......... ... وشذ نحو: زانَ نورُه الشجر
أي: شذ تقديم الفاعل الملتبس بضمير المفعول عليه؛ لما يلزم من عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة١.
قال المصنف: والنحويون -إلا أبا الفتح- يحكمون بمنع "مثل"٢، هذا والصحيح جوازه٣.
واستدل على ذلك بالسماع، وأنشد ستة أبيات٤, وأنشد غيره أبياتا أخر.
وذكر لجوازه وجها من القياس٥, وقد أجازه قبله وقبل أبي الفتح، الأخفش من البصريين، والطوال من الكوفيين٦.
وتأول المانعون بعض الأبيات بما هو خلاف الظاهر، وقد أجازه بعضهم في الشعر دون النثر، وهو الإنصاف؛ لأن ذلك إنما ورد في الشعر٧، والله أعلم.
стр. 562
النائب عن الفاعل:
قال:
ينوب مفعول به عن فاعل ... فيما له كنِيلَ خيرُ نائل
قد يحذف الفاعل لغرض لفظي كالإيجاز "والتصحيح"١ والتوافق والتقارب٢، أو معنوي: كالعلم به والجهل والإبهام والتعظيم والتحقير والخوف منه أو عليه٣، وينوب عنه بعد حذفه "أحد"٤ خمسة أشياء: مفعول به، ومصدر، وظرف زمان أو مكان، ومجرور، خلافا لمن منع إقامة المجرور.
ولا ينوب عن الفاعل خبر كان, "ولا حال"٥, ولا تمييز، ولا مشبه بالمفعول خلافا لمن أجاز ذلك.
وما أقيم مقام الفاعل نائب عنه في جميع أحكامه، كالرفع ووجوب التأخير وامتناع الحذف "وتنزيله"٦ منزلة الجزء والإغناء عن الخبر في نحو: "أمضروب العبدان؟ ".
واتصال تاء التأنيث بفعله, إذا كان مؤنثا.
إلا أن نيابة ما ذكر عن الفاعل مشروطة "بتغير"٧ الفعل عن صيغته الأصلية إلى صيغة تنبيه على ذلك.
стр. 563
وقد أشار إلى كيفية التغيير فقال:
فأول الفعل اضْمُمَنْ ... ...........
يعني: ماضيا كان أو مضارعا.
فإن قلت: منه ما يكسر أوله نحو: "قيل" في الفصحى, و"رِد" في لغة.
قلت: لم يكسر إلا بعد تقدير ضمة كما سيأتي، والأصل: "قُول" و"رُدِدَ".
ثم قال:
......... والمتصل ... بالآخر اكسِر في مُضِيّ كوُصل
المتصل بالآخر هو الحرف الذي قبله, كالصاد من "وصل".
فإن قلت: فنحو: "قيل" و"رد" لا يكسر ما قبل آخره.
قلت: بل كسر تقديرا, كما سبق في ضم أوله.
ثم قال:
واجعله من مضارع منفتحا............. ...
أي: واجعل المتصل بالآخر منفتحا لفظا أو تقديرا كما سبق، ثم مثّله فقال:
............ ... كينتحي المقولِ فيه يُنتحَى
المقول بالجر صفة للفظ "ينتحي"١ الذي يقال فيه إذا بني للمفعول: "يُنتحَى" فيضم "أوله"٢ ويفتح ما قبل آخره.
فهذان العملان -أعني: ضم أول الفعل وكسر ما قبل آخره في الماضي أو فتحه في المضارع- مطردان في كل فعل "مبني"٣ لما لم يسم فاعله.
وقد يضاف إليهما في بعض الأفعال عمل آخر، وقد نبه على ذلك فقال:
والثاني التالي تا المطاوعَهْ ... كالأول اجعله بلا منازعَهْ
стр. 564
أي: اجعل الحرف الثاني الذي يتلو "تاء" المطاوعة كالأول فتضمه كما تضم الأول نحو: "تَعَلّم" فتقول: "تُعُلِّم" بضم أوله وثانيه، وكذلك كل فعل أوله "تاء" مزيدة معتادة، وإن كانت لغير المطاوعة نحو: ""تبختر"١ وتكبر وتوانى وتحكم".
فإن قلت: فتقييد المصنف: التاء بالمطاوعة، ليس بجيد.
قلت: هو كذلك، والعذر له، أن التاء فيما ذكرناه من الأفعال شبيهة بتاء المطاوعة، فاكتفى بذكرها.
فإن قلت: قوله في التسهيل: ومع ثانيه إن كان ماضيا مزيدا أوله "تاء"٢ عبارة صحيحة لشمولها.
قلت: لكنها شملت غير المقصود أيضا "كالتاء"٣ في قولهم: "تُرمِّس الشيء" بمعنى رمَّسه٤, فإنها مزيدة وهو لا يضم ثانيه٥ لكونها "تاء" زيادتها غير معتادة.
"فالأولى أن يقال: مزيدا أوله "تاء" معتادة"٦, ثم قال:
وثالث الذي بهمز الوصل ... كالأول اجعلنّه كاستُحلي
إذا كان أول الماضي همزة وصل, ضم أوله وثالثه فتقول: في "استحلى"، "استُحلي" وذلك واضح.
فإن قلت: ليس ذلك على إطلاقه؛ لأن الأفصح في "اختار وانقاد" أن يقال: "اختِير وانقِيد" وسيذكره٧.
قلت: الجواب عنه كالجواب عن كسر "قيل", وقد تقدم.
стр. 565
ثم قال:
واكسر أو اشمِمْ فا ثلاثي أُعِلْ ... عينا وضم جا كبُوع فاحتُمِلْ
إذا كان الماضي ثلاثيا معتل العين معلها نحو: "قال وباع" وقُصد بناؤه للمفعول فُعل فيه تقديرا ما يقتضيه القياس, فيضم أوله ويكسر ما قبل آخره, فيقال: "قُوِل وبُيِع".
إلا أن العرب قصدوا تخفيفه؛ لثقل الكسرة على حرف العلة، فمنهم من حذف ضمة الفاء ونقل كسرة العين إلى مكانها, فسلمت الياء من "بيع" وقُلبت الواو من "قول"، "ياء" لسكونها"١ بعد كسرة فصار اللفظ: "قيل وبيع".
ففي ذوات الياء عملان، وفي ذوات الواو ثلاثة، وهذه أفصح اللغات.
ومنهم من فعل ما تقدم من حذف الضمة ونقل الكسرة, إلا أنه يشم الفاء "للضم"٢ ومعنى الإشمام هنا: شوب الكسرة شيئا من صوت الضمة؛ ولهذا قيل: ينبغي أن يسمى رَوْمًا.
قلت: وقد عبر عنه بعض القراء بالروم.
فإن قلت: ما كيفية اللفظ بهذا الإشمام؟
قلت: ظاهر كلام كثير من النحويين والقراء أنه يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة ممتزجة من حركتين: ضمة وكسرة على سبيل الشيوع.
والأقرب ما حرره بعض المتأخرين. فقال: كيفية اللفظ أن يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة مركبة من حركتين, إفرازا لا شيوعا.
جزء الضمة مقدم, وهو الأقل يليه جزء الكسرة, وهو الأكثر.
ومن ثم تمحضت الياء. وهذه اللغة -أعني لغة الإشمام- فصيحة تلي لغة الكسر في الفصلة.
стр. 566
ومنهم من يحذف كسرة العين، إذ منها ينشأ الثقل وتبقى الفاء على ضمها, فتسلم "الواو"١ في "قول" وتقلب الياء واوا في "بيع" لانضمام ما قبلها٢.
وهذه اللغة أضعف اللغات٣, وعليها قول الراجز:
ليت شباب بوعَ فاشتريت٤ ... ............
تنبيه: وإنما قال: "أُعل" دون "اعتل"؛ ليخرج ما عينه حرف علة ولم يعل، نحو: "عور في المكان" وصِيد فيه، فإن حكمها حكم الصحيح.
ثم قال:
وإن بشكل خِيفَ لَبْس يجتنب ... .....................
стр. 567
إذا خِيف التباس فعل المفعول بفعل الفاعل بسبب شكل، وهو ضم الفاء "أ"١ وكسرها وجب حينئذ ذلك الشكل الذي بسببه وقع اللبس، فتقول في "بيع": "بعت يا عبد" بإخلاص الضم أو بالإشمام، وفي "عوق"٢: "عقت يا زيد" بإخلاص الكسر أو بالإشمام، إذ لو أخلصت الكسر في "بعت" والضم في "عقت" لالتبس فعل المفعول بفعل الفاعل.
وما ذكره من اجتناب الشكل الملتبس لم يتعرض له سيبويه، بل ظاهر كلامه جواز الأوجه الثلاثة مطلقا٣.
ويؤيده ما حكاه ذو الرمة عن أمة بني فلان: غُثنا ما شئنا "وهو فُعلنا"٤؛ لأنه يقال: غيث القوم.
ثم قال:
........... ... وما لباع قد يُرَى لنحو حب
يعني: أن الثلاثي المضاعف المدغم يجوز في فائه ما جاز في فاء "باع" من إخلاص الكسر والضم والإشمام نحو: "حِبّ ورُدَّ" وقرئ: "هذه بضاعتنا رِدَّتْ إلينا"٥ ولكن الأفصح في المضاعف الضم. وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والصحيح الجواز٦.
فإن قلت: هل يعرض في المدغم "من الإلباس"٧ ما عرض في نحو: "قيل وبيع"؟
قلت: لا؛ لأن المضاعف إذا بني للفاعل فتحت فاؤه إلا فيما كان على "فعل" إذا نقلت ضمة عينه إلى الفاء نحو: "حب"٨ فيعرض اللبس بإخلاص الضم. فقياس من راعى إزالة اللبس أن يقول: "حِبّ" بالكسر أو بالإشمام.
стр. 568
ثم قال:
وما لفا باع وما العين تلي ... في اختار وانقاد وشبه ينجلي
يعني أن "ما اعتلت"١ عينه من الفعل الماضي الموزون بافتعل نحو: "اختار" أو بالفعل نحو: "انقاد" يُفعل بثالثه. وهو الذي تليه العين ما فعل بفاء باع من الكسر والضم والإشمام, فيقال: "اختِير واختُور" وبالإشمام، ومن كسر الثالث كسر الهمزة, ومن ضم الثالث ضم الهمزة، ومن أشمه أشمها.
واعلم أن ما لم تعل عينه من هذا النوع, فحكمه حكم الصحيح كما سبق في الثلاثي، نحو: "اعتور".
ولما فرغ من "بيان"٢ الكيفية, شرع في ذكر بقية الأشياء التي تنوب عن الفاعل, فقال:
وقابل من ظرف أو من مصدر ... أو حرف جر بنيابة حري
أشار بقوله: "وقابل" إلى أن من الظرف والمصدر "وحرف الجر"٣ ما لا يقبل النيابة.
أما الظرف, فلا يقبلها إلا بشروط:
الأول: أن يكون مختصا, فلا يجوز: "سِيرَ وقت، ولا جُلِس مكان".
والثاني: أن يكون متصرفا, فلا يجوز: "جلس عندك" خلافا للأخفش٤.
والثالث: أن يكون ملفوظا به, خلافا لابن السراج في إجازته نيابة الظرف المنوي.
وأما المصدر فلا يقبلها "أيضا"٥, إلا بشروط:
стр. 569
الأول: أن يكون متصرفا، فلا يجوز نيابة "سبحان" ونحوه.
والثاني: أن يكون لغير مجرد التوكيد, فلا يجوز: "ضُرب ضُرب" لعدم الفائدة.
والثالث: أن يكون ملفوظا به, أو مدلولا عليه بغير العامل نحو: "بلى سِير" لمن قال: ما سير سير شديد، فلو دل عليه "العامل"١ لم ينب, خلافا لبعضهم.
وأما المجرور, فلا يقبلها إلا بشرطين:
الأول: "ألا يلزم"٢ الحرف الجار له وجها واحدا في الاستعمال, كمذ "ومنذ"٣ ورب والكاف وما خص بقسم واستثناء, فلا ينوب شيء من ذلك كما لا ينوب الظرف غير المتصرف.
والثاني: ألا يكون للتعليل "كاللام والباء ومن" إذا دلت على التعليل.
ذكر ذلك بعض النحويين، وقد أجاز "بعضهم"٤ ذلك في قوله:
يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته٥ ... ...........
стр. 570
وذكر ابن إياز أن الباء الحالية في نحو: "خرج زيد بثيابه" لا تقوم مقام الفاعل, كما أن الأصل الذي ينوب عنه كذلك. وكذلك المميز إذا كان معه "مِن" كقولك: "طبت من نفس"، فإنه لا يقوم مقام الفاعل أيضا١.
قلت: دخول "من" في هذا المثال غير جائز, وسيأتي في بابه٢.
فإن قلت: قوله: "أو حرف جر" يقتضي أن النائب إنما هو حرف جر، فيكون في محل رفع كما نقل عن الفراء.
قلت: مذهب البصريين، أن النائب إنما هو المجرور لا الحرف ولا المجموع، ولما كان الحرف "ملازما"٣ للمجرور اكتفى بذكره.
وظاهر كلامه في الكافية٤ والتسهيل أن النائب هو الجار والمجرور معا.
ثم قال:
ولا ينوب بعض هذي إن وجد ... في اللفظ مفعول به وقد يرد
الإشارة "بهذي" إلى الظرف والمصدر "وحرف الجر"٥.
стр. 571
مذهب جمهور البصريين: أنه لا يجوز نيابة شيء منها مع وجود المفعول به.
ومذهب الكوفيين: جواز ذلك مطلقا، ونقله المصنف عن الأخفش، ونقل بعضهم عنه أنه "إنما"١ يجيز نيابة غير المفعول به إذا تقدم على المفعول به. فالمذاهب على ثلاثة.
قال المصنف: وبقول الكوفيين أقول؛ إذ لا مانع من ذلك مع أنه وارد عن العرب، ومنه قراءة أبي جعفر٢: "ليُجْزَى قوما بما كانوا يكسبون"٣, وفي هذا ونحوه أشار بقوله: "وقد يرد".
وإذا فقد المفعول به جازت نيابة كل واحد من هذه الأشياء، قيل: ولا أولوية لشيء منها، وقيل: المصدر أولى٤ وقيل: المجرور٥، وقال الشيخ أبو حيان٦: ظرف المكان أولى"٧" ٨.
стр. 572
ثم قال:
وباتفاق قد ينوب الثانِ من ... باب كسا فيما التباسه أُمِن
المتعدي إلى مفعولين, ثلاثة أنواع: باب كسا، وباب ظن، وباب اختار.
فباب كسا: كل "فعل"١ متعدٍّ بنفسه إلى مفعولين, ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وباب ظن: كل "فعل"٢ متعد بنفسه إلى مفعولين, أصلهما المبتدأ والخبر.
وباب اختار: كل "فعل"٣ متعد إلى واحد بنفسه وآخر بإسقاط حرف الجر.
ولا خلاف في "جواز"٤ نيابة المفعول الأول في الأبواب الثلاثة.
وأما الثاني فنقل المصنف الاتفاق على جواز نيابته في باب كسا بشرط أمن اللبس؛ فتقول: "أُعطِي زيدا درهم" ولا يجوز نحو: "أعطي زيد عمرا" إلا بنيابة الأول لأنه يلبس.
وحكي "عن"٥ الفارسي: منع إقامة الثاني إذا كان نكرة والأول معرفة, وهو نقل غريب وسيأتي الخلاف في باب ظن.
وأما باب اختار، فلم يتعرض له هنا.
وقال في التسهيل: ولا يمنع نيابة المنصوب بسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل. ا. هـ.٦, وهذا مذهب الفراء، ومذهب الجمهور تعيين رفع المنصوب بنفس الفعل.
ثم قال:
стр. 573
في باب ظن وأرى المنع اشتهر ... ولا أرى منعا إذا القصد ظهر
تقدم بيان باب ظن، وأما باب "أعلم" فكل متعدٍّ إلى ثلاثة.
قال المصنف: منع الأكثرون نيابة ثاني المفعولين من باب "ظن وأعلم"١, والصحيح عندي جواز ذلك إن أمن اللبس٢، ولم يكن ثاني المفعولين جملة ولا ظرفا ولا "مجرورا"٣ ا. هـ.
وأما الثالث من باب "أعلم" فلم يتعرض له، إلا أن قوله في التسهيل: ولا يمنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقا٤ ا. هـ يقتضي جوازه.
وقد نقل جوازه عن بعضهم, فأجاز: "أعلم زيدا فرسك مسرج".
ونقل ابن هشام الخضراوي٥ وابن أبي الربيع وابن المصنف، منع نيابته باتفاق"٦" ٧.
ثم قال:
وما سوى النائب مما عُلَّقا ... بالرافع النصب له محقَّقَا
стр. 574
يعني: أن ما تعلق بالفعل ولم يكن نائبا عن الفاعل فهو منصوب لفظا، كالمصدر والظرف والمفعول به أو فيه أو له أو معه والحال والتمييز والمستثنى بشرطه، أو محلا كالمجرور بحرف نحو: "مررت بزيد".
فإن قلت: ينبغي أن يقول: وما سوى الفاعل والمشبه به والنائب عنه كما ذكر في التسهيل١, فإن هذه الثلاثة مرفوعة.
قلت: عنى بالرافع رافع النائب لا الفعل مطلقا, فلم يحتج إلى ذكر الفاعل ولا "المشبه"٢ به, والله أعلم.
стр. 575
اشتغال العامل عن المعمول:
المراد بالعامل هنا ما يجوز عمله فيما قبله "فيشمل"١ الفعل المتصرف واسم الفاعل واسم المفعول دون الصفة المشبهة والمصدر واسم الفعل والحرف؛ لأنه لا يفسر في هذا الباب إلا ما يصلح للعمل فيما قبله.
ثم قال:
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل ... عنه بنصب لفظه أو المحل
تقدير البيت: إن شغل "مضمر اسم"٢ سابق فعلا.
فقوله: "مضمر اسم" فاعل بفعل مقدر يفسره الظاهر، وقوله: "سابق" صفة لاسم, و"فعلا" مفعول شغل، وقوله: "عنه" أي: عن الاسم السابق، وقوله: "بنصب لفظه أو المحل" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بنصب لفظه الضمير، أو محله، فنصب لفظه نحو: "زيدا ضربتُهُ" ونصب "محله"٣: "زيدًا مررتُ به".
والثاني: أن يكون المراد بنصب لفظ، الاسم السابق أو محله.
وعلى هذا, فالباء بمعنى "عن" وهو بدل اشتمال من الهاء في عنه بإعادة العامل, والتقدير: إن شغل مضمر اسم سابق فعلا عن نصب لفظ ذلك الاسم نحو: "زيدا ضربته" فإن الفعل لو لم يشتغل بالضمير لنصب "زيدا" أو نصب محله نحو: "زيدا مررتُ به" فإن الفعل لو لم يشتغل بالضمير لنصب محل "زيد" فنقول: "بزيد مررت", فيكون محل المجرور نصبا.
فإن قلت: أي الاحتمالين أرجح؟
قلت: الأول هو ظاهر لفظه، ويؤيده قوله في التسهيل: إذا انتصب لفظا أو محلا ضمير اسم سابق ا. هـ٤. إلا أنه يلزم منه تجوز في موضعين:
стр. 576
أحدهما: قوله: "عنه", فإنك إذا قلت: "زيدا مررتُ به" لم يشغله الضمير عن نصب "زيد"؛ لأنه فعل لازم، لو سلط عليه لم ينصبه، ولكن قد يقال: شغله الضمير عن "زيد" بتجوز بمعنى: شغله عن العمل في محله.
والآخر: قوله: "بنصب لفظه" والضمير لا ينصب لفظه؛ لأنه مبني، ويلزم منه أيضا تكرار، فإنه يقال بعد:
وفصل مشغول بحرف جر ... أو بإضافة كوصل يجري
فذكر حرف الجر على هذا التقدير تكرار؛ لأنه قد علم من قوله: "أو المحل".
وأما الاحتمال الثاني، فلا يلزم منه شيء من ذلك, فتأمله١.
ويؤيده قوله في شرح الكافية: إذا "قدم"٢ اسم على فعل صالح لنصبه لفظا أو محلا، فلم يجعل التقسيم في الضمير بل في الاسم السابق. ا. هـ٣.
وهذا وجه ظاهر, لولا ما فيه من استعمال البناء بمعنى "عن" في قوله: "بنصب", على أن استعمال الباء بمعنى "عن" كثير.
فإن قلت: يرد على كلامه كما قيل نحو: "زيد ما أحسنه", فإنه فعل اشتغل بضمير اسم سابق وليس من الباب بإجماع.
قلت: لا يرد؛ لأن الضمير "لا"٤ يشغله عن الاسم السابق؛ لأن فعل التعجب لا يعمل فيما قبله فخرج بقوله: "عنه".
ثم قال:
فالسابقَ انصبْهُ بفعل أُضمرا ... حتما................
стр. 577
يعني: أن الاسم السابق إذا نصب، فالناصب له عند الجمهور فعل مضمر, لا يجوز إظهاره.
ولهذا قال "حتما" أي: إضمارا حتما؛ لأن الظاهر كالعوض منه، فلا يجمع بينهما.
فإن قلت: مقتضى عبارته إيجاب نصبه، وليس نصبه يوجب في كل صورة كما سيذكر.
قلت: المراد: انصبْهُ بالمضمر "حتما" حيث يصح النصب، وليس المراد: "نصبه"١ حتما, وذلك واضح.
وقوله:
...................... ... مُوَافِق لما قد أُظهرا
يعني: موافقا له في المعنى واللفظ إن أمكن، نحو: "زيدا ضربته", فالتقدير: ضربت زيدا ضربته، أو في المعنى دون اللفظ إن تعذر، نحو: "زيدا مررت به" "أي: جاوزت زيدا"٢.
واعلم أن الاسم الواقع بعده فعل ناصب لضميره, على خمسة أقسام:
واجب النصب، وواجب الرفع، وراجح النصب، ومستوٍ فيه الأمران، وراجح الرفع.
فأشار إلى الأول بقوله:
والنصب حَتْم إن تلا السابق ما ... يختص بالفعل كإن وحيثما
يعني: أن النصب واجب إذا ولي الاسم السابق شيئا يختص بالفعل كأدوات الشرط وأدوات التحضيض وأدوات الاستفهام إلا الهمزة، فإن النصب بعدها راجح لا واجب.
وقد "مثل"٣ بإن نحو: "إن زيدا ضربته" "وحيثما" نحو: حيثما زيدا لقيته "فأكرمه"٤.
стр. 578
ثم أشار إلى الثاني بقوله:
وإن تلا السابق ما بالابتدا ... يختص فالرفع التزمه أبدا
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ... ما قبل معمولا لما بعد وجد
يعني أن الرفع يجب لسببين١:
أحدهما: أن يتقدم على الاسم ما يختص بالابتداء٢، ومثّل المصنف ذلك "بإذا" الفجائية، و"ليتما" نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو, و"ليتما بشر كلمتُه".
أما "إذا" ففي اسم "الاشتغال"٣ بعدها مذاهب:
جواز نصبه وهو ظاهر كلام سيبويه، ووجوب رفعه؛ "لأنها"٤ لا يليها فعل ولا معمول فعل، وإنما يليها مبتدأ أو خبر.
و"إن" المفتوحة: مؤولة بمبتدأ أو المكسورة؛ لأن الكلام معها بمنزلة مبتدأ أو خبر. فمن "أولاها"٥ غير ذلك فقد خالف كلام العرب.
قال في شرح التسهيل: ولا يلتفت إليه، وإن كان سيبويه، رحمة الله عليه.
والتفصيل: فإن كان الفعل مقرونا بقد جاز النصب "بعدها"٦, وإن لم يكن مقرونا بها وجب الرفع؛ لأن الأخفش قد حكى عن العرب إيلاءها الفعل المقرون بقد. قيل: وهو الصحيح.... وأما "ليتما" فمذهب الجمهور أنها لا يليها فعل ولا معمول فعل. وقد أجاز بعضهم وقوع الجملة الفعلية بعدها، وعلى هذا "لا"٧ يمتنع النصب.
وذكر بعضهم مما يختص بالابتداء واو الحال، نحو: "خرجت وزيد يضربه عمرو" ولا يجوز: "زيدا يضربه عمرو".
стр. 579
والثاني: أن يكون بين الاسم والفعل شيء لا يعمل ما بعده فيما قبله؛ كأدوات الاستفهام والشرط والتحضيض والموصول والموصوف و"إلا" في الاستثناء والحروف الناسخة وكم الخبرية ولام الابتداء و"ما" النافية.
وأما "لا", فعلى المذاهب في تقديم معمول ما نفي بها١.
مثال ذلك: "زيد هل لقيته؟ " فالرفع في هذا المثال ونحوه واجب؛ لأن "هل" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لكونها من أدوات الصدر, وتمثيل سائرها سهل٢ فلا نطول "به"٣.
وتقدير البيت: كذا إذا "تلا الفعل شيئا لن"٤ يرد ما قبله مفعولا لما وجد بعده.
ثم أشار إلى الثالث بقوله:
واختير نصب قبل فعل ذي طلب ... وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
يعني: أن النصب يترجح على الفعل بثلاثة أسباب:
الأول: أن يقع اسم الاشتغال قبل فعل ذي طلب, وهو الأمر والنهي والدعاء نحو: "زيدًا اضربه، وعمرًا لا تهنه"، و"اللهم عبدَك ارحمه".
والثاني: أن يكون الاسم بعد شيء غلب إيلاؤه الفعل "كالاستفهام بالهمزة، وحيث, وما، ولا، وأن" نحو: "أزيدًا ضربته" و"حيث زيدًا تلقاه أكرمه"، و"ما زيدًا لقيته".
والثالث: أن يكون الاسم بعد عاطف على جملة فعلية، وهو المراد بقوله:
وبعد عاطف بلا فصل على ... معمول فعل مستقر أولا
стр. 580
واحترز بقوله: "مستقر أولا" من ذات الوجهين وستأتي. مثال ذلك: "لقيت زيدا وعمرا كلمته"، إنما رجح النصب للمشاكلة بعطف فعلية على مثلها.
واحترز بقوله: "بلا فصل" "من"١ نحو: "قام زيد وأما عمرو فأكرمته" فلا أثر للعطف مع الفصل بأما؛ لأنها من أدوات الصدر, "فالكلام"٢ بعدها منقطع عما قبلها.
فالرفع بعدها أرجح ما لم يوجد مرجح النصب نحو: "وأما زيد فأكرمه".
تنبيهان:
الأول: تجوز المصنف في قوله: "على معمول فعل" وليس كذلك, وإنما "العطف"٣ على الجملة الفعلية.
الثاني: لترجيح النصب أسباب أخر, لم يذكرها هنا:
أحدها: أن "يكون"٤ اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على جملة فعلية نحو: "أتيتُ القومَ حتى زيدُا مررتُ به" فحتى هنا حرف ابتداء، ولكن لما وليها في اللفظ بعض ما قبلها شابهت العاطفة.
فلو قلت: "ضربت زيدا حتى عمرو ضربته" "تعين"٥ رفع عمرو لزوال شبه حتى الابتدائية بالعاطفة. إذ لا تقع العاطفة إلا بين كل وبعض، ذكره في شرح التسهيل.
والثاني: أن يجاب به استفهام بمفعول ما يليه, أو بمضاف إليه مفعول ما يليه.
مثال الأول: قولك في جواب: "أيهم ضربتَ؟ ": "زيدًا ضربتُهُ".
ومثال الثاني: قولك في جواب: "غلامَ أيهم ضربت؟ ": "غلام زيد ضربتُهُ".
стр. 581
والثالث: أن يكون رفعه يوهم وصفا مُخلا, كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١, فالنصب فيه راجح؛ لأن الرفع يوهم أن يكون "خلقناه" صفة مخصصة، والنصب يرفع ذلك التوهم، إذ الصفة لا تفسر ناصبا لما قبلها.
وإذا لم تكن صفة فهو خبر, فيلزم عموم خلق الأشياء بقدر, فهو مذهب أهل السنة. وقد قرئ بالرفع٢ ثم أشار إلى الرابع بقوله:
وإن تلا المعطوفُ فعلا مُخْبَرا ... به عن اسم فاعطفَنْ مخيَّرا
يعني: أنه إذا وقع اسم الاشتغال بعد عاطف على جملة ذات وجهين, وهي الابتدائية التي خبرها فعل نحو: "زيد قام" و"عمرًا أكرمته", فيجوز الرفع مراعاة لصدرها، والنصب مراعاة لعجزها، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر؛ لأن في كل منهما مشاكلة.
فإن قلت: ينبغي ترجيح النصب؛ لترتبه على أقرب "المشاكلتين"٣.
قلت: قد رجّحه بعضهم على الرفع لذلك، ولا ينهض؛ لأن الرفع "مترجح"٤ بعدم الإضمار، ولكل منهما مرجح فتساويا، وقد حكي عن الفارسي ترجيح الرفع.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: "بلا فصل" كما قال في البيت السابق؛ احترازا من نحو: "زيد قام وأما عمرا فأكرمته", فالرفع فيه راجح، ولا أثر للعطف.
قلت: استغني بتقديم الاحتراز عنه.
فإن قلت: ما المراد بقوله: المعطوف؟
قلت: إن أراد اسم الاشتغال "فقد"٥ تسامح في العبارة، وإن أراد جملة الاشتغال فهو صحيح.
стр. 582
تنبيه:
حكم شبه العاطف في هذه المسألة، حكم العاطف نحو: "زيد أتى القومَ حتى عمرًا مر به" وقد سبق بيان ذلك.
وحكم شبه الفعل إذا وقع خبرا١ في هذه المسألة, حكم الفعل "نحو"٢: "هذا ضارب عبد الله وعمرو يكرمه".
ثم أشار إلى الخامس بقوله:
والرفع في غير الذي مر رجح ... فما أُبيح افعل ودع ما لم يُبَح
مثال: "زيد ضربته"؛ لأنه خلا من موجب النصب، وموجب الرفع، ومرجح النصب، ومستوي الأمرين، وإنما رجح رفعه؛ لأنه لا إضمار فيه.
ثم قال:
وفصل مشغول بحرف جر ... أو بإضافة كوصل يجري
يعني: أن الأقسام الخمسة المتقدمة مع الفعل المباشر للضمير جارية مع ما منع من مباشرته حرف جر أو إضافة، فمثل "إن زيدًا رأيته" في وجوب النصب: "إن زيدا مررت به", أو "رأيت أخاه" وقس على ذلك بقية المسائل.
فإن قلت: كيف يصح ذلك في جميع المسائل؟ وقد ذكروا أن النصب في نحو: "زيدًا ضربته" أحسن منه في: "زيدًا ضربت أخاه" والنصب في: "زيدا ضربت أخاه" أحسن منه في: "زيدا مررت به" لوصول ضربت بنفسه، وعكس ابن كيسان، والنصب في: "زيدا مررت به" أحسن منه في: "زيدا مررت بأخيه".
قلت: "كل"٣ هذه المسائل "متساوية"٤ في ترجيح الرفع على النصب، وتفاوت مراتب النصب فيها لا ينافي ذلك.
ثم قال:
وسَوِّ في ذا الباب وصفا ذا عمل ... بالفعل إن لم يَكُ مانع حصل
يعني: "أن"٥ حكم الوصف "العامل"٦ في تفسير ناصب الاسم السابق, حكم الفعل.
стр. 583
والذي يستوي بالفعل في هذا الباب من الأوصاف، اسم الفاعل واسم المفعول١. واحترز بالوصف مما يعمل عمل الوصف, وليس بوصف كالمصدر المقدر، وحرف مصدري، واسم الفعل.
وأما المصدر النائب في فعله, فعلى الخلاف في جواز تقديم معموله.
وبقوله: "ذا عمل" من اسم الفاعل بمعنى الماضي، فإنه لا عمل٢، وبقوله: "إن لم يك مانع حصل"٣ من اسم الفاعل الواقع صلة لأل، فإنه لا يعمل فيما قبل "أل"؛ لأنها موصولة، وما لا يعمل لا يفسر عاملا في هذا الباب.
فإن قلت: يرد عليه الصفة المشبهة, فإنها لا تقع في باب الاشتغال.
قلت: هي "كاسم"٤ الفاعل الواقع صلة "لأل"؛ لأنها لا يتقدم معمولها عليها فالعلة واحدة. ثم قال:
وعُلْقَة حاصلة بتابع ... كعلقة بنفس الاسم الواقع
يعني: أن الشاغل إذا كان أجنبيا وله تابع سببي, فالحكم معه كالحكم مع السببي المحض، فأطلق في التابع وهو مقيد بالنعت نحو: "هند ضربت رجلا "يحبها"٥" وعطف البيان نحو: "زيدا ضربت عمرا أخاه" "فلو"٦ جعلت أخاه بدلا امتنع٧، وعطف "النسق"٨ بالواو خاصة نحو: "زيد ضربت عمرا أخاه"؛ لإفادتها معنى الجمع, فلو كان العطف بغيرها امتنع٩.
стр. 584
تعدي الفعل ولزومه:
قال:
علامة الفعل المُعَدَّى أن تصل ... "ها" غير مصدر به نحو: "عمل"
الفعل قسمانِ: متعدٍّ ولازم.
فعلامة المتعدي صلاحيته لأن يتصل به ضمير يعود على غير المصدر نحو: "عمل" فتقول: "الخيرُ عمله زيد".
وإنما احتُرز عن "هاء" المصدر؛ لأنها تتصل بالمتعدي واللازم, فليست عاملة لواحد منهما.
فإن قلت: كان ينبغي أن يستثنى "ضمير"١ ظرفي الزمان والمكان, فإنه يتصل بالفعل اللازم كضمير المصدر نحو:
ويوما شهدناه٢.......... ... ........................
و"الميل سرته".
стр. 585
قلت: لا يتصل باللازم ضمير الزمان ولا المكان حتى يتوسع فيه، وينصب ذلك الضمير نصب المفعول به.
فإن قلت: يرد عليه نحو: "كنته", فإن الضمير خبر "كان" وهو ضمير غير المصدر, ولا يطلق على "كان" وأخواتها أنها أفعال متعدية.
قلت: إنما لم ينبه على هذا لوضوحه، وأيضا فكان وأخواتها مشبّهة بالمتعدي وربما أطق على خبرها المفعول.
ثم قال:
فانصِبْ به مفعوله إن لم ينُب ... عن فاعل نحو: تدبرت الكتب
قوله: "فانصب به" تصريح بأن ناصب المفعول به هو الفعل، وهذا هو الصحيح. وشرط في نصبه ألا ينوب عن فاعل نحو: "تدبرت الكتب", فلو ناب عن الفاعل رفع كما تقدم في نائبه١.
ثم قال:
ولازم غير المعدَّى.... ... .......................
يعني: أن ما سوى المتعدي هو اللازم, ولا ثالث لهما.
فإن قلت: ثم قسم "ثالث٢" صالح للتعدي واللزوم كما ذكر في التسهيل٣.
قلت: هو غير خارج عن القسمين.
ثم أشار إلى أن من اللازم ما يستدل على لزومه بمعناه, ومنه ما يستدل على لزومه بزنته, فقال:
.......... وحُتِمْ ... لزوم أفعال السجايا كنهم
أفعال السجايا: ما دل على معنى قائم بالفعل "لازم له"٤ "كشجُع٥" وجبُن وحسُن وقبُح، ونَهِم إذا كثر أكله.
стр. 586
ثم قال:
كذا افعللَّ..... ... .............
نحو "اقشعرّ" و"اشمأزّ"١ و"اطمأنّ".
والمضاهي اقْعَنْسَسَا....... ... .....................
يعني: ما كان على وزن "افعنْلَل" "كاحرنْجمت الإبل" أي: اجتمعت، وكذا ما ألحق بافعنلل، كاقعنسس البعير: امتنع من أن يقاد، واحْرَنْبَى الديك، أي: انتفش.
والمضاهي: يعني المشابه، وينبغي أن يكون "اقعنسس" فاعلا بالمضاهي والمفعول محذوف، أي: وكذلك الفعل الذي ضاهاه "اقعنسس" كاحرنجم؛ لأن اقعنسس ملحق باحرنجم.
ثم قال:
.............. ... وما اقتضى: نظافة أو دَنَسا
نحو: "نظُف" و"وضُأ" و"طهُر" ونحو: "نجُس" و"رجُس" و"قذُر".
أو عرضا............. ... ......................
وهو ما ليس حركة جسم من معنى قائم بالفاعل, غير ثابت فيه "كمرِض وكسِل" و"نشِط" و"حزِن" و"فرِح".
.......... أو طاوع المعدَّى ... لواحد.................
المراد بالمطاوع: ما دل على قبول الأثر نحو: "مددت الثوب فامتد، ودحرجت الشيء فتدحرج".
واحترز بقوله: "لواحد" من مطاوع المتعدي إلى اثنين، فإنه متعدٍّ إلى واحد.
ثم قال:
وعَدِّ لازما بحرف جر
يعني: أنه إذا علق اللازم بمفعول به معنى, عدي بحرف الجر نحو: "ذهبتُ بزيد" بمعنى: أذهبته، ونحو: "رغبت في الخير" و"أعرضت عن الشر".
وقد جاء "تعدية"٢ المتعدي إلى واحد بالباء إلى ثانٍ، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ٣.
стр. 587
ثم قال:
........... ... وإن حُذف فالنصب للمنجَرّ
يعني: أن حرف الجر إذا حذف١ نصب المجرور، وقد يحذف ويبقى عمله, وهو ضربان: شاذ كقوله:
........... ... أشارت كُلَيْب بالأكف الأصابع٢
ومطرد نحو:
وليلٍ كموج البحر٣ ... ..............
стр. 588
أي: ورب ليل. وسيأتي بيانه في باب حروف الجر.
وأما حذفه ونصب المجرور, فهو نوعان: مقصور على السماع, ومطرد.
والمقصور على السماع "مخصوص"١ بالضرورة, ووارد في السعة.
فالمخصوص بالضرورة كقوله:
.................... ... وأخفي الذي لولا الأُسَا لقضاني٢
стр. 589
أي: لقضي عليَّ.
والوارد في السعة كقوله: "شكرتُه ونصحتُه" في أحد الأقوال، وكقولهم: "ذهبتُ الشامَ" أي: إلى الشام.
والمطرد حذفه مع "أنّ وأنْ"١ بشرط أمن اللبس نحو: "عجبت أنك فاضل" أي: من أنك فاضل، و"عجبت أن يَدُوا" أي: يغرموا الدية, وهذا معنى قوله:
نقلا وفي أَنَّ وأَنْ يطرد ... مع أمن لبس، كعجبت أن يدوا
واحترز "بأمن اللبس" من نحو: "رغبتُ في أن تفعل" فلا يجوز حذفه؛ لئلا "يتوهم"٢ أن المراد: عن أن "تفعل"٣.
فإن قلت: فقد حذف في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ٤ قلت: عنه جوابان:
أحدهما: أن يكون حذف اعتمادا على القرينة "الرافعة"٥ للبس، وقد أشار إلى هذا في "منهج"٦ السالك٧.
والآخر: أن يكون حذف لقصد الإبهام؛ ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن.
стр. 590
وقد أجاز بعض المفسرين التقديرين, والله أعلم١.
ثم قال:
والأصل سَبْق فاعل معنى "كمن" ... من ألبسَنْ من زاركم نَسْجَ اليَمَن
الكلام هنا على المتعدي من غير بابي ظن وأعلم، وهو ضربان:
متعدّ إلى واحد نحو: "ضربت زيدًا", ومتعدّ إلى اثنين نحو: "أعطيت زيدًا درهمًا".
فأشار إلى أن الأصل في باب أعطى تقديم ما هو فاعل في المعنى من مفعوليه "كزيد" من: "أعطيت زيدا درهما" و"من" من قوله:
ألبسن من زاركم نسج اليمن
ثم قال:
ويلزم الأصل لموجب عرا ... ......................
يعني: أن الأصل المذكور وهو تقديم ما هو فاعل في المعنى, قد يكون واجبا؛ وذلك لأسباب:
منها خوف اللبس نحو: "أعطيت زيدا عمرا" أو حصر الثاني نحو: "ما أعطيت زيدا إلا درهما" وكون الأول ضميرا متصلا والثاني ظاهرا نحو: "أعطيتك درهما".
وقوله: "عرا" أي: وجد.
ثم قال:
............ ... وتَرْك ذاك الأصل حتما قد يُرَى
يعني: أنه قد يجب تأخير ما هو فاعل في المعنى على خلاف الأصل؛ وذلك لأسباب:
стр. 591
منها حصر الأول نحو: "ما أعطيت درهما إلا زيدا", وكون الثاني ضميرا متصلا والأول ظاهرا نحو: "الدرهم أعطيته زيدا", واتصال ضمير بالأول يعود على الثاني نحو: "أعطيت الدابة راكبها", وما خلا "من"١ الموجب والمانع جاز بقاؤه على الأصل، وجاز خروجه عن الأصل كما ذكر في الفاعل. ثم قال:
وحذف فَضْلة أَجِزْ إن لم يَضِرْ ... كحذف ما سِيقَ جوابا أو حُصِر
المفعول من غير باب "ظن" فضلة, فيجوز حذفه اختصارا كما جاز ذلك في مفعولي "ظن".
ويجوز حذفه اقتصارا, بخلاف باب "ظن" فتقول: "ضربت".
ويحذف المفعول لغير دليل. وكذلك "أعطيت" يجوز حذف مفعوليه معا اقتصارا، وحذف أحدهما اقتصارا، وإن كان ذلك ممتنعا في باب "ظن".
ثم نبه على أن حذف الفضلة مشروط بألا يضر٢، فإن كان حذفه يضر امتنع، ومثله بالمجاب به كقولك: "زيدا" في جواب "من ضربت؟ ", وبالمحصور كقولك: "ما ضربت إلا زيدا". وما يمتنع حذفه ما حذف عامله نحو: "إياك والأسدَ"٣.
ثم قال:
ويُحذَف الناصبها إن عُلما ... .......................
стр. 592
يعني: أنه يجوز حذف الفعل الناصب للفضلة بشرط أن يعلم جوازا في نحو: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ ١, ووجوبا في باب الاشتغال، والنداء، والتحذير، والإغراء بشرطه، وما كان مثلا، أو كالمثل٢.
وإلى هذا أشار بقوله:
................... ... وقد يكون حذفه مُلْتَزَما
واحترز بقوله: "إن عُلما" مما لا دليل عليه، فلا يجوز حذفه, والله أعلم.
стр. 593
التنازع في العمل:
إِنْ عاملانِ اقتضيا في اسمٍ عَمَل ... قبلُ فللواحد منهما العمل
قوله: "إن عاملان" يعني: من الفعل وشبهه؛ كاسم الفاعل والمفعول واسم الفعل، ولا مدخل للحرف في هذا الباب.
وشمل قوله: "عاملان" الفعلين نحو: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ١، والاسمين نحو:
عُهدْتَ مغيثا مغنيا من أجرته٢ ... ....................
стр. 594
والاسم والفعل نحو: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ١.
وعكسه نحو:
............... ... لقيت فلم أنكُلْ عن الضرب مِسْمَعا٢
стр. 595
وقال في التسهيل: فصاعدا؛ ليشمل تنازع أكثر من اثنين.
قيل: ولم يوجد أكثر من ثلاثة, كقوله:
أتاني فلم أُسرِر به حين جاءني ... كتاب بأعلى القُنَّتَيْن عجيب١
فإن قلت: هل يُشترط هنا كون الفعل متصرفا؟
قلت: شرطه ابن عصفور، ولم يشترطه المصنف.
وأجاز في التسهيل٢: تنازع فعلي التعجب, لكن "بشرط"٣ إعمال الثاني "حتى"٤ لا يفصل بين الأول ومعموله، وأجازه المبرد على إعمال كل منهما٥.
وقوله: "اقتضيا" يخرج عن قول امرئ القيس:
стр. 596
............. ... كفاني ولم أطلب قليل من المال١
على جعل الواو عاطفة، فإن الثاني لم يقتضِ قليلا، والمراد: كفاني قليل ولم أطلب الملك, فليس من "باب"٢ التنازع.
ويخرج به -أيضا- العاملان, المؤكد أحدهما بالآخر نحو:
............. ... أتاك أتاك اللاحقون٣.......
стр. 597
فإن الثاني "منهما"١ "لا اقتضاء"٢ له إلا التوكيد, فلا عمل له، وإنما العمل للأول.
وأجاز المصنف مع هذا الوجه أن ينسب العمل "لأحدهما"٣؛ لكونهما شيئا واحدا، وعلى التقديرين ليس من التنازع، إذ لو كان منه لقِيل: أتاك أتوك, أو أتوك أتاك٤.
وأجاز بعضهم أن يكون منه, ويكون قد أضمر في أحد الفعلين مفردا كما حكى سيبويه٥: "ضربني وضربتُ قومَك".
وقوله: "في اسم عمل" يخرج به: "ضربت زيدا, وأكرمت عمرا"، فإن كلا منهما متوجه إلى غير ما توجه إليه الآخر, فلم يقتضيا "العمل"٦ في اسم واحد.
فإن قلت: ينبغي أن يقول: "في اسم فأكثر"؛ ليشمل تنازع المتعدي إلى اثنين, وإلى ثلاثة.
стр. 598
قلت: قد منع بعض النحويين التنازع "في"١ المتعدي إلى اثنين, وإلى ثلاثة, والمختار الجواز؛ لسماعه في المتعدي إلى اثنين٢.
والقياس في المتعدي إلى ثلاثة.
وعبارة المصنف لا تأبى ذلك؛ لأن المراد بقوله: "اقتضيا في اسم" أن يتوجه كل من العاملين إلى الاسم الذي توجه إليه الآخر، ولا يمتنع أن يتوجها بعده إلى اسم آخر, فيتنازعا في الاسمين معا.
فإن قلت: قد شرط في التسهيل في الاسم المتنازع فيه أن يكون غير سببي مرفوع٣, نحو قول الشاعر:
............ ... وعزة ممطولٌ مُعَنّى غريمها٤
стр. 599
لأنك لو قصدت فيه التنازع لأسندت أحدهما إلى السببي والآخر إلى ضميره, فيلزم عدم ارتباط رافع الضمير بالمبتدأ، وإنما يحمل ذلك على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين قبله.
قلت: لم يذكر أكثرهم هذا الشرط, فلذلك لم يذكره هنا.
وأجاز بعض النحويين في البيت التنازع١.
وقوله: "عمل" يشمل الرفع والنصب، فقد يطلبان رفعا نحو: "قام وقعد زيد", وقد يطلبان نصبا نحو: "رأيت وأكرمت زيدا", وقد يطلب الأول رفعا والثاني نصبا نحو: "قام وأكرمت زيدا", وقد يكون بالعكس نحو: "أكرمت وأكرمني زيد", فالصور أربع.
وقوله: "قبلُ" تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرا عنهما, "فلو"٢ تقدم عليهما نحو: "زيد قام وقعد" "فلا"٣ تنازع؛ لأن كلا "أخذ"٤ مطلوبه، أعني: ضمير الاسم السابق، هذا معنى ما علل به المصنف وغيره، وهي علة قاصرة.
ومقتضى ذلك ألا "يمتنع"٥ تقديم مطلوبهما, إذا طلبا نصبا.
وقد أجاز الفارسي التنازع مع توسط المعمول٦، وأجازه بعضهم مع التقديم٧.
وقوله: فللواحد منهما العمل, يعني: في لفظ المتنازع فيه؛ لأن الآخر له عمل، ولكن في ضميره. وذهب الفراء في نحو: "قام وقعد زيد" إلى أن العمل لكليهما, "فزيد" مرفوع بالفعلين معا والصحيح أنه لأحدهما.
стр. 600
ثم قال:
والثانِ أولى عند أهل البَصْرَه ... واختار عكسا غيرهم ذا أَسْرَه
عمل كل "واحد"١ منها مسموع، والخلاف في الترجيح.
فقال البصريون: إعمال الثاني أرجح لقربه، وقال الكوفيون: إعمال الأول أرجح "لسبقه"٢, وقال بعض النحويين: يتساويان.
وفصل أبو ذر الخشني٣ فقال: إن كان إعمال الثاني يؤدي إلى الإضمار في الأول فيختار إعمال الأول، وإلا فيختار إعمال الثاني.
والصحيح مذهب البصريين؛ لأن إعمال الثاني هو الأكثر وإعمال الأول قليل, نقل ذلك سيبويه عن العرب٤.
ثم قال:
وأَعْمِلِ المُهْمَل في ضمير ما ... تنازعاه والتزِمْ ما التُزِما
المهمل: هو الذي لم يسلط على الاسم الظاهر, فيعمل في ضميره مطابقا له.
ثم إن كان الثاني أضمر فيه المرفوع وجوبا والمنصوب على المختار، ومن حذفه قول الشاعر:
بعكاظ يُعْشَى الناظرين ... إذا هم لمحوا شعاعه٥
أي: لمحوه.