............. ... كفاني ولم أطلب قليل من المال١
على جعل الواو عاطفة، فإن الثاني لم يقتضِ قليلا، والمراد: كفاني قليل ولم أطلب الملك, فليس من "باب"٢ التنازع.
ويخرج به -أيضا- العاملان, المؤكد أحدهما بالآخر نحو:
............. ... أتاك أتاك اللاحقون٣.......
стр. 597
فإن الثاني "منهما"١ "لا اقتضاء"٢ له إلا التوكيد, فلا عمل له، وإنما العمل للأول.
وأجاز المصنف مع هذا الوجه أن ينسب العمل "لأحدهما"٣؛ لكونهما شيئا واحدا، وعلى التقديرين ليس من التنازع، إذ لو كان منه لقِيل: أتاك أتوك, أو أتوك أتاك٤.
وأجاز بعضهم أن يكون منه, ويكون قد أضمر في أحد الفعلين مفردا كما حكى سيبويه٥: "ضربني وضربتُ قومَك".
وقوله: "في اسم عمل" يخرج به: "ضربت زيدا, وأكرمت عمرا"، فإن كلا منهما متوجه إلى غير ما توجه إليه الآخر, فلم يقتضيا "العمل"٦ في اسم واحد.
فإن قلت: ينبغي أن يقول: "في اسم فأكثر"؛ ليشمل تنازع المتعدي إلى اثنين, وإلى ثلاثة.
стр. 598
قلت: قد منع بعض النحويين التنازع "في"١ المتعدي إلى اثنين, وإلى ثلاثة, والمختار الجواز؛ لسماعه في المتعدي إلى اثنين٢.
والقياس في المتعدي إلى ثلاثة.
وعبارة المصنف لا تأبى ذلك؛ لأن المراد بقوله: "اقتضيا في اسم" أن يتوجه كل من العاملين إلى الاسم الذي توجه إليه الآخر، ولا يمتنع أن يتوجها بعده إلى اسم آخر, فيتنازعا في الاسمين معا.
فإن قلت: قد شرط في التسهيل في الاسم المتنازع فيه أن يكون غير سببي مرفوع٣, نحو قول الشاعر:
............ ... وعزة ممطولٌ مُعَنّى غريمها٤
стр. 599
لأنك لو قصدت فيه التنازع لأسندت أحدهما إلى السببي والآخر إلى ضميره, فيلزم عدم ارتباط رافع الضمير بالمبتدأ، وإنما يحمل ذلك على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين قبله.
قلت: لم يذكر أكثرهم هذا الشرط, فلذلك لم يذكره هنا.
وأجاز بعض النحويين في البيت التنازع١.
وقوله: "عمل" يشمل الرفع والنصب، فقد يطلبان رفعا نحو: "قام وقعد زيد", وقد يطلبان نصبا نحو: "رأيت وأكرمت زيدا", وقد يطلب الأول رفعا والثاني نصبا نحو: "قام وأكرمت زيدا", وقد يكون بالعكس نحو: "أكرمت وأكرمني زيد", فالصور أربع.
وقوله: "قبلُ" تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرا عنهما, "فلو"٢ تقدم عليهما نحو: "زيد قام وقعد" "فلا"٣ تنازع؛ لأن كلا "أخذ"٤ مطلوبه، أعني: ضمير الاسم السابق، هذا معنى ما علل به المصنف وغيره، وهي علة قاصرة.
ومقتضى ذلك ألا "يمتنع"٥ تقديم مطلوبهما, إذا طلبا نصبا.
وقد أجاز الفارسي التنازع مع توسط المعمول٦، وأجازه بعضهم مع التقديم٧.
وقوله: فللواحد منهما العمل, يعني: في لفظ المتنازع فيه؛ لأن الآخر له عمل، ولكن في ضميره. وذهب الفراء في نحو: "قام وقعد زيد" إلى أن العمل لكليهما, "فزيد" مرفوع بالفعلين معا والصحيح أنه لأحدهما.
стр. 600
ثم قال:
والثانِ أولى عند أهل البَصْرَه ... واختار عكسا غيرهم ذا أَسْرَه
عمل كل "واحد"١ منها مسموع، والخلاف في الترجيح.
فقال البصريون: إعمال الثاني أرجح لقربه، وقال الكوفيون: إعمال الأول أرجح "لسبقه"٢, وقال بعض النحويين: يتساويان.
وفصل أبو ذر الخشني٣ فقال: إن كان إعمال الثاني يؤدي إلى الإضمار في الأول فيختار إعمال الأول، وإلا فيختار إعمال الثاني.
والصحيح مذهب البصريين؛ لأن إعمال الثاني هو الأكثر وإعمال الأول قليل, نقل ذلك سيبويه عن العرب٤.
ثم قال:
وأَعْمِلِ المُهْمَل في ضمير ما ... تنازعاه والتزِمْ ما التُزِما
المهمل: هو الذي لم يسلط على الاسم الظاهر, فيعمل في ضميره مطابقا له.
ثم إن كان الثاني أضمر فيه المرفوع وجوبا والمنصوب على المختار، ومن حذفه قول الشاعر:
بعكاظ يُعْشَى الناظرين ... إذا هم لمحوا شعاعه٥
أي: لمحوه.
стр. 601
وقيل: إن حذفه مخصوص بالضرورة، والصحيح جوازه في الاختيار، وإن كان الأول ففيه تفصيل سيأتي.
فإن قلت: ما معنى قوله: "والتزم ما التزما"؟
قلت: "يحتمل"١ ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المراد: "والتزم ما التزما" من مطابقة الضمير للظاهر، وهو رأي الشارح٢.
والثاني: أن يكون المراد: "والتزِم ما التزِم" مما سيذكره من وجوب حذفه من الأول في بعض الأحوال، وتأخيره في بعضها.
والثالث: أن يكون المراد: "والتزم ما التزم" وهو العمدة، فلا تحذفه، بخلاف الفضلة. فيؤخذ منه جواز حذف ضمير المفعول معمولا للثاني، وهو حسن فليس هذا الكلام كما قيل حشوا.
ثم قال:
كيُحسنان ويسيء ابناكا ... ..................
هذا مثال لإعمال الثاني, "ولذا"٣ أضمر في الأول فقال: "يحسنان".
стр. 602
ثم قال:
............. ... وقد بغى واعتديا عبداكا
هذا مثال لإعمال الأول؛ ولذلك أضمر في الثاني فقال: "واعتديا", وهذا المثال متفق على جوازه، ومنع الكوفيون المثال الأول؛ لأن مذهبهم منع الإضمار قبل الذكر في هذا الباب. وحاصل مذهبهم أن الأول إذا طلب مرفوعا لم يجُز إعمال الثاني والإضمار في الأول سواء طلب الثاني مرفوعا نحو: "يحسنان ويسيء ابناكا", أو منصوبا نحو: "ضرباني وضربت الزيدين".
فإن قلت: قد تقدم أن كلا من الفريقين أجاز إعمال الأول وإعمال الثاني, وإنما اختلفوا في الترجيح.
وقد ذكرت أن الكوفيين منعوا إعمال الثاني إذا طلب الأول مرفوعا, فلا يكون الاختلاف في الترجيح إلا مع طلب الأول منصوبا١.
قلت: إنما منعوه إذا أُضمر المرفوع في الأول، وقد أجاز الكسائي إعمال الثاني بشرط حذف فاعل الأول، وأجاز الفراء إعماله بشرط "تأخر"٢ فاعل الأول.
فنقول على مذهب الكسائي: "يُحسن ويُسيء ابناك", و"ضربني وضربتُ الزيدين".
وعلى مذهب الفراء: "يحسن ويسيء ابناك هما" و"ضربني وضربت الزيدين هما". وقد أجاز الفراء "أيضا"٣ أن يرتفع الاسم بهما في نحو: "يحسن ويسيء ابناك", وقد تقدم "ذكر"٤ مذهبه أول الباب ٥.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من جواز الإضمار قبل الذكر في هذا الباب؛ لسماعه.
стр. 603
حكى سيبويه١: "ضربوني وضربت قومك".
فإن قلت: قد قيل: إنه لم ينقله عن العرب, بل هو مثال "مخرج"٢ على مذهبه.
قلت: هو خلاف الظاهر، وأيضا فقد سمع نظيره في الكلام الفصيح كقوله:
جَفَوني ولم أَجْفُ الأخلّاء إنني ... لغير جميل من خليليَّ مُهْمِل٣
стр. 604
وليس هذا بضرورة؛ لتمكنه من أن يقول: "جفاني ولم أجف الأخلاء" فيعمل الأول ويحذف "مفعول"١ الثاني لأنه فضلة.
ثم قال:
ولا تَجِئْ مع أول قد أُهملا ... بمضمر لغير رفع أُوهِلا
بل حذفه الزمْ إن يكن غير خبر ... وأَخِّرَنْه إن يكن هو الخبر
إذا أهمل الأول, فإما أن يطلب مرفوعا أو منصوبا.
إن طلب مرفوعا أضمر فيه خلافا للكوفيين كما سبق٢، وإن طلب منصوبا فإما أن يكون فضلة أو غير فضلة.
فإن كان فضلة وجب حذفه عند الجمهور؛ لأنه مستغنى عنه فلا حاجة لإضماره قبل الذكر، ولم يوجب في التسهيل حذفه, بل جعله أولى٣.
ومن إثباته قول الشاعر:
إذا كنت تُرضيه ويُرضيك صاحب ... جِهَارا فكن في الغيب أحفظ للود٤
стр. 605
ووافق هنا مذهب الجمهور، وإن كان غير فضلة، كالمفعول من باب ظن جيء به مؤخرا؛ ليؤمَن من الإضمار قبل الذكر، أو حذف ما هو عمدة.
أما تقديمه, فقال الشارح: لا يجوز عند الجميع. ا. هـ١.
قلت: وظاهر التسهيل جوازه٢، وقد حكى ابن عصفور عنه ثلاثة مذاهب:
أحدها: إضماره مقدما كالمرفوع نحو: "ظننته أو إياه وظننت زيدا قائما".
والثاني: الإضمار مؤخرا, كما جزم به المصنف هنا.
والثالث: حذفه؛ لدلالة المفسر عليه. قال: وهذا أسدّ المذاهب؛ لسلامته من الإضمار قبل الذكر والفصل٣.
تنبيهان:
الأول: قد ظهر مما ذكر أن كلامه هنا "مخالف"٤ التسهيل من وجهين:
أحدهما: أنه جزم هنا بحذف الفضلة, وهو المراد بقوله: "غير خبر".
стр. 606
والثاني: أنه جزم بتأخير الخبر ولم يجزم بهما في التسهيل, بل أجاز التقديم.
"والتنبيه"١ الثاني: أن قوله: "غير خبر" قد يوهم أن ضمير المتنازع فيه إذا كان مفعولا أولا في باب ظن, يجب حذفه.
وليس كذلك, بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف، ولزوم التأخير؛ ولذلك قال الشارح: لو قال بدله:
واحذفْهُ إن لم يَكُ مفعول حسب ... وإن يكن ذاك فأخِّرْه تصب
لسلم. ا. هـ٢.
قلت: قوله: "مفعول حسب" يوهم أن غير مفعول "حسب" يجب حذفه, "وإن"٣ كان خبرا وليس كذلك.
لأن خبر كان لا يحذف أيضا, بل يؤخر كمفعول حَسِب نحو: "زيد كان, وكنتُ قائما إياه" وهذا مندرج تحت قول المصنف: "غير خبر", ولو قال:
بل حذفه إن كان فضلة حتم ... وغيرها تأخيره قد التُزم
لأجاد"٤" ٥.
ثم قال:
وأَظْهر إن يكن ضمير خبرا ... لغير ما يطابق المفسِّرا
يعني: أن الإضمار "ممتنع"٦ إذا تخالف صاحب الضمير ومفسره "كأن"٧ يكون الضمير خبرا لمثنى ومفسره مفرد، وقد مثّل ذلك بقوله:
نحو أظن ويظناني أخا ... زيدا وعمرا أخويْنِ في الرَّخا
стр. 607
"فزيدا وعمرا" مفعول أول لأظن، "وأخوين" مفعوله "الثاني, والياء من "يظنان" مفعول أول له، و"أخا" مفعوله الثاني"١, وهو خبر "له"٢ في الأصل.
فلو أضمر، فإما أن يجعل مطابقا للمفسر وهو ثاني مفعولي "يظنان", أو لصاحبه وهو أول مفعولي "أظن".
فإن جعل مطابقا للمفسر فقيل: "إياه", فيلزم الإخبار بمفرد عن مثنى، وإن جعل مطابقا لصاحبه قيل: "إياهما" فيلزم عود ضمير مثنى على مفرد، وكلاهما غير جائز.
فتعين الإظهار خلافا للكوفيين في إجازة إضماره مطابقًا لصاحبه، وإن خالف المفسر٣. وفي إجازة حذفه نحو: "أظنُّ ويظناني أخا زيدا وعمرا", وعلى الإظهار تخرج هذه المسألة من التنازع.
стр. 608
المفعول المطلق:
المفاعيل خمسة: مفعول به وقد تقدم١, ومفعول مطلق، ومفعول له, وفيه, "ومفعول"٢ معه، وهذا أول الكلام على هذه الأربعة.
وبدأ بالمطلق، وسمي مطلقا؛ لأنه لم يقيد بأداة بخلاف غيره، فقال:
المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولَي الفعل كأمْنٍ مِنْ أَمِن
مدلولا الفعل: هما الحدث والزمان، والمصدر هو اسم الحدث، وهو معنى قوله: "اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل".
فإن ما سوى الزمان من مدلوليه هو الحدث "كأمن من أمن".
قال: "أمن" فعل يدل على حدث وزمان، والأمن اسم لذلك الحدث، فهو مصدر.
فإن قلت: هل المفعول المطلق والمصدر مترادفان؟
قلت: لا، بل بينهما عموم من وجه وخصوص من وجه. فقد يكون المفعول "المطلق"٣ غير مصدر, بل "جاريا"٤ مجراه كاسم المصدر والآلة, وغير ذلك مما سيذكر.
وقد يكون المصدر غير مفعول مطلق نحو: "يعجبني ذهابك".
ثم قال:
بمثله أو فعل أو وصف نُصب ... .........................
مثال نصبه، أي: بمصدر، قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ٥.
ومثال نصبه بفعل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٦.
стр. 609
ومثال نصبه بوصف: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ ١.
وينبغي أن يحمل قوله: "بمثله" على المماثل٢ في المعنى؛ ليشمل نحو: "يعجبني إيمانُك تصديقًا".
ثم قال:
............... ... وكونه أصلا لهذين انتُخب
أي: وكون المصدر أصلا للفعل والوصف، هو المختار، فالفعل والوصف مشتقّانِ منه, وهو مذهب البصريين, وخالف بعضهم في الوصف فجعله مشتقا من الفعل, فهو فرع الفرع.
ومذهب الكوفيين أن الفعل هو الأصل، والمصدر مشتق منه.
وزعم ابن طلحة أن الفعل والمصدر أصلان، وليس أحدهما مشتقا من الآخر.
والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة، والفعل يدل على الحدث والزمان"٣" ٤.
ثم قال:
توكيدا أو نوعا يُبين أو عدد ... كُسرتُ سَيْرتين سَيْر ذي رَشَد
المصدر: يؤتى به مع ناصبه "لثلاث"٥ فوائد:
الأولى: توكيده نحو: "سِرْتُ سيرا" ويسمى المبهم.
والثانية: بيان عدده نحو: "سرت سيرتين" ويسمى المعدود.
والثالثة: بيان نوعه, ويسمى المختص.
стр. 610
واختصاصه إما بإضافة نحو: "سرت١ سير ذي رَشَد", وإما بنعت نحو: "سيرًا شديدًا", وإما "بأل" نحو: "سرت السير" أي: السير الذي تعرفه، كذا قسم بعضهم.
والظاهر أن المعدود مندرج تحت المختص, كما فَعَلَ في التسهيل.
فالمصدر "على هذا قسمان"٢: مبهم ومختص.
والمختص قسمان: معدود وغير معدود.
ثم قال:
وقد ينوب عنه ما عليه دل ... كجِدَّ كل الجد وافرح الجذَل
المصدر ضربان: مؤكد ومبين كما سبق.
أما المؤكد, فينوب عنه أحد ثلاثة أشياء:
الأول: "مرادفه"٣ نحو: "قعدت جلوسًا".
وظاهر كلام المصنف أن نصبه بالفعل المذكور وهو مذهب المازني، ونقل عن الجمهور أن ناصبه فعل من لفظه مقدر.
الثاني: "ملاق"٤ في الاشتقاق نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ٥.
ذكره الشارح٦, فعلى هذا ناصبه "الفعل"٧ المذكور وهو مذهب المازني أيضا، ومذهب الجمهور أن ناصبه مقدر كما سبق.
وزعم ابن خروف أنه مذهب سيبويه، وفصل بعضهم بين المرادف نحو:
стр. 611
"قعدت جلوسًا" فنصبه بالظاهر، وبين "الملاقي"١ نحو: "أنبتكم من الأرض نباتًا" فنصبه بالمقدر وهو قول حسن٢.
والثالث: اسم مصدر غير علم نحو: "اغتسلت غُسلا".
وأما المبين, فينوب عنه أحد ثلاثة عشر شيئا:
الأول: نوع، نحو: ""رجع"٣ القهقرى".
والثاني: وصف، نحو: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ ٤.
ومذهب سيبويه في هذا ونحوه أنه حال٥.
والثالث: "هيئة"٦ نحو: "يموت الكافر ميتةَ سوء".
والرابع: آلة، نحو: "ضربته سوطا", وهو مطرد في "آلة"٧ الفعل دون غيرها, فلا يجوز: "ضربته خشبة".
والخامس: كل، نحو: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ٨.
والسادس: بعض، نحو: "ضربته بعض الضرب".
والسابع: ضمير، نحو: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ٩.
والثامن: اسم الإشارة، نحو: "ضربته ذلك الضرب".
قال في شرح التسهيل: ولا بد من جعل المصدر تابعا "له"١٠, وظاهر كلام سيبويه أن ذلك لا يشترط.
стр. 612
والتاسع: وقت، كقوله:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا١ ... ........................
أي: اغتماض ليلة أرمد, وهو عكس: "فعلته طلوعَ الشمس"، إلا أنه قليل.
والعاشر: "ما" الاستفهامية، نحو: "ما تضربُ زيدا".
والحادي عشر: "ما" الشرطية، نحو "ما شئتَ فقم".
ذكر هذه الأحد عشر في التسهيل٢.
والثاني عشر: المرادف، نحو: "افرحِ الجذل" والخلاف في ناصبه كما تقدم.
والثالث عشر: العدد، نحو: "ضربته ثلاثين ضربة".
стр. 613
وزاد بعض المتأخرين اسم المصدر العلم, نحو: "بَرّ بَرَّه وفَجَر فجَارِ"١, وفي شرح التسهيل: أن اسم المصدر "العلم"٢ لا يستعمل مؤكدا ولا مبنيا٣.
ثم قال:
وما لتوكيد فَوَحِّدْ أبدا ... ...................
لأنه بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع.
ثم قال:
................... ... وثَنِّ واجمعْ غيره وأَفْرِدا
هو المختص معدودا كان, أو غير معدود.
أما المعدود, فلا خلاف في جواز تثنيته "وجمعه"٤ قياسا٥.
وأما غيره من المختص, ففي تثنيته وجمعه خلاف؛ منهم من قاسه لاختلاف أنواعه، ومنهم من لم يقسه وهو مذهب سيبويه٦.
ثم قال:
وحذف عامل المؤكد امتنع ... ........................
قال في شرح الكافية: لأن المصدر "المؤكد"٧ يقصد بتقوية عامله وتقرير معناه، وحذفه منافٍ لذلك وقد نُوزع في هذا٨.
стр. 614
ثم قال:
................. ... وفي سواهُ لدليل متسع
لا خلاف في جواز حذف عامل المصدر المختص, معدودا كان أو غير معدود, إذا دل عليه دليل، نحو: "بلى ضربتين, أو ضربا شديدا" في جواب: "ما ضربت"؟
وقد يجب الحذف, وذلك إذا كان المصدر بدلا من اللفظ بفعله، وقد نبه على ذلك بقوله:
والحذف حتم مع آتٍ بَدَلا ... من فِعْله كنَدْلا اللَّذْ كانْدُلا
أي: وحذف العامل واجب مع المصدر "آت" بدلا من فعله, كقول الشاعر:
على حين ألهى الناس جُلُّ أمورهم ... فندلًا زريق المال ندل الثعالب١
فندلًا نائب عن أندل.
стр. 615
وإنما وجب حذف عامله١؛ لئلا يجمع بين البدل والمبدل منه، يقال: ندل الشيء، إذا اختطفه بسرعة. ثم قال:
وما لتفصيل كإما مَنَّا ... عامله يحذف حيث عَنَّا
إذا قصد بالمصدر تفصيل عاقبة ما قبله, وجب حذف عامله كقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٢ أي: فإما تمنون منا, وإما تفادون فداء.
ثم قال:
كذا مكرَّر وذو حصر ورد ... نائب فعل لاسم عين استُند
إذا ناب المصدر عن خبر اسم عين بتكرير نحو: "زيد سيرًا سيرًا"٣, أو حصر نحو: "إنما أنت سيرًا" وجب حذف عامله, وجعل التكرير عوضا من إظهاره وأقيم الحصر مقام التكرير. فلو لم يكن مكررا ولا محصورا جاز الإضمار والإظهار، نحو: "زيد سيرًا وزيد يسير سيرًا" احترز باسم العين، من اسم المعنى نحو: "أمرُك سير سير", فإن المصدر يرفع ويجعل خبره.
ثم قال:
ومنه ما يدعونه مؤكِّدا ... لنفسه أو غيره.........
أي: ومن الواجب حذف عامله، قسم يسميه النحويون مؤكدا, وهو نوعان:
مؤكد لنفسه، وهو الواقع بعد جملة هي نص في معناه، وسمي بذلك لأنه بمنزلة "إعادة"٤ الجملة، فكأنه نفسها.
ومؤكد لغيره: وهو الواقع بعد جملة صائرة به نصا، وسمي بذلك لأنه أثر في الجملة فكأنه غيره؛ لأن المؤثِّر غير "المؤثَّر"٥.
стр. 616
"فمثل"١ "المبتدأ" به, وهو المؤكد لنفسه بقوله:
نحو له عليَّ ألفٌ عُرْفًا ... .................
أي: اعترافًا.
ومثل "والثان" بقوله:
.................. ... كابني أنت حقا صِرْفا
ثم قال:
كذاك ذو التشبيه بعد جمله ... كلي بكًا بكاءَ ذات عُضْلَه
من الملتزم إضمار ناصبه المصدر المشبه به, بخمسة شروط:
الأول: أن يكون بعد جملة.
والثاني: أن تكون حاوية معناه.
الثالث: أن تكون "حاوية فاعله"٢.
الرابع: أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل.
الخامس: أن يكون المصدر مشعرا بالحدوث.
مثال ذلك قولهم: "له صوتٌ صوتَ حمار" فهذا قد استوفى الشروط؛ لأن له صوت جملة، وقد اشتملت على معنى المصدر، وهو "صوت" وعلى فاعله, وهو "الهاء" في "له", ولا صلاحية في المصدر الذي اشتملت عليه للعمل؛ لأن "شرط"٣ إعمال "المصدر"٤ غير الواقع بدلا من أن يقدر بالفعل وحرف مصدري.
وقوله: "صوت حمار" مشعر بالحدوث، فالناصب فعل واجب الإضمار، ومثله بقوله: "لي بكا بكاء ذت عضله".
فلو "كان"٥ بعد مفرد, لم يجُز النصب نحو: "صوته صوت حمار" ولو لم
стр. 617
"يشتمل"١ على معنى المصدر لم يصحّ، ولو لم يشتمل على فاعله ضعف النصب نحو: "في الدار صوتٌ "صوتُ"٢ حمار" و"صراخ "صراخ"٣ "ثكلى"٤, ولم يمتنع لأنك إذا قلت: "فيهما"٥ صوت علم أن فيها مصوتا "صوت حمار"٦.
ولو كان ما اشتملت عليه صالحا للعمل نحو: "هو مصوت صوتَ حمار", فإنه ينتصب بمصوت لا بمحذوف، ولو لم يكن المصدر مشعرا بالحدوث لم ينصب نحو: "له ذكاءٌ ذكاءُ الحكماء".
لأن صوتا ونحوه، إنما انتُصب لكون ما قبله بمنزلة يفعل, مسندا إلى فاعل. فقولك: "له صوت" بمنزلة "يصوت"، وليس قولك: "له ذكاء" بمنزلة "هو يفعل", وإنما "أخبرت"٧ بأنه ذو ذكاء, "فتنزل"٨ ذلك منزلة قولك: "له يدٌ يدُ أسد" والله أعلم.
стр. 618
المفعول له:
يُنصب مفعولا له المصدر إن ... أبان تعليلا "كجُدْ شُكرًا وَدِن
"المفعول"١ له: هو علة الفعل، ولجواز نصبه شروط:
الأول: أن يكون مصدرا.
والثاني: أن يتحد وقته ووقت عامله، وهو المعلل به.
والثالث: أن يتحد فاعلهما, ولو تقديرا.
فمثال ما استوفى الشروط: "ضربته تأديبًا" و"جُدْ شكرًا".
ومثال اتحاد فاعلهما تقديرا: قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٢؛ لأن معنى يريكم: يجعلكم ترون.
وفي بعض هذه الشروط خلاف. ثم قال:
وإن شرطٌ فُقد ... فاجررْه باللام
أي: إذا فقد شرط من الشروط الثلاثة, وجب جر ما علل به الحرف الدال على التعليل، وهو اللام أو ما يقوم مقامها وهو "من و"في"٣ والباء", فتقول: "جئت للمال"؛ لأنه ليس بمصدر، و"جئت أمس لإكرامك غدًا" لاختلاف الزمان, و"أحسنت إليك لإحسانك إليَّ"؛ لاختلاف الفاعل.
وقوله:
وليس يَمتنع ... مع الشروط
يعني: أنه لا يمتنع جره بالحرف مع استيفائه للشروط نحو: "قنع هذا للزهد", "فإن هذه الشروط"٤ ليس اجتماعها موجبا للنصب, بل مسوغ له.
ثم هو بعد ذلك على ثلاث مراتب: راجح النصب، وراجح الجر، ومستوٍ فيه الأمران.
стр. 619
فأشار إلى الأول بقوله:
وقلّ أن يصحبها المجرد
يعني: أن المجرد من أل والإضافة يترجح نصبه، وقل أن يصحب الحرف, فقوله: "ضربته تأديبًا" أرجح من قولك: ""ضربته"١ "لتأديب"٢" ومنع الجزولي٣ جر المجرد. قيل: ولم يقل به غيره.
وأشار إلى الثاني بقوله:
والعكس في مصحوب أل
يعني: أن الأرجح في مصحوب "أل" جره بالحرف, فقولك: "ضربته للتأديب" أرجح من قولك: ""ضربته"٤ التأديب".
ثم ذكر شاهد نصب مصحوب "أل" من كلام العرب, فقال:
لا أقعدُ الجبنَ عن الهَيْجَاء ... ولو توالت زُمَر الأعداء٥
وسكت عن المضاف فلم يعزُه إلى راجح النصب, ولا إلى راجح الجر.
فعلم أنه يستوي فيه الأمران نحو: "جئتُكَ ابتغاءَ الخيرِ، ولابتغاءِ الخيرِ".
стр. 620
تنبيه:
إذا دخلت "أل" على المفعول له، أو أُضيف إلى معرفة تَعَرَّفَ "بأل" "أ"١, وبالإضافة خلافا للرياشي٢ والجرمي والمبرد في قولهم: إنه لا يكون إلا نكرة وإن "أل" فيه زائدة، وإضافته غير محضة٣.
فإن قلت: هل يجوز تقديم المفعول له على عامله؟
قلت: هو جائز سواء كان منصوبا, أو مجرورا٤.
وهو مستفاد من قوله: كلزهد ذا قنع, فمثل به "مقدما"٥، والله أعلم.
стр. 621
المفعول فيه, وهو المسمى ظرفًا:
قال:
الظرف: وقت أو مكان ضُمِّنا ... في باطِّراد: كهُنا امكثْ أزمُنا
"وقت أو مكان" جنس "ضمن" مخرج لوقت أو مكان لم يضمن معناه نحو: "يومنا يوم مبارك", و"نحن في مكان حسن".
"ثم قال"١: "باطراد"؛ احترازا مما نصب بدخل من المكان المختص نحو: "دخلت الدار" فهو منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا، لا نصب الظرف، إذ لو كان ظرفا لم يختص بدخل؛ لأن "الظرف"٢ لا يختص بعامل دون عامل.
بل الظرف غير المشتق من اسم الحدث, يتعدى إليه كل فعل.
قال الشارح: وإذا كان كذلك, فلا حاجة إلى الاحتراز "عنه"٣ بقيد الاطراد؛ لأنه يخرج بقولنا: "مضمن معنى في" ا. هـ٤.
قلت: وفي نصب المختص من المكان بعد دَخَلَ ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا كما سبق، وهو مذهب الفارسي والمصنف، ونسبه إلى سيبويه.
والثاني: أنه منصوب على الظرفية تشبيها له بالمبهم, ونسبه الشلوبين إلى "سيبويه٥ ونسب"٦ إلى الجمهور.
стр. 622
والثالث: أنه مفعول به ودخل, تارة يتعدى بنفسه وتارة بحرف الجر، وهو مذهب الأخفش"١" ٢.
وقوله: "كهنا" مثال لظرف المكان, "وأزمنا" مثال لظرف الزمان.
ثم قال:
فانصبه بالواقع فيه مُظْهَرا ... كان وإلا فانْوِهِ مقدَّرا
يعني: أن حكم الظرف النصب، وأن الناصب له هو الواقع فيه من فعل أو ما "في"٣ معناه, وأن الناصب له يكون ظاهرا نحو: "جلست أمام المسجد" و"سرت يومَ الخميس", وقد يكون مقدرا إما جوازا نحو: "يوم الجمعة" لمن قال: "متى قدمتَ؟ ".
وإما وجوبا كالواقع خبرا أو صفة أو حالا أو صلة٤.
ثم قال:
وكلّ وقت قابل ذاك ... ... .....................
يعني: أن جميع أسماء الزمان قابلة للظرفية؛ مبهمها ومختصها.
وأما المعدود فهو من المختص, خلافا لمن جعله قسما ثالثا.
فالمبهم: ما دل على قدر من الزمان غير معين كحين، والمختص بالمحدود: ما له مقدار من الزمان معلوم نحو: "يومين".
والمختص غير المعدود: كأعلام الأيام, وما اختص "بأل"٥ أو بالصفة أو بالإضافة، ثم قال:
стр. 623
........ وما ... يقبله المكان إلا مبهما
يعني: أن أسماء المكان لا تقبل الظرفية إلا إذا كانت مبهمة، فإن كانت مختصة لم تقبل الظرفية نحو: "الدار" و"المسجد".
ثم قال:
نحوُ الجهات والمقادير، وما ... صِيغَ من الفعل كمرمَى مِن رَمَى
فمثّل المبهم بثلاثة أنواع:
الجهات: نحو: خلف "وقُدَّام"١ وأمام.
والمقادير: نحو: "ميل" و"فرسخ"٢.
وما صيغ من اسم الحدث نحو: "مرمى ومذهب".
فظاهره أن هذه الثلاثة أنواع للمبهم, أما الجهات فلا إشكال في أنها مبهمة.
وأما المقادير فظاهر كلام الفارسي أنها داخلة تحت المبهم، وصححه بعض النحويين.
وقال الشلوبين: ليست داخلة تحته، وصحح بعضهم "أنها شبيهة"٣ بالمبهم, لا مبهم.
وأما ما صيغ من "اسم"٤ الحدث، فالظاهر أنه من المختص, لا من المبهم كما نص عليه غيره، وهو ظاهر كلامه في شرح الكافية.
قال فيه: وأما المكان فلا يكون من أسمائه "ظرفا"٥ صناعيا إلا ما كان مبهما أو مشتقا من اسم الحدث٦ ا. هـ. فجعله قسيمه.
قلت: وقد قسم المصنف المصدر إلى مبهم ومختص، وصرح بأن المعدود من المختص, وقياسه أن يجعل المعدود في الظرف من المختص أيضا.
стр. 624
فإن قلت: ما يعنى بالفعل في قوله: "وما صيغ من الفعل"؟
قلت: ظاهر كلامه أنه الفعل الصناعي؛ لقوله: "كمرمى من رمى" وليس ذلك بجيد؛ لأنه لم يصغ من الفعل وإنما صيغ من المصدر, "وإن"١ حمل على الفعل اللغوي وهو المصدر "فهو صحيح"٢, "لولا"٣ "أن"٤ قوله: "من رمى" يبعده.
ثم قال:
وشرط كون ذا مَقِيسا أن يقع ... ظرفا لما في أصله معه اجتمع
الإشارة إلى ما اشتق من اسم الحدث, يعني: أن هذا النوع لا يكون ظرفا مقيسا إلا إذا كان العامل فيه موافقا له في الاشتقاق نحو: "رميت مرمى زيد"، "وقعدت مقعده", "فلذا"٥ عد من الشواذ قولهم: "هو مني مقعد القابلة"٦ ونحوه٧.
وتقدير قوله: "لما في أصله معه اجتمع" مع الظرف في أصله, وهو اسم الحدث.
فإن قلت: يخرج من كلامه نحو: "سرني "جلوسي"٨ مجلسك"؛ لأن العامل فيه أصله لا شيء اجتمع معه في أصله.
قلت: هذا, وإن لم تشمله عبارته فقد "تقرر"٩ أن المصدر يعمل عمل فعله.
стр. 625
ثم قال:
وما يرى ظرفا وغير ظرف ... فذاك ذو تصرف في العرف
كلٌّ من ظرف الزمان وظرف المكان "قسمان"١: متصرف وغير متصرف:
فالمتصرف: ما لا يلزم, بل يستعمل ظرفا تارة وغير ظرف أخرى نحو: "يوم وليلة" من الزمان، و"يمين وشمال" من المكان.
وغير المتصرف: ما لا يخرج عن الظرفية أصلا "كقَطّ" و"عَوْض"٢, أو لا يخرج عنها إلا "إلى"٣ "شبهها"٤.
والمراد بشبه الظرفية الجر "بمن".
وإنما يثبت تصرف الظرف بالإخبار عنه والجر بغير "من" "في الاختيار"٥؛ لأن "من" كثرت زيادتها فلم يعتد بها.
فلذلك حكم على "قبلُ وبعدُ وعندَ ولدُن" بعدم التصرف مع "أنها تجر"٦ بمن. وإلى هذا أشار بقوله:
وغير ذي التصرف....
البيت
ثم قال:
وقد ينوب عن مكان مصدر ... وذاك في ظرف الزمان يكثر
نيابة المصدر عن الظرف من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وشرط "ذلك"٧ إفهام تعيين "وقت"٨ أو مقدار، وذلك قليل في المكان كقولهم: "جلست قرب زيد، وقصده" أي: مكان قربه, ومكان قصده.
стр. 626
وكثير في الزمان نحو: "كان"١ ذلك "خفوق"٢ النجم، و"طلوع الثريا" أي: وقت خفوق النجم، ووقت طلوع الثريا.
وكثرته تقتضي القياس عليه.
стр. 627
المفعول معه:
قال:
يُنصَب تالي الواو مفعولا معه ... في نحو سيري والطريق مسرعه
المفعول معه: هو الاسم المنصوب بعد "واو بمعنى"١ مع، نحو: "سيري والطريقَ" أي: مع الطريق.
وهذا الباب مقيس على الأصح٢، وقد فهم ذلك من قوله: "نحو".
ثم قال:
بما من الفعل وشَبَهه سبق ... ذا النصب لا بالواو في القول الأحقّ
ناصب المفعول معه: إما فعل نحو: "استوى الماءُ والخشبةَ", وإما اسم يشبهه نحو: "زيد سائرٌ والطريقَ".
ومذهب سيبويه٣ أنه لا يعمل فيه العامل المعنوي كاسم الإشارة وحرف التشبيه٤ والظرف المخبر به.
وأجاز أبو علي في قول الشاعر:
............................. ... هذا ردائي مطويا وسربالا٥
стр. 628
أن يكون العامل فيه هذا.
وذهب الجرجاني إلى أن ناصبه الواو نفسها؛ لاختصاصها بالاسم، ورُد بأنها لو كانت ناصبة، لاتصل الضمير بها١.
ولم يشترط "تقديم"٢ فعل أو شبهه، وإليه أشار بقوله: "بالواو", وفهم من قوله: "سَبَق" أن المفعول معه لا يتقدم على عامله, "وهذا"٣ متفق عليه.
وأما تقديمه على مصاحبه نحو: "استوى والخشبةَ الماءُ" فمذهب الجمهور، والصحيح منعه، وأجازه ابن جني٤.
стр. 629
ثم قال:
وبعد "ما" استفهام أو "كيف" نصب ... بفعل كون مضمر بعض العرب
من كلامهم: "كيف أنت, وقصعة من ثريد" و"ما أنت وزيدٌ" برفع ما بعد الواو على أنها العاطفة، وبعضهم ينصب على أنها التي للمعية وما قبلها مرفوع بفعل مضمر هو الناصب لما بعدها، تقديره: كيف يكون؟ وما يكون؟ والصحيح أن "كان" المقدرة ناقصة، وكيف خبر مقدم، وكذلك "ما". واعلم أن الصالح؛ لكونه مفعولا معه على ثلاثة أقسام:
قسم: يجوز فيه العطف والنصب على المعية، والعطف أرجح.
وقسم: يجوز فيه الأمران, والنصب على المعية أرجح.
وقسم: يمنع فيه العطف.
فالأول: "هو"١ ما أمكن فيه العطف بلا ضعف من جهة اللفظ، ولا من جهة المعنى نحو: "قمت أنا وزيد" وإن شئت نصبت.
والثاني: ما لا يمكن فيه العطف إلا بضعف من جهة اللفظ نحو: "قمت وزيد"؛ لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل بغير توكيد أو فصل ضعيف، أو من جهة المعنى كقولهم: "لو تركتَ الناقةَ وفصيلَها لرضعَها", فإن العطف فيه ممكن على تقدير: لو تركت الناقة ترأَمُ فصيلها وترك فصيلها لرضاعها لرضعه٢.
هذا تكلف وتكثير عبارة٣، فهو "ضعيف"٤, والوجه النصب على معنى: لو تركت الناقة مع فصيلها.
стр. 630
والثالث: "هو"١ ما لا يمكن فيه العطف لمانع لفظي نحو: "ما لك وزيدًا؟ " فإن العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار ممتنع عند الجمهور, أو معنوي نحو: "سرت والجبل" مما لا يصلح للمشاركة.
فهذا ونحوه يجب فيه النصب على المعية، ويمتنع "فيه"٢ العطف.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق ... ..............................
وإلى الثاني بقوله:
.............. ... والنصب مختار لدى ضعف النَّسَق
وإلى الثالث بقوله:
والنصب إن لم يجُز العطف يجب ... ...............................
وأما قوله:
................... ... أو اعتقد إضمار عامل تُصِب
فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون "تخييرا"٣ فيما امتنع عطفه بين نصبه على المعية وبين إضمار عامل، حيث يصح إضماره, كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ٤.
فإنه لا يصح جعله معطوفا؛ لأن أجمع بمعنى عزم, "فلا"٥ ينصب "إلا"٦ الأمر والكيد ونحوهما.
ولك أن تجعل "شركاءكم" مفعولا معه، و"لك"٧ أن تجعله مفعولا به بفعل مقدر.
تقديره: وأجمعوا من جمع؛ لأن جمع بمعنى ضم المتفرق، فينصب الشركاء ونحوه.
وقد حكي أن أجمع بمعنى جمع, فعلى هذا يصح العطف.
стр. 631
والثاني: أن يكون تنويعا.
والمعنى: أن ما امتنع فيه العطف نوعان: نوع يجب فيه النصب على المعية، ونوع يضمر له عامل؛ لأن المعية فيه أيضا ممتنعة كقوله:
علفتُهَا تبنا وماء باردا١ ... ...................
فماء منصوب بفعل مضمر تقديره: "سقيتها ماء", ولا يجوز عطفه لعدم المشاركة ولا نصبه على المعية لعدم المصاحبة.
ويجوز أن يجعل "قوله"٢: "أو اعتقد إضمار عامل" شاملا للناصب كما مثلنا به.
стр. 632
وللجار كقولك: "ما لك وزيد؟ " فيجوز جره لا بالعطف بل بإضمار الجار، كما نص عليه في شرح الكافية١, وكلامه فيه يؤيد هذا الاحتمال "والله أعلم"٢.
стр. 633
الاستثناء:
الاستثناء: إخراج بإلا أو إحدى أخواتها, تحقيقا أو تقديرا.
"فالإخراج" جنس و"بإلا أو إحدى أخواتها" مخرج للتخصيص ونحوه, والمراد بالمخرج "تحقيقا" المتصل، وبالمخرج "تقديرا" المنقطع، نحو: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ١, فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو "في"٢ تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكره لقيامه مقامه في كثير من المواضع.
قال ابن السراج: إذا كان الاستثناء منقطعا, فلا بد أن يكون الكلام الذي قبل "إلا" قد دل على ما يستثنى "بها"٣ فتأمل، فإنه يدق. ا. هـ.
وقوله: "ما استثنت "إلا" مع تمام ينتصب".
يجوز أن تكون "ما" موصولة وينتصب خبرها فهو مرفوع، وأن تكون شرطية وينتصب جوابها فهو مجزوم.
والمراد بالتمام أن يكون المخرج منه مذكورا، ويقابله التفريغ.
يعني: أن المستثنى "بإلا" في غير التفريغ ينتصب متصلا كان, أو منقطعا بعد موجب أو غيره. إلا أن نصبه على ثلاثة أقسام: واجب وجائز، وراجح "وجائز مرجوح"٤.
فالواجب النصب هو المستثنى بعد إيجاب متصلا أو منقطعا, مؤخرا "كان"٥ أو مقدما نحو: "قام القوم إلا زيدا" و"خرج القوم إلا بعيرا" و"قام إلا زيدا القوم".
والمرجوح النصب هو المتصل بعد نفي أو شبه نفي، والمراد به النهي والاستفهام المؤول بالنفي.
стр. 634
فمثال النفي: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ١, ومثال النهي: "لا يقوم إلا زيد", ومثال الاستفهام: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢.
وأكثر ما يكون ذلك في "هل" و"من".
فجميع ذلك يترجح فيه اتباعه للمستثنى منه في رفعه ونصبه وجره بدلا عند البصريين٣, وعطفا عند الكوفيين٤, وإلى هذا أشار بقوله:
وبعد نفي أو كنفي انتُخب ... إِتْباع ما اتصل........
والراجح النصب: هو المنقطع بعد نفي أو كنفي إن صح إغناؤه عن المستثنى منه. فإن بني تميم يجيزون فيه النصب "والإتباع"٥ ويقرءون: "إلا اتباعُ الظن", وذكر بعض النحويين أن نصبه "عندهم أرجح"٦.
وأما الحجازيون فالنصب عندهم واجب٧, فإن لم يصح إغناؤه عن المستثنى منه تعين نصبه عند الجميع، وهو كل استثناء منقطع لا يجوز فيه تفريغ ما قبل "إلا" للاسم الواقع بعدها نحو: "ما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر".
وجعل المصنف منه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ٨, وإلى هذا القسم الثالث أشار بقوله:
стр. 635
.. وانصب ما انقطع ... وعن تميم فيه إبدال وقع
ولكنه أطلق فلم يفصل بين ما يصح إغناؤه، وما لا يصح. ثم قال:
وغير نصب سابق في النفي قد ... يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
يعني: أن المستثنى "المتقدم"١ على المستثنى منه بعد نفي, فيه وجهان:
أحدهما وهو المختار: نصبه على الاستثناء.
والثاني: أن يفرغ العامل له, ويجعل المستثنى منه بدلا.
قال سيبويه٢: حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون: ما لي إلا أبوك ناصر، فيجعلون ناصرا بدلا. ا. هـ.
وهذا قليل؛ ولذلك قال: "قد يأتي".
واحترز بقوله: "في النفي"٣ من أن يكون المقدم في الإيجاب، فإنه واجب النصب كما سبق.
ولما فرغ من بيان التام, شرع في المفرد فقال:
وإن يُفَرَّغ سابق "إلا" لِمَا ... بعدُ يكن كما لو "الا" عُدِما
أي: وإن يفرغ ما سبق "إلا" لما بعدها, فحكمه حكم ما لم توجد إلا معه نحو: "ما قام إلا زيد", فقام مفرغ لما بعد "إلا", أعني زيدا فهو فاعل به كما لو عدمت "إلا", وقيل: "ما قام زيد".
وقوله: "سابق" أولى من قوله في التسهيل العامل٤؛ لأن السابق قد يكون عاملا كما مثّلنا به، وقد يكون غير عامل نحو: "ما في الدار إلا زيد".
فإن قلت: على ماذا يعود الضمير في يكن؟