" أزواجه ﷺ ":
أفضل نساء هذه الأمة أزواج النبي قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ , وأفضل أزواجه خديجة وعائشة، وقد اختلف العلماء في التفضيل بينهما، فمنهم من فضل خديجة، ومنهم من فضل عائشة ومنهم من توقف في التفضيل بينهما، وقد استدل القائلون بتفضيل عائشة بما يأتي:
١- ما اشتهرت به من الفقه والعلم.
٢- ولنزول تبرئتها من فوق سبع سماوات.
٣- ولأنها كانت أحب نسائه إليه.
٤- ولما رواه البخاري في صحيحه مرفوعا: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
واختار السبكي في "الحلبيات" تفضيل خديجة ثم عائشة ثم حفصة ثم الباقيات سواء, والذي أرجحه ما ذهب إليه السبكي من تفضيل خديجة ﵂ وذلك:
١- لأنها أول من آمن بالنبي وواسته بنفسها ومالها، ووفرت له في حياتها كل وسائل الراحة النفسية والبيتية وأعانته على تأدية رسالته.
٢- وأيضا فقد روى البخاري ومسلم عن علي قال:
стр. 632
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" أي كل منهما خير نساء زمانها.
٣- ورويا أيضا بسنديهما عن أبي هريرة قال: "أتى جبريل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب, فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني السلام, وبشرها ببيت في الجنة من قصب١ لا صخب فيه ولا نصب", فقد أقرأها ربها السلام، ولم يثبت ذلك لأحد من نساء النبي, وكل ما ثبت لعائشة إقراء جبريل السلام لها, وقد وفرت السيدة خديجة للنبي ﷺ كل وسائل الراحة في دنياها, فكان جزاء وفاقا أن يوفر الله سبحانه لها كل وسائل الراحة والنعيم في أخرها، وقد زاد الطبراني في رواية الصحيحين السابقة أنها قالت: "هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام" في رواية النسائي، "وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته", وفي هذا الجواب ما يدل على فقهها, ووفور عقلها، وحسن أدبها ﵂.
٤- وأصرح من ذلك في الدلالة على تفضيلها على عائشة ما رواه ابن مردويه في تفسيره بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث ٢ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد٣ على سائر الطعام".
"عرفان الرسول لها فضلها": فلا تعجب إذا كان رسول الله ﷺ حزن لموتها حزنا شديدا, وكان دائم الذكر لها والترحم عليها, روي عن عائشة
стр. 633
قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها فذكرها يوما من الأيام فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها، فغضب، ثم قال: "والله ما أبدلني خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها" , وقالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبة أبدا. رواه أحمد والطبراني.
ولم يقف الأمر عند ذكرها، بل كان يحب حبيباتها، ويصلهن فكان يذبح الشاة ويقطعها ويقول: أرسلوا إلى صديقات خديجة, رواه البخاري، وكانت تستأذن عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة فيذكره صوتها بصوت خديجة، وحديثها العذب، وأيامها الحلوة فيهش لها، وترتاح نفسه لذلك، وتشرق أسارير وجهه، وجاءته ذات يوم امرأة عجوز من صويحباتها, فأحسن لقاءها، وصار يسأل عن أحوالها وما صارت إليه, فقالت عائشة لما خرجت: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: "إنها كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان" , رواه الحاكم والبيهقي في الشعب ومما كافأ النبي به خديجة ﵂ وأرضاها- في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها وهذا أمر متفق عليه، وقد عاش معها زهرة شبابه ومعظم حياته الزوجية, فقد عاش النبي بعد زواجها ثمانيا وثلاثين عاما انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما تقريبا وبذلك صان قلبها فيها من الغيرة التي هي من ملازمات النساء، ومن تكدير الضرائر لها، وهي فضيلة لم يشاركها فيها أحد غيرها من نساء النبي.
"التفضيل بين عائشة وفاطمة": وكذلك اختلفوا في التفضيل بين السيدة فاطمة والسيدة عائشة ﵂ على ثلاثة أقوال:
стр. 634
١- فاطمة أفضل.
٢- عائشة أفضل.
٣- التوقف في هذا.
والأصح تفضيل فاطمة من حيث كونها بضعة منه ﷺ ففي صحيح البخاري: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" , وفي الصحيح أيضًا مرفوعًا: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" وقد صحح هذا الرأي السبكي في "الحلبيات" وبالغ في تصحيحه، وقد ثبت في الصحيح أنها سيدة هذه الأمة، وروى النسائي عن حذيفة مرفوعًا قال: "هذا ملك من الملائكة استأذن ربه ليسلم عليّ, وبشرني أن حسنًا وحسينًا سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة" , وفي مسند الحارث بن أسامة بسند صحيح لكنه مرسل: "مريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها", ورواه البخاري موصولًا من حديث علي بلفظ: "خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة" , قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يفسر المتصل يعني أن المراد نساء عالمها. قال الحافظ ابن حجر: "وأقوى ما يستدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها ومن بعدهن ما ذكر من قوله ﷺ : "إنها سيدة نساء العالمين إلا مريم" , وأنها رزئت بالنبي ﷺ ، فإنهن متن في حياته فكن في صحيفته، ومات هو في حياتها فكان في صحيفتها وكنت أقول ذلك استنباطا إلى أن وجدته منصوصًا، فذكر ما رواه ابن جرير الطبري في تفسير سورة آل عمران من تفسيره"١.
"بين السيدة خديجة والسيدة فاطمة": وكذلك اختلف في التفضيل بين خديجة وابنتها فاطمة، فمن العلماء من فضل أمها لما ذكرنا في فضلها، ومنهم من فضل فاطمة؛ لأنها بضعة منه ﷺ قال السبكي الكبير: "الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة أفضل ثم عائشة أفضل", وقيل: إنهما سواء وهذا الرأي أولى وهو ما أميل إليه ويشهد له ما ذكرناه من حديث: "خير نسائها خديجة". وحديث: "خير نسائها
стр. 635
فاطمة", وما رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث ابن عباس رفعه: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" , فقد سوى بينهما.
وقد سئل السبكي: هل قال أحد: إن أحدا من نساء النبي ﷺ غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: "قال به من لا يعتد بقوله، وهو من فضل نساء النبي ﷺ على جميع الصحابة؛ لأنهن في درجته ﷺ في الجنة، قال: وهو قول ساقط مردود", قال الحافظ ابن حجر: وقائل هذا هو أبو محمد بن حزم وفساده ظاهر١، وقد استطردت في هذا الموضوع؛ لأنه يكثر فيه السؤال والاستفسار، والحمد لله الذي وفقنا لهذا البيان، وجمعه من مصادره المتعددة.
стр. 636
" أول الصحابة إسلاما ":
قد اختلف العلماء في أول الصحابة إسلاما.
١- فقيل أولهم الصديق أبو بكر, وإلى هذا ذهب غير واحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم, وهو المروي عن أبي بكر وابن عباس وحسان وغيرهم, يدل على ذلك ما رواه مسلم عن عمرو بن عنبسة في قصة إسلامه, وقوله للنبي ﷺ : من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد", ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به، وروى الطبراني في المعجم الكبير عن الشعبي قال: سألت ابن عباس: من أول من أسلم؟ فقال: أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فذكرك أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا
стр. 637
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن خالد بن سعيد قال: سئل الشعبي عن أول من أسلم فقال: أما سمعت قول حسان وذكر الشعر السابق، وروى الترمذي من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: "قال أبو بكر: الست أول من أسلم ... " الحديث, والحق أنه أول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين وأول من أعلن إسلامه.
٢- وقيل: أول من أسلم علي بن أبي طالب, وإليه ذهب كثير من الصحابة كأبي ذر وسلمان، وخباب بن الأرت، وزيد بن أرقم وغيرهم، ورواه الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: "أول من أسلم عليّ وروى الطبراني أيضا أن النبي ﷺ قال: "السباق ثلاثة: السابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد ﷺ عليّ بن أبي طالب", وفي إسناده "حسين الأشقر" كوفي منكر الحديث كما قال أبو زرعة، وقال البخاري: فيه نظر، وروى الطبراني أيضا عن أبي ذر وسلمان قالا: أخذ رسول الله ﷺ بيد عليّ وقال: "إن هذا أول من آمن بي", وفي إسناده إسماعيل بن موسى السدي ضعيف, قال ابن عدي: أنكروا منه غلوه في التشيع، وروى الطبراني عن سلمان موقوفا عليه: "أول هذه الأمة ورودا على نبيها أولهم إسلاما عليّ بن أبي طالب", وروي أيضا نحوه مرفوعا بسند فيه انقطاع، وروى أحمد مثله مرفوعا بسند فيه مجهول، وروى أحمد أيضا عن عليّ قال: "أنا أول من صلى لله مع رسول الله ﷺ ", وفي سنده حبة بن جوين العرني ضعفه الجمهور, وهو من غلاة الشيعة، وروى الحاكم في المستدرك من رواية مسلم الملائي قال: "نبئ النبي ﷺ يوم الاثنين وأسلم عليّ يوم الثلاثاء", وادعى الحاكم إجماع أهل التاريخ على هذا القول. قال ابن الصلاح: واستنكر هذا من الحاكم, فقد ذكر بعض أهل التاريخ كعمر بن شبة أن خالد بن سعيد بن العاص أسلم قبل عليّ, وهذا وإن كان الصحيح خلافه, ولكنه ينقص دعوى الإجماع, وقال ابن إسحاق في السيرة: أول من أسلم خديجة
стр. 638
ثم عليّ بن أبي طالب ... وهو ينقضها أيضا١, وأنشد القضاعي لعليّ ﵁:
سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمي
وقال كعب بن زهير يمدح عليًّا من قصيدة له:
إن عليًّا لميمون نقيبته ... بالصالحات من الأعمال مشهور
صهر النبي وخير الناس مفتخرا ... فكل من رامه بالفخر مفخور
صلى الطهور مع الأمي أولهم ... قبل المعاد ورب الناس مكفور
٣- وقيل: أول من أسلم زيد بن حارثة روى ذلك معمر عن الزهري.
٤- وقيل: أول من أسلم أم المؤمنين خديجة ﵂, روي ذلك من وجوه عن الزهري, وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق في السيرة، وروي عن ابن عباس، وادعى الثعلبي المفسر إجماع العلماء على ذلك وأن الاختلاف إنما هو فيمن أسلم بعد، ورواه أحمد في مسنده والطبراني عن ابن عباس, وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن خديجة أول من أسلم ثم عليّ بعدها، ثم ذكر أن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه, ثم روي عن محمد بن كعب القرظبي أن عليًّا أخفي إسلامه عن أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه, ولذلك أشبه على الناس، وروى الطبراني في الكبير من رواية محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده -أي أبي رافع- قال: "صلى النبي ﷺ غداة الاثنين، وصلت خديجة يوم الاثنين من آخر النهار، وصلى عليّ يوم الثلاثاء", قيل: المراد صلاة ركعتين بالغداة, ومثلها بالعشيّ قيل: فرضا. وقيل: نفلا أما الصلوات الخمس المفروضة, فلم تفرض إلا ليلة الإسراء والمعراج باتفاق قبيل الهجرة, وإليك مقالة ابن إسحاق في سيرته: "أول من أسلم خديجة، ثم
стр. 639
عليّ, وهو يومئذ ابن عشر سنين, ثم زيد بن حارثة, وكان أول ذكر أسلم, وصلى بعد عليّ بن أبي طالب، ثم أبو بكر بن أبي قحافة، فأظهر إسلامه, ودعا إلى الله وإلى رسوله, فأسلم بدعائه عثمان بن عفان, والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله, فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له, فأسلموا وصلوا، فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام"١.
وفي الحق أن حديث الصحيحين في بدء الوحي يدل على أنها أول من آمنت به, فقد قالت للنبي لما أخبرها الخبر, وأنه خشي على نفسه: "ما كان الله ليفعل بك, إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق", ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل فأخبر النبي أنه هو الناموس الذي كان ينزل على موسى وبشره بالنبوة, فكأنها لما سمعت ذلك آمنت به.
٥- وقال العراقي: ينبغي أن يقال إن أول من آمن من الرجال ورقة ابن نوفل لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة في قصة بدء الوحي ونزول صدر سورة ﴿اقْرَأْ﴾ , وهو الحديث الذي أشرنا إليه آنفا, فقد قال ورقة للنبي بعد أن بشره بالنبوة: "ليتني فيها جذعا، ليتني حيا إذ يخرجك قومك, فقال النبي: "أومخرجيّ هم؟ " , قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي, وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا", ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي٢.
وقد روى أبو يعلى والبزار في مسنديهما أن النبي سئل عن ورقة فقال: "أبصرته في بطنان الجنة عليه سندس" , وفي رواية البزار: "عليه حلة من سندس" , ويظهر لي أنه لولا تقدم وفاته قبل البعثة لعده
стр. 640
البعض أول من أسلم, وحق له ذلك قال ابن الصلاح، وتبعه النووي, والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن النساء خديجة, ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال، ويحكى هذا التوفيق بين الروايات عن الإمام أبي حنيفة, وهو توفيق حسن.
وهناك أقوال أخرى غير مشهورة منها: إن أول من أسلم خالد بن سعيد ابن العاصي, وهو قول ضعيف، ومنها: إن أول من أسلم خباب بن الأرت، ومنها: أولهم بلال, ومنها: أولهم عبد الرحمن بن عوف. والذي يظهر لي في كثرة هذه الآراء والأقوال المتغايرة أن كلا أخبر بما علم, وقد يكون عند أحدهم من العلم ما ليس عند الآخر، وقد يقول أحدهم قولا ثم يظهر له خلافه, فيرجع عنه إلى غيره، ولا ينقل عنه الرجوع، وأن اللغة العربية باب التجوز فيها واسع, فقد يقول قائل: فلان أول الناس إسلاما مثلا ويريد أنه من أولهم، أو أنه بالنسبة لمن تأخر عنه، فكن على ذكر من هذا إذا عرض لك ما يشبه هذا.
стр. 641
" آخر الصحابة موتا ":
كما عني المحدثون بالصحابة من حيث بيان صحبتهم وعدالتهم وطبقاتهم وتفاوتهم في الفضل والمنزلة، وأولهم إسلاما، وتواريخهم وسيرهم, عنوا بهم من حيث بيان وفياتهم ومتى ماتوا؟ وأين ماتوا؟ وقد تبين لهم بعد الاستقراء والتتبع أنه لم يتأخر أحد منهم عن مائة سنة من وفاته ﷺ مصداقا للحديث الصحيح المتفق عليه الذي ذكرناه في بحث ثبوت الصحبة فيما سبق, وستجد اختلافا كبيرا فيما ذكروه في سنوات وأماكن وفياتهم سواء أكان ذلك في الآخرية المطلقة أو في الآخرية المقيدة بالأقطار والأمصار، والبلدان، فلا يهولنك كثرة الاختلاف في هذا؛ لأن الضبط الدقيق في مثل هذا متعذر، ولأن كل واحد حدث
стр. 642
بما علم على حسب ما رأى أو سمع, وقد يرى أحدهما ما لا يرى الآخر، أو يسمع ما لم يسمع الآخر, وقد يكون منشأ هذا الاختلاف في الآخرية اختلافهم في موطن وفاته, فمثلا الذي عليه الجمهور أن آخر الصحابة موتا بالمدينة سهل بن سعيد قاله عليّ بن المديني والواقدي ومحمد بن سعد وغيرهم، ولكن قتادة يرى أنه توفي بمصر فمن ثم جعل آخرهم وفاة بالمدينة جابر بن عبد الله، وقال أبو بكر بن أبي داود أنه توفي بالأسكندرية ولذلك جعل آخرهم وفاة بالمدينة السائب بن يزيد, وقد مات بالمدينة بلا خلاف أما جابر فيرى ابن أبي داود أنه مات بمكة١, وإن كان المشهور وفاته بالمدينة, وهذا مثل من أمثلة كثيرة يهون عليك كثرة هذا الاختلاف.
وآخر الصحابة موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي مات سنة مائة من الهجرة قاله مسلم في صحيحه, ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط، وقيل سنة اثنين ومائة، وقيل سبع ومائة، وقيل عشر ومائة, وهو الذي صححه الذهبي, ويؤيد هذا الأخير ما رواه وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: كنت بمكة سنة عشر ومائة فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا: "هذا أبو الطفيل" ويدل على أن أبا الطفيل آخرهم موتا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي الطفيل قال: "رأيت رسول الله ﷺ ، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري", وكانت وفاته ﵁ بمكة.
قال الحافظ العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة, فهذا باطل لا أصل له، والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة, فقد حكى ذلك في كتابه "المعارف", وهو كثير الغلط، ومع ذلك فالحكاية
стр. 643
بغير إسناد وهي محتملة للتأويل بأنه استكمل المائة بعد الجمل لا أنه بقي بعدها مائة سنة.
وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتا سهل بن سعد, فالظاهر أنه أراد بالمدينة وأنه أخذه من قول سهل: "لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله ﷺ ", وإنما كان خطابه لأهل المدينة.
وأما بالنسبة إلى النواحي والمدن والأقطار فإليك آراءهم في هذا.
آخر الصحابة موتا بالمدينة: سهل بن سعد، وقيل: السائب بن يزيد، وقيل: جابر بن عبد الله، والحق ما قاله العراقي: إن آخرهم موتا بالمدينة محمود بن الربيع الذي عقل من النبي مجة مجها في وجهه, وهو ابن خمس سنين كما رواه البخاري وكانت وفاته سنة تسع وتسعين.
وآخر الصحابة موتا بمكة: هو أبو الطفيل عامر بن واثلة على الصحيح, وآخرهم موتا بالبصرة: أنس بن مالك مات سنة تسعين، وقيل: إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين.
وآخرهم موتا بالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى مات سنة ست وثمانين وقيل: سبع، وقيل: ثمان, وقال ابن المديني: أبو جحيفة. والأول أصح فإنه مات سنة ثلاث وثمانين، وقد اختلف في وفاة عمرو بن حريث فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين, فإن صح الثاني, فهو آخرهم موتا بها، وابن أبي أوفى آخر من مات من أهل بيعة الرضوان.
وآخرهم موتا بالشام: عبد الله بن بسر المازني, قاله كثيرون, مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ست وتسعين, وهو آخر من مات ممن صلى إلى القبلتين, وقيل: آخرهم أبو أمامة الباهلي, قاله الحسن البصري، وابن عيينة, والصحيح الأول؛ لأن أقصى ما قيل في وفاته: سنة ست وثمانين، وقيل: آخرهم واثلة بن الأسقع، وموته بدمشق وقيل: ببيت المقدس
стр. 644
وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين وقيل: ست.
وآخرهم بالجزيرة: العرس بن عميرة الكندي.
وآخرهم بفلسطين: أبو أبي عبد الله بن أم حرام ربيب عبادة بن الصامت مات ببيت المقدس.
وآخرهم بمصر: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مات سنة خمس وثمانين, وقيل: وسبع, وقيل: وتسع, وكانت وفاته "بسفط القدور" وتعرف الآن "بسفط أبي تراب".
وآخرهم باليمامة الهرماس بن زياد الباهلي سنة اثنتين ومائة أو بعدها.
وآخرهم ببرقة: رويفع بن ثابت الأنصاري وقبره بها, وقيل: غير ذلك مات سنة ثلاث وستين, وقيل: ست وستين.
وآخرهم بالبادية: سلمة بن الأكوع, قاله أبو زكريا ابن منده, والصحيح أنه نزل المدينة قبل موته بليال, فمات بها سنة أربع وسبعين, وقيل: أربع وستين.
وآخرهم موتا بخراسان: أبو برزة الأسلمي غزا بخراسان ومات بها سنة أربع وستين.
وآخرهم بسجستان: العداء بن خالد بن هوذة، وآخرهم بأصبهان النابغة الجعدي، وآخرهم بالطائف عبد الله بن عباس وقبره بها مشهور، وآخرهم بسمرقند قثم بن العباس ﵃ وأرضاهم أجمعين١.
"لطائف وعجائب": منها ما ذكره العلماء في هذا الباب من أنه لا يعرف أب وابنه شهدا بدرا إلا مرثد وأبوه أبو مرثد بن الحصين
стр. 645
الغنوي وأعجب من هذا ما ذكره السيوطي أن الأخنس السلمي شهد هو وابنه يزيد وابن ابنه معين بدرا مسلمين، وأنه لا يعرف سبعة إخوة شهدوا بدرا مسلمين إلا بنو عفراء: معاذ، ومعوذ، وإياس، وخالد، وعاقل، وعامر، وعوف، ولم يشهدها مؤمن ابن مؤمنين إلا عمار بن ياسر، ومن عجيب ذلك: امرأة لها أربعة إخوة، وعمان شهدوا بدرا: أخوان وعم مع المسلمين وأخوان وعم مع المشركين، وهي أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، أخواها المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، والعم المسلم معمر بن الحارث، وأخواها المشركان: الوليد بن عتبة، وأبو عزيز، والعم المشرك شبية بن ربيعة، ومن المفاخر ما قاله ابن الصلاح: بنو مقرن المزنيون: سبعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي ﷺ ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة في هذه المكرمة غيرهم، وقد قيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم، والسبعة هم: النعمان، ومعقل, وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، وسابع لم يسم لنا، وقد استدرك عليه العراقي, فقال: إنه قد سمى لنا سابع وثامن وتاسع وهم: نعيم بن مقرن، وضرار بن مقرن، وعبد الله بن مقرن، وذكر بعض مآثرهم ومفاخرهم, بل قال الطبري: إنهم كانوا عشرة إخوة، وكذلك استدرك عليه العراقي بأنهم لم ينفردوا بهذه المآثر الخالدة, وأنهم شاركهم فيها أولاد الحارث بن قيس السهمي كلهم هاجر وصحب النبي ﷺ ، وعدهم ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة سبعة، وقد تتبعهم العراقي فوجدهم تسعة، وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس أولاد الحارث بن قيس السهمي, ثم قال: فهؤلاء تسعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي ﷺ وهم أشرف نسبا في الجاهلية والإسلام, وزادوا على بقية الإخوة بأن استشهد منهم سبعة في سبيل الله فقتل تميم، والحارث، والحجاج بأجنادين وقتل سعد يوم اليرموك، وقتل السائب يوم فحل، وقيل: يوم الطائف، وقتل عبد الله يوم الطائف وقيل:
стр. 646
باليمامة، وقتل أبو قيس يوم اليمامة١.
ومن اللطائف والمفاخر ما قالوا: لم يعرف أربعة أدركوا النبي ﷺ متوالدون إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة, وإلا أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ﵃، وقال شيخ الإسلام ابن حجر: "وقد ذكرنا أن أسامة ولد له في حياة النبي ﷺ فعلى هذا يكون كذلك إذ حارثة والد زيد صحابي كما جزم به المنذري في مختصر مسلم، وحديث إسلامه في مستدرك الحاكم، وكذا زيد وأسامة.
وكذا إياس بن سلمة بن عمرو بن الأكوع؛ الأربعة ذكروا في الصحابة, وطلحة بن معاوية بن خالد بن العباس بن مرداس في أمثلة أخرى لا تصح، وقال السيوطي: ليس في الصحابة من اسمه "عبد الرحيم" ولا من التابعين ولا من اسمه "إسماعيل" من وجه يصح إلا واحد بصري روى عنه أبو بكر بن عمارة حديث: "لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".
стр. 647
" المؤلفون في الصحابة ":
لقد ألف كثيرون من الأئمة في الصحابة وسيرهم, وما يتعلق بهم منهم من ألف فيهم من غيرهم من التابعين وتابعيهم, ومنهم من ألف فيهم على سبيل الاستقلال.
فممن ألف فيهم مع غيرهم جماعة منهم:
١- الإمام أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري الحافظ نزيل بغداد المعروف بكاتب الواقدي صحبه زمانًا
стр. 648
وكتب له فعرف به, المتوفى ببغداد سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين له كتاب "الطبقات الكبرى" جمع فيه الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد وأحسن، وكتابه طبع في "ليدن", ثم طبع في مصر.
٢- الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري١ البصري المعروف بشباب أحد شيوخ البخاري صاحب التاريخ الحسن وغيره, المتوفى سنة ثلاثين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: سنة ست وأربعين ومائتين.
٣- الإمام أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين, وهو من أقران الإمام البخاري.
٤- يعقوب بن سفيان بن جوان -بفتح الجيم، والواو المثقلة آخره نون- الفارسي الفسوي٢ الإمام الحافظ المصنف المكثر صاحب التاريخ الكبير المتوفى سنة سبع وسبعين ومائتين, وهو من أقران البخاري.
وممن ألف في تاريخ الصحابة وسيرهم على سبيل الاستقلال.
٥- الإمام أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن نجيم السعدي مولاهم المديني حافظ العصر وقدوة أهل هذا الشأن, المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين, وهو أحد شيوخ البخاري وكتابه هو "كتاب معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان" في خمسة أجزاء لطيفة.
٦- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري, المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين, وقد اعتبره الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة "الإصابة" أول من عرفه صنف في ذلك ومراده -والله أعلم- على سبيل الاستقلال, وإلا فقد سبقه من هم من شيوخه أو من طبقة شيوخه
стр. 649
أو أقرانه ولكن لا على سبيل الاستقلال، أفرد في ذلك تصنيفا فنقل عنه أبو القاسم البغوي وغيره.
٧- الإمام أبو القاسم البغوي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي الأصل البغدادي الحافظ الكبير مسند العالم, المتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
٨- الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني صاحب السنن الحافظ ابن الحافظ, المتوفى سنة ست عشر وثلاثمائة.
٩- الإمام أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين, المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، له كتاب "معرفة الصحابة".
١٠- الإمام أبو عليّ ابن السكن البغدادي المصري نزيل مصر, المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
١١- الإمام أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي مولاهم البغدادي الحافظ المصنف القاضي المتوفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
١٢- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده, المتوفى سنة خمس أو ست وتسعين وثلاثمائة وله في الصحابة كتاب كبير جليل قال ابن عساكر: "وله فيه أوهام كثيرة" وقد ذيل عليه الحافظ أبو موسى المديني ذيلا كبيرا.
١٣- الإمام أبو نعيم أحمد بن علي الأصبهاني, المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة, وله كتاب "معرفة الصحابة" في ثلاث مجلدات.
١٤- الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي, المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وله كتاب مختصر في مجلد في "معرفة الصحابة".
١٥- الإمام أبو عمر بن عبد البر النميري القرطبي المالكي, المتوفى
стр. 650
سنة ثلاث وستين وأربعمائة وسمى كتابه "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله, ومع ذلك فقد فاته شيء كثير ومجموع التراجم التي ذكرها ثلاثة آلاف وخمسمائة ترجمة.
١٦- وقد ذيل عليه أبو بكر بن فتحون, المتوفى سنة سبع عشرة أو تسع عشرة وخمسمائة ذيلا حافلا، وذيل عليه جماعة آخرون في تصانيف لطيفة.
قال الحافظ ابن حجر: "وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضا".
١٧- وفي أوائل القرن السابع الهجري ألف الحافظ عز الدين بن الأثير الجزري صاحب كتاب "الكامل" في التاريخ, المتوفى سنة ثلاثين وستمائة "٦٣٠" كتابا سماه: "أسد الغابة"١ جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم, وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم، وقد اشتمل على سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسين صحابيا.
١٨- ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الإمام الحافظ أبو عبد الله الذهبي, المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة في كتاب سماه "تجريد أسماء الصحابة", وعلم لمن ذكر غلطا، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب.
١٩- ثم جاء الإمام الحافظ ابن حجر, المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة, فألف كتابه القيم "الإصابة في تمييز الصحابة"، وهو أكثرها جمعا وتحريرا وتحقيقا, وإن كانت بعض التراجم فيه مختصرة, وهو في ثمانية مجلدات, وقد ذكر في آخر الجزء السادس منه: أنه مكث في تأليفه نحو الأربعين سنة، وأنه كتبه في المسودات ثلاث مرات ﵀ ورضي عنه
стр. 651
وقد طبع في أربعة مجلدات كبار ومجموع التراجم التي في "الإصابة" تسع وسبعون ومائتان واثنا عشر ألفا بما في ذلك المكرر، للاختلاف في اسم الصحابي، أو شهرته، بكنية أو لقب أو نحو ذلك وقد رتب فيه الصحابة على أربعة أقسام:
١- فيمن وردت صحبته بطريقة الرواية عنه أو عن غيره سواء أكانت الطريقة صحيحة أم حسنة أم ضعيفة.
٢- فيمن ذكر في الصحابة من التمييز.
٣- فيمن ذكر في الصحابة من المخضرمين في الكتب المذكورة.
٤- فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط١.
стр. 652
التابعون ﵃
مدخل
...
"التابعون ﵃":
وهذا المبحث والذي قبله وهو بحث الصحابة، معرفتها من الأهمية بمكان، وهما أصلان عظيمان بها يعرف المتصل من المرسل عند رفع الحديث، والموقوف من المقطوع عند عدم رفعه ومفرد التابعين تابعي، وتابع.
وأما تعريف التابعين فقد اختلف فيه العلماء:
فقال الحاكم أبو عبد الله، هو من لقي الصحابي، وإن لم يصحب أي لم تطل صحبته له قال ابن الصلاح: وهو أقرب يعني من تعريف غيره كالخطيب، وقال النووي: وهو الأظهر.
وقال الخطيب: هو من صحب صحابيا، ولا يكتفى فيه بمجرد اللقي يعني بل لا بد من طول الصحبة والرواية عنه، بخلاف الصحابي فإنه يكتفى فيه بمجرد اللقاء.
والسر في هذه التفرقة شرف منزلة النبي ﷺ وقوة تأثيره فيمن
стр. 653
يلقاه، فالاجتماع به يؤثر في النور القلبي، والانشراح الصدري، واستقامة السلوك أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار.
وقال الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة": هو من لقي الصحابي كذلك ومراده من لقي الصحابي وهو مؤمن بالنبي ﷺ سواء قصر اللقاء أم طال، فمن لقي الصحابي أو طالت صحبته له وهو ليس بمؤمن بالنبي فلا يعتبر صحابيا، وهذا التعريف يؤيد ما قاله الحاكم.
وهذا الذي ذكره الحاكم، ووافقه عليه الحافظ ابن حجر هو ما عليه عمل الأكثرين من علماء الحديث كما قال العراقي في تعليقاته على "علوم الحديث" لابن الصلاح.
وقد أشار النبي ﷺ إلى فضل الصحابة والتابعين والاكتفاء فيهم بالرؤية بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني" ... الحديث فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية.
قال السيوطي في "تدريبه"١ قال ابن الصلاح: مطلق التابعي مخصوص بالتابعين بإحسان, وقد عقب العراقي فقال: "إن أراد بالإحسان الإسلام فواضح إلا أن الإحسان أمر زائد عليه٢, فإن أراد به الكمال في الإسلام والعدالة, فلم أر من اشترط ذلك في حد التابعين، بل من صنف في الطبقات أدخل فيهم الثقات وغيرهم.
أقول: والذي يظهر لي أن مراد ابن الصلاح التابعي الذي وردت في فضله الأحاديث الصحاح والحسان والمستحق لهذا الفضل، أما من لم يستقم على الإسلام الكامل, وأساء إلى الإسلام والمسلمين, فهو بمعزل عن أن يكون من التابعين بإحسان, وذلك كالحجاج بن يوسف الثقفي، وعمرو
стр. 654
بن سعيد الذي كان يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير, فقد أساء إلى الحرم وإلى الكعبة وإلى أهل الحرم, فابن الصلاح على حق في هذا التعبير والله أعلم.
стр. 655
" طبقات التابعين ":
من نظر إلى التابعين على أنهم الذين لقوا الصحابة جعلهم طبقة١ واحدة كما فعل ابن حبان، ومن نظر إلى تفاوتهم في الفضل جعلهم طبقات، فجعلهم مسلم بن الحجاج ثلاث طبقات، وجعلهم محمد بن سعد صاحب "الطبقات" أربع طبقات، وأما الحاكم فقد جعلهم خمس عشرة طبقة.
١- فأعلى هذه الطبقات من روى عن العشرة المبشرين بالجنة وذكر منهم: سعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وقيس بن عباد٢، وأبا عثمان النهدي، وأبا وائل وأبا رجاء العطاردي، وأبا ساسان حصين بن٣ المنذر وغيرهم.
قال ابن الصلاح: "وعليه في بعض هؤلاء إنكار فإن سعيد بن المسيب ليس بهذه المثابة؛ لأنه ولد في خلافة عمر ولم يسمع من أكثر العشرة".
وقال العلامة ابن كثير٤: وعليه في هذا الكلام دخل٥ كثير، فقد قيل: إنه لم يرو عن العشرة من التابعين سوى قيس بن أبي حازم قال ابن خراش، وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع٦ من عبد الرحمن بن عوف والله أعلم.
стр. 656
وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق قولا واحدا؛ لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولهذا اختلف في سماعه من عمر قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل لم يسمع -يعني سعيد- من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان -أي سعد- آخرهم وفاة والله أعلم.
٢- ومن هؤلاء التابعين من ولدوا في حياة النبي ﷺ من أبناء الصحابة كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وأبو إدريس الخولاني, قال البلقيني: والأولى أن يجعل هؤلاء قبل القسم الأول إذ كيف يجعل من ولد في حياة رسول الله يلي من ولد بعده؟
قال ابن كثير: أما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأمه أنس بن مالك إلى رسول الله ﷺ فحنكه وبرك عليه، وسماه عبد الله، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة لمجرد الرؤية، ولقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد له عند الشجرة١ وقت الإحرام بحجة الوداع فلم يدرك من حياته ﷺ إلا مائة يوم، ولم يذكروا أنه أحضر عند النبي ﷺ ولا رآه، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر والله أعلم٢.
وقد ذكر الحاكم النعمان، وسويد ابني مقرن٣ من التابعين، وهو وهم منه، وهما صحابيان ولم يختلف في صحبتهما أحد.
٣- المخضرمون: وهم الذين أدركوا الجاهلية زمن النبي ﷺ ،
стр. 657
وأسلموا ولم يروه، ولا صحبة لهم، وهذا مصطلح أهل الحديث١.
وقد اختلف في ضبط "مخضرم" فقيل بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من خضرم مأخوذ من الخضرمة بمعنى القطع؛ لأنهم خضرموا أي قطعوا عن نظرائهم الذين أدركوا الصحبة وغيرها، وقيل: مخضرم: بضم الميم وكسر الراء اسم فاعل؛ لأن الواحد منهم كان إذا أسلم خضرم أذن ناقته أي قطعها علامة على إسلامه فيكون في أمن بذلك، وقيل في الخضرمة غير ذلك٢.
وقد عدهم الإمام مسلم نحو عشرين نفسا منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة٣، وعمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، وأبو الحلال العتكي٤, وعبد خير الخيواني٥, وربيعة بن زرارة٦ قال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم: أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب٧ وزاد ابن كثير: وعبد الله بن عكيم٨, والأحنف بن قيس وقد ذكر العراقي في شرحه على مقدمة ابن الصلاح أنهم أكثر من ذلك، فزاد على ما لم يذكره مسلم وابن الصلاح نحوا من عشرين شخصا٩, وقد سرد أسماء هؤلاء وأولئك صاحب "التدريب"١٠.
أفضل التابعين: وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟
стр. 658
فالمشهور أنه سعيد بن المسيب، قاله أحمد بن حنبل وغيره، وقال أهل البصرة: الحسن البصري. وقال أهل الكوفة: علقمة بن قيس، والأسود، وقال بعضهم: أويسا القرني١، وقال أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.
قال العراقي: الصحيح بل الصواب ما ذهب إليه بعض أهل الكوفة لما روى مسلم في صحيحه بسنده عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني، وله والدة وكان به بياض فمروه أن يستغفر لكم" , وفي الرواية الأخرى أن الفاروق عمر صار يسأل عنه حتى لقيه، فقال له: أنت من مراد، ثم من قرن؟ قال: "نعم", وفيها: "إن له والدة هو بار بها لو أقسم على الله لأبره"، فطلب منه عمر أن يستغفر له، فاستغفر له، فقال له أين تريد: قال: الكوفة، فقال له: أكتب لك إلى عاملها قال: لا، أكون في غبراء الناس وعامتهم"٢.
قال العراقي: فهذا قاطع للنزاع قال: وأما تفضيل أحمد لابن المسيب فلعله لم يبلغه الحديث ... أو أراد بالأفضلية في العلم لا الخيرية وقال البلقيني: والأحسن أنه يقال: "الأفضل من حيث الزهد والورع أويس، ومن حيث حفظ الخبر والأثر سعيد", وقال أحمد: ليس أحد أكثر فتوى في التابعين من الحسن وعطاء، وكان عطاء مفتي مكة، والحسن مفتي البصرة", وهذا الذي ذكره البلقيني هو ما أذهب إليه.
стр. 659
" سيدات النساء التابعيات ":
وسيدات النساء التابعيات:
١- حفصة بنت سرين، وهي أخت التابعي الجليل محمد بن سيرين.
٢- وعمرة بنت عبد الرحمن.
٣- وتليهما أم الدرداء الصغرى واسمها هجيمة، وقيل جهمية، وليست
стр. 660
كهُما -يعني كالاثنتين السابقتين- أما أم الدرداء الكبرى فصحابية.
وقال إياس بن معاوية: "ما أدركت أحدًا فضله على حفصه" يعني بنت سيرين، فقيل له: الحسن وابن سيرين؟ قال: "أما أنا فما أفضل عليها أحدًا".
"الفقهاء السبعة":
ومن أكابر التابعين وأعلمهم الفقهاء السبعة بالمدينة، وهم:
١- سعيد بن المسيب.
٢- والقاسم بن محمد بن أبي بكر.
٣- وعروة بن الزبير.
٤- وخارجة بن زيد.
٥- وسليمان بن يسار.
٦- وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
٧- وقد اختلفوا في السابع, فقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري, وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.
стр. 661
" جماعة عدوا من التابعين وليسوا منهم ":
بل هم من أتباع التابعين كإبراهيم بن سويد النخعي لم يدرك أحدًا من الصحابة، وهو غير إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه المشهور وبكير بن أبي السميط -بفتح السين وكسر الميم- لم يصح له عن أنس رواية، إنما أسقط قتادة من الوسط.
ووقع لقوم عكس ذلك فعدوا طبقة من التابعين في أتباع التابعين لكون الغالب عليهم روايتهم عنهم: كأبي الزناد: عبد الله بن ذكوان لقي ابن عمر وأنسًا.
стр. 662
" قوم من الصحابة عدوا من التابعين وبالعكس ":
إما غلطًا كالنعمان وسويد ابني مقرن عدهما الحاكم في الإخوة من التابعين، وهما صحابيان معروفان، أو لكون ذلك الصحابي من صغار الصحابة يقارب التابعين في كون روايته أو غالبها عن الصحابة، كما عد مسلم من التابعين يوسف بن عبد الله بن سلام، ومحمود بن لبيد, ووقع
стр. 663
عكس ذلك فعدوا بعض التابعين من الصحابة، وكثيرا ما يقع ذلك لمن يرسل كما عد محمد بن الربيع الجيزي عبد الرحمن بن غنم١ الأشعري ممن دخل مصر من الصحابة, وليس منهم على الأرجح, فليتفطن لذلك وأمثاله.
стр. 664
" آخر التابعين ":
قال الحاكم في شأن التابعين: وهم خمس عشرة طبقة.
"آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل المدينة، وعبد الله بن الحارث بن جزء من أهل الحجاز, وأبا أمامة الباهلي من أهل الشام، فلم يعد من الطبقات سوى الثلاثة الأولى والأخيرة.
وأما صاحب الطبقات محمد بن سعد, فقد قسم التابعين إلى أقسام باعتبار منازلهم: كوفيين، وبصريين, وشاميين، ومكيين، ومدنيين، وعراقيين، ويمنيين، ومصريين، ومن نزل اليمامة, ومن نزل البحرين، وغير ذلك، وقد جعل كل قسم من هذه الأقسام إما طبقة واحدة كمن نزل اليمامة واليمن، وإما طبقات متعددة كالكوفيين، والبصريين، والشاميين، والمصريين, ومن أراد معرفة ذلك بالتفصيل فليرجع إلى كتاب الطبقات ففيه ما يشفي ويكفي.
стр. 665
" اتباع التابعين ":
وهم من صحبوا التابعين وإن لم تطل صحبتهم لهم.
ومن هؤلاء الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة، والإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعي نسبة إلى جده شافع المطلبي المكي نزيل مصر, وليس في الأئمة الأربعة المشهورين المتبوعين من هو من
стр. 666
التابعين إلا الإمام أبو حنيفة ﵀, فقد صح أنه لقي أنس بن مالك وإن لم يسمع منه.
وفي عصر أتباع التابعين كثر تدوين الحديث كما كثر تدوين غيره من العلوم أثناء المائة الثانية, وكان التدوين في أول أمره؛ تدون الأحاديث في الباب الواحد, ثم جمعت الأحاديث على الأبواب, وذلك كما صنع الإمام الجليل مالك في "الموطأ".
وعلى رأس الماء الثانية أفرد حديث رسول الله ﷺ عن غيره, فألفت المسانيد، وقد سبق التعريف بها وبيان طريقتها.
وفي عصر أتباع التابعين ظهر علماء كثيرون لا يحصيهم العد في جمع الأحاديث والسنن، وفي التعديل والتجريح, وفي هذا العصر كان أول جمع للحديث الصحيح على حده على يدي البخاري ومسلم، وبذلك خطا التدوين في الحديث خطوة مباركة, ولم ينته القرن الرابع حتى كان تم جمع السنن والأحاديث كلها, فلله الحمد والمنه.
ومن أتباع التابعين العلماء: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة, ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج, وغيرهم, ومن فوائد معرفة الطبقات الوقوف على تدليس المدلسين ومعرفة حقيقة العنعنة اتصالا وانقطاعا.
ومما ينبغي أن يعلم أن ما عدا الصحابة من التابعين وتابعيهم، ومن جاء بعدهم محل التعديل والتجريح وأول التابعين موتا معمر بن يزيد قتل بخراسان، وآخرهم موتا خلف بن خليفة سنة ثمانين ومائة.
стр. 667
" رواية الأكابر عن الأصاغر ":
قد يروي الكبير القدر، أو السن، أو هما معا عمن دونه في كل منهما أو فيهما الأصل في هذا الباب ما ذكره رسول الله ﷺ في خطبته عن تميم الداري الصحابي العابد الناسك العالم مما أخبر به عن رؤية الدجال في تلك الجزيرة التي في البحر في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في قصة الجساسة١.
وروايته عن مالك بن مزرد, وقيل: ابن مرارة، وقيل ابن مرة الرهاوي فيما أخرجه ابن منده في الصحابة بسنده عن زرعة بن سيف بن ذي يزن: "أن النبي ﷺ كتب إليه كتابا، وأن مالك بن مزرد الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين، فأبشر بخير ... " الحديث.
وكذا ما ثبت في صحيح البخاري من رواية معاوية بن أبي سفيان عن مالك بن يخامر٢ عن معاذ, وهو قوله: "وهم بالشام" في حديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" , رواه الشيخان.
فائدة معرفة هذا: من فائدة معرفة هذا النوع أن لا يتوهم أن المروي عنه أكبر وأفضل لكونه الأغلب في ذلك تنزيلا لأهل العلم منازلهم وفي مقدمة صحيح مسلم تعليقا بصيغة التمريض أي التضعيف قال: وذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم"، ورواه أبو داود في "سننه" وفي سنده انقطاع.
أقسامه: وينقسم إلى أقسام ثلاثة:
الأول: أن يكون الراوي أكبر سنا وأقدم طبقة من المروي عنه كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في روايتهما عن مالك بن أنس، وكالأزهري أبي القاسم عبيد الله بن أحمد في روايته عن تلميذه الخطيب البغدادي, وهو إذ ذاك شاب.
الثاني: أن يكون الراوي أكبر قدرا لا سنا كحافظ عالم روى عن
стр. 668
شيخ ممن لا علم عنده مثل مالك في روايته عن عبد الله بن دينار، وأحمد بن حنبل, وإسحاق بن راهويه في روايتهما عن عبيد الله بن موسى العبسي.
الثالث: أن يكون الراوي أكبر من المروي عنه من الوجهين معا مثل عبد الغني بن سعيد الحافظ في روايته عن محمد بن علي الصوري تلميذه، وكالبرقاني في روايته عن الخطيب البغدادي، وكالخطيب في روايته عن ابن ماكولا١.
ومن هذا القسم الثالث من رواية الأكابر عن الأصاغر رواية الصحابة عن التابعين كالعبادلة وغيرهم من الصحابة كأبي هريرة ومعاوية، وأنس في روايتهم عن كعب الأحبار.
ومنه أيضا رواية التابعي عن تابع التابعي كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، وكعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ليس تابعيا، وروى عنه منهم أي التابعين أكثر من عشرين نفسا فيما جمعهم الحافظ عبد الغني بن سعيد في جزء له، بلغ بهم تسعة وثلاثين، وقيل أكثر من سبعين قاله الحافظ أبو الفضل الطبسي٢، وعدهم الحافظ أبو الفضل العراقي فبلغ بهم نيفا وخمسين، وذكرهم عنه صاحب التدريب٣.
وما جزم به ابن الصلاح وتبعه النووي من كون عمرو بن شعيب ليس تابعيا تبع فيه الحافظ عبد الغني بن سعيد، وأبا بكر النقاش المفسر٤ رده الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح على علوم ابن
стр. 669
الصلاح"١, وقبله المزي الحافظ الكبير, وقال: قد سمع من غير واحد من الصحابة منهم زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، وهما صحابيتان.
стр. 670
المدبج وراية القرين عن القرين
...
"المدبج ورواية القرين عن القرين":
القرينان: هما المتقاربان في السن والإسناد، وربما اكتفى الحاكم بالتقارب في الإسناد, وإن لم يتقاربا في السن.
ومن فوائد معرفة هذا النوع: أن لا يظن الزيادة في الإسناد، أو إبدال "عن" "بالواو".
فإن روى كل واحد من القرينين عن صاحبه كعائشة, وأبي هريرة في الصحابة والزهري وأبي الزبير في الأتباع، ومالك والأوزاعي في أتباع الأتباع فهو المدبج -بضم الميم، وفتح الدال المهملة، وتشديد الباء الموحدة لمفتوحة وآخره جيم- وهو اسم مفعول من دبج.
قال العراقي: وأول من سماه بذلك -فيما أعلم- الدارقطني قال: إلا أنه لم يقيده بكونهما قرينين، بل كل اثنين روى كل منهما عن الآخر يسمى بذلك, وإن كان أحدهما أكبر وذكر منه رواية النبي ﷺ عن أبي بكر، وعمر، وسعد بن عبادة، وروايتهم عنه، ورواية الفاروق عمر عن كعب الأحبار، ورواية كعب عنه وبذلك يندفع اعتراض ابن الصلاح على الحاكم في ذكره في هذا رواية أحمد عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق عنه؛ لأنه ماشٍ على ما قاله شيخه ونقله عنه، وهو الدارقطني.
وجه التسمية بالمدبج: قال العراقي: لم أر من تعرض لها، قال: إلا أن الظاهر أنه سمي به لحسنه؛ لأنه لغة: المزين، والرواية كذلك إنما