Полный текст (643 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
منها قول الله تعالى في سورة "التوبة: ٩ مصحف/ ١١٣ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
ومنها قول الله تعالى موجهًا المؤمنين لكراهية من حاد الله ورسوله في سورة "المجادلة: ٥٨ مصحف/ ١٠٥ نزول":
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
أما نزغات الشيطان فعلى العكس من ذلك؛ إذ تكره الإنسان بالخير ومصادره وأسبابه، وتحببه بالشر ومصادره وأسبابه، وتمتص ما لديه من عاطفه محبة في الموبقات المزينة للأنفس.
стр. 212
شرح الأمر الرابع: مراعاة حال واقع المجتمعات الإنسانية
وتظهر لنا الواقعية في هذا المجال في مراعاة واقع حال المجتمعات الإنسانية التي يتفاوت أفرادها في استعداداتهم وخصائصهم، وذلك في البيانات الإسلامية، وفي أساليب التربية، وفي الأعمال الجماعية، وفي تحديد مناهج السلوك، وفي أصول المحاسبة والجزاء.
الشرح: لما كان الإسلام هداية للناس جميعًا على اختلاف خصائصهم وقدراتهم الفكرية والنفسية والطبيعية والجسدية، ولم يكن لفئة منهم دون فئة، اقتضت الواقعية في أسسه أن يراعي كل صنف من أصناف الناس بإعطائه ما يناسبه من
стр. 213
بياناته التعليمية، وأساليبه التربوية، وأن يراعي النسبة العامة من الناس في نظمه التي يحدد بها مناهج سلوكهم الواجب، ويراعي فروق الاستعدادات والقدرات والخصائص الفردية لدى محاسبة كل منهم، ومجازاته على ما كسب من صالحات وما اكتسب من سيئات.
واقتضت الواقعية في هذا المجال أن يوجه الإسلام المربين والدعاة وأولي الأمر من المسلمين وكل راع في رعيته منهم لاتباع ما تقتضيه الواقعية في مجالات التربية والرعاية المختلفة.
شرح الواقعية في مجال التعليم والتربية:
في مجال التعليم والتربية نلاحظ تفاوتًا في أصناف الناس يستدعي تفاوتًا في المستويات العلمية التي تقدم لكل صنف منهم، ويستدعي تفاوتًا آخر في وسائل التربية التي تستخدم في تربية كل صنف منهم أيضًا، وذلك لتشمل الهدايتان التعليمية والتربوية جميع أصناف الناس وفئاتهم.
وهذا ما راعاه الإسلام بحكمة بالغة، ولفت إليه أنظار الدعاة والمعلمين والمربين، ضمن أسس الواقعية التي التزم بها.
الواقعية في التعليم:
ولما كان في الناس عباقرة وأذكياء، ومتوسطون في الذكاء وأغبياء، وكانت الواقعية تقتضي أن يخاطب كل صنف من هؤلاء بالأسلوب والطريقة والمستويات العلمية الملائمة له، وأن لا يفترض فيهم جميعًا أنهم عباقرة أو متوسطون في الذكاء أو أغبياء، وجدنا معظم النصوص الإسلامية التعليمية تمتاز بأنها مصوغة بطريقة تصلح لكل المستويات الفكرية من الناس، ولكن كل ذي مستوى يتوسع في إدراك الحقائق التي تضمنتها على مقدار ارتفاع مستوى قدراته الفكرية، واتساع خبراته وتجاربه.
كما وجدنا طائفة من النصوص الإسلامية تخاطب بأسلوبها ومضمونها العلمي فئة العباقرة والأذكياء من الناس؛ إذ تعتمد على المناقشات والبراهين
стр. 214
المنطقية البحت، مع إيجاز بديع، ونعتمد على الاكتفاء بعرض المجردات الفكرية، دون استخدام وسائل حسية، ودون مرور في طرق المشاعر الوجدانية.
ووجدنا طائفة أخرى من النصوص تخاطب بأسلوبها ومضمونها العلمي فئة متوسطي الذكاء؛ إذ تمزج المناقشات والأدلة العقلية باللمسات الوجدانية، والخطابيات المثيرة للمشاعر الإنسانية، كمشاعر الطمع والخوف، مع استخدام الوسائل الحسية لذلك.
ووجدنا طائفة ثالثة منها تخاطب بأسلوبها ومضونها العلمي الفئة الدنيا من الناس، وذلك إذ تبتعد قدر الإمكان عن عرض المجردات الفكرية، وإذ تجعل معظم اعتمادها على ما يثير المخاوف والمطامع من جهة، وعلى ما يلفت النظر إلى الوسائل الحسية والتجريبية من جهة أخرى.
والخطة العامة لكل ذلك يشير إليها قول الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
فالفئة الممتازة من الناس الذين تكفيهم الهداية للتي هي أقوم في الحقائق العلمية، والحكام الشرعية، يجدون هذه الهداية في القرآن، والفئة الأخرى من الناس المحكومة لسلطان المطامع يجدون البشريات بالأجر العظيم في القرآن تجذبهم إلى سبيل الرشاد، والفئة الثالثة من الناس المحكومة لسلطان المخاوف يجدون في القرآن المنذرات بالعذاب الأليم تردهم عن سبل الضلالة.
ومن الجدير بالملاحظة أن القرآن لفت أنظار الدهماء من الناس إلى معرفة الحقائق الدينية عن طريق دلائلها الكونية القريبة، التي لا تحتاج أكثر من تذكير بها، وراعى حالتهم الفكرية، غير العاملة في تصيد الدلائل وعقلها، وإدراك الحقائق بها، فهم بحاجة إلى من يذكرهم وينبههم عن طريق أسماعهم، ويكشف لهم اقتران الحقائق الدينية بأدلتها الكونية التي يشاهدونها، في أنفسهم وفيما حولهم من الأدلة القريبة التي لا تتطلب جهدًا فكريًّا فوق استطاعتهم المعتادة.
стр. 215
أما الفئة المتعلقة من الناس، وهم الذين تعمل أفكارهم عادة في تصيد الدلائل التي يشاهدونها، وفي عقلها وربطها بما تدل عليه من حقائق، فقد لفت القرآن أنظارهم إلى إدراك الحقائق التي تحتاج إلى شيء من التعقل والتأمل، ووضع أمامهم مجالات فكرية أرقى مستوى من المجالات التي وضعها أمام الدهماء.
ثم ارتقى القرآن إلى مستوى ثالث من مستويات الناس، ألا وهو مستوى العلماء الباحثين عن دقائق الأمور، القادرين على الغوص إلى أعماق من المعرفة، لا يغوص إليها غيرهم في الأحوال العادية، فوضع أمام هؤلاء مجالات فكرية واسعة، تحتاج إلى بحث عميق، وتتبع دقيق، ليصلوا عن طريق البحث والتتبع إلى إدراك الحقائق الدينية إدراكًا يتناسب مع ما وهبهم الله من قدرات بحث، وتفكر دائم، واستنباط.
ونستطيع أن نستدل لذلك بأدلة قرآنية كثيرة:
ففي لفت نظر الدهماء من الناس بشكل عام إلى آيات الله في الكون عرض القرآن أدلة واضحة، لا تحتاج إلى تفكير كثير، وبين أن فيها دلائل لقوم يسمعون، إشارة إلى أن لفت نظرهم إليها بالقول كاف لأن يجعلهم يفهمونها، فليست هي من القضايا الصعبة حتى تحتاج إلى جهد عقلي، وليست من العويصات حتى تحتاج إلى تفكر وبحث متتابعين، مما لا يصبر عليه إلا العلماء الباحثون، وإنما هي من البدهيات، أو دلائل قريبة منها.
فمن ذلك قول الله تعالى في سورة "الروم: ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول":
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "يونس: ١٠ مصحف/ ٥١ نزول":
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ .
стр. 216
فنوم الناس بالليل والنهار، وحاجتهم إليه، وعمل الناس لاكتساب الرزق، يبتغونه من فضل الله، وحاجتهم إليه من الأمور البدهية التي يشترك في إدراكها الناس جميعًا، مهما تنازلت مستوياتهم الفكرية، فلا يحتاج التبصر فيها إلى أكثر من لفت النظر بالقول، وذلك كاف في أن يشعروا بعجزهم، ويشعروا بقدرة الله وحكمته، الذي خلق فيهم الحاجة، ويسر لهم وسائل قضائها.
وكون الليل نعمة من الله ليسكن الناس فيه، وكون النهار مضيئًا ليعمل الناس فيه، ويعملوا في كسب أرزاقهم أمران واضحان بدهيان، لا يحتاج إدراكهما إلا إلى لفت النظر إليهما بالقول.
فالذين يسمعون ممن توافرت فيهم شروط التكليف سيدركون ذلك، دون إجهاد عقلي، ولذلك ذيل الله الآيتين السابقتين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ .
وفي لفت أنظار الفئة الوسطى من الناس، وهي فئة المتعقلين، الذين يهتمون عادة بتصيد الأدلة وعقلها، وربطها بما تدل عليه، عرض القرآن أدلة تحتاج إلى قدر مناسب من عقل الأمور، وفهم ارتباطاتها.
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول":
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
فمستوى إدراك القطع المتجاورات من الأرض، والجنات، وما فيها من أشجار مختلفة الصفات، ومختلفة الثمرات إذ بعضها أفضل من بعض في الأكل، مع أنها تستقي بماء واحد، أمر يحتاج إلى تأمل وراء البديهة، وإلى تعقل مناسب، ولا يكفي فيه مجرد لفت النظر إليه بالقول، بل لا بد فيه من التأمل والتعقل، بضبط شرود النفس مع الأهواء، ولذلك ذيل الله الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ .
стр. 217
وفي لفت أنظار الفئة العليا من الناس، وهي فئة المتفكرين، الباحثين العلميين، للحقائق، واستنباطها من الأعماق، عن طريق أدلتها الدقيقة، عرض القرآن أدلة يحتاج استقصاؤها واستيعاب دقائقها إلى بحث وتتبع، وجهد فكري كثير، ونسب عالية من القدرات الفكرية.
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول":
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
فمستوى البحث في الأرض، وكيفية تكوينها، وفي الجبال وسر وجودها، وفي الأنهار ومسالك ينابيعها ومصادرها ومواردها، وفي الثمرات وكون كل منها مؤلفًا من زوجين اثنين مذكر ومؤنث، وفي النظام الدقيق الذي يغشي الله فيه الليل النهار، مستوى دقيق لا يحسنه ولا يستطيعه إلا الباحثون العلميون الذين يتابعون البحث والتفكر والاستنباط، ولذلك ذيل الله الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
ومن أمثلة مراعاة الإسلام مستويات الناس الفكرية في بياناته التعليمية، نص قرآني في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول"، جمع الله فيه طائفة من الأدلة الكونية، ذات مستويات ثلاثة، تناسب مستويات فئات الناس الثلاث، وهي فئة الدهماء بشكل عام، ثم فئة المتعلقين، ثم فئة المتفكرين الباحثين العلميين، المتتبعين دقائق المعرفة.
وختمت المجموعة الأولى منها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ وهم الذين يناسبهم أن توضع أمامهم أدلة قريبة، لا يحتاج إدراكها وفهمها إلى جهد فكري، بل يكفي لإدراكها التذكير القولي بها لبداهتها، أو لكونها قريبة من الأمور البدهية.
وختمت المجموعة الثانية منها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ . وهم الذين تعمل أفكارهم عادة في تصيد الأدلة وعقلها، وربطها بما تدل عليه من حقائق، وهؤلاء يناسبهم أن تلفت أنظارهم إلى أدلة ذات مستوى
стр. 218
متوسط، مما يتنبه إليه عادة المتعلقون، الذين يلذ لهم فهم ارتباط الأمور بعضها ببعض، ويحلو لهم ربط الأدلة بما تدل عليه من حقائق.
وحتمت المجموعة الثالثة منها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وهم الباحثون العلميون، الذين يتفكرون باستمرار في ظواهر الأشياء، ويغوضون إلى بواطنها، ويستنبطون من أعماق المباحث الفكرية حقائق المعرفة.
أما النص القرآني من سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول" الذي جمع هذه المستويات الثلاثة، مع التدرج فيها من الأدنى إلى الأعلى فهو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
ففي المستوى الأول يلفت النص أنظار قوم يسمعون إلى الأدلة الكونية التي يحتوي عليها، إنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، ويلاحظ أن إدراك هذه الظاهرة الكونية من الأمور التي لا يحتاج البحث فيها إلى جهد عقلي، بل يكفي فيها التذكير بالقول، حتى يدرك السامعون ما تحتوي عليه من أدلة كونية تدل على قدرة الخالق العظيم وحكمته.
وفي المستوى الأوسط يلفت النص أنظار قوم يعقلون إلى الأدلة الكونية التي يحتوي عليها ما يخلقه الله في بطون النعام من اللبن الخالص السائغ للشاربين، يخرج من بين صنفين مختلفين اختلافًا شديدًا هما الفرث والدم المستقذران اللذان يحرم أكلهما، وإلى الأدلة التي يحتوي عليها خروج صنفين مختلفين اختلافًا شديدًا هما السكر الذي يحرم شربه، والرزق الحسن الطيب، وكل منهما يخرج من مصدر واحد، هو ثمرات كل من النخيل والأعناب،
стр. 219
ويلاحظ أن إدراك هذه الظواهر الكونية من الأمور التي تحتاج إلى تعقل وتبصر، لما فيها من حاجة إلى فهم الأصناف المختلفة المتباينة في خصائصها، وكيفية استخلاص صنف آخر منها، كاستخلاص اللبن السائغ من بين فرث ودم، أو استخلاصها من صنف آخر، كاستخلاص السكر والرزق الحسن من ثمرات كل من النخيل والأعناب.
وفي المستوى الأعلى يلفت النص أنظار قوم يتفكرون إلى الأدلة الكونية التي لا يدركها إدراكًا تامًّا إلا الباحثون العلميون؛ إذ يلفت أنظارهم إلى دراسة مملكة النحل، دراسة مستفيضة، تتناول بحث سر الغريزة التي خلقها الله في النخل، وسر الإلهام الرباني الذي ألقاه الله إليها، فطفقت تتخذ بيوتها ذات الهندسة الرائعة، في الجبال والشجر وما يعرش الناس. وتتناول أيضًا بحث رحلاتها اليومية، لتأكل من كل الثمرات، وتمتص رحيق الأزهار المختلفة، وتسلك السبل التي ذللها الله لها. ثم بحث صناعة العسل في بطونها، وبحث أصنافه وألوانه، وبحث خصائصه التي فيها شفاء للناس. وبدهي أن إدراك هذه الآيات الكونية في مملكة النحل مما يحتاج إلى بحث عملي دقيق، وتفكر دائب. واختبارات وتجارب متتابعة، وهذه إنما يقوم بها الباحثون العلميون المتفكرون.
رد الأمور إلى أهل الكفايات:
ولما كان في الناس متفكرون باحثون عن الحقائق في المجالات العلمية البحت، ومتفكرون قادرون على تدبير الأمور، وتخطيط الخطط الحكيمة الرشيدة، في الأمور الإدارية، أو الأمور العسكرية، أو الشئون السياسية، في الأمن أو الخوف، في السلم أو الحرب، كان من مقتضيات الواقعية إرشاد الجماهير العامة إلى رد أمورهم ذات الوجوه المختلفة التي تحتاج تأملًا دقيقًا وبصرًا نافذًا إلى جماعة أولي الأمر منهم، القادرين على حل المشكلات، والتبصر السديد في المعضلات، والتوجيه إلى أرشد الآراء وأسدها، وذلك ليهتدي بعض هؤلاء إلى وجه الصواب عن طريق البحث والتفكر والاستنباط، قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
стр. 220
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا﴾ .
فهذا النص يرشد إلى رد الأمور إلى جماعة أولي الأمر من المسلمين وهم:
العلماء المجتهدون القادرون على استنباط الأحكام الشرعية، في شئون الفقه الإسلامي.
والإداريون القادرون على استنباط أفضل الأعمال والنظم في الشئون الإدارية.
والمهرة في السياسة الشريعة القادرون على استنباط أسد الخطط وأحكامها في الشئون السياسية السليمة والحربية.
والقادة العسكريون المخططون القادرون على استنباط أنجح الخطط في شئون القتال والحرب.
وهكذا في كل مجال يبرز فيه متخصصون ذوو مهارات أو قدرات فطرية أو مكتسبة، فإن الإسلام يوصي بأن يرد السواد الأعظم من الناس كل أمر إلى ذوي الاختصاص فيه.
حتى الأمور التي يعتمد العلم بها على الحفظ والذاكرة فإن الإسلام يوصي بالرجوع فيها إلى أهل الذكر، وهم حفاظ النصوص، ورواه التاريخ، العالمون بهذا الأمور.
ومن أمثلة ذلك: لما اعترض المشركون على إنسانية محمد ﷺ ، وأخذوا يتوهمون أن الرسالة الربانية من شأنها أن تنزل على ملك لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق، ولا يتزوج النساء، واستبعدوا أن يصطفي الله بها رجلًا من الناس، أنزل الله تعالى قوله في سورة "الأنبياء: ٢٤١ مصحف/ ٧٣ نزول":
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
стр. 221
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ .
أي فاسألوا أهل العلم الحافظين لتواريخ الأنبياء والرسل السابقين، إن كنتم لا تعلمون بالبينات من الأدلة، ولا تعلمون بما في كتب الأولين، من مستحفظات تاريخية صحيحة، وهذا يتضمن تذكيرهم بأنهم يعترفون لبعض من سبق بأنهم كانوا رسلًا يُوحى إليهم، مع أنهم رجال من الناس، فإن كان لديهم مسكة من عقل فما هذه التفرقة.
وهكذا يوصي الإسلام بالرجوع إلى أولي الأمر، وبسؤال أهل الذكر، ويقاس على ذلك إحالة كل أمر إلى ذوي الاختصاص فيه، العالمين به، بغية الوصول إلى أرشد ما في الفكر، وأسد ما في العمل.
الواقعية في التربية:
للتربية الإسلامية التي تهدف إلى صلاح الناس جميعًا، وتهذيب أخلاقهم، وتقويم سلوكهم، وسائل تربوية تناسب في النظرة إلى الأفراد الجوانب الإنسانية المختلفة، وهي الجوانب الفكرية، والجوانب النفسية، وتناسب في النظرة إلى الجماعات أحوال الناس المختلفة، وطبائعهم المتفاوتة.
وتتلخص خطة الوسائل التربوية في الإسلام بثلاثة عناصر كبرى، تنضوي تحتها فروع كثيرة:
العنصر الأول: الهداية للتي هي أقوم.
العنصر الثاني: الترغيب.
العنصر الثالث: الترهيب.
وفيما يلي شرح لهذه العناصر الثلاثة:
شرح العنصر الأول: "وهو الهداية للتي هي أقوم"
إن عنصر الهداية للتي هي أقوم عنصر يتضمن استخدام كل الوسائل المتصلة اتصالًا مباشرًا بالإرشاد إلى الكمالات المختلفات التي هدى إليها الإسلام، ومن هذه الوسائل ما يلي.
стр. 222
١- التدريب العملي.
٢- القدوة الحسنة.
وقد سبق بيان هاتين الوسيليتن عند الكلام على الكمال السلوكي.
٣- الإقناع الفكري من شتى طرقه الحكيمة، التي تستخدم فيها الحجج والبراهين العقلية والحسية والوجدانية، وتستخدم فيها المؤثرات على الأنفس، كالخطابة، والشعر، والحكم المأثورة، والأمثال، والتشبيه والتمثيل، والقصص التاريخية، وعرض النماذج الحسية من الواقع الكوني، ونحو ذلك.
وفي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة الشيء الكثير من استخدام هذه الطرق الحكيمة للوصول إلى الإقناع الفكري.
ولا بد من ملاحظة أن بعض طرق الإقناع الفكري قد يجدي مع فريق من الناس، في حين أنه قد لا يجدي مع فريق آخر، والمربي الحكيم هو الذي يحسن معرفة خصائص الفرد الفكرية والنفسية، فيستخدم معه طرق الإقناع الملائمة له.
ولما كان القرآن هداية خالدة للناس جميعًا، كان محتويًا على كل الطرق التي من شأنها أن توصل الناس إلى قناعة فكرية، بكمال ما يدعو إليه من خير، يضاف إلى هذا أنه كان إبان نزوله منجمًا على رسول الله صلوات الله عليه قد كان ينزل موافقًا للحكمة التربوية التي تقتضيها مناسبة النزول لطائفة الآيات المنزلة، سواء كانت التربية للرسول، أم للمؤمنين، أم للمنافقين، أم للمشركين، أم لأهل الكتاب، أم للناس بشكل عام.
وقد بين الله جل وعلا أنه اتخذ كل وسائل التربية ذات الأثر الحسن، وأنزل في كتابه مثلًا من كل وسيلة منها، قال الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ .
وقال فيها أيضًا:
стр. 223
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ .
وقال في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول":
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ .
وهذا التصريف هو التنويع في وسائل الإقناع وأساليبه، وفي سائر وسائل الهداية، والتحويل فيها من وجه إلى وجه آخر بحسب مقتضيات أحوال المخاطبين، الفكرية والنسية، الفردية أو الاجتماعية.
فمن عرض لعناصر الهداية بشكل خال من العنف والجدال، إلى أسلوب آخر مقرون بالحجج، إلى أسلوب ثالث فيه شيء من الجدال بالتي هي أحسن، ثم إلى أسلوب رابع فيه شيء من العنف الجدلي، وهكذا ترتقي الأساليب، ومع كل أسلوب منها صور بيانية مناسبة له، ذات أثر صالح في النفوس البشرية، وهكذا يستجمع القرآن المجيد كل أساليب الإقناع الفكري، فيما صرف الله فيه من آيات بينات.
أمثلة قرآنية:
وفيما يلي طائفة من أمثلة أساليب الإقناع الفكري التي استخدمها القرآن الكريم:
أ- فمن أمثلة الإقناع عن طريق عرض الحقائق المقرونة بحججها قول الله تعالى لرسوله محمد صلوات الله عليه في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
فظاهر في هذا النص أن الله جل وعلا يأمر رسوله بأن يعرض نفسه على الناس داعيًا إلى الإيمان والتوحيد، وفي الأسلوب المتبع في هذا العرض منتهى.
стр. 224
الهدوء والأناة، ونلاحظ أن الدعوة إلى توحيد الآلهية مقرونة بالدليل عليها، ألا وهو انفراد الله بالربوبية، فهو الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي يحيي ويميت.
ومما لا ريب فيه أن أسلوب الدعوة في مراحلها الأولى ينبغي أن يكون مملوءًا بالهدوء والأناة، خاليًا من كل عنف وجدال، وهذا ما أرشد الله رسوله إليه.
ب- ومن أمثلة الإقناع بالأدلة ما فعله الله تعالى بالعزير الرجل الصالح من بني إسرائيل، إذا مر على قرية أموات، فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه وبعث حماره وهو يشاهد بعثه، فبين له بالدليل الحسي كيف يحيي الله الموتى، كما رأى بنو إسرائيل من أهل قريته هذا الحديث التاريخي العجيب، قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
ج- ومن أمثلة الإقناع عن طريق تقريب الحقائق بالأشباه والنظائر والمساويات طائفة من الأدلة، عرضها القرآن لتقريب فكرة البعث لعقول المنكرين.
رُوي أن جماعة من كفار قريش، منهم أبي بن خلف الجمحي، وأبو جهل، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، تكلموا في شأن الإسلام، فقال لهم أبي بن خلف: ألا ترون إلى ما يقول محمد إن الله يبعث الأموات ثم قال: واللات والعزى لأصيرن إليه ولأخصمنه، وأخذ عظمًا باليًا فجعل يفته بيده، ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رم، قال: "نعم، ويبعثك
стр. 225
ويدخلك جهنم"، فأنزل الله تعالى في إقامة الحجة على هؤلاء قوله في سورة "يس: ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول":
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ .
فقد بين الله جل وعلا في هذا الرد القوي التسوية بين الإنشاء الأول وبين الإحياء مرة ثانية، وأنه لا تفاوت بينهما مطلقًا، وأكد ذلك بقوله تعالى في سورة "مريم: ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول":
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .
وقرب الله هذه الحقيقة أيضًا عن طريق إيراد أشباه محسة لها، فقال تعالى في سورة "الحج: ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول":
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وذلك لأن جفاف الزرع وانقطاع تغذيته من الأرض وحصاده يشبه حالة الموت في الأحياء، ثم إن السنة الكونية الدائمة المشاهدة في انشقاق الحبوب، في بطن الأرض ونباتها، بعدما سبق من حالتها التي تشبه حالة الموت، وعودتها إلى الحياة والنضرة كَرَّة أخرى، وذلك عند وجود البيئة الملائمة، من ماء ممتزج بالتراب الصالح، لتعطي تقريبًا حسيًّا مشاهدًا باستمرار، في الظواهر الكونية، لقصة بعث الأحياء بعد موتها، وتفرق أجزاء أجسامها في تراب الأرض.
د- ومن أمثلة الإقناع بالأدلة والبراهين العقلية الآيات القرآنية التي قدمت البراهين على وحدانية الله تعالى.
منها قول الله تعالى في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول":
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
стр. 226
ومنها قول الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ .
ومنها قول الله تعالى في سورة "المؤمنون: ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول":
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
فمضمون البرهان العقلي في قوله تعالى قل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ، أنه لو تعددت الآلهة الأرباب في الكون لفسد نظام السماوات والأرض، ولأختل تماسكهما القائم على وحدة نظام، ووحدة تسيير، وهذا من الأمور المسلم بها؛ لأن الإرادات الحرة إذا توجهت شطر مخلوق فلا بد أن تتعارض، ومتى تعارضت تنازعت، ومتى تنازعت فسد نظام المخلوق، والكون كله مخلوق مترابط بوحدة نظام وتسيير كما هو مشاهد، فلو كان فيه آلهة أرباب غير الله لفسد نظامه واختل وجوده وبقاؤه، وقد تضمنت هذه الآية في استدلالها برهانًا قاطعًا على نفي فكرة تعدد الآلهة الأرباب، وهذا البرهان هو ما يسمى ببرهان التمانع، كما يعرف ذلك المنطقيون.
ومضمون الدليل في قوله تعالى في آية "الإسراء": ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ أنه لو كان مع الله آلهة أرباب تحكم في الكون وتتصرف، وتحيي وتميت، وترزق وتشفي، ومن أجل ذلك تستحق أن تعبد كما يقول المشركون، للزم أن تتخذ هذه الآلهة الأرباب سبيلًا إلى منافسة ومنازعة ومقاتلة رب العرش، الذي يعترفون به ربًّا خالقًا له، ولا ينكرون وجوده وقدرته، ولكنهم يشركون معه آلهة أخرى، وإنما يلزم أن تتخذ سبيلًا إلى هذه الأمور لأن الإلهية المتضمنة كمال التصرف وكمال القدرة لا تقبل الخضوع والاستسلام لرب هو إله معبود فوقها.
أما وإنها لم تتخذ هذا السبيل لرب العرش، ورضيت بضعفها وإلهيتها
стр. 227
المزعومة في نطاق الأرض، فإن ضعفها هذا من الأدلة القاطعة على أنها مخلوقة كسائر المخلوقات، وقد انتحلت لها الإلهية انتحالًا باطلًا، لا يصاحبه دليل تقبله العقول السليمة.
ومضمون الدليل في قوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أنه لو كان مع الله إله آخر له حق الإلهية بربوبيته لكان من أبسط النتائج البدهية أن يجمع كل إله رب مخلوقاته، ويذهب بها، متصرفًا فيها تصرفًا مستقلًّا، ثم لعلا بعض الآلهة الأرباب المتعدد على بعض، بمقتضى سيادة الربوبية واستقلالها، وأن كل واحد لا بد أن ينفذ مراداته ولو تعارضت مع إرادة غيره، ومن ذلك ينشأ التنازع، وغلبة الأقوى للأضعف، وعندها يقال: إن الأضعف لا يصلح للإلهية فهو ليس بإله، ولكن كل ذلك غير واقع؛ لأن الله واحد لا شريك له، فسبحان الله عما يشركون وسبحانه وتعالى عما يصفون.
وعلى هذا النسق تسير الاستدلالات العقلية في القرآن الكريم، موجهة مناقشاتها لفئتي المتعقلين, الباحثين العلميين المفكرين.
هـ- ومن أمثلة الإقناع بالأساليب الخطابية المؤثرة في النفوس، لما فيها من روائع أدبية، قول الله تعالى في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول":
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ .
إن هذا النص الرائع الذي جاء على صيغة مثل ليملأ الأنفس قناعة بأن الظفر في آخر الأمر للحق، وأن البقاء له، وأما الباطل فيضمحل ويزهق مهما ظهر له بروز في الأرض، ومهما طفا على السطوح، وبأن الظفر أيضًا لأنصار الحق على جنود الباطل مهما علا شأن المبطلين في أول الأمر.
ولكن هذا الإقناع جاء على صورة خطابية ذات وقع شديد على مشاعر
стр. 228
الأنفس التي تعشق بطبعها الصور البيانية الجميلة، وذلك لأن المقام ليس بحاجة إلى حجج عقلية جدلية، ولكن يتطلب مثيرات مشاعر الشجاعة والإقدام في قلوب المؤمنين لمصارعة المبطلين، والثبات على ما هم عليه من حق، ويتطلب أيضًا مثيرات مشاعر الجبن، والإحساس بالخيبة والفشل في قلوب الكافرين الذين يتخذون الحق بالمظاهر التي لا وزن لها، ولا استقرار ولا ثبات.
وذلك إذ وصل الأمر بين الإيمان والكفر، والمؤمنين والكافرين إلى مرحلة الصراع بين حق يغالب ليظهر ويظفر وليبسط في الأرض عدله ونوره وخيره الكثير، وباطل يدافع عن وجوده غير المشروع، ومبطلين يصارعون الحق المبين، ليحافظوا على مكاسب ظالمة، ما كانوا ليصلوا إليها لولا ظلمات الباطل الذي يدعمونه، ويعلنون أنه حق كذبًا وبهتانًا.
لكن هذا الصراع مهما طالت مدته فلا بد أن يظهر فيه الحق على الباطل، ويكون له الاستقرار والاستمرار في الأرض، وإن بدا للباطل ظهور فارغ في أول الأمر، وانتفاخ طاف على السطح، حتى يغتر به الجاهلون، وينخدع بزيفه المغفلون إلا أنه لا يلبث أن يقذف به إلى جوانب الحياة مهملًا مستقذرًا لا قيمة له.
وما مثله إلا كمثل الزبد الحقير الذي يصارع المادة النافعة، في عنفوان حركتها، فيطفو عليها مدة تسيرة، ثم لا يلبث أن يذهب جفاء، وأما المادة النافعة فإنها تمكث وتستقر بثقلها ورجاحتها؛ لينتفع بها الناس.
هذا ما صورته الآية بأسلوبها البديع المفاجئ.
أما موقف الصراع فقد أوردته الآية على صورة مثلين ماديين مشاهدين، جميعًا في صورة مثل واحد؛ لتشابههما في الشكل، وفي النتيجة.
أما المثل الأول: فهو مشهد من المشاهد الكونية يلاحظه الذين يعيشون في متقلب الأحوال الجوية، في البوادي بين السهول والجبال والوذيان، إنه مشهد مياه غزيرة، تنزل من السماء بقضاء الله، فتعم السهل والوعر والجبل، فتجتمع منحصرة بين الجبال، هابطة من كل مرتفع، حتى تملأ الأودية، وتسيل فيها سيلًا
стр. 229
عنيفًا مخيفًا، يخيل للناظر إليه أن الأودية تسيل أيضًا مع تدفق الماء، ويصطرع الماء في مجراه مع أشواك وأعواد يابسة، وأكوام قمامات، كان لها بروز وظهور في الوديان وعلى السفوح وفي المرتفعات، فيقتلعها ويحتملها، فيكون لها بروز وظهور آخر على سطوح المياه، لخفتها وطيشها، وترغي وتزيد، فيغتر بها الجاهلون، ثم تستفر المعركة عن قذف هذا الجفاء الطافي، وطرحه إلى الشاطئين، حقيرًا مستقذرًا ينتظر البلى، وأما الماء الطهور الذي ينفع الناس، فيمكث في مجاريه ومساربه من الأرض.
وأما المثل الثاني: فهو مشهد آخر من المشاهد التي يلاحظها أرباب الصناعات داخل مصانعهم، مهما كانوا بعيدين عن أجواء البوادي وتقلباتها الكونية، إنه مشهد المعادن وأشباهها، التي يصهرونها بوساطة النار الموقدة عليها، إنهم يلاحظون زبدًا آخر يطفو على سطوح منصهراتهم، بعد أن يشتد صراع الغليان بين الجوهر النافع، وبين الشوائب المفسدة، فالجاهل ربما يظن أن الزبد هو الشيء الثمين، لبروزه، أو لتلامع ألوانه لكن الخبير العارف يسرع إليه، فيقذف به خارجًا، لينقي معدنة من أخلاطه الدنيئة، ويصفي جوهره من خبثه، وأما ما يمكث من دون السطح فيحتفظ به؛ لأنه هو الجوهر النافع الثمين.
وكذلك مثل الصراع بين الحق والباطل، قال الله تعالى في الآية: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ .
وكذلك مثل الصراع بين المحقين والمبطلين، قال الله تعالى في الآية: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾ .
والنتيجة مثل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ .
ويناظر هذه النتيجة في المثل نتيجة في الممثل له، وذلك بأن نقول: فأما الباطل فيضمحل ويتلاشى ويزهق، وأما الحق فيستقر ويثبت ويكون له السلطان.
شرح العنصر الثاني: "وهو الترغيب"
عرفنا أن العنصر الثاني من العناصر الكبرى لخطة الوسائل التربوية الواقعية في الإسلام هو عنصر الترغيب.
стр. 230
إن الترغيب هو العنصر الذي يمثل القوة المحرضة والجاذبة الواقعة على جوانب وفي آخر طريق الخير، الذي يدعو إليه الإسلام، ووظيفة الترغيب دغدغة المطامع الإنسانية، فدغدغة هذه المطامع في اتجاه طريق الخير قد تدفع عن الإنسان الصوارف النفسية التي تصرفه عنه؛ إذ تستعطف شهواته مغريات أخرى، واقفة في اتجاهات سبل الشر المختلفة.
ولما كانت سبل الشر في الحياة محفوفة بمغريات الأنفس كانت أصول التربية تستدعي إيجاد قوة محرضة وجاذبة في طريق الهداية، زائدة على الإقناع الفكري المجرد، وذلك لتنضم إلى قوة القناعة الفكرية -ذات الأثر في الأنفس بنسب تتفاوت بحسب تفاوت الناس- قوة أخرى هي قوة اندفاع نفسي، تحركها مطامعها الذاتية، وبهاتين القوتين يستطيع الإنسان أن يستهين بالمغريات الأخرى، الواقعة في سبل الشر، ويكف بصره ونفسه عنها، ويتجه اتجاهًا سويًّا في فكره وسلوكه.
ومن الملاحظ أن النسبة العظمى من الناس أسراء أنفسهم ومطامعهم وشهواتهم، فهم يستجيبون لها أكثر من استجابتهم لعقولهم وأفكارهم.
ومن الناس من تكون مطامعهم النفسية غلابة على تفكيرهم، فتحجب عنهم سبل التفكير السديد.
فإذا لاحت لهؤلاء أو هؤلاء رغائب في طريق للخير نفسه تهيأت لهم الظروف الملائمة كلها، كيما تتجه مطامعهم لطريق الخير الذي يتجه له التفكير السديد، وتكون لهم هذه المطامع بمثابة القوة الإضافية للفكر، بما فيها من تحريض له على السعي الحثيث، والبحث لاستبانة غوامض الأمور، والإحاطة بجوانب المشكلات، وتكوين القناعة في النفس، المصحوبة بإرادة التنفيذ لما توجب القناعة عمله.
وبهذا يتبين لنا أن الترغيب بشكل عام يمثل وسيلة استرضاء واستعطاف لما لدى الإنسان من طمع بمنافع ولذات وخيرات معجلة أو مؤجلة، فمتى استرضيت النفس بشيء من ذلك سكتت عن الإنسان الصوارف له عن طريق
стр. 231
الخير، وغدا سهل الأنقياد فيه، وانفتحت نفسه للاقتناع به، والتعلق الشديد بأسبابه.
ولما كان الإسلام هداية للناس جميعًا، وواقعيًّا في جوانبه العملية، كانت الواقعية فيه تتطلب إيجاد عنصر الترغيب في وسائله التربوية للناس، وذلك في كل ما يهديهم إليه من خير، ويدعوهم إليه من فضيلة.
ومن أجل هذا نجد نصوص القرآن والسنة مليئة بإعلان ما أعد الله للذين آمنوا ويعملون الصالحات من أجر عظيم، وثواب جزيل، ترغيبًا للناس بسلوك صراط الله المستقيم، وذلك إضافة إلى النصوص المشحونة بالإقناع الفكري.
شرح العنصر الثالث: "وهو الترهيب"
أما العنصر الثالث من العناصر الكبرى لخطة الوسائل التربوية الواقعية في الإسلام فهو عنصر الترهيب.
إن الترهيب هو العنصر الذي يمثل القوة الصادة عن الانحراف إلى سبل الشر، التي ينهى عنها الإسلام، وذلك لأن إثارة المخاوف من سلوك سبيل ما، أو القيام بعمل ما، من شأنها أن تقلل من اندفاع الإنسان نحو ذلك السبيل أو ذلك العمل، وأن تضعف من قوته، وتجعله قلقًا حذرًا، حتى ولو غامر في الأمر، واستهان بالمخاوف، إلا أن محاذير سلوك سبل الشر عواقب وخيمة لا تستهين بها العقلاء بحال من الأحوال، متى تبصروا بها حقًّا، وعلى مقدار نمو الحذر من جهة من الجهات تخبو جذوة الأطماع والأهواء المتأججة نحوها، وبالتكرار والمعالجة المتابعة تنصرف النفس انصرافًا نهائيًّا. وتكتسب خلق الزهد والعفة عن المحارم، مهما كانت إغراءاتها آسرة للنفس، مثيرة لرغباتها وأهوائها.
ولما كانت سبل الشر في الحياة محفوفة بمغريات الأنفس، وفواتن الأهواء والأفكار، كانت أصول التربية الواقعية تستدعي إيجاد قوة صادة عنها، زائدة على قوة الإقناع الفكري المجرد، ومضافة إلى وسيلة الترغيب، وهذه القوة الصادة إنما هي وسيلة الترهيب.
стр. 232
وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الإنسان متى خاف من الأخطار الرابضة في جهة من الجهات خنست أطماعه واستخذت، وكفت حذرًا وإن لم تكن عفت، لكنها بالتدريب والتمرس تكسب العفة المطلوبة.
وتستفيد التربية الواقعية لدى استخدام هذه الوسيلة مما لدى الإنسان من خوف وحذر من العواقب المؤلمة القريبة أو البعيدة.
ومن الملاحظ أن طائفة من الناس لا يصلحهم الإقناع الفكري، ولا تكفي لإصلاحهم وسيلة الترغيب، وأن أنجع علاجات الإصلاح بالنسبة إليهم إنما هي وسيلة الترهيب، فهم يتأثرون بالمخاوف أكثر من تأثرهم بالمرغبات، وذلك لأنهم قد يكونون ممن يؤثرون اللذات العاجلات مهما كانت ضئيلة على الخيرات الآجلات مهما كانت جليلة، ومن أجل ذلك يضعف لديهم أثر الترغيبات بالثواب الجزيل على فعل الخير، وترك الشر، لكنهم إذا مثلت المخاوف المحققة في نفوسهم تيقظوا وحذروا واستقاموا.
ولما كان الإسلام واقعيًّا في جوانبه العملية، وكان هداية للناس جميعًا، اقتضى ذلك منه أن يستفيد في هداية الناس من استخدام وسيلة الترهيب من العقاب العاجل والآجل، ليصدهم عن سلوك سبل الشر، وذلك بإثارة مخاوفهم من سلوك هذا السبل.
يضاف إلى ذلك أن حكمة الابتلاء الرباني للناس اقتضت أن يقضي الله بتنفيذ قانون العدل، الذي قرره في محاسبة المكلفين من عباده، ومجازاتهم على ما يكسبون، إن خيرًا فخير، أو شرًّا فشر، وبعض ما يجازي به الله معجل في الدنيا، وبعضه الآخر مؤجل لما بعد الموت، والجزاء الأوفى قد أدخره الله إلى يوم الجزاء الأكبر.
ومن أجل هذا نجد نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف مشحونة بإعلان ما اعتد الله للذين كفروا ويعملون السيئات من عذاب أليم، ترهيبًا للناس من سلوك سبل الضلالة، وذلك إضافة إلى نصوص الإقناع الفكري، ونصوص الترغيب.
стр. 233
نظرة عامة:
فإذا نظرنا نظرة عامة إلى وسيلتي الترغيب والترهيب، معًا، وجدناهما قوتين كبيرتين، أولاهما تجذب النفس الإنسانية إلى طريق الخير، وتستعطفها نحوه، بما أعد الله لسالكيه من منافع، ولذات، وخيرات عظيمات، معجلات ومؤجلات، والثانية تصد النفس الإنسانية عن سلوك سبل الشر؛ إذ تملؤها بالخوف مما أعتد الله لسالكها من عقوبات معجلات ومؤجلات.
وباستخدام التربية الإسلامية وسيلة الإقناع الفكري على أكمل صورها، ووسيلتي الترغيب والترهيب على أحكم صورهما، تمت للإسلام خطة الوسائل التربوية المثلى.
ولهذه العناصر الكبرى الثلاثة فروع وتفصيلات كثيرات، ولدى التبصر نلاحظ أن كل الوسائل التربوية التي يتصورها الفكر، والتي يتوصل إليها المربون بالتجربة تندرج في هذه العناصر الكبرى، وتنضوي تحتها.
شرح الواقعية في الأعمال الجماعية:
ومن مظاهر الواقعية في الإسلام الواقعية في مجال الأعمال الجماعية، التي يشارك فيها الضعفاء من المسلمين، والمرضى، وذوو الحاجات.
وتتجلى الواقعية في هذا المجال بمراعاة أحوال هؤلاء؛ إذ نلاحظ أن الإسلام يوجه أولي الأمر من المسلمين، وكل راع في رعيته منهم لمراعاة جانب التخفيف في الأعمال الجماعية العامة، وذلك حتى لا ينقطع الضعفاء والمرضى وذوو الحاجات عن المشاركة فيها، ولئلا يحصل لهم بها أذى.
فمن الهدي النبوي أن الرسول صلوات الله عليه كان حينما يكون في سفر ومعه المسلمون يأمرهم بأن يسيروا بسير ضعفائهم، فيقول لهم: "سيروا بسير ضعفائكم" وذلك لئلا ينقطع هؤلاء عن الركب.
ومن الهدي النبوي في هذا المجال أن يخفف الإمام في صلاته؛ لأنه يؤم أصنافًا من الناس مختلفين، ففي الحديث عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري
стр. 234
رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتاخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة". رواه البخاري ومسلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي عبد الله جابر بن سمرة ﵄ قال: "كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا" أي: كانت متوسطة بين الطول والقصر.
شرح الواقعية في تحديد مناهج السلوك:
ومن مظاهر الواقعية في الإسلام الواقعية في تحديد مناهج السلوك للناس.
هذه الواقعية أمر يشهد له كل ما في الإسلام من مناهج ونظم عملية، في العبادات، والمعاملات، والأخلاق، وسائر ميادين العلم والعمل. إذ هي مناهج ونظم لا تزيد حدودها المفروضة عن استطاعة النسبة الوسطى من الناس.
وأما من هم دون هذه النسبة الوسطى فإن الإسلام يقرر لهم استثناءات خاصة بهم، كالاستثناءات الخاصة بالأعمى، والأعرج والمريض، والمسافر، والحائض، والنفساء، ونحو هؤلاء وذلك بحسب نوع التكاليف، ومقدار ما تتطلب من جهد واستطاعة.
وأما من هم فوق النسبة الوسطى من الناس فإن الإسلام يفتح لهم مجالات التسابق في اغتنام الخيرات، والعمل لبلوغ الدرجات العليا من درجات المقربين ذوي المجد عند الله، ولكن دون إلزام تكليفي بها، يجعلهم من المؤاخذين المذنبين إذا قصروا فيها، وذلك ما لم يكونوا في موضع المسئولية بالنسبة إلى أعمال خاصة تتطلبها جماعة المسلمين بشكل عام، وهم الأكفياء للقيام بها، فعند ذلك تكون واجبة عليهم، بنسبة كفايتهم، وبنسبة حاجة العمل الإسلامي العام إليه.
стр. 235
ومن أمثلة ذلك تكليف العلماء الأكفياء المختصين مقارغة أهل الباطل بالحجج والبارهين الدامغة، وتكليف ذوي المال بذل أموالهم إذا دعا داعي الجهاد الواجب، وتكليف الأشداء الأقوياء المدربين الوقوف في الصفوف الأولى عند لقاء العدو، وهكذا.
شرح الواقعية في أصول المحاسبة والجزاء:
ومن مظاهر الواقعية في الإسلام الواقعية في أصول المحاسبة والجزاء.
إن الواقعية في هذا المجال تحددها في الإسلام جملة من القواعد العامة، التي جعلها الله ﵎ أساسًا لمحاسبة عباده ومجازاتهم على أعمالهم، ومن هذه القواعد ما يلي:
القاعدة الأولى:
المسئولية عند الله تعالى تناسب زيادة ونقصًا مع نسبة الخصائص والهبات الربانية للإنسان، والظروف المحاط بها.
القاعدة الثانية:
لا تزر وازرة وزر أخرى، فلا يحاسب الإنسان إلا على ما اكتسبه من إثم، ومما يكتسبه من آثام أن يسن سنة سيئة يتبعه فيها آخرون، فهو يحمل وزر عمله المباشر، ووزر إضلاله لمن اتبعه، دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا؛ لأنهم مسئولون أيضًا عما يعملون، ويدخل فيما يكتسبه من آثام أيضًا آثار أعماله السيئة الجارية ولو بعد موته، كنشر علم ضار، أو تأسيس دار لمعصية الله.
القاعدة الثالثة:
ليس للإنسان إلا ما سعى، فلا يثاب إلا على ما كسبه من أعمال صالحة، ومما يكسبه من أعمال صالحة أن يسن سنة حسنة، فله بذلك أجر عمله، وأجر مثل أجر من اتبعه، دون أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا؛ لأن هذه الثمرات الطيبات كانت من آثار عمله وسعيه، فهو ينال منها أجرًا، ويدخل فيها يكسبه من
стр. 236
أعمال صالحة آثار أعماله الجارية ولو بعد موته، كنشر علم نافع، أو صدقة جارية، أو تأسيس دار لعبادة الله أو خدمة المسلمين.
ولا يقتضي هذا أن الإنسان لا يعطيه الله إلا ثواب ما سعى، بل فضل الله أوسع من سعيه بما لا حصر له.
القاعدة الرابعة:
لا تقبل الشفاعة للكافرين، ولا يقبل الاستغفار لهم.
القاعدة الخامسة:
لا تنفع الشفاعة للمؤمنين، إلا شفاعة من أذن له الرحمن ورضي له قولًا.
стр. 237
شرح الأمر الخامس: مراعاة واقع حال الضعف البشري
تظهر لنا الواقعية في هذا المجال في مراعاة واقع حال النفس الإنسانية المفطورة على حب المخالفة، والنزوع إلى الشذوذ والمغامرة بامتحان المسالك الوعرة.
وكانت الواقعية الإسلامية في مراعاة هذاالواقع الإنساني متمثلة بفتح باب الغفران للإنسان، وتهيئة أفضل الوسائل ليتخلص من الإثم، وليلقي عن كاهله أثقال الأوزار.
الشرح:
لقد فطر الله النفس الإنسانية، وجعل فيها نزوعًا فطريًّا للاستقلال الذاتي، والخروج عن الطاعة، كما جعل فيها أهواء تلح على الإنسان بالمطالب التي لا تتم تلبيتها إلا بالانحراف عن صراط الهداية، وبارتكاب السيئات، وجعل في الإنسان ضعفًا.
وخلق الله في الإنسان إلى جانب ما سبق الدوافع الخيرة، والعقل المرشد
стр. 238
للصواب، والإرادة التي تمثل سلطة الحكم في داخله، ولا تكون هذه السلطة حكيمة ما لم تسترشد بالعقل، وما لم تتقيد بنصائحه ووصاياه.
ثم أنزل الله الشرائع هداية للعقول، وإرشادًا لها حتى لا تضل عن سواء السبيل.
وبهذه الأمور مجتمعة تمت الشروط الملائمة لابتلاء إرادة الإنسان في هذه الحياة.
ولكن هذا الكائن العجيب الذي تتجاذبه قوى متناقصة، لا بد أن يكون عرضة لضعف الإرادة أمام أواسر الأهواء والشهوات، مع اختلاف النسبة في ذلك بين أفراد الناس شدة وضعفًا، فمنهم السابقون في الخيرات الذين تقوى إرادتهم فتكثر صالحاتهم، وتندر فلتات مخالفاتهم وسيئاتهم، ومنهم المتذبذبون بين الاستقامة والانحراف، الذين يخلطون عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ومنهم الظالمون لنفوسهم الذين استخذت إرادتهم وضعفت ضعفًا كليًّا، فسقطوا في الانحراف، وانغمسوا في الموبقات، أما المعصومون من البشر عن المخالفات فنماذج صانها الله ليجعلها قدوة حسنة للناس.
وإعلانًا عن هذا الواقع الذي عليه الإنسان بصفة عامة: قال الله تعالى سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ .
وقص علينا قصة المخالفة الأولى للإنسانين الأولين آدم وزوجه؛ إذ نهاهما الله عن أن يأكلا من شجرة معينة، بعد أن أباح لهما أن يأكلا من كل ما في الجنة سواها، فأكلا منها وعصيا، متأثرين في ضعفهما البشري بوساوس الشيطان، وأخرجهما الله من الجنة معاقبة لهما، وأهبطهما إلى الأرض، وبين لذريتهما أن الدوافع إلى المعصية منتقلة إليهم بالوراثة، وأن عداوة الشيطان تلاحقهم بالوساوس والإغواء، لتحجب عنهم الجنة التي تدعوهم إلى نفسها من طريق طاعة الله، وذلك بحسب وعد الله، إنه لا يخلف الميعاد.
стр. 239
ولما كانت الخطيئة في حياة الإنسان من الأمور الواقعية التي يعسر عليه جدًّا أن يصون نفسه عنها مدى حياته، ما لم يكن معصومًا بعصمة الله، كانت الواقعية في شريعة الله لعباده تستدعي أن من أخرجته الخطيئة عن طريق الجنة، ردته إليه حبال التوبة والاستغفار من جهته، المعقودة بحبال العفو والغفران من جهة الرحمن.
ولكيلا تظل صورة الخطيئة القبيحة مائلة في نفس الإنسان جعل الله الشيطان للإنسان قرينًا يلصق به وجهًا من وجهي الصورة القبيحة للخطيئة، ليشعر الإنسان بأن القبح في الحياة ليس من شأنه، وإنما هو بتأثير وساوس قرينه الملازم له، وهذا الشعور من شأنه أن يدفعه إلى الكمال، والتخلص من الخطايا التي يوسوس له بها عدوه وعدو أبويه من قبل، ومن شأنه أن ينسيه خطيئته إذا هو استغفر الله وتاب إليه، واستعاذ بالله من الشيطان، وألصق به مسئولية الإغواء.
وقد عرفنا في أصول التربية أن من وسائل الإصلاح أن نفتح لمن نربيه أبواب العذر إذا ارتكب الخطيئة ولو عاقبناه عليها، وذلك حتى نبقي له مجالًا يحتفظ فيه بصورة الكمال التي يريد أن يتصورها الناس فيه، وعرفنا أن من الخطأ في التربية أن نسد على من نربيه باب الاعتذار، ونشعره بأنه مهين، قد مارس الخطيئة عن عزم وتصميم وخبث في نفسه، وذلك لأن هذا الأسلوب من التربية المجانبة للصواب، من شأنه أن يغرس في الإنسان الوقاحة وعدم المبالاة، والإصرار على متباعة ارتكاب السيئات، فمن يفتضح بفعل المنكر ويعرف به بين الناس يكابر عليه بوقاحة لا استحياء معها، وفي الحديث الصحيح:
"إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تتسح فاصنع ما شئت". رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود عن الرسول ﷺ .
وهذه النظرة الواقعية من مختلف جوانبها قد أعلنتها النصوص الإسلامية في أكثر المناسبات التي تضع الإنسان موضع المسئولية في الحياة.
стр. 240
وفيما يلي طائفة من هذه النصوص:
أ- ففي مجال بيان واقع حال النفس الإنسانية المفطورة على الضعف وحب المخالفة تستوقفنا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ نصوص كثيرة، تعرض هذه الحقيقة، أو تشير إليها:
فمنها قوله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ .
في هذا النص أمور ثلاثة مترابطة:
الأمر الأول: بيان واقع حال الإنسان المفطور على الضعف.
الأمر الثاني: أن الله يريد أن يتوب على الناس نظرًا إلى ما هم عليه من ضعف، وأن يخفف عنهم أثقال الأوزار وأعباء التكاليف الشديدة.
الأمر الثالث: أن دعاة الضلال متبعي الشهوات يريدون من المؤمنين أن يميلوا ميلًا عظيمًا إلى جانب المعاصي والمخالفات، حتى يبتعدوا عن مهابط رحمة الله وعفوه وغفرانه.
وخلال ترابط هذه الأمور في هذا النص نلاحظ روعة الواقعية الإسلامية، التي تراعي بحكمة بالغة، ورحمة عظيمة، واقع حال النفس الإنسانية المفطورة على الضعف وحب المخالفة.
ومن النصوص في هذا المجال قول الله تعالى في سورة "ق: ٥٠ مصحف/ ٣٤ نزول":
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ .
في هذا النص القرآني إشارة إلى ما عليه واقع حال النفس الإنسانية من تعرض لوساوس ذاتية متجددة ما استمرت فيها الحياة، والوسوسة لا تكون إلا بالأمر بالسوء، الذي فيه مخالفة ومعصية لله تعالى، ومع هذه الوساوس المتجددة.
стр. 241
لقد تضعف إرادة الإنسان، نظرًا إلى أنه خُلق ضعيفًا، فيسقط في بعض الخطايا، ولكن المؤمن توقظه الصدمة بعد السقوط، فيضحو من غفلته، فيتذكر الله، وعند ذلك يلجأ إلى التوبة والندم والاستغفار، فيجد الله توابًا رحيمًا.
ومن النصوص فيه هذا المجال أيضًا قول الله تعالى في سورة "يوسف: ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول" حكاية وإقرارًا لما قالته امرأة العزيز:
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
هذا النص يعلن أيضًا أن النفس في فطرتها أمارة بالسوء، ومع أوامرها المتكررة قد يغفل الإنسان وتضعف إرادته فيسقط في الخطيئة، ولكن المؤمن توقظه الصدمة بعد السقوط، فيضحو من غفلته فيتذكر الله، وعند ذلك يلجأ إلى التوبة والندم والاستغفار فيجد الله توابًا رحيمًا.
ومن النصوص أيضًا الآيات التي تضمنت وصف الأنفس، ووصف الإنسان، ونسرد من ذلك الآيات التاليات:
قوله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ .
وقوله تعالى في سورة "التغابن: ٦٤ مصحف/ ١٠٨ نزول":
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وقوله تعالى في سورة "العاديات: ١٠٠ مصحف/ ١٤ نزول":
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ .
стр. 242
وقوله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ .
وقوله تعالى في سورة "الإسراء أيضًا":
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ .
إن هذه الآيات وأشباهها تبين جوانب الضعف في الإنسان التي قد يسقط بسببها في الخطيئة.
ومن النصوص في هذا المجال أيضًا طائفة كثيرة من الأحاديث النبوية، ونذكر منها الأحاديث التالية:
عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
أخرجه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وصححه الحاكم وابن القطان.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
"كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه". رواه ابن ماجه، ورواه البخاري مختصرًا.
وفي الحديث القدسي:
"يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا اغفر الذنوب جميعًا". رواه مسلم.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم". رواه مسلم.
وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 243
"لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم". رواه مسلم.
وفي كل ذلك دلالات واضحات على أن الله تعالى خلق في الإنسان ضعفًا، يجعله يتعثر فيسقط في المعصية، ليرتجع إلى ربه مستغفرًا تائبًا منكسرًا، ليغفر الله له، ويرحمه، ويكفر عنه سيئاته وبذلك يقف العبد بين يدي ربه موقف الضعف والاعتراف، ويتجلى الله له بالرحمة والإحسان.
ب- وفي مجال تخليص الإنسان من خطيئته وردت نصوص التوبة والغفران من جهة، ونصوص إلصاق خبث دوافع الخطيئة بالشيطان من جهة أخرى.
فمن نصوص التوبة والغفران النصوص التالية:
قول الله تعالى في سورة "الزمر: ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول":
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
ففي هذا النص نداء من الله للمسرفين يدعوهم أن لا يقنطوا من رحمة الله، مهما تعاظمت ذنوبهم في جنب الله، ومهما كثرت سيئاتهم، فإن الله يغفر الذنوب جميعًا، وما على المسرفين إلا أن يستغفروا ربهم ويتوبوا إليه, ويمدوا أيديهم إلى رحمته.
وقول الله تعالى يصف المتقين في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
فمن صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم لم يستغرقوا فيما هم فيه من إثم، ولم يصروا على ما فعلوا، ولكنهم يتيقظون، فيذكرون الله، ويستغفرونه لذنوبهم، وعند ذلك يجدون الله توابًا رحيمًا.
وقول الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
стр. 244
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وفي الحديث القدسي عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
عنان السماء: ما يبدو منها للناظر.
قراب الأرض: أي: قريب من مقدراها.
فهذه النصوص ونظائرها تثبت للإنسان أن وراء عثرة الخطيئة طمعًا برحمة الله، وأملًا بالمغفرة عن طريق التوبة والندم والعزم على الاستقامة، وفي هذا منتهى مراعاة الواقعية في أحوال الإنسان.
ولكن لهذه الواقعية حدودًا لا تتجاوزها، وتبرز هذه الحدود واضحة في أمرين:
الأمر الأول: الكفر بالله والشرك به، فمن مات على ذلك لم ينل من الله عفوًا ولا غفرانًا، قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ .
الأمر الثاني: أن يملأ الإنسان حياته بفعل السيئات، ويعرض عن التوبة والاستغفار، حتى حضره الموت، وانكشفت له بعض الحقائق مما وراء الموت، قال: إني تبت الآن. فإن الله جل وعلا لم يتعهد لأمثال هذا المسرف على نفسه طوال حياته بأن يتوب عليهم، قال الله تعالى في سورة "النساء أيضًا":
стр. 245
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
ومن النصوص التي تحرر الإنسان من خبث دوافعه للخطيئة، وتفسح له مجالًا أن يلصق ذلك بالشيطان، رجاء أن يكون أقرب للإصلاح، وأكثر استعدادًا للاستقامة، النصوص التالية:
قول الله تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ .
ومع ذلك فقد بين الله ﵎ أن الشيطان ليس له سلطان على الذين يتحققون بعبوديتهم لله تعالى، قال تعالى في سورة "الحجر: ١٥ مصحف/ ٥٤ نزول"، يخاطب الشيطان.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ .
وذلك لئلا يتهرب الإنسان من المسئولية، فينغمس في الخطايا، ويلقي على الشيطان مسئوليتها.
وبهذا يتم التوازن في أمور التكليف والتربية، ويوضع كل أمر منها في محله الملائم له.
стр. 246
جدليات حول المثاليات والواقعيات الإسلامية:
أولًا:
من الجدليات التي يثيرها فريق من أعداء الإسلام تضليل أبناء المسلمين بمثاليات عوراء، في معرض تهجماتهم على أسس الإسلام الحضارية، فهم عن طريق الخداع الجدالي الذي لا مضمون له في واقع فلسفتهم، المرتكزة على أسس مادية بحت، يحاولون أن يوهموا أبناء المسملين بأن الإسلام حينما يدعو إلى الحق والخير والفضيلة يرغب الناس بأنواع الثواب المعادي المعجل أو المؤجل، ويضللون بأن المثالية في التزام جانب الحق، وفي فعل الخير والفضيلة تقضي بأن يسعى الإنسان إلى تحقيق الخير لمجرد أنه خير، لا لما يترتب على فعله من ثواب وأجر يعود على الفاعل، ولهم في هذه التضليلات غرضان:
الغرض الأول: صرف أبناء المسلمين عن جو المؤثرات الترغيبية والترهيبية المشحونة بها نصوص الشريعة الإسلامية؛ لأنها من أفعل وسائل الإصلاح والتقويم للنفس الإنسانية، التي تنزع فيها الغرائز والأهواء والشهوات إلى الإثم والظلم، ولا تقبض عليها المثاليات النظرية إلا قبضًا يسيرًا.
الغرض الثاني التمويه على الصغار من أبناء المسلمين الذين لم يخبروا الحياة بعد، ولم يتكشفوا صور الخصائص النفسية للإنسان، ليجذبوهم بذلك إلى صفوفهم، وليخدعوهم بمثاليات جوفاء، حتى يقدموا أنفسهم ضحايا مجانية وهم يجهلون أنهم يحققون بتضحياتهم للقادة المضلين غاياتهم الموغلة في المادية، التي لا تعترف بشيء من المثاليات.
إن هؤلاء المضلين يستخدمون كل ذكائهم ليقدموا هؤلاء الصغار، أحداث الأحلام وقودًا في مطبخ السلاح الذي يعدونه للتسلط على الشعوب، والتحكم بمصائرها، والانتفاع بخيراتها، في مادية مغرقة، ليس لها غاية إلا إشباع الغرائز الجسدية والنفسية، وتلبية الشهوة العارمة إلى استعباد الناس.
وقد تبين لنا بالبحث المستفيض كمال رسالة الحضارة الإسلامية؛ إذ جعلت من أسسها الحضارية المثالية في العقائد والغايات والأهداف، والواقعية في الأعمال ومناهج الحياة.
стр. 247
وهذا أفضل ما يمكن تصوره ليكون أساسًا لبناء أرقى حضارة، لهذا الإنسان المزود بالعقل الذي من شأنه أن يتطلع إلى المثاليات ويبحث عنها، والمزود بطاقات مادية ومعنوية تقف به عند حدود لا يستطيع تجاوزها ولا الزيادة عليها، والمزود بغرائز وشهوات تنبح في داخله بإلحاح لتحقيق مطالبها.
وأية فلسفة تحاول إصلاح هذا الكائن المركب من هذه العناصر الثلاثة على أساس تلبية واحد منها فقط، أو اثنين وإهمال سائرها فإنها فلسفة محكوم عليها بالفشل الذريع، وستضع الإنسانية في طريق الانحدار المهلك، بدل أن تأخذ بيدها صاعدة في سلم الكمال الإنساني.
أما الفلسفة الإسلامية القائمة على الدعوة المثالية، والتطبيقات الواقعية، والوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية، فهي الفلسفة الراقية، التي استطاع بها الإسلام أن يقبض على نواصي شعوب مختلفة اللغات، وقوميات متباينة الاتجاهات، عن أجيال وقرون، وأن يسير بها متآخية متوادة في طريق السعادة الإنسانية، وأن يدفع بها إلى الصعود المتتابع في سلم الحضارة المثلى.
وهذا ما أذهل أعداء الإسلام أعمتهم عصبياتهم الدينية والقومية، وأثار حقدهم وحسدهم، ولذلك أخذوا في تهديم الأسس التي كان بها للمسلمين ذلك المجد التليد.
وأعداء الإسلام يخشون أن يعود المسلمون إلى الاستمساك بالأسس الإسلامية الصحيحة، فيعود لهم مجدهم السليب.
وكل مثالية يدعيها أعداء الإسلام إنما هي مثالية مزورة، غايتهم منها التضليل والخداع، ولو كانت لهم مثاليات حقيقية صادقة قابلة للتطبيق الإنساني لرأي الناس أثرها في السلم أو في الحرب، ولكنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يسجلوا في تاريخهم الطويل إلا صورة المادية المفرطة، المرتبطة بالأنانيات الفردية، أو العنصرية، أو العصبية المذهبية.
стр. 248
ثانيًا:
ومن الجدليات التي يثيرها فريق من أعداء الإسلام مزاعمهم التي يضللون بها أبناء المسلمين، إذ يقولون:
"إن الإسلام تعاليم وأنظمة مثالية غير ممكنة التطبيق، وإن حياة الإنسان الواقعية تستدعي أنظمة وتعاليم، واقعية ممكنة التطبيق".
ثم يبنون على هذه المقدمة الكاذبة فيقولون:
"وبما أن الإسلام شيء مثالي غير واقعي فإنه غير صالح لأن يكون دستور حياة الناس، وما على الأجيال المسلمة إلا أن تسعى وراء أنظمة وضعية واقعية مستفادة من التجارب والاختبارات الإنسانية".
هذا ما يقولون، وقد تبين لنا بالبحث المستفيض حول المثالية والواقعية في أسس الإسلام الحضارية فيما قدمناه من بحوث أن المثالية في الإسلام هي مثالية وواقعية معًا؛ لأنها مثالية ممكنة التطبيق، وذلك لأن المثالية فيه منحصرة في العقائد والأهداف والغايات، والمثالية في هذه الأمور لا تتعارض مع الواقعية بحال من الأحوال؛ لأنها ممكنة التطبيق، فليس من العسير على الإنسان أن يعتقد العقيدة المثالية، وليس من العسير عليه أن يجعل غايته من أعماله العبادية أو غيرها غاية مثالية، وليس من الصعب عليه أن يجعل الكمال في كل أمر من أموره مطلبًا أسمى يسعى إليه، دون أن يكون ملزمًا به لدى التطبيق العملي.
أما التطبيق العملي فقد تبين لنا بالبحث أيضًا أن أسس الإسلام الحضارية فيه ملتزمة جانب الواقعية، التزامًا أكثر تسامحًا من أي نظام في العالم معتمد على الأسس الواقعية.
ولدى المقارنة تتجلى هذه الحقيقة للباحثين تجليًا يدمغ كل مضلل متلاعب بكل زور من قول أو فكر.
وليس من الواقعية في شيء أن يترك المجرمون والشاذون في الأرض يعيثون فسادًا وخرابًا، وينشرون الآلام الكثيرة مجاراة لواقعيتهم المنحرفة، وإن أي تفكير يحاول أن يبرر الجرائم وأنواع الشذوذ المفسدة في الأرض، ضمن
стр. 249
إطار الفلسفة الواقعية إنما هو تفكير شياطين المجرمين المفسدين في الأرض، الذين لا يريدون إصلاحًا، ولا ينشدون كمالًا، ولكنهم يريدون أن يخرجوا بني آدم من جنة الحق والخير والفضيلة ونشدان الكمال، وأن يقذفوا بهم في جحيم الباطل والشر والرذيلة وحضيض النقص، وأن يقذفوا بهم في جحيم الباطل والشر والرذيلة وحضيض النقص، وأن يوقعهم في سخط الله.
وإن الذين يدعون الواقعيات في أنظمتهم لا يستطيعون أن يقيموا في دولهم إلا بسلطان الحكم الصارم، فلو أنها واقعيات كما يحاولون أن يصوروا معنى الواقعية لما احتاجت إقامتها إلى سلطان الحكم الصارم، الذي يعتمد على أسلوب واحد من أساليب التربية، وهو أسلوب الإرهاب فقط.
لكنا وجدنا الإسلام يعتمد كما أسلفنا على أساليب الإقناع الفكري، ثم على وسائل الترغيب، ثم على وسائل الترهيب، وهذه هي الوسائل الواقعية التي يتم بها تقويم أكبر نسبة ممكنة من الناس، وما العقوبات المادية التي ينفذها الحكم الإسلامي إلا لون من ألوان الترهيب العام لكل من تحدثه نفسه بالمخالفة والانحراف الشائن، ووسيلة ضرورية لتأديب المذنبين مرتكبي الجرائم الكبيرة، ووسيلة ضرورية لقطع دابر الإفساد في الأرض.
خاتمة:
وهكذا تبين لنا كيف تحتل أسس الحضارة الإسلامية قمة مجد رفيعة، لا تصل إلى سفوحها أسس الحضارات الإنسانية الأخرى، مهما تطاولت بقاماتها وأعناقها.
ألا فليحيى مجد الإسلام، ولتحيى الحضارة الإسلامية الخالدة.
стр. 250
الباب الثاني: وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا
مقدمات عامة:
تبين لنا مما سلف أن البناء الفكري للحضارة الإسلامية قائم على أسس عظيمة أهمها الأسس التالية التي سبق شرحها في الباب الأول بشكل مستفيض:
الأساس الأول: الالتزام بمبدأ الاستمساك بالحق، ومحبته والعمل على نشره، والتبرؤ من الباطل وكراهيته ومصارعته والعمل على قمعه وإزهاقه.
الأساس الثاني: الالتزام بمبدأ فعل الخير، والعمل على نصره ونشره، وترك الشر والعمل على خذله وقمعه.
الأساس الثالث: العالمية والشمول.
الأساس الرابع: المثالية في العقائد والأهداف والغايات، والواقعية في الأعمال ومناهج الحياة.
وبعد أن اتضحت لنا أهم الأسس التي يقوم عليها البناء الفكري للحضارة الإسلامية فإن البحث الواعي المتدبر يستدعينا أن نلاحظ أن البناء الفكري حقائق مجردة تتصورها الأفكار، وتتعشقها الأنفس، وتطمئن بها القلوب، لكن لا بد لها من بناء واقعي تتجسد فيه على الطبية، لتظهر بشكل مادي مثمر، يُؤتي أكله كل حين بإذن ربه، وإلا كان البناء الفكري رسمًا من الرسوم يثير إعجاب العلماء والفلاسفة والباحثين المنصفين، ويقف عند حد إثارة الإعجاب فقط، وليس قوة فعالة تمد الحياة بصنوف السعادة وأنواع الخيرات.
وبناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا يحتاج إلى وسائل عملية تقيم أركان هذه الحضارة على أسس بنائها الفكري.
следующие страницы →