ثم قال:
.............. ... واختر بنا متلوّ فعل بُنيا
شمل قوله: "بنا" الماضي نحو:
على حين عاتبت المشيب على الصَّبَا١ ... ......................
والمضارع المبني كقوله:
..................... ... على حين يستصبين كل حليم٢
стр. 772
يروى ببناء "حين" أنشده في شرح التسهيل، فكلاهما يختار معه البناء, فعبارته هنا أجود من قوله في الكافية:
وقبل فعل ماض البنا رجح ... والعكس قبل غيره أيضا وضح
ثم قال:
وقبل فعل معرب أو مبتدأ ... أعرب...........
مثال الفعل المعرب: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ١ والمبتدأ.
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل٢
стр. 773
فالإعراب قبل هذين جائز باتفاق.
وأما البناء فمنعه البصريون وأجازه الكوفيون, "ومال"١ الفارسي إلى تجويزه.
واختاره المصنف؛ ولذلك قال: "ومن بنى فلن يفندا".
لأن علة البناء "ليست لطلب"٢ المشاكلة, بل ما تقدم٣.
قد ورد السماع بالبناء قبل الجملة الاسمية في قوله: على حين الكرام قليل٤, فإنه روي بالفتح، وإذا ثبت قبل الاسمية كان قبل "الفعل"٥ المضارع أولى؛ لأن أصله البناء.
ثم قال:
وأُلزموا إذا إضافة إلى ... جمل الأفعال كهن إذا اعتلى
مذهب الجمهور أن "إذا" لازمة "للإضافة"٦, والجملة بعد "ها"٧ في موضع جر والعامل فيها جوابها.
وقيل: ليست مضافة, والعامل فيها الفعل الذي يليها لا جوابها؛ لأن جوابها قد يقترن بما لا يعمل ما بعده فيما قبله, كالفاء وإذا الفجائية وما النافية.
ولأن "وقتي"٨ الشرط والجواب قد يختلفان في نحو: "إذا جئتني غدا "أجيئك"٩ بعد غد".
стр. 774
ومذهب سيبويه أنها لا تضاف إلا إلى جملة فعلية نحو "قوله"١: "هن إذا اعتلى"٢, وأما نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ٣ فعلى تقدير الفعل.
قال في شرح التسهيل: لا يجيز سيبويه غير ذلك، وقال السهيلي عن سيبويه: إنه يجيز على إرادة الابتداء بعد إذا الشرطية وأدوات الشرط إذا كان الخبر فعلا، وأجاز الأخفش مع ما أوجبه سيبويه جعل المرفوع بعدها مبتدأ.
قال في شرح التسهيل: وبقوله أقول، وجزم هنا بمذهب سيبويه.
ثم قال:
لمفهم اثنين معرف بلا ... تفرق أضيف كلتا وكلا
كلا وكلتا من الأسماء "الملازمة"٤ للإضافة لفظا ومعنى، ولا يضافان إلا لمفهم اثنين, "فيشمل"٥ المثنى نحو: "كلا الرجلين" وضميره نحو: "كلاهما" و"كلانا" واسم الإشارة إلى المثنى ولو بلفظ الإفراد كقوله:
إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل٦
стр. 775
واحترز بقوله: "معرف" من المنكر، فلا يضافان إليه.
وحكى الكوفيون إضافتها إلى النكرة "إذا"١ كانت "محدودة"٢ نحو: "كلا رجلين عندك قائمان" "واحترز بقوله"٣: "بلا تفرق" من نحو: "كلا زيد وعمرو", فإنه لا يجوز إلا في الضرورة كقوله:
كلا الضيفن المشنوء والضيف نائل ... لدى المنى والأمن في اليسر والعسر٤
стр. 776
وذكر ابن الأنباري أن "كلا" يضاف إلى مفرد، بشرط أن تكرر نحو: "كلاي، وكلاك محسنان" وأوردها على أنها من كلام العرب, ولم يذكر المصنف إلا في "أي".
ثم قال:
ولا تضف لمفرد معرف ... أيا.....
من الأسماء "الملازمة"١ للإضافة "أي": ويجوز إضافتها إلى النكرة بلا شرط وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنية نحو: "أي الرجلين٢ وأيهما", أو جمع نحو: "أي الرجال٣ وأيهم".
ولا تضاف إلى مفرد "معرفة"٤ نحو: "أي زيد عندك"؛ لأنها بمعنى بعض "مع"٥ المعرفة.
ولا يصح ذلك في هذا المثال ونحوه، ويستثنى من ذلك صورتان:
"إحداهما"٦: أن "تكرر"٧ أيا معطوفا بالواو, كقوله:
..................... ... أيّي وأيك فارس والأحزاب٨
стр. 777
والأخرى: أن تقصد الأجزاء نحو: "أي زيد أحسن" بمعنى: أي أجزائه.
وإليهما أشار بقوله:
.... وإن كرَّرتها ... فأضف, أو تنو الأجزا
ثم قال:
..... واخصصن بالمعرفه ... موصولة أيا....
يعني: أن "أيا" الموصولة لا تضاف إلا إلى معرفة وهذا هو الأشهر, وأجاز بعضهم إضافتها إلى النكرة, ذكره ابن عصفور وغيره.
وقوله: "وبعكس الصفة" يعني: أن "أيا" إذا وقعت صفة, لم تضف إلا إلى نكرة بعكس الموصولة، والواقعة حالا كالواقعة صفة١.
ثم قال:
وإن تكن شرطا أو استفهاما ... فمطلقا كمِّل بها الكلاما
يعني أن "أيا" إذا وقعت شرطا أو استفهاما, جاز إضافتها إلى النكرة, وإلى المعرفة على التفصيل السابق٢.
فظهر بهذا أن "لأي"٣ ثلاثة أحوال:
ثم قال:
وألزموا إضافة لدن فجر
стр. 778
من الأسماء الملازمة للإضافة "لدن", وهي لأول غاية زمان أو مكان.
وتضاف إلى المفرد, وإلى الجملة.
وقوله: "فجر" يعني: لفظا أو محلا لتندرج الجملة.
ومن إضافتها إلى جملة اسمية قوله:
وتذكر نعماه لدن أنت يافع١ ... ..............
وفعلية قوله:
صريع غوانٍ راقهن ورقنه ... لدن شب حتى شاب سود الذوائب٢
стр. 779
ولم يضف إلى الجمل من ظروف المكان إلا حيث ولدن. وقال ابن برهان: إلا "حيث"١ وحدها.
وقوله:
ونصب غدوة بها عنهم ندر
سمع في "غدوة" بعد "لدن" الجر والنصب والرفع.
أما الجر فهو الأصل٢, وأما النصب "فشاذ، ووجه"٣ بثلاثة أوجه:
أحدها: أن "لدن" شبهت باسم الفاعل "في ثبوت"٤ نونها تارة, وحذفها أخرى فنصب بها.
وضعف لسماع النصب بعد "لد"٥ المحذوفة النون.
والثاني: أن النصب على إضمار "كان" الناقصة.
والثالث: أنه على التمييز.
وقال سيبويه: ولا تنصب لدن غير غدوة٦.
стр. 780
وأما الرفع فرواه الكوفيون, ووجه بإضمار "كان"١.
وقال ابن جني: لشبهه بالفاعل فرفع، فظاهره أنها مرفوعة بلدن ولم يذكر الرفع هنا, وذكره في التسهيل٢.
وقوله: "بها" يقتضي أن نصب غدوة بلدن لا بكان المقدرة.
وقوله: "ومع مع فيها قليل".
مع اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على ما يليق بالمصاحب، وهو ملازم للإضافة والظرفية وقد يجر بمن. حكى سيبويه: ذهب مِنْ مَعِهِ٣.
وهو معرب في أكثر اللغات، وبناؤه على السكون لغة ربيعة.
وفي المحكم٤ "لغة"٥ ربيعة٦ وغنم ولم يحفظ سيبويه أنه لغة, فزعم أنه ضرورة.
وقوله: "قليل" يعني بالنسبة إلى اللغة الأخرى.
وزعم أبو جعفر النحاس أن الإجماع منعقد على حرفيتها إذ كانت ساكنة.
وليس بصحيح، بل الصحيح أنها باقية على اسميتها، وهذا مفهوم من قوله: "فيها".
يعني: أن الإسكان قليل في موضع الاسمية، ولو كانت المسكنة حرفا لم يكن الإسكان في الاسمية٧.
وقوله:
........... ونقل ... فتح وكسر لسكون يتصل
هما: مرتبان لا مفرعان؛ من أعربها فتح, ومن بناها على السكون كسر؛ لالتقاء الساكنين.
стр. 781
وقوله:
واضمم -بناء- غيرا إن عدمت ما ... له أضيف ناويا ما عدما
قبل كغير, بعد، حسب، أول ... ودون والجهات أيضا، وعل
يعني أن هذه الأشياء المذكورة، أعني: غير "وقبلا"١ وما بعدهما، إذا حذف ما يضاف لم يخل إما أن ينوى معناه دون لفظه، أو ينوى لفظه "أ"٢ ولا ينوى.
فإن نوى معناه دون لفظه بنيت على الضم؛ لشبهها بحرف الجواب والاستغناء عما بعدها, مع ما فيها من شبه الحرف في الجمود والافتقار٣.
وإن نوى لفظه أعربت إعراب المضاف "ولم تنون"٤.
حكى الفراء في معانيه٥ أن من العرب من يقول: "من قبل" بالخفض.
وحذف التنوين للإضافة. وإن لم ينو أعربت٦ ونونت كقراءة من قرأ: "من قبلٍ ومن بعدٍ"٧ بالتنوين. ومنه قوله:
فساغ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكاد أغص بالماء الحميم٨
وإلى هذا أشار بقوله:
وأعربوا نصبا.....
البيت.
стр. 782
فإن قلت: لم ينبه على أنه إذا نوى لفظه أعرب، بل ظاهر قوله: "ناويا ما عُدما" يقتضي بناءه.
قلت: إذا نوى لفظه صار كالمنطوق به, فكأنه ما عدم.
فإن قلت: قوله: وأعربوا نصبا ليس بجيد؛ لأن هذه الأسماء قد تجر حال التنكير, كقراءة "من قرأ"١: "من قبل ومن بعد".
قلت: الغالب فيها النصب وجرها قليل، فكأنه اقتصر على النصب "لذلك"٢.
فإن قلت: قوله: "إذا نكر" يفهم أن هذه الأسماء إذا بُنيت على الضم كانت معرفة.
قلت: والأمر كذلك.
وقال في البسيط: قال بعضهم: هي نكرات، وإنما يريد قبل شيء.
وجعل بعض النحويين التنوين في قوله: "وكنت قبلا" تنوين العوض و"أن"٣ "قبلا" معرفة بنية الإضافة.
стр. 783
في شرح الكافية: وهذا القول عندي حسن١.
ثم قال:
وما يلي المضاف يأتي خَلَفا ... عنه في الإعراب إذا ما حُذِفا
يجوز حذف المضاف للعلم به، والأكثر حينئذ أن يخلفه المضاف إليه في الإعراب نحو: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٢ أي: حب العجل.
وقد يخلفه في التنكير إن كان المضاف مثلا نحو: "مررت برجل زهير" "أي: مثل زهير"٣؛ ولذلك نعت به النكرة.
وربما خلفه في غير ذلك, كالتذكير والتأنيث.
ثم قال:
وربما جروا الذي أبقوا كما ... قد كان قبل حذف ما تقدما
يعني: أن المضاف إليه قد يبقى بعد حذف المضاف مجرورا, كما كان قبل حذفه.
ولذلك شرط ذكره في قوله:
لكن بشرط أن يكون ما حُذِف ... مماثلا لما عليه قد عُطِف
يعني: أن شرط جر المضاف إليه بعد حذف المضاف, أن يكون المحذوف معطوفا على مثله لفظا ومعنى بعاطف متصل, نحو:
أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونارٍ تَوَقَّد بالليل نارا٤
стр. 784
أو منفصل بلا كقولهم: "ما كل سوداء تمرة, ولا بيضاء شحمة"١ والجر في هذا النوع "بالشرط المذكور"٢ مقيس، وليس ذلك مشروطا بتقدم نفي "أو"٣ استفهام, كما ظن بعضهم.
وما خلا مما قيد به المقيس فهو محفوظ لا يقاس عليه, كقولهم: "مررت بالتيمي عدي، أي: أحد تيم عدي"٤ قاله المصنف, فجر دون عطف وكقراءة ابن
стр. 785
الجماز١ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ٢ -بالخفض- والعاطف مفعول وقدره المصنف عرض الآخرة٣.
ثم قال:
ويُحذف الثاني فيبقى الأول ... كحاله إذا به يتصل
يعني: أن المضاف إليه قد يحذف وينوى لفظه, فيبقى المضاف على حاله قبل الحذف فلا ينون، ولا ترد إليه النون إن كان مثنى أو مجموعا؛ ولذلك "شرط"٤ ذكره في قوله:
بشرط عطف وإضافة إلى ... مثل الذي له أضفت الأولا
أي: بشرط عطف مضاف إلى مثل المحذوف, كقول بعضهم: "قطع الله يد ورِجْل من قالها"٥.
وقول الشاعر:
................. ... بين ذراعي وجبهة الأسد٦
стр. 786
وجاء نظيره في عدة أبيات١.
وقال الفراء: لا يجوز ذلك إلا في المصطحبين كاليد والرجل, والنصف والربع, وقبل وبعد. فأما نحو دار وغلام، فلا يجوز ذلك فيهما.
تنبيهات:
الأول: ذهب ابن عصفور في تخريج قولهم: "قطع الله يد ورجل من قالها" ونحوه إلى أن التقدير: يد من قالها ورجله فحذف الضمير، "وأقحم المعطوف بين المضاف والمضاف إليه"٢.
الثاني: قد يفعل ذلك دون عطف كقوله:
ومن قبل نادى كل مولى قرابة٣ ... ....................
стр. 787
كذا رواه الثقات بالكسر بلا تنوين.
قال المصنف: استعمال هذا الحذف في الأسماء الناقصة "الدلالة"١ قليل, وفي الأسماء التامة "الدلالة"٢ كثير.
فمن ذلك قراءة ابن محيصن٣: "فلا خَوْفُ عليهم"٤ أي: فلا خوف شيء عليهم وقد يفعل ذلك مع عطف على مضاف إلى مثل المحذوف وهو عكس الأول. ومن شواهده قول أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه٥: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أو ثمانيَ".
هكذا ضبطه "الحافظ"٦ في صحيح البخاري بفتح الياء دون تنوين, والأصل: أو ثماني غزوات.
ثم قال:
стр. 788
فصل مضاف شبه فعل ما نصب ... مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب
فصل يمين....
مذهب أكثر البصريين أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه ممتنع إلا في الشعر, وذهب المصنف إلى أنه يجوز في السعة بشيئين:
الأول: ما نصبه المضاف المشابه للفعل من مفعول به أو ظرف "أو مجرور"١.
فمن الفصل بالمفعول به قراءة ابن عامر٢: "قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ"٣.
وبالظرف قول الشاعر:
...................... ... كناحت يوما صخرة بعسيل٤
стр. 789
وبالمجرور قول الآخر:
لأنت معتاد في الهيجا مصابرة١ ... ....................
قال في شرح التسهيل: فهذا من أحسن الفصل؛ لأنه فصل بمعمول المضاف، ويدل على جوازه في٢ الاختيار قوله ﷺ : "هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ " ٣.
وقول من يوثق بعربيته: "ترك يوما نفسِك وهواها، سعيٌ لها في رداها"٤.
وقوله: "شبه فعل" "يشمل"٥ المصدر واسم الفاعل، ومن الفصل بالمفعول
стр. 790
مع اسم الفاعل قراءة بعض السلف: "فلا تحسبنّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ"١ بنصب الوعد وخفض الرسل٢.
وقوله: "فصل" "مفعول"٣ مقدم لأجز، وقوله: "شبه فعل" صفة لمضاف.
وقوله: "ما نصب" فاعل بالمصدر الذي هو فصل، وقوله: "مفعولا أو ظرفا" "حالان"٤ من "ما".
والتقدير: أجز أن يفصل المضاف المشابه للفعل عما أضيف إليه منصوبه حال كونه مفعولا "به"٥ أو ظرفا وفي حكمه المجرور.
الثاني: القسم نحو ما حكاه الكسائي من قولهم: "هذا غلامُ والله زيدٍ"٦, وإليه أشار بقوله: "ولم يُعَب فصل يمين".
وزاد في الكافية الفصل بإما، وقال: "الفصل بإما مغتفر" هـ, كقوله:
هما خطتا إما إسار ومنة٧ ... .....................
стр. 791
في رواية من جر١, ٢.
ثم نبه على أن "الفصل"٣ بغير ذلك مخصوص بالضرورة, فقال:
واضطرارا وُجدا ... بأجنبي أو بنعت، أو ندا
الأجنبي: ما ليس بمعمول "للمضاف"٤ من مفعول "به"٥ "أ"٦ وظرف "أ"٧ ومجرور "أ"٨ وفاعل.
مثال المفعول قول الشاعر:
تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها٩ ... ................................
стр. 792
والظرف كقوله:
كما خُط الكتاب بكف يوما ... يهودي يقارب أو يزيل١
والمجرور كقوله:
стр. 793
هما أخوا في الحرب من لا أخا له١
والفاعل كقوله:
أنجب أيامَ والداه به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا٢
стр. 794
وكذا لو كان الفاعل مرفوعا بالمضاف، فإن الفصل به مخصوص بالضرورة كقوله:
نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي ... ولا ترعوي عن نقض أهواؤنا العزم١
فإن قلت: لا تؤخذ هذه الصورة من كلامه هنا.
قلت: قد يفهم من قوله: "ما ينصب"، فعلم أن المرفوع لا يسوغ الفصل به اختيار، ومثال النعت قول الشاعر:
стр. 795
نجوت وقد بلّ المرادي سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب١
أراد: من "ابن"٢ أبي طالب شيخ الأباطح.
ومثال النداء قول الشاعر:
وفاق كعب بجير منقذ لك من ... تعجيل تهلكة والخلد في سَقَرَا٣
стр. 796
وزاد في التسهيل الفصل بفعل ملغى هـ١. أنشد ابن السكيت٢:
بأي تراهم الأرضين حلوا٣ ... ..........................
وزاد غيره الفصل بالمفعول لأجله نحو:
معاود جرأة وقت الهوادي٤ ... ........................
стр. 797
أي: معاود وقت الهوادي جرأة.
وحكى ابن الأنباري: هذا غلام إن شاء الله "تعالى"١ ابن أخيك؛ ففصل بإن شاء الله، والله أعلم٢.
стр. 798
المضاف إلى ياء المتكلم:
آخر ما أُضيف للياء اكسر إذا ... لم يك معتلا كرام وقذى
يجب كسر آخر المضاف "إلى ياء"١ المتكلم, "إن"٢ لم يكن منقوصا أو مقصورا أو مثنى أو مجموعا على حدة كقولك في "غلام": غلامي.
وفيه أربعة مذاهب:
أحدها: أنه معرب بحركات "مقدرة"٣ في الأحوال الثلاثة.
والثاني: أنه معرب في الرفع والنصب بحركة مقدرة، بالجر بالكسرة الظاهرة, واختاره في التسهيل.
والثالث: أنه مبني.
والرابع: أنه لا معرب ولا مبني, وإليه ذهب ابن جني.
والأول مذهب الجمهور.
ويجوز في الياء "بعد المكسور"٤ وجهان: الفتح والإسكان، فقيل: الفتح أصل, وقيل: الإسكان أصل "جمع"٥ بينهما "بأن"٦ الإسكان أصل أول إذ هو أصل كل مبني، والفتح أصل ثانٍ، إذ هو أصل ما هو على حرف واحد.
وأما المقصور والمنقوص والمثنى والمجموع على حدة, فإذا أضيف شيء منها إلى ياء المتكلم وجب فتح الياء في اللغة المشهورة، فتقول في "قذى": قذايَ، وفي "رامٍ": راميَّ, وفي "ابنين": ابنيَّ، وفي "زيدين": زيديَّ.
وإلى ذلك أشار بقوله:
........... فذي ... جميعها اليا بعد فتحها احتُذِي
стр. 799
الإشارة "بذي" إلى الأنواع الأربعة, و"احتذي" تبع.
ثم بين حكم آخر المقصور والمنقوص والمثنى والمجموع على حدة إذا أضيف للياء فقال: "وتدغم اليا فيه" أي: وتدغم اليا "من"١ آخر المنقوص والمثنى والمجموع "على حدة"٢ نصبا وجرا فيه أي: في ياء المتكلم، ولا يغير ما قبلها من فتح أو كسر فتقول: رأيت راميَّ وابنيَّ وزيديَّ، وتفتح الياء كما سبق.
ثم قال: "والواو" أي: وتدغم الواو أيضا في ياء المتكلم, يعني "بعد"٣ قلب الواو ياء.
فإن كان ما قبلها فتحة لم تغير نحو: "مصطفَون" فتقول فيه: "هؤلاء مصطفيّ", وإن كان "ما"٤ قبلها ضمة قلبتها كسرة لتصبح الياء نحو: "مسلمون" فتقول فيه: مسلميّ, بقلب الواو ياء والضمة كسرة.
ومنه قوله ﷺ : "أَوَمخرجِيّ هم" ٥.
وإلى هذا أشار بقوله:
............. وإن ... ما قبل واو ضُم فاكسره يهن
ثم قال: "وألفا سلم" أي: سلم الألف من الانقلاب.
وشمل ذلك ألف المثنى نحو: "هذان غلامايَ" ولا خلاف فيه، وألف المقصور
стр. 800
نحو: "هي عصايَ"١ وفيه لغتان: إقرار الألف "وهي المشهورة"٢, وقلبها ياء وهي لغة هذيل "وحكاها"٣ عيسى بن عمر٤ عن قريش.
وقرأ الحسن٥: "يا بِشْرَى"٦, وإليها أشار بقوله:
............. وفي المقصور عن ... هذيل انقلابها ياء حسن
وينبغي أن يستثنى من ذلك ألف "لدى" و"على" الاسمية، فإن الأكثر فيه القلب مع ياء المتكلم.
فإن قلت: فهل يجوز للقلب ألف المثنى في لغة من التزمها مطلقا؟
قلت: قال في الارتشاف: يحتاج في جوازه إلى سماع٧.
стр. 801
الجزء الثالث:
إعمال المصدر:
بفعله المصدر ألحق في العمل
أي: ألحق المصدر بفعله في عمله, فيعمل عمل الفعل في اللزوم والتعدي بنفسه وبالحرف، وخطب التمثيل في ذلك سهل.
"تنبيه":
"يخالف"١ المصدر "فعله"٢ في أمرين:
أحدهما: أن في رفعه "نائب الفاعل"٣ خلافا، ومذهب جمهور البصريين جوازه, وإليه ذهب في التسهيل.
الثاني: "أن"٤ فاعل المصدر يجوز حذفه بخلاف فاعل الفعل، وإذا حذف لم يتحمل "ضميره"٥، خلافا لبعضهم.
ثم قال:
مضافا أو مجردا أو مع أل
فهو ثلاثة أحوال، وإعماله مضافا أكثر نحو: ﴿.... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ....﴾ ٦ ولا خلاف فيه، وفي كلام بعضهم ما يشعر بالخلاف.
стр. 802
وإعماله مجردا "من"١ الإضافة وأل أقل من المضاف نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ ٢.
وفيه خلاف أجازه البصريون, ومنعه الكوفيون.
فإن "وقع بعده"٣ مرفوع أو منصوب, فهو محمول عندهم على فعل مضمر، وإعماله مع أل أقل من المجرد، ومنه قول الشاعر٤:
ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل
وفيه خلاف؛ أجازه سيبويه ومن وافقه، ومنعه الكوفيون وبعض البصريين كابن السراج، وأجازه الفارسي على قبح، وفصّل ابن طلحة بين أن
стр. 803
يكون بأل معاقبة "للضمير"١, فيجوز نحو: "إنك والضرب خالد المسيء إليه" وإلا فلا يجوز نحو: "عجبت من الضرب عمرا", ثم نبه على "شرط"٢ عمل المصدر بقوله:
إن كان فعل مع "أن" أو "ما" يحل محله
شرط إعمال المصدر غير الواقع بدلا من اللفظ بفعله، أن يصح تقديره بالفعل مع حرف مصدري.
فإن أريد به غير الحال جاز أن يقدر بأن "أو"٣ بما، وإن أريد به الحال قدر بما ولم يقدر بأن؛ لأن مصحوبها لا يكون حالا؛ فلذلك لم يقتصر على أن كما فعل بعضهم.
فإن قلت: قد ذكر في التسهيل "معهما"٤ "أن" المخففة، ومثله بنحو: "علمتُ ضربَكَ زيدًا" تقديره: علمت أن قد ضربت زيدا، فأن "هذه"٥ مخففة؛ لأنها واقعة بعد العلم، وهي موضع غير صالح للمصدرية٦.
قلت: ذكر "ما" المصدرية مغنٍ عنها، فإنها يصح وقوعها بعد العلم، ولم يقدر سيبويه في الباب بغير "أن" الثقيلة مع ضمير الشأن.
فإن قلت: ظاهر قوله: "إن كان" وقوله في الكافية:
حيث ما يصح حرف مصدري تمما
أن هذا الشرط لازم، وقد جعله في التسهيل غالبا٧, وقال في شرحه: وليس تقديره بأحد الثلاثة شرطا في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك، ومن
стр. 804
وقوعه غير مقدر بأحدها قول العرب: "سَمْعُ أذني زيدا يقول ذلك"١ وذكر مثلا آخر.
قلت: المشهور أن تقديره بذلك شرط وما ذكره من المثل لا يتعذر فيه التقدير، وكلام صاحب البسيط موافق للمصنف في عدم اشتراط ذلك.
"تنبيه":
لإعمال المصدر شروط لم يذكرها هنا:
الأول: أن يكون مظهرا، فلو أضمر لم يعمل؛ لعدم حروف الفعل، خلافا للكوفيين، وأجاز ابن جني في الخصائص والرماني إعماله في المجرور ونقل عن الفارسي، وقياسه في الظرف.
الثاني: أن يكون مكبرا، فلو صُغِّر لم يعمل.
الثالث: أن يكون غير محدود, فلو حُدّ بالتاء لم يعمل، فإن ورد حكم بشذوذه كقوله٢:
يحايي به الجلد الذي هو حازم ... بضربة كفيه الملا نفس راكب
فنصب الملا بضربة كفيه وهو محدود، ونصب نفس بيحايي.
ومعناه: يصف الشاعر مسافرا معه ماء فتيمم, وأحيا بالماء نفس راكب كاد يموت عطشا.
стр. 805
الرابع: أن يكون غير منعوت قبل تمام عمله؛ لأن معمول المصدر بمنزلة الصلة من الموصول، فلا يفصل بينهما بالنعت، فإن ورد ما يوهم ذلك قدر فعل بعد النعت يتعلق به المعمول المتأخر، فلو نعت بعد تمامه لم يمنع.
والأولى أن يقال: "غير متبوع" بَدَل "غير منعوت"؛ لأن حكم سائر التوابع حكم النعت.
الخامس: أن يكون مفردا. ذكره في البسيط عن بعضهم ولم يشترطه في التسهيل١, وقال في الكافية:
وأهمل المضمر والمحدود ... ومصدر فارقه التوحيد
ورب محدود ومجموع عمل ... وبسماع لا قياس قد قبل
وصرح بجوازه في شرح التسهيل:
ومن إعماله مجموعا قوله٢:
قد جربوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا المجد والفنعا
стр. 806
واختلف النحويون في "جوازهم"١ إعمال المجموع، فأجازه قوم، واختاره ابن عصفور، ومنعه قوم ومنهم ابن سيده.
فإن قلت: فهل يشترط في إعماله أن يكون بمعنى الحال والاستقبال, كاسم الفاعل؟
قلت: لا يشترط ذلك؛ لأنه عمل لكونه أصلا، فلم يتقيد بزمان بخلاف اسم الفاعل، قاله المصنف. وقال غيره: لأنه عمل بالنيابة عن الفعل، والفعل لا يشترط فيه ذلك.
وحكي عن بعض المتأخرين أنه منع إعماله ماضيا، وليس بصحيح.
وقوله: ولاسم مصدر عمل.
يعني أن اسم المصدر يعمل عمل فعله، وهو قليل، وإلى قلته أشار بتنكير "عمل" واختلف في إعمال اسم المصدر، فأجازه الكوفيون ومنعه البصريون، قال بعضهم: إلا في ضرورة، وتأولوا ما ورد من ذلك على إضمار فعل.
ومن عمله قول عائشة ﵂: "من قبلة الرجل امرأتَه الوضوءُ"٢ وظاهر كلامه في التسهيل أنه مَقِيس٣, وقال الشارح: وليس ذلك بمطرد في اسم المصدر, ولا فاشٍ.
стр. 807
"تنبيهان":
الأول: أطلق في قوله: "ولاسم مصدر عمل" وهو مقيد بغير العَلَم، فالعلم لا يعمل، وهو ما دل على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام؛ لتضمن الإشارة إلى حقيقته كيسار وبرة وفجار١.
الثاني: عرف اسم المصدر في التسهيل إذ قال: ويعمل عمله اسمه غير العلم, وهو ما دل على معناه وخالفه بخلوه -لفظا وتقديرا دون عوض- من بعض ما في فعله, مثال ذلك:
"توضأ وضوءا" و"تكلم كلاما"؛ فالوضوء والكلام اسمان للمصدر، لا مصدران؛ لخلوهما -لفظا وتقديرا- من بعض ما في فعلهما.
وحق المصدر أن يتضمن حروف فعله بمساواة نحو: "توضأ توضؤا" أو بزيادة نحو: "أعلم إعلاما".
واحترز بقوله: "أو تقديرا" من نحو: "قاتل قتالا" فإنه مصدر لا اسم مصدر، إذ لم يخل تقديرا، فإن أصله: "قيتالا", فالمدة مقدرة وقد "ثبتت"٢ لفظا.
وبقوله: "دون عوض" من نحو: "عدة", فإنه مصدر مع خلوه من الواو؛ لأن التاء عوض "منها"٣.
من نحو: "كلّم تكليما" فإنه مصدر مع خلوه من التضعيف؛ لأن "التاء"٤ عوض منه.
قال الشارح: اعلم أن اسم المعنى الصادر عن الفاعل كالضرب، أو القائم بذاته كالعلم، ينقسم إلى مصدر واسم مصدر.
стр. 808
فإن كان أوله ميما مزيدة لغير مفاعلة كالمضرب والمحمدة، أو كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي كالغسل والوضوء، فهو اسم للمصدر، وإلا فهو المصدر.
قلت: الذي أوله الميم المذكورة، وإن أطلق بعضهم عليه اسم المصدر فإنه يعمل عمل فعله، وليس هو موضع الخلاف، ولا المراد هنا.
والنوع الثاني وهو ما كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي, هو المذكور في التسهيل١.
قال الشيخ أبو حيان: وهذا الثاني عندنا مصدر، لا اسم مصدر، قال: واسم المصدر يقال باصطلاحين:
أحدهما: "ما ينقاس"٢ بناؤه من الثلاثي على مفعل، "وما زاد"٣ على صيغة اسم المفعول وهذا يعمل عمل فعله.
الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر كالثواب والعطاء والكلام والدهن والخبز، فهذه وضعت لما يثاب به ولما يعطى وللجمل "المقولة"٤ ولما يدهن به ولما يخبز به.
وفي هذا النوع اختلف الكوفيون والبصريون، وتحقيق الخلاف بين الفريقين:
هل ينقاس أن يطلق اسم المصدر مجازا على المصدر ويعمل عمل المصدر, أو لا؟
فقال البصريون: لا, إلا أن يضطر شاعر. وقال الكوفيون والبغداديون: ينقاس ذلك.
قلت: وصرح في شرح التسهيل بأن ثوابا وعطاء مصدران؛ لقرب ما بينهما وبين الأصل، وهو إثواب وإعطاء.
стр. 809
قوله:
وبعد جره الذي أُضيف له ... كمل بنصب أو برفع عمله
للمصدر المضاف خمسة أحوال:
الأول: أن يضاف إلى فاعله ويحذف مفعوله نحو: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ....﴾ ١.
الثاني: أن يضاف إلى مفعوله ويحذف فاعله نحو: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ... ﴾ ٢.
الثالث: أن يضاف إلى فاعله ثم يكمل عمله بنصب مفعوله نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ٣.
الرابع: أن يضاف إلى مفعوله ثم يكمل عمله برفع فاعله نحو قوله ﵊: " ... وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" ٤.
وهو قليل، قيل: ولم يجئ في القرآن إلا ما روي عن ابن عامر أنه قرأ: "ذكر رحمةِ ربك عَبْدُهُ زَكَرِيَّاءُ"٥ -برفع الدال والهمزة- وليس ذلك مخصوصا بالضرورة على الصحيح.
والأكثر في المصدر إذا أضيف إلى مفعوله أن يحذف فاعله.
стр. 810
الخامس: أن يضاف إلى الظرف, فيرفع وينصب كالمنون نحو: "عجبت من انتظار يوم الجمعة زيدٌ عمرًا".
وقوله: "كمل" يعني: إن أردت؛ لأن "ذاك"١ غير لازم. وقوله:
وجُر ما يتبع ما جُر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن
المضاف إليه المصدر، إن كان فعلا فمحله رفع، وإن كان مفعولا فهو في موضع نصب، إن قدر المصدر بأن وفعل الفاعل، وفي موضع رفع إن قدر المصدر بأن وفعل المفعول، خلافا لمن منع تقديره بفعل المفعول.
فلك في التابع الجر على اللفظ والرفع على المحل، إن كان فاعلا أو نائبه، والنصب على المحل إن كان مفعولا به, تقول: "عجبت من أكل الخبز واللحم" بالجر والرفع والنصب.
فالجر على اللفظ، والنصب على المحل؛ لأنه مفعول به، والرفع على تقدير: إن أُكل الخبز "واللحم"٢.
"تنبيه":
ظاهر كلام المصنف جواز الإتباع على المحل في جميع التوابع، وهو مذهب الكوفيين، وطائفة من البصريين، وذهب سيبويه ومن وافقه من أهل البصرة إلى أنه لا يجوز الإتباع على المحل، وفصل أبو عمرو فأجاز في العطف والبدل ومنع في التوكيد والنعت، والظاهر الجواز لورود السماع، والتأويل خلاف الظاهر.