ولد سنة اثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة سادس عشر من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة.
وله من التآليف:
١- السنن.
٢- والمراسيل.
٣- والرد على القدرية.
٤- والناسخ والمنسوخ.
٥- وما تفرد به أهل الأمصار.
٦- ومسند مالك.
٧- والمسائل.
٨- ومعرفة الأوقات.
٩- والأخوة, وغير ذلك.
٤- الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك الترمذي١ السلمي٢ الضرير مات بترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة مضت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وقال الخليل: بعد الثمانين, وهو وهم, وكان مولده سنة تسع ومائتين.
وله من التآليف:
١- الجامع.
٢- والعلل الصغرى الملحقة بالجامع.
٣- والعلل الكبرى.
٤- والمفرد.
٥- والتاريخ.
٦- والزهد.
٧- والشمائل المحمدية.
٨- والأسماء والكنى.
٥- الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني النسائي٣ ويقال النسوي نسبة إلى "نسا" بفتح النون والسين والقصر مدينة من مدن خراسان ولد سنة أربع عشرة, وقيل: خمس عشرة ومائتين، وتوفي بفلسطين بالرملة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة من صفر، وقيل: من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة.
وله من المؤلفات:
١- السنن الكبرى.
٢- والسنن الصغرى وهي المطبوعة وتسمى "المجتبى" وذلك أنه لما ألف السنن الكبرى وأهداها إلى أمير الرملة قال له: أكل ما فيها صحيح؟ قال: فيها الصحيح والحسن، وما يقاربها، فقال له: ميز لي الصحيح من غيره فألف كتاب
стр. 807
"السنن الصغرى" وسماه "المجتبى من السنن"١, وهي مرتبة على الأبواب الفقهية كبقية كتب السنن.
٣- وخصائص عليّ.
٤- ومسند عليّ ﵁.
٥- ومسند مالك.
٦- والكنى.
٧- وعمل اليوم والليلة.
٨- وأسماء الرواة والتمييز بينهم.
٩- والضعفاء.
١٠- والأخوة.
١١- وما أغرب شعبة على سفيان وسفيان على شعبة.
١٢- ومسند منصور ابن زاذان٢، وغير ذلك.
٦- الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني نسبة إلى قزوين بلد معروف مشهور و"ماجه" بتخفيف الجيم وسكون الهاء, وهو اسم, فيحكى كما ينطق به أهله بسكون الهاء, ولا يقال: "ماجه" بتاء التأنيث، ومن قال ذلك فقد غلط، وما ذكرته هو التحقيق الذي لا ينبغي أن يقال بغيره.
و"ماجه" لقب لوالد الإمام, وهو يزيد كما قال صاحب القاموس "ج١ ص٢٠٨", ونقل العلامة الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" عن الخليلي أنه قال: "يعرف يزيد بماجه مولى ربيعة" وعلى هذا كان ينبغي أن يقال: "محمد بن يزيد ماجه" لا "ابن ماجه", ولكن أغلب المترجمين له قالوا: محمد بن يزيد بن ماجه، فتابعتهم حتى لا أغرب ونبهت إليه, ولد سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين للهجرة وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه في قبره أخواه: أبو بكر، وعبد الله، وابنه عبد الله, ولم يذكر ابن الصلاح ولا النووي الإمام محمد بن يزيد ولا وفاته, ولعل ذلك؛ لأن درجة أحاديث كتابه دون درجة أحاديث الكتب الخمسة التي ذكراها.
"فائدة": مما ينبغي أن يعلم أن من العلماء من جعل أصول كتب
стр. 808
الحديث والسنن خمسة، ومنهم من جعلها ستة بضم سنن ابن ماجه إليها، وأول من عدها سادس الستة الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة سبع وخمسمائة في كتابه "أطراف الكتب الستة", وفي رسالته: "شروط الأئمة الستة", ثم الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ستمائة في كتابه "الإكمال في أسماء الرجال" وتابعهما أصحاب كتاب الأطراف والمتأخرون وإنما قدم هؤلاء "سنن ابن ماجه" على "موطأ الإمام مالك" مع جلالته لكثرة زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة، بخلاف الموطأ فإن أحاديثه -إلا القليل منها- موجودة في الكتب الخمسة منذ مجه فيها.
ومن العلماء من جعل موطأ الإمام مالك ﵀ أحد الأصول الستة، ولم يضم إليها سنن ابن ماجه، وأول من فعل ذلك رزين العبدري السرقسطي المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في كتابه "التجريد، في الجمع بين الصحاح", وتبعه على ذلك أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي المتوفى سنة ست وستمائة، وسار على هذا الشيخ الإمام عبد الرحمن بن عليّ المشهور بابن الديبع١ الشيباني الزبيدي المتوفى سنة أربع وأربعين وتسعمائة في كتابه "تيسير الوصول إلى جامع الأصول".
مؤلفاته وأشهرها:
١- كتاب السنن الذي تحدثنا عنه الآن.
٢- تفسير القرآن الكريم وهو تفسير حافل كما قال ابن كثير.
٣- كتاب التاريخ أرخ فيه من عصر الصحابة إلى وقته.
وبحسبنا هذا القدر في التعريف بأصحاب الكتب الستة في هذا المقام٢.
стр. 809
" سبعة من الأئمة الحفاظ، أحسنوا التأليف، وعظم النفع بتأليفهم ":
١- الإمام أبو الحسن عليّ بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان الدارقطني -بفتح الدال، والراء المهملتين وضم القاف وسكون الطاء المهملة- نسبة إلى دار القطن محلة ببغداد.
ولد في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة، وتوفي ببغداد لثمان خلت من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
مؤلفاته: ومن مؤلفاته:
١- السنن.
٢- والعلل.
٣- والتصحيف.
٤- والأفراد, وغيرها.
٢- الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم بن البيع -بفتح الباء الموحدة، وكسر الياء المثناة المشددة- النيسابوري.
ولد في نيسابور في صبيحة اليوم الثالث من شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة, وتوفي بها في ثالث صفر سنة خمس وأربعمائة.
مؤلفاته: ومن مؤلفاته:
١- المستدرك وهو أجلها.
٢- وعلوم الحديث.
٣- وتاريخ نيسابور.
٤- والتفسير.
٥- والمدخل.
٦- والإكليل.
٧- ومناقب الشافعي, وغير ذلك.
٣- الإمام الحافظ عبد الغني بن سعيد بن بشير بن مروان الأزدي حافظ مصر في زمنه، ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين
стр. 810
وثلاثمائة، وتوفي بمصر في صفر لسبع خلون منه سنة تسع وأربعمائة.
وله مؤلفات منها: المؤتلف والمختلف, وغيره.
٤- الإمام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني نسبة إلى أصبهان -بفتح الهمزة وكسرها، وسكون الصاد، وفتح الباء، ويقال: بالفاء أيضا يعني أصفهان- مدينة عظيمة من أعظم المدن.
ولد في رجب سنة أربع وثلاثين, وقيل: ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي في يوم الاثنين الحادي والعشرين من صفر سنة ثلاثين وأربعمائة بأصبهان.
مؤلفاته:
١- الحلية.
٢- معرفة الصحابة.
٣- وتاريخ أصبهان.
٤- ودلائل النبوة.
٥- وعلوم الحديث.
٦- المستخرج على البخاري.
٧- المستخرج على مسلم.
٨- وفضائل الصحابة.
٩- وصفة الجنة.
١٠- والطب, وغيرها.
٥- الإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري١ القرطبي حافظ المغرب ولد يوم الجمعة، والخطيب على المنبر لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلثمائة وتوفي بشاطبة وهي بلدة بالأندلس في ليلة الجمعة سلخ٢ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
تأليفه: من تأليفه:
١- التمهيد في شرح الموطأ.
٢- والاستذكار.
٣- مختصر التمهيد والتقصي على الموطأ.
٤- والاستيعاب في معرفة الأصحاب.
٥- وجامع بيان العلم وفضله.
стр. 811
٦- وقبائل الرواة.
٧- والشواهد في إثبات خبر الواحد.
٨- والكنى.
٩- والمغازي.
١٠- والأنساب, وغيرها.
٦- الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ بن عبد الله بن موسى البيهقي نسبة إلى بيهق بفتح الموحدة، وسكون الياء التحتانية، وفتح الهاء آخره قاف كورة بنواحي نيسابور ولد في شعبان نسبة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي بنيسابور في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ونقل تابوته إلى بيهق.
تأليفه: ومن تأليفه:
١- السنن الكبرى.
٢- والسنن الصغرى.
٣- والمعرفة.
٤- والمبسوط.
٥- والمدخل.
٦- وشعب الإيمان.
٧- والخلافيات.
٨- والأدب.
٩- والاعتقاد.
١٠- والأسماء والصفات, وغيرها.
٧- الإمام أحمد بن عليّ بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي الحافظ الذي قال فيه الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه", ولد في يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة, وتوفي ببغداد في سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
تأليفه: ومن تأليفه:
١- تاريخ بغداد.
٢- الجامع لآداب الشيخ والسامع.
٣- الكفاية في قوانين الرواية.
٤- والرحلة في طلب العلم.
٥- وتلخيص المتشابه.
٦- والذيل عليه.
٧- والفصل للوصل المدرج في النقل.
٨- والمبهمات, إلى غير ذلك من الكتب الكثيرة ومن التوافق العجيب أن عالم المغرب أبا عمر بن عبد البر، وعالم المشرق الخطيب البغدادي قد ماتا في سنة واحدة
стр. 812
بعد أن ملأ الغرب والشرق علما١.
"تنبيه": معرفة الثقات والضعفاء وهو من أجل أنواع علوم الحديث قد سبق أن ذكرته في البحث الطويل: الجرح والتعديل فليتنبه إلى ذلك طلاب العلم والحديث.
стр. 813
معرفة من اختلط من الرواة الثقات
مدخل
...
"معرفته من اختلط ١ من الرواة الثقات":
قال ابن الصلاح -وتبعه النووي- هذا فن عزيز مهم لم أعلم أحدا أفرده بالتصنيف واعتنى به مع كونه حقيقا بذلك.
قال العراقي تعقيبا عليه مع التوضيح مني للمختلطين وقد أفرد للمختلطين كتابا الحافظ أبو بكر الحازمي المتوفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة حسبما ذكره في كتابه "تحفة المستفيد" والظاهر أن ابن الصلاح لم يقف عليه.
وكذلك ألف فيه الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلد بن عبد الله العلائي الدمشقي ثم المقدسي الشافعي، المتوفى ببيت المقدس سنة إحدى وستين وسبعمائة أقول:
ومن تآليفه: "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" و"اختصار جامع الأصول" لابن الأثير الجزري, وقد رتب كتابه على حروف المعجم مع الاختصار.
وقد ذيل عليه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر المتوفى سن اثنتين وخمسين وثمانمائة وكذا ألف فيه البرهان الحلبي، وسمى كتابه
стр. 814
"الاحتياط بمن رمي بالاختلاط" وفائدة ضبطهم تمييز المقبول من غيره، ولهذا لم يذكر الضعفاء منهم كأبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني لأنهم غير مقبولين بدونه.
وحقيقة التخليط: فساد العقل، وضعف الذاكرة، وعدم انتظام الأقوال والأفعال إما بخرف أو ضرر أو مرض أو عرض من موت ابن، وسرقة مال كالمسعودي، أو ذهاب كتب كابن لهيعة أو احتراقها كابن الملقن.
حكم من اختلط: أنهم يقبل منهم ما روي عنهم مما حدثوا به قبل الاختلاط، ولا يقبل ما حدثوا به بعد الاختلاط أو شك فيه أهو قبل الاختلاط أم بعده وذلك على سبيل الاحتياط.
١- فمنهم عطاء بن السائب أبو السائب الثقفي الكوفي اختلط في آخر عمره، فاحتجوا برواية الأكابر عنه كالثوري، وشعبة، بل قال يحيى بن معين: جميع من روى عن عطاء سمع منه في الاختلاط غيرهما لكن زاد يحيى بن سعيد القطان والنسائي، وأبو داود، والطحاوي حماد بن زيد، ونقل ابن المواق الاتفاق على أنه سمع منه قديما قال العراقي: واستثنى الجمهور أيضا كابن معين وأبي داود، والطحاوي، وحمزة الكناني، وابن عدي رواية حماد بن سلمة عنه.
وقال العقيلي: إنما سمع منه في الاختلاط، وكذا سائر أهل البصرة؛ لأنه إنما قدم عليهم في آخر عمره، وتعقب ذلك ابن المواق بأنه قدمها مرتين، فمن سمع منه في القدمة الأولى صح حديثه.
واستثنى أبو داود أيضا هشاما الدستوائي قال العراقي: وينبغي استثناء ابن عيينة أيضا, فقد روى الحميدي عنه قال: سمعت عطاء قديما، ثم قدم علينا قدمة، فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعت، فخلط فيه فاتقيته واعتزلته.
стр. 815
قال يحيى بن سعيد القطان إلا حديثين سمعهما منه شعبة بأخرة١ عن زاذان فلا يحتج بهما وممن سمع منه بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد، وخالد الواسطي، وإسماعيل بن علية، وعليّ بن عاصم، ومحمد بن فضيل بن غزوان، وهشيم وإن روى له البخاري في صحيحه حديثا من رواية هشيم عنه فقد قرنه بأبي بشر جعفر بن إياس، وليس له عنده غيره، وممن سمع منه في الحالتين أبو عوانة.
ومنهم: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي -بفتح السين وكسر الباء الموحدة- اختلط أيضا، وأنكر ذلك الذهبي أبو عبد الله وقال: "شاخ ونسي، ولم يختلط", ويقال سماع سفيان بن عيينة منه بعد اختلاطه قاله الخليلي، ولذلك لم يخرج له الشيخان من روايته عنه شيئا، وقال الإمام الذهبي: "سمع منه وقد تغير قليلا" وممن سمع منه حينئذ إسرائيل بن يونس، وزكريا بن أبي زائدة، وزهير بن معاوية وزائدة بن قدامة، قاله ابن معين وأحمد، وخالف عبد الرحمن بن مهدي وأبو حاتم في إسرائيل، وروايته ورواية زكريا، وزهير عنه في الصحيحين.
وكذا رواية الثوري وأبي الأحوص سلام بن سليم، وشعبة وعمرو بن أبي زائدة ويوسف بن أبي إسحاق، وأخرج له البخاري من رواية جرير بن حازم، ومسلم بن رواية إسماعيل بن أبي خالد، ورقبة -بفتح الراء المهملة، والقاف، والباء الموحدة- بن مصقلة، والأعمش، وسليمان بن معاذ، وعمار بن زريق -بتقديم الزاي على الراء مصغرا- ومالك بن مغول، ومسعر -بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملة- بن كدام -بكسر الكاف، وفتح الدال.
стр. 816
ومنهم سعيد بن إياس الجريري: اختلط وتغير حفظه قبل موته، ولم يشتد تغيره قاله النسائي وغيره، وأنكر أيام الطاعون.
وممن سمع منه قبل التغير: شعبة وابن علية، والسفيانان: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد اليمني، وعبد الوارث، ويزيد زريع١، ووهب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي وكل من أدرك أيوب السختياني كما قاله أبو داود.
وسمع بعده يحيى بن سعيد القطان، ولم يحدث عنه شيئا، وإسحاق الأزرق ومحمد بن أبي عدي، وعيسى بن يونس، ويزيد بن هارون.
وقد روى له الشيخان من رواية بشر بن المفضل، وخالد بن عبد الله، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوارث بن سعيد.
وروى له مسلم من رواية ابن علية، وجعفر بن سلميان الضبعي، وحماد بن أسامة وحماد بن سلمة، وسالم بن نوح والثوري وسليمان بن المغيرة، وشعبة، وابن المبارك وعبد الواحد بن زياد، وعبد الوهاب الثقفي، ووهب بن خالد، ويزيد بن زريع، ويزيد بن هارون.
ومنهم: سعيد بن أبي عروبة -بفتح العين المهملة، وضم الراء المهملة وسكون الواو- مهران اليشكري، اختلط فوق عشر سنين، وقيل: خمس سنين.
وممن سمع منه قبل الاختلاط يزيد بن هارون، وعبدة بن سليمان، وأسباط بن محمد، وخالد بن الحارث، وسرار بن مجشر، وسفيان بن حبيب، وشعيب بن إسحاق، وعبد الله بن بكر السهمي، وعبد الله بن المبارك، وعبد الأعلى الشامي، وعبد الله بن عطاء, ومحمد بن بشر، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن زريع.
стр. 817
قال ابن معين: أثبت الناس فيه عبدة، وقال ابن عدي: أرواهم عنه عبد الأعلى ثم شعيب، ثم عبدة، وأثبتهم فيه يزيد بن زريع، وخالد، ويحيى القطان قال العراقي: وقد قال عبدة عن نفسه: إنه سمع عنه في الاختلاط اللهم إلا أن يريد بذلك بيان اختلاطه، وأنه لم يحدث بما سمع منه في الاختلاط.
وأخرج له الشيخان: البخاري ومسلم، عن خالد، وروح بن عبادة، وعبد الأعلى وعبد الرحمن بن عثمان، ومحمد بن سواء السدوسي، ومحمد بن أبي عدي، ويحيى العصا، ويزيد بن زريع.
وأخرج له البخاري عن بشر بن المفضل، وسهل عن يوسف، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وكهمس بن المنهال، ومحمد بن عبد الله الأنصاري.
وأخرج له مسلم عن ابن علية وحماد بن أسامة، وسالم بن نوح، وسعيد بن عامر الضبعي، وابن خالد الأحمر، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف وعبدة، وعليّ بن مسهر، وعيسى بن يونس، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن بكر البرساني وغندر.
وممن سمع في الاختلاط المعافى بن عمران، ووكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين.
ومنهم: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي نسبة لجده أحد الثقات المشهورين والكبار من المحدثين، كما صرح باختلاطه غير واحد كمحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي بكر بن أبي شيبة والعجلي وابن سعد وأنه في آخر عمره قال أحمد: إنما اختلط ببغداد، فمن سمع منه بالكوفة أو البصرة فسماعه جيد وقال أبو حاتم: اختلط قبل موته لسنة أو سنتين وقال ابن معين: من سمع منه زمن أبي جعفر المنصور فهو صحيح السماع، ومن سمع منه زمن المهدي فليس
стр. 818
بشيء وهو قريب من قول أبي حاتم إذا مشينا على أن وفاة المسعودي كانت سنة ستين ومائة، لأن وفاة المنصور كانت بمكة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة أما على القول بأن وفاة المسعودي سنة خمس وستين ومائة فلا.
وقد شذ بعضهم في أمره فرد حديثه كله؛ لأنه لا يتميز حديثه القديم من حديثه الأخير قال ذلك ابن حبان، وأبو الحسن بن القطان قال العراقي: والصحيح خلاف ذلك فممن سمع منه في الصحة وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دكين، قال أحمد، وممن سمع منه قبل قدومه بغداد أمية بن خالد، وبشر بن المفضل، وجعفر بن عون، وخالد بن الحارث وسفيان بن حبيب، وسفيان الثوري، وسليم بن قتيبة، وطلق بن غنام، وعبد الله بن رجاء، وعثمان بن عمرو بن فارس، وعمرو بن مرزوق، وعمرو بن الهيثم، والقاسم بن معين بن عبد الرحمن ومعاذ العنبري، والنضر بن شميل، ويزيد بن زريع.
وسمع منه بعد الاختلاط أبو النضر هاشم بن القاسم، وعاصم بن علي، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وحجاج الأعور، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد.
ومنهم: ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي لكثرة استعماله الرأي والقياس وهو شيخ الإمام مالك قال ابن الصلاح: قيل: إنه تغير في آخر عمره وترك الاعتماد عليه لذلك قال العراقي وما حكاه ابن الصلاح لم أره لغيره، وقد احتج به الشيخان، ووثقه الحفاظ والأئمة، ولا أعلم أحدا تكلم فيه باختلاط، ولا ضعف إلا ابن سعد، قال بعد أن وثقه: كانوا يتقونه لموضع الرأي, وقال ابن عبد البر: ذمه جماعة من أهل الحديث لإغراقه في الرأي، وكان سفيان والشافعي، وأحمد لا يرضون عن رأيه لأن كثيرا منه يخالف السنة والذي يظهر لي -والله
стр. 819
أعلم- أن اختلاطه لم يثبت وأنه إمام جليل ثقة ثبت، وكفى بالعراقي شاهدا لنفي الاختلاط عنه.
ومنهم: صالح بن نبهان مولى التوأمة١، قال ابن معين: خرف قبل أن يموت، وقال أحمد: أدركه مالك بعد اختلاطه، وقال ابن حبان: تغير سنة خمس وعشرين ومائة واختلط حديثه الأخير بالقديم، ولم يتميز فاستحق الترك.
وقد تعقبه العراقي فقال: بل ميز الأئمة بعض ذلك، فسمع منه قديما محمد بن أبي ذئب قاله ابن معين وغيره، وابن جرير، وزياد بن سعد قال ابن عدي وأسيد بن أبي أسيد٢ وسعيد بن أبي أيوب، وعبد الرحمن الإفريقي، وعمارة بن غزية، وموسى بن عقبة، وسمع منه بعد اختلاطه مالك، والسفيانان.
ومنهم حصين بن٣ عبد الرحمن الكوفي السلمي٤ قال أبو حاتم: ساء حفظه في الآخر وقال يزيد بن هارون: اختلط وقال النسائي: تغير، وأنكر ذلك عليّ بن عاصم ولهم بهذا الاسم ثلاثة أخر كوفيون، ليس فيهم سلمي، ولا من اختلط إلا هذا وممن سمع منه قديما سليمان التيمي، والأعمش، وشعبة، وسفيان قال العراقي: وهو أحد الثقات الأثبات المتفق على الاحتجاج بهم.
وهو ممن خرج له الشيخان البخاري ومسلم من رواية خالد بن عبد الله الواسطي، والثوري، وشعبة بن الحجاج، وأبي زبيد عبثر بن٥ القاسم، ومحمد بن فضيل وهشيم، وأبي عوانة الوضاح اليشكري عنه.
стр. 820
وخرج له البخاري فقط من رواية حصين بن نمير، وزائدة بن قدامة، وسليمان بن كثير العبدي وعبد العزيز بن عبد الصمد العمي، وعبد العزيز بن مسلم، وأبي كدينة يحيى بن المهلب وأبي بكر بن عياش عنه.
وخرج له مسلم فقط من رواية جرير بن حازم، وزياد بن عبد الله البكائي، وأبي الأحوص سلام بن سليم، وعباد بن العوام، وعبد الله بن إدريس عنه.
وفي هؤلاء من سمع منه قبل الاختلاط كالواسطي، وزائدة، والثوري، وشعبة ومن سمع منه بعد كحصين بن نمير.
وكانت وفاته سنة ست وثلاثين ومائة عن ثلاث وتسعين سنة.
ومنهم: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي قال ابن معين اختلط بآخره، وقال عقبة العمي: قبل موته بثلاث سنين أو أربع قال الذهبي: لكنه ما ضر تغيره، فإنه لم يحدث بحديث في زمن التغير ثم استدل بقول أبي داود صاحب "السنن" وتغير جرير بن حازم، وعبد الوهاب الثقفي فحجب الناس عنهم.
ومنهم سفيان بن عيينة: اختلط قبل موته بسنتين قاله ابن الصلاح، أخذا من قول يحيى بن سعيد القطان: أشهد أن سفيان اختلط سنة سبع وتسعين وقد مات سنة تسع وتسعين وهذا الذي قاله يحيى بن سعيد قد نقله عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي.
وقد نقل السخاوي في شرحه للألفية للعراقي عن الذهبي أنه قال: "وأنا أستبعده وأعده خلطا من ابن عمار فالقطان مات في الكوفة في صفر سنة ثمان وتسعين عند رجوع الحاج وتحدثهم بأخبار الحجاز فمتى تمكن من سماعه باختلاط سفيان حتى تهيأ له أن يشهد عليه بذلك والموت قد نزل به؟
ثم قال: فلعله بلغه في ذلك أثناء سنة سبع يعني وتسعين.
стр. 821
وهذا الذي ذكره ابن الصلاح في سنة وفاته وهم فالتحقيق أنه مات في رجب, وقيل في آخر يوم من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين.
وقد نقل السخاوي في "شرحه على الألفية" مناقشة الحافظ ابن حجر لقول الإمام الذهبي وقد ذكر السخاوي أيضا أن الشيخين اتفقا على التخريج له من جهة جماعة من الرواة عنه: إسحاق بن راهويه، وبشر بن الحكم النيسابوري، وولده عبد الرحمن بن بشر، وقتيبة يعني ابن سعيد، ومحمد بن عباد المكي، وأبي موسى محمد المثنى.
وخرج له البخاري فقط من جهة: حجاج بن منهال، وصدقة بن المروزي والحميدي، وعبد الله بن محمد المسندي -بفتح النون- وعبد الله بن محمد النفيلي وعبيد الله بن موسى، وعليّ بن المديني، وأبي نعيم الفضل بن دكين، ومالك بن إسماعيل النهدي، ومحمد بن سلام، ومحمد بن يوسف، ويحيى بن جعفر البيكندي, وأبي الوليد الطيالسي عنه.
وخرج له مسلم فقط من جهة إبراهيم بن دينار التمار، وأحمد بن حنبل، وأبي معمر إسماعيل بن إبراهيم الجدلي، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وسعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وعبد الله بن محمد الزهري، وعبد الأعلى بن حماد الندسي، وعبد الجبار بن العلاء، وأبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي وعبيد الله بن عمر القواريري، وعليّ بن جعفر، وعليّ بن خشرم، وعمرو بن محمد الناقد ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ومخلد بن خالد الشعيري ونصر بن عليّ الجهضمي, وهارون بن معروف، ويحيى بن يحيى النيسابوري عنه.
وذلك كله إنما كان قبل اختلاطه قطعا في آخر سني حياته.
وممن سمع منه في التغير: محمد بن عاصم صاحب الجزء العالي قال
стр. 822
الذهبي: ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع، فأما سنة ثمان ففيها مات ولم يلق أحدا فيها والله أعلم.
ومنهم: عبد الرزاق بن همام الصنعاني فإنه عمي في آخر عصره فكان يلقن فيتلقن قاله الإمام أحمد قال: من سمع عنه بعد أن عمي فهو ضعيف السماع.
وممن سمع منه قبل ذلك أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، ووكيع في آخرين، والضابط لمن سمع منه قبل الاختلاط أن يكون سماعه قبل المائتين وبعده: أحمد بن محمد بن شبوية، ومحمود بن حماد الطبراني، وإسحاق بن إبراهيم الدبري قال ابن الصلاح: وجدت فيما روى الطبراني عن الدبري عنه أحاديث استنكرتها جدا، فأحلت أمرها على ذلك، وقال إبراهيم الحربي: مات عبد الرزاق، وللدبري ست سنين أو سبع، وقال الذهبي: اعتنى به -أي الدبري- أبوه فأسمعه من عبد الرزاق تصانيفه وله سبع سنين، أو نحوها، وقد احتج به أبو عوانة في "صحيحه" وغيره قال العراقي: وكأن من احتج به لم يبال بتغيره لكونه إنما حدث من كتبه لا من حفظه ثم قال: والظاهر أن الذي سمع منهم الطبراني في رحلته إلى صنعاء من أصحاب عبد الرزاق كلهم سمع منه بعد التغير وهم أربعة:
١- الديري.
٢- وإبراهيم بن محمد بن برة الصنعاني.
٣- وإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن سويد.
٤- والحسين بن عبد الأعلى الصنعاني.
وقد بين السخاوي في شرحه لألفية العراقي من خرج له الشيخان من الرواة عن عبد الرزاق ومن خرج له البخاري فقط، ومن خرج له مسلم وحده فليرجع إليه من يشاء.
ومنهم عارم محمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي، قال البخاري تغير في آخر عمره وقال أبو حاتم من سمع منه سنة عشرين ومائتين.
стр. 823
فسماعه جيد قال: وأبو زرعة سنة اثنتين وعشرين. وقال أبو داود بلغنا أنه أنكر سنة ثلاث عشرة ثم راجعه عقله ثم استحكم به الاختلاط سن ست عشرة، وقال الدارقطني: وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وأما ابن حبان فقال: قد اختلط وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث فوقع المناكير الكثيرة في روايته فما روى عنه القدماء فصحيح، وأما رواية المتأخرين فيجب التنكيب -أي البحث- عنها وأنكر ذلك الإمام الذهبي، ونسب ابن حبان إلى التخفيف والتهوير.
وممن سمع منه قبل الاختلاط: أحمد، وعبد الله المسندي، وأبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، وأبو عليّ محمد بن أحمد بن خالد، وجماعة منهم البخاري, فإنه إنما سمع منه قبل اختلاطه بمده، ولذا اعتمده في صحيحه في عدة أحاديث بل روى له أيضا بواسطة المسندي فقط.
ومنهم الذهلي محمد بن يحيى فإنه قال: حدثنا عارم وكان بعيدا من العرامة، صحيح الكتاب وكان ثقة.
ومنهم محمد بن يونس الكديمي وقد قال ابن الصلاح: ما رواه عنه البخاري والذهلي وغيرهما من الحفاظ ينبغي أن يكون مأخوذا منه قبل اختلاطه.
وممن سمع منه بعده أبو زرعة الرازي، وعليّ بن عبد العزيز البغوي وحديثه عند مسلم أيضا بواسطة أحمد بن سعيد الدارمي، وحجاج بن الشاعر وأبي داود سليمان بن معبد السنجي، وعبد بن حميد، وهارون بن عبد الله الحمال وكانت وفاته سنة ثلاث أو في صفر سنة أربع وعشرين ومائتين.
ومنهم: أبو قلابة -بكسر القاف- عبد الملك بن محمد الرقاشي -بفتح الراء المهملة وفتح القاف المخففة، ثم شين معجمة- نسبة إلى امرأة اسمها رقاش ابنة قيس.
стр. 824
روى عنه من أصحاب الكتب الستة ابن ماجه ومن غيرهم جماعة منهم: محمد بن جرير الطبري، وابن خزيمة, وهو الذي وصفه بالاختلاط فقال: "حدثنا أبو قلابة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد" فظاهره أن من سمع منه بالبصرة فسماعه صحيح، وذلك كأبي داود السجستاني، وابنه أبي بكر، وابن ماجه، وأبي مسلم الكجي ومحمد بن إسحاق منه ببغداد أخيرا: أحمد بن سلمان النجاد، وأحمد بن كامل القاضي وأبو سهل بن زياد القطان، وعثمان بن أحمد السماك، وأبو العباس الأصم، وأبو بكر الشافعي وغيرهم، فعلى قول ابن خزيمة سماعهم منه بعد الاختلاط وكانت وفاته في شوال سنة ست وسبعين ومائتين.
ومنهم في المتأخرين: أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم الغطريفي١ الجرجاني قال الحافظ أبو عليّ البردعي: بلغني أنه اختلط في آخر عمره قال العراقي: لم أره لغيره وقد ترجمه الحافظ حمزة السهمي في تاريخ "جرجان" فلم يذكر عنه شيئا في ذلك، وهو أعرف به فإنه شيخه، وقد حدث عنه الإسماعيلي في صحيحه إلا أنه دلس اسمه لكونه من أقرانه لا لضعفه فمرة يقول: حدثنا محمد بن أحمد العبدي ومرة محمد بن أبي حامد النيسابوري، ومرة الثغري ونحو ذلك، وقد مات الإسماعيلي قبله، وآخر أصحاب٢ الغطريفي القاضي أبو الطيب الطبري، وسماعه منه في حياة الإسماعيلي، فهو قبل تغيره إن كان تغير وكانت وفاته سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.
قال العراقي: وثم آخر يقال له: الغطريفي وافق هذا في اسمه واسم أبيه، وبلده، ونسبه، وتقاربا في اسم جده٣، وتعاصرا، وذاك قد
стр. 825
اختلط بآخره كما ذكر الحاكم في "تاريخ نيسابور" أنه تغير واختلط فيحتمل أن يكون اشتبه بالغطريفي هذا.
ومنهم: أبو طاهر محمد بن الفضل حفيد الإمام أبي بكر بن خزيمة المعروف بإمام الأئمة.
قال الحاكم: اختلط قبل موته بسنتين ونصف، قال الذهبي: ولم يسمع أحد منه في تلك المدة وقد كان بدء اختلاطه في ذي الحجة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ومات في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فتكون مدة اختلاطه سنتين ونصف سنة إلا أياما.
أقول: وما دام لم يسمع أحد من الرواة عنه في تلك المدة فلا خطر في تغيره.
ومنهم: أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك المعروف بالقطيعي، وهو راوي مسند الإمام أحمد والزهد له عن ابنه عبد الله، وله كما لعبد الله بن الإمام زيادات في المسند قال ابن الصلاح: "اختل في آخر عمره وخرف، حتى كان لا يعرف شيئا مما يقرأ عليه".
وقال الذهبي: ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات، وهو غلو وإسراف وقد وثقه البرقاني، والحاكم، والدارقطني، ولم يذكروا شيئا من ذلك.
قال العراقي: في ثبوت ذلك نظر، وما ذكره ابن الفرات لم يثبت إليه, قال: وعلى تقدير ثبوته فمن سمع منه في حال صحته: الحاكم، والدارقطني، وابن شاهين, والبرقاني، وأبو نعيم، وأبو عليّ التميمي راوي المسند عنه, فإنه سمعه عليه سنة ست وستين ومائتين، وتوفي القطيعي سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
وقد ذكر السخاوي في "شرحه للألفية للعراقي" جملة ممن اختلط من المتأخرين فمن أراد ازديادا في هذا فليرجع إليه١, ثم قال العراقي:
стр. 826
تتمة: ربما يتفق عروض ما يشبه الاختلاط ثم يحصل الشفاء منه كما حكاه أبو داود في "سننه" عن معمر بن راشد اليمني أنه قال: "احتجمت فذهب عقلي حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب في صلاتي قال: وكان قد احتجم على هامته", وبلغني أن البرهان الحلبي عرض له الفالج١ فأنسي كل شيء حتى الفاتحة ثم عوفي، وكان يحكي عن نفسه أنه صار يتراجع إليه محفوظه الأول كالطفل شيئا فشيئا.
"فائدة": مما ينبغي أن يعلم أن ما كان من هذا القبيل من الرواية عمن اختلط في الصحيحين أو في أحدهما ونحوهما من كتب الحديث التي التزم فيها مؤلفوها الصحة فهو محمول أنه مما عرف روايته قبل الاختلاط والله أعلم٢.
"هل من مدكر؟ ":
"وبعد" هذا التطواف الطويل يتبين لنا أن الأئمة المحدثين والرواة الثقات الضابطين بلغ من علمهم بالأحاديث والسنن والرواة أن هذا الحديث مما روي عمن روى عنه وهو صحيح معافى، وأن ذاك الحديث مما روي عنه وقد اختلط، أو مرض وأن هذا الراوي قد روى عنه في حال الصحة والعافية فلان وفلان، وأن ذاك الراوي قد روى عنه في حال مرضه أو تخليطه فلان وفلان, وهذا أمر يكاد ينفرد به العلماء المحدثون، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على التبحر وسعة العلم بالأحاديث والرواة، وأنهم أحاطوا بالعلم بالرواة وأحوالهم وتاريخ ولادتهم ووفياتهم، وكنت أحب من المستشرقين الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من العلم أن يعتبروا بهذا ويتفكروا ثم يتفكروا، ولو أنهم فعلوا لعرفوا للسنة وتاريخها ورواتها لجلالتها وجلالتهم، ولما افتروا على السنن والأحاديث ورواتها وأئمتها هذه الافتراءات التي سودوا بها كتبهم ولكن
стр. 827
الأمر كما قال الله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١, وكما قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٢.
стр. 828
" طبقات العلماء والرواة ":
وهذا فن مهم, فإنه قد يتفق اثنان في اللفظ فيظن أن أحدهما هو الآخر فيتميز ذلك بمعرفة طبقاتهما, ومن فوائده أيضا:
١- إمكان الاطلاع على تبيين التدليس.
٢- والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة أهي تفيد الاتصال أم الانقطاع؟
قال السخاوي: وبين علم الطبقات وبين علم التاريخ عموم وخصوص وجهي١، فتجتمعان في التعريف بالرواة، وينفرد التاريخ بالحوادث، والطبقات بما إذا كان في البدريين مثلا من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة.
قال: وقد فرق بينهما بعض المتأخرين: بأن التاريخ ينظر فيه بالذات إلى المواليد والوفيات، وبالعرض إلى الأحوال، والطبقات ينظر فيها إلى الأحوال، وبالعرض إلى المواليد والوفيات ولكن الأول أشبه.
والطبقة في اللغة: القوم المتشابهون.
وفي الاصطلاح قوم تقاربوا في السن، واشتركوا في الأخذ عن الشيوخ بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر، أو يقاربوا شيوخه.
وقد يكون الراويان من طبقة باعتبار، لمشابهته لها من وجه، ومن طبقتين باعتبار آخر لمشابهته لها من وجه آخر كأنس بن مالك وأمثاله من أصاغر الصحابة هو مع العشرة المبشرين بالجنة في طبقة الصحابة،
стр. 829
وعلى هذا فالصحابة كلهم طبقة واحدة باعتبار اشتراكهم في الصحبة، والتابعون طبقة ثانية وأتباعهم طبقة ثالثة بالاعتبار المذكور وهلم جرا وباعتبار آخر، وهو النظر إلى السوابق تكون الصحابة بضع عشرة طبقة كما في "معرفة الصحابة" أنهم اثنتا عشرة طبقة أو أكثر، وفي "معرفة التابعين" أنهم خمس عشرة طبقة، وهكذا قال ابن الصلاح وتبعه النووي وغيره: والباحث الناظر في هذا الفن يحتاج إلى معرفة المواليد والوفيات، ومن أخذوا عنه، ومن أخذ عنهم، ونحو ذلك والله أعلم.
المؤلفات في هذا الفن: علم معرفة طبقات العلماء والرواة من العلوم المهمة التي ينبغي أن يعلمها العالم ولا سيما المحدث وعدم العلم به يوقع في أخطاء جسيمة وفي جهل فاضح وقد ألف في هذا الفن كثيرون من العلماء قديما وحديثا منهم من ألف في الطبقات والتاريخ عموما ومنهم من ألف في طبقات علماء مخصوصين وإليك أشهر من ألف في ذلك ومؤلفاتهم:
١- كتاب الطبقات الكبرى لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري الحافظ نزيل بغداد، المعروف بكاتب الواقدي صحبه زمانا وكتب له، فعرف به, المتوفى سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين.
جمع فيه الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد، وأحسن كما قال الخطيب البغدادي في نحو من خمسة عشر مجلدا, وهو ثقة في نفسه لكنه كثير الرواية فيه عن الضعفاء منهم: شيخه محمد بن عمر الواقدي, وهو وإن كان من أئمة أهل المغازي لكنه مضعف في الحديث، وشيخه هشام بن محمد بن السائب، الكلبي، وهو في روايته عن الواقدي يقتصر على اسمه، واسم أبيه من غير تمييزه بنسبة أو غيرها وقد أكثر من الرواية عنه وعن هشام شيخه هذا.
стр. 830
والمرء قد يضعف بالرواية عن الضعفاء مثل هذين وغيرهما لا سيما مع عدم تمييزهم، ومع الاستغناء عنهم بمن عنده من الثقات الأئمة وذلك مثل شيوخه: هشيم، والوليد بن مسلم، وسفيان بن عيينة، وابن علية، وابن أبي فديك، وأبو حمزة أنس بن عياض، ويزيد بن هارون، ومعن بن عيسى، وأبو الوليد الطيالسي، ووكيع، وأبو أحمد الزبيري وغيرهم وكتب عن أقرانه، ومن هو أصغر منه، وله كتاب طبقات صغرى: ثانية، وثالثة.
٢- كتاب الطبقات للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين.
٣- كتاب الطبقات للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة.
٤- كتاب التاريخ وطبقات التابعين لأبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي الحنظلي الحافظ المشهور من أقران البخاري ومسلم المتوفى بالري سنة خمس، أو سبع وسبعين ومائتين.
٥- طبقات الرواة لأبي عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري البصري المعروف بشباب الحافظ أحد شيوخ البخاري صاحب التاريخ الحسن وغيره المتوفى سنة ثلاثين، وقيل: أربعين أو ست وأربعين ومائتين.
٦- طبقات الهمدانيين -بسكون الميم وفتح الدال المهملة- لأبي الفضل صالح بن أحمد بن محمد ... بن عبد الله بن قيس التميمي الهمداني السمسار الحافظ المعمر صاحب التصانيف المتوفى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
٧- طبقات القراء لأبي عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن
стр. 831
عمر الأموي مولاهم القرطبي الأصل الداني لنزوله "دانية" بلد من بلاد الأندلس, أحد الأئمة الجامعين لعلوم القرآن، والمحصلين لعلوم الحديث, المتوفى بدانية سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
٨- وكتاب "حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء" لأبي نعيم الأصفهاني المتوفى في سنة ثلاثين وأربعمائة "٤٣٠" وفيها الصحيح، والحسن والضعيف وبعض الموضوع، ولما ألفها بيعت في حياته بأربعمائة دينار، وقد رتب أحاديثها على الأبواب الحافظ نور الدين الهيثمي، واختصرها أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب سماه "صفوة الصفوة".
٩- طبقات الأصفهانيين لأبي الشيخ ابن حيان، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان -بفتح الحاء المهملة، وفتح الياء التحتانية المشددة- نسبة إلى جده حيان المذكور الحافظ ذو التصانيف النافعة المفيدة المتوفى سنة تسع وستين وثلاثمائة.
١٠- طبقات الرجال في ألف جزء لأبي الفضل عليّ بن الحسين الفلكي المتوفى سنة سبع أو ثمان وعشرين وأربعمائة ولقب الفلكي؛ لأن جدا له كان بارعا في علم الفلك والحساب.
١١- وطبقات الشافعية لتاج الدين قاضي القضاة أبي النصر عبد الوهاب بن تقي الدين عليّ بن عبد الكافي الأنصاري السبكي -نسبة إلى سبك الضحاك بلد من بلاد مصر- صاحب التصانيف الكثيرة الجليلة المتوفى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
١٢- طبقات الحفاظ للإمام الحافظ الذهبي المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وله أيضا كتاب "طبقات القراء".
١٣- طبقات القراء للحافظ القارئ ابن الجزري المتوفى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
١٤- وهنالك طبقات أخرى كطبقات الحنفية للحافظ عبد القادر
стр. 832
ابن محمد بن محمد بن نصر الله القرشي الحنفي المصري المتوفى سنة خمس وسبعين وسبعمائة سماه: "الجواهر المضية في طبقات الحنفية".
١٥- وطبقات الحنابلة للحافظ أبي يعلى الفراء.
وهنالك كتب أخرى في طبقات المالكية وفي طبقات اللغويين، وفي طبقات النحاة إلى غير ذلك من كتب الطبقات١.
стр. 833
" معرفة الموالي من العلماء والرواة ":
الموالي: جمع مولى، وهو يطلق على الناصر، والمحب والصديق والصاحب والقريب كابن العم ونحوه، والجار، والحليف، والابن، والعم، والشريك، والولي، والرب وغير ذلك كما في القاموس١, فهو مقول بالاشتراك.
ويطلق أيضا على المولى من أعلى, وهو المعتِق -بكسر التاء- والمولى من أسفل, وهو المعتَق -بفتح التاء- والولاء في اللغة: القرابة، والعلاقة التي تكون بين اثنين أو أكثر والولاء بأنواعه من محاسن الإسلام، فكلما زادت الروابط والعلاقات بين الناس كلما كان أدعى إلى المحبة، والوفاق وعدم التنازع والخصام.
والولاء أنواع ثلاثة:
١- النوع الأول ولاء العتاقة، وهو ما يكون بين المعتِق والمعتَق وقد كان معروفا في الجاهلية فجاء الإسلام فأقره، وشرط له بعض الشروط، وهذا النوع هو الأكثر.
٢- النوع الثاني: ولاء التناصر والتعاون، وقد كان في الجاهلية، ولكن الإسلام جعله تناصرا على الحق، والخير، لا على البغي والظلم، وتقاطع الأرحام.
стр. 834
٣- النوع الثالث: ولاء الإسلام، فكل من أسلم على يدي شخص فولاؤه له، وهذا مما ابتدع في الإسلام، ولم يكن معروفا من قبل، وسنضرب الأمثلة لكل نوع منها.
فمن أمثلة موالي الإسلام الإمام البخاري فهو مولى الجعفيين وذلك لأن جده المغيرة بن بردزبة أسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي والد جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان المسندي الجعفي شيخ البخاري.
وكذلك أبو عليّ الحسن بن عيسى بن ماسرجس -بفتح الميم بعدها ألف، وفتح السين، وسكون الراء المهملة، وكسر الجيم، آخره سين مهملة- فإنه كان نصرانيا وأسلم على يد الإمام العالم الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك فقيل له: مولى ابن المبارك.
ومثال مولى الحلف الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي نسبة لجده ذي أصبح ونفره، فهم أصبحيون صليبة ويقال له: التيمي لأن جده ذا أصبح ونفره كانوا موالي لتيم قريش بالحلف فقد كانوا حلفاء لعثمان بن عبيد الله القرشي التيمي أخي طلحة بن عبيد الله، وقيل: إنما انتسب تيميا لكون جده مالك بن أبي عامر كان عسيفا أي أجيرا لطلحة بن عبيد الله الصحابي المشهور حينما كان طلحة يختلف في التجارة.
ومن أمثلة موالي القبيلة عتاقة: أبو البَختري -بفتح الباء الموحدة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح التاء المثناة، وكسر الراء- سعيد بن فيروز الطائي التابعي مولى طيئ وأبو العالية رفيع١ بن مهران الرياحي التميمي التابعي كان مولى امرأة من بني رياح -بكسر الراء، وفتح الياء التحتانية- بن يربوع حي من بني تميم.
стр. 835
والليث بن سعد المصري الفهمي مولاهم، وعبد الله بن وهب القرشي مولاهم وعبد الله بن صالح الجهني مولاهم كاتب الليث، ومكحول الشامي كان -كما قال الزهري- عبدا نوبيا أعتقته امرأة من هذيل، وعبد الله بن المبارك الحنظلي مولى بني حنظلة وغيرهم مع إطلاق النسبة في كل منهم بحيث يظن أن ممن نسب كذلك صليبة أي من ولد الصلب.
وربما توسع فينسب إلى القبيلة مولى مولاها كأبي الحباب سعيد بن يسار الهاشمي لأنه مولى شقران مولى رسول الله ﷺ .
وقيل: هو مولى السيدة ميمونة أم المؤمنين، وقيل مولى بني النجار، وعليهما فليس مولى لبني هاشم.
وكعبد الله بن وهب القرشي الفهري المصري فإنه مولى يزيد بن رمانة ويزيد مولى يزيد بن أنيس الفهري١ وإلى فهر تنسب قريش، ومحارب، والحارث بن فهر.
وقد يتوسع أيضا فينسب إلى الشخص ما ليس مولى له كمقسم -بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين آخره ميم- بن بجرة -بضم الباء الموحدة وسكون الجيم- أبو القاسم يقال: مولى ابن عباس، للزومه له، وليس مولى له، وإنما هو مولى عبد الله بن الحارث.
المؤلفات فيه: قال السخاوي في شرح ألفية العراقي، وقد أفرد الموالي لكن من المصريين خاصة أبو عمر محمد بن يعقوب الكندي.
وأفردت موالي النبي ﷺ في كراسة ولا يعرف ذلك إلا بالتنصيص عليه قال: وهو من الضروريات لاشتراطه حقيقة النسب في الإمامة العظمى، والكفاءة في النكاح، والتوارث وغيرها من الأحكام الشرعية، ولاستحباب التقديم به في الصلاة وغيرها.
стр. 836
" بلوغ الموالي من العلماء والرواة مرتبة سامية في الإسلام ":
وقد بلغ الموالي بعد تشرفهم بالإسلام منزلة عالية في الإسلام بسبب إيمانهم وتدينهم، وعلمهم، حتى الإمارة حصل عليها بعضهم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الإسلام جعل التفاضل بين الناس بالتقوى, وهي جماع الدين والعلم لا بالأنساب، وطبق ذلك تطبيقا عمليا في دولة الإسلام.
وليس أدل على ذلك مما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب لما تلقاه نائب مكة نافع بن الحارث الخزاعي في أثناء الطريق في حج أو عمرة قال له: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى١، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من الموالي، قال وكيف استخلفت مولى؟ قال: إنه حافظ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال سيدنا عمر: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع آخرين".
وذكر الإمام الزهري: أن هشام بن عبد الملك٢ قال له:
من يسود أهل مكة؟ قلت: عطاء، قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا.
قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قال: قلت: طاوس. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: إنه لينبغي.
стр. 837
قال: فمن يسود أهل مصر؟ قال: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: مكحول، قال: أمن العرب أم من الموالي؟
قال: قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل.
قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل البصرة. قال: قلت: الحسن بن أبي الحسن -يعني البصري- قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي. قال: فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب.
قال: ويلك يا زهري فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب، حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها.
قال: قلت يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط وهذا من عبد الملك أو من هشام فراسة وحسن نظر وفيه غيرة على العرب.
قال ابن الصلاح: وفيما نرويه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما مات العبادلة صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي إلا المدينة فإن الله نفعها بقرشي فكان فقيها بغير مدافع: سعيد بن المسيب.
قال ابن الصلاح: وفي هذا بعض الميل، فقد كان حينئذ من العرب
стр. 838
غير ابن المسيب فقهاء أئمة مشاهير منهم الشعبي والنخعي، بل جميع فقهاء المدينة السبعة الذين منهم ابن المسيب عرب سوى سليمان بن يسار, والله أعلم.
"تعليقي على القصة":
وأنا مع ابن الصلاح فيما قال، على أنه لا يلزم من السيادة العلمية أن لا يكون هناك علماء عرب أصلاء غيرهم إن لم يكونوا فوقهم أو مثلهم، فهم يقاربونهم، ولا أكتمكم أني في شك من صحة هذه القصة ولو أن ابن الصلاح أبرز سنده لكان لنا معه موقف آخر، ولكنه طوى السند طيا وسأل بعض الأعراب رجلا من أهل البصرة: من سيد هذه البلدة؟ قال: الحسن بن أبي الحسن البصري. قال: أمولى هو؟ قال: نعم. قال: فيم سادهم؟ فقال: بحاجتهم إلى علمه وعدم احتياجه إلى دنياهم. فقال الأعرابي: هذا لعمر أبيك هو السؤدد, وأيضا فقد كان بكل مصر من الأمصار من العلماء العرب الأصلاء كثيرون، وليس بلازم أن يحيط الزهري بكل هؤلاء علما.
ومهما يكن من شيء فهذا يدل دلالة واضحة على أن الذين دخلوا في الإسلام من غير العرب دخلوا وهم مخلصون لهذا الدين غاية الإخلاص وأنهم عوضوا عدم توليهم الولايات لعدم عربيتهم بما هو أهم من الولاية وهو العلم، ولم يزال العلم إلى وقتنا هذا فوق الإمارة والوزارة وأنهم إن لم يكونوا عربا بالأصل فقد صاروا عربا بالمربى يحفظون القرآن والحديث كما يحفظ العرب، ويتكلمون العربية الفصحى كما يتكلم العرب الأصلاء, وهو من أقوى الأدلة على أن هذا الدين دين إلهي حقا فلله الحمد والمنة على نعمة الإسلام.
стр. 839
" معرفة أوطان الرواة وبلدانهم ":
وهذا علم مهم جدا وهو مما يفتقر إليه علماء الحديث وحفاظه في تصرفاتهم ومصنفاتهم وتترتب على العلم به فوائد مهمة:
١- منها معرفة شيخ الراوي فربما اشتبه بغيره فإذا عرفنا بلده تعين بلديه غالبا.
٢- ومنها: أنه يتبين به الراوي المدلس، وما في السند من إرسال خفي.
وقد كانت العرب إنما تنتسب إلى قبائلها فلما جاء الإسلام، وغلب عليهم سكنى القرى والمدن انتسبوا إلى القرى والمدن كالعجم، والمراد متأخروهم وإلا فقد كان في المتقدمين من ينتسب إلى القبائل كثيرا.
ثم من كان ناقلة من بلد إلى بلد وأراد الانتساب إليهما فليبدأ بالأول فيقول في فيمن انتقل من مصر إلى دمشق: المصري الدمشقي، والأحسن: ثم الدمشقي، لدلالة "ثم" على الترتيب مع التراخي، وله أن ينتسب إلى أحدهما فقط, وهو قليل ومن كان من أهل قرية من قرى بلدة فجائز أن ينتسب إلى القرية وإلى البلدة أيضا، وإلى الناحية التي فيها تلك البلدة أيضا وإلى الإقليم, فيقول فيمن هو من قرية "داريا" من قرى مدينة دمشق التي هي من إقليم الشام: الداري، أو الدمشقي، أو الشامي.
وإن أراد الجمع بين الثلاثة فهو مخير بين الابتداء بالأعم فيقول: الشامي الدمشقي الداري، أو بالقرية التي هو منها فيقول: الداري الدمشقي الشامي إذ المقصود التعريف والتميز, وهو حاصل بكل منها نعم إن كان أحدهما أوضح في ذلك فهو أولى، وكذلك في النسب إلى القبائل يبدأ بالعام قبل الخاص, فيقال القرشي الهاشمي ولا يقول العكس؛ لأنه لا فائدة حينئذ، وإذا جمع بين النسب إلى القبيلة والبلد قدم
стр. 840
النسب إلى القبيلة وقد تقع النسبة إلى الصنايع كالخياط، وإلى الحرف كالبزاز الذي يتجر في البز وهي الثياب، وتقع ألقابا كخالد بن مخلد الكوفي القطواني -بفتح القاف والطاء المهملة- ويقع في كلها الاتفاق والافتراق والاشتباه كالأسماء.
فائدة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
الشعوب: القبائل العظام، وقيل: الجماع التي تجمع متفرقات البطون واحدها شعب، والقبائل: هي دون الشعوب، والعمائر جمع عمارة -بالكسر والفتح- وهو حي عظيم يمكنه الانفراد بنفسه، والبطون دون العمائر، والفخذ دون البطن، والفصيلة دون الفخذ٢.
المؤلفات في الأنساب: وقد ألف في علم الأنساب جماعة العلماء منهم:
١- كتاب الأنساب: لتاج الإسلام أبي سعد -بفتح السين وسكون العين- ويقال: أبي سعيد -بفتح السين وكسر العين بعدها ياء- عبد الكريم بن محمد بن أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار التيمي السمعاني -بفتح السين وكسرها- المروزي الشافعي الحافظ الذي زاد شيوخه عن أربعة آلاف شيخ, وله التصانيف المفيدة المتقنة التي منها: تاريخ مرو، والأمالي، وتاريخ الوفاة للمتأخر من الرواة وغير ذلك, المتوفى بمرو سنة اثنتين وستين وخمسمائة عن ثلاث وأربعين سنة, وهو كتاب عظيم في هذا الفن لم يصنف فيه مثله.
٢- كتاب "العجالة" وهو صغير الحجم للحافظ أبي بكر محمد بن
стр. 841
موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حاتم الجازمي نسبة إلى جده المذكور المتوفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
٣- وكتاب الأنساب لأبي محمد عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن خلف اللخمي المعروف بالرشاطي، وهو المسمى "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار، في أنساب الصحابة ورواة الآثار", وقد أحسن فيه وجمع وما قصر وقد توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
٤- وقد اختصر كتاب أبي سعد السمعاني، واستدرك أشياء فاتته، ونبه على أغلاطه، الإمام المحدث اللغوي عز الدين أبو الحسن عليّ بن محمد، والصواب في اسمه محمد بن محمد، الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر لكونه من أهلها, المتوفى سنة ثلاثين وستمائة, وهو أخو المجد المبارك بن محمد صاحب "جامع الأصول" و"النهاية في غريب الحديث" وسمى كتابه "اللباب", وهو كتاب جليل في ثلاث مجلدات وهو الموجود بأيدي الناس.
٥- ثم جاء الإمام السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة فاختصره، وزاد عليه أشياء فاتته في كتاب سماه "لب الألباب في تحرير الأنساب", وهو في مجلد لطيف إلى غير ذلك من الكتب الأخرى التي ألفت في الأنساب١.
стр. 842
" رواية الصحابة بعضهم عن بعض والتابعين بعضهم عن بعض ":
وهذان ذكرهما البلقيني في كتابه "محاسن الاصطلاح وقال: إنهما مهمان؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة، ورواية أتباع التابعين عن التابعين فيحتاج إلى التنبيه على ما يخالف ذلك، وقد تقدم شيء منه في نوع رواية الأقران بعضهم عن بعض مثال الأول: حديث الزهري عن السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي عن عمر بن الخطاب مرفوعا: "ما جاء الله به من هذا المال من غير إشراف ولا سائل فخذه ولا تتبعه نفسك" , فمن السائب إلى عمر كلهم صحابة.
ومثاله أيضا حديث خالد بن معدان عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقدام بن معديكرب، عن أبي أيوب الأنصاري، عن عوف بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو مرعوب، متغير اللون، فقال: "أطيعوني ما دمت فيكم، وعليكم بكتاب الله فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه" ١.
ومثال ما اجتمع فيه أربع نسوة من الصحابيات اثنتان من أمهات المؤمنين وربيبتان للنبي ﷺ وهو ما رواه مسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجه من طريق ابن عيينة عن الزهري عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش قالت: أتيت رسول الله ﷺ يوما محمرا وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله -ثلاث مرات- ويل للعرب من شر قد اقترب, فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" , وعقد عشرا، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" , وقد أفرد بعض العلماء هذه الأحاديث الثلاثة في جزء.
ومثال ما اجتمع فيه خمسة من الصحابة وهو ما رواه السيوطي بسنده عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب عن
стр. 843
أبي بكر الصديق، عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : "الموت كفارة لكل مسلم".
стр. 844
معرفة ما رواه الصحابة عن التابعين
مدخل
...
"معرفة ما رواه الصحابة عن التابعين":
وهذا من الأنواع التي زادها السيوطي في "تدريبه", وقد ألف فيه الخطيب البغدادي قال السيوطي: وقد أنكر بعضهم وجود ذلك, وقال: إن رواية الصحابة عن التابعين إنما هو في الإسرائيليات١، والموقوفات، وليس كذلك.
فمن أمثلة ذلك:
١- حديث سهل بن سعد الساعدي عن مروان بن الحكم عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. فجاء ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ رواه البخاري والترمذي والنسائي.
٢- وحديث السائب بن زيد عن عبد الرحمن بن عبد٢ القاري عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: "من نام عمن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل" , رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
٣- وحديث جابر بن عبد الله عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق عن عائشة ﵂ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع ثم يكسل، هل عليهما من غسل، وعائشة جالسة، فقال: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل" , رواه مسلم.
стр. 845
٤- وحديث عمرو بن الحارث بن المصطلق عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن، فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة" , رواه الترمذي والنسائي، والحديث متفق عليه من رواية عمرو عن زينب نفسها.
٥- وحديث يعلى بن أمية عن عنبسة بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة عن النبي ﷺ قال: "من صلى اثنتي عشرة ركعة بالنهار أو بالليل بني له بيت في الجنة" , رواه النسائي.
٦- وحديث جابر بن عبد الله عن أبي عمرة مولى عائشة -واسمه ذكوان- عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يكون جنبا، فيريد الرقاد، فيتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يرقد", رواه أحمد في مسنده.
٧- وحديث أبي هريرة عن أم عبد الله بن أبي ذياب عن أم سلمة مرفوعا: "ما ابتلى الله عبدا ببلاء وهو على طريقة يكرهها إلا جعل الله ذلك البلاء كفارة له" , رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب المرض والكفارات" وقد جمع الحافظ أبو الفضل العراقي الأحاديث التي بهذه الشريطة فبلغت عشرين حديثا.