ومن أمثلة هذا النسيان الذي ترتفع معه المؤاخذة أن ينسى المسلم الحريص على أداء صلاته نسيانًا حقيقيًّا، لسبب فكري أو نفسي عارض إحدى الصلوات المفروضة، ثم يمر وقتها وينقضي دون أن يذكرها.
وهنا ينظر الله إلى حقيقة ما في نفسه من أحوال يعتريها النسيان فيرفع عنه المؤاخرة على تأخير الصلاة عن وقتها، ويأتي كلام الرسول صلوات الله عليه وعمله١ مبينًا ما يجب على هذا الناسي.
عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال:
"من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك، واقم الصلاة لذكرى". رواه البخاري.
ومن أمثلته أيضًا أن ينسى المسلم في شهر رمضان أنه صائم فيأكل أو يشرب ناسيًا، ومثل هذا النسيان أحد العوارض التي تعرض للإنسان وهو صائم، لذلك ينظر الله إليه برفع المؤاخذة.
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"إذا نسي -أي الصائم- فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". رواه البخاري.
ومن أمثلته أيضًا أن ينسى الإنسان ما عهد إليه بحفظه فيضيع من ذاكرته، ومثل هذا النسيان أحد العوارض التي تعرض للنفس الإنسانية باستمرار، لذلك ينظر إليه برفع المؤاخذة، ما لم يكن ناشئًا عن هجر لما حفظه وإهمال له.
ومن هذا نسيان آدم ﵇ ما عهد الله إليه بحفظه، فعرضت له
стр. 177
عوارض النسيان، قال تعالى يخاطب نبيه محمدًا ﷺ في سورة "طه: ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول":
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ .
ففي توجيه الله رسوله أن يتأنى بتلقي القرآن الذي ينزل عليه، ويحفظه على رؤية، عرض له شاهدًا من احتمالات النسيان التي قد تعرض للإنسان مهما بلغت به قوة الذاكرة، فهذا آدم ﵇ الذي علمه الله الأسماء كلها، فأثبت جدارة تامة في حفظها، وأدى ما حفظه ساعة الامتحان على مشهد من الملائكة أداء حسنًا، كوفئ عليه بالاحترام والتقدير؛ إذ أمر الله الملائكة بالسجود له، هذا الإنسان الأول قوي الذاكرة، عرضت له عوارض النسيان، ولم يجد الله له عزمًا مستمرًا يمكنه من حفظه ما عهد به إليه.
وبهذا نلاحظ مبلغ مراعاة أسس الإسلام جانب الواقعية في الإنسان؛ إذ أعفته من المؤاخذة على النسيان الذي لا يملك دفعه، باعتباره أثرًا من آثار طبيعته المفطور عليها، وذلك بشرط أن لا يكون ناشئًا عن سبب من إرادة الإنسان نفسه.
القسم الثاني: وهو القسم الذي لا يعذر به صاحبه من قسمي النسيان، هو النسيان الذي لا تفرضه حالة الإنسان الفطرية الطبيعية، وإنما هو ظاهرة من ظواهر الانحراف النفسي المقصود، أو أثر من آثاره، أو ثمرة من ثمرات التهاون والإهمال والتقصير وعدم المبالاة.
ويبدو هذا القسم في نسيان الكليات الدينية الكبرى، التي ليس من شأن أي إنسان سوي أن ينساها ويستمر على ذلك.
ومن أمثلة هذا النسيان نسيان الله جل وعلا، ونسيان الدار الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، والاستمرار على نسيان الفروض والواجبات الدينية.
وذلك لأن المذكرات بهذه الحقائق العظمى ونظائرها منبثة في الوجود كله، فهي إن نسيت في ساعات فلا يمكن أن يستمر نسيانها أمدًا طويلًا، أو مدى الحياة.
стр. 178
ومن أجل ذلك لا يكون نسيانها أو إدعاء نسيانها عذرًا مقبولًا عند الله جل وعلا؛ لأن نسيانها ناشئ عن انحراف نفسي في الإنسان، جعله يعرض عن موجبات التذكر.
فالإعراض عن الإيمان، وعن النظر في أركانه، وعن التفكر في دلائله المنبثة في الكون، وعن التدبر في آيات الله، ينسي الإنسان ما وراء الأعمال السيئة من عواقب وخيمة.
والإعراض عن تدبر القرآن باستمرار، وعن حضور مجالس العلم والذكر، ونحو ذلك، ينسي الإنسان ما كان تعلمه من خير.
ولما كان هذا القسم من النسيان مما لا يعذر به صاحبه وجدنا طائفة من آيات الكتاب العزيز تضع صاحبه موضع المؤاخذة.
فمن ذلك النصوص التالية:
أ- قوله تعالى لداود ﵇ فيما حكاه لنا في سورة "ص: ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول".
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ .
فقد جعل الله سبحانه سبب العذاب الشديد لهؤلاء نسيانهم يوم الحساب، الذي جعلهم يضلون عن سبيل الله، وآخذهم على هذا النسيان؛ إذ ليس من شأن الإنسان السوي أن ينسى ركنًا من أركان الإيمان، وصفة من صفات الله العظيمة، وهي صفة العدل، وإذا بحثنا عن سبب نسيانهم الذي أزلقهم فجعلهم يضلون وجدناه الانحراف الأول الذي تمثل باتباع الهوى.
ب- وقوله تعالى في سورة "الحشر: ٥٩ مصحف/ ١٠١ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
стр. 179
ففي هذا النص نلاحظ أن الله جل وعلا أمر الذين آمنوا بالتقوى، ونبههم على أن التقوى ثمرة من ثمرات مراقبة الله وذكره، وحذرهم من أن يكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
وأشار إلى أن سبب نسيان هؤلاء الله إنما هو فسقهم، أي اتباعهم الهوى، وانحرافهم عن طريق الحق، بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
وهذا النص شبيه الدلالة بالنص السابق، هؤلاء المنافقون والمنافقات عصبة واحدة يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم عن البذل في الخير، فما هو السبب في هذا الشر الكبير الذي وصلوا إليه؟ والجواب في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّه﴾ فعاقبهم الله على ذلك بأن نسيهم، أي تركهم لأنفسهم ينزلقون في المهالك، فأصل معنى النسيان في اللغة الترك، أما النسيان بمعنى عدم التذكر فالله ﷻ منزه عنه، إنه لا يضل ولا ينسى.
وإنما آخذهم الله على نسيانهم هذا؛ لأنه أثر من آثار انحرافهم النفسي، وهو فسقهم، الذي يتبعون فيه أهواءهم.
د- وقوله تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول":
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ .
стр. 180
فهؤلاء الظالمون ذُكروا بآيات الله فأعرضوا عنها، ولما أعرضوا عنها انغمسوا في المعاصي، ولم يهتموا لعاقبتها، فأمست السيئات كبارها وصغارها تمر في حياتهم دون أن يلقوا لها بالًا، فإذا مرت نسوها مع ما ينسونه في حياتهم من محقرات الأمور، أو نسوا آثارها وعقوباتها عند الله، ولم يحاسبوا أنفسهم عليها، فإذا جاء وقت الحساب نشرت عليهم صحائفهم التي تبين لهم كل ما كانوا فعلوا ونسوه، ثم يحاسبون حسابًا عسيرًا.
هـ- وقوله تعالى في سورة "الزمر: ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول":
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ .
وإنما كان النسيان في مثل هذا المقام محلًّا للمؤاخذة؛ لأنه ليس من شأن الإنسان السوي إذا مسه الضر فالتجأ إلى الله منيبًا إليه كيما يزيل الضر عنه أن ينسى ربه بعد أن يستجيب له، ويفتح له أبواب النعمة، وأن ينسى ما كان عليه من قبل، من ضرورة التجائه إلى ربه.
وقد يكون المراد بالنسيان هنا معنى الترك.
ونلاحظ في الأعراف الإنسانية أن الناس لا يعذر بعضهم بعضًا في نسيان من هذا القبيل.
ويدخل في قسم النسيان الذي لا يعذر به صاحبه كل نسيان ناشئ عن التهاون والإهمال والتقصير وعدم المبالاة، وذلك لأن في استطاعة الإنسان أن يدفع عن نفسه مسببات هذا النسيان بما يقدر عليه من اهتمام بالواجبات الملقاة على عاتقه، واتخاذ الوسائل للتذكر، فإذا قصر بما هو ميسور له من ذلك فأهمله، ولم يكترث له، فنتج عن إهماله نسيان ما هو مطلوب منه لذاتهن فإن نسيانه هذا لا يعفيه من المسئولية، ولا يسقط عنه المؤاخذة.
ومن أمثلة هذا النسيان أن ينسى المسلم الصلوات المفروضة عدة أيام متواليات؛ إذ لو لم يكن مهملًا متهاونًا غير مكترث لعبادة ربه، لم تعرض له
стр. 181
عوارض النسيان هذا، كيف ينسى وما في الأحداث الكونية والنفسية من مذكرات بها كثيرة متتابعة.
ومن أمثلة هذا النسيان أيضًا أن ينسى السجان أحد سجنائه في غرفة مقفلة، ثم يعود إليه بعد أن مات صبرًا، فإنه لا يعذر بمثل هذا النسيان إذا كان ناشئًا عن تهاون وتقصير، وهل كان ينسى لو أن السجين ولده، أو أحد أقربائه وأحبائه.
ولما كان هذا النوع من النسيان الذي يجلبه التهاون والتقصير وعدم المبالاة ومجالسة الغافلين، من اليسير على الإنسان أن يدفعه عنه، وذلك بدفع مسبباته، واتخاذ الوسائل المذكورة، مما هو بين يدي الاستطاعة الإنسانية بشكل عام، نهى الله عنه في مناسبات متعددات نهيًا مباشرًا أو غير مباشر.
فمن ذلك النصوص التالية:
أ- قول الله تعالى في مجال الترغيب بالعفو عن مطالبة من طلق قبل المس بنصف المهر المفروض في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول".
﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
ففي هذا النهي عن النسيان تذكير بالفضل بين المسلمين من جهة، وتوجيه للنظر إلى ما يطرد عن الفكر عوامل النسيان، وإشعار بأن ما فضل الله به الرجال على النساء يقتضي من الرجال أن يعفوا، فلا يُطالبوا بنصف المهر الذي بذلوه لمطلقاتهم قبل الدخول بهن.
ب- وقوله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .
وفي هذا النص توبيخ من الله لأحبار اليهود على نسيانهم أحوالهم الخاصة، وهم يأمرون الناس بالبر، وذلك لأن أمرهم الناس بالبر من أقوى الدواعي المذكرة لهم بأنفسهم، ولكن عوامل نفسية منحرفة صرفتهم عن ذلك، وجعلتهم ينظرون إلى البر من زاوية عنصريتهم الضيقة، ذات الأنانية المغرقة.
وقد يراد بالنسيان في هذه الآية معنى الترك، أي: أتأمرون الناس بالبر وتتركون أنفسكم؟!!
стр. 182
ج- وقوله تعالى بشأن حزب الشيطان في سورة "المجادلة: ٥٨ مصحف/ ١٠٥ نزول":
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
فهؤلاء فريق من الناس نسوا ذكر الله، بسبب أنهم اتبعوا الشيطان ودخلوا في حزبه، فاستحوذ عليهم بالشهوات، وما في الحياة الدنيا من زينة ومتع ولذات، فعوقبوا على هذا النسيان؛ لأنهم هم الذين أسلموا أنفسهم لأسبابه، وكان باستطاعتهم أن يسلكوا طريقًا آخر، تتدفق عليهم فيه المذكرات بالله من كل جانب.
استحوذ عليهم الشيطان: أي: استولى عليهم وساقهم بشدة، ومنه الحوذي، وهو سائق الدواب.
علاج النسيان:
وقد وضع الله بين يدي المسلم علاجًا مباركًا يطرد عنه عوامل نسيان أمور الخير، ويساعده على تذكرها، وهذا العلاج مؤلف من عنصرين:
العنصر الأول: مفارقة مجالس الظالمين، وهذا العنصر يوحي بالبعد عن مسببات النسيان كلها، وأهمها الانغماس في البيئة المساعدة عليه، قال الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
العنصر الثاني: ذكر الله، وتدبر صفاته وأسمائه الحسنى، وهذا العنصر يوحي بتصفية النفس من شواغلها المادية، والغضبية، والشهوية، وغيرها، حتى تتفرغ للتذكر الخير، قال الله تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول":
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ .
стр. 183
الخطأ:
وتظهر لنا الواقعية الإسلامية في رفع التكليف حالة الخطأ الذي لا يملك الإنسان دفعه.
الخطأ: هو مجانبة سبيل الصواب مع قصده، أو عدم إصابة الهدف المرجو، أو إصابة غير الهدف المقصود، في العمل، أو في الفكر، أو في اللسان.
وهو ظاهرة طبيعية من الظواهر الإنسانية التي لا يملك الإنسان بحسب قدراته العامة دفعها، وهذه الظاهرة تتجلى في أعمال الإنسان، وفي أقواله، وفي إدراكاته الحسية، وفي أفكاره.
ومن الخطأ في الأفكار خطأ المجتهد في استنباطاته، وخطأ القاضي في أحكامه، وخطأ الباحث عن الحقيقة بصدق وإنصاف فيما توصل إليه بعد البحث.
ولما كانت هذه الظاهرة أمرًا طبيعيًّا في الإنسان، لا يستطيع في كل الأحوال دفعه، على الرغم من حرصه الشديد على مجانبة الخطأ، وبذله وسعه في ذلك، واتخاذه كل الاحتياطات المطلوبة منه، اقتضت الواقعية في أسس الإسلام مراعاة هذه الظاهرة، التي لا يملك الإنسان دفعها، وذلك برفع المؤاخذة عنه ضمن شروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون تصديه للأمر بعد تحقق غلبة الظن بأنه كفؤ له بحسب الأعراف العامة عند الناس.
الشرط الثاني: أن يتخذ الوسائل والاحتياطات المستطاعة التي تدفع عنه احتمالات الخطأ، أو تخفف منها قدر المستطاع.
الشرط الثالث: ألا يكون منه تقصير أو تفريط.
فإذا تحققت هذه الشروط لديه، ثم وقع منه الخطأ بعد ذلك فهو معذور عند الله، أما إذا أخل بها كلها أو بعضها فإن المسئولية تلاحقه منذ شروعه في
стр. 184
الأمر الذي هو فيه، أصاب فيه أم أخطأ؛ لأن ما بني على غير مأذون به فالخطأ فيه غير معفو عنه.
فمن قام بعمل لا يحسنه، أو مارس ما لا قدرة له على تصريفه، أو تصدى للقيام بأمر لا يستطيع القيام به، فوقع منه خطأ يؤاخذ به متعمده، فهو أيضًا كالمعتمد يؤاخذ به؛ لأنه قام بما لم يؤذن له فيه شرعًا.
ومن أمثلة ذلك أن يتصدى لتولي القضاء من ليس هو أهلًا له، فإنه مسئول في الإسلام عن كل الأخطاء التي يقع بها في أقضيته، ومؤاخذ عليها؛ لأنه قبل أن يتولى أمرًا ليس كفئًا له.
ومن أمثلة ذلك أن يتصدى لتطبيب الناس من لا علم له بالطب، فإنه لا يعذر في الإسلام عن الأخطاء التي يرتكبها في معالجته الطبية، فإذا أضر بمريضه أو قتله عوقب على ذلك بنسبة الجرم الذي ارتكبه، ولو كان ذلك منه على سبيل الخطأ في التطبيب؛ لأنه غير مأذون شرعًا بممارسة تطبيب الناس، وهو جاهل بالطب، ويسمى ممارس التطبيب وهو جاهل متطببًا، أي متعديًا على صنعة الطب التي لا يحسنها.
ومن أمثلة ذلك أيضًا أن يتصدى للفتيا واستنباط أحكام الشريعة الإسلامية من لا قدرة له على ذلك، ولم تتوافر لديه الشروط الواجبة للاجتهاد والفتيا واستنباط الأحكام الدينية، فإنه مسئول عن كل الأخطاء التي يرتكبها في اجتهاداته وفتاويه واستنباطاته الشرعية، ومؤاخذ عليها شرعًا؛ لأنه تطاول على ما لا قدرة له عليه، وتجرأ على الله في الدين.
وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
стр. 185
ومن التقصير الذي يوقع في الخطأ وتكون معه المؤاخذ الإسراع فيما يجب فيه التأني، والاعتماد على أضعف الأدلة وأيسر الوسائل، في أمور يجب فيها التروي والبحث على أقوى الأدلة، ويجب فيها اتخاذ المستطاع من الوسائل الممكنة.
ومن التقصير الذي يوقع في الخطأ وتكون معه المؤاخذة أن يقضي القاضي وهو شديد النعاس، أو يدفع أحد الأخبثين، أو في حالة من الحالات الإنفعال المضيع للصواب، والمشتت للذهن كالغضب ونحوه.
ومن التقصير الذي يوقع في الخطأ وتكون معه المؤاخذة على الخطأ.
أما من اتخذ ما يجب عليه اتخاذه، ولم يقصر، ولم يفرض ولم يتهاون فإنه إذا أخطأ فخطؤه معفو عنه، بهذا تقضي الواقعية في أسس الإسلام التكليفية، قال الله تعالى في سورة "الأحزاب: ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول":
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
ففي هذه الآية بيان واضح بأن من أسس الإسلام في التكليف أنه لا جناح على الإنسان فيما صدر منه على سبيل الخطأ، دون أن يكون قد تعمد ارتكابه، وهو يعلم أنه مجانب سبيل الصواب، ولكن الجناح على من تعمد مجانبة سبيل الصواب تلبية لهوى من أهواء النفس، أو شهوة من شهواتها، وهذا التعمد عمل من أعمال القلوب، ولذلك قال جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ .
ومن أمثلته في هذا المجال العملي القتل دون تعمد، كأن يسدد صياد ماهر على حيوان ليصيده، فتصيب رميته إنسانًا على سبيل الخطأ فتقتله، والأصل في
стр. 186
مثل هذا الخطأ أن ترتفع معه المسئولية ارتفاعًا تامًّا. تطبيقًا للقاعدة الإسلامية العامة، ولكن هذا الخطأ أمر تحيط به الملاحظات التاليات:
الأولى: أنه أمر جسيم يتعلق بحياة الناس.
الثانية: احتمال ادعاء الخطأ على سبيل الكذب فرارًا من القصاص، وإسقاطًا لحق أولياء القتيل.
الثالثة: احتمال وقوع تهاون وتقصير أفضيا إلى القتل الخطأ.
ونظرًا إلى هذه الملاحظات المرافقة للقتل على سبيل الخطأ رفع الله عن القاتل خطأ حكم القصاص، عملًا بأصل القاعدة، التي تتضمن رفع المسئولية وألزم القاتل بالكفارة، لتشتد حيطة الناس في مثل هذا الأمر الجسيم. وليبالغوا في البعد عن كل مظان الخطأ الذي قد يفضي إلى قتل البراءة، وألزم بالدية صيانة لحق أولياء القتيل، ومراعاة لاحتمال أن يكون ادعاء الخطأ ادعاء كاذبًا، مهما كانت القرائن مؤيدة صدق الأدعاء؛ لأن التعمد الحقيقي عمل من أعمال القلوب. فربما يوجد دون أن تدل عليه إمارة ظاهرة، قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ .
ورفقًا بحال القائل خطأ جعل الإسلام الدية تكليفًا تعاونيًّا تلزم به العاقلة "العاقلة: أقرباء القاتل خطأ".
ومن أمثلة الخطأ في مجال الفكر خطأ المجتهد في استنباط الأحكام، إذا كان أهلا للاستنباط، وخطأ القاضي في الحكم إذا كان أهلًا للقضاء، وخطأ السلطان في الرأي إذا كان أهلًا لتصريف الأمور العامة، وخطأ كل راع في إدارة شئون رعيته.
وتفصيلًا للقاعدة الإسلامية التي تتضمن رفع المسئولية عن الخطأ، إذا لم يرافقه إهمال أو تقصير، أو إخلال بالشروط الواجبة، قال رسول الله ﷺ :
стр. 187
"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".
رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص ونظيره عن أبي هريرة.
أما الأجران لمن أصاب فأجر اجتهاده، وأجر إصابته التي اعتمدت على تحريه الزائد، وأما الأجر الواحد لمن أخطأ فهو أجر اجتهاده، ولا إثم عليه فيما أخطأ به لأنه لم يتعمده، وقد كان على وجه الإجمال أهلًا للاجتهاد.
ونظر الرسول صلوات الله عليه إلى خطأ القاضي في حكمه إذا نتج عنه هضم حق إنسان، وإعطاء آخر ما ليس له به حق فحمل المستفيد من هذا الخطأ وزر أخذه ما ليس به حق؛ لأنه أخذه وهو يعلم أنه ظالم فيه، فعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:
"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار" رواه البخاري ومسلم.
ومن أمثلة الخطأ في اللسان الذي ترتفع معه المؤاخذة ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".
الإكراه:
وتظهر لنا الواقعية الإسلامية في رفع التكليف حالة الإكراه الذي لا يملك الإنسان دفعه
стр. 188
الإكراه: هو الإلزام على سبيل القهر والغلبة بالقيام بعمل من الأعمال تحت تأثير قوة ملجئة، أو تهديد بانتقام أشد ضررًا أو شرًّا من الضرر أو الشر اللذين يُفضي إليهما العمل المكره عليه، أو مساويين لهما، والملزم بالقيام بالفعل كاره له، مقهور عليه مغلوب على أمره فيه.
وقد اقتضت الواقعية في أسس الإسلام مراعاة مثل هذا الأمر الذي يتعرض له الإنسان في حياته، مما هو خارج عن نطاق إرادته الحرة؛ إذ تكون إرادته فيه مغلوبة مستكرهة، ولذلك نلاحظ أن الأحكام الإسلامية قررت مع هذا النوع من الإكراه رفع مسئولية الإنسان عن العمل المستكره عليه.
وهذا ما يقصد إليه الرسول ﷺ بقوله:
"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
أي: وضع عنهم جزاء هذه الأمور، واعتبرت الأفعال الناجمة عنها مغفوًا عنها، وذلك ضمن شروط الإعفاء من المسئولية في كل منها.
والشرط في رفع المسئولية عن المكره ألا تتفق إرادته القلبية مع إرادة من استكرهه على العمل، أو ألا تكون إرادته القلبية موافقة على القيام بالعمل ذاته بعيدًا عن ملاحظة حالة الإكراه الضاغطة عليه.
ومن أمثلة ذلك إكراه أولياء الإماء على البغاء بسلطان الولاية، قال الله تعالى في سورة "النور: ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول":
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
أي: غفور لهن رحيم بهن؛ لأنهن كن مكرهات على ما فعلن كارهات له.
ومن أمثلة ذلك أيضًا أن يكره المؤمن على إعلان الكفر بتهديده وتوعده بالقتل الذي لا يستطيع دفعه، أو بالعذاب الشديد الذي لا يستطيع تحمله، وهنا،
стр. 189
يوازن المؤمن بين إعلانه الكفر أمام الكافرين وبين قتله أو تعذيبه، فقد يرى أن مثل هذا الإعلان أخف شرًّا وضرًا من القتل والتعذيب، فينجي نفسه من ذلك بما يرضي عدوه من قول أو فعل، وقلبه مطمئن بالإيمان.
قال الله تعالى في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
ولا يشمل هذا الحكم فيما أرى من إذا أعلن الكفر ولو على سبيل الإكراه كفر من ورائه ناس مقتدون به كفرًا حقيقيًّا، وذلك لأن الشر الذي ينجم عن إعلانه هذا أشد بكثير من الضر الذي يناله باستشهاده في سبيل الله.
ومن أجل ذلك لم يأذن الله لحملة رسالاته للناس بمثل هذا الإعلان مهما نالهم من ضر وأذى، فهذا الإذن خاص بالأفراد العاديين، الذين لا يتأثر غيرهم بما يظهر منهم.
وقد استطاع كثير من صادقي الإيمان واليقين بالله أن يصبروا، ويتحملوا ألوان العذاب التي لم ترفع عنهم حتى لاقوا حتفهم، ولو أنهم تنازلوا فتفوهوا ببعض كلمات الكفر لنجوا، ولكنهم آثروا الصبر والشهادة على التظاهر بالكفر، وهذا هو سبيل الأبرار والمحسنين.
ولقد صبر المستضعفون من أصحاب رسول الله ﷺ صبرًا عظيمًا على ألوان البلاء التي كان المشركين ينزلوها بهم، دون أن يتفوه هؤلاء المستضعفون بما يريد المشركون أن يقولوه من ألفاظ الكفر، ويمر الرسول صلوات الله عليه على بعضهم فيواسيهم ويعظهم بالثبات والصبر.
وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال:
"قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم
стр. 190
يُؤتي بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه" رواه البخاري.
وكل إكراه يمكن التخلص منه بوسيلة لا ضرر فيها، أو بوسيلة ضررها أخف من ضرر ما حصل عليه الإكراه، ويستطيع المستكره مباشرتها فإنه إكراه ترتفع معه المسئولية، ولا يكون مناطًا للاعتذار به في استحقاق العفو.
وليس من الإكراه حمل الإنسان على إثم كبير وجرم خطير عن طريق تهديد بإنزال ضرر فيه دون الضرر الذي يتحقق بذلك الجزم، ومن أمثلة ذلك حمل الجندي على قتل إنسان بريء، غير مدان في القضاء الشرعي بالقتل، فإن لم يفعل ما أمر به، سرح من عمله، أو سجن، أو حُسِمَ من راتبه مبلغ من المال، فإنه في مثل هذا غير مكره؛ لأنه آثر أن يرتكب جريمة القتل، خشية أن يسرح من عمله أو يسجن أو يحسم من راتبه مبلغ من المال، ولن يجد لنفسه عند الله عذرًا بأنه كان مكرهًا على العمل، ولكنه سيلاقي جزاءه فهو من شركاء الظالمين وأعوانهم.
ومن روائع أمثلة إيثار العذاب على الوقوع في معصية الله ما كان من يوسف ﵇، فإنه لما سمع تهديد امرأة العزيز له إذا قالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ . قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ .
стр. 191
شرح الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد الإنسانية
وتظهر الواقعية في أسس الإسلام في مراعاتها مطالب الفكر والنفس والجسد الإنسانية، وعدم إهمالها، وذلك ضمن حدود طريق الخير.
ولدى شرح الواقعية في هذا المجال نلاحظ أن الله ﵎ لما فطر الإنسان على مجموعة كبيرة من الميول والدوافع الفطرية، ذات المطالب المتنوعة في الحياة، لم يشأ في شريعته للناس أن يحرمها من تلبية مطالبها، وإنما ارتضى لها أن تسلك في ذلك سبيلًا سويًّا، يضمن لها تحقيق العناصر الخمسة التالية:
стр. 192
العنصر الأول: تلبية المطالب الإنسانية باعتدال دون إفراط ولا تفريط مضرين.
العنصر الثاني: إقامة العدل على أسس الحق بين مجموعة الميول والدوافع الفطرية ومطالبها، وواجبات الإنسان في الحياة، ثم إعطاء كل منها ما يناسبه، ويصلحه بالعدل، دون أن يطغى بعضها على حقوق بعض أو على حقوق سائرها.
العنصر الثالث: ربط تلبية المطالب بالأسس الإيمانية، وتصعيد غايات النفس وأهدافها، لدى فسح المجال لتلبية مطالبها، وذلك بأن لا يكون هدف الإنسان وغايته مجرد تلبية مطالب الميول والدوافع الفطرية، وإنما يهدف مع ذلك إلى أمور أسمى.
العنصر الرابع: الالتزام لدى تلبية مطالب الميول والدوافع الإنسانية بالبعد عن سبل الشر والإثم والإفساد في الأرض، وبالبعد عن سبل العدوان على حقوق الآخرين، ويكون ذلك بالوقوف عند حدود الله، التي حدها لعباده في تلبية مطالبهم الإنسانية.
العنصر الخامس: توجيه كل من الدوافع الفطرية ذات المظاهر المتضادة كالشجاعة والجبن، والحب والكراهية، والزهد والطمع، والكرم والبخل، لما يحقق أكبر نسبة من الخير، يمكن تحقيقها عن طريقه، وعدم اعتبار شيء منها شرًّا بذاته، أو انحرافًا في أصل التكوين، وإنما هي مقادير من المنح الربانية اقتضت لونًا من ألوان الامتحان خاصًّا بالشخص الذي أودع الله فيه هذه الدوافع الفطرية ومقاديرها، وذلك كتوجيه عاطفة الحب نحو الله والحق والخير والفضيلة والمؤمنين الصالحين، وتوجيه عاطفة الكراهية نحو الباطل والشر والرذيلة ودعاة هذه الموبقات من شياطين الإنس والجن.
وشرح هذه العناصر الخمسة فيما يلي:
شرح العنصر الأول:
وهو تلبية المطالب الإنسانية باعتدال دون إفراط ولا تفريط مضرين.
стр. 193
ويتحقق هذا العنصر بالتزام ما أمر به الإسلام، واجتناب ما نهى عنه، واتباع ما أرشد إليه بوجه عام، أما ما أباحه فللإنسان أن يفعله أو يتركه ضمن حدود مصلحته التي يراها.
أ- ففي تلبية دوافع الطعام والشراب مثلًا أمر الإسلام الناس بأن يتناولوا من الطيبات ما يدفع عنهم مضرات الجوع والعطش، ونهاهم عن الخبائث من المآكل والمشارب، وعن الإسراف المضر وأباح لهم أن يختاروا من الطيبات من الرزق ما يشاءون, ورغبهم بالاقتصار على مقدار الحاجة، وعدم اتخاذ الطعام والشراب غاية من غايات الحياة، ووجههم إلى فهم أنهما وسيلة مزينة للنفس، وأن الغاية منهما المحافظة على الحياة من جهة، والابتلاء من جهة أخرى.
قال تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ .
وقال النبي ﷺ :
"ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه".
رواه أحمد والترمذي والبيهقي والحاكم عن المقداد بن معديكرب.
وفي بيان أن الإسلام يحل للناس الطيبات ويحرم عليهم الخبائث: قال تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وقال تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا
стр. 194
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .
وفي تفصيل الخبائث المحرمة من الطعام والشراب:
يقول الله تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ .
ويقول أيضًا فيها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
ب- وفي تلبية دوافع غريزة بقاء النوع كان مظهر الواقعية في الإسلام ممثلًا ببيان وجودها، وإباحتها والحث عليها، ضمن شروط تحقق الخير منها، وتبتعد بها عن مزالق الإثم والشر.
فمن بيان وجودها قول الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ .
ومن الحث عليها قول الرسول ﷺ :
"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود.
ومن إبعادها عن مزالق الإثم والشر قول الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .
وقوله تعالى يصف المؤمنين في سورة "المؤمنون: ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول".
стр. 195
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ .
ج- وفي تلبية دوافع حب التملك كان مظهر الواقعية في الإسلام متمثلًا بإثبات وجودها من جهة، وبإعطاء حرية التملك الشخصي من جهة ثانية، وبالبحث على العمل لاكتساب الرزق، مع تحريم وسائل التملك التي فيها عدوان وظلم، وإضرار بالناس، أو بسياسة الدولة الإسلامية، أو إخلال بأصل من الأصول العامة للشريعة الإسلامية.
فمن إثبات وجودها قول الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول":
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ .
ومن النصوص الدالة على إعطاء حرية التملك الشخصي ضمن الحدود التي حدها الإسلام قول الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
وعن المقدام ﵁ قال رسول الله ﷺ :
"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". رواه أحمد والبخاري.
وفي الحديث الصحيح أيضًا عن النبي ﷺ :
стр. 196
"أفضل الكسب بيع مبرور، وعمل الرجل بيده". رواه أحمد والطبراني عن أبي بردة بن نيار.
ومن النصوص التي تتضمن الحث على اكتساب الرزق قول الله تعالى في سورة "الجمعة: ٦٢ مصحف/ ١١٠ نزول":
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وفي القرآن الكريم آيات كثيرات تبين ملكية الناس لأموالهم بشكل عام، وتحدد بعض طرق التملك المشروعة، كالميراث، وتبين بالإضافة إلى ذلك الوجوه المحرمة من وجوه الكسب، وتبين الحقوق المتعلقة بأموال الأفراد لصالح المحرومين ذوي الحاجات، أو لمن تجب لهم النفقة، أو للصالح العام الذي تشرف على رعايته وإدارته حكومة المسلمين.
فمن النصوص التي تبين بعض وسائل الكسب المحرمة في الإسلام، قول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾
وبهذا يعلن الله حدود الإسلام في تحريم الربا.
وقول الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
ومن وسائل الكسب المحرمة الغلول، وهو الاستيلاء على الأموال العامة بغير حق، قال الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
وبهذا يعلن الله حدود الإسلام في تحريم الربا.
وقوله الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
ومن وسائل الكسب المحرمة الغلول، وهو الاستيلاء على الأموال العامة بغير حق، قال الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
стр. 197
وهكذا تمضي النصوص الإسلامية في تحديد الاقتصاد الموجه، وبيان المحرم من وسائل الكسب التي يقترف الناس بها أموالهم.
شرح العنصر الثاني:
وهو إقامة العدل على أسس الحق بين مجموعة الميول والدوافع الفطرية ومطالبها، وواجبات الإنسان في الحياة، ثم إعطاء كل منها ما يناسبه ويصلحه بالعدل، دون أن يطغى بعضها على حقوق بعض، أو على حقوق سائرها.
لدى التبصر في مفاهيم الإسلام وأحكامه المختلفة نلاحظ أن هذا العنصر من عناصر الواقعية الإسلامية يتمثل بنظرة الإسلام الراقية إلى الإنسان كل الإنسان، لا إلى ناحية منه دون أخرى، وإلى جميع واجبات هذا الإنسان في الحياة الدنيا، وهي الواجبات التي تكون سبب سعادته فيها، وتأخذ بيده إلى أفضل مصير يمكن أن يصير إليه في الآخرة.
وقد اقتضت إقامة العدل بين مجموعة الميول والدوافع الفطرية ومطالبها، وواجبات الإنسان المختلفة في الحياة أن يقوم كل منها تقويمًا ملائمًا، ويعطي من طاقة الإنسان وفكره وعواطفه وزمنه بالعدل.
ومن أجل ذلك لم يرتض الإسلام في تربية المسلم السوي أن تسود فيه بعض الدوافع والميول الفطرية حتى تمتص معظم طاقاته، وتستهلك معظم عمره، وحتى يهمل بسبب ذلك ما لديه من دوافع خيرة، ويهمل واجباته الدينية والشخصية والاجتماعية في الحياة.
ولم يرتض الإسلام في تربية المسلم السوي أيضًا أن تهيمن عليه فضيلة من الفضائل الدينية العبادية أو غيرها، أو مجموعة منها، حتى تمتص معظم طاقاته, وتستهلك معظم عمره، مع إهماله بقية الواجبات، وحرمان نفسه من مطالبة الضرورية في الحياة.
وإنما رغب الإسلام في تربية المسلم حتى يكون إنسانًا سويًّا أن يصنع
стр. 198
المسلم لنفسه جدولًا محكمًا، يورع فيه طاقاته وزمنه توزيعًا عادلًا، على مطالب وفكره وجسده، وواجباته الدينية الشخصية والاجتماعية، ويمنح كلا منها من طاقاته وزمنه ما يناسبه بالعدل.
وبهذا التوزيع العادل يغدو الإنسان المسلم متعادل الشخصية، في صفاته وعواطفه، وأعماله، حكيمًا فيأمره كله.
فمن سوء التوزيع لطاقات الإنسان وزمنه الذي لا يرتضيه الإسلام أن ينصرف المسلم للعبادة تاركًا عياله في آلام الحاجة إلى وسائل العيش، ظانًّا أن هذا أفضل من المشي في مناكب الأرض لاكتساب الرزق من الطرق التي أحلها الله، وإنفاقه عليهم، ومن أجل هذا أمر الله بالانتشار في الأرض، ابتغاء لفضل الله عقب أداء الصلاة من يوم الجمعة، كما أمر بالسعي إلى ذكر الله وترك البيع، إذا نودي للصلاة، قال الله تعالى في سورة "الجمعة: ٦٢ مصحف/ ١١٠ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
ومن سوء التوزيع إشغال الإنسان فكره ونفسه وقلبه وجسده في جمع الأموال، وإهماله حظوظه النفسية والجسدية الأخرى، وإهماله واجباته الدينية الشخصية والاجتماعية.
ومن سوء التوزيع تعليق الإنسان قلبه بحب شهوة من شهوات النفس أو الجسد، والاستغراق بها، وإهماله توجيه قلبه إلى حب الله ورسوله، وما يحبه الله ورسوله من خير.
ولا يعارض مبدأ الحكمة في التوزيع أن يتجه الإنسان إلى اكتساب مهارة كبيرة في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو صناعة من الصناعات؛ لأن ذلك من حصر الطاقات المخصصة في التوزيع العام العادل لهذه الأنواع من حاجات الإنسان، أو واجباته في الحياة، في أفضل طريقة منتجة مدنية إلى
стр. 199
الكمال، بل حث الإسلام المسلم على أن يجمع أمره ولا يشتت عمله، وذلك ليتقن ما هو فيه من علم أو عمل، ولكن بشرط أن لا يكون ذلك على حساب أنواع من الواجبات والضروريات الأخرى.
فليس للإنسان أن يضيع الصلوات المفروضة مثلًا زاعمًا أنه مشتغل عنها بعلوم الفقيه والحديث والتفسير، أو مشتغل عنها بإتقان صناعة من صناعات كسب الرزق، أو أن يضيع حقوق أهله وأولاده عليه بحجة انشغاله بعلم أو عبادة، أو عمل من أعمال الاكتساب، حتى تأخذ هذه الأمور من طاقته وزمنه أكثر من حصتها المقدرة لها في التوزيع العام، ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال:
"إن لربك عليك حقًّا. وإن لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه".
شرح العنصر الثالث:
وهو ربط تلبية المطالب الإنسانية بالأسس الإيمانية، وتصعيد غايات النفس وأهدافها، لدى فسح المجال لتلبية مطالبها، وذلك بأن لا يكون هدف الإنسان وغايته مجرد تلبية مطالب الميول والدوافع الفطرية، وإنما يهدف مع ذلك إلى أمور أسمى.
١- أما ربط تلبية المطالب الإنسانية بالأسس الإيمانية فيكون بملاحظة أن الله تعالى هو الذي خلق مطالب الأنفس، وهو الذي ييسر سبل تلبيتها، وهو الذي وضعها ووضع مجالات تلبيتها تحت سلطة الإنسان، ليمتحن إرادته بين منهجي الحياة: الاستقامة على الطريقة، والانحراف عنها.
فالمسلم بهذا الربط بالأسس الإيمانية إذا عمل لتلبية مطالبه الإنسانية فإنها يبتغيها من فضل الله، ويدعو الله مع كل مطلب أن ييسره له، ويستعيذ بالله أن يدفع عنه الشر والسوء والأذى، التي قد تنجم عن تلبيته، ولا بد أن يرافق ذلك مراقبة الله، والطمع بثوابه، والخوف من عقابه، وهذه المراقبة من شأنها أن تصد
стр. 200
الإنسان من أيمن الصراط ومن أيسره عن الانزلاق وراءهما، وذلك كلما نزعت فيه نفسه نحو الإثم، وكلما طاف به طائف من الشيطان.
وقد أرشدنا الإسلام إلى ربط مطالبنا الإنسانية بالأسس الإيمانية في مناسبات كثيرات، منها ما يلي:
أ- ففي مجال ما امتن الله به علينا من تسخير البحر لنا، وإزجاء الفلك فيه يرشدنا كيما نبتغي مطالبنا الإنسانية من فضله، قال الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ .
ب- وفي مجال ما امتن الله به علينا إذ جعل لنا الليل والنهار آيتين دالتين على قدرته وحكمته، يرشدنا كيما نبتغي مطالبنا الإنسانية من فضله، قال تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ .
ج- وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة يأمرنا الله بالسعي، إلى ذكر الله وترك البيع، فإذا قضيت الصلاة يرشدنا إلى أن ننتشر في الأرض، ونبتغي من فضل الله، ونحافظ على ذكر الله باستمرار، فقال الله في سورة "الجمعة: ٦٢ مصحف/ ١١٠ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
٢- وأما تصعيد الغاية لدى تلبية المطالب الإنسانية فيكون بقصد غايات أخرى تقضي إليها هذه المطالب، وهذه الغايات أسمى من مجرد تحصيل شهوة، وإشباع غريزة، أو تلبية دافع من الدوافع الإنسانية.
стр. 201
ومن أمثلة ذلك:
أ- أن يقصد المسلم بما يتناول من طعام وشراب التقوى على طاعة الله، كالعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، إضافة إلى قصد دفع مضرات الجوع والعطش عن نفسه، وأنه يقوم بذلك طاعة لله، وإضافة أيضًا إلى اعتقاد أنه يستمع بما تفضل الله به عليه من نعم تستوجب منه الحمد والشكر.
ب- وأن يقصد بالزواج تكوين أسرة إسلامية، وإنجاب أولاد يسعى في تربيتهم تربية إسلامية، حتى يكونوا جنودًا صالحين من جنود هذه الرسالة الربانية الخالدة، وذلك إضافة إلى قصده إعفاف نفسه عما حرم الله، بوضع شهواته فيما أباح له، وحينما يمارس منعته في ذلك يلاحظ مِنَّة الله عليه فيما تفضل به عليه من نعم تستوجب منه الحمد والشكر.
ج- وأن يقصد من أعمال كسب الرزق التي يقوم بها كف نفسه عن الحاجة إلى صدقات الناس، وأداء ما يجب عليه من نفقة على عياله, وأقاربه، ورحمه، وبذل الزكاة والصدقات والمبرات لمستحقيها، وإنما القوة المالية لجماعة المسلمين، والمساهمة في القوة الدفاعية التي تصد أعداءهم، والمساهمة أيضًا في نشر الدعوة الإسلامية على أوسع نطاق، عن طريق العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والجهاد في سبيل الله.
وعلى مثل ذلك يكوت تصعيد الغايات لدى تلبية المسلم مطالبه الإنسانية المختلفة.
شرح العنصر الرابع:
وهو الالتزام لدى تلبية مطالب الميول والدوافع الإنسانية، بالبعد عن سبل الشر والإثم والإفساد في الأرض، وبالبعد عن سبل العدوان على حقوق الآخرين، ويكون ذلك بالوقوف عند حدود الله، التي حدها لعباده في تلبية مطالبهم الإنسانية.
стр. 202
لدى التبصر في المجالات التي يتم فيها تلبية مطالب الميول والدوافع الإنسانية نلاحظ أن كلا من هذه الميول والدوافع يمكن تلبيته في مجالات مختلفات، ومن هذه المجالات ما يتضمن شرًّا أو ضرًّا أو أذى أو يفضي إلى شيء من ذلك، وهذه المجالات قد وضع الإسلام لها حدودًا، ووضع على هذه الحدود إعلانًا بالمنع من اقترابها، أو اختراقها، والتجاوز إلى ما وراءها، والدخول في المجالات المحظورة المطوقة بهذه الحدود، ويمكن أن نُسمي هذه المجالات بالمناطق المحرمة في الإسلام.
وجل ما في الشريعة الإسلامية من محظورات كفت عنها لدى تلبية مطالب الميول والدوافع الإنسانية، هي مما يتضمن شرًّا أو ضرًّا أو أذى، أو يفضي إلى شيء من ذلك، وحينما كفت عن هذه المناطق فتحت لها مجالات كثيرات أخرى مباحة خالية من الشر والضر والأذى.
وبعض المناطق المحظورة في الإسلام مثلها كمثل شجرة آدم، الغرض من الحظر فيها امتحان إرادة الإنسان بين يدي أوامر الله ونواهيه، هل يطيع الله أو يعصيه؟ سواء عرف الحكمة منها أم لم يعرف، وذلك لأن ما في الكون كله ملك الله تعالى الذي خلقه، والإنسان في هذا الكون ضيف على مائدة الرحمن، ولصاحب الملك أن يمنع ضيوفه المكرمين عنده من أن يقربوا بعض مناطق في ملكه، أو أن يأكلوا أو يشربوا من بعض الأطعمة والأشربة التي توجد فيه، وذلك لغاية هو أعلم بها، وأكثر تقديرًا لوجوه الحكمة فيما أباحه وفيما حرمه، وأدنى ما في ذلك من حكمة امتحان عفة ضيوفه، ومدى تقيدهم بحق من كرمهم في داره ومائدته، وأذن لهم بمعظم ما فيها، إلا أنه منع عنهم أشياء طفيفة، اختبارًا لمدى شكرهم له، كما أنه لم يأذن لهم بما فيه شر أو ضر أو أذى.
وباستعراض ما حرمته الشريعة الإسلامية تتجلى لنا هذه الحقيقة، بوجهها المشرق.
وفيما يلي أمثلة من ذلك:
أ- فحينما حرم الإسلام الخمر والميسر بين لنا وجه الحكمة من التحريم قال الله تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
стр. 203
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وفي مقابل هذه المنطقة المحرمة أذن بتلبية مطالب النفس في مناطق كثيرة مباحة؛ إذ أباح لنا كل الطيبات من أنواع الأشربة، وأباح لنا كسب الأمول من التجارة المبرورة، والأعمال الإنتاجية، والاستثمارية، والخدمات التي لا شر فيها ولا ضر ولا أذى، وأباح لنا أنواعًا من اللهو البريء الخالي من أسباب المنع.
ب- وحينما حرم الإسلام الزنا بين لنا أنه سبيل سيئ لتلبية دوافع الغريزة النفسية والجسدية، قال الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .
وفي مقابل هذه المنطقة المحرمة أذن بتلبية مطالب هذه الدوافع عن طريق الزواج المشروع، أو ملك اليمين، بل حث على ذلك.
ج- وحينما منع الإسلام من معاشرة الزوجة في المحيض بين لنا أنه أذى، قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ .
أما تحريم معاشرة الزوجات في نهار الصوم فأمر من الأمور التعبدية البحت التي يمتحن الله فيها إرادة الإنسان بين يدي أوامر الله ونواهيه التعبدية المجردة عن ملاحظة المضار والمنافع الخاصة، ونظير ذلك تحريم الأكل والشرب في الصوم وهما من الأمور المباحة في الأحوال العادية، ونظير ذلك أيضًا تحريم الأكل والشرب والكلام العادي في الصلاة، وما أشبه ذلك من الأمور التعبدية البحت.
стр. 204
د- وحينما حرم الإسلام الربا بين لنا وجه المضرة فيه، وأنه لون من ألوان الظلم، قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول" بعد بيان تحريم الربا: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ .
وفي مقابل هذه المنطقة المحرمة أذن لنا بتلبية مطالب دوافع حب التملك ضمن مجالات كثيرات لا عدوان فيها ولا ظلم.
وهكذا تضع الشريعة الإسلامية حدودها دون كل منطقة تتضمن شرًّا أو ضرًّا أو أذى، أو تقضي إلى شيء من ذلك.
شرح العنصر الخامس:
وهو توجيه كل من الدوافع الفطرية ذات المظاهر المتضادة كالشجاعة والجبن، والحب والكراهية، والزهد والطمع، والكرم والبخل، لما يحقق أكبر نسبة من الخير، يمكن تحقيقها عن طريقه، وعدم اعتبار شيء منها شرًّا بذاته، أو انحرافًا في أصل التكوين، وإنما هي مقادير من المنح الربانية اقتضت لونًا من ألوان الامتحان خاصًّا بالشخص الذي أودع الله فيه هذه الدوافع الفطرية ومقاديرها.
وفي كل إنسان نسبة ما من كل متضادين من الطبائع الفطرية، ففيه نسبة ما من الشجاعة، ونسبة من الجبن، ونسبة ما من عاطفة الحب، ونسبة من عاطفة الكراهية، ونسبة من الكرم ونسبة من البخل، ونسبة ما من الزهد ونسبة من الطمع، وهكذا إلى سائر الطبائع المتضادة في الناس.
ومن الواقعية في أسس الإسلام أنه لا يعمد إلى إلغاء هذه الدوافع الفطرية المتضادة في الإنسان، أو إلغاء شيء منها إلغاء تامًّا، وإنما يعمد إلى قيادتها وتوجيهها الوجهة التي تثمر فيها الخير، وتبعدها من مزالق الشر والضر والإفساد، ويعتمد أيضًا إلى تدريب المسلم على استعمال كل منها في الموضع الملائم له.
стр. 205
وذلك إذ ينقل الإنسان عن طريق تصوراته الفكرية، فيوجه ما لديه من الدوافع الفطرية المتضادة لما يحقق أكبر نسبة ممكنة من الخير، ويتجافى عن أكبر نسبة ممكنة من الشر يمكن تجافيها.
وفيما يلي طائفة من الأمثلة على ذلك:
أ- فيوجه مثلًا ما لدى الإنسان من طبيعة الجبن شطر ما نهى الله عنهن وشطر ما أعتد من عذاب أليم للظالمين والآثمين، ويحسن امتصاص ما لديه منه في هذا المجال، ثم يوجه ما لديه من شجاعة وجرأة للدفاع عن حرمات الله، والجهاد في سبيله، والانتصار للحق، والتزامه باعتزاز، دون اكتراث بنقد أو سخرية أو ملام.
وقيامًا بهذا التوجيه لفطرتي الجبن والشجاعة أنزل الله تعالى طائفة من النصوص القرآنية التربوية التي تحكم قيادة ما لدى الإنسان المسلم من كل منهما.
منها قول الله تعالى في سورة "التوبة: ٩ مصحف/ ١١٣ نزول" يخاطب المؤمنين:
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ففي هذا النص يوجه الله ما لدى المؤمنين من شجاعة ضد الذين كفروا، ويوجه ما لديهم من جبن نحو خشية الله، ويستنكر استنكارًا شديدًا أن يخشوا من الكافرين، ويبين أن الله أحق أن يخشوه، وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ تنبيه على أهمية التصورات الفكرية والعقائد القلبية في توجيه الطبائع المتضادة في الإنسان.
ومنها قول الله تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ .
стр. 206
وفي هذا النص انتقال في التوجيه من مرحلة الاستنكار إلى مرحلة الأمر والتكليف للمؤمنين بأن لا يخشوا الذين كفروا وبأن يخشوا الله.
ومنها قول الله تعالى في وصف الرسل في سورة "الأحزاب: ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول":
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ .
ومقام الرسل هذا مقام عظيم لا يصل إليه إلا المخلصون، وعند هذا المقام تكون المرتبة المثالية في هذا الجانب من الإيمان.
أما نزعات الشيطان ووساوسه فتعمل في الإنسان على العكس من ذلك؛ إذ توجه ما لدى الإنسان من طبيعة الجبن للحرص على الحياة، والخوف من مؤذيات الجسد المادية العاجلة، وتوجه ما لديه من شجاعة وبأس للجرأة على الله، وعدم المبالاة بما أعتد من عذاب أليم للظالمين والآثمين.
ففي غزوة بدر يظهر الشيطان للمشركين فيزين لهم أعمالهم، ويشجعهم على مقاتلة المسلمين، بينما يحاول عن طريق وساوسه أن يقذف في قلوب المؤمنين. الخوف من ملاقاة المشركين، قال الله تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
وقد أثمرت التربية الإسلامية في توجيه ما لدى المؤمنين بحسب التكوين الفطري من خشية وجرأة لما يلائم كلا منهما، فأورثتهم شجاعة نادرة في المواقف التي تحسن فيها الشجاعة، وذلك حينما يتوقف عليها تحقيق
стр. 207
مرضاة الله، وتثبيت الحق، وإقامة العدل، كما أورثتهم خشية زائدة في المواقف التي تحسن فيها الخشية؛ إذ تصد المؤمن عن محارم الله، وتكفه عن معصيته، قال الله تعالى في وصف المؤمنين في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ولنا من عمر بن الخطاب مثل رائع في ذلك؛ إذ كان شجاعًا قويًّا ذا بأس لا يخاف في الله أحدًا، وكان إلى جانب ذلك وقافًا عند حدود الله، مشبعًا بالخشية منه، والخوف من عقابه.
ب- وينظر الإسلام إلى ما لدى طبيعة الإنسان من كرم وما لدى طبيعته من بخل فيحسن الانتفاع من كل منهما في الجهة الملائمة له.
وذلك إذ يمتص ما لديه من بخل في الحرص على ما عند الله من نعيم مقيم، والحرص على كل عمل يربح تجارته عند الله في دار البقاء، ويوجه ما لديه من كرم للبذل في سبيل الله، والإنفاق في مواطن البر التي يستحق بها رضا الله وثوابه.
وتأثرًا بهذه التربية الإسلامية الرفيعة نلاحظ أولياء الرحمن يبذلون الألوف المؤلفة فيما يرضي الله، ويبخلون بأقل القليل من كل مجال يسخطه.
أما نزغات الشيطان فتعمل على العكس من ذلك؛ إذ توجه ما لدى الإنسان من كرم وسخاء لبذل أمواله في الشهوات واللذات المحرمة ومواطن التفاخر بين الناس، وتوجه ما لديه من بخل للإمساك عن الإنفاق في سبيل الله ومواطن البر، وتحذره من الوقوع بالفقر والحاجة كلما اندفع للبذل في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
وتأثرًا بهذه النزعات نلاحظ أولياء الشيطان يبذلون الألوف المؤلفة في الفواحش والموبقات، ومواطن التفاخر بين الناس، ويبخون بالدارهم وأعشارها.
стр. 208
في المجالات التي فيها رضوان الله وصوابه، قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ففي مجال الإنفاق في سبل الخير يخوف الشيطان الإنسان من الفقر؛ إذ يمنعه من الإنفاق، وفي مجالات الفواحش يأمر الشيطان بها مهما استدعت من إنفاق للأموال، ومن أجل ذلك كان المبذرون إخوان الشياطين، أما الله تعالى فيفتح أبواب مغفرته للمذنبين، ويفتح أبواب فضله للمنفقين في سبيله، ويخلف لهم ويضاعف لهم أجرًا.
ج- وينظر الإسلام إلى ما لدى طبيعة الإنسان من زهد وطمع فيوجه كلا منهما لما يلائمه.
فيوجه ما لديه من طمع مفرط لما ادخر الله للمقربين من عباده المستقيمين في الدنيا من أجر عظيم، ونعيم لا ينفد، ويمتص المقدار الأكبر منه في التعلق بهذه الخيرات الحسان.
ويوجه ما لديه من زهد لما في الدنيا من شهوات ولذات محرمات، ولما فيها من تفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، ولعب ولهو وزينة فانية.
أما نزغات الشياطين فعلى العكس من ذلك إذ تُزهد الإنسان بما عند الله من نعيم مقيم، وتوجه طمعه لما في الدنيا من زوائد عن الحاجات، ومحرمات تسخط الله، وتستوجب عقابه.
ومنذ أول وجود هذه السلالة الإنسانية أطمع إبليس آدم وزوجه بأن يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، فلما أكلا منها تأثرًا بوساوس إبليس أخرجهما الله من الجنة، وفي هذا الحدث التاريخي عظة كافية لبني آدم أن لا يتبعوا خطوات الشيطان، ولا يستجيبوا لوساوسه، قال الله تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
стр. 209
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
د- وينظر الإسلام إلى ما لدى الإنسان من رغبة بالمقاتلة، ونزوع إلى الشدة والعنف، فيوجهه ضد أعداء الحق والخير والفضيلة، وينظر إلى ما لديه من رحمة ورأفة وعطف، فيوجهه لصالح المؤمنين أنصار الحق والخير والفضيلة.
ففي المواقف التي تلائمها الشدة يطالب الله المؤمنين بأن يكونوا أشداء، ويوجه ما لديهم من رغبة بالمقاتلة لما فيه خير للإنسانية بوجه عام، ففي مقام الحث على القتال في سبيل الله إقامة للحق والعدل، وكفاحًا للباطل والظلم، قال الله تعالى في سورة "محمد: ٤٧ مصحف/ ٩٥ نزول"
﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ .
وفي مقام الإلزام بإقامة الحدود الربانية قال الله تعالى في سورة "النور: ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول":
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
أما في المواقف التي تلائمها الرأفة والرحمة وخفض الجناح فيطالب الله المؤمنين بأن يتذوقوا الشعور بالعطف والرحمة والرأفة وخفض الجناح للآخرين، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
قال الله تعالى لنبية ﷺ في سورة "الشعراء: ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول":
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وقال الله له أيضًا في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
стр. 210
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ .
وأوصى الله جل وعلا بخفض جناح الذل من الرحمة للوالدين بقوله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ .
وقال الله تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ووصف الله المؤمنين في سورة "الفتح: ٤٨ مصحف/ ١١١ نزول" بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ .
أما نزغات الشيطان فعلى العكس من ذلك؛ إذ تعمل على توجيه ما لدى الإنسان من رحمة ورأفة للعطف على المجرمين والمنحرفين الشاذين عطفًا شاذًّا، وذلك بأن ترفع عنهم عقوبات جرائهم، وفي الوقت نفسه تعمل على توجيه ما لديه من رغبة بالمقاتلة وشدة وعنف لمقاتلة المؤمنين، وقهر دعاة الحق والخير والفضيلة، ومؤازرة المجرمين.
هـ- وينظر الإسلام إلى ما لدى طبيعة الإنسان من نزوع فطري إلى شيء يحبه وشيء يكرهه، فيوجه ما لديه من نزوع إلى المحبة نحو حب الله ورسوله، وحب الحق والخير والفضيلة، وحب الخير للناس جميعًا، وفي العواطف الخاصة يوجهه لحب من أحل الله له معاشرته، ويوجه ما لديه من نزوع إلى الكراهية نحو كراهية الشر والإثم والرذيلة، وشياطين الإنس والجن، ودعاة الشر وأنصار الباطل، وناشري الرذيلة، والأدلة على ذلك كثيرة:
стр. 211
منها قول الله تعالى في سورة "التوبة: ٩ مصحف/ ١١٣ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
ومنها قول الله تعالى موجهًا المؤمنين لكراهية من حاد الله ورسوله في سورة "المجادلة: ٥٨ مصحف/ ١٠٥ نزول":
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
أما نزغات الشيطان فعلى العكس من ذلك؛ إذ تكره الإنسان بالخير ومصادره وأسبابه، وتحببه بالشر ومصادره وأسبابه، وتمتص ما لديه من عاطفه محبة في الموبقات المزينة للأنفس.
стр. 212
شرح الأمر الرابع: مراعاة حال واقع المجتمعات الإنسانية
وتظهر لنا الواقعية في هذا المجال في مراعاة واقع حال المجتمعات الإنسانية التي يتفاوت أفرادها في استعداداتهم وخصائصهم، وذلك في البيانات الإسلامية، وفي أساليب التربية، وفي الأعمال الجماعية، وفي تحديد مناهج السلوك، وفي أصول المحاسبة والجزاء.
الشرح: لما كان الإسلام هداية للناس جميعًا على اختلاف خصائصهم وقدراتهم الفكرية والنفسية والطبيعية والجسدية، ولم يكن لفئة منهم دون فئة، اقتضت الواقعية في أسسه أن يراعي كل صنف من أصناف الناس بإعطائه ما يناسبه من
стр. 213
بياناته التعليمية، وأساليبه التربوية، وأن يراعي النسبة العامة من الناس في نظمه التي يحدد بها مناهج سلوكهم الواجب، ويراعي فروق الاستعدادات والقدرات والخصائص الفردية لدى محاسبة كل منهم، ومجازاته على ما كسب من صالحات وما اكتسب من سيئات.
واقتضت الواقعية في هذا المجال أن يوجه الإسلام المربين والدعاة وأولي الأمر من المسلمين وكل راع في رعيته منهم لاتباع ما تقتضيه الواقعية في مجالات التربية والرعاية المختلفة.
شرح الواقعية في مجال التعليم والتربية:
في مجال التعليم والتربية نلاحظ تفاوتًا في أصناف الناس يستدعي تفاوتًا في المستويات العلمية التي تقدم لكل صنف منهم، ويستدعي تفاوتًا آخر في وسائل التربية التي تستخدم في تربية كل صنف منهم أيضًا، وذلك لتشمل الهدايتان التعليمية والتربوية جميع أصناف الناس وفئاتهم.
وهذا ما راعاه الإسلام بحكمة بالغة، ولفت إليه أنظار الدعاة والمعلمين والمربين، ضمن أسس الواقعية التي التزم بها.
الواقعية في التعليم:
ولما كان في الناس عباقرة وأذكياء، ومتوسطون في الذكاء وأغبياء، وكانت الواقعية تقتضي أن يخاطب كل صنف من هؤلاء بالأسلوب والطريقة والمستويات العلمية الملائمة له، وأن لا يفترض فيهم جميعًا أنهم عباقرة أو متوسطون في الذكاء أو أغبياء، وجدنا معظم النصوص الإسلامية التعليمية تمتاز بأنها مصوغة بطريقة تصلح لكل المستويات الفكرية من الناس، ولكن كل ذي مستوى يتوسع في إدراك الحقائق التي تضمنتها على مقدار ارتفاع مستوى قدراته الفكرية، واتساع خبراته وتجاربه.
كما وجدنا طائفة من النصوص الإسلامية تخاطب بأسلوبها ومضمونها العلمي فئة العباقرة والأذكياء من الناس؛ إذ تعتمد على المناقشات والبراهين
стр. 214
المنطقية البحت، مع إيجاز بديع، ونعتمد على الاكتفاء بعرض المجردات الفكرية، دون استخدام وسائل حسية، ودون مرور في طرق المشاعر الوجدانية.
ووجدنا طائفة أخرى من النصوص تخاطب بأسلوبها ومضمونها العلمي فئة متوسطي الذكاء؛ إذ تمزج المناقشات والأدلة العقلية باللمسات الوجدانية، والخطابيات المثيرة للمشاعر الإنسانية، كمشاعر الطمع والخوف، مع استخدام الوسائل الحسية لذلك.
ووجدنا طائفة ثالثة منها تخاطب بأسلوبها ومضونها العلمي الفئة الدنيا من الناس، وذلك إذ تبتعد قدر الإمكان عن عرض المجردات الفكرية، وإذ تجعل معظم اعتمادها على ما يثير المخاوف والمطامع من جهة، وعلى ما يلفت النظر إلى الوسائل الحسية والتجريبية من جهة أخرى.
والخطة العامة لكل ذلك يشير إليها قول الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
فالفئة الممتازة من الناس الذين تكفيهم الهداية للتي هي أقوم في الحقائق العلمية، والحكام الشرعية، يجدون هذه الهداية في القرآن، والفئة الأخرى من الناس المحكومة لسلطان المطامع يجدون البشريات بالأجر العظيم في القرآن تجذبهم إلى سبيل الرشاد، والفئة الثالثة من الناس المحكومة لسلطان المخاوف يجدون في القرآن المنذرات بالعذاب الأليم تردهم عن سبل الضلالة.
ومن الجدير بالملاحظة أن القرآن لفت أنظار الدهماء من الناس إلى معرفة الحقائق الدينية عن طريق دلائلها الكونية القريبة، التي لا تحتاج أكثر من تذكير بها، وراعى حالتهم الفكرية، غير العاملة في تصيد الدلائل وعقلها، وإدراك الحقائق بها، فهم بحاجة إلى من يذكرهم وينبههم عن طريق أسماعهم، ويكشف لهم اقتران الحقائق الدينية بأدلتها الكونية التي يشاهدونها، في أنفسهم وفيما حولهم من الأدلة القريبة التي لا تتطلب جهدًا فكريًّا فوق استطاعتهم المعتادة.
стр. 215
أما الفئة المتعلقة من الناس، وهم الذين تعمل أفكارهم عادة في تصيد الدلائل التي يشاهدونها، وفي عقلها وربطها بما تدل عليه من حقائق، فقد لفت القرآن أنظارهم إلى إدراك الحقائق التي تحتاج إلى شيء من التعقل والتأمل، ووضع أمامهم مجالات فكرية أرقى مستوى من المجالات التي وضعها أمام الدهماء.
ثم ارتقى القرآن إلى مستوى ثالث من مستويات الناس، ألا وهو مستوى العلماء الباحثين عن دقائق الأمور، القادرين على الغوص إلى أعماق من المعرفة، لا يغوص إليها غيرهم في الأحوال العادية، فوضع أمام هؤلاء مجالات فكرية واسعة، تحتاج إلى بحث عميق، وتتبع دقيق، ليصلوا عن طريق البحث والتتبع إلى إدراك الحقائق الدينية إدراكًا يتناسب مع ما وهبهم الله من قدرات بحث، وتفكر دائم، واستنباط.
ونستطيع أن نستدل لذلك بأدلة قرآنية كثيرة:
ففي لفت نظر الدهماء من الناس بشكل عام إلى آيات الله في الكون عرض القرآن أدلة واضحة، لا تحتاج إلى تفكير كثير، وبين أن فيها دلائل لقوم يسمعون، إشارة إلى أن لفت نظرهم إليها بالقول كاف لأن يجعلهم يفهمونها، فليست هي من القضايا الصعبة حتى تحتاج إلى جهد عقلي، وليست من العويصات حتى تحتاج إلى تفكر وبحث متتابعين، مما لا يصبر عليه إلا العلماء الباحثون، وإنما هي من البدهيات، أو دلائل قريبة منها.
فمن ذلك قول الله تعالى في سورة "الروم: ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول":
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "يونس: ١٠ مصحف/ ٥١ نزول":
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ .