واختلف النحويون في "جوازهم"١ إعمال المجموع، فأجازه قوم، واختاره ابن عصفور، ومنعه قوم ومنهم ابن سيده.
فإن قلت: فهل يشترط في إعماله أن يكون بمعنى الحال والاستقبال, كاسم الفاعل؟
قلت: لا يشترط ذلك؛ لأنه عمل لكونه أصلا، فلم يتقيد بزمان بخلاف اسم الفاعل، قاله المصنف. وقال غيره: لأنه عمل بالنيابة عن الفعل، والفعل لا يشترط فيه ذلك.
وحكي عن بعض المتأخرين أنه منع إعماله ماضيا، وليس بصحيح.
وقوله: ولاسم مصدر عمل.
يعني أن اسم المصدر يعمل عمل فعله، وهو قليل، وإلى قلته أشار بتنكير "عمل" واختلف في إعمال اسم المصدر، فأجازه الكوفيون ومنعه البصريون، قال بعضهم: إلا في ضرورة، وتأولوا ما ورد من ذلك على إضمار فعل.
ومن عمله قول عائشة ﵂: "من قبلة الرجل امرأتَه الوضوءُ"٢ وظاهر كلامه في التسهيل أنه مَقِيس٣, وقال الشارح: وليس ذلك بمطرد في اسم المصدر, ولا فاشٍ.
стр. 807
"تنبيهان":
الأول: أطلق في قوله: "ولاسم مصدر عمل" وهو مقيد بغير العَلَم، فالعلم لا يعمل، وهو ما دل على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام؛ لتضمن الإشارة إلى حقيقته كيسار وبرة وفجار١.
الثاني: عرف اسم المصدر في التسهيل إذ قال: ويعمل عمله اسمه غير العلم, وهو ما دل على معناه وخالفه بخلوه -لفظا وتقديرا دون عوض- من بعض ما في فعله, مثال ذلك:
"توضأ وضوءا" و"تكلم كلاما"؛ فالوضوء والكلام اسمان للمصدر، لا مصدران؛ لخلوهما -لفظا وتقديرا- من بعض ما في فعلهما.
وحق المصدر أن يتضمن حروف فعله بمساواة نحو: "توضأ توضؤا" أو بزيادة نحو: "أعلم إعلاما".
واحترز بقوله: "أو تقديرا" من نحو: "قاتل قتالا" فإنه مصدر لا اسم مصدر، إذ لم يخل تقديرا، فإن أصله: "قيتالا", فالمدة مقدرة وقد "ثبتت"٢ لفظا.
وبقوله: "دون عوض" من نحو: "عدة", فإنه مصدر مع خلوه من الواو؛ لأن التاء عوض "منها"٣.
من نحو: "كلّم تكليما" فإنه مصدر مع خلوه من التضعيف؛ لأن "التاء"٤ عوض منه.
قال الشارح: اعلم أن اسم المعنى الصادر عن الفاعل كالضرب، أو القائم بذاته كالعلم، ينقسم إلى مصدر واسم مصدر.
стр. 808
فإن كان أوله ميما مزيدة لغير مفاعلة كالمضرب والمحمدة، أو كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي كالغسل والوضوء، فهو اسم للمصدر، وإلا فهو المصدر.
قلت: الذي أوله الميم المذكورة، وإن أطلق بعضهم عليه اسم المصدر فإنه يعمل عمل فعله، وليس هو موضع الخلاف، ولا المراد هنا.
والنوع الثاني وهو ما كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي, هو المذكور في التسهيل١.
قال الشيخ أبو حيان: وهذا الثاني عندنا مصدر، لا اسم مصدر، قال: واسم المصدر يقال باصطلاحين:
أحدهما: "ما ينقاس"٢ بناؤه من الثلاثي على مفعل، "وما زاد"٣ على صيغة اسم المفعول وهذا يعمل عمل فعله.
الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر كالثواب والعطاء والكلام والدهن والخبز، فهذه وضعت لما يثاب به ولما يعطى وللجمل "المقولة"٤ ولما يدهن به ولما يخبز به.
وفي هذا النوع اختلف الكوفيون والبصريون، وتحقيق الخلاف بين الفريقين:
هل ينقاس أن يطلق اسم المصدر مجازا على المصدر ويعمل عمل المصدر, أو لا؟
فقال البصريون: لا, إلا أن يضطر شاعر. وقال الكوفيون والبغداديون: ينقاس ذلك.
قلت: وصرح في شرح التسهيل بأن ثوابا وعطاء مصدران؛ لقرب ما بينهما وبين الأصل، وهو إثواب وإعطاء.
стр. 809
قوله:
وبعد جره الذي أُضيف له ... كمل بنصب أو برفع عمله
للمصدر المضاف خمسة أحوال:
الأول: أن يضاف إلى فاعله ويحذف مفعوله نحو: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ....﴾ ١.
الثاني: أن يضاف إلى مفعوله ويحذف فاعله نحو: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ... ﴾ ٢.
الثالث: أن يضاف إلى فاعله ثم يكمل عمله بنصب مفعوله نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ٣.
الرابع: أن يضاف إلى مفعوله ثم يكمل عمله برفع فاعله نحو قوله ﵊: " ... وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" ٤.
وهو قليل، قيل: ولم يجئ في القرآن إلا ما روي عن ابن عامر أنه قرأ: "ذكر رحمةِ ربك عَبْدُهُ زَكَرِيَّاءُ"٥ -برفع الدال والهمزة- وليس ذلك مخصوصا بالضرورة على الصحيح.
والأكثر في المصدر إذا أضيف إلى مفعوله أن يحذف فاعله.
стр. 810
الخامس: أن يضاف إلى الظرف, فيرفع وينصب كالمنون نحو: "عجبت من انتظار يوم الجمعة زيدٌ عمرًا".
وقوله: "كمل" يعني: إن أردت؛ لأن "ذاك"١ غير لازم. وقوله:
وجُر ما يتبع ما جُر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن
المضاف إليه المصدر، إن كان فعلا فمحله رفع، وإن كان مفعولا فهو في موضع نصب، إن قدر المصدر بأن وفعل الفاعل، وفي موضع رفع إن قدر المصدر بأن وفعل المفعول، خلافا لمن منع تقديره بفعل المفعول.
فلك في التابع الجر على اللفظ والرفع على المحل، إن كان فاعلا أو نائبه، والنصب على المحل إن كان مفعولا به, تقول: "عجبت من أكل الخبز واللحم" بالجر والرفع والنصب.
فالجر على اللفظ، والنصب على المحل؛ لأنه مفعول به، والرفع على تقدير: إن أُكل الخبز "واللحم"٢.
"تنبيه":
ظاهر كلام المصنف جواز الإتباع على المحل في جميع التوابع، وهو مذهب الكوفيين، وطائفة من البصريين، وذهب سيبويه ومن وافقه من أهل البصرة إلى أنه لا يجوز الإتباع على المحل، وفصل أبو عمرو فأجاز في العطف والبدل ومنع في التوكيد والنعت، والظاهر الجواز لورود السماع، والتأويل خلاف الظاهر.
стр. 811
إعمال اسم الفاعل:
اسم الفاعل: هو الصفة الدالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه, أو معنى الماضي.
فالصفة: جنس، والدالة على فاعل: مخرج لاسم المفعول وما بمعناه، وجارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها: مخرج للجارية على الماضي نحو: "فرح"، وغير الجارية نحو: "كريم".
وقوله: في التذكير والتأنيث: مخرج لما كان من الصفات على أفعل نحو: "أهيف", فإنه لا يجري على المضارع إلا في التذكير، وقوله: لمعناه أو معنى الماضي: مخرج لنحو: "ضامر الكشح" من الصفة المشبهة وقوله:
كفعله اسم فاعل في العمل
يعني: إن كان فعله لازما فهو لازم، وإن كان فعله متعديا إلى واحد فأكثر فهو كذلك.
وقوله:
إن كان عن مضيه بمعزل
يعني: أن شرط عمل اسم الفاعل عمل فعله أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، فإن كان بمعنى الماضي لم يعمل خلافا للكسائي، فإنه أجاز عمله مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ....﴾ ١ ورد بأنه حكاية حال، ووافقه على إجازة ذلك هشام وابن مضاء.
"تنبيه":
هذا الخلاف في عمل الماضي دون أل بالنسبة إلى المفعول به، فأما بالنسبة إلى الفاعل، فذهب بعضهم إلى أنه لا يرفع الظاهر, وبه قال ابن جني والشلوبين، وذهب قوم إلى أنه يرفعه، وهو ظاهر كلام سيبويه، واختاره ابن عصفور.
وأما المضمر: فحكى ابن عصفور الاتفاق على أنه يرفعه، وحكى غيره عن ابن طاهر وابن خروف أنه لا يرفعه، وهو بعيد.
стр. 812
وقوله:
وولي استفهاما أو حرف ندا
يعني: أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد على أحد الأشياء المذكورة، والاستفهام نحو قوله١:
أناوٍ رجالك قتل امرئ ... من العز في حبك اعتاض ذلا؟
وحرف النداء نحو: "يا طالعًا جبلًا" ولم يذكره في الكافية، ولا في التسهيل.
وقال الشارح: المسوّغ لإعمال "طالع" هنا اعتماده على موصوف محذوف تقديره: رجلا طالعا جبلا، وليس المسوغ الاعتماد على حرف النداء؛ لأنه ليس كالاستفهام والنفي في التقريب من الفعل.
والنفي: "ما ضارب الزيدان عمرا". ومثال كونه صفة: "جاءني رجل مكرم عمرا", "أو مسندا" يعني خبرا: "زيد مكرم عمرا", فالواقع صفة معتمد على الموصوف، والواقع خبرا معتمد على المخبر عنه.
فإن قلت: أهمل المصنف اعتماده على صاحب الحال نحو: "جاءني زيد ضاربا عمرا".
قلت: استغنى عن ذكره بذكر الصفة؛ لأنه صفة في المعنى.
стр. 813
"تنبيهان":
الأول: اعتماد اسم الفاعل على ما ذكر شرط في صحة عمله عند جمهور البصريين، وذهبالأخفش والكوفيون إلى أنه لا يشترط.
والثاني: ذكر المصنف هنا لعمله شرطين:
الأول: أن يكون بمعزل عن المضي، والثاني: الاعتماد.
وزاد في التسهيل شرطين١:
أحدهما: أن يكون غير مصغر، خلافا للكسائي في إجازته إعماله مستدلا بقول بعضهم: "أظنني مرتحلا وسُوَيِّرا فرسخا" ولا حجة لأن فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل، قيل: والجواز مذهب الكوفيين إلا الفراء، وتابعهم أبو جعفر النحاس، وقال المتأخرون: إن لم يحفظ له مكبر جاز إعماله كقوله٢:
.................... ... ترقرق في الأيدي كُمَيْتٍ عصيرُها
في رواية من جر كميت.
стр. 814
والآخر: ألا يكون موصوفا, خلافا للكسائي في إجازته إعماله مطلقا.
قال في شرح التسهيل: ووافق بعض أصحابنا الكسائي في إعمال الموصوف قبل الصفة؛ لأن ضعفه يحصل بعد ذكرها لا قبلها، ونقل غيره أن مذهب البصريين والفراء هذا التفصيل، وأن مذهب الكسائي وباقي الكوفيين إجازة ذلك مطلقا, والحاصل ثلاثة مذاهب.
وقوله:
وقد يكون نعت محذوف عُرف ... فيستحق العمل الذي وصف
يعني: أن اعتماد اسم الفاعل على موصوف محذوف مسوغ لعمله عمل فعله كاعتماده على موصوف مذكور، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ....﴾ ١.
وقوله:
وإن يكن صلة أل ففي المضي ... وغيره إعماله قد ارتُضي
ما تقدم من اشتراط إرادة الحال والاستقبال إنما هو في المجرد من أل, وأما ما وقع صلة لها فهو صالح للعمل بمعنى الماضي والحال والاستقبال، قال الشارح: باتفاق، وفي شرح الكافية: وأما الملتبس بهما فلا خلاف في إعماله، وحكى الخلاف في التسهيل٢.
والحاصل أربعة مذاهب:
الأول: "أنه"٣ يعمل مطلقا لوقوعه موقعا يجب تأويله بالفعل، وهو المشهور.
والثاني: أن المنتصب بعده مشبه بالمفعول "به"٤؛ لأن أل ليست موصولة بل حرف تعريف، ودخولها يبطل عمله كما يبطله التصغير والوصف؛ لأنه يبعد
стр. 815
عن الفعل، وهذا مذهب الأخفش، وأصحاب الأخفش يقولون: إن قصد بأل العهد فالنصب على التشبيه، وإن قصد معنى الذي، فالنصب باسم الفاعل.
والثالث: أنه لا عمل له، والمنصوب بعده منصوب بفعل مضمر.
والرابع: أنه يعمل بمعنى المضي خاصة وهو مذهب الرماني.
وقوله:
فَعَّال أو مِفْعَال أو فَعُول ... في كثرة عن فاعل بديل
إذا قصد التكثير والمبالغة باسم الفاعل الثلاثي حول إلى فعال "كعقار"١ أو مفعال كمنحار، أو فعول كضروب, أو فعيل كعليم, أو فعل كحذر، وقد ذكرهما في البيت الآتي، فإن قلت: ما معنى قوله: "في كثرة"؟
قلت: يعني أن هذه المثل إنما يعدل عن فاعل إليها؛ للدلالة على الكثرة والمبالغة٢.
فإن قلت: من أين يعلم من كلامه اختصاص ذلك بالثلاثي؟
قلت: من قوله: "عن فاعل", فإن اسم فاعل غير الثلاثي لا يكون على فاعل، وقد يبنى فعّال ومفعال وفعول وفعيل من أفعَل كقولهم: درَّاك, ومِهْوان، وزهوق، ونذير، من أدرك وأهان وأزهق وأنذر، وذلك قليل.
وقوله:
فيستحق ما له من عمل
يعني: هذه الأمثلة تستحق ما لاسم الفاعل من العمل بالشروط المذكورة, على التفصيل المتقدم.
وقوله:
وفي فعيل قل ذا وفعل
الإشارة إلى عمل اسم الفاعل, أي: قل في فعيل وفعل أن يعمل عمل اسم الفاعل، ومذهب سيبويه جواز إعمال هذه الأمثلة الخمسة، ومنع أكثر البصريين منهم المازني والمبرد إعمال فعيل وفعل.
وفصّل الجرمي فأجاز إعمال فَعِل؛ لأنه على وزن الفعل، ومنع إعمال
стр. 816
فعيل، ومنع الكوفيون إعمال الخمسة؛ لأنها لما جاءت للمبالغة زادت على الفعل، فلم تعمل عندهم لذلك.
والصحيح مذهب سيبويه ومن وافقه؛ لورود السماع بذلك نظما ونثرا. مثال فعّال قول من سمعه سيبويه: "أما العسل فأنا شرّاب".
وقول الشاعر١:
أخا الحرب لبَّاسًا إليها جِلَالها
ومثال مفعال قول بعض العرب: "إنه لمِنْحار بوائكَها" أي: سمانها.
وقول الشاعر٢:
стр. 817
شُمّ مهاوينُ أبدان الجَزُور مخا ... ميص العشيات لا خُور ولا قَزَم
فمهاوين جمع مِهْوان.
ومثال فعول قول بعضهم: "أنت غَيُوظ ما علمت أكباد الإبل" حكاه الكسائي, وقول الشاعر١:
ضَرُوبٌ بنصل السيف سُوق سمانها
ومثال فعيل قول بعضهم: "إن الله سَمِيع دعاء من دعاه" وقالوا: "هو حَفِيظ وعلمه وعلم غيره".
стр. 818
وقول الشاعر١:
فتاتان أما منهما فشبيهة ... هلالا، وأخرى منهما تشبه البدرا
стр. 819
ومثال فَعِل قول الشاعر١:
حَذِرٌ أمورًا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيَه من الأقدار
أنشده سيبويه، والقدح فيه من وضع الحاسدين.
ومن إعمال فعل قول زيد الخيل٢:
стр. 820
أتاني أنهم مَزِقُون عِرْضي
فأعمل مزقون عرضي وهو جمع مزق محول؛ للمبالغة من مازق.
قوله:
وما سوى المفرد مثله جُعِل ... في الحكم والشروط حيثما عَمِل
ما سوى المفرد هو المثنى والمجموع فحكمهما حكم المفرد في العمل بالشروط المذكورة، فضاربان وضاربون مثل ضارب، وذلك واضح فيما ذكر، وضروبان وضروبون مثل ضروب فيما ذكر, وذلك قوله:
وانصب بذي الإعمال تِلْوا واخفض
احترز "بذي الإعمال" عن المراد به المضي، فإنه يضاف وجوبا كإضافة الجوامد.
وفهم من تقديمه النصب أنه أولى، وهو ظاهر كلام سيبويه، وقال الكسائي:
стр. 821
هما سواء، قيل: والذي يظهر أن الإضافة أولى بالوجهين قرئ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ....﴾ ١.
ويعني بقوله: "تلو" المفعول الذي يليه، فلو فصل تعين نصبه نحو: ﴿ ... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ... ﴾ ٢ وقد أضيف مع الفصل في قراءة من قرأ: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ... ﴾ ٣ وقد تقدم في الإضافة.
تنبيه:
ما ذكره من جواز الوجهين إنما هو في الظاهر، وأما المضمر المتصل فيضاف إليه اسم الفاعل المجرد وجوبا نحو: "هذا مكرمك", وذهب الأخفش وهشام إلى أنه في محل النصب كالهاء من واقيكه٤.
وقد فهم من قوله: "تلوا" أنه إنما يجوز الوجهان في المفعول الذي يليه، فلو فصل زيدا تعين نصبه به؛ ولذلك قال:
وهو لنصب ما سواه مقتضي
مثال ذلك: "زيد معطي عمرو درهما ومعلمُ خالدٍ عمرا فاضلا".
"تنبيه":
إذا أضيف اسم الفاعل بمعنى المضي، واقتضى مفعولا آخر نحو: "معطي زيدٍ درهما أمس" نصب بفعل مضمر عند الجمهور، وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي؛ لأنه اكتسب بالإضافة شبها بمصحوب أل.
وقوله:
واجرر أو انصب تابع الذي انخفض ... كمبتغي جاهٍ ومالُا من نهض
стр. 822
فالجر على اللفظ والنصب على المحل، ومن منع إتباع المحل في نحو ذلك أضمر فعلا، وهو قول سيبويه.
فإن قلت: قوله: "الذي انخفض" لا يصح على إطلاقه؛ لأن المخفوض بإضافة الذي بمعنى الماضي لا يصح في تابعه اعتبار المحل، إذ لا محل له، بل إن نصب تابعه بفعل مقدر.
قلت: إنما كلامه في المخفوض بإضافة ذي الإعمال لقوله: "وانصب بذي الإعمال" وهذا البيت من تتمة الكلام عليه.
وقوله:
وكل ما قُرِّر لاسم فاعل ... يعطى اسم مفعول بلا تفاضل
أي: فيعمل إن كان صلة لأل مطلقا، وإن كان مجردا فبشرط إرادة الحال أو الاستقبال والاعتماد على ما تقدم ذكره, وقوله:
فهو كفعل صيغ للمفعول في ... معناه...........
يعني: أن اسم المفعول يعمل عمل فعل مصوغ للمفعول موافق له في المعنى نحو "مضروب", فإنه يعمل عمل ضرب، فيرفع نائب الفاعل فتقول: "زيدٌ مضروبٌ أبوهُ"١ كما تقول: "ضُرب أبوه".
فإن كان من متعدٍّ إلى اثنين أو ثلاثة, رفع واحدا ونصب ما سواه.
وقد مثل المتعدي لاثنين بقوله:
كالمعطى كفافا يكتفي
فأل موصولة ومعطى صلتها، وهي مبتدأ ويكتفي خبره، وأول مفعولي المعطى ضمير أل وثانيهما كفافا، واستتر الأول؛ لنيابته عن الفاعل.
وقوله:
وقد يضاف ذا إلى مرتفع
معنى.......
стр. 823
يعني: أن اسم المفعول انفرد عن اسم الفاعل بأنه تصح إضافته إلى مرفوعه في المعنى؛ فتقول: "هذا مضروب العبد" بالرفع نيابة عن الفاعل، وبالجر لأنك "أسندت"١ المفعول إلى ضمير المبتدأ، وبالنصب أيضا على التشبيه بالمفعول به، وقد مثل بقوله:
كمحمود المقاصد الورع
أي: الورع محمود المقاصد, اسم المفعول من المتعدي إلى واحد يلحق بالصفة المشبهة في رفع السببي ونصبه وجره كما مثل.
стр. 824
أبنية المصادر:
اعلم أن الفعل الثلاثي مجرد، وزائد على الثلاثة.
فالثلاثي المجرد له ثلاثة أبنية: فَعَل وهو متعد نحو ضَرَبَ، ولازم نحو قَعَدَ، وفَعِل وهو متعد نحو فَهِم ولازم نحو فَرِح، وفَعُل وهو لازم أبدا إلا بتضمين أو تحويل نحو سَهُل.
وأبنية مصادر الثلاثي كثيرة، واقتصر هنا على الغالب, فقال:
فَعْل قياس مصدر المعدى ... من ذي ثلاثة كرد ردا
شمل "قوله"١: "المعدى من ذي ثلاثة" فعَل وفعِل, فقياس مصدرهما فعل -بفتح الفاء وإسكان العين- نحو: ضرَب ضرْبا وفهم فهما، وظاهره أنه مقيس فيهما بلا قيد، وقيد الفعل -المكسور العين- في التسهيل بأن يُفْهِم عملا بالفم نحو: شَرِب شَرْبا, ولقم لقما٢.
ولم يقيده سيبويه أو الأخفش, بل أطلقا.
"تنبيه":
اختلف في معنى القياس هنا، فقيل: إنما يقاس على فعل فيما ذكر عند عدم سماع غيره، فإن سمع غيره وقف عنده، وهو مذهب سيبويه والأخفش، وقيل: يجوز القياس مع ورود السماع بغيره وهو ظاهر قول الفراء.
ثم قال:
وفَعِل اللازم بابه فَعَل
يعني: قياس مصدر فعل اللازم فعل -بفتح الفاء وكسر العين- لا فرق في ذلك بين الصحيح نحو فرح فرحا، والمعتل نحو: جوي جوى، والمضعف نحو: شل شللا، فإن أصله شلل بكسر اللام.
стр. 825
تنبيه:
أطلق الناظم في فعل اللازم، وينبغي أن يقيد بألا يكون لونا؛ لأن فُعلة هو الغالب فيه كالشُّهلة والسمرة.
ثم قال:
وفَعَلَ اللازم مثل قعدا ... له فُعُول باطراد كغدا
تقول: غدا غُدوا ومثله: قعد قعودا وجلس جلوسا، واطراد فعول في فعل اللازم مشروط بألا يكون مستوجبا لأحد الأوزان المذكورة في قوله:
ما لم يكن مستوجبا فِعَالا ... أو فَعَلانا فادر أو فُعَالا
فهذه ثلاثة أوزان، وسنذكر رابعا متى استوجب فعل اللازم واحدا منها لم يأت مصدره على فعول إلا نادرا.
ثم قال:
فأول لذي امتناع كأبى
الأول فعال -بكسر الفاء- وهو مقيس فيما دل على امتناع نحو: أبى إباء, ونفر نفارا.
................ ... والثان للذي اقتضى تقلبا
والثاني هو فعلان -بتحريك العين- وهو مقيس فيما دل على تقلب نحو: جال جولانا, ولمع لمعانا.
وقوله:
للدا فُعَال أو لصوت
يعني: أن فعالا -بضم الفاء- وهو الثالث لنوعين:
أحدهما: ما دل على داء نحو: زَكم زُكاما وسعل سعالا.
والآخر: ما دل على صوت نحو: نَعق نُعاقا ونبح نباحا.
وذكر ابن عصفور أنه مقيس فيهما.
وقوله:
........... وشمل ... سيرا وصوتا الفعيل كصهل
стр. 826
يعني: أن فعيلا، وهو الوزن الرابع، لنوعين أيضا:
أحدهما: ما دل على سير نحو: ذَمَل ذميلا ورَحَل رحيلا.
والآخر: ما دل على صوت نحو: صَهَل صهيلا ونَهَق نهيقا.
وذكر ابن عصفور أنه يطرد في الأصوات.
والحاصل أن فعل اللازم يطرد في مصدره فعول إلا إذا دل على هذه المعاني الخمسة "وهي"١ الامتناع والتقلب والداء والصوت والسير، فالغالب في الامتناع فِعال، وفي التقلب فَعَلان، وفي الداء فُعال، وفي الصوت فُعال أو فَعِيل، وقد يجتمعان نحو: نَعَقَ نُعاقا ونَعِيقا، وقد تنفرد فُعال نحو: بَغَم بُغَاما، وقد تنفرد فعيل نحو صهل صهيلا، واطرد انفراد فُعال "في الفعل اللازم"٢ نحو: رغاء وفي السير فعيل.
تنبيه:
يستثنى أيضا من فعل اللازم ما دل على حرفة وشبهها، فإن الغالب في مصدره فِعَالة نحو: تجر تجارة، وأمر إمارة.
وذكر ابن عصفور أنه مقيس في الولايات والصنائع.
وقوله:
فُعُولة فَعَالة لفعُلا ... كسَهُل الأمر وزيد جَزُلا
فعولة وفعالة مطردان في مصدر فعل نحو: سهل سهولة, وجزل جزالة.
وقال بعضهم: فعولة غير مقيس.
وقوله:
وما أتى مخالفا لما مضى ... فبابه النقل كسُخْط ورضا
فسخط مصدر سخط وقياسه سخط -بالفتح والتحريك- ورضا مصدر رضي وقياسه رضى بالفتح.
стр. 827
وكلامه مقيد في فعالة بالحرف, وشبهها كما تقدم.
ولما فرغ من بيان مصادر الثلاثي, شرع في بيان ما زاد عليه فقال:
وغير ذي ثلاثة مقيس ... مصدره.........
أي: كل فعل زاد على ثلاثة, فله مصدر مقيس لا يتوقف في استعماله على سماع.
وقوله: كقدس التقديس.
يعني: أن ما كان على فُعِّل صحيح اللام فمصدره تفعيل نحو: قدس تقديسا, كلم تكليما.
وقوله: وزكه تزكية, يعني: أن ما كان فعّل معتل اللام فمصدره تفعلة نحو: زكى تزكية وغطى تغطية.
وقوله:
............. وأجملا ... إجمال من تجمُّلا تَجَملا
يعني: أن مصدر أفعل الصحيح إفعال، نحو: أجمل إجمالا وأكرم إكراما، ومصدر تفعَّل تفعُّلا نحو تجمل تجملا.
واستعذ استعاذة
أصل استعاذ، استعوذ على وزن استفعل. قياس مصدره استعواذ، فأعلت الواو، فنقلت حركتها وقلبت ألفا، فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما وهي الزائدة عند الخليل وسيبويه، وبدل العين عند الأخفش والفراء, فصار استعاذ ثم أتي بالتاء عوضا عن المحذوف.
وقوله:
........ ثم أقم ... إقامة.......
أصل أقم أقوِم كأكرم, فقياس مصدره إقوام، فلما اعتلت الواو بالنقل والقلب اجتمع ألفان، فحذف أحدهما على الخلاف المتقدم, فصار إقاما, ثم أتي بالتاء عوضا عن المحذوف.
стр. 828
وقوله: وغالبا ذا التا لزم
أشار إلى أن التاء قد تحذف, كقول بعضهم: أراه إراء١, واستقام استقاما.
قال ابن عصفور: ولا يجوز حذفها إلا حيث ورد، وظاهر كلام سيبويه جوازه، قال: وإن شئت لم تعوض.
وقال الفراء: لا يجوز إلا إذا كانت الإضافة عوضا من التاء نحو: "وإقام الصلاة".
وقوله:
وما يلي الآخر مُدَّ وافتحا ... مع كسر تلو الثان مما افتُتحا
بهمز وصل كاصطفى...... ... ...................
يعني: أن صوغ المصدر من كل فعل مبدوء بهمزة وصل يكون بكسر ثالثه, وهو تلو الثاني وزيادة ألف قبل آخره نحو: اصطفى اصطفاء.
فإن قلت: لا يفهم من قوله: "مد" أن المدة ألف.
قلت: فهم ذلك من قوله: "وافتحا".
وينبغي أن يقيد كلامه بألا يكون أصله تفاعل ولا تفعل نحو: اطّاير واطّير أصلهما: تطاير تطيّر، فإن مصدرهما لا يكسر ثالثه ولا يزاد ألف قبل آخره.
وقوله:
..... وضم ما ... يربع في أمثال قد تلملما
يعني: أن مصدر تفعلَل تفعلُل -بضم رابعه- نحو: تلملَم تلملُما وتدحرج تدحرجا.
وقوله:
فعلال أو فعللة لفعللا ... .....................
يعني: أن مصدر فعلل نحو: دحرج وما ألحق به نحو: جلبب وحوقل وبيطر يأتي على فعلال نحو دحراج, وعلى فَعلَلة نحو دحرجة، والمقيس منهما فعللة، ولذلك قال:
стр. 829
واجعل مقيسا ثانيا لا أولا
وكلاهما عند بعضهم مقيس، وهو ظاهر التسهيل، وكثر فعلال في المضاعف نحو الزلزال، وفتح أول الزلزال ونحوه من المضاعف جائز.
قوله:
لفاعل الفِعَال والمفاعله
يعني: أن فاعل له مصدران: فِعال نحو خاصم خِصاما، ومفاعلة نحو: مخاصمة، واللازم له عند سيبويه المفاعلة، وقد يتركون الفعال ولا يتركون المفاعلة، وانفراد مفاعلة بما فاؤه ياء نحو: ياسر مياسرة، وندر الفعال في قولهم: ياومه مياومة، حكاه ابن سيده.
وقوله:
وغير ما مر السماع عادله
أي: كان له عديلا، فلا يقدم عليه إلا بسماع، من ذلك مجيء المصدر المعتل اللام على تفعيل ونحو١:
стр. 830
وهي تنزي دلوها تنزيا
ومجيء مصدر فعل الصحيح اللام على تفعلة نحو: تكرمة وتجربة، وغلب فيما لامه همزة نحو: خطأ تخطئة وهنأ تهنئة, وقد جاء مصدر فعل على فعال نحو: كلم كلاما.
وقوله:
وفَعْلة لمرة كجلسه ... وفِعْلة لهيئة كجلسه
يعني: أنه يدل على المرة في مصدر الثلاثي المجرد بإتيانه على فعلة -بفتح الفاء- وعلى الهيئة بفعلة -بكسر الفاء- وهو مقيد بألا يكون المصدر على فَعلة نحو: رحمة, أو فِعلة نحو: ذِرْبة١, فلا يدل حينئذ على المرة أو الهيئة إلا بقرينة حالية أو وصف.
وقوله:
في غير ذي الثلاث بالتا المرة
يعني: أنه يدل على المرة في مصدر غير الثلاثي زيادة التاء نحو: انطلق انطلاقة.
تنبيهان:
الأول: إنما تلحق التاء للدلالة على المرة في الأبنية المقيسة.
والثاني: إن ذلك مقيد بأن يكون المصدر مجردا من التاء، فإن بني على التاء دل على المرة فيه بالقرينة لا بالتاء كما سبق في الثلاثي.
وقوله:
وشذ فيه هيئة كالخمره
أي: شذ في غير الثلاثي صوغ فعلة للدلالة على الهيئة كقولهم: "هو حَسن العِمّة والقُمصة" و"هي حسنة الخمرة والنِّقبة" من تعمم وتقمص, واختمرت وانتقبت.
стр. 831
أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات:
تقدم حد اسم الفاعل, ويأتي حد الصفة المشبهة:
كفاعل صغ اسم فاعل ذا ... من ذي ثلاثة يكون كغذا
شمل قوله: "من ذي ثلاثة" فَعَل المتعدي نحو ضرب فهو ضارب, واللازم نحو ذهب فهو ذاهب، وفَعِل المتعدي نحو علم فهو عالم, واللازم نحو سلم فهو سالم، وفَعُل نحو فَرُه فهو فاره، وليس نسبته إليها على السواء؛ فلهذا قال:
وهو قليل في فعلت وفَعِل ... غير معدى........
"يعني: أن فاعلا قليل في فَعُل -المضموم العين- وفَعِل -المكسور العين- غير المعدى"١, ففهم منه أنه كثير مقيس في فعل مطلقا، وفي فعل المتعدي.
وقوله:
بل قياسه فَعِل ... وأَفْعَل فعلان
يعني: أن قياس فعل اللازم أن يكون اسم فعله على أحد الأوزان الثلاثة، ففعِل للأعراض نحو أشر وفرح، وأفعل للألوان والخِلَق نحو أخضر وأجهر -وهو الذي لا يبصر في الشمس- وفَعْلان للامتلاء وحرارة البطن نحو ريان وصديان، وقد نبه على ذلك بالتمثيل.
وقوله:
وفعل أولى وفعيل بفَعُل
يعني: أن هذين الوزنين أولى به من غيره نحو "ضخُم فهو ضَخْم وجَمُل فهو جميل"٢, فإن قلت: فهل ينقاس عليهما؟
стр. 832
قلت: أما فعيل فمقيس، وقال في شرح التسهيل: ومن استعمل القياس فيهما لعدم السماع, فهو مصيب.
وقول الشارح: الذي كثر في "استعمال"١ اسم الفاعل حتى كاد "يطرد"٢ أن يجيء على فعل أو فعيل, يخالف قوله:
وأفعل فيه قليل وفَعَل
الضمير لفَعْل. مثال أفعل: أحرش٣ المكان فهو أحرش، ومثال فعل: بطل فهو بطل، ولا يقاس عليهما لقلتهما.
وبسوى الفاعل قد يغنى فَعَل
أي: قد يستغني فعل -المفتوح العين- بمجيء اسم فاعله على غير فاعل نحو طاب فهو طيب, وشاخ فهو شيخ, وشاب فهو أشيب, وعف فهو عفيف، ولم يأتوا فيه بفاعل.
فإن قلت: كيف يطلق على هذه الأوزان اسم فاعل، وإنما هي من الصفة المشبهة؟
قلت: يطلق اسم الفاعل في اللغة كثيرا, وفي الاصطلاح قليلا على كل وصف مشارك للفعل في مادة حروف الاشتقاق وتحمل ضمير الفاعل، وفي مشهور الاصطلاح على ما تقدم وحده في بابه.
وقوله:
وزنة المضارع اسم فاعل ... من غير ذي الثلاث كالمواصل
مع كسر متلو الأخير مطلقا ... وضم ميم زائد قد سبقا
стр. 833
بيّن بهذين البيتين كيفية بناء اسم الفاعل من كل فعل زائد على ثلاثة أحرف, وهو واضح.
وقوله: "وزنة" هو خبر مقدم لقوله: "اسم فاعل", والتقدير: واسم الفاعل من غير ذي الثلاث زنة المضارع، وفهم من قوله: "مطلقا" أنه إذا كان مكسورا قدر كسره, فتكون الحركة غير الحركة.
وقوله:
وإن فتحت منه ما كان انكسر ... صار اسم مفعول كمثل المنتظر
فلا فرق بين اسم الفاعل, واسم المفعول فيما زاد على ثلاثة إلا بكسر ما قبل الأخير, وفتحه.
وقوله:
وفي اسم مفعول الثلاثي اطرد ... زنة مفعول كآت من قصد
أي: كالمصوغ من قصد، فتقول: مقصود.
وإذا كان الثلاثي لازما قيد مفعوله بالحرف الذي يتعدى به نحو: "ممرور به" ويعني بالثلاثي المتصرف.
وقوله:
وناب نقلا عنه ذو فَعِيل ... نحو فتاة أو فتى كحيل
أي: ناب ذو فعيل, يعني: صاحب هذا الوزن عن مفعول نقلا لا قياسا نحو: كحيل بمعنى مكحول، وقتيل وطريح وهو كثير.
قال الشارح: وعلى كثرته لم يقس عليه بإجماع، وفي التسهيل: وليس مقيسا خلافا لبعضهم فنص على الخلاف١, وقال في شرحه: وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له فعيل بمعنى فاعل، فقيد في الشرح وأطلق في الأصل.
فإن قلت: فهل يعمل فعيل النائب عن مفعول عمل اسم المفعول؟
قلت: ذكر في التسهيل "أنه ينوب"٢ في الدلالة لا العمل٣, فعلى هذا لا
стр. 834
يقال: "مررت برجل كحيل عينه ولا قتيل أبوه" وقد أجازه ابن عصفور ويحتاج إلى سماع.
فإن قلت: لِمَ قال: نحو فتاة أو فتى، فمثل بالمؤنث والمذكر؟
قلت: لينبه على أن "فعيل" بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 835
الصفة المشبهة باسم الفاعل:
صفة استحسن جر فاعل ... معنى بها المشبهة اسم الفاعل
تتميز الصفة المشبهة عن اسم الفاعل باستحسان جر فاعلها بإضافتها إليه.
نحو "حسن الوجه" وذلك خلاف اسم الفاعل، فإنه "لا يصلح لذلك"١.
فإن قلت: يشعر قوله: "استحسن" بأن اسم الفاعل قد يضاف إلى فاعله، ولكنه ليس بمستحسن.
قلت: قال الشارح: إن ذلك "لا يسوغ"٢ في اسم الفاعل إلا إن أمن اللبس، فقد "يجوز"٣ على ضعف وقلة في الكلام نحو: "كاتب الأب" تريد: كاتب أبوه، انتهى. وليس على إطلاقه بل نقول: إذا قصد ثبوت اسم الفاعل، فإن كان من غير متعد عُومل معاملة الصفة المشبهة.
"وساغت"٤ إضافته إلى ما هو فاعل في المعنى، فتقول: "زيد قائم الأب" -بالرفع والنصب والجر- على حد الحسن الوجه.
وإن كان من متعد بحرف جر فكذلك عند الأخفش، وصححه ابن عصفور بدليل قولهم: "هو حديث عهد بوجع" ونقل المنع عن الجمهور.
وإن كان من متعد إلى واحد فكذلك عند المصنف بشرط أمن اللبس وفاقا للفارسي، وذهب كثير إلى منعه، وفصّل قوم فقالوا: إن حذف مفعوله اقتصارا جاز وإلا فلا، وهو اختيار ابن عصفور وابن أبي الربيع والسماع يوافقه كقوله٥:
стр. 836
ما الراحم القلب ظلاما وإن ظُلما
وإن كان "متعديا"١ إلى أكثر من واحد لم يجز جعله كالصفة، قال بعضهم بغير خلاف.
فإن قلت: لِمَ قال: فاعل معنى؟
قلت: لأنه لا تضاف الصفة إليه إلا بعد إسنادها إلى ضمير الموصوف, فلم يبق فاعلا إلا من جهة المعنى.
стр. 837
وقوله: "المشبهة اسم فاعل" يجوز أن يكون مبتدأ وصفة خبره، وفي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يكون صفة مبتدأ، وإن كان نكرة لوصفه "والصفة المشبهة"١ خبره, والأول أظهر.
فإن قلت: ما وجه الشبه بينها, وبين اسم الفاعل؟
قلت: من أوجه، أحدها: أنها تدل على حدث, ومن قام به.
الثاني: أنها تؤنث وتذكر.
الثالث: أنها تثنى وتجمع، وكان حقها ألا تعمل عمل فعلها؛ لأنها لا تجري على المضارع، ولا هي معدولة عن الجاري عليه، إلا أنها عملت لمشابهتها اسم الفاعل فيما ذكر.
ثم اعلم أن بين اسم الفاعل والصفة المشبهة فروقا:
الأول: أن الصفة المشبهة لا تكون إلا من فعل لازم بخلاف اسم الفاعل, فإنه يصاغ من المتعدي واللازم.
وإلى هذا أشار بقوله: وصوغها من لازم.
الثاني: أنها لا تكون للماضي المنقطع ولا لما لم يقع ولا "توجد"٢ إلا للحاضر، وهو الأصل في باب الوصف؛ لأنها لم توضع لإفادة معنى الحدوث بل لنسبة الحدث إلى الموصوف به على جهة الثبوت بخلاف اسم الفاعل، فإنه كالفعل في إفادة معنى الحدوث والصلاحية لاستعماله بمعنى الماضي والحال والاستقبال؛ ولذلك إذا قصد باسم الفاعل الثبوت عُومِل معاملة الصفة المشبهة كما سبق، وإذا قصد بالصفة الحدوث حُوِّلت إلى بناء اسم الفاعل كقوله٣:
стр. 838
وما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
وإلى هذا أشار بقوله: "لحاضر".
تنبيه:
قد تقدم مما ذكرناه أن كونها للحال ليس شرطا في عملها، ولكن وضعها كذلك؛ لكونها دالة على الثبوت من ضرورته الحال، فعبارته هنا أجود من قوله في الكافية:
والاعتماد واقتضاء الحال ... شرطان في تصحيح ذا الإعمال
الثالث: أنها غير جارية على المضارع بخلاف اسم الفاعل. نص على ذلك الزمخشري وغيره، وهو ظاهر كلام أبي علي في الإيضاح، ورده المصنف وقال في التسهيل: وموازنتها للمضارع قليلة إن كانت من ثلاثي, ولازمة إن كانت من غيره١.
ولذلك مثل هنا "بطاهر القلب" وهو جارٍ على المضارع, و"بجميل الظاهر" وهو غير جارٍ تنبيها على "مجيئه"٢ بالوجهين.
стр. 839
ومثالها من غير الثلاثي منطلق اللسان, ومطمئن القلب.
قلت: ولقائل أن يقول: إن ضامرا ومنطلقا ومنبسطا ونحوها مما جرى على المضارع أسماء فاعلين قصد بها الثبوت, فعوملت معاملة الصفة المشبهة، وليست بصفة مشبهة.
فإن قلت: قد رد ما ذهب إليه من قال: إنها لا تكون جارية بكونهم متفقين على أن "شاحطا" في قوله١:
من صديق أو أخي ثقة ... أو عدو شاحط دارا
صفة مشبهة:
قلت: إن صح الاتفاق فهو محمول على أن حكمه حكم الصفة المشبهة؛ لأنه قصد به الثبوت كما تقدم؛ فلذلك أطلق عليه صفة مشبهة.
الرابع: أن معمولها لا يتقدم عليها؛ لضعفها بخلاف اسم الفاعل٢.
الخامس: أن معمولها لا يكون إلا سببيا بخلاف اسم الفاعل، فإنه يعمل في السببي والأجنبي٣.
والمراد بالسببي المتلبس بضمير صاحب الصفة لفظا, أو معنى.
стр. 840
وإلى هذين أشار بقوله:
وسبق ما تعمل فيه مجتنب ... وكونه ذا سببية وجب
فإن قلت: قد ذكر في التسهيل أن معمول الصفة المشبهة يكون ضميرا بارزا متصلا١ كقوله٢:
حسن الوجه طلقه أنت في السلم ... وفي الحرب كالح مكفهر
ولا يطلق عليه سببي.
قلت: إنما احترز بالسببي عن الأجنبي فإنها لا تعمل فيه، وأما عملها في الموصوف فلا إشكال فيه.
وأما قوله:
وعمل اسم فاعل المعدى ... لها...........
فيعني به أنها تنصب فاعلها في المعنى, كما ينصب اسم الفاعل مفعوله.
فإن قلت: كيف قال: وعمل اسم فاعل المعدى لها وبينهما فرق، وهو أن معمول اسم الفاعل مفعول به ومعمولها مشبه بالمفعول، فعملهما إذًا مختلف؟
стр. 841
قلت: هو متحدّ صورة وهو المراد بقوله: على الحد الذي قد حُدَّا, يعني: أن عملها مشروط بالاعتماد, كما شرط ذلك في اسم الفاعل.
فإن قلت: لِمَ أخر قوله: "وسبق ما تعمل فيه ... البيت" عن قوله:
وعمل اسم فاعل المعدى؟
وكان ينبغي العكس؛ لأن ذلك من تتمة الفروع.
قلت: بيان شرط معمولها من "توابع عملها"١؛ فلذلك أخره عنه.
وقوله:
فارفع بها وانصب وجر مع أل
الرفع على الفاعلية٢ والنصب على التشبيه بالمفعول به في المعرفة، وعلى التمييز في النكرة، وقيل: يجوز فيه أيضا التشبيه، وأجاز بعض البصريين كون المقرون بأل والمضاف إلى المقرون بها تمييزا وهي نزعة كوفية والجر على الإضافة، وهل هي من نصب أو رفع؟ قولان.
وظاهر كلام المصنف أنها من رفع وإليه ذهب السهيلي، وذهب الشلوبين وأكثر أصحابنا كابن عصفور إلى أنها من المنصوب.
وقوله: "ودون أل".
يعني: أن الصفة المشبهة تعمل الرفع والنصب والجر في السببي مقرونة بأل, ومجردة منها.
ثم قسّم معمولها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: معرف بأل، وإليه أشار بقوله: "مصحوب أل".
والثاني: المضاف، وهو المراد بقوله: "وما اتصل بها مضافا".
أي: وما اتصل بالصفة, ولم ينفصل عنها بأل.
والثالث: المجرد من أل والإضافة.
стр. 842
ثم اعلم أن المضاف أنواع:
الأول: مضاف إلى ضمير الموصوف.
الثاني: مضاف "إلى مضاف" إلى ضميره.
والثالث: مضاف إلى المعرف بأل.
والرابع: مضاف إلى المجرد.
والخامس: مضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف.
ذكره في التسهيل١ ويحتاج إلى سماع.
والسادس: مضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى، ذكره في شرح التسهيل.
والسابع: مضاف إلى موصول.
والثامن: مضاف إلى موصوف يشبهه.
والمجرد من أل والإضافة يشمل ثلاثة أنواع: الموصول والموصوف وما سواهما، فجملة أنواع معمولها السببي أحد عشر نوعا وهذه أمثلتها على الترتيب:
مثال مصحوب أل "الحسن الوجه", ومثال المضاف إلى ضمير الموصوف "الحسن وجهه", ومثال المضاف إلى المضاف إلى ضميره "الحسن وجه أبيه".
ومثال المضاف إلى المجرد "الحسن وجه أب".
ومثال المضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف "مررت بامرأة حسن وجه جاريتها جميلة أنفه" فالأنف مضاف إلى ضمير الوجه والوجه مضاف إلى جارية والجارية مضاف إلى ضمير الموصوف.
стр. 843
ومثال المضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى "مررت برجلٍ حسن الوجنة جميلٍ خالها" وهو تركيب نادر. وشاهده قول الشاعر١:
سبتني الفتاة البضة المتجرد الـ ... لطيفة كشحه وما خلت أن أسبى
ومثال المضاف إلى الموصول قوله٢:
стр. 844
فعجتها قِبَل الأخيار منزلة ... والطيبي كل ما التاثت به الأزر
ومثال المضاف إلى الموصوف "رأيت رجلا حديدا سنان رمح يطعن به".
ومثال الموصول قوله١:
وثيرات ما التفّتْ عليه المآزر
стр. 845
ومثال الموصوف قوله١:
أزور امرأ جما نوال أعده ... لمن أَمَّهُ مستكفيا أزمة الدهر
وهذان القسمان غريبان:
ومثال المجرد غيرهما "الحسن وجه".
إذا تقرر هذا, فاعلم أن الصفة تعمل في السببي الرفع والنصب والجر مع أل ودون أل, فلها ستة أحوال. وكل منها على أحد عشر تقديرا في المعمول فهذه ست وستون صورة كلها جائزة إلا ما لزم منها إضافة ما فيه أل إلى الخالي من أل, ومن إضافة إلى المعرف بها أو إلى ضمير المعرف بها فيمتنع "الحسن وجهه" و"الحسن وجه أبيه" و"الحسن وجه أب" و"الحسن وجه" ونحوها.
ويجوز نحو: "الحسن الوجه"؛ لأنه معرف بأل, و"الحسن وجه الأب"؛ لأنه مضاف إلي المعرف بها, و"الكريم الآباء الغامر جودهم"؛ لأن جودا مضاف إلى ضمير المقرون بها، ذكره في التسهيل٢.