إعراب الأسماء الستة:
فبدأ بالأسماء الستة؛ لأن المفرد سابق١ "على المثنى"٢ والمجموع فقال:
وارفع بواو وانصبن بالألف ... واجرر بياء ما من الأسما أصف
أي الذي سأصفه لك من "الأسماء"٣ يعين الأسماء الستة.
واعلم أن في إعراب هذه الأسماء الستة عشرة مذاهب قد ذكرتها في غير هذا المختصر وأقواها مذهبان: أنا أذكرهما.
الأول مذهب سيبويه، والفارسي، وجمهور البصريين، أنها معربة بحركات مقدرة في الحروف واتبع "فيها"٤ ما قبل الآخر للآخر.
فإذا قلت: "قام أبو زيد" فأصله أبو زيد. ثم اتبعت حركة "الباء"٥ لحركة الواو فصار أبو زيد، فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت.
وإذا قلت: "رأيت أبا زيد" فأصله أبو زيد. فقيل: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا, وقيل: ذهبت حركة الباء ثم حركت إتباعا لحركة الواو، ثم انقلبت الواو ألفا.
قيل: وهذا أولى "ليتوافق النصب مع الرفع"٦, والجر في الإتباع.
وإذا قلت: "مررتُ بأبي زيد" فأصله بأبَوِ زيد, فأتبعت حركة الباء بحركة الواو فصار بأبُوِ زيد, فاستثقلت الكسرة على الواو فحذفت كما حذفت الضمة، ثم قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة كما قلبت في نحو "ميزان".
هذا "تقدير"٧ المذهب الأول. وذكر في التسهيل أنه الأصح٨.
стр. 282
والثاني: مذهب قطرات والزيادي١, والزجاجي٢ من البصريين، وهشام٣ من الكوفيين في أحد "قوليه"٤ ومن وافقهم أن إعراب هذه "الأسماء"٥ بالأحرف المذكورة.
قال في شرح التسهيل: وهذا أسهل المذاهب وأبعدها عن التكلف٦.
قلت: ولكنه مستلزم للخروج عن الأصل، إذ أصل الإعراب أن يكون بالحركات ولعدم النظير، إذ ليس في المفردات ما يعرب بالحروف غير هذه الأسماء، ولبقاء "فيك" و"ذي مال" على حرف واحد؛ لأن الإعراب زائد فلا يوجد ذلك في المعربات إلا شذوذا بخلاف المذهب الأول.
فإن قلت: ظاهر كلامه هنا موافقة قطرب ومن ذكر معه في أن إعراب هذه الأسماء بالحروف.
قلت: يحتمل أن يكون وافق القائل بذلك هنا، ويحتمل أن يكون تسامح في جعله الإعراب بالأحرف، لكون الحركات هنا لا تظهر والحروف مفيدة ما تفيد
стр. 283
الحركات لو ظهرت، وأراد "بذلك"١ التقريب على المبتدئ، كما فعل كثير من المصنفين مع اعترافهم بصحة مذهب سيبويه.
ويؤيد حمله على التسامح نصه في التسهيل على أن إعرابها بالحركات هو الأصح وقوله:
من ذاك ذو إن صحبة أبانا
شرع في ذكر الأسماء الستة، وبدأ "بذو" لأنها لا تفارق الإعراب بالأحرف "وقيد إعرابها بأن تبين"٢ معنى الصحبة احترازا من "ذو" الموصولة في لغة طيئ٣ فإنها مبنية على "الأعرف"٤.
وقوله:
والفم حيث الميم منه بانا
يعني أن "الفم"٥ من الأسماء التي تعرب بالأحرف إن بانت٦ منه الميم أي: زالت وفارقت فتقول "هذا فوك. ورأيت فاك. ونظرت إلى فيك" وإن كان بالميم ففيه عشر لغات:
نقصه، وقصره، وتضعيفه، كل منها مع فتح الفاء أو كسرها أو ضمها، فهذه تسعة، والعاشرة، إتباع فائه لميمه وأفصحها "فتح"٧ فائه منقوصا.
وقوله:
أب أخ حم كذاك....
أي: ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، والحم: هو أبو الزوج ونحوه من أقاربه وقد يطلق على أقارب الزوجة.
стр. 284
وقوله: "وهن" أي كذلك، وأخره "لوقوع"١ الخلاف فيه، فإن الفراء أنكر إعرابه بالأحرف٢ وهو محجوج بنقل سيبويه، وأيضا فإن إعرابه بالأحرف قليل, والأحسن فيه التزام النقص، وهو حذف لامه، وجعل الإعراب على عينه "كيد" ومنه قوله ﵊: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهَنِ أبيه، ولا تكنوا" ٣ وإلى هذا أشار بقوله:
والنقص في هذا الأخير أحسن
أي: أحسن من الإعراب "بالأحرف"٤ وجرت عادة "كثير"٥ من النحويين أن "يذكروا"٦ "الهن" مع هذه الأسماء منبهين على قلة إعرابه بالأحرف، فيوهم ذلك "مساواته"٧ لَهُنَّ.
قال في شرح التسهيل: ومن لم ينبه على قلته فليس بمصيب، وإن حظي من الفضل بأوفر نصيب.
والهن: كناية عن اسم جنس، قال في الصحاح٨ كلمة كناية "ومعناها"٩ شيء.
стр. 285
فتقول: "هذا هنك" أي: شيئك. وقال ابن الدهان١: هو كناية عما "يقلل"٢ وكثرة الكناية به عن الفرج.
ثم قال:
وفي أب وتالييه يندر
أي: يندر التزام النقص في "أب" وتالييه. وهما: أخ وحم.
ومنه قوله٣:
بأبه اقتدى عدى في الكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم
فالوجه الراجح في "هن" هو المرجوح في "أب" وتالييه.
стр. 286
وأنكر بعضهم نقص "حم" وقد حكاه الفراء، وحكى أبو زيد١ نقص أخ. ثم ذكر لغة ثالثة في أب وتالييه فقال:
وقصرها من نقصهن أشهر
يعني أن القصر في "أب" وتالييه، وهو التزام الألف مطلقا، وجعل الإعراب بالحركات المقدرة "في الألف"٢ أشهر من النقص فيها.
أما قصر الحم فكثير، ومن قصر الأب قول الراجز٣:
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في لمجد غايتاها
стр. 287
ومن قصر الأخ قولهم: "مكره أخاك لا بطل"١.
تنبيهات:
الأول: قد اتضح بما ذكر في هذه الأرجوزة أن الأسماء الستة على ثلاثة أقسام:
قسم ليس فيه إلا لغة واحدة وهو الإعراب بالأحرف، وذلك "ذو" بمعنى صاحب و"فم" بلا ميم.
وقسم فيه لغتان: النقص ثم الإعراب بالأحرف وهو "هن".
وقسم فيه ثلاث لغات: الإعراب بالأحرف ثم القصر ثم النقص، وهو: "أب وأخ وحم".
الثاني: زاد في التسهيل في "أب" التشديد فيكون فيه أربع لغات، وفي "أخ" التشديد، و"أخو" بإسكان الخاء، فيكون فيه خمس لغات، وفي حم حموا كقرو، وحمئا كقرء٢ وحمأ كخطأ.
فيكون فيه ست "لغات"٣, ٤.
الثالث: مذهب سيبويه أن "ذو" بمعنى صاحب وزنها فعل بالتحريك، ولامها ياء.
стр. 288
ومذهب الخليل أن وزنها فَعْل -بالإسكان- ولامها واو، فهي من باب قوة١.
وقال ابن كيسان٢: محتمل للوجهين جميعا.
وفوك: وزنه عند الخليل وسيبويه فَعْل -بفتح الفاء وإسكان العين- وأصله فوه ولامه هاء.
وذهب الفراء إلى "أن"٣ وزنه فُعل بضم الفاء.
وأب وأخ وحم وهن وزنها عند البصريين فَعَل -بالتحريك- "ولاماتها"٤ واو بدليل تثنيتها بالواو.
وذهب بعضهم إلى أن لام "حم" ياء من الحماية؛ لأن أحماء المرأة يحمونها وهو مردود بقولهم في التثنية حموان، وفي إحدى لغاته حمو.
وذهب الفراء إلى أن وزن "أب وأخ وحم" فعل -بالإسكان- ورد عليه بسماع "قصرها"٥ وبجمعها على أفعال.
وأما "هَنٌ" فقال بعضهم لا أعرف ما يدل على أن أصله التحريك، واستدل الشارح على ذلك بقولهم: "هنة وهنوات"٦ وقد استدل "به"٧ بعض شراح
стр. 289
الجزولية١ واعترض ابن إياز٢ بأن فتحة النون في "هنة" تحتمل أن تكون لها التأنيث، وفي "هنوات" لكونه مثل "جفنات" ففتح لجمعه بالألف والتاء، وإن كانت العين ساكنة في الواحد، وقد حكى بعضهم في جمعه "أهناء" فبه "يستدل"٣ على أن وزنه فَعَل بالتحريك. وهذا موضع اختصار٤.
ثم أشار إلى شرط إعراب هذه الأسماء بالأحرف المذكورة فقال:
وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا ... لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا
فاحترز: مما لم يضف منها نحو "أب" فإنه يعرب بحركات ظاهرة، وكلها تفرد إلا "ذو" فإنها ملازمة للإضافة.
وإذا أفرد "فوك" عوض من واوه ميم، وقد ثبتت الميم في الإضافة كقوله٥:
стр. 290
يصبح ظمآن وفي البحر فمه
ولا تختص بالضرورة خلافا لأبي عليّ١، ولقوله ﵊: "لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" ٢.
واحترز مما أضيف منها إلى ياء المتكلم، فإنه يعرب بحركات مقدرة "نحو"٣: "هذا أخي" وكلها تضاف إلى الياء إلا "ذو" فإنها لا تضاف إلى مضمر، وإنما تضاف إلى اسم جنس ظاهر غير صفة وما خالف ذلك فهو نادر٤.
ويشترط في إعراب هذه الأسماء بالأحرف مع الشرطين المذكورين شرطان آخران:
стр. 291
أن تكون مفردة، فإن ثنيت أو جمعت أعربت إعراب المثنى والمجموع وأن تكون مكبرة، فإن صغرت أعربت بالحركات.
فإن قلت: فقد أهمل هذين الشرطين.
قلت: قد علق الحكم على ما لفظ به، وقد لفظ بها مفردة مكبرة، فاكتفي بذلك.
ثم مثل ما أضيف إلى غير الياء بقوله: "جاء أخو أبيك ذَا اعتلا" وهو واضح.
إعراب المثنى:
ثم انتقل إلى الموضع الثاني من مواضع نيابة "الحرف عن الحركة"١ فقال:
بالألف ارفع المثنى وكلا
المثنى: هو الاسم الدال على اثنين في زيادة في آخره "صالحة"٢ للتجريد وعطف مثله عليه كقولك: "زيدان ورجلان" فإنه يصلح فيهما ذلك نحو "زيد وزيد ورجل ورجل".
وللتثنية ثمانية شروط:
الأول: الإفراد، فلا يجوز تثنية المثنى والمجموع على حدة ولا الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اتفاقا، وأما غيره من جموع التكسير فظاهر كلام المصنف جواز تثنيته.
وقال غيره: إن تثنية الجمع واسم الجنس غير مقيسة.
الثاني: الإعراب, فلا يثنى المبني، وأما قولهم: "منان ومنَيْن" فليست الزيادة فيهما للتثنية بل للحكاية يدل على ذلك "حذفهما"٣ وصلا، وأما "يا زيدان ولا
стр. 292
رجلين" فإنما ثني قبل البناء، وأما "هذان واللذان" ونحوهما فصيغ وضعت للمثنى, "وليست"١ من المثنى الحقيقي عند المحققين.
الثالث: عدم التركيب, فلا يثنى المركب تركيب إسناد اتفاقا, وكذا ما في حكمه كأنما مسمى به، واختلف في تثنية المركب تركيب مزج نحو: "بعلبك وسيبويه" وصحح أكثرهم المنع لشبهه بالمحكي ولعدم السماع.
وأما الأعلام المضافة نحو: "أبي بكر" فيستغنى فيها بتثنية المضاف "وجمعه"٢ عن تثنية المضاف إليه وجمعه، وأجاز الكوفيون تثنيتهما "معا"٣ وجمعهما "معا"٤ فتقول: "أبَوا البكرين وآباء البكرين".
الرابع: التنكير. فلا يثنى العلم باقيا على علميته, بل إذا أريد تثنيته قدر تنكيره، ولذلك لا تثنى الكنايات عن الأعلام نحو "فلان وفلانة" فإنها لا تقبل التنكير.
الخامس: أن يكون قابلا لمعنى التثنية. فلا تثنى الأسماء الواقعة على ما لا ثاني له في الوجود "كشمس وقمر" إذا قصدت الحقيقة.
السادس: اتفاق اللفظ، وأما نحو: "القمرين" في الشمس والقمر فمن باب التغليب٥.
السابع: اتفاق المعنى, فلا يجوز تثنية المشترك والحقيقة والمجاز, هذا مذهب أكثر المتأخرين. قال في شرح التسهيل: والأصح الجواز، وممن صرح بجواز ذلك أبو بكر بن الأنباري٦.
стр. 293
الثامن: ألا يستغنى بتثنية غيره عن تثنيته نحو: "سواء" فإن أكثرهم لا يثنيه استغناء بتثنية سي فقالوا: "سيان" ولم يقولوا: "سواءان" على أن أبا زيد حكاه عن العرب.
وما أعرب إعراب المثنى وهو مخالف لمعناه بقصد التكثير نحو: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ ١.
أو الإفراد نحو: "البحرين" أو موافق له ولم يصلح للتجريد نحو: "اثنين واثنتين".
أو صلح للتجريد وعطف مباينه عليه لا عطف مثله نحو: "القمرين" في الشمس والقمر، و"العمرين" في أبي بكر وعمر. فهو ملحق بالمثنى.
وقد أشار في النظم إلى أربعة ألفاظ الحقت بالمثنى فأعربت إعرابه، وليست من المثنى حقيقة وهي "كلا، وكلتا، واثنان، واثنتان".
أما "كلا وكلتا" فهما اسمان "مفردا اللفظ مثنيا المعنى"١ بدليل الإخبار عنهما بالإفراد تارة مراعاة للفظ وبالتثنية تارة مراعاة للمعنى وقد اجتمع الأمران في قوله٣:
كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
стр. 294
ولكونهما مفردي اللفظ مثنى المعنى، أعربا إعراب المفرد في موضع "وأعربا"١ إعراب المثنى في موضع. فأعربا مع الظاهر إعراب "المفرد"٢ المقصور بحركات مقدرة، ومع المضمر إعراب المثنى بالألف رفعا وبالياء جرا ونصبا.
ولما كان الإعراب بالحروف فرعا عن الإعراب بالحركات، والإضافة إلى المضمر فرعا عن الإضافة إلى المظهر، جعل الفرع مع الفرع والأصل مع الأصل "تحصيلا لكمال المناسبة"٣.
وإلى هذا أشار بقوله:
إذا بمضر مضاف وصلا
أي: إذا وصل "كلا" بمضمر حال كونه مضافا إلى ذلك المضمر، فمضافا حال من الضمير المستكن في وصل وهو ضمير "كلا".
وقوله: "كلتا كذاك" يعني مثل "كلا" في أن إعرابها إعراب المثنى مشروط بالإضافة إلى الضمير.
تنبيهات:
الأول: حكى الفراء "كلا وكلتا" ثلاث لغات:
الأولى: أن يعربا مع الظاهر إعراب المقصور ومع المضمر إعراب المثنى كما "تقدم"٤.
والثانية: أن يعربا إعراب المثنى مع الظاهر والمضمر ونسبها إلى كنانة.
والثالثة: أن يعربا إعراب المقصور مع النوعين أيضا وجعل من ذلك قول بعضهم: "كلاهما وتمرا"٥, ٦ بالألف.
стр. 295
الثاني: ما تقدم من أن "كلا وكلتا" "مفردا اللفظ مثنيا المعنى"١ هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنهما من قبيل المثنى لفظا ومعنى.
ويرده أمور منها الإخبار عنهما بالمفرد في الكلام الفصيح كما تقدم.
وزعم البغداديون: أن "كلتا"٢ قد نطق لها بمفرد في قول الراجز:
في كلت رجليها سلامى واحدة٣ ... ..........................................
стр. 296
وليس بصحيح، بل أراد "في كلتا" فحذف الألف للضرورة.
الثالث: "كلا" عند البصريين فعل نحو معي "وألفها"١ عن واو بدليل إبدالها "تا" في "كلتا" وقيل عن ياء لقول سيبويه: إنه لو سمي بها وثنيت لانقلبت ياء، ووزن "كلتا" فعلى كذكرى وألفها للتأنيث والتاء بدل "من"٢ لام الكلمة، وهو إما واو٣ وهو اختيار ابن جني أو ياء٤ وهو اختيار أبي عليّ، وذهب الجرمي٥ إلى أن التاء زائدة للتأنيث وهو ضعيف، لأن تاء التأنيث لا تقع حشوا ولا بعد ساكن غير الألف.
الرابع: المنقول عن البصريين أن قلب ألف كلا وكلتا مع المضمر "ياء"٦ ليس هو للعامل٧ وإنما هو بالحمل على "لدى وعلى" وذلك لأنهما ملازمان للإضافة فأشبها في النصب "لدى" وأشبها في الجر "على" ففعلوا "بكلا وكلتا" في النصب والجر، ما فعلوا بلدى وعلى فقلبوا ألفها ياء، إذا أضيفا إلى مضمر،
стр. 297
ولم يقلبوها إذا أضيفا إلى ظاهر١ كما أن ألف "لدى وعلى" لا تقلب مع الظاهر.
وأما الرفع فبقيت الألف مع الظاهر والمضمر؛ لأنها لم تشبه في الرفع ما تنقلب ألفه.
قال الخليل: ومن لا يقلب ألف "لدى وعلى" إذا أضيفا إلى المضمر، يقول: "رأيت كلاهما أو مررت بكلاهما" فيجعلهما من المضمر على حالهما مع الظاهر، وضعف الناظم "إعراب"٢ هذا المذهب، وجعل "إعرابها"٣ بالحرفين كالمثنى، واستدل بلغة كنانة.
وأما "اثنان واثنتان" فيعربان إعراب المثنى بلا شرط، ولذلك شبههما بما هو مثنى حقيقة لئلا يتوهم أنهما مثل "كلا وكلتا" في اشتراط الإضافة إلى المضمر.
فقال:
........... اثنان واثنتان ... كابنين وابنتين يجريان
أي: يجريان مجرى ابنين وابنتين بلا شرط، ثم قال:
وتخلف اليا في جميعها الألف ... جرا ونصبا........................
يعني أن الياء تخلف الألف. أي: تحل محلها في جميع ما تقدم وهو المثنى والألفاظ الملحقة به جرا ونصبا نحو: "مررت بالزيدين، ورأيت الزيدين".
وقدم الجر لأن النصب محمول عليه في الياء التي هي أخت الكسرة، وإنما حمل عليه لاشتراكهما في أن كلا منهما فضلة، ولهذا لم يحمل على الرفع؛ لأنه عمدة وقوله:
........ بعد فتح قد ألف
стр. 298
سبب فتح ما قبل هذه الياء الإشعار بأنها خلقت الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا.
تنبيهات:
الأول: في المثنى وما ألحق به لغة أخرى وهو لزوم الألف رفعا ونصبا وجرا، وهي لغة بني الحارث بن كعب١ وقبائل أخر, وأنكرها المبرد٢ وهو محجوج بنقل الأئمة٣ "وهو"٤ أحسن ما خرج عليه قراءة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٥.
الثاني: مذهب الناظم أن إعراب المثنى والمجموع على حدة بالحروف كما هو ظاهر كلامه في النظم، وصرح بذلك في التسهيل, وهو مذهب قطرب وطائفة من المتأخرين, ونسب إلى الزيادي والزجاجي. قيل: وهو مذهب الكوفيين٦.
وذهب سيبويه٧ ومن تبعه إلى أن الإعراب مقدر في الألف والياء فتقدر في الألف الضمة، وفي الياء الفتحة والكسرة، فإعراب المثنى عندهم بالحركات. وفي إعراب المثنى مذاهب لا نطول بذكرها.
стр. 299
المجموع على حد المثنى:
ثم انتقل إلى الموضع الثالث من مواضع النيابة١ وهو المجموع على حد المثنى فقال:
وارفع بواو وبيا اجرر وانصب ... سالم جمع عامر ومذنب
لما كان الجمع على قسمين: جمع تكسير, وهو ما تغير فيه بناء واحده لفظا أو تقديرا,
وجمع سلامة, وهو خلافه.
احترز عن جمع التكسير بقوله: "سالم جمع".
ثم السالم قسمان: مذكر ومؤنث.
فاحترز عن المؤنث بإضافة الجمع إلى المذكر, أعني "عامرا ومذنبا" فالذي يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء هو جمع المذكر السالم.
وهو قسمان: اسم، وصفة.
فالاسم لا يجمع هذا الجمع إلا بأربعة شروط: الذكورية والعلمية والعقل والخلو من تاء التأنيث المغايرة لما في نحو: "عدة وثبة" علمين.
والصفة لا تجمع هذا الجمع إلا بأربعة "شروط"٢: الذكورية والعقل والخلو من تاء التأنيث وقبول تاء التأنيث عند قصد معناه.
"واحترزت"٣ بهذا الأخير من فعلان فعلى نحو: سكران وأفعل فعلاء٤ نحو أحمر، وما اشترك فيه المذكر والمؤنث نحو: "صبور" فلا يجمع شيء من ذلك بالواو والنون لعدم قبوله لتاء التأنيث.
فمثال الاسم "الذي"٥ اجتمعت فيه الشروط "عامر" فتقول: "جاء العامريون ورأيت العامريين ومررت بالعامريين".
стр. 300
ومثال الصفة التي اجتمعت فيها الشروط "مذنب" فتقول: "جاء المذنبون ورأيت المذنبين ومررت بالمذنبين".
وقد اكتفى الناظم بالمثالين عن ذكر هذه الشروط طلبا للاختصار, وأشار للقياس عليهما بقوله: "وشبه ذين".
فشبه عامر كل اسم مذكر "علم"١ عاقل خال من تاء التأنيث، وشبه مذنب: كل وصف مذكر عاقل خال من تاء التأنيث: قابل لتاء التأنيث.
فإن قلت: قد زاد في التسهيل في شروط الاسم شرطين آخرين:
أحدهما: أن يكون غير مركب تركيب إسناد أو مزج.
والآخر: أن يكون غير معرب بحرفين٢ فلم ترك ذكرهما؟
قلت: هذان شرطان لصحة مطلق الجمع ولا خصوصية لهما بهذا الجمع "المذكور"٣.
تنبيهات:
الأول: لم يشترط الكوفيون الخلو من تاء التأنيث, فأجازوا جمع "طلحة" بالواو والنون، ولا قبول الصفة لتاء التأنيث مستدلين بقول الشاعر:
منا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المرد والشيب٤
стр. 301
فجمع عانسا "بالواو والنون"١ وهو من الصفات المشتركة.
ولا حجة في البيت لشذوذه.
الثاني: ما جعل علما من الثلاثي المعوض من "فائه"٢ تاء التأنيث كعدة أو من لامه كثبة فإنه يجوز جمعه بالواو والنون وبالألف والتاء، ما لم يكسر قبل العلمية كشفة, فيلزم تكسيره أو يعتل ثانيه "كدية"٣ فيلزم جمعه بالألف والتاء.
وإلى هذا أشار في التسهيل بتقييده التاء بالمغايرة لما في "عدة وثبة" علمين٤.
الثالث: اعلم أن التصغير قائم مقام الوصف، فلذلك لو صغر نحو:
"رجل وغلام" جمع الواو والنون مع أنه ليس بعلم ولا صفة، وذلك لكون التصغير وصفا في المعنى.
ثم أشار إلى ما ألحق بهذا فأعرب إعرابه بقوله:
.......... وبه عشرونا ... وبابه ألحق والأهلونا
أولوا وعالمونا عليونا ... وأرضون شذ والسنونا
стр. 302
وهو أربعة أقسام: اسم جمع وجمع تكسير، وجمع تصحيح لم يستوف الشروط، ومفرد هو جمع في الأصل.
فالأول: عشرون وبابه. ونعني ببابه سائر العقود إلى التسعين.
و"أولو" و"عالمون" فهذه كلها أسماء جموع ألحقت بجمع المذكر السالم في إعرابه؛ لأن هذه لا واحد لها من لفظها، وليس "العالمون" جمع عالم لأن العالم عام والعالمون خاص بمن يعقل، وإنما هو اسم جمع. قاله المصنف.
والثاني: أرضون وسنون وبابه "فهذه"١ جموع تكسير لتغير واحدها. أعربت إعراب جمع لمذكر السالم.
الثالث: أهلون, فإنه جمع أهل وأهل، فهو مستوفي الشروط إذ هو ليس علما ولا صفة. فأهلون جمع تصحيح لم يستوف الشروط.
وجعل بعضهم "أرضين وسنين" من هذا النوع.
والرابع: عليون, وهو اسم لأعلى الجنة. كأنه في الأصل فعلى من العلو, فجمع جمع من يعقل وسمي به، وفي تمثيله بهذه الألفاظ تنبيه على نظائرها, وباب سنين "الذي"٢ أشار له بقوله "وبابه" هو ما عوض من لامه هاء التأنيث ولم يكسر٣ فهذا النوع شاع فيه جمع بالواو والنون رفعا وبالياء والنون جرا ونصبا٤، وهو ثلاثة أنواع:
مفتوح الفاء نحو: "سنة".
ومكسور الفاء نحو: "مائة".
ومضموم الفاء نحو: "ثبة" وهي الجماعة.
فلام "سنة" واو أو هاء على اللغتين, ولام "مائة" ياء، ولام "ثبة" واو، وقيل: ياء من ثبيت أي جمعت, وأما الثبة التي هي وسط الحوض فمحذوفة العين
стр. 303
من "ثاب يثوب"١ إذا رجع، وقيل: بل محذوفة اللام أيضا من ثبيت, فما كان مفتوح الفاء كسرت فاؤه نحو: "سنين"، وقد حكي ضم "سينه"٢، وما كان مكسور الفاء لم يغير "نحو"٣ "مئين"، وما كان مضموم الفاء فوجهان الكسر والضم نحو: "ثيين" فإن كسر استغني عن هذا الاستعمال نحو: "شفة" إلا ما ندر.
وقوله:
.... ومثل حين قد يرد ... ذا الباب.................
يعني أن باب سنين قد يستعمل مثل حين فجعل إعرابه بالحركات على النون منونة٤ ولا تسقطها الإضافة وتلزم الياء٥ فتقول: "هذه سنين وصحبته سنينا "وما رأيته"٦ منذ سنين" وفي الحديث، في رواية: $"اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف"٧، ومنه قول الشاعر:
دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيبتنا مردا٨
стр. 304
ومن أصحاب هذه اللغة من يسقط التنوين.
وقوله: "وهو عند قوم يطرد".
يعني أن إجراء سنين وبابه مجرى حين يطرد عند قوم من العرب، وقد يستعمله غيرهم على وجه الشذوذ كما في الحديث المذكور.
وإنما اختص هذا النوع بهذه المعاملة لخلوه من شروط جمع التصحيح وشبهه بالتكسير في عدم سلامة نظم واحده.
وقوله: "ونون مجموع" نحو: "الزينين والمسلمين".
"وما به التحق" نحو "عشرين" وما ذكر معه "فافتح" أي: فلزمه الفتح للفرق بينه وبين نون التثنية.
стр. 305
"وقل من بكسره نطق" يعني في الضرورة وليس بلغة.
ومنه قول الشاعر١:
........................... ... وأنكرنا زعانف آخرين
وقول الآخر٢:
............................... ... وقد جاوزت حد الأربعين
стр. 306
وقال في شرح التسهيل: ويجوز أن يكون كسر نون الجمع وما ألحق به لغة١.
وقوله "ونون ما ثني" نحو: "الزيدين" "والملحق به" نحو: "اثنين" "بعكس ذاك استعملوه". أي: بعكس نون الجمع فينكسر لالتقاء الساكنين وقل من نطق بفتحه، إلا أن فتح نون المثنى لغة حكاها الكسائي والفراء ولكنهما حكياها مع الياء لا مع الألف٢ وأجازها بعضهم مع الألف، واستدل بقول الراجز:
أعرف منها الجيد والعينانا٣ ... .................................
стр. 307
وحكى الشيباني١ أن ضم نون المثنى لغة, يعني إذا كان بالألف، وحكي عن العرب "هما خليلان".
ولما فرغ من نيابة الحرف عن الحركة انتقل إلى نيابة الحركة "عن"٢ حركة أخرى، وذلك في موضعين:
الأول: جمع المؤنث السالم، فإنه ينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة٣ فحمل نصبه على جره كما حمل نصب المذكر السالم على جره، وضابطه: ما جمع بألف وتاء مزيدتين.
وإليه أشار بقوله:
وما بتا وألف قد جمعا ... يكسر في الجر وفي النصب معا
فإن قلت: لِمَ لَمْ يقيد الألف والتاء بكونهما زائدتين؟
قلت: تعليق الباء بقوله جمع يغني عن "التقييد"٤، إذ المراد ما دل على جمعيته بألف وتاء. "ونحو أبيات" مما تاؤه أصلية وقضاة مما ألفه منقلبة عن أصل لم يدل على جمعيته بالألف والتاء٥.
стр. 308
فإن قلت: لم لم يذكر علامة رفعه؟
قلت: لأنه بالضمة على الأصل.
ثم ذكر ما ألحق بجمع المؤنث السالم فقال:
كذا أولات والذي اسما قد جعل ... كاذرعات فيه ذا أيضا قبل
يعني: أن أولات يكسر في جره ونصبه كالجمع المذكور، وهو اسم جمع؛ لأنه لا واحد له من لفظه فهو في المؤنث نظير أولو في المذكر.
وقوله:
....... والذي اسما قد جعل
يعني: أن ما كان مجموعا بألف وتاء ثم سمي به فجعل اسما مفردا، فإنه يعرب بعد التسمية على اللغة الفصحى بما كان يعرب به قبلها، فيكسر في الجر والنصب وينون.
وقد مثله بأذرعات "وهو بالذال المعجمة"١ اسم موضع٢ فتقول: "رأيت أذرعات ومررت بأذرعات" فيستوي جره ونصبه ونحوه "عرفات".
ومن العرب من يمنعه التنوين ويجره وينصبه بالكسرة كما سبق "ومنهم"٣ من يمنعه الصرف فيجره وينصبه بالفتحة ولا ينون.
فإن قلت: لم نون أذرعات وعرفات ونحوهما على اللغة الفصحى، وحقهما منع الصرف للتأنيث والعلمية؟
قلت: ليس تنوينهما للصرف؛ وإنما هو تنوين المقابلة وقد تقدم بيانه.
فإن قلت: قد ذكر حكم المجموع بالألف والتاء -إذا سمي به- فما حكم المثنى والمجموع على حدة إذا سمي بأحدهما؟
قلت: أما المثنى ففيه لغتان:
الأولى: أن يعرب بعد التسمية بما كان يعرب به قبلها.
والثانية: أن يجعل مثل: "عمران" في التزام الألف وإعرابه على النون إعراب ما لا ينصرف.
стр. 309
وأما المجموع على حدة ففيه أربعة أوجه:
الأول: أن يعرب بعد التسمية بما كان يعرب به قبلها.
والثاني: أن يجعل "كغسلين" في التزام الياء وجعل الإعراب "على"١ نون مصروفا، ولم يذكر سيبويه غير هذين الوجهين٢.
والثالث: أن يجعل "كهارون" في التزام الواو وجعل الإعراب على النون غير مصروف للعلمية وشبه العجمة.
والرابع: التزام الواو وفتح النون مطلقا، ذكره السيرافي، وزعم أن ذلك صحيح من لسان العرب.
تنبيهات:
الأول: جعل المثنى "كعمران" والمجموع "كغسلين" أو "هارون" مشروط ألا يتجاوزا سبعة أحرف, فإن تجاوزا السبعة لم يعربا بالحركات٣, وقد تنبه على ذلك في التسهيل٤.
الثاني: ما تقدم من أن المثنى إذا جعل بعد التسمية "كعمران" يمنع الصرف، قيده ابن جني بغير "ذان وتان" مسمى بهما، فإنهما يصرفان إذ الألف "هنا"٥ لم تقع وقع الألف الزائدة. وفي حواشي مبرمان٦ منع صرف "ذان"٧ قال: لأن في آخره زيادتين.
стр. 310
والموضع الثاني من "موضعي"١ نيابة الحركة عن حركة أخرى. ما لا ينصرف وهو كل اسم شابه الفعل من كونه فرعا من وجهين كما سيتحقق في موضعه.
فهذا يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، فحمل جره على نصبه؛ لأنه لما شابه الفعل منع التنوين والجر بالكسرة.
وإلى هذا أشار بقوله:
وجر بالفتحة ما لا ينصرف
فشمل ذلك: المفرد والجمع المكسر نحو: "مررت بأحمد، وصليت في مساجد".
وسكت عن رفعه ونصبه، "لأنهما الأصل"٢.
وقوله:
ما لم يضف أو يك بعد أل "ردف"
يعني: فإنه يجر حينئذ بالكسرة نحو: "مررت بأحسن القوم وبالأحسن".
وشمل قوله: "أل" المعرفة كما مثل، والموصولة نحو:
ما أنت باليقظان ناظره إذا ... نسيت بما تهواه ذكر العواقب٣
стр. 311
والزائد نحو:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا١ ... ....................................
وقال في التسهيل: ما لم يصحب الألف واللام أو بدلهما٢ يعني الألف والميم في لغة أهل اليمن كقول الشاعر:
...................................... ... تبيت بليل أمأرمد اعتاد أولقا٣
стр. 312
وقوله "رَدِف" معناه تبع.
فإن قلت: إذا أضيف ما لا ينصرف أو دخلته "أل" "و"١ الجر بالكسرة فهل يسمى منصرفا؟
قلت: فيه خلاف مشهور٢.
стр. 313
والتحقيق: أنه إن زالت إحدى علتيه بالإضافة أو "أل" فمنصرف نحو "مررت بأحمدِكم" وإلا فغير منصرف نحو: "مررت بأحسَنِكم".
ولبيان ذلك موضع هو أليق به، المفهوم من قوة كلامه في النظم أنه باق على منع صرفه.
ولما فرغ من مواضع النيابة في الأسماء أخذ يذكر مواضع النيابة في الأفعال, وقد تقدم أن النائب في الفعل شيئان: الحرف والحذف.
فالحرف هو النون تنوب عن الضمة، والحذف حذف النون وحروف العلة، "فحذف النون ينوب عن الفتحة والسكون"١ وحذف حروف العلة ينوب عن السكون.
وبدأ بمواضع النون فقال:
واجعل لنحو يفعلان النونا ... رفعا وتدعين وتسألونا
فنحو "يفعلان" هو كل فعل اتصل به ألف اثنين مخاطبين أو غائبين نحو: "أنتما تفعلان" وهما يفعلان سواء كان ضميرا كما مثل به، أو حرفا نحو "يفعلان الزيدين" في لغة طيئ وأزد شنوءة٢.
وقوله: "رفعا" هو مفعول ثان لقوله: "واجعل" أي: صيِّر، وهو تصريح "بأن الرفع بالنون"٣ كما هو مذهب الجمهور خلافا لمن زعم أن الإعراب في هذه الأمثلة بحركات مقدرة على لام الفعل.
وقوله "وتدعين" أي: ونحو "تدعين" وهو كل فعل اتصل به ياء "المخاطبة".
وقوله "وتسألون" أي نحو "تسألون", وهو كل فعل اتصل به واو جمع مخاطبين أو غائبين، نحو: "أنتم تفعلون وهم يفعلون" وسواء أكانت ضميرا كما مثل به أو حرفا نحو: "يفعلون الزيدون" في اللغة المشار إليها.
стр. 314
وقوله:
وحذفها للجزم والنصب سمه
أي: وحذف النون علامة للجزم والنصب كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ١.
وقد مثل بقوله:
كلم تكوني لترومي مظلمه
"فتكوني" مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون "وترومي" منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود وعلامة نصبه حذف النون أيضا.
وبدأ بالجزم؛ لأن النصب محمول على الجزم في علامته، فإن الجزم أحق بالحذف فحمل النصب عليه كما حصل على الجر في الأسماء.
وقوله: "مظلمه" يجوز فيه فتح اللام وكسرها، والفتح هو القياس.
إعراب المعتل من الأسماء والأفعال:
ولما أنهى القول في "بيان"٢ إعراب الصحيح من الأسماء والأفعال، شرع في إعراب المعتل من الأسماء والأفعال, فقال:
وسم معتلا من الأسماء ما ... كالمصطفى والمرتقي مكارما
فأشار بالمثال الأول إلى كل اسم حرف إعرابه ألف لازمة, وبالثاني إلى كل اسم حرف إعرابه "ياء لازمة قبلها كسرة".
فكلا النوعين يسمى معتلا وليس في الأسماء ما حرف إعرابه واو لازمة قبلها ضمة٣.
"ثم أشار"٤ إلى أن هذين النوعين وإن اشتركا في الاعتلال، فإن لكل "واحد"٥ اسما خاصا وحكما غير حكم الآخر فقال:
стр. 315
فالأول الإعراب فيه قدرا ... جميعه وهو الذي قد قصرا
يعني بالألف ما حرف إعرابه ألف لازمة كالمصطفى "وإنما"١ قدر فيه الإعراب جميعه أعني الرفع والنصب والجر، لتعذر تحريك الألف.
فإذا قلت: "جاء الفتى" فعلامة رفعه ضمة مقدرة في الألف تعذرا.
وإذا قلت: "رأيت الفتى" فعلامة نصبه فتحة مقدرة في الألف تعذرا.
وإذا قلت: "مررت بالفتى" فعلامة جره كسرة مقدرة في الألف تعذرا.
وقوله: "وهو الذي قد قصرا" إشارة إلى أن هذا النوع يسمى في الاصطلاح مقصورا؛ لأنه منع المد، ويقابله الممدود، ولذلك لا يسمى نحو "يسعى" مقصورا إذ ليس في الفعل ممدود.
وقيل: سمي مقصورا؛ لأنه قصر عن ظهور الحركات، والقصر المنع.
"والثان منقوص" يعني بالثاني: ما حرف إعرابه ياء لازمة تلي كسرة كالمرتقي.
وسمي منقوصا؛ لأنه تحذف لامه للتنوين نحو "داع ومرتق".
وقيل لأنه نقص "فيه"٢ بعض الحركات وظهر فيه بعضها.
ونصبه ظهر نحو قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ٣.
ذلك لخفة الفتحة٤.
ورفعه ينوى نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ٥ فعلامة رفعه ضمة مقدرة في الياء استثقالا لا تعذرا لإمكان النطق بها، وقد ظهر في الضرورة كقول الشاعر:
стр. 316
وعن الفرزدق شر العروق ... خبيث الثرى كابي الأزند١
وقوله: كذا أيضا يجر. أي: يجر بالكسرة "منوية"٢ كما رفع بضمة "منوية"٣ لثقل الضمة والكسرة على الياء كقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ٤ فعلامة جره كسرة مقدرة في الياء استثقالا, لا "تعذرا"٥ لإمكان النطق بها كقول جرير:
فيوما يوافين الهوى غير ماضيٍ٦ ... .........................................
стр. 317
ثم انتقل إلى المعتل من "الأفعال"١ فقال:
وأي فعل آخر منه ألف ... أو واو أو ياء فمعتلا عرف
أي: شرطية وبعدها "كان" التامة مقدرة وآخر منه مبتدأ وألف خبره والجملة خبر كان.
وقوله: "فمعتلا عرف" جواب الشرط، ويحتمل أن تكون "كان" المقدرة ناقصة وآخر اسمها وألف خبرها ووقف عليه بحذف التنوين على لغة ربيعة٢.
ويجوز أن تكون "أي" موصولة على مذهب من أجاز إضافتها إلى النكرة.
стр. 318
وحاصل البيت: أن كل فعل آخره ألف نحو: "يخشى" أو واو نحو: "يدعو" أو ياء نحو: "يرمي" فهو معتل قد عرف بهذا الاسم، ولا يقال منقوص ولا مقصور "إلا في الأسماء"١.
وقوله:
فالألف انو فيه غير الجزم
يعني بغير الجزم الرفع والنصب نحو: "زيد يسعى, ولن يسعى" فعلامة رفعه ضمة مقدرة وعلامة نصبه فتحة مقدرة.
وكل ما قدر في الألف فهو على سبيل التعذر، وإنما استثني الجزم؛ لأنه يظهر بحذف الألف كما سيأتي٢.
وقوله:
وأبدِ نصب ما كيدعو يرمي
أي "ويظهر"٣ نصب المعتل بالواو "كيدعو" والمعتل بالياء "كيرمي" فتقول: "لن يدعو, ولن يرمي" لخفة الفتحة.
وقوله:
والرفع فيهما انو........
يعني: في المعتل بالواو والياء نحو: "زيد يدعو ويرمي" فعلامة رفعهما ضمة مقدرة في الواو والياء استثقالا كما سبق في المنقوص.
وقوله:
.......... واحذف جازما ... ثلاثهن...................
يعني: الألف، والواو، والياء، تحذف الثلاثة للجازم نحو: "لم يخش ولم يرم ولم يغز".
والتحقيق: أن الحذف عند الجازم، لأنه فرع، إذا كان حرف العلة بدلا من همزة نحو: "يقرأ" فإن قدر دخول الجازم قبل الإبدال وجب إقراره٤ وإن قدر دخوله بعد الإبدال فقد ذكر ابن عصفور فيه وجهين: الإثبات والحذف، ومنع بعضهم الحذف.
стр. 319
وقوله: "تقض حكما لازما" يعني في غير ضرورة الشعر، وأما في الضرورة فقد تثبت هذه الأحرف ويقدر الجزم. كقول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي١ ... ...............................
وكقول الآخر:
................................. ... ........ لم تهجو ولم تدع٢
стр. 320
وقول الآخر:
........................... ... ولا ترضَّاها ولا تملَّق١
ومنع بعضهم إثبات الألف وهو اختيار ابن عصفور.
وسبب هذا الخلاف، اختلافهم فيما حذفه الجازم، فقيل: الضمة المنوية فعلى هذا لا فرق بين الألف وأختيها، وقيل: الضمة الظاهرة. لفظ بها ضرورة ثم حذفت، فعلى هذا لا يجوز في الألف٢، إذ لا يمكن فيها ذلك.