وقال في الكافية:
وقد ترد الباء ما كربما١ ا. هـ. ونُوزِع في ذلك٢.
وقوله:
وزِيدَ بعد رُبَّ والكاف فكف ... وقد تليهما وجر لم يكف
يعني: أن "ما" تزاد بعد رب والكاف, كافة وغير كافة.
مثالها كافة: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ ٣، وقول الشاعر:
لعمرك إنني وأبا حميد ... كما النشوانُ والرجل الحليم٤
стр. 737
وأجاز ابن يسعون١ كون "ما" في ﴿رُبَّمَا يَوَدُّ﴾ نكرة موصوفة.
أي: "ربة"٢ -ود يود- وأجاز غيره في البيت كون "ما" مصدرية على مذهب من أجاز وصلها "بالجملة الاسمية"٣.
ومثالها غير كافة:
ربما ضربةٍ بسيف صقيل٤
стр. 738
وقول الآخر:
............. ... كما الناسِ مجروم عليه وجارم١
بجر ضربة والناس.
فإن قلت: ما الأغلب على "ما" بعد "رب والكاف"؟ قلت: يفهم من قوله: "وقد" أن الكف هو "الأغلب"٢ وصرح به في الكافية٣.
وقوله:
وحُذفت رب فجرت بعد بل ...
والفا وبعد الواو شاع ذا العمل
"مثال ذلك"٤ بعد "بل" قول رؤبة:
بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه٥ ... ........................
стр. 739
وبعد الفاء قوله:
فحورٍ قد لهوت بهن عين١ ... .....................
وبعد الواو قوله٢:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي٣
стр. 740
وقد تجر محذوفة دونهن كقوله:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جَلَله١
стр. 741
وفي التسهيل: يجر برب محذوفة بعد الفاء كثيرا، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلا, ومع التجرد أقل. هـ١.
ونوزع في كونه كثيرا بعد الفاء, إلا إن أراد بالنسبة إلى بل، وليس الجر بالفاء "وبل"٢.
قال في التسهيل: باتفاق هـ٣، وحكى ابن عصفور الاتفاق، وفي الارتشاف: وزعم بعض النحويين أن الخفض هو بالفاء "وبل"٤؛ لنيابتهما مناب رب هـ٥.
وأما الواو فذهب المبرد والكوفيون إلى أن الجر بها، والصحيح أنه برب المضمرة وهو مذهب البصريين.
وقوله:
وقد يُجر بسوى رُبَّ لدى ... حذف وبعضه يرى مطردا
الجر بسوى "رب" محذوفا, ضربان: مطرد وغير مطرد.
فالمطرد في مواضع:
الأول: لفظ الجلالة في القسم دون عوض٦.
الثاني: المعطوف على خبر ليس وما الصالح لدخول الباء نحو: "قوله"٧:
стр. 742
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقٍ شيئا إذا كان جائيا١
الثالث: "بعد"٢ ألا نحو:
ألا رجلٍ جزاه الله خيرا٣ ... ......................
يريد: ألا من رجل.
стр. 743
الرابع: بعد "كم" الاستفهامية إذا جرت بالحرف نحو: "بكم دراهم "اشتريت ثوبك"؟ ١" خلافا للزجاج في قوله: إن الجر بإضافتها٢.
الخامس: في جواب ما تضمن "مثل"٣ المحذوف نحو: زيد، في جواب: بمن مررت؟
السادس: في المعطوف على ما تضمنه بحرف متصل، نحو:
................... ... وللطير مجرى والجَنوب مصارع٤
стр. 744
السابع: في المعطوف على ما تضمنه بحرف منفصل بلا، نحو:
ما لمحب جلد أن يهجرا ... ولا حبيبٍ رأفة فيجبُرا١
الثامن: في المعطوف على ما تضمنه بحرف منفصل بلو. ذكر أبو الحسن في المسائل٢ أنه يقال: جيء بزيد أو عمرو ولو "أحدهما"٣؛ لأن المعتاد أن يكون ما بعد لو أدنى٤.
التاسع: في المقرون بالهمزة بعد ما تضمنه٥ نحو: "مررت بزيد", فتقول "أزيد بن عمرو؟ " حكاه الأخفش في المسائل.
العاشر: في المقرون بعد ما تضمنه "كأن"٦ يقال: "جئت بدرهم" فتقول: "فهلا دينارٍ". قال الأخفش: وهذا أكثر.
стр. 745
الحادي عشر: في المقرون بإن بعد ما تضمنه، نحو: "امرر بأيهم هو أفضل إن زيدٍ وإن عمرٍو".
وأجازه يونس, وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إِنْ؛ لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار رب بعد الواو, فعلم بذلك اطراده١.
الثاني عشر: في المقرون بفاء الجزاء بعد ما تضمنه, حكى يونس: "مررت برجل صالح إن لا صالحٍ فطالحٍ" على تقدير: إن لا أمرر بصالح فقد مررت بطالح٢.
"فجميع"٣ هذه المواضع مطرد يقاس "عليه"٤ عند المصنف.
والذي "قرره"٥ المغاربة، أنه لا يجوز حذف حرف الجر وإبقاء عمله إلا في "باب"٦ القسم، وفي باب كم على خلاف.
وأما غير المطرد "فسمع"٧ منه أبيات. منها قول الشاعر:
إذا قيل أي الناس شر قبيلة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع٨
قال في التسهيل٩: ولا خلاف في شذوذ بقاء الجر في نحو:
أشارت كليبٍ بالأكف الأصابع
стр. 746
الإضافة:
نونا تلي الإعراب أو تنوينا ... مماتضيف احذف كطور سينا
شمل قوله: "نونا تلي الإعراب" المثنى والمجموع على حده، وما ألحق بهما نحو: "رأيت غلاميك" و"خادميك" و"اقبض" "اثنيك"١ و"عشريك", واحترز من نون "لا"٢ تلي الإعراب نحو: "مساكين"٣ وسنين في لغة من أعربه بالحركات، فإنها لا تحذف للإضافة.
وشمل قوله: "أو تنوينا" الظاهر كقولك في طور: "طور سيناء"٤, والمقدر كقولك في دراهم: "هذه دراهمك". قاله في شرح الكافية.
تنبيه:
فهم من "كلامه"٥ اقتصاره على التنوين والنون، وأن غيرهما لا يحذف وقد تحذف تاء التأنيث. قال في الكافية٦:
وحذف تا التأنيث منه قد يرد٧ ... في كلمات سمعت فلا تزد.... هـ٨، ٩
ومنه قراءة بعضهم: "لأَعَدُّوا لَهُ عِدَهُ"١٠ أي: عدته.
стр. 747
وظاهر كلام الفراء أنه قياس, وجعل منه "قوله تعالى"١: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ ٢ ثم قال: "والثاني اجرر".
في الجار له أقوال: أحدها: أنه المضاف، والثاني: أنه "الحرف"٣ المنوي، والثالث: أنه معنى الإضافة.
والأول مذهب سيبويه وهو الصحيح؛ لاتصال الضمائر به، ولا تتصل إلا بعاملها.
ثم قال:
... وانو "من" أو "في" إذا ... لم يصلح إلا ذاك واللام خذا
لما سوى ذينك............ ... ........................
يعني: أن الإضافة على ثلاثة أقسام:
الأول: مقدر بمن. وضابطه أن يكون المضاف بعض المضاف إليه مع صحة إطلاق اسمه عليه, نحو: "خاتم فضة".
قال في شرح التسهيل: ومن هذا النوع إضافة الأعداد إلى المعدودات، والمقادير إلى المقدرات. ا. هـ.
وفي إضافة الأعداد إلى "المعدودات"٤ خلاف مذهب ابن السراج أنها مقدرة بمن، ومذهب الفارسي أنها "مقدرة"٥ باللام.
فإن أضفت عددا إلى عدد نحو: ثلاثمائة، اتفقا على أنها بمعنى من, "فإن"٦ لم يصح إطلاق اسمه عليه نحو: "يد زيد" فهي بمعنى اللام على الصحيح, وذهب ابن كيسان إلى أنها بمعنى "من".
стр. 748
الثاني: مقدر بفي. وضابطه أن يكون المضاف إليه وقع فيه المضاف نحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ١.
قال المصنف: "وأغفل كثير من النحويين"٢ الإضافة بمعنى "في" وهي ثابتة في الكلم الفصيح بالنقل الصحيح. ا. هـ.
وعن عبد القاهر أن ثَم إضافة "تتقدر"٣ بفي, وذلك قولنا: "فلان نَبْتُ الغَدَر" والغدر: المكان الصلب.
ومذهب الجمهور أن الإضافة لا تتقدر بغير "من, واللام" ونحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ مقدر باللام عندهم على التوسع.
الثالث: مقدر باللام، وهو ما سوى النوعين المتقدمين، وتقدير اللام هو الأصل؛ ولذلك يحكم به مع صحة تقديرها وتقدير غيرها, نحو: "يد زيد"؛ ولذلك خصت بالإقحام في نحو:
يا بؤس للحرب٤...... ... ......................
стр. 749
وذهب ابن الصائغ١ إلى أن الإضافة بمعنى اللام على كل حال.
وفي الارتشاف: والذي أذهب إليه "أي: الإضافة تفيد"٢ الاختصاص, وأنها ليست على تقدير حرف مما "ذكروه"٣, ولا على نيته هـ٤.
وقوله:
......... واخصص أولا ... أو أعطه التعريف بالذي تلا
يعني: أن المضاف يتخصص بالثاني إن كان نكرة نحو: "غلام رجل", ويتعرف به إن كان معرفة نحو: "غلام زيد" هذا "إذا"٥ كانت الإضافة معنوية.
فإن كانت لفظية, فقد نبه عليها بقوله:
وإن يشابه المضاف "يفعل ... وصفا فعن تنكيره لا يعزل
"يفعل" هو الفعل المضارع. يعني: أن المضاف إذا كان وصفا "شابه"٦ الفعل المضارع في كونه بمعنى الحال والاستقبال, لم يتعرف بالمضاف إليه؛ لأن إضافته غير محضة، لا تفيد إلا تخفيف اللفظ.
فإن قلت: هل تقدر اللام في الإضافة اللفظية؟
قلت: لا, إذ هي ليست على معنى حرف مما سبق, خلافا لبعض المتأخرين
стр. 750
في زعمه أن إضافة اسم الفاعل "وأمثلة المبالغة"١ واسم المفعول المضاف إلى "منصوب"٢ على معنى اللام.
واستدل بأن وصولها إلى المفعول باللام "شائع"٣ في فصيح الكلام، ورد بأنه لا يطرد في الصفة المشبهة.
ثم مثل قال:
كرُبَّ راجينا عظيم الأمل ... مروع القلب قليل الحِيَل
فرب "راجينا"٤ مثال لاسم الفاعل، وعظيم الأمل وقليل الحيل مثالان للصفة المشبهة، ومروع القلب مثال لاسم المفعول.
ثم قال:
وذي الإضافة اسمها لفظية ... ...........................
سميت بذلك؛ لأن فائدتها في اللفظ, وتسمى أيضا مجازية وغير محضة.
ثم قال: "وتلك محضة" يعني: التي تفيد التخصيص والتعريف، تسمى محضة؛ لأنها خالصة من شائبة الانفصال.
"ومعنوية"؛ لأن فائدتها في المعنى.
تنبيهات:
الأول: ذهب ابن برهان وابن الطراوة إلى أن إضافة المصدر إلى مرفوعه أو منصوبه غير محضة، والصحيح "أنها"٥ محضة لورود السماع بنعته بالمعرفة كقوله:
стр. 751
إن وجدي بك الشديد أراني ... عاذرا فيك من عهدت عَذُولا١
وذهب ابن السراج والفارسي إلى أن إضافة أفعل التفضيل غير محضة، والصحيح أنها محضة؛ لأنه ينعت بالمعرفة، ونص سيبويه على أن إضافته محضة، وذهب الفارسي ومن وافقه إلى أن إضافة الاسم إلى الصفة غير محضة، وذهب غيرهم إلى أنها محضة، وذهب المصنف إلى أنها شبيهة بالمحضة.
الثاني: المعروف "أن الإضافة تنقسم"٢ إلى محضة, وغير محضة.
وزاد في التسهيل ثالثا, وهو الشبيه بالمحضة٣, وهو أنواع:
الأول: إضافة الاسم إلى الصفة, كما تقدم٤.
والثاني: إضافة "المسمى إلى الاسم"٥ نحو: "شهر رمضان" و"يوم الخميس" و"سعيد كرز".
والثالث: إضافة الصفة إلى الموصوف نحو: "سحقُ عمامة"٦.
стр. 752
وقوله:
................. ... وإن سقيت كرام الناس فاسقينا١
وذهب ابن عصفور إلى أنها غير محضة، وذهب غيره إلى أنها محضة.
الرابع: إضافة الموصوفات إلى القائم مقام الوصف, كقوله:
علا زيدنا يوم النَّقَا رأس زيدكم٢ ... ............................
стр. 753
أي: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم, "فحذف"١ الصفتين وجعل الموصوف خلفا عنهما في الإضافة.
الخامس: إضافة المؤكَّد إلى المؤكِّد, وأكثر ما يكون في أسماء الزمان المبهمة نحو: "يومئذ"٢, وقد يكون في "غيرها"٣ كقول الشاعر:
فقلت انجوَا عنها نجا الجلد إنه ... سيرضيكما منها سنام وغاربه٤
أراد اكشطا عنها الجلد؛ لأن النجا هو الجلد.
стр. 754
السادس: إضافة الملغى إلى المعتبر نحو:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما١ ... ...............................
السابع: إضافة المعتبر إلى الملغَى, كقول بعض الطائيين:
... أقام ببغداد العراق وشوقه ... لأهل دمشق الشام شوق مبرح٢
الثالث: أهمل المصنف هنا نوعين مما لا يتعرف بالإضافة:
أحدهما: ما وقع موقع نكرة لا تقبل التعريف نحو: "رب رجل وأخيه".
و"كم ناقة وفصيلها"، و"فعل ذلك جهده، وطاقته".
стр. 755
ونحو:
............... ... لا أباك تخوِّفيني١
لأن رب وكم يجران المعارف، والحال لا تكون معرفة، و"لا" لا تعمل في المعرفة.
ثانيهما: ما لا يقبل التعريف؛ لشدة إبهامه كغير ومثل وحسب٢.
وزعم المبرد أن "غير" لا تتعرف أبدا، وقال السيرافي: تتعرف إذا وقعت بين متضادين، وزعم ابن السراج أنه إذا كان المغاير "والمماثل"٣ واحدا كانت "غير ومثل" "معرفين"٤.
قال في شرح التسهيل: وقد يُعنَى "بغير" و"مثل" مغايرة خاصة ومماثلة
стр. 756
خاصة فيحكم بتعريفها. وأكثر ما يكون ذلك في "غير" إذا وقع بين ضدين، وأجاز بعض العلماء منهم السيرافي أن يعمل على هذا "قوله تعالى"١: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ ٢ لوقوع "غير" فيه بين متضادين وليس بلازم؛ لقوله تعالى: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ٣, "فنعت"٤ به النكرة مع وقوعه بين متضادين. ا. هـ.
ثم قال:
ووصل أل بذا المضاف مغتفر
الإشارة إلى الوصف "المشابه"٥ للمضارع, يعني: أن وصل أل بما إضافته لفظية مغتفر لا مطلقا, بل بشرط كونه مضافا إلى ما فيه "أل" نحو: "الجعد الشعر".
أو مضافا إلى ما فيه أل نحو: "الضارب رأس الجاني" أو مثنى أو مجموعا على حدة نحو: "الضاربا زيد" و"المكرمو عمرو".
وأما جمع التكسير وجمع المؤنث السالم "فكالمفرد وعنهما احترز"٦ بقوله: "سبيله اتبع" أي: اتبع سبيل المثنى في سلامة واحده وإعرابه بالحرفين. فإن قلت: مفهوم الشرط أن وصل أل "بذا المضاف"٧ فيما سوى هذه الصور الأربع غير مغتفر.
وقد ذكر في التسهيل صورة خامسة٨ يغتفر فيها ذلك "أيضا"٩ و"هي"١٠ أن يكون الثاني مضافا إلى ضمير المقرون بأل, كقوله:
стр. 757
الود أنتِ المستحقة صفوه١ ... ........................
قلت: إنما أهمل هذه "الصورة"٢ هنا لقلتها, وللخلاف في جوازها.
فإن المبرد منع الجر في نحو ذلك وأوجب النصب، ولكن الصحيح جوازه؛ لثبوته في المستحقة صفوه "هكذا"٣ روي بالجر.
ثم قال:
وربما أكسبت ثانٍ أولا ... ثأنيثا إن كان لحذف موهلا
يعني: أن المضاف قد يؤنث لتأنيث المضاف إليه، بشرط صحة حذفه، والاستغناء عنه بالمضاف إليه "فيشمل"٤ أربعة أنواع:
الأول: أن يكون المضاف بعضا وهو مؤنث كقوله:
стр. 758
إذا بعض السنين تعرقتنا١
لأن بعض السنين سنة.
والثاني: أن يكون بعضا وهو مذكر كقوله:
............. ... كما شرقت صدر القناة من الدم٢
стр. 759
والثالث: أن يكون وصفا للمؤنث كقوله:
مشين كما اهتزت رماح تسفَّهت ... أعاليها مر الرياح النواسم١
والرابع: ألا يكون بعضا ولا وصفا، ولكنه شبيه بالبعض في صلاحيته "للسقوط" ٢ كقولهم: اجتمعت أهل اليمامة٣.
وذكر الفارسي خامسا, وهو أن يكون المضاف "كل" كقول عنترة:
جادت عليه كل عين ثَرَّة٤ ... .....................
стр. 760
ومنه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ١ والتأنيث في هذا النوع أفصح بخلاف ما قبله.
تنبيه:
قد يرد مثل ذلك في التذكير, ومنه قول الشاعر:
رؤية الفكر ما يئول له الأمر ... معين على اجتناب التواني٢
ثم قال:
ولا يضاف اسم لما به اتحد ... معنى وأول موهما إذا ورد
стр. 761
لا بد من كون المضاف غير المضاف إليه بوجه ما؛ لأن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه، والشيء لا يتخصص ولا يتعرف بنفسه، وما أوهم ذلك أول.
فما يوهم الإضافة إلى المرادف نحو: "سعيد كرز" "فيؤول"١ الأول بالمسمى، والثاني بالاسم, كأنك قلت: جاءني مسمى هذا اللقب.
ومما يوهم إضافة الصفة إلى الموصوف قولهم: "سحق عمامة", "وجرد قطيفة, بإضافة الشيء إلى جنسه, أي: سحق من عمامة"٢.
ومما يوهم إضافة الموصوف إلى صفته قولهم: "مسجد الجامع".
فيؤول بحذف المضاف إليه وإقامة صفة مقامه, أي: مسجد المكان الجامع.
وذهب الكوفيون إلى أن الصفة ذهب بها مذهب الجنس ثم أضيف الموصوف إليها كما يضاف بعض الجنس إليه في نحو: "خاتم حديد", وعلى هذا فلا حذف.
وإضافة الصفة إلى موصوفها، والموصوف إلى صفته "لا ينقاس"٣.
وأجاز الفراء إضافة الشيء إلى ما بما معناه؛ لاختلاف اللفظين، ووافقه ابن الطراوة وغيره ونقله في النهاية٤ عن الكوفيين.
وقال الفراء: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ ٥ أضيفت الدار إلى الآخرة, وهي الآخرة.
والعرب قد تضيف الشيء إلى نفسه إذا اختلف لفظه كيوم الخميس.
وذكر مثلا منها: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ ٦ و ﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾ ٧ و ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٨.
стр. 762
وظاهر التسهيل وشرحه موافقة الفراء١.
ثم قال:
وبعض الأسماء يضاف أبدا ... ...................
إنما احتِيج "إلى"٢ التنبيه على الأسماء التي لازمت الإضافة لخروجها عن الأصل, إذ الأصل جواز إفراد الاسم عن الإضافة.
ثم الأسماء "الملازمة"٣ للإضافة على قسمين:
قسم يلازمها لفظا ومعنى نحو: "قصارى" و"حمادى"٤ و"لدى".
وقسم يلازمها معنى لا لفظا نحو: "كل" و"بعض" و"أي".
وإلى هذا أشار بقوله:
................... ... وبعض ذا قد يأتِ لفظا مفردا
تنبيهات:
الأول: لكلٍّ موضعان تلزم فيهما الإضافة لفظا ومعنى:
أحدهما: إذا "وقعت"٥ نعتا، والآخر: إذا "وقعت"٦ توكيدا خلافا للفراء والزمخشري في التوكيد.
الثاني: شذ تنكير "كل" ونصبه على الحال فيما "حكاه"٧ أبو الحسن.
وعلى هذا, فلا يمتنع إدخال "أل" "عليه"٨.
الثالث: مذهب سيبويه والجمهور أن "كلا وبعضا" معرفتان "بنية"٩ الإضافة, وقالوا: "مررت بكل قائما" و"ببعض جالسا"١٠.
стр. 763
وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان، وألزم من قال بتعريفهما أن يقول: "إن"١ نصفا وثلثا وسدسا معارف؛ لأنها في المعنى مضافات، وهي نكرة بإجماع.
ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده، ودل مجيء الحال بعد "كل وبعض" على إرادته.
ثم إن الملازم٢ للإضافة "ثلاثة"٣ أنواع:
أحدها: ما لزم الإضافة إلى "المضمر"٤.
والثاني: "ما يضاف"٥ إلى الظاهر "والمضمر"٦.
والثالث: ما لزم الإضافة إلى الجملة.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
وبعض ما يضاف حتما امتنع ... إيلاؤه اسما ظاهرا حيث وقع
كوحد لبى ودوالى سعدى ... وشذ إيلاء يدي للبى
تقدم الكلام على نصب "وحد" في باب الحال، وهو ملازم للإضافة إلى "المضمر"٧ ولازم الإفراد والتذكير؛ لأنه مصدر، وربما ثني مضافا إلى ضمير مثنى.
حكى ابن سيده٨ "جلسا على وحدهما, وعلى وحديهما"٩ ووحد منصوب دائما، وقد يجر بإضافة نسيج وجحيش وعيير.
стр. 764
والأول للمدح, والأخير للذم.
وزاد بعضهم قريع وحده وهو للمدح، وقد يجر بعلى كما سبق١.
وأما "لبى ودوالى وسعدى" فهي مصادر مثناة تلزم الإضافة إلى "المضمر"٢, فتقول: لبيك وسعديك ودواليك ونحوها: حنانيك وهذاذيك وحجازيك وحذاريك.
قال في النهاية: ومن المصادر المثناة حذاريك -بفتح الحاء- ولا مفرد له.
تنبيهات:
الأول: الناصب لهذه المصادر واجب الإضمار, ويقدر في غير لبيك من لفظه والتقدير في لبيك: "أجبت"٣ إجابتك، وكأنه من ألب بالمكان إذا قام به.
الثاني: يجوز استعمال لبيك وحده، وأما سعديك فلا يستعمل إلا تابعا للبيك.
قال سيبويه: أراد بقول لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة٤.
الثالث: هذه التثنية عند الجمهور للتكثير "لا تقع على الواحد"٥.
الرابع: ذهب الأعلم، إلى أن الكاف في لبيك وأخواته حرف خطاب لا موضع "له"٦ من الإعراب وحذفت النون لشبه الإضافة.
стр. 765
الخامس: حكى سيبويه عن بعض العرب١: لبِّ، على أنه مفرد لبيك غير أنه مبني على الكسر، لقلة تمكنه. واختلف فيه؛ فقيل: ينصب نصب المصدر كأنه قال: إجابة, وقال المصنف: جعلوه اسم فعل.
وقوله:
وشذ إيلاء يدي للبى
أشار إلى أنه شذت إضافته إلى الظاهر في قوله:
دعوت لما نابني مسورا ... فلبى فلبى يدي مسور٢
تنبيه:
ذهب يونس إلى أن لبيك اسم مفرد وأصله لبى قلبت ألفه ياء للإضافة إلى المضمر كما في عليك.
стр. 766
ورد عليه سيبويه بقوله: "فلبى يدي مسور" لإثبات الياء مع الظاهر١, فإن قلت: قد ذكر في شرح التسهيل: إن إضافة لبيك إلى "المضمر"٢ الغائب شاذة كإضافته إلى الظاهر، ومنه قول الراجز:
لقلت لبيه لمن يدعوني٣
وظاهر كلامه هنا جواز إضافته إلى المضمر مطلقا.
قلت: لا يلزم من قوله: "امتنع إيلاؤه اسما ظاهرا" جواز إضافته لكل مضمر.
стр. 767
وفي الارتشاف: "ويضاف"١ إلى الظاهر؛ تقول: لبى زيد وسعدى عمرو, وإلى ضمير الغائب قالوا: لبيه، ودعوى الشذوذ فيهما باطلة. هـ٢.
ثم أشار إلى الثالث بقوله:
وألزموا إضافة إلى الجمل ... حيث وإذ.......
شمل قوله: "إلى الجمل", "الجملة"٣ الاسمية والفعلية:
فالاسمية نحو: "جلست حيثُ زيدٌ جالس" و"إذ زيدٌ جالس".
والفعلية نحو: "حيثُ جلسَ زيد"، و"إذ جلسَ زيد".
فإن قلت: كيف قال: وألزموا مع إذ, حيث قد ورد إضافتها إلى مفرد، في قوله:
أما ترى حيثُ سهيلٍ طالعا٤ ... ........................
стр. 768
وقد جاءت غير مضافة في قوله:
إذا ريدة من حيثُ ما نفحت له١ ... .......................
قلت: أما إضافتها إلى المفرد "فهو ممنوع"٢ عند البصريين إلا في ضرورة, وهو عند الكسائي في قياس.
وأما عدم إضافتها فهو أندر "منه"٣ مع أن في شاهده احتمالا ظاهرا، فلندور ذلك واختصاصه بالضرورة قال: وألزموا.
وقوله:
............. وإن ينون يحتمل ... إفراد إذ..........
стр. 769
يعني: أن إذ يجوز إفرادها لفظا عن الإضافة، لكن بشرط أن يعوض "عن"١ الجملة المحذوفة تنوين نحو: "يومئذ", ولا تشاركها "حيث" في ذلك.
ولهذا قال: "يحتمل إفراد إذ".
فإن قلت: لِمَ كسرت الذال من يومئذ٢ ونحوه؟
قلت: لالتقاء الساكنين خلافا للأخفش، إذ جعل كسرها للجر بالإضافة, ورد بأوجه منها: أنهم قالوا يومئذ بالفتح.
تنبيه:
قولهم: "إذ ذاك" ليس من الإضافة إلى المفرد, بل إلى جملة اسمية, والتقدير: إذ ذاك كذلك٣.
........ وما كإذ معنى كإذ ... أضف جوازا..........
يعني: أن "المشابه لإذ"٤ في كونه اسم زمان مبهما غير محدود يراد به المضي أضيف جوازا "إلى"٥ ما يضاف إليه إذ وجوبا, يعني: الجملتين، وذلك نحو: يوم وأيام.
فلو كان غير مبهم أو محدودا لم يضف إلى الجمل, فلا يجوز إضافة "أسبوع وشهر ويومين ونحو من المثنى وأجاز المغاربة إضافة"٦ أسبوع وشهر ونحوه.
وأجاز ابن كيسان إضافة المثنى ولم يسمع، ولو مرادا به الاستقبال لم يضف كإذ, بل يضاف كإذا أعني: إلى جملة فعلية؛ لأن "إذا" وما حمل عليها لا يضاف إلى الاسمية.
стр. 770
هذا مقتضى مذهب سيبويه؛ ولذلك يؤول قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ ١ على "تنزيله"٢ منزلة الماضي.
قال المصنف: والصحيح جواز ذلك على قلة، يعني: في "إذا" وما حمل عليها.
تنبيهان:
الأول: منع صاحب البسيط إضافة المتوسع فيه إلى الجملة، قال: لأنه اسم حينئذ، والأسماء لا تضاف إلى الجمل، وليس بصحيح. بل قد أُضيف متوسعا فيه نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ٣.
الثاني: "الظاهر"٤ أن إضافة أسماء الزمان إلى الجمل محضة تفيد التعريف.
وفي البسيط: قد يقال: لا تفيده؛ لأن الجمل نكرات.
ثم قال:
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا ... ...........................
يعني: أنه يجوز فيما أجري مجرى "إذ" من أسماء الزمان فأضيف إلى جملة, وجهان: الإعراب وهو القياس، والبناء "وهو ضعيف"٥, وسببه عند البصريين المشاكلة؛ ولذلك لم يجيزوه إلا قبل فعل مبني.
"و"٦ قال المصنف: بل سببه شبه الظرف حينئذ بحرف الشرط في جعل الجملة التي تليه مفتقرة إليه، وإلى غيره، وذلك إن قمت من قولك: ""حين"٧ قمت قمت" كان كلاما تاما قبل دخول "حين" عليه وبعد دخولها حدث له افتقار, فشبه "حين" وأمثاله بإن.
стр. 771
ثم قال:
.............. ... واختر بنا متلوّ فعل بُنيا
شمل قوله: "بنا" الماضي نحو:
على حين عاتبت المشيب على الصَّبَا١ ... ......................
والمضارع المبني كقوله:
..................... ... على حين يستصبين كل حليم٢
стр. 772
يروى ببناء "حين" أنشده في شرح التسهيل، فكلاهما يختار معه البناء, فعبارته هنا أجود من قوله في الكافية:
وقبل فعل ماض البنا رجح ... والعكس قبل غيره أيضا وضح
ثم قال:
وقبل فعل معرب أو مبتدأ ... أعرب...........
مثال الفعل المعرب: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ١ والمبتدأ.
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل٢
стр. 773
فالإعراب قبل هذين جائز باتفاق.
وأما البناء فمنعه البصريون وأجازه الكوفيون, "ومال"١ الفارسي إلى تجويزه.
واختاره المصنف؛ ولذلك قال: "ومن بنى فلن يفندا".
لأن علة البناء "ليست لطلب"٢ المشاكلة, بل ما تقدم٣.
قد ورد السماع بالبناء قبل الجملة الاسمية في قوله: على حين الكرام قليل٤, فإنه روي بالفتح، وإذا ثبت قبل الاسمية كان قبل "الفعل"٥ المضارع أولى؛ لأن أصله البناء.
ثم قال:
وأُلزموا إذا إضافة إلى ... جمل الأفعال كهن إذا اعتلى
مذهب الجمهور أن "إذا" لازمة "للإضافة"٦, والجملة بعد "ها"٧ في موضع جر والعامل فيها جوابها.
وقيل: ليست مضافة, والعامل فيها الفعل الذي يليها لا جوابها؛ لأن جوابها قد يقترن بما لا يعمل ما بعده فيما قبله, كالفاء وإذا الفجائية وما النافية.
ولأن "وقتي"٨ الشرط والجواب قد يختلفان في نحو: "إذا جئتني غدا "أجيئك"٩ بعد غد".
стр. 774
ومذهب سيبويه أنها لا تضاف إلا إلى جملة فعلية نحو "قوله"١: "هن إذا اعتلى"٢, وأما نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ٣ فعلى تقدير الفعل.
قال في شرح التسهيل: لا يجيز سيبويه غير ذلك، وقال السهيلي عن سيبويه: إنه يجيز على إرادة الابتداء بعد إذا الشرطية وأدوات الشرط إذا كان الخبر فعلا، وأجاز الأخفش مع ما أوجبه سيبويه جعل المرفوع بعدها مبتدأ.
قال في شرح التسهيل: وبقوله أقول، وجزم هنا بمذهب سيبويه.
ثم قال:
لمفهم اثنين معرف بلا ... تفرق أضيف كلتا وكلا
كلا وكلتا من الأسماء "الملازمة"٤ للإضافة لفظا ومعنى، ولا يضافان إلا لمفهم اثنين, "فيشمل"٥ المثنى نحو: "كلا الرجلين" وضميره نحو: "كلاهما" و"كلانا" واسم الإشارة إلى المثنى ولو بلفظ الإفراد كقوله:
إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل٦
стр. 775
واحترز بقوله: "معرف" من المنكر، فلا يضافان إليه.
وحكى الكوفيون إضافتها إلى النكرة "إذا"١ كانت "محدودة"٢ نحو: "كلا رجلين عندك قائمان" "واحترز بقوله"٣: "بلا تفرق" من نحو: "كلا زيد وعمرو", فإنه لا يجوز إلا في الضرورة كقوله:
كلا الضيفن المشنوء والضيف نائل ... لدى المنى والأمن في اليسر والعسر٤