.
وقد اختلف في أكثرهم فتيا, فقيل: ابن عباس، روي عن أحمد بن حنبل قال: "ليس أحد من أصحاب النبي ﷺ يروى عنه في الفتوى أكثر من ابن عباس", وقد جمع بعض أئمة الإسلام فتيا ابن عباس في عشرين كتابا١.
وقيل: غير ذلك, روي عن مسروق بن الأجدع التابعي الجليل أنه قال: "انتهى علم الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت, وأبي الدرداء، وابن مسعود, ثم انتهى علم الستة إلى علي وابن مسعود", وروى الشعبي عنه -أي مسروق- نحوه إلا أنه ذكر أبا موسى الأشعري بدل أبي الدرداء، وقد استشكل قول مسروق بأن عليًّا وابن مسعود ماتا قبل زيد بن ثابت وأبي موسى بلا خلاف, فكيف ينتهي علم من تأخرت وفاته إلى علم من مات قبله! وقد أجاب الحافظ العراقي عن ذلك بأنهما ضما علم المذكورين إلى علمهما في حياتهم، وإن تأخر زمان وفاة بعضهم عنهما٢.
والذي يظهر لي في الجواب -والله أعلم- أنه ليس المراد به الانتهاء الزمني فحسب, وإنما المراد ذلك مع الشهرة في العلم، وأن علم هذين طغى على علم غيرهما حتى من تخلف عنهما وفاة, والظاهر أن علم أبي موسى اندرج تحت علم عليّ، وأن علم زيد اندرج تحت علم ابن مسعود كما يدل على ذلك كلام الشعبي الآتي, ولولا تقدم وفاة عمر
стр. 618
لانتهى إليه هو وأبو الحسن على علم الصحابة، وبوفاته تزعم مدرسته تلميذه وخريجه ابن مسعود.
ولم يكن هؤلاء الستة يمثلون مشربا واتجاها واحدا في الفقه والفتيا, بل كانوا على منحيين واتجاهين، ويفصح عن هذا ما روي عن الشعبي أيضا قال: "كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله ﷺ وكان عمر وعبد الله يعني ابن مسعود، وزيد يشبه علم بعضهم بعضا، ويقتبس بعضهم من بعض، وكان عليّ والأشعري وأبي -يعني ابن كعب- يشبه علم بعضهم بعضا وكان يقتبس بعضهم من بعض", وكان ابن مسعود شديد الاقتداء بعمر في علمه وفتواه, روي عنه أنه كان يقول: "لو سلك الناس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه", فلا عجب أن كان متزعما لمدرسة عمر العلمية والفقهية وأن انتهى إليه علمها.
стр. 619
المعروفون بالفتوى من الصحابة:
وهناك آخرون من الصحابة عرفوا بالفتوى غير هؤلاء الذين اشتهروا بها, وروي عنهم فيها أكثر ممن روي عن غيرهم، والصحابة متفاوتون في الفتوى قلة وكثرة وتوسطا, وإليك ما قاله الإمام أبو محمد بن حزم قال: "أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة: عمر، وعلي, وابن مسعود، وابن عمر, وابن عباس, وزيد بن ثابت، وعائشة. قال: ويمكن أن يجمع في فتوى كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، وقال: ويليهم عشرون وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وطلحة, والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية, وابن الزبير، وأم سلمة. قال: يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير، قال:
стр. 620
وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسًا مقلون في الفتيا جدًّا, لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتان، والثلاث يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد البحث كأبي بن كعب وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وغيرهم وسرد الباقين"١.
وقد يستشكل عد ابن حزم أُبيًّا وأبا الدرداء من المقلين, بينما عدهم مسروق أنهم ممن انتهى إليهم العلم من الصحابة، وكذلك اختلاف العلماء في الأكثر أو الأقل رواية وفتوى.
والذي يظهر لي في الجواب -والله أعلم- أنه لا يلزم من كثرة العلم والفتيا في الحقيقة ونفس الأمر أن ينقل ذلك عنه، فهناك أئمة كبار ملئوا الأرض علمًا كالليث والأوزاعي, ولكن لم ينقل لنا من علمهم وفقههم إلا القليل، وذلك لقلة تلاميذهم وأتباعهم أو لغير ذلك من الأسباب، وهناك أئمة لولا تلاميذهم لما وصل إلينا هذا العلم الكثير عنهم، يؤيد هذا ما روي عن عليّ بن المديني أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ له أصحاب يقومون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس ﵃ كان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله، ويفتون الناس به"٢, ولعل مراده أن هؤلاء أكثر من غيرهم تلامذة وأتباعًا أمناء، وإلا فهناك سيدنا عليّ كان له أتباع وتلامذة وأصحاب نشروا علمه لكن بعض أتباعه -وهم الشيعة- أفسدوا كثيرًا من علمه وفتياه بالكذب والاختلاق عليه، وقال ابن القيم: "وكان من المفتين عثمان بن عفان، قال ابن جرير: غير أنه لم يكن له أصحاب يعرفون، والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه". وقال: "وأما عليّ بن أبي طالب ﵇ "كذا"
стр. 621
فانتشرت أحكامه وفتاويه ولكن قاتل الله الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه, ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته, وأصحاب عبد الله بن مسعود "كعبيدة" السلماني، وشريح، وأبي وائل ونحوهم، وكان ﵁ وكرم وجهه يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه كما قال: "إن هاهنا علما لو أصبت له حملة"١, فمن ثم اختلفت أنظار العلماء وأقوالهم في بعض الأشخاص تبعا لهذه الاعتبارات, فلعل مسروقا لقرب عهده من الصحابة اطلع على قدر كبير من علمهما وفتاويهما, فصدر منه هذا الحكم، بينما ابن حزم لتأخر زمنه لم يطلع إلا على القليل من فتاويهما فحكم عليهما بالقلة، فكن على بينة من هذا ولا يشكلن عليك مثل هذا.
"العبادلة الأربعة":
سئل الإمام أحمد بن حنبل, فقيل له: من العبادلة؟ قال: "عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص", فقيل له: فأين ابن مسعود؟ فقال: "ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة", وعلل لذلك الإمام البيهقي فقال: "لأن ابن مسعود تقدم موته وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة أو فعلهم".
وهذا هو الصحيح المشهور بين علماء الحديث والفقه، وقيل: هم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير منهم, وعليه اقتصر الجوهري في الصحاح, وأما ما حكاه الإمام النووي في "تهذيبه" عنه: أنه ذكر ابن مسعود، وأسقط ابن العاص فوهم، وذكر الرافعي في "الديات" والزمخشري في "المفصل" أن العبادلة هم: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس, وقد غلطا في ذلك من حيث الاصطلاح.
стр. 622
وقد سمي بعبد الله من الصحابة كثيرون قيل نحو مائتين وعشرين كما قال ابن الصلاح في مقدمته, واستدرك عليه ابن فتحون كثيرين، والذي حققه العراقي أنهم يبلغون نحو الثلاثمائة١.
стр. 623
" عدد الصحابة ":
قد حظي بشرف صحبة رسول الله ﷺ الألوف ممن لا يحصيهم العدد، ولا يجمعهم ديوان روى البخاري في صحيحه أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن تبوك: "وأصحاب رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ" يعني الديوان١، وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن أبي زرعة الرازي، وقد قيل له: أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ فقال: ومن قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قوله الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ؟! قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع، وفي رواية: ممن رآه وسمعه، فقيل له: يا أبا زرعة أين كانوا؟ وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع كل رآه، وسمع منه بعرفه.
وقد استشكل الحافظ العراقي التحديد بهذا العدد وقال: "وكيف يمكن الاطلاع على تحديد ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى" ثم قال: وقريب منه ما أسنده أبو موسى المديني في ذيله على كتاب "الصحابة" لابن منده على أبي زرعة الرازي قال: توفي النبي ﷺ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، وكل قد روى سماعا أو رؤية، وهذا لا تحديد فيه، فاعتراضه في الحقيقة على التحديد لا على الكثرة.
стр. 624
والذي يظهر لي أن أبا زرعة إنما أراد التقريب لا التحديد، وأنه قال ذلك اجتهادا فقد روى ابن الصلاح عن أبي زرعة أنه سئل عن عدة من روى عن النبي ﷺ فقال: "ومن يضبط هذا؟ شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع أربعون ألفا، وشهد معه تبوك سبعون ألفا".
وروى أبو بكر الساجي في مناقب الشافعي بسند جيد عنه أنه قال: "قبض رسول الله والمسلمون ستون ألفا: ثلاثون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغير ذلك", والحق أن ضبط العدد على التحديد الدقيق متعذر وأن كلا قال ما قال على اجتهاده، وما وصل إليه علمه، ولعل ما ذكره أبو زرعة هو الأقرب إلى الحق والصواب.
ولا يشكلن عليك أن جميع ما ألف في الصحابة من كتب لا يزيد عددهم فيها عن عشر هذا المقدار إلا قليلا, وأوفاها وهو الإصابة مجموع التراجم التي فيها "١٢٢٨٩" بما في ذلك المكرر للاختلاف في اسم الصحابي أو شهرته بلقب، أو كنية أو نحو ذلك، وبما فيه أيضا ممن ذكره بعض المؤلفين في الصحابة وليس منهم؛ لأنه ليس بلازم أن كل صحابي يصل خبره إلى الرواة المؤلفين مهما بالغوا في التتبع والاستقصاء، فكثير منهم أعراب حضروا حجة الوداع، ثم رجعوا إلى البادية, فلم يعلم عنهم خبر، وكثير منهم مات في حروب الردة، وفي الفتوحات في عهد أبي بكر وعمر ﵄ وفي الطاعون العام كعمواس وغير ذلك, وكل هذا من أسباب خفاء الأسماء وضياع الأخبار.
ومهما يكن من شيء فتحديد أحاديث رسول الله ﷺ بأربعة آلاف مقالة زنديق ولا ريب يقصد بها التشكيك في الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام وهي السنة، ورحم الله الإمام الجليل أبا زرعة لتنبيهه إلى ذلك، وشكر الله ﵎ له على هذه الالتفاتة الذكية الواعية، وليس أدل على هذا من أن الدواوين الواسعة المؤلفة في
стр. 625
الأحاديث من الصحاح، والمسانيد والسنن، والجوامع، والأجزاء تضم الألوف الكثيرة الثابتة من الأحاديث الصحاح والحسان.
стр. 626
" طبقات الصحابة ":
من العلماء من نظر إلى الصحابة من حيث اشتراكهم في شرف الصحبة, فجعلهم طبقة واحدة, كالإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي "م٣٥٤", وغيره من العلماء من نظر إليهم باعتبار سبقهم إلى الإسلام والهجرة وشهودهم المشاهد الفاضلة, فجعلهم طبقات, وقد استدلوا لهذا بقول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الآية١، وقول الرسول: "ولو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، وغير ذلك مما ورد فيه تفضيل أهل بدر والحديبية على غيرهم, وذكر فضائل بعض الصحابة التي يستدل بها على منازلهم, ومن هؤلاء محمد بن سعد, فقد جعلهم في كتابه "الطبقات" خمس طبقات، وزاد بعضهم أكثر من ذلك، والمشهور ما ذهب إليه الحاكم فقد جعلهم اثنتي عشرة طبقة وها هي:
١- قوم تقدم إسلامهم بمكة كالخلفاء الأربعة.
٢- الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة.
٣- مهاجرة الحبشة.
٤- أصحاب العقبة الأولى.
٥- أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
٦- أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بقباء قبل أن يدخل المدينة.
٧- أهل بدر.
٨- الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
٩- أهل بيعة الرضوان في الحديبية.
١٠- من هاجر بين الحديبية وفتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
١١- مسلمة الفتح الذين أسلموا في فتح مكة.
١٢- صبيان وأطفال رأوا النبي ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرهما.
стр. 627
أفضل الصحابة
مدخل
...
"أفضل الصحابة":
وأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان, وهو أبو قحافة التيمي, ثم من بعده عمر بن الخطاب, وذلك بإجماع أهل السنة. قال القرطبي: "ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع ولا أهل البدع". ثم عثمان بن عفان, ثم علي بن أبي طالب, وهذا رأي المهاجرين والأنصار حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة فانحصر في عثمان وعليّ. واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها حتى سأل النساء في خدورهن، والصبيان في المكاتب, فلم يعدلوا بعثمان أحدا فقدمه على عليّ وولاه الأمر قبله. ولهذا قال الدارقطني: "من قدم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار". وعلى هذا جمهور الفقهاء والمحدثين والأشعري والباقلاني وكثير من المتكلمين والدليل عليه قول ابن عمر: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر, ثم عثمان", رواه البخاري ورواه الطبراني في الكبير عنه بلفظ: "كنا نقول ورسول الله حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله ولا ينكره", وذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري ولكن يقال: إنه رجع عنه، ونقل مثله عن وكيع بن الجراح، ونصرة بن خزيمة والخطابي.
ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، ثم بعدهم أهل بدر وهم ثلاثمائة وبضعة عشرة ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان.
وممن لهم مزية فضل على غيرهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، واختلف في المراد بهم على أربعة أقوال فقيل: هم أهل بيعة
стр. 628
الرضوان، وهو قول الشعبي، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة وغيرهم، وقيل: هم أهل بدر, وهو قول محمد بن كعب القرظي وعطاء بن يسار, وقيل: هم الذين أسلموا قبل فتح مكة، وهو قول الحسن البصري، وممن لهم مزية أيضا أهل العقبتين من الأنصار رضي الله عن الجميع.
стр. 629
" خصائص بعض الصحابة ":
لقد خص رسول الله ﷺ بعض أعيان أصحابه بخصائص ومميزات، ووسمهم بصفات، منها ما يرجع إلى الصفات الجبلية كالرحمة واللين أو الشدة والصلابة في الحق، ومنها ما يرجع إلى الصفات الكسبية كالفقه، والعلم بالحلال والحرام، والأمانة والصدق في القول ونحوها, وهذه الخصائص والمميزات لا تقتضي تفضيلا عاما، وقد يكون في الفاضل من الصفات ما ليس في الأفضل من ذلك ما رواه الترمذي بسنده عن أنس عن النبي ﷺ قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم -أي أعلمهم بالمواريث- زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". وروى الحاكم وصححه حديث: "أفرض أمتي زيد" , ورواه أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب بأوفى من هذا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "أرحم أمتي بها أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ، وأفرضهم زيد وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأبو هريرة وعاء للعلم -أو قال: وعاء العلم- وعند سلمان علم لا يدرك، وما أظلت الخضراء -السماء- ولا أقلت الغبراء -أي الأرض- من ذي لهجة أصدق من أبي ذر". وروي أيضا مرفوعا: "عليّ
стр. 630
أقضى أمتي، وأبي أقرؤهم، وأبو عبيدة أمينهم", وروي عن عمر من وجوه: "عليّ أقضانا وأبي أقرؤنا", وقال سعيد بن المسيب: "كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن" يعني عليًّا، وقال النبي ﷺ في ابن مسعود: "من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، وقال: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود -فبدأ به- وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل" , رواه البخاري إلى غير ذلك مما ورد في خصائص بعض الصحابة.
стр. 631
" أزواجه ﷺ ":
أفضل نساء هذه الأمة أزواج النبي قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ , وأفضل أزواجه خديجة وعائشة، وقد اختلف العلماء في التفضيل بينهما، فمنهم من فضل خديجة، ومنهم من فضل عائشة ومنهم من توقف في التفضيل بينهما، وقد استدل القائلون بتفضيل عائشة بما يأتي:
١- ما اشتهرت به من الفقه والعلم.
٢- ولنزول تبرئتها من فوق سبع سماوات.
٣- ولأنها كانت أحب نسائه إليه.
٤- ولما رواه البخاري في صحيحه مرفوعا: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
واختار السبكي في "الحلبيات" تفضيل خديجة ثم عائشة ثم حفصة ثم الباقيات سواء, والذي أرجحه ما ذهب إليه السبكي من تفضيل خديجة ﵂ وذلك:
١- لأنها أول من آمن بالنبي وواسته بنفسها ومالها، ووفرت له في حياتها كل وسائل الراحة النفسية والبيتية وأعانته على تأدية رسالته.
٢- وأيضا فقد روى البخاري ومسلم عن علي قال:
стр. 632
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" أي كل منهما خير نساء زمانها.
٣- ورويا أيضا بسنديهما عن أبي هريرة قال: "أتى جبريل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب, فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني السلام, وبشرها ببيت في الجنة من قصب١ لا صخب فيه ولا نصب", فقد أقرأها ربها السلام، ولم يثبت ذلك لأحد من نساء النبي, وكل ما ثبت لعائشة إقراء جبريل السلام لها, وقد وفرت السيدة خديجة للنبي ﷺ كل وسائل الراحة في دنياها, فكان جزاء وفاقا أن يوفر الله سبحانه لها كل وسائل الراحة والنعيم في أخرها، وقد زاد الطبراني في رواية الصحيحين السابقة أنها قالت: "هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام" في رواية النسائي، "وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته", وفي هذا الجواب ما يدل على فقهها, ووفور عقلها، وحسن أدبها ﵂.
٤- وأصرح من ذلك في الدلالة على تفضيلها على عائشة ما رواه ابن مردويه في تفسيره بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث ٢ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد٣ على سائر الطعام".
"عرفان الرسول لها فضلها": فلا تعجب إذا كان رسول الله ﷺ حزن لموتها حزنا شديدا, وكان دائم الذكر لها والترحم عليها, روي عن عائشة
стр. 633
قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها فذكرها يوما من الأيام فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها، فغضب، ثم قال: "والله ما أبدلني خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها" , وقالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبة أبدا. رواه أحمد والطبراني.
ولم يقف الأمر عند ذكرها، بل كان يحب حبيباتها، ويصلهن فكان يذبح الشاة ويقطعها ويقول: أرسلوا إلى صديقات خديجة, رواه البخاري، وكانت تستأذن عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة فيذكره صوتها بصوت خديجة، وحديثها العذب، وأيامها الحلوة فيهش لها، وترتاح نفسه لذلك، وتشرق أسارير وجهه، وجاءته ذات يوم امرأة عجوز من صويحباتها, فأحسن لقاءها، وصار يسأل عن أحوالها وما صارت إليه, فقالت عائشة لما خرجت: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: "إنها كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان" , رواه الحاكم والبيهقي في الشعب ومما كافأ النبي به خديجة ﵂ وأرضاها- في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها وهذا أمر متفق عليه، وقد عاش معها زهرة شبابه ومعظم حياته الزوجية, فقد عاش النبي بعد زواجها ثمانيا وثلاثين عاما انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما تقريبا وبذلك صان قلبها فيها من الغيرة التي هي من ملازمات النساء، ومن تكدير الضرائر لها، وهي فضيلة لم يشاركها فيها أحد غيرها من نساء النبي.
"التفضيل بين عائشة وفاطمة": وكذلك اختلفوا في التفضيل بين السيدة فاطمة والسيدة عائشة ﵂ على ثلاثة أقوال:
стр. 634
١- فاطمة أفضل.
٢- عائشة أفضل.
٣- التوقف في هذا.
والأصح تفضيل فاطمة من حيث كونها بضعة منه ﷺ ففي صحيح البخاري: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" , وفي الصحيح أيضًا مرفوعًا: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" وقد صحح هذا الرأي السبكي في "الحلبيات" وبالغ في تصحيحه، وقد ثبت في الصحيح أنها سيدة هذه الأمة، وروى النسائي عن حذيفة مرفوعًا قال: "هذا ملك من الملائكة استأذن ربه ليسلم عليّ, وبشرني أن حسنًا وحسينًا سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة" , وفي مسند الحارث بن أسامة بسند صحيح لكنه مرسل: "مريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها", ورواه البخاري موصولًا من حديث علي بلفظ: "خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة" , قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يفسر المتصل يعني أن المراد نساء عالمها. قال الحافظ ابن حجر: "وأقوى ما يستدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها ومن بعدهن ما ذكر من قوله ﷺ : "إنها سيدة نساء العالمين إلا مريم" , وأنها رزئت بالنبي ﷺ ، فإنهن متن في حياته فكن في صحيفته، ومات هو في حياتها فكان في صحيفتها وكنت أقول ذلك استنباطا إلى أن وجدته منصوصًا، فذكر ما رواه ابن جرير الطبري في تفسير سورة آل عمران من تفسيره"١.
"بين السيدة خديجة والسيدة فاطمة": وكذلك اختلف في التفضيل بين خديجة وابنتها فاطمة، فمن العلماء من فضل أمها لما ذكرنا في فضلها، ومنهم من فضل فاطمة؛ لأنها بضعة منه ﷺ قال السبكي الكبير: "الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة أفضل ثم عائشة أفضل", وقيل: إنهما سواء وهذا الرأي أولى وهو ما أميل إليه ويشهد له ما ذكرناه من حديث: "خير نسائها خديجة". وحديث: "خير نسائها
стр. 635
فاطمة", وما رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث ابن عباس رفعه: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" , فقد سوى بينهما.
وقد سئل السبكي: هل قال أحد: إن أحدا من نساء النبي ﷺ غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: "قال به من لا يعتد بقوله، وهو من فضل نساء النبي ﷺ على جميع الصحابة؛ لأنهن في درجته ﷺ في الجنة، قال: وهو قول ساقط مردود", قال الحافظ ابن حجر: وقائل هذا هو أبو محمد بن حزم وفساده ظاهر١، وقد استطردت في هذا الموضوع؛ لأنه يكثر فيه السؤال والاستفسار، والحمد لله الذي وفقنا لهذا البيان، وجمعه من مصادره المتعددة.