← Общие книги

Общие книги · id 9989

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (643 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكانت معامل شاطبة في إسبانيا تصدر بضاعة الورق إلى أوروبا الغربية، بينما كانت أوروبا الشرقية تبتاع ورقها من بلاد الشرق الأدنى مباشرة، على ما يشهد لذلك اسم الورق الدمشقي "شارتا داماسينا". وقد صنع الورق من الحرير في سمرقند وبخارى سنة "٦٥٠م" ثم استبدل يوسف بن عمرو سنة "٧٠٦م" القطن بالحرير، ومنه الورق الدمشقي الذي ذكره مؤرخو اليونان. وقد عرف المسلمون آلة الظل، والمرايا المحرقة بالدوائر، والمرايا المحرقة بالمقطوع، وقطعوا شوطًا كبيرًا في الميكانيكيات. ولما بعث الرشيد العباسي إلى شارلمان الساعة الدقاقة الكبيرة تعجب منها أهل ديوان شارلمان، ولم يستطيعوا أن يعرفوا كيفية تركيب آلاتها، على ما حقق ذلك "سيديلو" في كتابه "تاريخ العرب". ونهض المسلمون في فارس والأندلس وصقلية وأفريقية لاستثمار المعادن، يستخرجونها من مناجمها، ويحسنون تطريقها والانتفاع بها، واستخراج المسلمون في الأندلس من مناجمهم الزئبق والتوتيا والحديد والرصاص والفضة والذهب. واستثمر المسلمون أيضًا المناجم التي صارت ملكًا لهم في بلادهم في الشرق والغرب، فاستخرجوا الحديد في خراسان، والرصاص في كرمان، واستخرجوا القار والنقط والكبريت وطينة الأواني الصينية، ورخام طوريس، والملح الأندراني. وقد سبق المسلمون في الأندلس إلى معرفة الطباعة قبل مخترعها المشهور الألماني "جوتنبرغ" وذلك بأربعمائة سنة، فقد كان عبد الرحمن بن بدر من وزراء الناصر، ومن أهل المائة الرابعة تكتب السجلات في داره، ثم يبعثها للطبع فتطبع، ثم تقدم إليه، فيبعثها إلى العمال في الجهات. وحاول بعض المسلمين اختراع طريقة الكتابة الخاصة بالعميان، فقد ذكرت كتب التاريخ أن علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر المشهور بزين الدين الآمدي المتوفى سنة "٧١٢هـ" وكان قد كف بصره في أول عمره، كان كلما

стр. 142

اشترى كتابًا لخزانة كتبه لف ورقة على شكل حرف من الحروف، ولصقها في الكتاب، وكانت هذه الحروف هي التي يستعين بها على معرفة الكتاب. وحاول "عباس بن فرناس" حكيم الأندلس الطيران، وهو أول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من صنع الآلة المعروفة بالمثقال ليعرف بها الأوقات، وكان ذلك على غير مثال سبق، ومثل في بيته السماء بنجومها وعيومها وبروقها ورعودها تمثيلًا يخيل للناظر أنه حقيقة. ويقول "ريسون" في بحوث له عن حضارة المسلمين: "وتوصل العرب إلى إثبات تناسب جيوب الأضلاع لجيوب الزوايا المقابلة لها في أي مثلث كروي، ووضعوا هذه القاعدة أساسًا للطريقة التي سموها الشكل الفني فيحل المثلثات الكروية. وعرفوا حامض الكبريت، استخرجوه من الزاج بوساطة التقطير، وعرفوا ماء الفضة، والقلي، وطرق إذابة الذهب، وعرفوا ملح النشادر، وحجر الكي، والسليماني، وكانوا يطبقون ما كشفوه على الطب والصناعة والحرب. وكانوا يعرفون صنع الصواريخ، أخذوا سرها، من الروم، وعملوا البارود للمدافع، وربما كان ذلك قبل الصينيين١، ولكن كان قبل الأوروبيين على التحقيق، فكانت جيوشهم تستعملها منذ القرن الثالث عشر الميلادي. وقالوا بكروية الأرض منذ ابتداء نهضتهم، وعنوا بصنع القاشاني، وغيروا طريقة صنعه وأشكاله. واشتهرت في القرون الوسطى الأواني الزجاجية، والمصابيح العربية الملونة، التي انتقلت من الشام إلى معامل البندقية، ونسجت هذه على منوالها، وكذلك تعلم أهل البندقية صنع المرايا، وكانت تصنع في صور، ومن البندقية انتقلت إلى أوروبا.

стр. 143

ونقل من الشام والعراق إلى الأندلس صنع السيوف الدمشقية، وصنع الأقمشة، ومنها "الدمقس" -وهو ما يسمى الدامسكو- نسبة إلى دمشق. ومنها "الموسلين" نسبة إلى الموصل، وهي الشفوف، كالذي يسمى الآن بالشاش، ثم عرفت هذه الأصناف بعد ذلك في بلاد الغرب". ويقول "درابر" في بحوث له عن حضارة المسلمين: "ومن عادتهم أن يراقبوا ويتمحنوا، وقد اعتبروا الهندسة والعلوم الرياضية وسائط للقياس. ومما تجدر ملاحظته أنهم لم يستندوا فيما كتبوه في الميكانيكيات والسائلات والبصريات على مجرد النظر، بل اعتمدوا على المراقبة والامتحان، بما كان لديهم من الآلات، وذلك ما هيأ لهم سبيل ابتداع الكيمياء، وقادهم لاختراع أدوات التصفية والتبخير ورفع الأثقال، ودعاهم إلى استخدام الموازنة في الكيمياء، مما خصوا به دون سواهم، وهيأ لهم صنع جداول للجاذبية النوعية، وفتح لهم باب تحسين عظيم في قضايا الهندسة وحساب المثلثات، واختراع الجبر، واستعمال الأرقام في الحساب. وكان هذا كله من نتائج استعمالهم طريقة الاستدلال والامتحان. وهم الذين أنشئوا في العلوم العملية علم الكيمياء، وكشفوا بعض أجزائها المهمة كالحامض الكبريتيك، وحامض الفضة "النتريك" والغول "الكحول". وهم الذين استخدموا ذلك العلم في المعالجات الطبية، فكانوا أول من نشر تركيب الأدوية، والمستحضرات المعدنية. وهم قرروا في الميكانيكات سقوط الأجسام، وكان لهم رأي جلي من جهة طبيعة الجاذبية، ورأي سديد في القوات الميكانيكية. واصطنعوا في نقل الموانع وموازنتها الجداول الأولى للجاذبية النوعية، وكتبوا مقالات في علوم الأجسان وغرقها في الماء

стр. 144

واصلحوا في علم البصريات خطأ اليونان بكون الشعاع يصدر من العين ويمس المرئي فيظهره، فقالوا: إن الشعاع يمر من المرئي إلى العين. وفهموا أساس انعكاس النور أو انكساره، وكشفوا عن طريق الشعاع المنحني في الهواء أننا نرى الشمس قبل الشروق وبعد الغروب، وبرهنوا على ذلك بانكسار الضوء. والذي يدهش كثيرًا أن نتصور أشياء تفاخر بأنها من مواليد وقتنا، ثم لا نلبث أن نراهم سبقونا إليها، فتعليمنا الحاضر في النشوء والارتقاء كان يدرس في مدارسهم، وحقًّا إنهم وصلوا به إلى الأشياء الآلية، وغير الآلية، فكان المبدأ الرئيسي في الكيمياء عندهم، والمظهر الطبيعي للأجسام المعدنية" إلى غير ذلك من أقوال له. أما "غوستاف لوبون" فله تحقيقات واسعات يشرح فيها فضل المسلمين على المدينة الغربية الحديثة، فمما جاء منها لدى حديثه عن مناهج المسلمين العلمية: "إن خزائن الكتب والمختبرات والآلات هي مواد للتعليم والبحث اللازم، ولكنها ليست إلا أدوات، وقيمتها منوطة بالطريقة التي تستعمل فيها، فقد يتلقف المرء علم غيره وهو عاجز عن أن يفكر فيه بنفسه أو يبتدع أي شيء، وقد يكون تلميذًا دون أن يوفق إلى أن يصبح أستاذًا أما العرب "أي المسلمون" فبعد أن كانوا تلاميذ عاديين أساتذتهم تآليف اليونان أدركوا للحال أن التجربة، والترصد خير من أفضل الكتب "يعني بذلك ما تدخل في مجالات العلوم المادية والصناعات" هذه الحقيقة اليوم معروفة لا يعد العمل بها بدعًا، ولكنها لم تكن كذلك في سالف الدهر، فقد ظل علماء القرون الوسطى يشغلون ألف سنة قبل أن يدركوها. ينسب إلى بيكون على العموم أنه أول ما أقام التجربة والترصد اللذين هما ركن المناهج العلمية الحديثة مقام الأستاذ، ولكنه يجب أن يعترف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم، وقد أبدى هذا الرأي جميع العلماء الذين درسوا مؤلفات العرب.

стр. 145

وقال "سيديو": "إن أهم ما اتصفت به مدرسة بغداد في البداءة هو روحها العلمية الصحيحة التي كانت سائدة لأعمالها، وكان استخراج المجهول من المعلوم والتدقيق في الحوادث تدقيقًا، مؤديًا إلى استنباط العلل من المعلولات، وعدم التسليم بما لا تثبته التجربة، مبادئ قال بها أساتذة من العرب، وهذه هي الأصول التي لقنها العلماء، ولقد كان العرب في القرن التاسع متمكنين من هذه الطريقة الخصبة التي صارت عند المحدثين أداة استعملوها للوصول بها إلى أروع الاكتشافات". وقال "دولنبر" في كتاب "تاريخ علم الفلك": تعد راصدين أو ثلاثة بين الأغارقة، وتعد عددًا كبيرًا من الرصاد بين العرب، وأما في الكيمياء فلا نجد مجربًا واحدًا يونانيًّا مع أن المجربين من العرب فيها يعدون بالمئات. الطب: وكان للمسلمين نشاط جم في علم الطب النظري والتجريبي. يقول "سنيبوس" في كلام له عن حضارة المسلمين. "واستخرجوا من كتب الطب اليوناني الطب التجريبي وهو طب العقاقير والحبوب". ويقول "ريسون" في كلام له عن المسلمين: "وكشف كيماويوهم وأطباؤهم عن خواص الغول والنشادر وحامض الأزوت، والكبريت والمياه المعدنية، وأدخلوا في كثير من أدويتهم مواد من نبات بلادهم كالكافور والرواند والسنامكي". ويقول "غوتيه" في حديثه عن المسلمين:

стр. 146

"وقد أغنوا العلم ولا سيما علم النبات بمسائل جديدة كثيرة، ومعظم المستحضرات والأدوية المستعملة كالأشربة، والدهون, والمراهم، والغول "الكحول" واللعوق، والسنامكي، والراوند، والخيارشنبر، وجوزالقيء، هم الذين كشفوها، واستلزمت أصول تداويهم أن يعمدوا إلى استعمال الفتائل وإلى الحجامة في أمراض الصرع، واستعمال الماء البارد في الحمى الدائمة، واتخذ جراحوهم تفتيت حصاة المثانة، واستخرجوا من العين الجريم العدسي الشفاف، ويظهر أنهم عرفوا البنج". وفي "التاريخ العام" لـ"لافيس ورانبو": "وكل هذا المجد في الطب العربي إن لم يبدلنا أنهم كانوا فيه أرباب نظريات دقيقة، فهم على الأقل أرباب ملاحظة عاقلة، وأرباب تجارب حاذقة، وأطباء عمل على غاية من المهارة، وكان الرازي وابن جابر أول من وضع أساس الكيمياء الحديثة، وحاولا كشف الإكسير الذي يهب الحياة، ويعبد الشباب، وكانا يذهبان إلى معرفة حجر الفلاسفة الذي يحول المعادن إلى الذهب، ولم تذهب هذه الأبحاث الوهمية سدى: لأنهم عرفوا بها التقطير والتصعيد، والتجميد، والحل، وكشفوا الغول من المواد السكرية والنشوية الخاثرة". ومهما يكن من أمر فقد كان الطب العربي أساس علم الطب عند الفرنسيين، أخذوه مع كثير من الألفاظ العربية، كما كان الفلك والرياضيات والعلوم الطبيعية تقرأ في أوروبا في كتب عربية إسلامية. وكان المسلمون في الأندلس يعرفون الجراثيم، حتى كانت وقايتهم من الأمراض تشبه الوقاية المعروفة بعد اكتشاف عالم الجراثيم. الزراعة: وكان للمسلمين نشاط جم في ميادين الزراعة. جاء في "التاريخ العام" لـ"لافيس ورامبو":

стр. 147

"ومضى دهر طويل كانت فيه شعوب المملكة العربية أول العارفين بالزراعة، وأحسن العمال، وأجرأ التجار في العالم القديم، وأصبحت الزراعة التي أخذوها عن أساليب بابل والشام ومصر علمًا حقيقيًّا للعرب، أخذوا نظرياتها من الكتب، ثم وسعوها بتدقيقاتهم وتجاربهم، وكانوا يطبقونها بمهارة، ليس بعدها مهارة، وكان رجال الطبقة الأولى منهم لا يستنكفون عن العمل بأيدهم في زراعة الأرض، بينما كان غيرهم يحتقرها ويعدها عملًا مهينًا". وقال "شارل سنيوبوس" في كتابه "تاريخ الحضارة": "جرى أمرأء العرب على قاعدة إسقاء الأرضين بفتح الترع، ففتحوا الآبار وجازوا بالمال الكثير من عثروا على ينابيع جديدة، ووضعوا المصطلحات لتوزيع المياه، ونقلوا إلى إسبانيا أسلوب النواعير لضخ المياه، والسواقي التي توزعها، وإن سهل بلنسية الذي جاء كأنه حديقة واحدة هو من بقايا عمل العرب "أي المسلمين" وعنايتهم بالسقيا، ونظم العرب ديوان المياه الذي كان يرجع إليه في مسائل الري". وقال أيضًا: "إن العرب استعملوا جميع أنواع الزراعة التي وجدوها في مملكتهم، وحملوا كثيرًا من النباتت إلى صقلية وإسبانيا وربوها في أوروبا فأحسنوا تربيتها، حتى لنظنها متوطنة متبلدة، وذلك مثل الأرز والزعفران والقنب والمشمش والبرتقال والكباد والنخل والهليون والبطيخ الأصفر والعنب والعطر والورد الأزرق والأصفر والياسمين بل والقطن والقصب". وقال "ويليام ويلكوكس" مهندس الري الكبير في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين: "إن عمل الخلفاء المسلمين في ري العراق في الأيام الماضية يشبه أعمال الري في مصر والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا في هذا العصر".

стр. 148

العمران: وكان للمسلمين نشاط عظيم في ميادين العمران وتخطيط المدن، وهذه آثار حضارتهم العمرانية شاهدة لهم في الشام والعراق ومصر وبلاد المغرب العربي وإسبانيا وإيران وتركيا والهند وسائر البلاد الإسلامية. وقد وصف المقدسي ميناء عكا التي بناها جده أبو بكر البناء المهندس لابن طولون، والطرق التي استعملها في هندستها حتى تدخل إليها المراكب آمنة، فعدت هذه الميناء من العجائب. ويقول "ريسون" في كلامه له عن المسلمين: "وكنت تراهم حيث نزلوا يمهدون السبل، ويعمرون المرافئ، ويصلحون الفنادق والرباطات، ويرتبون سير القوافل، وكانت المدن الإسلامية أوساطًا تجارية كبرى". وذكر المؤرخون أنه كان في حي من أحياء دمشق وحدها وهو حي الصالحية "جبل مشرف على دمشق القديمة" قرابة "٣٦٠" مدرسة لتدريس مختلف العلوم من مختلف الاختصاصات التي كان لها شأن يومئذ، وهذه المدارس داخلة في نطاق الأوقاف الإسلامية، يضاف إليها المستشفيات، والبيمارستانات والملاجئ التي يأوى إليها ذوو العاهات وأصحاب الحاجات، وكانت هذه المنشآت الخيرية والتعليمية أحسن حالًا وأمتن وآنق من قصور الأثرياء، وذوي الجاه والسلطان آنئد. والكلام عن المؤسسات الخيرية التي بناها المسلمون وأنفقوا عليها الأموال الطائلة، وأوقفوا عليها الوقاف الكثيرة، ذو شجون، وسنعرض روائعها إن شاء الله في الباب الرابع ما تيسر لنا ذلك. ونقتطف من كتاب "حضارة العرب" تأليف "غوستاف لوبون" المقتطفات التالية من مواضع متعددة: "وأنشأ العرب في أفريقية مدنًا كالقيروان وتونس وفاس، وجددوا مدنًا قديمة كتلمسان وبجابة والجزائر".

стр. 149

"ويستدل على حضارة سورية أيام سلطان العرب بما رواه الكتاب وبما لا يزال قائمًا فيها من المباني، وروى المؤرخون أن سورية لم تلبث أن ازدهرت بعد أن فتحها العرب، فقد جد العرب في دراسة كتب اليونان والرومان، مثلما جدوا في ميادين القتال، وأنشئوا المدارس في كل مكان، وصاروا أساتيذ من فورهم بعد أن كانوا تلاميذ، وأنهضوا العلوم والشعر والفنون الجميلة أيما إنهاض". "وبلغت الصناعة والزراعة درجة رفيعة في سورية، وازدهرت كبريات المدن السورية، كالقدس، وصور، وصيدا، ودمشق، وكانت سورية من أغنى أقطار العالم دائمًا ما لم تنلها أيدي التخريب". "فلما قبض العباسيون على زمام الخلافة في سنة "١٣٢هـ - ٧٤٠م" عزموا على تبديل العاصمة، فأقاموا بالقرب من بابل وعلى شاطئ دجلة مدينة بغداد التي لم تلبث أن صارت أشهر مدن الشرق". الفنون الجمالية: وكان للمسلمين نشاط جم في ميادين الفنون الجمالية، مبتعدين فيها عما لم تأذن به أسس الإسلام الاعتقادية والسلوكية. وقد ظهر ذلك في هندسة المنشآت العمرانية الكبرى، وتزيينها بفنون الزينة الجميلة، عدا التماثيل، وصور الإنسان والحيوان، وكل ما فيه دلالة على أي لون من ألوان الشرك والكفر بالله. وضمن المجالات المنفتحة أمامهم استطاعوا أن يبدعوا إبداعات رائعات، تشهد لهم بذلك النقوش والزخرفات البديعة، الباقية في آثارهم الحجرية والرخامية والخشبية والمعدنية وغيرها، وكذلك الرسوم البديعة فيما بقي من الفسيفساء التي زينوا بها جدران وأسقف الجوامع الكبرى. وفي المحاريب والمنابر والمنارات والقباب والمقنطرات والأقواس

стр. 150

والمتدليات المقرنصة والنوافذ والأبواب والدهانات التي نشاهدها في مختلف الأبنية الإسلامية الأثرية المنبثة في معظم بلدان العالم الإسلامي الشيء الكثير، من آثار فنونهم الجميلة، التي لم يجعل الإسلام من دونها حاجزًا. ولما كان الصور والتماثيل الحيوانية من الأمور المساعدة على غرس بزور الشرك بالله، ونشر الوثنيات المختلفة حرمها الإسلام، وإن كان الغرض منها الناحية الجمالية، وذلك لأن الصور والتماثيل، ربما تجعل المعجبين بمن تحاكيه يتقربون إليها بالتعظيم، تعبيرًا عن حبهم لمن تحاكيه، ومع تطاول الزمن وتوارث الأجيال ذلك عنهم، يتطور الأمر فيكون لونا من ألوان العبادة لها، وشركًا بالله ظاهرًا، وقد حصل نظير ذلك في القرون الأولى، ويحصل نظيره أيضًا مع تماثيل الزعماء المنقذين لشعوبهم في أمم كثيرة، ومنه تعظيم بعض المسلمين لقبور الصالحين، على أن الوثنية لم تنته بعد من العالم، والملاحظ أن الشعوب الوثنية ما زالت أكثر عددًا من الشعوب الأخرى. ولما كان عرض زينة المرأة وجمالها الفاتن لغير من تحل له وسيلة للإثارة غير المشروعة، وسببًا لنشر الفساد في الأرض حرم الإسلام ذلك، وإنما أذن به إذا كان لمن تحل له معاشرتها دون غيره، فإذا رأى منها ما يسره لم يكن أمامه مانع يمنعه من تلبية مطالبة العضوية الفطرية منها. وظهر نشاط المسلمين في ميادين الفنون الجمالية في مجالات الأدب القولي، عن طريق الشعر والنثر، على اختلاف أبوابهما، فأبدعوا في ذلك أيما إبداع، واهتدوا بروائع أدب الكلام الذي اشتملت عليه نصوص القرآن والسنة، وما فنون الشعر وعلوم الأدب والبلاغة بما اشتملت عليه من علوم "المعاني والبيان البديع" إلا بعض ثمرات هذا النشاط الجم في مجالات الفنون الجمالية الكلامية ذات الأهداف السامية. وكان للمسلمين سبق رائع في فنون زخرفة الألبسة والآنية، والمراكب والكتب وغيرها، مما تشهد به آثارهم الباقية التي تختال بها المتاحف الكبرى في معظم دول العالم.

стр. 151

وقد انفرد المسلمون من بين الناس بسبق بديع في فنون الخط، حتى غدا الخط العربي آية في الجمال بين سائر الخطوط العالمية، بل أصبح فنًّا قائمًا بذاته، فهو صورة رائعة للزخرفة الجميلة، مع ملاحظة أن هذه الزخرفة ليست ضائعة الدلالة، فهي ذات دلالات فكرية وعلمية بحسب ما تدل عليه كلمات هذه الخطوط، إلى جانب دلالاتها الفنية الجمالية. ومن الفنون الجمالية التي يحض عليها الإسلام مختلف الآداب الشخصية والجماعية، وبها يُعطي المسلم صورة بديعة لجمال المظهر، وجمال المحادثة، وجمال المعاشرة، وجمال المجالس، وجمال السير في الطرقات. ولما كانت القذارة منافية للجمال نهى الإسلام عنها، وأمر بالطهارة، فقال تعالى، لرسوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وقال الرسول صلوات الله عليه: "الطهور شطر الإيمان". ولما كان تشعيث الشعور منافيًا للجمال علمنا الإسلام تنظيفها وترجيلها وتنسيقها. ولما كان المشي بنعل واحدة منافيًا للجمال أيضًا نهى الرسول صلوات الله عليه عن ذلك. وتمشيًا مع هذا المنهج الجمالي المحبب للأنفس، قال صلوات الله عليه: "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها". الخطيئة: هي المعصية، وإنما كانت معصية لأنها منافية للذوق الجمالي من جهة، ومنافية لتعاليم الصحة من جهة أخرى، ولا سيما في مواطن العبادة التي هي محل اجتماع المسلمين. وهكذا تسير الحضارة الإسلامية سيرًا شاملًا كل ما في الحياة من مجالات. وهكذا نلاحظ كيف أدرك المسلمون الأولون معنى العالمية والشمول في

стр. 152

أسس الحضارة الإسلامية، فأخذوا يشقون كل طريق نافع، ويجولون في كل ميدان خير، رغبة باغتنام أكبر مقدار ممكن من التقدم والارتقاء، في مظاهر الحضارة الإنسانية، حتى خطوا في ذلك خطوات عظيمات، كانت خلقة كبرى من حلقات سلسلة الرقي الإنساني، فلو أتيح لهم متباعة خطواتهم هذه، ولم يدب إليهم دبيب الضعف والوهن، والبعد عن مفاهيم الإسلام، لجاءت مظاهر حضارة القرن العشرين المادية على أيدي المسلمين، وقبل عدة قرون من ظهورها على أيدي غيرهم، ولكانت خالية من شوائب الفساد الاجتماعي والخلقي الذي تعاني منه هذه الحضارة الآن. ولكن شاءت حكمة الله وقضت سنته أن تكون النتائج مقرونة بمقدماتها دائمًا، فالتقدم ثمرة العمل والتفكير وبذل الجهد، والتخلف ثمرة التواني والتهرب من المسئولية، وعدم المبالاة، والانشغال باللهو واللعب ومحقرات الأمور، وثمرة الانغماس في الشهوات والملذات.

стр. 153

الفصل الرابع: المثالية والواقعية المقولة الأولى: تعريفات وبيانات عامة للمثالية والواقعية ١- المثالية: إن المثالية من صور العمل الإرادي للإنسان هي أسمى الصور المحتملة الوقوع بالنسبة إليه في أرقى مستوياته، وهي التي ينبغي أن تكون محل التطلع الأسْمَى له عند العسر، ومحل التنفيذ عند اليسر، فردًا كان أم جماعة، وذلك في كل مجالات العمل الإرادي للإنسان الفكرية، والنفسية، والجسدية. ٢- الواقعية: أما الواقعية في صور العمل الإرادي للإنسان فهي الصور المستطاعة التنفيذ بوجه عام من دون عسر، وهي التي ينبغي أن لا يهبط الإنسان عن مستواها الواجب، ضمن ظروفه النفسية والجسدية والاجتماعية، والزمانية والمكانية. فإذا كانت المثالية في عمل ما فكري أو نفسي أو جسدي، أو في مجموعة أعمال ومجموعة تصرفات في الحياة تقوم مثلًا بمائة درجة فإن الواقعية قد تقوم بخمسين درجة أو بما دون ذلك أو بأكثر من خمسين، وذلك على حسب العمل، أو مجموعة الأعمال، ضمن ظروف الإنسان المختلفة. ولدى تحديد درجة الواقعية التي يجب على الإنسان أن لا ينزل عن مستواها، حتى يكون من السويين بأعمالهم وتصرفاتهم في الحياة على وجه الإجمال، لا بد من ملاحظة واقع الإنسان بشكل عام، في قدراته، واستطاعته، ومطالب غرائزه في نفسه وجسده، ومدى العوامل النفسية والاجتماعية التي قد تؤدي به إلى الشرود، والانحراف، وفلتات الشذوذ.

стр. 154

٣- مواقع المثالثة في أسس الحضارة الإسلامية: نظرة استقرائية شاملة للشريعة الإسلامية الدافعة إلى كل مجد حضاري كريم تكشف لنا أن من أسسها العامة الكبرى المثالية في العقائد والأهداف والغايات، والواقعية في الأعمال ومناهج الحياة. تفصيل هذه الحقيقة: أما المثالية فتنجلي في أمور ثلاثة: الأمر الأول: الإيمان والأصول الاعتقادية، فهي في الإسلام الحقيقة المثلى، والإيمان بها يجب أن يكون تامًّا، وللمثالية في الإيمان درجات تتفاوت بحسب تفاوت الأفراد، نظرًا إلى استعداداتهم وإلى مدى تمسكهم بها. الأمر الثاني: النيات وتكون المثالية فيها بابتغاء مرضاة الله في فعل الأعمال الحسنة، وفي ترك الأعمال السيئة، وملاحظة طاعته لدى فعل ما أمر به، أو ترك ما نهى عنه، أو فعل وترك ما أذن بفعله وتركه على السواء. وهذا الابتغاء عمل من أعمال القلوب، ويطلق عليه اسم "النية". ولا غرو أن المثالية في هذا الأمر أيضًا ذات درجات، تتفاوت بحسب تفاوت الأفراد، نظرًا إلى استعداداتهم، وإلى مدى تمسكهم بها. الأمر الثالث: نشدان الكمال في الأعمال، وذلك بالتطلع المستمر إلى الأحسن والأفضل والأنفع والأكمل من صور العمل واحتمالاته، وباستهداف الوصول إلى الغاية المثالية التي يمكن تحقيقها عن طريق العمل، ولو في أقل الأحوال الإنسانية، وأندرها. وهذا النشدان يدفع الإنسان إلى التحسين والترقية باستمرار؛ سعيًا في طريق الكمال.

стр. 155

٤- وأما الواقعية في الأعمال ومناهج الحياة فتتجلى في خمسة أمور: الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية. الأمر الثاني: رفع المسئولية في أحوال النسيان والخطأ والإكراه، التي لا يملك الإنسان دفعها. الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد، وعدم إهمالها، وذلك ضمن حدود طريق الخير. الأمر الرابع: مراعاة واقع حال المجتمعات الإنسانية التي يتفاوت أفرادها في استعداداتهم، وخصائصهم، وذلك في البيانات الإسلامية، وفي أساليب التربية، وفي الأعمال الجماعية، وفي تحديد مناهج السلوك، وفي أصول المحاسبة والجزاء. الأمر الخامس: مراعاة واقع حال النفس الإنسانية، المفطورة على حب المخالفة، والنزوع إلى الشذوذ، والمغامرة بامتحان المسالك الوعرة، ولهذا الواقع الإنساني مؤيدات صريحة في نصوص الشريعة الإسلامية. منها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". حديث حسن. وتكون مراعاة هذا الواقع بفتح باب الغفران للإنسان، وتهيئة أفضل الوسائل ليتخلص من الإثم، وليلقي عن كاهله أثقال الأوزار. وهكذا تجمع أسس الحضارة الإسلامية بين المثالية والواقعية، جمعًا رائعًا، وتضع كلا منهما في محله الذي يليق به.

стр. 156

٥- وأعداء هذه الحضارة فريقان: فريق يقول: إن الإسلام صورة مثالية غير ممكنة التطبيق بالنسبة إلى الجماهير الإنسانية، فهو يهاجم الإسلام بهذا. وفريق آخر يقول: إن الإسلام يعد على فعل الخير بالأجر والثواب، فهو ينزل بالإنسان عن مستوى المثاليات الراقية التي تدعو إلى فعل الخير حبًّا بالخير لا طلبًا لمنفعة، أو خوفًا من مضرة. وكلا الفريقين إما مضلل ماكر، أو جاهل بالواقع الإنساني وطبيعة النفس البشرية. ونحن نقول لهم: إن الإسلام جاء لإصلاح الناس جميعًا ولم يأت لطبقة معينة منهم، لذلك فهو يحوي لكل صنف من الناس وسائل إصلاح وتقويمه. ٦- إن ما سبق بيانه عن المثالية والواقعية في أسس الحضارة الإسلامية لا يعدو أنه رسم للهيكل العام الذي يشتمل عليه هذا الأساس من أسس هذه الحضارة المجيدة. واستيفاء بيان هذا الرسم يحتاج إلى شرح وأمثلة، وشواهد من النصوص الإسلامية. وسأتناول -بعون الله- في المقولات التاليات من هذا الفصل شرح كل نقطة من النقاط المهمة، التي يشتمل عليها الهيكل الذي سبق رسم مخططه العام في هذه المقولة الأولى.

стр. 157

المقولة الثانية: شرح المثاليات في أسس الإسلام الحضارية أولًا: المثالية في العقائد إن المثالية في جانب الإيمان المطلوب من كل مسلم قضية لا مندوحة عنها، ولا اعتراض عليها؛ لأن المثالية ليست بالأمر الصعب العسير الوقوع حتى تتنافى مع الواقعية، وإنما هي بعض الاحتمالات الواقعية الممكنة، ولكن مطابقة صورة المعتقدات الإيمانية في الإسلام للحقيقة مطابقة تامة جعلها مثالية، وكذلك وجوب كونها في قلب المؤمن تامة غير منقوصة جعلها مثالية أيضًا، فهي لدى التحقيق مثالية لأنها الصورة المثلى، وواقعية لأن فهمها والأخذ بها ممكن الوقوع لدى كل ذي عقل وإرادة. وفي إيضاح ذلك أقول: لما كان الإيمان الذي هو الإقرار والإذعان القلبي بشكلهما الكامل التام أمرًا ميسورًا لكل ذي عقل وإرادة كانت المثالية فيه مطلوبة. ومن أجل هذا لا تقبل عند الله معرفة بالحقيقة لا إقرار ولا إذعان معها، ولا يقبل إيمان يخالطه تردد وشك؛ لأنه متى خالطه شيء من ذلك لم يكن إيمانًا. وتتضح هذه الحقيقة حينما نلاحظ أن مفهوم الإيمان يتضمن العلم اليقيني، والاعتقاد الراسخ المقرون بالإقرار والإذعان، وأن الإيمان يجب أن يتناول كل جزء من أجزاء ما يجب الإيمان به، مما هو ثابت بيقين، فمن تردد أو شك ببعض ما ثبت منها بيقين، أو اكتفى باعتقاد أنه الأصوب والأرجح لم يصح إيمانه، ولن تسلم عقيدته، وبهذا نلاحظ أن الإيمان وحتدة لا تتجزأ، ولا تقبل التجزئة، فمن آمن ببعض أركان الإيمان، وكفر ببعضها لم يكن مؤمنًا؛ إذ الجزء الذي كفر به يعود أثره على الجزء الذي آمن به فينقضه. وذلك لأن عقيدة الإسلام بدأت من الإيمان بالله، والإيمان بالله يستلزم الإيمان بكمال صفاته، وذلك يستلزم تصديقه في ملائكته وكتبه ورسله وأخبار

стр. 158

الغيوب التي أخبر بها، فمن أنكر شيئًا من ذلك فقد أنكر كمال صفات الله، ومن فعل ذلك لم يكن بالله عارفًا، ولم يكن به مؤمنًا. وقد أبان القرآن كفر اليهود إذ آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، قال تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول" مخاطبًا اليهود: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . ولما كانت العبادة مظهرًا من مظاهر الإيمان لم يقبل الله المساومة فيها، وذلك حينما عرض كفار قريش على النبي ﷺ أن يعبدوا إلهه، على أن يعبد آلهتهم، ويتذبذب معهم بين الإيمان والكفر، وإذ كانت هذه المساومة مرفوضة شكلًا وموضوعًا أنزل الله على رسوله قوله في سورة "الكافرون: ١٠٩ مصحف/ ١٨ نزول": ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ . ولا يعني اشتراط التزام المثالية في جانب الإيمان وكل ما يتصل به أن هذه المثالية متماثلة بين الأفراد، ولا تقبل التفاوت، فالحقيقة أن هذه المثالية مرتبة عظمى ذات درجات بعضها أرقى من بعض، ولكن أدنى هذه الدرجات لا تخرج عن دائرة المثالية. ومن أجل هذه قررت النصوص الإسلامية أن الإيمان يزيد وينقص، وسأعالج هذه النقطة بمزيد من الشرح إن شاء الله. ثانيًا: المثالية في النيات وتتجلى هذه المثالية كما سبق بابتغاء مرضاة الله في فعل الأعمال الحسنة،

стр. 159

وفي ترك الأعمال السيئة، وفي ملاحظة طاعته سبحانه، لدى فعل ما أمر به أو ترك ما نهى عنه، أو فعل وترك ما أذن بفعله وتركه على السواء. وليس بالعسير علينا أن ندرك أن المثالية في هدف الإنسان من عمله تتحقق حينما يبتغي به وجه الله تعالى، حتى ولو كان له في هذا العمل مصلحة مقصودة، كالطعام والشراب والكسب وتناول الشهوات، فإلى جانب المصالح التي تتحقق له بهذه الأمور يستطيع أن يضم إليها ابتغاء وجه الله، ويحقق الجانب المثالي، وأدنى ما في ذلك مع ملاحظة أن الله أباحها له، ولو أنه حرمها عليه لم يأت شيئًا منها. ويتضح لنا بجلاء أن ابتغاء وجه الله هو الهدف المثالي إذا وضعنا احتمالات النيات التي تمثل أهداف الناس المختلفة، ضمن سلم ذي مراتب، ورتبناها بحسب درجة كمالها. فلنضرب مثلًا على ذلك عملًا من الأعمال الإنسانية، ثم لنضع احتمالات النيات التي تمثل أهداف الناس في ذلك العمل، ثم لنجر فيما بينها المقارنة لنرتبها بحسب درجة كمالها، ثم لننظر بعد المقارنة المنصفة ما هو المثالي منها. المثال: من الأعمال الحسنة بذل المال لذوي الحاجات. فلنفرض أننا جمعنا في مدينة كبرى عددًا كبيرًا من ذوي المال، ودعوناهم إلى البذل، فبذل كل منهم ما جادت به نفسه بطريقة علنية، ثم سألناهم عن طريق الأوراق السرية ما هو هدف كل منهم فيما بذل، وطلبنا منهم الصدق في الإجابة لغرض الدراسة العلمية، فوضع كل منهم إجابته في الصندوق المقفل المعد لتلقي أوراق الإجابات، بعد أن حررها بصدق، لعلمه بأنه لن يعرف بحال من الأحوال أنه صاحب الإجابة. وبعد قراءة الأوراق التي لا يعرف كاتب كل منها استطعنا أن نجمع الإجابات التاليات بعد حذف المكررات: ١- حب الشهرة والرغبة بأن يلهج الناس بالثناء عليه.

стр. 160

٢- مخافة أن يذمه الناس ويصفوه بالبخل فتنحط مكانته بينهم. ٣- الخوف من نقمة القائمين على الجباية لأنهم أصحاب قوة وسلطان. ٤- الرغبة باسترضاء المشرفين على الجباية: واستدرار المنافع المادية أو المعنوية التي تأتي عن طريقهم. ٥- الطمع بربح مادي يأتي عن طريق الشهرة العامة. ٦- الرغبة بسد حاجات من يجبي لهم المال، وذلك بغية درء الأخطار التي قد تأتي من قبلهم، إذا اشتدت بهم الحاجة، وعظم فيهم البؤس. ٧- تلبية عاطفة إنسانية أثارها في نفس الباذل بؤس ذوي الحاجات. ٨- ابتغاء مرضاة الله لأنه يأمر بالخير وينهى عن الشر. ولدى ترتيب هذه الإجابات التي تمثل أهداف هؤلاء الباذلين لأموالهم ترقى الإجابتان الأخيرتان عن الإجابات كلها، فتحتلان في سلم الأهداف درجة عالية. ثم لدى البحث والمناقشة ترقي الإجابة الأخيرة التي فيها ابتغاء مرضاة الله فتحتل أسمى الدرجات، وتنزل عنها كثيرًا درجة الإجابة التي تتضمن تلبية عاطفة إنسانية نبيلة فقط. وبذلك تكون نية ابتغاء مرضاة الله صاحبة المثالية العظمى. والدليل على هذا أن نية ابتغاء مرضاة الله تتضمن كل عاطفة نبيلة، مع ملاحظة أنها تتضمن معنى عبادة الله، ثم لا يكون إلا في الخير. وكون نية ابتغاء مرضاة الله تتضمن كل عاطفة نبيلة يظهر لنا حينما نلاحظ أن أوامر الله ونواهيه تربي فينا دائمًا كل العواطف النبيلة، مع صيانتنا عن الانزلاق في عواطف تقضي بنا إلى الوقوع في الشر، أو المساعدة عليه. بخلاف العواطف الإنسانية المجردة عن ملاحظة مرضاة الله فإنها ربما تكون في الخير، وربما تكون في الشر، أو تساعد عليه، وهي أيضًا خالية من معنى عبادة الله، التي هي فضيلة بنفسها.

стр. 161

ومن أمثلة العاطفة الإنسانية التي ربما تكون في الشر بذل المال لمدمن خمر أو قمار، ألحت عليه الحاجة الجانحة عن طريق الفضيلة أن يأخذ المال ليصرفه في الخمر أو في القمار، وربما تصل به الحاجة إلى مرحلة تستدر عطف الناس عليه، فيبذلون له المال، ويساعدونه على ما هو فيه من شر. أما الذي يعمل وهو يلاحظ ابتغاء مرضاة الله فإنه لا يمكن أن تضعف عاطفته فتستدرج للمساعدة فيما فيه شر، وبذلك يكون مصونًا عن الانزلاق، ويكون عمله منحصرًا في طريق الخير. وبهذا التحليل يتبين لنا أن ابتغاء مرضاة الله هي المثالية العظمى من كل الأهداف المحتملة، التي تحددها النيات في القلوب. حرص الإسلام على الالتزام بمثالية ابتغاء مرضاة الله تعالى: في المرتبة الثانية التي تلي مرتبة الالتزام بالمثالية في أركان الإيمان حرص الإسلام أشد الحرص، وأهتم أبلغ اهتمام بالالتزام بمثالية ابتغاء مرضاة الله تعالى في الأعمال. ولا حاجة بنا إلى إعادة أن هذه المثالية مطلب ميسور لكل عاقل مريد، فهي مثالية في ذاتها، واقعية في إمكان تطبيقها. ومن أجل هذا ربط الإسلام ثواب الأعمال الصالحة، وصحة العبادات بالنيات المقارنة لها، التي تعزم عليها القلوب. ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الأعمال بالنيا وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". وإلزامًا بهذه المثالية تأمر الآيات القرآنية في مجال الأعمال الصالحة بأن تكون الغاية منها ابتغاء مرضاة الله حتى يتحقق للإنسان كمال المثوبة عند الله

стр. 162

تعالى، ويقاس على هذا ترك الأعمال السيئة، فينبغي للإنسان أن يلاحظ أنه يتركها ابتغاء مرضاة الله تعالى: فمن النصوص القرآنية في هذا المجال النصوص التالية: ١- قوله تعالى في موضوع الصدقات في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . فهذا النص يبين أن الذي ينفق ماله رئاء الناس ضائع الثواب، محروم الثمرة عند الله. ٢- وقوله تعالى في موضوع التناجي بين الناس في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول": ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . وهذا النص يبين أن الأمر بالصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس من أعمال الخير لا محالة، ولكن استحقاق الأجر العظيم عند الله مرهون بأن تكون الغاية من هذا العمل ابتغاء مرضاة الله. ٣- وقوله تعالى في موضوع الصبر على الطاعات في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول": ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً

стр. 163

وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ . وفي هذا النص أيضًا توجيه قرآني إلى الالتزام بالمثالية في تحديد الغاية من الصبر على طاعة الله والصبر عن معصيته، والمثالية في هذا هي ابتغاء مرضاة الله. وتصعيدًا للإرادة الإنسانية لدى طلب حظوظ النفس، وتلبية رغائبها المادية أو المعنوية، والاستجابة لغرائزها تأتي المثالية فيها بعدة أمور، منها أن يكون طلبها من فضل الله، ولا يتم ذلك إلا مع صحة الإيمان بالله، وصدق التوكل عليه، والتقيد بما أذن به. وحينما يلاحظ الإنسان هذه الحقائق لا بد أن يجد نفسه مشدودًا إلى طاعة الله، مدفوعًا عن معصيته. ونستدل على توجيه الإسلام لهذه المثالية لدى طلب الحظوظ النفسية وتلبية رغائبها، والاستجابة لغرائزها بقوله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ . فهنا نلاحظ أن الله تعالى قد أخذ بناصية الإرادة الإنسانية، ووجهها لما هو أسمى من مجرد الاستجابة لمطالب الغريزة الشهوية فقال: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وهذا الابتغاء في الإرادة القلبية لا ينقص من أثر تلبية الغريزة شيئًا، فالإرادة يكفي أن تكون سابقة للعمل، على أن لكل منهما مكانًا قد يمكن معه التوزيع، فالغريزة مكانها الجسد وما يصاحبه من تصورات نفسية، والإرادة العليا مكانها القلب.

стр. 164

ومن ذلك قول إبراهيم ﵇ لقومه فيما حكى الله عنه في سورة "العنكبوت: ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول": ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ . فالرزق مطلب من مطالب الجسد، وابتغاؤه عند الله الفعال لما يريد عمل قلبي لا يؤثر على النشاط الجسدي المادي أي تأثير سلبي، وهذا الابتغاء صورة من صور المثاليات المطلوبة لأنها يسيرة التنفيذ. ثالثًا: المثالية في نشدان الكمال في الأعمال أما المثالية في نشدان الكمال في الأعمال، فهي القوة المحرضة في داخل الإنسان، التي تجعله يتطلع باستمرار إلى الانتقال من واقع النقص الذي هو فيه إلى ما هو أفضل منه وأحسن وأدنى إلى الكمال. ومع هذا التطلع تنمو حوافز الترقية والتحسين، ومن راء ذلك تأتي المحاولات التنفيذية. وفي أجواء التنافس بين الأفراد مع التحريض الإسلامي على التحسين تتنامى الصورة الحضارية العامة، التي تعذيها باستمرار قوى الدفع الإسلامي إلى القمم الحضارية المثلى. ولما كان الناس يختلفون في تصوراتهم لأعمال الخير المثالية، وربما يحصرون المثالية في مجال منها، غافلين أو متغافلين عن المجالات الأخرى، وربما يرفعون الأعمال الناقصة أو غير ذات الشأن الكبير إلى مرتبة المثالية كان من روائع الإسلام أنه قدم في تعاليمه الصورة المثالية لأعمال الخير، وعرض في حياة الرسول صلوات الله عليه نموذجًا حيًّا لهذه المثالية. ثم لم يجعل الإسلام هذه الصورة المثالية أمرًا مفروضًا على كل إنسان، وإنما جعلها هدفًا أسمى، يتنافس المتنافسون في التسابق إليه، أما الصورة

стр. 165

المفروضة على كل إنسان فهي الصورة التي يحملها بيسر معظم الأفراد من الناس، وتلك هي الواقعية بكل معانيها المقبولة. ومن أمثلة الخطأ في تصور المثالية ما حصل لبعض أصحاب الرسول صلوات الله عليه وبعض الصحابيات من تصورات أدت بهم إلى مبالغات في العبادة نهاهم رسول الله عنها، وأرشدهم إلى ما هو أفضل وأدنى إلى الكمال. ففي صحيحي البخاري ومسلم من عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: "من هذه"؟ قال: هذه فلانة تذكر من صلاتها. قال: "مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا". وعن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر فلا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه البخاري ومسلم. وعن أنس أيضًا قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: "ما هذا الحبل"؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، قال النبي ﷺ : "حُلُّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد" رواه البخاري ومسلم. وبهذا بين الرسول ﷺ صورة المثالية الصحيحة في العبادات، وأنها ليست بالمبالغة، ولا بالزيادة عن المقدار الذي شرعه الإسلام، وأعطى مثله العملي رسول الله ﷺ .

стр. 166

وقد سمى الرسول المبالغين في العبادات والمتشددين في الدين متنطعين، وحكم عليهم بالهلاك فقال فيما رواه مسلم عن ابن مسعود: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون". المتنطعون: هم المشددون في غير موضع التشديد. ملاحظات عامة حول المثاليات: بعد أن عالجنا المثاليات بشرح مناسب يجمل بنا أن ننظر في بعض الملاحظات العامة حولها. الملاحظة الأولى: لدى التأمل الدقيق نلاحظ أن المثالية في الأهداف والغايات والعقائد أمر ميسور وليس بمعسور في الواقع، بالنسبة إلى مستطاع الإنسان بوجه عام، وبذلك تعدو هذه المثالية مثالية واقعية معًا. أما مثاليتها فلكونها الصورة المثلى في مجال التصور، وأما واقعيتها فلكونها ممكنة التحقيق بيسر، بالنسبة إلى استطاعة معظم الناس، أو بالنسبة إلى استطاعة كل المكلفين منهم. إذ ليس عسيرًا على الإنسان أن يقوم بعمل من أعماله الخيرة الواقعية، وأن يبتغي منها في الجانب المثالي القلبي مرضاة الله. فالواقعية في العمل من الناحية المادية تتسع لتقصيرات كثيرات عن صورة الكمال المنشود، تملي هذه التقصيرات ظروف الإنسان المادية والنفسية والاجتماعية. أما الجانب القلبي الذي يتيسر فيه تحقيق المثالية في العمل، وذلك عن طريق تحديد الغاية منه بالنية المثالية، فلا يتسع هذا الجانب في نظر الإسلام لأي تقصير عن أدنى درجات الكمال فيه، وذلك بأن يلاحظ في نيته ابتغاء مرضاة الله، وبهذه المثالية في النية يستحق الإنسان رضا الله وثوابه. كما أنه ليس عسيرًا على الإنسان أن يتطلع إلى الكمال في الأعمال، وينشده مترقيًا إليه قدر استطاعته في حين أنه واقع في تقصيرات كثيرات لدى

стр. 167

التطبيق العملي، وذلك بتأثير من عوامله النفسية المختلفة، أو لعجز في قدراته الحالية عن التنفيذ، وهو يأمل أن يكتسب مهارات جديدة، وقدرات جديدة تمكنه من الزيادة على ما هو فيه. وقد سبق بيان أن تحقيق المثالية في جانب العقائد أمر ميسور لكل ذي عقل وإرادة، وإن كان ذلك في حدود أدنى درجات المثالية، فليس عسيرًا على أي إنسان أن يؤمن بالله وبسائر أركان الإيمان، وبكل الأمور التي جاء بها الإسلام. الملاحظة الثانية: ولدى التأمل الدقيق نلاحظ أن المثاليات ذوات درجات، بعضها أرقى من بعض، والواجب المفروض منها أدناها، وما زاد على ذلك فهو زيادة في الارتقاء المثالي. فالمثالية في الإيمان تتم بالإقرار والإذعان في القلب، ولكن هذا الإيمان قابل لأن ينمو في القلب ويعظم كما ينمو الوليد الجديد التام الخلقة، حتى يغدو رجلًا قويًّا كامل الرجولة، ويستمر الإيمان في القلب قابلًا لأن ينمو ويعظم، حتى يملأ القلب طمأنينة، ويزيل عنه كل أثر من آثار النفس، ويطرد عنه كل وسوسة من وساوسها ووساوس الشيطان، ويصبح لو انكشفت عنه فيها كل الأغطية عن الغيوب لم يزدد يقينًا. وفي درجات هذه المثالية ارتقى إبراهيم ﵇ حينما قال لربه: كما حكى الله ذلك عنه في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . ومعنى صرهن إليك: أملهن إليك وقطعهن واخلط لحمهن وريشهن. فلما فعل إبراهيم ﵇ ذلك زاد قلبه اطمئنانًا بالإيمان, وذلك لأن الشهود المادي لحادثة إحياء الموتى عظم حجم الإيمان في قلبه حتى طرد عنه

стр. 168

كل الوساوس التي قد تمر على قلوب المؤمنين الصادقين، دون أن تخلف فيها أثرًا من شك. والمثالية في النيات تتم بابتغاء مرضاة الله، تعظيمًا له، وطمعًا بثوابه، وخوفًا من عقابه، ولكن هذا الشيء المثالي ذو درجات أيضًا بعضها أرقى من بعض. فعبادة الله تعظيمًا له لأنه إله من حقه على عبيده أن يعبدوه، أرقى من عبادته طمعًا بالأجر، أو خوفًا من العقاب، مع أن كلا منهما لا ينزل عن مرتبة المثالية في النيات. وعبادات الرسول صلوات الله عليه بعد أن علم أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعد له في الجنة أرفع مكانة، هي من أرفع درجات المثالية، ويشهد لهذا أنه لما تعجب بعض أصحابه من اجتهاده في عبادته وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر أجابهم بقوله: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". رواه البخاري ومسلم. وما يروى عن المرأة الصالحة "رابعة العدوية" من قولها: "إلهي ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك وإنما علمت أنك إله تستحق أن تعبد فعبدتك". ونظر عمر بن الخطاب إلى صهيب ﵄ فرأى إحسانه في عبادته فقال: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه". أي: فكيف به إذا خاف الله. إنما ذلك درجة عليا من درجات مرتبة المثالية، التي يشهد فيها الإنسان عظيم صفات الله تعالى، وينسى مع هذا الشهود مطامع نفسه ومخاوفها، فلا يشهد مع ذلك إلا استحقاق الله لأن يعبد فهو يعبده لذلك، غير ناظر إلى حظوظ نفسه من هذه العبادة.

стр. 169

أما الذي يلاحظ هذا المعنى حينما يعبد الله، ولكنه يلاحظ مع ذلك قدرة الله، وإحسانه، وعدلة، وشديد عقابه، وتهيمن عليه خشية الله، ورجاء ثوابه ومخافة عقابه، فإنه لا يخرج عن دائرة المثالية؛ لأن كل هذه المعاني تدور في حدود صفات الله ذات المثالية المطلقة، والفرق أن بعض هذه الصفات هي من كمال الله الذاتي، وبعضها من الكمالات ذات الأثر في سعادة عباده أو شفائهم. ولا يُنزل الإنسان عن مرتبة المثالية أن يفعل الخير للخير، ولحظ نفسه منه معًا، فمن الخير أن يريد الإنسان لنفسه الخير، وهو أولى بذلك من غيره. بل الذي يهبط بالإنسان حقًّا هو أن يتبع حظوظ نفسه، متجافيًا عن سبيل الخير. ومن أجل ذلك لم يمنع الإسلام في الجهاد من أن يطمع المسلمون بمجد النصر، وبمنافع الغنيمة، أو بثواب الشهداء عند الله، مع اشتراط أن تكون الغاية من الجهاد إعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاته، فإذا أثر الطمع بالنصر أو الغنيمة على أصل الهدف فسدت النية، ونزلت عن مرتبتها المثالية المطلوبة. ونقول نظير ذلك أيضًا في الحج ومنافعه، والصوم وفوائده، والزكاة وآثارها، ونحو ذلك.

стр. 170

المقولة الثالثة: شرح الواقعيات في أسس الإسلام الحضارية مدخل ... المقولة الثالثة: شرح الواقعيات في أسس الإسلام الحضارية بعد أن ألقى البحث لنا ضوءًا مناسبًا على المثالية في العقائد والأهداف والغايات، آن لنا أن نعالج الواقعيات في الأعمال ومناهج الحياة للناس بالشرح المناسب أيضًا. عرفنا فيما سبق أن الواقعية من صور العمل الإرادي للإنسان هي الصور المستطاعة التنفيذ بوجه عام من دون عسر، وهي التي ينبغي أن لا يهبط الإنسان عن مستواها الواجب، ضمن ظروفه النفسية، والجسدية، والاجتماعية، والزمانية، والمكانية.

стр. 171

وقد انكشف لنا بالبحث أن أسس الحضارة الإسلامية التزمت التزامًا تامًّا جانب الواقعية في أعمال الناس، ومناهج حياتهم، وقد تمثل ذلك -كما سبق- بالأمور الخمسة التالية: الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية. الأمر الثاني: رفع المسئولية في أحوال النسيان والخطأ والإكراه التي لا يملك الإنسان دفعها. الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد الإنسانية، وعدم إهمالها، وذلك ضمن حدود طريق الخير. الأمر الرابع: مراعاة واقع حال المجتمعات الإنسانية التي يتفاوت أفرادها في استعداداتهم وخصائصهم، وذلك في البيانات الإسلامية، وفي أساليب التربية، وفي الأعمال الجماعية، وفي تحديد مناهج السلوك، وفي أصول المحاسبة والجزاء. الأمر الخامس: مراعاة واقع حال الضعف البشري، وواقع حال النفس الإنسانية المفطورة على حب المخالفة، والنزوع إلى الشذوذ والمغامرة بامتحان المسالك الوعرة، وذلك بفتح باب الغفران للإنسان، وتهيئة أفضل الوسائل ليتخلص من الإثم، وليلقي عن كاهله أثقال الأوزار. وفيما يلي شرح لهذه الأمور الخمسة:

стр. 172

شرح الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية تظهر لنا الواقعية في التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية جلية واضحة إذا تدبرنا طائفة من النصوص الإسلامية، التي تناولت بيان مفاهيم التكليف الرباني للناس، أو بيان أسسه والحكمة منه. كما تظهر لنا واضحة حينما نمر بشروط التكليف التي ينص عليها الفقهاء في كل باب من أبواب الفقه الإسلامي، أخذًا مما دلت عليه الأصول العامة للشريعة الإسلامية. وتظهر لنا أيضًا حينما نلاحظ أن مسئولية الفرد ومسئولية الجماعة في الإسلام ترفعان بمقدار ارتفاع نسبة الخصائص والهبات، وتنخفضان بمقدار انخفاضها، فمسئولية العاجز والضعيف دون مسئولية القوي الصحيح، ومسئولية كل منهما تتناسب بشكل مطرد منعكس مع ما لدى كل منهما من قدرة واستطاعة، ومسئولية البليد الغبي دون مسئولية ذي الهمة الذكي، فمسئولية كل منهما تتناسب بشكل مطرد منعكس مع ما لدى كل منهما من استطاعة لتفهم الأمور وحل المعضلات، ومسئولية الأعمى والأعرج دون مسئولية البصير والسليم، وهكذا. وما هذا التفاوت في المسئوليات إلا من أثر التزام أسس الحضارة الإسلامية جانب الواقعية في التكاليف بالأعمال وفي تحديد مناهج الحياة للناس. ولقد وضع الله جل وعلا بين يدي المسلمين القواعد العامة للواقعية في التكاليف بالأعمال، وفي تحديد مناهج الحياة للناس، حتى يهتدوا بهديها، ويتخذوها أساسًا لكل ما يستنبطونه من أحكام تشريعية، ومناهج عملية. قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ففي قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ . بيان ليس فوقه بيان يدل على أن التكاليف في الشريعة الإسلامية لا تزيد

стр. 173

مهما اشتدت عن حدود استطاعة النفس المكلفة، وأنه متى فقدت الاستطاعة ارتفع التكليف لا محالة. ومن أجل ذلك فلكل نفس ما كسبت من خير، وليست تكسبه إلا ضمن حدود استطاعتها، وعلى كل نفس ما اكتسبت من إثم، وليست تكتسبه إلا ضمن حدود استطاعتها أيضًا، واستطاعتها أن لا تكتسبه. فمن سقط من مكان عال على الإنسان فقتله، ولم يستطع وهو يهوي الانحراف عنه، فهو ملجأ لا مسئولية عليه عند الله؛ لأنه لم يكتسب إثمًا بعمله الناتج عن إرادته. وتطبيقًا لهذه القاعدة الإسلامية العامة وجدنا تكاليف العبادات وغيرها مقرونة بتوافر شرط الاستطاعة. وفيما يلي طائفة من النصوص على ذلك: أ- قال الله تعالى في تكليف الناس الحج في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول": ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ . فجعل الله في هذا النص إلزام الناس بالحج مقرونًا بتوافر شرط الاستطاعة، والاستطاعة بالنسبة إلى هذه الفريضة ذات عنصرين: عنصر جسدي، وعنصر مالي، ويدخل في العنصر الجسدي قدرة الإنسان على حماية نفسه من مخاوف الطريق إذا كانت فيه مخاوف. ب- وفي مجال النفقة يراعي الإسلام جانب الاستطاعة لدى تحديد مقدارها، ويوجه القضاء الشرعي لمراعاتها، لدى إصدار أحكامه المتعلقة بها، والتي تختلف باختلاف الأشخاص، والبيئات، والأعراف، والأزمنة. ومن أجل ذلك لم يبين مقادير النفقة بحسب مستويات الناس، ولكنه أطلقها، مكتفيًا بالإرشاد العام إلى أن ذا السعة ينفق من سعته، وأما المقتر فينفق على مقدار استطاعته.

стр. 174

قال تعالى في سورة "الطلاق: ٦٥ مصحف/ ٩٩ نزول": ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ . وقال تعالى في سورة "البقر: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ . ج- وفي مجال إعداد القوة لإرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين، يأمر الله بإعداد المستطاع منها، قال تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول". ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ . د- وفي مجال الإلزام بالهجرة من بلاد لا يستطيع المؤمنون فيها القيام بواجباتهم الدينية الفردية أو الجماعية، يحكم الله على الذين لا يهاجرون منها بأنهم ظالموا أنفسهم، ولا يقبل منهم الاعتذار بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض مغلوبين على أمرهم، ولكنه سبحانه يستثني منهم المستضعفين العاجزين حقيقة عن الهجرة، وهم الذين لا يستطيعون حيلة للفرار بدينهم، ولا يهتدون سبيلًا. قال تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول": ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . فقد راعى الله عدم استطاعة العاجزين المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة يتخذونها للهجرة من بلادهم التي عتا فيها الكافرون، وأخذوا يفتنون الناس عن دينهم، ويكرهونهم على الكفر بطريق مباشر أو غير مباشر، فاستثناهم لدى الحساب من عنف المؤاخذة قائلًا: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

стр. 175

شرح الأمر الثاني: رفع التكليف في أحوال النسيان والخطأ والإكراه التي لا يملك الإنسان دفعها إن في قول الله تعالى يُعلم المؤمنين كيف يدعون ربهم: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . وفي قول الرسول صلوات الله عليه: "وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". في كلا هذين النصين دلالة كافية على عدم المؤاخذة، وعلى وضع المسئولية عن كاهل المكلف في أحوال النسيان، والخطأ، والإكراه، التي لا يملك دفعها، مع رغبته بدفعها، وحرصه على ذلك. والكلام على هذه الأحوال يحتاج إلى شيء من التفصيل، فلنفصل الكلام على كل من النسيان والخطأ والإكراه، بالمقدار الذي يكشف لنا موقف الإسلام منها، في مجال التكليف والمسئولية: النسيان: لدى التبصر في أحوال النسيان نجد أنه ينقسم إلى قسمين: قسم يعذر به صاحبه، وقسم لا يعذر به بل يؤاخذ عليه. القسم الأول: وهو القسم الذي يعذر به صاحبه -وهو الذي نحن في صدد الحديث عنه- هو النسيان الناشئ عن حالة من أحوال الإنسان الطبيعية الغالبة لإرادته، والتي يملك دفعها ولا يستطيعه. ومع هذا الأمر الواقع الذي هو أثر من آثار الخصائص الإنسانية المفطور عليها، تأتي الحكمة الربانية فتنظر إلى الإنسان نظرة عدل ورحمة، فتحكم برفع المؤاخذة عنه.

стр. 176

ومن أمثلة هذا النسيان الذي ترتفع معه المؤاخذة أن ينسى المسلم الحريص على أداء صلاته نسيانًا حقيقيًّا، لسبب فكري أو نفسي عارض إحدى الصلوات المفروضة، ثم يمر وقتها وينقضي دون أن يذكرها. وهنا ينظر الله إلى حقيقة ما في نفسه من أحوال يعتريها النسيان فيرفع عنه المؤاخرة على تأخير الصلاة عن وقتها، ويأتي كلام الرسول صلوات الله عليه وعمله١ مبينًا ما يجب على هذا الناسي. عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك، واقم الصلاة لذكرى". رواه البخاري. ومن أمثلته أيضًا أن ينسى المسلم في شهر رمضان أنه صائم فيأكل أو يشرب ناسيًا، ومثل هذا النسيان أحد العوارض التي تعرض للإنسان وهو صائم، لذلك ينظر الله إليه برفع المؤاخذة. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا نسي -أي الصائم- فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". رواه البخاري. ومن أمثلته أيضًا أن ينسى الإنسان ما عهد إليه بحفظه فيضيع من ذاكرته، ومثل هذا النسيان أحد العوارض التي تعرض للنفس الإنسانية باستمرار، لذلك ينظر إليه برفع المؤاخذة، ما لم يكن ناشئًا عن هجر لما حفظه وإهمال له. ومن هذا نسيان آدم ﵇ ما عهد الله إليه بحفظه، فعرضت له

стр. 177

عوارض النسيان، قال تعالى يخاطب نبيه محمدًا ﷺ في سورة "طه: ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول": ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . ففي توجيه الله رسوله أن يتأنى بتلقي القرآن الذي ينزل عليه، ويحفظه على رؤية، عرض له شاهدًا من احتمالات النسيان التي قد تعرض للإنسان مهما بلغت به قوة الذاكرة، فهذا آدم ﵇ الذي علمه الله الأسماء كلها، فأثبت جدارة تامة في حفظها، وأدى ما حفظه ساعة الامتحان على مشهد من الملائكة أداء حسنًا، كوفئ عليه بالاحترام والتقدير؛ إذ أمر الله الملائكة بالسجود له، هذا الإنسان الأول قوي الذاكرة، عرضت له عوارض النسيان، ولم يجد الله له عزمًا مستمرًا يمكنه من حفظه ما عهد به إليه. وبهذا نلاحظ مبلغ مراعاة أسس الإسلام جانب الواقعية في الإنسان؛ إذ أعفته من المؤاخذة على النسيان الذي لا يملك دفعه، باعتباره أثرًا من آثار طبيعته المفطور عليها، وذلك بشرط أن لا يكون ناشئًا عن سبب من إرادة الإنسان نفسه. القسم الثاني: وهو القسم الذي لا يعذر به صاحبه من قسمي النسيان، هو النسيان الذي لا تفرضه حالة الإنسان الفطرية الطبيعية، وإنما هو ظاهرة من ظواهر الانحراف النفسي المقصود، أو أثر من آثاره، أو ثمرة من ثمرات التهاون والإهمال والتقصير وعدم المبالاة. ويبدو هذا القسم في نسيان الكليات الدينية الكبرى، التي ليس من شأن أي إنسان سوي أن ينساها ويستمر على ذلك. ومن أمثلة هذا النسيان نسيان الله جل وعلا، ونسيان الدار الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، والاستمرار على نسيان الفروض والواجبات الدينية. وذلك لأن المذكرات بهذه الحقائق العظمى ونظائرها منبثة في الوجود كله، فهي إن نسيت في ساعات فلا يمكن أن يستمر نسيانها أمدًا طويلًا، أو مدى الحياة.

стр. 178

ومن أجل ذلك لا يكون نسيانها أو إدعاء نسيانها عذرًا مقبولًا عند الله جل وعلا؛ لأن نسيانها ناشئ عن انحراف نفسي في الإنسان، جعله يعرض عن موجبات التذكر. فالإعراض عن الإيمان، وعن النظر في أركانه، وعن التفكر في دلائله المنبثة في الكون، وعن التدبر في آيات الله، ينسي الإنسان ما وراء الأعمال السيئة من عواقب وخيمة. والإعراض عن تدبر القرآن باستمرار، وعن حضور مجالس العلم والذكر، ونحو ذلك، ينسي الإنسان ما كان تعلمه من خير. ولما كان هذا القسم من النسيان مما لا يعذر به صاحبه وجدنا طائفة من آيات الكتاب العزيز تضع صاحبه موضع المؤاخذة. فمن ذلك النصوص التالية: أ- قوله تعالى لداود ﵇ فيما حكاه لنا في سورة "ص: ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول". ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ . فقد جعل الله سبحانه سبب العذاب الشديد لهؤلاء نسيانهم يوم الحساب، الذي جعلهم يضلون عن سبيل الله، وآخذهم على هذا النسيان؛ إذ ليس من شأن الإنسان السوي أن ينسى ركنًا من أركان الإيمان، وصفة من صفات الله العظيمة، وهي صفة العدل، وإذا بحثنا عن سبب نسيانهم الذي أزلقهم فجعلهم يضلون وجدناه الانحراف الأول الذي تمثل باتباع الهوى. ب- وقوله تعالى في سورة "الحشر: ٥٩ مصحف/ ١٠١ نزول": ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

стр. 179

ففي هذا النص نلاحظ أن الله جل وعلا أمر الذين آمنوا بالتقوى، ونبههم على أن التقوى ثمرة من ثمرات مراقبة الله وذكره، وحذرهم من أن يكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. وأشار إلى أن سبب نسيان هؤلاء الله إنما هو فسقهم، أي اتباعهم الهوى، وانحرافهم عن طريق الحق، بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وهذا النص شبيه الدلالة بالنص السابق، هؤلاء المنافقون والمنافقات عصبة واحدة يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم عن البذل في الخير، فما هو السبب في هذا الشر الكبير الذي وصلوا إليه؟ والجواب في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّه﴾ فعاقبهم الله على ذلك بأن نسيهم، أي تركهم لأنفسهم ينزلقون في المهالك، فأصل معنى النسيان في اللغة الترك، أما النسيان بمعنى عدم التذكر فالله ﷻ منزه عنه، إنه لا يضل ولا ينسى. وإنما آخذهم الله على نسيانهم هذا؛ لأنه أثر من آثار انحرافهم النفسي، وهو فسقهم، الذي يتبعون فيه أهواءهم. د- وقوله تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول": ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ .

стр. 180

فهؤلاء الظالمون ذُكروا بآيات الله فأعرضوا عنها، ولما أعرضوا عنها انغمسوا في المعاصي، ولم يهتموا لعاقبتها، فأمست السيئات كبارها وصغارها تمر في حياتهم دون أن يلقوا لها بالًا، فإذا مرت نسوها مع ما ينسونه في حياتهم من محقرات الأمور، أو نسوا آثارها وعقوباتها عند الله، ولم يحاسبوا أنفسهم عليها، فإذا جاء وقت الحساب نشرت عليهم صحائفهم التي تبين لهم كل ما كانوا فعلوا ونسوه، ثم يحاسبون حسابًا عسيرًا. هـ- وقوله تعالى في سورة "الزمر: ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول": ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ . وإنما كان النسيان في مثل هذا المقام محلًّا للمؤاخذة؛ لأنه ليس من شأن الإنسان السوي إذا مسه الضر فالتجأ إلى الله منيبًا إليه كيما يزيل الضر عنه أن ينسى ربه بعد أن يستجيب له، ويفتح له أبواب النعمة، وأن ينسى ما كان عليه من قبل، من ضرورة التجائه إلى ربه. وقد يكون المراد بالنسيان هنا معنى الترك. ونلاحظ في الأعراف الإنسانية أن الناس لا يعذر بعضهم بعضًا في نسيان من هذا القبيل. ويدخل في قسم النسيان الذي لا يعذر به صاحبه كل نسيان ناشئ عن التهاون والإهمال والتقصير وعدم المبالاة، وذلك لأن في استطاعة الإنسان أن يدفع عن نفسه مسببات هذا النسيان بما يقدر عليه من اهتمام بالواجبات الملقاة على عاتقه، واتخاذ الوسائل للتذكر، فإذا قصر بما هو ميسور له من ذلك فأهمله، ولم يكترث له، فنتج عن إهماله نسيان ما هو مطلوب منه لذاتهن فإن نسيانه هذا لا يعفيه من المسئولية، ولا يسقط عنه المؤاخذة. ومن أمثلة هذا النسيان أن ينسى المسلم الصلوات المفروضة عدة أيام متواليات؛ إذ لو لم يكن مهملًا متهاونًا غير مكترث لعبادة ربه، لم تعرض له
следующие страницы →