بعد الشرح قال: "والحاصل أن المبيح لجواز الاتصال والانفصال هو كون الضمير ثاني ضميرين أولهما أخص وغير مرفوع أو كونه خبر كان وأخواتها, ثم إن كان المقدم من الضميرين غير الأخص، فإما أن يكون مخالفا الرتبة أو مساويا لها, فإن كان مخالفا لم يجز اتصال ما بعده إلا فيما ندر كقول عثمان ﵁: أراهمني الباطل شيطانا".
مسألة "٣":
في باب الضمير, بعد قول الناظم:
وقبل يا النفس مع الفعل التزم ... نون وقاية وليسي قد نظم
بعد الشرح قال:
"ومعنى البيت: أن نون الوقاية تلزم قبل ياء التكلم مع جميع الأفعال نحو أكرمني يكرمني أكرمني, إلا فعلا واحدا وهو "ليس" ندر حذف نون الوقاية معه في النظم لضرورة الشعر".
مسألة "٤":
في باب إن وأخواتها, بعد قول الناظم:
من دون ليت ولعل وكأن
بعد الشرح قال:
"وتلخيص هذه المسألة:
أن نصب المعطوف بعد الخبر وقبل الخبر جائز في الجميع، وأما رفعه فيجوز بعد الخبر لا قبله في "إن" و"لكن" باتفاق و"أن" بعد العلم أو ما في معناه على المختار".
ومن مزاياه رغبته في توضيح المسائل النحوية:
فيحسم الخلاف بتحقيق أو تفضيل ليعطي القارئ صورة موجزة تساعد على فهم المراد.
ومن الأمثلة:
стр. 212
مسألة "١":
في باب المعرب والمبني, بعد قول الناظم:
ما لم يضف أويك بعد أل ردف
قال المرادي:
"فإن قلت: إذا أضيف ما لا ينصرف أو دخلته أل وانجر بالكسرة فهل يسمى منصرفا؟
قلت: فيه خلاف مشهور.
والتحقيق: أنه إن زالت إحدى علتيه بالإضفة أو أل فمنصرف نحو "مررت بأحمدكم" وإلا فغير منصرف نحو "مررت بأحسنكم".
والمفهوم من قوة كلامه في النظم أنه باق على منع صرفه".
أقول:
والفرق بينهما أن "أحمد" ذهبت منه العلمية بالإضافة، أما في "أحسنكم" فلا تزال فيه الوصفية ووزن الفعل، فالأول منصرف, والثاني غير منصرف.
مسألة "٢":
في باب المعرب والمبني, بعد قول الناظم:
واحذف جازما..... ... ثلاثهن.............
بعد الشرح قال: "والتحقيق أن الحذف عند الجازم، لأنه فرع. إذا كان حرف العلة بدلا من همزة نحو: "يقرأ" فإن قدر دخول الجازم قبل الإبدال وجب إقراره، وإن قدر دخوله بعد الإبدال فقد ذكر ابن عصفور فيه وجهين: الإثبات والحذف ومنع بعضهم الحذف".
مسألة "٣":
في باب الابتداء, بعد قول الناظم:
حاوية معنى الذي سيقت له
стр. 213
بعد الشرح قال:
"قلت: التحقيق. إن الجملتين إذا عطفت إحداهما على الأخرى بالفاء التي للسببية تنزلتا منزلة الشرط والجزاء، واكتفى بضمير واحد في إحداهما كما يكتفي بضمير واحد في جملتي الشرط والجزاء".
مسألة "٤":
في باب الاشتغال, بعد قول الناظم:
وإن تلا السابق ما بالابتدا ... يختص فالرفع التزمه أبدا
وبيت بعده..........
بعد شرح قال: "والتفصيل؛ فإن كان مقرونا بقد جاز النصب بعدها وإن لم يكن مقرونا بها وجب الرفع؛ لأن الأخفش قد حكى عن العرب إيلاءها الفعل المقرون بقد، قيل: وهو الصحيح".
стр. 214
مسائل: الظاهر من تعبير المرادي وتعبير النحاة أنه انفرد بها:
مسألة "١":
في باب الكلام, بعد قول الناظم:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
بعد الشرح قال المرادي في شرحه للألفية:
"وأقول: إن صدور الكلام من ناطقين غير متصور؛ لأن الكلام مشتمل على الإسناد والإسناد لا يتصور صدوره إلا من واحد، وكل واحد من المصطلحين متكلم بكلام كما أجاب ثانيا" ونسبه إليه السيوطي في همعه ١/ ١٠.
مسألة "٢":
في باب العلم, بعد قول الناظم:
ووضعوا لبعض الأجناس علم ... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
بعد الشرح, قال المرادي في شرحه للألفية:
"وأقول: تفرقة الواضع بين "أسامة" و"أسد" في الأحكام اللفظية توزن بفرق من جهة المعنى".
مسألة "٣":
في باب الموصول "الأولي" إشارية وموصولة.
قال الشيخ عبادة في حاشيته على الشذور "وقال المرادي في شرح التسهيل: فرق بينهما، وذلك أن "أولي" الإشارية لا يجوز دخول "أل" عليها. والموصولة يجوز دخولها عليها، والإشارية تكتب بعد همزتها واو بخلاف الموصولة".
مسألة "٤":
في باب المبتدأ, بعد قول الناظم:
كنطقي الله حسبي وكفى
"وأقول: الذي يظهر -والله أعلم- في هذا ونحوه أنه ليس من الإخبار
стр. 215
بالجملة، وإنما هو من الإخبار بالمفرد؛ لأن الجملة في نحو ذلك إنما قصد لفظها كما قصد حين أخبر عنها في نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة".
مسألة "٥":
في باب إن وأخواتها, بعد قول الناظم:
بعد إذا فجاءة أو قسم ... لا لام بعده بوجهين نمي
وبعد الكلام على قول الشاعر:
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا
قال الشيخ الصبان: "لكن قال المرادي في شرح المتن أن من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة" "أرى" -بالبناء للمفعول- مضارع "أريت" بمعنى أظننت كذلك، وكذا في شرحه للتسهيل، وزاد فيه عن سيبويه وغيره أن "أريت" بمعنى أظننت لم ينطق له بمعنى للفاعل كما لم ينطق بأظننت التي أريت بمعناها".
مسألة "٦":
في باب ظن وأخواتها, بعد قول الناظم:
ظن حسبت وزعمت مع عد ... حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
قال الشيخ السجاعي في حاشيته على ابن عقيل: "قال المرادي: أو ساق أو كتم".
مسألة "٧":
في باب ظن وأخواتها, بعد قول الناظم:
وجوز الإلغاء لا في الابتدا
قال الشيخ الصبان: "ذكر المرادي أن لجواز الإلغاء هنا قيدين أهملهما المصنف.
أحدهما: ألا تدخل لام الابتداء على الاسم، فإن دخلت نحو "لزيد قائم ظننت" وجب الإلغاء.
стр. 216
الثاني: ألا ينفي الفعل، فإن نفي امتنع، فيمتنع نحو "زيد قائم لم أظن"، لبناء الكلام على النفي.
ولم يتعرض المصنف ولا غيره من أتباعه لهذا الذي ذكره المرادي".
مسألة "٨":
في باب المفعول له:
قال الشيخ يس في حاشيته على مجيب الندا للفاكهي: "قال المرادي في شرح التسهيل: يجوز في "كي" إذا كانت ناصبة بنفسها أن تقع مفعولا له؛ لأنها إذ ذان ينسبك منها المصدر فتكون مثل أن وإن".
مسألة "٩":
في باب المفعول فيه, بعد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ .
جعلوا "حيث" مفعولا -أي: يعلم حيث.
وقال الشيخ عبادة في حاشيته على شذور الذهب "قال المرادي: لم يجئ "حيث" فاعلا ولا مفعولا ولا مبتدأ".
مسألة "١٠":
في باب الإضافة, بعد قول الناظم:
وألزموا إضافة لدن فجر
قال المكودي: "وجعل المرادي قوله: "فجر" شاملا للجر في اللفظ والمحل، لتندرج الجملة، وجعل من إضافتها إلى الجملة قوله:
لدن شب حتى شاب سود الذوائب
وأجاز المرادي أيضا أن يضاف إلى الجملة الاسمية كقوله: لدن أنت يافع".
مسألة "١١":
في باب المصدر في شروط المصدر:
стр. 217
قال الشيخ خالد في التصريح: "زاد المرادي شرطا خامسا، وهو أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل".
أقول: وقد ذكره المرادي في شرحه للألفية, بعد قول الناظم:
إن كان فعل مع أن أو ما يحل ... محله.............................
مسألة "١٢":
في باب الترخيم, بعد قول الناظم:
ترخيما احذف آخر المنادى ... كيا سعا فيمن دعا سعادا
بعد الكلام في إعراب "ترخيما".
قال الشيخ الأشموني: "وأجاز المرادي وجها رابعا، وهو أن يكون مفعولا مطلقا وناصبه احذف؛ لأنه يلاقيه في المعنى".
مسألة "١٣":
في باب موانع الصرف, الوصفية وزيادة الألف والنون:
قال الشيخ عبادة في حاشيته على الشذور. بعد الشرح:
"وزاد المرادي لفظين:
وزد فيهن خمصانا ... على لغة وأليانا
وأيضا ذكره الأشموني والصبان.
أقول: وبالرجوع إلى كتب النحو المتقدمة على المرادي، وجدت أن "أليان" سبقه بها ابن الناظم. قال في شرحه لألفية والده ص٢٥٩:
"فقد رأينا بعض ما هو صفة على فعلان مصروفا كندمان وسيفان وأليان". ا. هـ.
مسألة "١٤":
في حرف الباء "بجل" في المصنف من الكلام على مغني ابن هشام قال الشمني: "قال ابن أم قاسم في الجنى الداني. أما "بجل" الاسمية فلها قسمان:
стр. 218
أحدهما: أن يكون فعلا بمعنى يكفي فتلحقها نون الوقاية مع ياء التكلم. فيقال "بجلني".
والثاني: أن تكون اسما بمعنى "حسب" فتكون الباء المتصلة بها مجرورة الموضع ولا تلحقها نون الوقاية".
وبالرجوع إلى هذه الآراء في كتب المرادي لاحظت أنه لم يسنبها لقائل.
ملاحظة:
يلاحظ على ابن أم قاسم المرادي أنه:
١- كان يقتصر على بعض الأحكام في المسألة دون استقصاء. مثل ذلك في باب الكلام, بعد قول الناظم:
بالجر والتنوين ... إلخ
قال: "للاسم خمس علامات: الأولى الجر, وهو يشمل الجر بالحرف نحو "بزيد" وبالمضاف نحو "غلام زيد", ولا جر بغيرهما خلافا لمن زاد التبعية". فاقتصر على ذلك وترك الجر بالمجاورة، وقد أثبته الجمهور كما في همع الهوامع للسيوطي ٥٥/ ٢ "أثبت الجمهور من البصريين والكوفيين الجر بالمجاورة ... ". وإن كان ضعيفا كما قال السيوطي في الهمع "خاتمة" في سبب للجر ضعيف أثبت الجمهور..".
فعلى صاحب أن يذكر الجر من جميع الجوانب.
٢- كان يعترض على المسألة فيقول: وفيه نظر، وفي بعض المسائل لا يذكر وجهة نظره.
مثال ذلك: في باب ظن, بعد قول الناظم:
بغير ظرف أو كظرف أو عمل ... وإن ببعض ذي فصلت يحتمل
بعد الشرح قال المرادي:
"وزاد في التسهيل أن يكون حاضرا، وفي شرحه بأن يكون مقصودا به الحال. فعلى هذا لا ينصب مقصودا به المستقبل، ولم يشترطه غيره، وفيه نظر".
стр. 219
ومثال آخر في باب الحال, بعد قول الناظم:
الحال وصف فضلة منتصب ... مفهم في حال كفردا أذهب
في جر الحال بمن الزائدة.
قال المرادي: "وذكر في حروف الجر من شرح التسهيل أن "من" الزائدة ربما دخلت على الحال، ومثله بقراءة من قرأ: "ما كان ينبغي لنا أن نُتَّخذ من دونك من أولياء"- مبنيا للمفعول- وفيه نظر".
مذهبه النحوي:
يبدو لي من الدراسة أن المرادي لم يفته كتاب من كتب النحو الهامة ابتداء من كتاب سيبويه إلى مؤلفات معاصريه, دون أن يقرأه، ولم يترك أيضا كتب مالك كالتسهيل وشرحه في الكافية وشرحها وغير ذلك.
ولا أغالي إذا قلت: إنه درس كل هذه الكتب دراسة وافية واعية.
وكان كثير الدأب على القراءة والاطلاع، حتى إنه ليخيل إليّ وهو يتصدى للتأليف يضع أمامه كتب ابن مالك وسيبويه والكسائي والفراء والأخفش والمبرد وابن السراج وثعلب والجرمي والفارسي والسيرافي والزمخشري وابن كيسان وابن برهان وابن جني وابن مضاء وابن خروف وابن الحاجب وابن عصفور وأبي حيان وغيرهم من كبار النحاة.
فإننا نجد آراء هؤلاء جميعا وغير هؤلاء معروضة في كتب النحو عامة وشرح المرادي خاصة يوافقها أو يخالفها يؤيدها أو يردها يقويها أو يضعفها يصححها أو يخطئها، ويوازن بينها ويرجح ويختار في تبصرة وثقة واعتداد إلى جانب أنه كان على إحاطة بالقراءات والعروض والتفسير والأصول.
وأول ما يطالعنا من مميزات مذهب المرادي أنه مال إلى التجديد والابتكار في منهج تأليفه، ويمكن أن نلمس هذا في شرحه.
فقد اعتمد على أن يعرض آراء ابن مالك في شرحه مؤيدا أو معارضا، ولما كان هذا العمل قد حاز إعجاب بعض الشراح، رأينا الشيخ الأشموني في شرحه
стр. 220
للألفية نهج نهجه واتبع سبيله فنراه أيضا يسأل ويجيب، وأفرد مسائل في تنبيهات اقتداء بالمرادي.
وقد مال ابن أم قاسم إلى السهولة واليسر في كل ما ذهب إليه حتى إنه ليصرح عقب المسائل الخلافية المطولة بتحقيق يشتمل على إجمال لما وقع فيه الخلاف، وأنه يختار المذهب؛ لأنه أسهل أو لبعده عن التكلف والتعقيد. ويعول كثيرا على آراء ابن مالك في التسهيل والكافية وشرحيهما، وقد يذكر المسائل المتعارضة من آرائه في هذه الكتب, قاصدا بذلك التوضيح والتبيين.
ويمتاز المرادي بالجمع بين مذاهب النحاة بصريين وكوفيين وبغداديين ومغاربة فهو يعرض الآراء في دقة وأمانة ويرجح ويتخير.
فشرحه هذا مزيج من نحو النحاة وآرائه الخاصة، وإن كانت المسحة الغالية هي المسحة البصرية.
ولا يقف المرادي في كتابه عند المسائل النحوية بل يعدو ذلك إلى التصريف واللغة كلما سنحت سانحة.
ولما كان ابن أم قاسم قد اشتغل بالقراءات والتفسير والأصول، فقد استمد شواهده من القرآن الكريم، ولحبه في كتاب الله حمله هذا الاتجاه في بعض الأحيان على قبول الشواهد من القراءات غير المشهورة أو الشاذة؛ لأنه كان يثق فيما نقله القراء.
ويلاحظ أن المرادي يمثل بأبيات لا يحتج بقول قائلها كأبي نواس وأبي العلاء مقتديا بغيره.
وابن أم قاسم كان يحترم السماع والقياس، ويمتاز أسلوبه بالدقة في التعبير وصوغ الأحكام التي تكفل عرض المذاهب بوضوح وسهولة.
وشرح الألفية موضوع البحث مثال حي لهذا الأسلوب.
انتهت الدراسة, ويليها الجزء الأول من التحقيق.
стр. 221
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الثاني: تحقيق شرح ألفية ابن مالك للمرادي
مقدمة المحقق:
الحمد لله المنعوت بجميل الصفات، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف الكائنات، والمبعوث بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وعلى آله وصحبه الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن بيضة الدين، حتى رفع الله بهم مناره، وأعلى كلمته، وحبك دينه المرضي وطريقه المستقيم.
وبعد:
فهذا الكتاب تحقيق لأهم أصل من أصول الأشموني التي اعتمد عليها وأخذ منها، ويكاد يكون صورة لها, فالأشموني وشرح المرادي على ألفية ابن مالك يكادان يكونان شيئا واحدا.
لذلك اخترت هذا الكتاب للتحقيق والشرح، وقدمته إلى كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، جزءا من رسالتي للدكتوراه التي أجزت عليها مع مرتبة الشرف الأولى.
واسم الكتاب كاملا هو: "توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك" ومؤلفه ابن أم قاسم المرادي.
وقد اعتمدت على ثلاث نسخ:
وصف المخطوط:
أ- النسخة الأولى:
١- خطها: نسخة في مجلد بقلم معتاد بخط إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل ومسطرتها ٢١ سطرا, ٢٢سم.
مودعة بمكتبة الأزهر تحت رقم "٣٢٣٨" عروسي ٤٢٥٦٥.
٢- في أول صفحة خاتم مكتوب فيه "ملك الفقير إلى رب العالمين محمد أمين المنصوري".
стр. 222
٣- وفي نفس الصفحة مثلث مكتوب بداخله "هذا كتاب توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك للشيخ العالم العلامة بدر الدين بن عليّ ابن الشيخ صالح الزاهد قاسم بن عبد الله بن المرادي المالكي ﵀".
٤- ووضع أيضا خاتم أزرق اللون لم تظهر عليه كتابة.
٥- نهايتها: وفي نهاية النسخة كتب: "تم الشرح المبارك المسلك في تحقيقه الطريق المبارك يوم الأربعاء لثلاث وعشرين من شهر محرم سنة ١٢٨٣ على يد العبد الفقير المعترف بالذنب والتقصير إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل القناوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين".
٦- قيمتها: هذه النسخة وإن لم تكن مضبوطة بالشكل فخطها واضح، وجلي ومجدولة بالمداد الأحمر، والسقط بها قليل.
ب- النسخة الثانية:
١- خطها: نسخة في مجلد مخطوط بخط الشيخ صالح سلامه رمضان السكندري مودعة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٢٣.
٢- في أول صفحة كتب بين خاتمين لم تظهر عليهما الكتابة "مشترى من تركة الشيخ صالح سلامة رمضان في ٣ أغسطس سنة ١٧٨٠م".
٣- وفي الصفحة الثانية أبيات من الشعر هي:
وقفت على يقيني في اعتقادي ... فما شرح الخلاصة كالمرادي
كتاب جل في تحصيل نحو ... وتنقيح على وفق المرادي
مؤلفه له علم غزير ... وذهن ثاقب في الاجتهاد١
لقد سبق الورى في علم نحو ... على ألفية سبق الجوادي
стр. 223
وفاق فما يطاق له سباق ... على الخيل المضمرة الهوادي
وقد بذل النصيحة في كتاب ... له شرف وها أنا فيه بادي
شهير فضله في الناس طرا ... وما يخفيه إلا ذو عنادي
فمهما شئت فن النحو خذه ... ففوزك في مرادك بالمرادي
مراديّ تكفل بالمراد ... وفيه كفاية لذوي الرشادي
فخذ بالجد بالتذكار فيه ... فهذا النصح عن محض الودادِ
٤- نهايتها: وكان قد نسخ القسم الأخير قبل القسم الأول، فكتب في آخرها "كتبه لنفسه ثم لمن شاء من بعده عبيد الله الفقير صالح سلامة السكندري مولدا ومنشأ المالكي مذهبا الأشعري عقيدة الخلوتي طريقة غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وأحبابه، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، آمين يا مجيب الدعوات.
وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة المبارك الموافق لمضي سبعة عشر يوما خلت من شوال سنة ١٢٧٧هـ سبعة وسبعين ومائتين وألف من هجرة من له العز والشرف.
وكان ذلك بمقام وليّ الله سيدي أحمد المكني نفعنا الله وإياكم ببركاته آمين اللهم كما مننت علينا بإكمال الجزء الثاني فامنن علينا بإكمال الجزء الأول بجاه سيدنا محمد وآله وصحبه".
وفي آخر القسم الأول كتب "حرر في ٢٥ل سنة ١٢٧٨.
٥- قيمتها: نالت حظ الضبط بالشكل، وهي أقل جودة من غيرها في الخط، ومجدولة بالمداد الأحمر، وبها سقط.
ج- النسخة الثالثة:
١- نسخة في مجلد مخطوط مودع بدار الكتب المصرية بالمكتبة التيمورية رقم ١٥٠ وعدد أوراقها ٢٣٠ ورقة.
стр. 224
٢- في أول صفحة فهرس أجمل فيه جميع أبواب النحو.
٣- وعليه خاتم أحمر كتب فيه "وقف أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور بمصر".
٤- نهايتها: كتب في آخر النسخة: "تم الكتاب بعناية الملك الوهاب والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين.
بتاريخ نهار الأربعاء حادي عشر شوال سنة ١٠٣٤ أربع وثلاثين وألف".
٥- مكتوب على هامش النسخة في آخر صفحة منها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله مفيض أنوار الفهوم وفاتح مغاليق العلوم، والصلاة والسلام على من أوتي نوابغ الكلم، وبوالغ الحكم، المرسل رحمة لكافة الأمم، والمنزل عليه: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣-٥] وعلى آله وأصحابه مصابيح العلم.
وبعد: فإن الشاب الفاضل والماهر الكامل درة تاج الأذكياء، وواسطة قلادة أرباب الجد والتشمير من الاتقياء, السيد سليمان الحافظ بن الشيخ أحمد بن الشيخ سليمان الشهير بالحموي، الإمام بالجامع الشريف الأموي، قد قرأ هذا الشرح بطرفيه قراءة مذاكرة وتدبر، والتمس مني الإجازة به، والتفسير والفقه والقراءات وسائر ما تجوز لي وعني روايته بشروطه المعتبرة عند أهل الأثر راجيا منه ألا ينسانا من دعائه النافع.
ولا سيما إذا جافت النفحات السحرية الجنوب عن المضاجع، وله مني على قصوري مثل ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
أحمد بن عليّ العثماني
حرر ليلة الخميس لتسع بقين من ذي القعدة سنة ١١٤٣.
٦- وقبل الغلاف الأخير خاتم أيضا مثل الأول مكتوب فيه: "وقف أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور بمصر".
٧- قيمتها: نسخة وضح خطها وضبطت بالشكل ومنظمة، ومجدولة بالمداد الأحمر, غير أن بها خرما، وبهامشها كثير من التصحيحات.
стр. 225
وإنما وقع اختياري على أن أجعل النسخة الأولى هي الأصل، مع أن الثانية ضبطت بالشكل وكذا الثالثة لأن خطها أوضح وسقطها أقل منهما.
عنوان الكتاب:
في النسخة الأولى: "توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك", وفي الثانية والثالثة: "شرح ألفية ابن مالك".
موضوعات الكتاب:
هي موضوعات ألفية ابن مالك، أولها:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
طريقة شرحه للألفية:
يعرض البيت ثم يشرحه شرحا إجماليا، وكثيرا ما يذكر كل جزء من أجزائه على حدة، ويشرح هذا الجزء منفردا بوضوح مستشهدا بآيات الله والأحاديث النبوية، وأقوال العرب وأشعارهم، وفي الغالب يكتفي من البيت بجزء الشاهد، وألاحظ في هذا الشرح أنه يسأل ويجيب لتتم الفائدة، وقد حلى شرحه بذكر تنبيهات.
مرتبة شرحه للألفية بين مؤلفاته:
يلاحظ أن هذا الشرح في المرتبة الثانية من بين شروحه، فهو يقول في شرحه للألفية في المقدمة عند قول ابن مالك:
وأستعين الله في ألفيه
"قول صاحب المقرب: النحو علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها، وقد بسطنا الكلام في غير هذا الكتاب".
ورجعت إلى مؤلفاته الموجودة, فلم أعثر على هذا البسط، ولعله في كتاب كشرح المفصل له، وهو غير موجود.
стр. 226
وفي باب المعرف بالألف واللام, بعد قول الناظم:
أل حرف تعريف أو اللام فقط
بعد الشرح قال المرادي: "وأجاب المستنصر لسيبويه عن أكثر هذه الأوجه، وقد ذكرت ذلك في غير هذا الكتاب".
ورجعت إلى مؤلفاته الموجودة فلم أجد إجابة, فأخذت من ذلك أن هذا الشرح مرتبة من بين شروحه.
منهج التحقيق:
عنيت في تحقيق هذه المخطوطة بالجوانب الآتية:
١- بعد مراجعة النسخ الثلاث جعلت نسخة هي الأصل، واعتمدت عليها.
٢- قابلت النسخ الأخرى عليها، وأثبت بعض المخالفات التي وجدت في النسخ.
٣- رقمت الآيات القرآنية مع ذكر سورها.
٤- تخريج الأحاديث النبوية، وشرح ما صعب منها.
٥- نسبت الأبيات الشعرية إلى قائلها، وشرحتها مما يبين الغرض، مع النص على ما موضع الاستشهاد بها، وذكر شراح الألفية الذين استشهدوا بها.
٦- شرحت الأمثال العربية ونسبتها إلى مصدرها.
٧- توضيح لبعض ما أشكل من النص.
٨- قمت بإضافة عدد قليل من العناوين للتوضيح وحتى لا يطول الكلام بالقارئ ووضعته بين قوسين معقوفين تتميما للفائدة.
٩- تعرضت لذكر بعض آراء سيبويه في كتابه "الكتاب".
١٠- التعريف بالأعلام.
стр. 227
١١- طريقة الترقيم في الهامش هي:
قد أشير إلى نسخة "أ" مثلا -يعني: أن هذه الجملة أو الكلمة موجودة في نسخة "أ" فقط وسقط في الباقي، وقد أشير إلى "أ", "ب" فقط فكذلك, أما إذا كانت الجملة أن الكلمة في كل نسخة فأشير إلى كل نسخة برقمها, مع بيان التغيرات.
وأعتقد أن المكتبة العربية في أمس الحاجة إلى هذا التحقيق الذي يعتبر من أهم المراجع في إحياء التراث العربي.
والله أسأل أن يسدد خطانا على طريق الحق والصواب، وأن يكتب لنا التوفيق والسعادة، وأن يكون عملي مثمرا نافعا إنه سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين.
دكتور/ عبد الرحمن عليّ سليمان
стр. 228
الجزء الأول
مقدمة الألفية
...
الجزء الأول:
قال الشيخ الإمام العالم العلامة بدر الدين أبو عليّ حسن ابن الشيخ الصالح الزاهد قاسم بن عبد الله عليّ المرادي المالكي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته:
الحمد لله والشكر له، وصلاته وسلامه على محمد خير نبي أرسله، وبعد:
فهذا توضيح "مختصر"١ لمقاصد ألفية ابن مالك -رحمه الله تعالى- يجلو معانيها على طلابها ويظهر محاسنها "على حفاظها"٢ سألنيه بعض حفاظها المعتنين باستنباط فوائدها من ألفاظها، فأجبته إلى ذلك رغبة في الثواب، وتقريبا على الطلاب، وبالله أستعين، وهو الموفق والمعين.
مقدمة الألفية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال محمد هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك
قال فعل "ماض"٣ واوي العين مفتوحها متعد إلى واحد، وإذا وقعت بعده جملة محكية به فهي في موضع مفعوله والمحكي به في "الرجز"٤ أحمد ربي ... إلخ.
وقوله "هو ابن مالك" جملة معترضة بين القول ومحكيه.
فإن قلت: هلا قال: يقول محمد كما "قال"٥ ابن "معط"٦ في ألفيته؛ لأن المحكي لم يمض "بعد"٧.
قلت: "فالجواب عنده"٨ ثلاثة أوجه:
стр. 229
الأول: يجوز أن يكون قد تأخر نظم "قال" عن المحكي فيكون على ظاهره.
والثاني: أن يكون أوقع الماضي موقع المستقبل "تحقيقا له وتنزيلا"١ منزلة الواقع.
والثالث: أن يكون وضع كلمة "قال" أول "نطقه"١ ليحكي بها عند "قضاء"٣ الحاجة والفراغ من المحكي، ونظيره "ما أجازه"٤ السيرافي٥ في قول سيبويه ﵀: "هذا باب علم ما الكلم٦ من العربية"٧ أن يكون وضع كلمة الإشارة غير مشير بها إلى شيء ليشير بها عند الحاجة والفراغ من المشار إليه.
وحذفت ألف "مالك الأول"٨ خطأ؛ لأنه علم مشتهر كثير الاستعمال، ويجوز إثبات ألفه أيضا. قال بعضهم: وإثباتها جيد، وأما مالك آخر البيت فلا تحذف ألفه؛ لأنه صفة٩.
مصليا على النبي المصطفى ... وآله المستكملين الشرفا
مصليا حال من فاعل أحمد، والمصطفى المختار، الاصطفاء افتعال من الصفو وهو الخالص من الكدر والشوائب، أبدل من تائه طاء لمجاورة الصاد, وكان
стр. 230
ثلاثيه لازما تقول صفا الشيء يصفو "صفاء"١ وجاء الافتعال "منه"٢ متعديا. وفي معنى الآل٣ وأصله خلاف مشهور ليس هذا موضع ذكره٤.
واختلف في جواز إضافته إلى الضمير فمنعه الكسائي٥ والنحاس٦ وأجازه غيرهما٧ وزعم أبو بكر الزبيدي٨ أن إضافته "إلى"٩
стр. 231
"الضمير"١ من لحن العامة والصحيح أنه من كلام العرب٢.
وأستعين الله في ألفيه ... مقاصد النحو بها محويه
للنحو في اللغة أربعة معان: الأول أن يكون مصدرا. تقول: نحوت كذا نحوا أي قصدته قصدا. والثاني أن يكون ظرفا. أنشد أبو الحسن:
يحدو بها كل فتى هبات ... وهن نحو البيت عامدات٣
قال أبو الفتح٤: وأصله المصدر.
стр. 232
والثالث: أن يكون بمعنى مثل، يقال: هذا نحو هذا أي مثله.
والرابع: أن يكون بمعنى القسم, يقال: هذا على أربعة أنحاء أي أقسام.
وإطلاق لفظ النحو على هذا العلم من إطلاق لفظ المصدر على المفعول به، فالنحو إذن بمعنى المنحو أي المقصود "كالنسج بمعنى المنسوج"١, وخص "به هذا"٢ العلم وإن كان كل علم منحوا كاختصاص علم الأحكام الشرعية بالفقه وله نظائر في كلامهم.
سبب تسمية النحو:
وسبب تسمية هذا العلم نحوا، ما روي أن عليًّا رضي الله عنه٣ لما أشار إلى أبي الأسود الدؤلي٤ أن يضعه وعلمه الاسم والفعل والحرف وشيئا من الإعراب. قال: "انحُ"٥ هذا النحو يا أبا الأسود. وقد حد النحو بحدود كثيرة، ومن أقربها قول بعضهم: النحو: علم يعرف به أحكام الكلم العربية إفرادا وتركيبا، ومن أشهرها قول صاحب المقرب٦: النحو علم مستخرج بالمقاييس
стр. 233
المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه "التي"١ ائتلف منها، وقد "بسطنا"٢ الكلام على ذلك "في غير الكتاب"٣.
تقرب الأقصى بلفظ موجز ... وتبسط البذل بوعد منجز
قال الشارح: يقول هذه الألفية مع أنها حاوية للمقصود الأعظم من النحو فيها من المزية على نظائرها، أنها تقرب إلى الأفهام المعاني البعيدة بسبب وجازة اللفظ وتنقيح العبارة "وبسط البذل" أي: توسع العطاء بما تمنحه لقرائها من الفوائد، واعدة بحصول مآربهم وناجزة "بوفائها"٤. ا. هـ٥.
وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطي٦
هو الإمام أبو زكريا يحيى بن معطي بن عبد النور الزواوي الحنفي الملقب زين الدين، سكن دمشق طويلا واشتغل عليه خلق كثير، ثم سافر إلى مصر وتصدر بالجامع العتيق بها لإقراء الأدب إلى أن توفي بالقاهرة في سلخ القعدة سنة ٦٢٨ ثمان وعشرين وستمائة, ودفن من الغد على شفير الخندق بقرب تربة الإمام الشافعي ﵁، ومولده سنة ٥٦٤ أربع وستين وخمسمائة٧.
стр. 234
وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا
والله يقضي بهبات وافره ... لي وله في درجات الآخره
يشير بذلك إلى فضل المتقدم على المتأخر وما يستحقه السلف من ثناء الخلف ودعائهم, والدرجات، قال في الصحاح١: هي الطبقات من المراتب, وقال أبو عبيدة٢: الدرج إلى أعلى والدرك إلى أسفل.
стр. 235
الكلام وما يتألف منه:
إنما بدأ بتعريف الكلام؛ لأنه هو المقصود في الحقيقة، إذ به يقع التفاهم، وإنما قال "وما يتألف"١, ولم يقل: وما يتركب؛ لأن التأليف كما قيل أخص إذ هو تركيب وزيادة، وهو وقوع الألفة بين الجزءين٢, والضمير المرفوع في يتألف عائد على ما, والمعنى هذا باب شرح الكلام. والمجرور بمن عائد على ما. والمعنى هذا باب شرح الكلام وشرح الشيء الذي يتألف الكلام منه، وهو الكلم, ولكنه حذف الباب والشرح وأقام المضاف إليه مقام المحذوف اختصارا "ثم قال"٣:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم ... .................................
هذا تعريف "الكلام"٤ في اصطلاح النحويين، فلذلك قيده بإضافته إلى الضمير, وقوله: "لفظ" جنس للحد، وهو صوت المعتمد على "مقطع من اللسان"٥
стр. 236
وخرج بتصدير الحد به ما يطلق عليه كلام في اللغة وليس بلفظ, وهو خمسة أشياء:
الخط، والإشارة، وما يفهم من حال الشيء، وحديث النفس، والتكلم.
وقوله "مفيد" فصل أخرج به ما يطلق عليه لفظ، وليس بكلام في الاصطلاح لكونه غير مفيد.
وذلك خمسة أشياء: الكلمة، نحو "زيد"، والمركب تركيبا تقييديا١ نحو "غلام زيد" أو تركيبا إسناديا لا يجهل "كالنار حارة" أو لم يقصد ككلام النائم، أو قصد لغيره لا لذاته كالجملة الموصول بها، فلا يسمى شيء من ذلك كلاما في الاصطلاح لكونه غير مفيد الإفادة الاصطلاحية, وهي إفهام معنى يحسن السكوت عليه.
وقوله "كاستقم" تمثيل للكلام الاصطلاحي بعد تمام حده, لا تتميم للحد خلافا للشارح٢، ٣ وقد نص في شرح الكافية على أن في الاقتصار على مفيد كفاية.
فإن قلت: إذا كان في الاقتصار على مفيد كفاية، لكونه مغنيا عن بقية القيود فما باله ذكرها في التسهيل، حيث قال: والكلام، ما تضمن من الكلام إسنادا مفيدا مقصودا لذاته؟ ٤
стр. 237
قلت كأنه أخذ "المفيد"١ في حد التسهيل بالمعنى الأعم لا بمعنى الاصطلاح، فلذلك احتاج إلى ذكرها أو أراد أن ينص فيه على ما يفهم من قيد الإفادة بطريق الالتزام.
فإن قلت: هل الأولى تصدير الحد باللفظ كما فعل هنا أو بالقول كما فعل في الكافية؟
قلت: تصديره بالقول "أولى"٢؛ لأنه أخص، إذ لا يقع على المهمل بخلاف اللفظ فإنه يقع على المستعمل والمهمل، وقد صرح بذلك في شرح التسهيل٣.
وذهب بعضهم إلى أن اللفظ والقول مترادفان يجوز إطلاقهما على المهمل، وعلى هذا قيل: إن اللفظ أولى من القول؛ لأن القول يطلق على الرأي, والاعتقاد إطلاقا متعارفا "وشاع ذلك"٤ حتى صار كأنه حقيقة عرفية، واللفظ ليس كذلك.
وأورد أن اللفظ جمع لفظة فلا يصح جعله جنسا.
وأجيب بأن اللفظ مصدر "صالح"٥ للقليل والكثير، والتاء في "لفظة" "للتنصيص"٦ على الوحدة، وليس اللفظ بجمع، وإنما يقال "ذلك"٧ فيما ليس بمصدر كالكلم والنبق.
واعترض بأنه لا يصح كون اللفظ هنا مصدرا؛ لأن المصدر "هو"٨ فعل الشخص، وفعل الشخص ليس هو الكلام بل الكلام متعلقه.
"فزيد قائم" مثلا هو الكلام, ولفظك إذا عنيت به المصدر يتعلق بهذه الجملة.
والجواب أن اللفظ هنا مصدر أطلق على المفعول به.
стр. 238
تنبيهات:
الأول: لم يشترط كثير من النحويين في الكلام سوى التركيب الإسنادي، فمتى حصل "الإسناد"١ كان كلاما، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد، فالكلام عندهم ما تضمن كلمتين بالإسناد. قال في شرح التسهيل: وقد صرح سيبويه٢ في مواضع كثيرة من كتابه بما يدل على أن الكلام لا يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة.
الثاني: لم يشترط ابن طلحة٣ في الكلام التركيب فزعم أن الكلمة الواحدة وجودا وتقديرا قد تكون كلاما إذا قامت مقام الكلام "كنعم" و"لا" في الجواب.
والصحيح أن الكلام هو الجملة المقدرة "بعدهما"٤ لا واحدة منهما.
الثالث: قال في شرح التسهيل: وزاد بعض العلماء في حد الكلام "أن يكون"٥ من ناطق واحدا احترازا من أن يصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ ويذكر الآخر فاعل ذلك الفعل "أو جزء"٦ ذلك المبتدأ؛ لأن الكلام "عمل"٧ واحد فلا يكون عامله إلا واحدا. قال: "وللمستغني"٨ عن هذه الزيادة جوابان:
стр. 239
أحدهما: أن يقول: لا نسلم أن مجموع النطقين ليس بكلام بل هو كلام وليس اتحاد الناطق معتبرا كما لم يكن اتحاد الكاتب معتبرا في كون الخط خطا.
والثاني: أن يقال كل واحد من المصطلحين إنما اقتصر على كلمة واحدة اتكالا على نطق الآخر بالأخرى، فمعناها مستحضر في ذهنه فكل واحد من المصطلحين متكلم بكلام كما يكون قول القائل لقوم رأوا شبحا زيد. أي: المرئي زيد. ا. هـ مختصرا.
وأقول: "إن"١ صدور الكلام من "ناطقين"٢ غير مقصور؛ لأن الكلام مشتمل على الإسناد لا يتصور "صدوره"٣ إلا من واحد، وكل واحد من المصطلحين متكلم بكلام كما أجاب به ثانيا.
وقوله:
.................................. ... واسم وفعل ثم حرف الكلم
بيان: يتألف "منه"٤ الكلام "أي: الكلم الذي يتألف منه الكلام"٥ اسم وفعل وحرف لا رابع لها. ودليل الحصر أن الكلمة إن لم تكن ركنا للإسناد فهي الحرف وإن كانت ركنا له، فإن قبلته بطرفيه فهي الاسم وإلا فهي الفعل.
وأول من قسم الكلم "إلى"٦ هذه القسمة وسماها بهذه "الأسماء"٧ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، والنحويون مجمعون على أن أقسام الكلم ثلاثة: إلا من "لا"٨ يعتد بخلافه٩, واعلم أن الكلم اسم جنس
стр. 240
جمعي١ وأقل ما يتناول٢ ثلاث كلمات، وبينه وبين الكلام عموم من وجه٣ وخصوص من وجه، فالكلام أعم من جهة أنه يتناول المركب من الكلمتين فصاعدا، وأخص من جهة أنه لا يتناول غير المفيد، والكلم أعم من جهة أنه يتناول المفيد وغير المفيد، وأخص من جهة أنه لا يتناول المركب من "كلمتين كما سبق"٤. فإن قلت: مقتضى قوله: "اسم وفعل ثم حرف الكلم" أن "الكلم مخصوص"٥ بما تركب من اسم وفعل وحرف. وليس كذلك بل يطلق على ثلاث كلمات فصاعدا من ثلاثة أجناس نحو: "إن زيدا ذهب" أو من جنسين نحو: "إن زيدا ذاهب"٦ أو من جنس واحد نحو "غلام زيد ذاهب".
قلت: المعنى بالكلام "ههنا"٧ الأجناس الثلاثة، أعني الكلمة التي يراد بها جنس الأسماء والكلمة التي يراد بها جنس الأفعال والكلمة التي يراد بها جنس الحروف. والكلم "بهذا"٨ الاعتبار لا يقع إلا على الثلاثة المذكورة، ولا يتصور فيه غير ذلك.
وأما إطلاق الكلم على ما ذكر من المثل ونحوها فصحيح باعتبار الآحادي لأن الكلمة كما تطلق ويقصد بها جنس الاسم أو الفعل أو الحرف تطلق ويقصد بها "آحاد الأسماء"٩ والأفعال والحروف.
فإذا قيل: في نحو "إن زيدا ذهب"١٠ هذا كلم.
стр. 241
فواحد الكلم هنا كلمة يراد بها الشخص لا الجنس فتأمله.
وأورد على "الناظم"١ أنه قسم الكلم إلى غير أقسامه؛ لأن الاسم والفعل والحرف أقسام للكلمة لا أقسام للكلم، وأقسام الكلم أسماء وأفعال وحروف؛ لأن علامة صحة القسمة جواز إطلاق٢ اسم المقسوم على كل واحد من الأقسام.
والجواب: أن هذا من تقسيم الكل إلى "أجزائه"٣ وإنما يلزم صدق اسم المقسوم على كل من الأقسام في تقسيم الكلي إلى جزئياته٤ والناظم لم يقصد ذلك.
وأورد عليه أيضا أن إدخال "ثم" في قوله "ثم حرف" ليس بجيد؛ لأن ثم للتراخي وإذا قسمنا شيئا إلى أشياء فنسبة كل واحد من الأقسام إلى الشيء المقسم نسبة واحدة, والجوب: أن ثم في قوله: "ثم حرف" يحوز أن يكون استعملها٥ بمعنى الواو؛ "لأنها المعهودة في مثل ذلك"٦، ويجوز أن تكون على بابها للتنبيه على تراخي مرتبة الحرف عن الاسم والفعل، لكونه فضلة، وكل منهما يكون عمدة.
وقوله: "واحده كلمة".
الضمير للكلم أي: واحد الكلم كلمة، فكل من الاسم والفعل والحرف كلمة "وجد بها"٧ لفظ بالفعل أو بالقوة دل بالوضع على معنى مفرد، وتطلق في الاصطلاح مجازا على أحد جزءي العلم المضاف نحو: "امرئ القيس"
стр. 242
"فمجموعهما"١ كلمة حقيقية، وكل منهما كلمة مجازا "والكلم اسم جنس يتميز واحده بالتاء"٢, وفيه لغتان التذكير والتأنيث فقال واحده على الأولى، وقال ابن معط٣ في ألفيته واحدها على الثانية.
وفي الكلم ثلاث لغات في نظائره نحو "كَبِد"٤, وقوله "والقول عم" يعني عم الكلمة والكلام والكلم، فيطلق على كل "واحد"٥ من الثلاثة قول حقيقة، ويطلق مجازا على الرأي والإشارة وما يفهم من حال الشيء وهو أخص من اللفظ؛ "لأنه لا يطلق"٦ على المهمل, خلافا لمن جعلهما مترادفين، وقد سبق ذكره.
وقوله:
........................... ... كلمة بها كلام قد يؤم
بيان لأن الكلمة قد يقصد بها في اللغة ما يقصد بالكلام، فتطلق على اللفظ المفيد كقولهم "كلمة الشهادة" هو مجاز مهمل في عرف النحويين.
فقيل: هو من "تسمية الشيء٧ باسم بعضه"٨.
وقيل: إن أجزاء الكلام لما ارتبط بعضها ببعض حصلت له بذلك وحدة فشابه٩ بذلك الكلمة, فأطلق عليه كلمة.
ولما ذكر أن "الكلم"١٠ ثلاث، شرع في بيان ما يميز كل واحد منها عن أخويه١١.
стр. 243
ما يميز الاسم:
فقال:
بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل
فذكر للاسم خمس علامات:
الأولى: الجر وهو يشمل الجر بالحرف نحو "بزيد" وبالمضاف نحو "غلام زيد" ولا جر بغيرها خلافا لمن زاد التبعية١.
وقد "ظهر أن ذكر"٢ الجر أولى من "ذكر"٣ حرف الجر٤.
والثانية: التنوين وهو مصدر نونت الكلمة، ثم غلب حتى صار اسما٥ للنون الساكنة التي تلحق الآخر لفظا وتسقط خطا وهو عند سيبويه والجمهور خمسة أقسام: تمكين وتنكير وعوض ومقابلة وترنم، وزاد الأخفش٦ سادسا
стр. 244
وهو الغالي١ وأنكره السيرافي والزجاج٢، وقيل: هو قسم الترنم.
فتنوين التمكين٣ نحو "زيد، رجل" وهو اللاحق للاسم المعرف المنصرف إشعارا ببقائه على أصالته.
وتنوين التنكير٤ نحو "صه" إذا أردت سكوتا ما، ونحو "سيبويه" لغير معين، وهو اللاحق بعض المبنيات فرقا بين نكرتها ومعرفتها، ويطرد فيما آخره "ويه".
وتنوين العوض ضربان: عوض عن حرف نحو جوار٥ وغواش٦ وبعيل تصغير بعلي، فالتنوين فيهما عوض "عن"٧ الياء المحذوفة على
стр. 245
"الصحيح"١ وعوض "من المضاف إليه"٢ إما جملة نحو: "يومئذ" وإما مفرد نحو: "كل وبعض" على رأيٍ٣.
وتنوين المقابلة نحو "مسلمات" وهو اللاحق لما جمع بألف وتاء مزيدتين سمي بذلك؛ لأنه قابل النون في جمع المذكر السالم وليس بتنوين الصرف خلافا للرَّبَعي٤ بدليل ثبوته بعد التسمية كما ثبت النون في نحو "عرفات" وهذه الأربعة من خواص الاسم؛ لأنها لمعان لا تليق "لغيره"٥.
وتنوين الترنم, وهو اللاحق للروي المطلق عوضا من مدة الإطلاق في لغة تميم٦ وقيس٧ كقوله:
أقلي اللوم عاذل والعتابن٨ ... ...................................
стр. 246
وقولهم: تنوين الترنم, قال المصنف: هو على حذف مضاف, أي تنوين ذي ترنم وإنما هو عوض من الترنم١؛ لأن الترنم مد الصوت بمدة تجانس "حرف"٢ الروي، وهذا القسم يشترك فيه الاسم والفعل والحرف.
فمثاله في قول العجاج:
يا صاح ما هاج العيون الذرفن٣
стр. 247
وفي الفعل:
من طلل كالأتحمى أنهجن١
وفي الحروف قول النابغة:
أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قدن٢
стр. 248
والغالي هو اللاحق للروي المقيد وهو كتنوين الترنم في عدم الاختصاص بالاسم, فمثاله في الاسم قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترِقْنْ١
أصله المخترق فزاد التنوين وكسر الحرف الذي قبله لالتقاء الساكنين, وفي الفعل قول٢ امرئ القيس:
.................................... ... ويعدُو عَلى المرء ما يأتمِرْنْ٣
أي ما يأتمر، وفي الحرف:
стр. 249
قالت بنات العم يا سلمى وإنن ... كان فقيرا معدما قالت وإنن١
أي: وإن.
стр. 250
وزاد بعضهم في أقسام التنوين "قسما١ سابعا، وهو تنوين الاضطرار"٢.
كقول الشاعر٣:
سلام الله يا مطر عليها ... ..............................
ولم يعن "المصنف"٤ إلا الأربعة الأول.
فإن قلت: فقد أطلق في موضع التقييد.
قلت: فقد أجيب بأن "أل" في قوله: والتنوين، للعهد، فلم يشتمل غير المختص بالاسم.