جدليات حول المثاليات والواقعيات الإسلامية:
أولًا:
من الجدليات التي يثيرها فريق من أعداء الإسلام تضليل أبناء المسلمين بمثاليات عوراء، في معرض تهجماتهم على أسس الإسلام الحضارية، فهم عن طريق الخداع الجدالي الذي لا مضمون له في واقع فلسفتهم، المرتكزة على أسس مادية بحت، يحاولون أن يوهموا أبناء المسملين بأن الإسلام حينما يدعو إلى الحق والخير والفضيلة يرغب الناس بأنواع الثواب المعادي المعجل أو المؤجل، ويضللون بأن المثالية في التزام جانب الحق، وفي فعل الخير والفضيلة تقضي بأن يسعى الإنسان إلى تحقيق الخير لمجرد أنه خير، لا لما يترتب على فعله من ثواب وأجر يعود على الفاعل، ولهم في هذه التضليلات غرضان:
الغرض الأول: صرف أبناء المسلمين عن جو المؤثرات الترغيبية والترهيبية المشحونة بها نصوص الشريعة الإسلامية؛ لأنها من أفعل وسائل الإصلاح والتقويم للنفس الإنسانية، التي تنزع فيها الغرائز والأهواء والشهوات إلى الإثم والظلم، ولا تقبض عليها المثاليات النظرية إلا قبضًا يسيرًا.
الغرض الثاني التمويه على الصغار من أبناء المسلمين الذين لم يخبروا الحياة بعد، ولم يتكشفوا صور الخصائص النفسية للإنسان، ليجذبوهم بذلك إلى صفوفهم، وليخدعوهم بمثاليات جوفاء، حتى يقدموا أنفسهم ضحايا مجانية وهم يجهلون أنهم يحققون بتضحياتهم للقادة المضلين غاياتهم الموغلة في المادية، التي لا تعترف بشيء من المثاليات.
إن هؤلاء المضلين يستخدمون كل ذكائهم ليقدموا هؤلاء الصغار، أحداث الأحلام وقودًا في مطبخ السلاح الذي يعدونه للتسلط على الشعوب، والتحكم بمصائرها، والانتفاع بخيراتها، في مادية مغرقة، ليس لها غاية إلا إشباع الغرائز الجسدية والنفسية، وتلبية الشهوة العارمة إلى استعباد الناس.
وقد تبين لنا بالبحث المستفيض كمال رسالة الحضارة الإسلامية؛ إذ جعلت من أسسها الحضارية المثالية في العقائد والغايات والأهداف، والواقعية في الأعمال ومناهج الحياة.
стр. 247
وهذا أفضل ما يمكن تصوره ليكون أساسًا لبناء أرقى حضارة، لهذا الإنسان المزود بالعقل الذي من شأنه أن يتطلع إلى المثاليات ويبحث عنها، والمزود بطاقات مادية ومعنوية تقف به عند حدود لا يستطيع تجاوزها ولا الزيادة عليها، والمزود بغرائز وشهوات تنبح في داخله بإلحاح لتحقيق مطالبها.
وأية فلسفة تحاول إصلاح هذا الكائن المركب من هذه العناصر الثلاثة على أساس تلبية واحد منها فقط، أو اثنين وإهمال سائرها فإنها فلسفة محكوم عليها بالفشل الذريع، وستضع الإنسانية في طريق الانحدار المهلك، بدل أن تأخذ بيدها صاعدة في سلم الكمال الإنساني.
أما الفلسفة الإسلامية القائمة على الدعوة المثالية، والتطبيقات الواقعية، والوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية، فهي الفلسفة الراقية، التي استطاع بها الإسلام أن يقبض على نواصي شعوب مختلفة اللغات، وقوميات متباينة الاتجاهات، عن أجيال وقرون، وأن يسير بها متآخية متوادة في طريق السعادة الإنسانية، وأن يدفع بها إلى الصعود المتتابع في سلم الحضارة المثلى.
وهذا ما أذهل أعداء الإسلام أعمتهم عصبياتهم الدينية والقومية، وأثار حقدهم وحسدهم، ولذلك أخذوا في تهديم الأسس التي كان بها للمسلمين ذلك المجد التليد.
وأعداء الإسلام يخشون أن يعود المسلمون إلى الاستمساك بالأسس الإسلامية الصحيحة، فيعود لهم مجدهم السليب.
وكل مثالية يدعيها أعداء الإسلام إنما هي مثالية مزورة، غايتهم منها التضليل والخداع، ولو كانت لهم مثاليات حقيقية صادقة قابلة للتطبيق الإنساني لرأي الناس أثرها في السلم أو في الحرب، ولكنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يسجلوا في تاريخهم الطويل إلا صورة المادية المفرطة، المرتبطة بالأنانيات الفردية، أو العنصرية، أو العصبية المذهبية.
стр. 248
ثانيًا:
ومن الجدليات التي يثيرها فريق من أعداء الإسلام مزاعمهم التي يضللون بها أبناء المسلمين، إذ يقولون:
"إن الإسلام تعاليم وأنظمة مثالية غير ممكنة التطبيق، وإن حياة الإنسان الواقعية تستدعي أنظمة وتعاليم، واقعية ممكنة التطبيق".
ثم يبنون على هذه المقدمة الكاذبة فيقولون:
"وبما أن الإسلام شيء مثالي غير واقعي فإنه غير صالح لأن يكون دستور حياة الناس، وما على الأجيال المسلمة إلا أن تسعى وراء أنظمة وضعية واقعية مستفادة من التجارب والاختبارات الإنسانية".
هذا ما يقولون، وقد تبين لنا بالبحث المستفيض حول المثالية والواقعية في أسس الإسلام الحضارية فيما قدمناه من بحوث أن المثالية في الإسلام هي مثالية وواقعية معًا؛ لأنها مثالية ممكنة التطبيق، وذلك لأن المثالية فيه منحصرة في العقائد والأهداف والغايات، والمثالية في هذه الأمور لا تتعارض مع الواقعية بحال من الأحوال؛ لأنها ممكنة التطبيق، فليس من العسير على الإنسان أن يعتقد العقيدة المثالية، وليس من العسير عليه أن يجعل غايته من أعماله العبادية أو غيرها غاية مثالية، وليس من الصعب عليه أن يجعل الكمال في كل أمر من أموره مطلبًا أسمى يسعى إليه، دون أن يكون ملزمًا به لدى التطبيق العملي.
أما التطبيق العملي فقد تبين لنا بالبحث أيضًا أن أسس الإسلام الحضارية فيه ملتزمة جانب الواقعية، التزامًا أكثر تسامحًا من أي نظام في العالم معتمد على الأسس الواقعية.
ولدى المقارنة تتجلى هذه الحقيقة للباحثين تجليًا يدمغ كل مضلل متلاعب بكل زور من قول أو فكر.
وليس من الواقعية في شيء أن يترك المجرمون والشاذون في الأرض يعيثون فسادًا وخرابًا، وينشرون الآلام الكثيرة مجاراة لواقعيتهم المنحرفة، وإن أي تفكير يحاول أن يبرر الجرائم وأنواع الشذوذ المفسدة في الأرض، ضمن
стр. 249
إطار الفلسفة الواقعية إنما هو تفكير شياطين المجرمين المفسدين في الأرض، الذين لا يريدون إصلاحًا، ولا ينشدون كمالًا، ولكنهم يريدون أن يخرجوا بني آدم من جنة الحق والخير والفضيلة ونشدان الكمال، وأن يقذفوا بهم في جحيم الباطل والشر والرذيلة وحضيض النقص، وأن يقذفوا بهم في جحيم الباطل والشر والرذيلة وحضيض النقص، وأن يوقعهم في سخط الله.
وإن الذين يدعون الواقعيات في أنظمتهم لا يستطيعون أن يقيموا في دولهم إلا بسلطان الحكم الصارم، فلو أنها واقعيات كما يحاولون أن يصوروا معنى الواقعية لما احتاجت إقامتها إلى سلطان الحكم الصارم، الذي يعتمد على أسلوب واحد من أساليب التربية، وهو أسلوب الإرهاب فقط.
لكنا وجدنا الإسلام يعتمد كما أسلفنا على أساليب الإقناع الفكري، ثم على وسائل الترغيب، ثم على وسائل الترهيب، وهذه هي الوسائل الواقعية التي يتم بها تقويم أكبر نسبة ممكنة من الناس، وما العقوبات المادية التي ينفذها الحكم الإسلامي إلا لون من ألوان الترهيب العام لكل من تحدثه نفسه بالمخالفة والانحراف الشائن، ووسيلة ضرورية لتأديب المذنبين مرتكبي الجرائم الكبيرة، ووسيلة ضرورية لقطع دابر الإفساد في الأرض.
خاتمة:
وهكذا تبين لنا كيف تحتل أسس الحضارة الإسلامية قمة مجد رفيعة، لا تصل إلى سفوحها أسس الحضارات الإنسانية الأخرى، مهما تطاولت بقاماتها وأعناقها.
ألا فليحيى مجد الإسلام، ولتحيى الحضارة الإسلامية الخالدة.
стр. 250
الباب الثاني: وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا
مقدمات عامة:
تبين لنا مما سلف أن البناء الفكري للحضارة الإسلامية قائم على أسس عظيمة أهمها الأسس التالية التي سبق شرحها في الباب الأول بشكل مستفيض:
الأساس الأول: الالتزام بمبدأ الاستمساك بالحق، ومحبته والعمل على نشره، والتبرؤ من الباطل وكراهيته ومصارعته والعمل على قمعه وإزهاقه.
الأساس الثاني: الالتزام بمبدأ فعل الخير، والعمل على نصره ونشره، وترك الشر والعمل على خذله وقمعه.
الأساس الثالث: العالمية والشمول.
الأساس الرابع: المثالية في العقائد والأهداف والغايات، والواقعية في الأعمال ومناهج الحياة.
وبعد أن اتضحت لنا أهم الأسس التي يقوم عليها البناء الفكري للحضارة الإسلامية فإن البحث الواعي المتدبر يستدعينا أن نلاحظ أن البناء الفكري حقائق مجردة تتصورها الأفكار، وتتعشقها الأنفس، وتطمئن بها القلوب، لكن لا بد لها من بناء واقعي تتجسد فيه على الطبية، لتظهر بشكل مادي مثمر، يُؤتي أكله كل حين بإذن ربه، وإلا كان البناء الفكري رسمًا من الرسوم يثير إعجاب العلماء والفلاسفة والباحثين المنصفين، ويقف عند حد إثارة الإعجاب فقط، وليس قوة فعالة تمد الحياة بصنوف السعادة وأنواع الخيرات.
وبناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا يحتاج إلى وسائل عملية تقيم أركان هذه الحضارة على أسس بنائها الفكري.
стр. 251
وبالتأمل الدقيق والإحصاء تنكشف لنا مجموعة من الوسائل التي يتوقف عليها رفع قواعد هذه الحضارة، وإقامة بنائها الصاعد، في تكامل مستمر إلى قمم رفيعة جدًّا من المجد الإنساني، مع العلم بأن الغايات القصوى لهذا المجد -وهي الغايات التي تدفع إليها أسس الحضارة الإسلامية- لا يستطيع الناس في أية حقبة من تاريخ الإنسان أن يقدروها حق قدرها وذلك لأنهم لا يحيطون علمًا إلا بما يتبوؤه المسلمون منها في الواقع التطبيبقي، ولا بد لنا هنا من ملاحظة تقصيرات المسلمين الكثيرة، وانحرافاتهم عن صراطها السوي لدى التطبيق العملي، في زوايا تكثر درجاتها أو تقل.
ولو تهيأ لبناة الحضارة الإسلامية أن يستمروا في رفع بنائها وصيانته على أسسها الفكرية الراسخة، التي لا يمكن أن تنهار مهما ارتفع البناء، وثقلت أحماله، وكثر ساكنوه، وتنوعوا شعوبًا وأممًا، لكانت حضارتهم التطبيقية ومنجزاتها هي الحضارة المثلى، ذات الوجه الإنساني الجميل المشرق، المتدفق حياة وشبابًا مدى الدهر.
ونستطيع قبل شرح الوسائل التي يتوقف عليها البناء الواقعي المادي، للحضارة الإسلامية بحسب السنن الكونية، أن نلخصها تلخيصًا إجماليًّا بما يلي:
الوسيلة الأولى: السعي إلى معرفة حقائق الأمور وخصائص الأشياء، وسائر صفاتها والأعمال ونتائجها عن طريق التعلم والتعليم، وتجمع هذه الوسيلة طائفة من عناصر البحث، منها الشغف بالعلم، وحب البحث والمتابعة لإدراك حقائق الأمور، ومنها حث أسس الحضارة الإسلامية على العلم، وتمجيدها للعلماء والمتعلمين، ومنها بيان طرق اكتساب المعارف والعلوم، وموقف الإسلام منها.
الوسيلة الثانية: تطبيق العلم بالعمل، وذلك عن طريق الاستفادة المباشرة من المعارف، وعن طريق الاختراع والابتكار والتحسين.
الوسيلة الثالثة: التربية، وتكون بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، واستمالة الأنفس بترغيبها بمحابها الخيرة، وبترهيبها مما تكره من شر أو ضر أو أذى.
стр. 252
الوسيلة الرابعة: الجدال بالتي هي أحسن.
الوسيلة الخامسة: إقامة الحكم الإسلامي المتقيد بأسس الإسلام وتعاليمه وإرشاداته ووصاياه، والذي يستخدم في السياسة الداخلية وسائله المادية والمعنوية للنهوض بالمسلمين، وتقويم سلوكهم، ورد المنحرفين فيهم إلى صراط الحق والخير، والأخذ على أيدي الظالمين وردعهم، وكل ذلك ضمن حدود الإسلام، ولهذه الوسيلة أثرها العظيم في الإصلاحات التاريخية للأمم، وفيما تبلغه من رقي سامق.
وهي المأثور عن عثمان ﵁ قوله: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
الوسيلة السادسة: الجهاد في سبيل الله بالقتال، ويكون بإعداد واستخدام وسائل القوة المادية؛ لإرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين، ومقاومة شرورهم، ضمن قواعد السياسة الخارجية الإسلامية.
وفي الفصول التالية شرح لهذه الوسائل، وكان نصيب كل وسيلة منها فصلًا خاصًّا.
وبالله التوفيق والتسديد، وعليه التوكل، ولا حول ولا قوة إلا به.
стр. 253
الفصل الأول: التعلم والتعليم
المقدمة:
عرفنا أن بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا يحتاج إلى وسائل متعددة، وفي مقدمة هذه الوسائل السعي إلى معرفة حقائق الأمور، وخصائص الأشياء وسائر صفاتها، والأعمال ونتائجها، عن طريق التعلم والتعليم.
لقد عمل الإسلام على غرس وتنمية الدوافع الذاتية في المسلمين، التي تحرضهم على تحقيق هذه الوسيلة، والأخذ بها على مقدار استطاعتهم الفردية والجماعية.
فأخذ بتغذية ميل الإنسان الفطري لمعرفة ما يجهل، واستخدام كل وسيلة إنسانية مستطاعة لإبلاغ هذا الميل إلى مرتبة الشغف بالعلم، والتلهف المستمر لمتابعة المعرفة الشاملة لكل ما في الوجود من حقائق وسنن مادية، وقوانين مجردة.
وذلك لأن من شأن متابعة المعرفة الشاملة شغفًا بالعلم أن تأخذ بيد الشعوب المتصفة بها، وتسير بها، صعدًا في طريق المجد الذي لا تتناهى قممه، فكلما بلغت الإنسانية إلى قمة منه تجددت أمامها معارج قمم أخرى كانت خفية عنها من قبل، ومن شأن متابعة المعرفة أيضًا أن تكشف للإنسان مجالات جديدة لأنواع من التقدم والترقي الحضاريين، يضيفها إلى حصائله الأولى، أو يحلها ملحها؛ لأنها أكمل وأنفع منها، أو أكثر اختصارًا للزمن والجهد، أو ألطف وأجمل، أو أكثر تحقيقًا للرفاهية، أو غير ذلك من المصالح المعتبرة في نظر الناس.
وفي هذا السبيل حمل الإسلام للناس رسالة العلم فحث على التعلم،
стр. 254
وحث على التعليم، ومجد العلماء، ورفع منزلتهم بين الناس ووعد طالبي العلم بالأجر العظيم، وأعلن أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وجعل مجالس العلم أفضل من مجالس العبادة، وحصر الخشية من الله بالعلماء، واستخدم كل وسيلة ميسرة للمسلمين لنشر العلم بينهم، وحث على متابعة البحث العملي، في مختلف المجالات الممكنة الفكرية والتجريبية، في آفاق السماء، وفي بطون الأرض، وفي أغوار الأنفس، بشكل ليس له نظير.
وحذر الإنسان من أن يندفع في سلوكه في الحياة اندفاعًا عشوائيًّا جاهلًا، ووضعه موضع المسئولية عن تصرفاته حتى لا يقفوا أمرًا ليس له به علم.
ومن أجل ذلك لا يرضى الإسلام من المسلم أن يكون إمعة يتبع الناس على جهالة، وهو يقول: "أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت" ولا يرضى منه أن يقاتل تحت راية عُمِّيَّة "مجهولة الهدف" يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فإن قتل حينئذ مات في حكم الإسلام ميتة جاهلية، ولهذا ألغى الإسلام في مجتمع المسلمين العصبية الجاهلية التي جعلت الشاعر العربي يقول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
فالعلم في نظر الإسلام يقع في المرتبة الأولى، وتأتي من ورائه أنواع السلوك العملي في الحياة، وهذا هو الترتيب الطبيعي المنطقي، في حياة العقلاء.
وضمن هذا المنهج تجلى موقف الإسلام الواضح في أمور الدين، وفي أمور الدنيا سواء بسواء، وفي ضوئه تدرج المسلمون المتقيدون بالإسلام في بناء حضارتهم المجيدة.
стр. 255
المقولة الأولى: الدفع الإسلامي إلى التعلم والتعليم
ولما كان العلم هو الوسيلة الأولى لبناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا في كل مجال من مجالاتها، وجدنا الإسلام يهيئ كل ما يلزم لدفع المسلمين، صغارهم وكبارهم، رجالهم ونسائهم إلى العلم، عن طريق التعلم والتعليم.
وفي كنوز النصوص والتطبيقات الإسلامية ثروة ضخمة تعلن هذه الحقيقة بإلحاح وتأكيد شديدين.
فمنها حياة الرسول ﷺ التي كلها مدرسة تعلم وتعليم كبرى، منذ أول ما بدئ به من الوحي، حتى آخر نفس لفظه من رحلة الحياة الدنيا، إذ توفاه الله.
فأول ما بدئ به من الوحي قول الله تعالى في سورة "العلق: ٩٦ مصحف/ ١ نزول":
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
ولما اشتد به وجعه قبيل وفاته ﷺ قال:
"ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده ".
رواه البخاري عن ابن عباس.
وعلمنا ما يقوله المحتضر إذ كان يقول ﷺ وهو في حالة الاختصار:
"اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" ١.
ويقول:
"اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت" ٢.
ومن النصوص التي حث فيها الرسول ﷺ على التعلم والتعليم النصوص التالية:
١- قوله فيما رواه مسلم عن أبي هريرة:
стр. 256
"ومن سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة".
٢- قوله أيضًا:
"من دعا إلى هُدًى له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا". رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة.
٣- وقوله أيضًا: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم عن أبي هريرة.
٤- ولما خطب صلوات الله عليه في حجة الوداع قال فيما رواه البخاري عن أبي بكرة:
"ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه".
أي: أكثر فهمًا واستيعابًا لمعاني ما يبلغه من الذي سمعه مباشرة من الرسول ﷺ .
٥- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" ١.
٦- وعن أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" ٢.
٧- وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 257
"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما صنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ١.
٨- وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"نضر الله امرأً، سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع" ٢.
٩- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" ٣.
ووضع القرآن للمسلمين في توجيهاته أسس حوافز المتابعة الدائمة للمعرفة، فمنها النصوص التالية:
الأول: قول الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ .
الثاني: قول الله تعالى في سورة "يوسف: ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول":
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
هذان النصان أساسان فيهما هدم للاغترار بالنفس وحفز على المتابعة.
الثالث: قول الله تعالى في سورة "فصلت: ٤١ مصحف/ ٦١ نزول":
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ .
الرابع: قول الله لرسوله في سورة "طه: ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول":
стр. 258
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
ولهذا قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم".
وهكذا تتظاهر النصوص في مصادر الحضارة الإسلامية لدفع المسلمين إلى التعلم والتعليم بشكل لا نظير له في أية حضارة أخرى، والعلم المقصود الذي تهدي إليه الحضارة الإسلامية هو العلم الذي يهدي إلى الخير، ويحذر من الشر، ومن الخير كل ما فيه كمال إنساني، في أي نوع من أنواع الكمالات المعتبرة، في أسس الحضارة الإسلامية.
стр. 259
المقولة الثانية: إجمال طرق تحصيل المعارف المختلفة
من واجبنا أن نتبين المنهج القويم الذي رسمه الإسلام للمؤمنين به في مجالات البحث العلمي.
وهنا نلاحظ أنه لما كانت المعارف المختلفة ذوات طرق، وذوات أدوات، فقد أوضح الإسلام المناهج السليمة لاكتساب المعارف، وحث على استخدام الأدوات الموصلة إليها.
فمن المعارف ما يكتسب عن طريق استخدام الحواس الظاهرة بشكل مباشر، ذلك لأن في الوجود أشياء تشاهد ألوانها وأشكالها وحجومها بحاسة البصر فتعرف، وفيه أشياء تشم أو تذاق فتعرف، وأشياء أخرى يحسها اللمس فتعرف، وفي الوجود أيضًا مدركات يشعر بها الإنسان في جسده أو في نفسه أو في فكره كاللذة والألم والحب والكراهية، والميل والنفور، والمسرة والكدر، والتفكر والتذكر والتخيل فيعرفها.
ومن المعارف ما يكتسب عن طريق التأملات الفكرية، واستنتاج حقائق غير مدركة بالحواس، بوساطة استخدام الحقائق المدركة بها استخدامًا فكريًّا مجردًا،
стр. 260
كاستنتاج وجود القوة الكهربائية من رؤية المصباح الكهربائي مضيئًا، أو رؤية الآلة الكهربائية تتحرك وتعمل، وكاستنتاج وجود القوة المغناطيسية من مشاهدة ظاهرة الجذب المغناطيسي، وكاستنتاج وجود الحياة والقوة الممدة لها من مشاهدة حركة الجسم حركة إرادية.
ومن المعارف ما يكتسب عن طريق النقول والأخبار الصادقة، التي تشهد العقول بصدقها، أو تحكم برجحان ذلك.
ومن المعارف ما يكتسب عن طريق الوحي الذي يصطفي به الله أنبياءه ورسله.
وهكذا تتعدد طرق اكتساب المعارف في حياة الناس.
والإنسان منذ بدء تكوينه يكون صفحة بيضاء خالية من آية معرفة سابقة، إلا أن فيه استعدادًا لاكتساب المعارف، ثم تبدأ واردات المعارف والعلوم تتجمع فيه منذ بدء حياته على الأرض، مارًّا بتجارب كثيرة تلامس أدوات المعرفة المنبثة في جسده، وتسمح لعقله بعد مدة مناسبة من نضج التجارب بأن يسبح في عالم التأملات.
هذه الحقيقة من حقائق الإنسان قد أعلنت عنها آية كريمة في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ .
فإعلان عن نقطة بدء المعارف التي يكتسبها الإنسان في حياته، بعد أن كان خاليًا من أية معرفة، وعندها يبدأ شريط تسجيل المعارف يتحرك بعد أن يستهل الولد صارخًا عند ولادته.
وأما قوله تعالى:
стр. 261
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ .
فإشارة إلى أدوات المعرفة التي زود الخالق بها الإنسان وأهمها السمع والبصر والفؤاد، والفؤاد هو القوة العاقلة في الإنسان، ومركز التفكير الذي تسجل فيه العلوم. ومن الأمور البدهية أن الله ﵎ لم يمنحه هذه الأدوات إلا من أجل أن يستعملها فيما خلقت له.
وأما قوله تعالى في آخر الآية:
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
فهو إعلان عن الغاية من منحه أدوات المعرفة، وتفضيله بها على كثير ممن خلق، ولن يتحقق شكر الإنسان لله على ما وهبه من نعم ما لم يتابع سيره في طريق المعرفة والعلم، دون انحراف أو شذوذ؛ لأنه متى استخدم هذه الأدوات، وسار ضمن منهج فطري سليم فإنه لا بد أن يصل إلى معرفة خالقه، ومعرفة ما أنعم به عليه، ومعرفة ما يجب عليه نحوه من شكر.
فالمراحل لا بد أن تتابع وفق خطوات البحث العلمي، وبعد ذلك يأتي تحقيق واجب الشكر بالعمل على ما يرضي الله، تطبيقًا لما توصلت إليه المعرفة، التي استخدمت فيها أدواتها.
стр. 262
المقولة الثالثة: تكريم الإنسان بأدوات التعلم ومسؤوليته بالنسبة إليها
...
المقولة الثالثة: تكريم الإنسان بأدوات التعلم ومسئوليته بالنسبة إليها
أجل تكريم كرم الله به بني آدم هو أنه سبحانه منحهم أدوات التعلم والتعرف على حقائق الأمور، وصفات الأشياء وخصائصها، وذلك ليتابعوا في حياتهم بحثهم العلمي السليم، وليكتشفوا أسرار هذا الكون الدالة على عظمة خالقه، حتى يصلوا إلى معرفة عظيم صفات الله، وجليل حكمته، ومعرفة ما يجب عليهم نحوه من طاعة وعبادة وشكر، وحتى يحسنوا الانتفاع مما بث الله لهم في هذا الكون من قوى وخيرات، كما أذن لهم، دون إفساد في الأرض، أو إضرار بالنفس أو أذى، أو ظلم وعدوان.
стр. 263
أما الذين يعطلون أدوات المعرفة التي وهبهم الله إياها، أو يستخدمونها في حدود ظواهر الحياة الدنيا فقط، ثم لا ينتقلون من ذلك إلى معرفة خالقهم ورازقهم ومفيض النعم الظاهرة والباطنة عليهم، ولا يؤمنون به، ولا يعبدونه، ولا يشكرونه، فأحر بهم أن يقال عنهم صم وبكم وعمي فهم لا يعقلون، وذلك لأنهم قد عطلوا هذه الأدوات التي منحهم الله إياها عما خلقت من أجله، فهم وفاقدوها سواء، وأولئك شر الدواب عند الله، قال تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ .
وأولئك هم المحكوم عليهم بالعذاب الدائم في جهنم، قال تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ .
وإنما كانوا أضل من الأنعام لأن لديهم أدوات المعرفة، فعطلوها عما حلقت من أجله، أما الأنعام فإنها لم تمنح الأداة الكبرى للمعرفة التي يكون بها التفكير والفهم والعقل، لذلك فهي غير مسئولة عن شيء ليس لديها أداته.
ولما وضع الله الإنسان المكلف موضع المسئولية عن كل تصرف من تصرفاته الإرادية نبه على أن المناط الأول للمسئولية هي أدوات المعرفة التي لديه، وأن اتباعه، ما ليس له به علم يُعرض هذه الأدوات للسؤال بين يدي الله، ولمناقشة الحساب، قال الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/٥٠ نزول":
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ .
أي: لا تتبع أيها الإنسان في أي أمر من أمور حياتك ما ليس لك به علم، إن لديك من أدوات المعرفة ما تستطيع به التبصر في الأمور، فإذا اتبعت ما ليس
стр. 264
لك به علم فقد عطلت أدوات المعرفة التي لديك، لذلك فلا بد أن تكون هذه الأدوات مسئولة عن تأدية وظائفها الفطرية، أي: لا بد أن تكون أنت المسئول أيها الإنسان؛ لأن هذه الأدوات جزء من كيانك.
فيقال للسمع: ألم تأتك أنباء المرسلين؟ ألم تسمع كلام الله؟ ألم ترشدك النصائح والنذر؟ فكيف اتبعت ما ليس لك به علم من وساوس الشياطين، ويقال له نحو ذلك في أمور الدنيا.
ويقال للبصر: ألم تشاهد آيات الله في خلق الإنسان؟ وآياته في الأرض؟ وآياته في السماء؟ فكيف اتبعت ما ليس لك به علم من مغربات الحياة الدنيا؟ ويقال له نحو ذلك في أمور الدنيا.
ويقال للفؤاد: ألم تستنتج من كل هذه الواردات التي وردت إليك عن طريق السمع والبصر وسائر الحواس من دلائل وجود الله وقدرته وعظمته وحكمته وعدله ما يكفيك للإيمان به ومراقبته، والقيام بواجب شكره، وإتباع رسله، والالتزام بشريعته التي أنزلها لعباده؟ فكيف اتبعت ما ليس لك به علم من ضلالات الأهواء؟ ويقال له نحو ذلك في أمور الدنيا التي أهملها فلم يبحث فيها على مقدار استطاعته، ليكتشف خصائص الأشياء وصفاتها، وكوامن طاقاتها، بغية الانتفاع بها في خيره وخير الإنسانية جمعاء، وكان جزاؤه في الدنيا حرمانه من خيراتها.
وهكذا وقفت نصوص الشريعة الإسلامية موقف التحريض الشديد على المعرفة، وإلقاء كامل المسئولية على الإنسان إذا هو اتبع ما ليس له به علم.
стр. 265
المقولة الرابعة: مكافحة الإسلام التقليد الأعمى
لما اعتمدت الحضارة الإسلامية على المعارف الحق واكتسابها عن طريق التعلم والتعليم، بالوسائل والطرق المنطقية السليمة، كان من الطبيعي فيها أن تذم طريقة التقليد الأعمى، وتنفر منها، وتوبخ ملتزميها، وتعلن أن هذه الطريقة هي طريقة الجاهلين، وطريقة الذين لا يعقلون، وأنى لهؤلاء أن يكونوا من المهتدين.
وللتقليد في حياة الإنسان قصة ذات وجهين:
الوجه الأول: وجه بصير، فيه منفعة للإنسان وخير.
الوجه الثاني: وجه أعمى تقوده العصبية المقيتة، أو تسوقه الرعونة الحمقاء.
أما البصير منهما فيختصر لصاحبه الزمن، إذ يعمل على امتصاص المعارف والعلوم الحق، التي سبقه إليها الكادحون في قرنه، أو في القرون الأولى، ويعمل على تقليدهم فيما توصلوا إليه من فضائل وخيرات حسان، وذلك بعد تمحيصها، والتبصر فيها، ونقدها نقدًا فكريًّا وتجريبيًّا. ومثلهم في ذلك كمثل تجار الجواهر الذين تتجمع لديهم أكوام مختلفة من كنوز البر والبحر، وهذه الأكوام قد عمل في جمعها واكتشافها ألوف مؤلفة من الغواصين والمنقبين الكادحين، فيضعون هذه الأكوام، ويمنحنونها حبة فحبة، فما وجدوه منها جوهرًا شريفًا حرصوا عليه واشتروه، وما وجدوه منها حسيسًا وضيعًا نفوه ورفضوا وتركوه لصاحبه.
فإذا كان التقليد على مثل هذه الصورة فهو تقليد بصير حكيم، وسبيل قريب من سبل جمع المعارف والفضائل والخيرات، ولئن كان هذا النوع من الاقتباس تليدًا في أول طريق البحث فإنه ليس تقليد بعد البحث والنقد والاختبار والتمحيص؛ لأنه التزام بالحق بعد معرفته، سواء كان ملتزمه صاحب ابتكار له أم اكتشاف، أم كان غيره هو المبتكر أو المكتشف له، ولكنه نظر فيه فاستحسنه ووجده حقًّا فالتزمه.
وأما الوجه الأعمى للتقليد، فهو إحدى المصائب الكبرى التي تنحرف بها عن الحق معظم المجتمعات الإنسانية، وذلك لأن الإنسان حينما ينشأ في بيئة من البيئات الاجتماعية لا بد أن يكتسب منها عن طريق التقليد معارف ومهارات
стр. 266
وعادات وأخلاقًا كثيرة، ومن هذه المكتسبات ما هو حق، ومنها ما هو باطل، ومنها ما هو صالح، ومنها ما هو فاسد، ومنها ما هو خير ومنها ما هو شر، وبمقتضى نشوئه في هذه البيئة يتكون في نفسه إلف لها مهما كان وضعها؛ إذ يعتبر نفسه جزءًا من هذه البيئة الاجتماعية يتكون لديه بدافع الأنانية الذاتية خلق التعصب لأهله وعشيرته وقومه، وسائر من هم في بيئته، وجميع ما هو في بيئته من مفاهيم وعادات وأخلاق؛ لأنه بتعصبه هذا يحاول أن يدافع عن كيانه الذاتي من وجهة نظره المنحرفة عن منهج التفكير السليم، دون أن يسمح لعقله المتجرد عن مؤثرات البيئة أن يبحث ويناقش، ويميز بين الحق والباطل، والصالح والفاسد، والخير والشر.
وقد يفتتن بعض الناشئين بالمظاهر المادية المغرية التي يأتي بها الغزاة الأقوياء، فيتعلقون بهم، مقلدين لهم، في كل ما يجدونهم عليه، ولو كان معظمه ضلالة وشرًّا.
فإذا نوقش المقلدون تقليدًا أعمى لتعديل اتجاههم:
فإن كانوا من المبهورين بالغزاة قالوا: إننا نجاري الركب الحضاري المتقدم. ولدى التبصر في حقيقة أحوالهم نجدهم يتساقطون وهم عمي في شباك الصيد التي وضعها عدوهم وعدو أمتهم وحضارتهم في طريقهم، ليزيد من تخلفهم وتخلف أمتهم، ولكن في لباس تقدمي، ثم ليستخدمهم أجراء عنده، ويضمهم إلى جنوده المغفلين. وإن كانوا من المقلدين تعصبًا لما كان عليه آباؤهم وقومهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على طريقة وإنا على آثارهم مقتدون.
وهذا النوع الأخير من التقليد هو الذي كان عليه الجاهليون لما أشرق عليهم الإسلام بنوره المبين، وهنا وجدنا الإسلام قد وقف صارخًا بشدة وعنف وتبكيت في وجه هؤلاء، قال الله تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول": ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ .
وقال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ .
أي: فكيف يقتفون آثار آبائهم دون تبصر بما كانوا عليه؟ أو ليس من المحتمل أن آباءهم كانوا لا يعملون شيئًا، ولا يعقلون شيئًا، ولا يهتدون؟
وهل يجوز للعاقل الذي يملك أدوات المعرفة أن يتبع الجاهلين الضالين.
стр. 267
المقولة الخامسة: تفصيل طرق اكتساب المعارف والعلوم
لدى تفصيل طرق اكتساب المعارف والعلوم لا بد لنا من أن نُخصي الطرق التي يسلكها الناس بشكل عام، لنعرف ما هو سليم منها ومقبول، وما هو فاسد ومرفوض.
لا بد لنا من معرفة أن الحضارة الإسلامية لم تقبل من الطرق إلا ما كان منها مؤذيًا إلى يقين أو ظن راجح، ولم تقبل في أسس العقائد إلا ما جاء من طريق اليقين، أما ما يسلك مسالك الشكوك والأوهام والتخيلات والتقاليد العمياء فإن الحضارة الإسلامية ترفضه رفضًا باتًّا، ولا تقبل بحال من الأحوال أن يكتسب الناس معارفهم بشيء من ذلك.
وبهذه اللمحة الإجمالية يتضح لنا أن الطرق ثلاثة:
الطريق الأول:
الطريق المنطقي السليم وهو ما يسلك مسالك اليقين الذي لا يقبل احتمال الخطأ.
الطريق الثاني:
الطريق المقبول بوجه عام، مع ملاحظة أنه قد يحتمل الخطأ، وهو ما يسلك مسالك الظنون الراجحة.
стр. 268
الطريق الثالث:
الطريق المزيف المرفوض، وهو ما يسلك مسالك الشكوك والأوهام والتخيلات والتقاليد العمياء، وكل فكرة تعبر إلى فكر الإنسان من هذا الطريق إنما هي فكرة مرفوضة وإن كانت قد تحتمل الصواب توهمًا؛ لأن المعارف والعلوم لا يصح أن نثبتها بمجرد التوهم، أو التخيل، أو الشك، أو التقليد، ما لم تدعم ذلك أدلة تثبتها بيقين، أو بظن راجح على أقل تقدير.
وفيما يلي شرح لهذه الطرق:
الطريق المنطقي السليم:
هو الطريق الذي يوصل إلى علم يقيني في أي أمر من الأمور الحسية أو غير الحسية، من عالم الشهادة أو من عالم الغيب. ولهذا الطريق مسالك أهمها المسالك التالية:
الأول: مسلك الإدراك الحسي القاطع الذي يفيد العلم اليقيني.
الثاني: مسلك الاستدلال العقلي الذي يفيد العلم اليقيني.
الثالث: مسلك الخبر الصادق الذي يفيد العلم اليقيني.
وفيما يلي معالجة لهذه المسالك بيان يوضح حقيقتها، ويعرض طائفة من أمثلتها.
أ- أما مسلك الإدراك الحسي القاطع، فهو المسلك الذي يعتمد على ما تنقله الحواس الظاهرة والباطنة فينا، من صور الأشياء والمعاني المنبثة في الوجود، إلى ساحة الإدراك الفكري، وبتكرار نقل هذه الصور مع اليقين بسلامة الحواس من الخلل، وشهادة توافق الناس في الإحساس نفسه، تغدو هذه الصور حقائق ثابتة من خزائن المعارف الفكرية لدينا.
ومن أمثلة ذلك علمنا بذواتنا، وبالأرض وبالسماء من حولنا، وبما نحسه فيهما من أجسام، وأشكال، وحركات، وسكنات، وألوان، وأصوات، وروائح، وطعوم، وحرارة، وبرودة، وخشونة، وملاسة، وصلابة، ولين، وثقل وخفة، وضغط وانفراج، ونحو ذلك مما نجسه بحواسنا الظاهرة.
стр. 269
ومن أمثلة ذلك أيضًا علمنا بما نحس به من لذة وألم، وانشراح وانقياض، وهو وأمل، واستحسان واستقباح، ومسرة وحزن، وحب وكراهية، وميل ونفور، وفرح وغيظ، ورحمة وشفقة وحنان، أو حقد ورغبة بالانتقام، وتفكر وتذكر وتخيل، ونحو ذلك مما نحسه في داخلنا بحواس باطنية فينا.
ومتى وصلت صورة الإدراك الحسي إلى درجة القطع والجزم بما أدركناه دخلت هذه الصورة ضمن الحقائق العلمية التي لدينا، بشرط أن تكون أجهزتنا التي أدركتها سليمة من الخلل، ويشهد بسلامتها أن يتفق جمع من الناس سليمي الحواس على هذه الصورة الحسية نفسها.
ب- وأما مسلك الاستدلال العقلي القاطع الذي يفيد العلم اليقيني فهو المسلك الذي يعتمد على العمليات العقلية التحليلية، والتركيبية، والقياسية، والاستنتاجية، مع استفادة العقل في كل ذلك مما نقلته الحواس إليه من صور الأشياء والمعاني المنبثة في الوجود.
وبعد عمليات التخليل والتركيب والقياس والاستنتاج القطعية تتبلور النتائج لدى العقل بصورة علم جديد.
ولا يقبل في هذا المسلك من مسالك الطريق المنطقي السليم إلا العمليات العقلية القطعية التي لا تحتمل الخطأ.
ونستطيع أن نلاحظ أن كثيرًا من علومنا ومعارفنا القطعية إنما اكتسبناها بهذا المسلك العقلي الجازم.
ومن أمثلة ذلك استنتاجنا العقلي بأن عدد الألف أكثر من عدد المائة، وأن كل الشيء أكبر من جزئه، وأن الشيء الواحد بالذات لا يمكن أن يكون في مكانين بآن واحد، وأن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون موجودًا ومعدومًا بشكل فعلي في وقت واحد، وأن حاصل ضرب عدد بعدد أو طرح عدد من عدد أو قسمة عدد على عدد يساوي كذا.
ومن أمثلة ذلك أيضًا كثير مما نستنتجه في حياتنا الدائمة من خلال بعض
стр. 270
الظواهر التي نحسها، كعلمنا بأن طارقًا ما طرق الباب علينا، حينما نسمع حلقة الباب تعطي صوتًا معينًا، وأن سببًا ما قذف الحجر حينما نرى الحجر مر في الفضاء واستقر في فناء الدار، وأن متعمدًا بَيَّت أمرًا ما حينما نرى انفجارًا وقع في مكان محروس لا توجد فيه متفجرات، وتحقق لدينا أنه لا يحتمل أن يكون من سبب آخر.
وظاهر أن هذه الاستنتاجات تعتمد على حقائق فكرية لدينا اكتسبناها من اختبارات طويلة الأمد في الحياة، مع فطرة مركوزة فينا، وهي أن المسببات لا بد لها من أسباب قد أثرت فيها.
ومن أمثلة ذلك أيضًا القوانين والقواعد الرياضية والهندسية، والقوانين والقواعد المنطقية، والقوانين الفلسفية، والسنن الكونية الثابتة، فهذه القوانين والقواعد والسنن قد تم استنتاجها عن طريق العقل، بعد الملاحظة والاختبار والتجربة الكافية لإثبات الحقائق القطعية.
ألسنا نلاحظ أن هذه الاستنتاجات العقلية في حدودها القطعية تفيدنا العلم اليقيني؟
ومن أجل ذلك كان هذا المسلك القاطع من المسالك التي تعتمد عليها الحضارة الإسلامية، وتوجه الناس لاكتساب معارفهم وعلومهم بها.
وهنا نلاحظ أن أصول الحضارة الإسلامية تلح على وجوب تتبع الظواهر الحسية بالملاحظة الدقيقة، وبالتجربة والاختبار، والاستقراء الشامل قدر الإمكان، لاستخلاص الحقائق الكامنة وراء الظواهر، واستنتاج القواعد العامة، والمعارف الكلية منها، إضافة إلى المعارف والعلوم الجزئية التي تقدمها لنا ظواهر الأشياء، بشكل مباشر، أو قريب منه.
ج- وأما مسلك الخبر الصادق القاطع الذي يفيد العلم اليقيني، فهو المسلك الذي يعتمد على شهادة المخبرين الصادقين الذين يستحيل عقلًا اتفاقهم على الكذب، أو يعتمد على شهادة نبي من الأنبياء المؤيدين من عند الله بالمعجزات الباهرات.
стр. 271
وهنا نلاحظ أنه قد يقوم برهان العقل على أن مخبرًا ما فردًا، كان أم جماعة صادق قطعًا فيما يخبر به، فيمر خبره على مراكز الإدراك، للتأكد من صورة الخبر، وفهم المراد منه، ثم ينتقل مباشرة فيكون علمًا يقينيًَّا.
الخبر المتواتر:
كلنا نعلم علمًا يقينيًّا بوجود بلاد معينة نائية عنا، وبوجود حيوانات معينة غريبة عن بلادنا، دون أن نرى هذه البلاد، وهذه الحيوانات، ودون أن نستطيع بطريق العقل استنتاج وجودها، وإنما وصلت إلينا الأخبار المتواترة بذلك.
وكذلك نعلم علمًا يقينيًّا بقيام الحرب الكونية الأولى ونحن لم نحضر هذا الحرب، ولم نشاهد وقائعها، وإنما علمنا بها عن طريق الأخبار المتواترة.
ولو جاءنا مكذب لهذه الحقائق لكذبناه أو استسخفناه بلا أناة؛ لأنه في نظرنا يكابر في إنكار الحقائق المشهود لها بأدلة لا تحتمل الرفض.
ومن هذا نرى أن الأخبار المتواترة تفيدنا العلم اليقيني بداهة، والأخبار المتواترة هي الأخبار التي ينقلها جمع من المخبرين يستحيل في العقل اتفاقهم على الكذب، ومن المستقر في نفوسنا أنه لا يمكن أن تتفق على صورة كذبة واحدة كثرة كاثرة من المخبرين اختلفت أحوالهم وتباينت أغراضهم، وهم في حالة لا يجمعهم فيها على الكذب جامع.
ولهذا نجد أنفسنا مضطرين عقلًا أن نقبل خبر الذين لا يمكن عقلًا اجتماعهم على الكذب، وأن نعتقد به حقيقة واقعة غير قابلة للشك، وإلا حرمنا أكثر العلوم والمعارف، وحرمنا إدراك أية حقيقة من حقائق التاريخ.
خبر الرسول:
ولقد ثبت لدينا عقلًا صدق خبر النبي فيما أخبر به عن الله تعالى، من أحكام وتشريعات، وفيما أخبر به من أمور الغيب، وثبت لدينا أيضًا أن خبره
стр. 272
يفيدنا العلم اليقيني قطعًا؛ لأن النبي ﷺ مشهود له من قبل الله بلسان حال المعجزة التي أجراها الله على يديه أنه صادق فيما أخبر به عن ربه؛ لأنه أخبر عن وحي، وكل ما يأتي به الوحي حق لا شك فيه؛ لأن الله تعالى منزه عن الكذب، ولا يمكن أن يأذن لملك من ملائكته بأن يكذب عليه جل وعلا.
وبهذا يتبين لنا أنه يجب عقلًا تصديق الرسول في كل ما أخبر به من أحكام الشريعة، ومن أمور الغيب؛ لأنه يفيد العلم اليقيني، سواء أخبر به في نص آية من كتاب الله أم أخبر به بكلام من عنده، لا فرق في ذلك مطلقًا.
فأصحاب الرسول الذين عاصروه ما كانوا يفرقون قط في التسليم بما يبلغه الرسول إليهم من أحكام وغيوب، بين آية قرآنية يرويها وبين حديث يقوله من عنده.
وأما بالنسبة إلينا فإذا لم نسمع من الرسول مباشرة بل سمعنا ممن رووا عنه -والذين رووا عنه ليسوا بمعصومين- وجدنا أنفسنا بحاجة إلى أن نفرق بين ما نقل إلينا عن الرسول بطريق متواتر يفيد العلم اليقيني، وبين ما نقل إلينا بطريق غير متواتر لا يفيد العلم اليقيني.
وبعد البحث والاستقرار رأينا أن كتاب الله تعالى الذي وصل إلينا بروايات القراء العشرة بكل ما فيه منقول إلينا بطريق التواتر الذي يفيد صدق النقل عن الرسول قطعًا، وهذا يفيدنا العلم اليقيني بأنه كلام الله تعالى قطعًا.
وأما أحاديث الرسول صلوات الله عليه فبضعها منقول بالتواتر الذي يفيد العلم اليقيني، وأكثرها منقول بما دونه، لهذا وجب علينا أن نفرق بينها، نظرًا لاحتمال الخطأ أو الكذب، فيما لا يتضمن منها إفادة العلم اليقيني بصدق الخبر، أي: لم ينقل إلينا بالتواتر اللفظي أو المعنوي.
المتواتر من الأخبار:
ما يرويه جمع عن جمع حتى مصدر الخبر يستحيل عقلًا تواطؤهم على الكذب في كل حلقات سلسلة الإسناد.
стр. 273
وسيأتي إن شاء الله تأييد هذا الكلام عن الأخبار، بالنصوص والشواهد القرآنية عند الكلام عن منهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية.
الطريق المقبول بوجه عام:
هو الطريق الذي يفيدنا ظنًّا راجحًا بتحقق ما توصلنا إليه من معارف بسببه، ولا يفيدنا علمًا يقينيًّا مقطوعًا به، بل تظل النتائج قابلة في عقولنا لاحتمال الخطأ ولو كان الاحتمال ضعيفًا.
ومسالك هذا الطريق المقبول مشابهة لمسالك الطريق المنطقي السليم، إلا أنها دونها في قوة إثبات الحقائق العلمية، وبما أننا لا نستطيع أن نثبت حقيقة علمية إلا بأدلتها، فإن المدركات الفكرية مهما كانت محببة لنا منوطة بأدلتها قوة وضعفًا، فإذا كان الطريق إليها طريقًا يقينيًّا، والدليل عليها دليلًا قاطعًا كانت حقائق يقينية في عقولنا، وإذا كان الطريق إليها طريقًا ظنيًّا، والدليل عليها دليلًا غير قاطع، لكنه قوي، كانت معارف ظنية مقبولة، إلا أنها تحتمل الخطأ نظرًا إلى دليلها غير القاطع. وقد تكون في واقع حالها من الحقائق الثابتة، إلا أنه ليس في أيدينا دليل على ذلك، وربما تكون أمرًا باطلًا، إلا أن عذرنا في الأخذ بها واعتمادها اعتمادًا غير قطعي، أن دليلها جعلها راجحة على الاحتمالات المضادة لها، ونحن مكلفون عقلًا وشرعًا أن نعمل بالراجح.
أما إذا كان الطريق إليها طريقًا ضعيفًا والدليل عليها دليلًا وهميًّا أو تخيليًّا أو تقليديًّا فإنها يجب أن تبقى في حدود الوهميات والتخيليات التي لا دليل عليها، وأن تظل قيد البحث والتتبع ما لم تقم الأدلة اليقينية على رفضها، فإنها عند ذلك يجب أن تنسخ من التوهم والتخيل نسخًا نهائيًّا، وتوضع مع أكوام المقطوع بنفيها.
وفي تفصيل مسالك الطريق المقبول الذي يفيدنا الظن الراجح، وتظل النتائج المدلل عليها به عرضة لاحتمال الخطأ، نلاحظ أن أهمها المسالك التالية:
стр. 274
المسلك الأول: مسلك الإدراك الحسي الذي لم يبلغ مبلغ التحقق الكامل، وذلك لنقص بعض شروط الإدراك الحسي التام، ولكنه يغلب على الظن صدقه. كأن تحصل رؤية سريعة لا تسمح بالتحقق الكامل، وكأن تكون الرؤية في ضوء غير كاف للتحقق الكامل، وكأن تكون مع الرؤية زوغان في البصر، إلى غير ذلك من أحوال، لا تستكمل فيها شروط الرؤية التامة.
ويقال نظير ذلك في حواس السمع والشم والذوق واللمس، وكذلك في الحواس الباطنة، فقد لا يكون الإنسان في حالة نفسية مستكملة شروط التحقق من إحساساته الوجدانية، فلا يستطيع أن يجزم جزمًا كاملًا بما أدرك منها، ولكنه قد يصل إلى درجة الظن الراجح، وهذا الظن الراجح كاف للعمل، إلا أنه يحتمل النقص ولو بنسبة ضعيفة، وذلك نظرًا إلى أنه قد كان منذ حصول الإدراك عرضة لاحتمال الخطأ.
المسلك الثاني: مسلك الاستدلال العقلي الذي لا يبلغ مبلغ التحقق الكامل من النتائج التي تحصلت به، ولكن فيه من القوة ما يفيد غلبة الظن بصحة ما تحصل به، وذلك نظرًا إلى الأدلة والأمارات التي أرشدت العقل إلى هذه النتائج.
ومن أمثلة ذلك ما تدل عليه الآثار والكتابات من أحوال الأمم السابقة وما تدل عليه آثار الجريمة التي تشير إلى شخص بعينه، وما تدل عليه ظواهر الأشياء من قوانين تتحكم بها، فإن مثل هذه الأدلة لا توصل العقل إلى درجة اليقين في كل ما تدل عليه، ولكنها قد توصله إلى درجة غلبة الظن.
ومن أمثلة ذلك في العلوم استخلاص القواعد الكلية من الاستقراءات الناقصات، والاختبارات والتجارب المحدودة، واستخلاص الأحكام الفقهية من الاستنباطات الاجتهادية، التي هي عرضة لاحتمال الخطأ، فإن مثل هذه الأدلة لا توصل في الغالب إلى درجة اليقين، ولكنها قد توصل إلى درجة غلبة الظن، ونتائج هذا المسلك مقبول في العمل، ما لم يأت ما هو أقوى منها، نظرًا إلى الاستدلال.
стр. 275
المسلك الثالث: مسلك الخبر الذي لا يبلغ مبلغ القطيعة، إلا أن احتمال الصدق فيه أقوى وأرجح من احتمال الكذب، كأن يروي الخبر رجل واحد صادق أو رجلان أو أكثر دون الحد الذي يفيد القطع والجزم بيقين، والخبر من هذا القبيل يفيد غلبة الظن بأنه حق وصدق، إلا أن غلبة الظن هذه لا تنفي احتمال الخطأ أو الكذب في الخبر نفيًا كليًّا، بل تجعله احتمالًا ضعيفًا.
ومن أمثلة ذلك شهادة شاهدين عدلين بحق من الحقوق المالية، فإن هذه الشهادة لا تفيد علمًا يقينيًّا قاطعًا بثبوت الحق المشهود به، ولكنها تفيد غلبة الظن، وغلبة الظن كافية لإثبات الحقوق بين الناس.
وبهذا البيان رأينا أن مسالك الظنون الراجحة لا توصل الإنسان إلى علم يقيني، وإنما قد توصله إلى ظن راجح.
الطريق المزيف المرفوض:
وهو الطريق الذي يسلك مسالك الشكوك والأوهام والتخيلات والتقاليد العمياء، وهذا الطريق بكل مسالكه لا يفيد علمًا يقينيًَّا ولا ظنًّا راجحًا، ولكنه طريق يطرح بين يدي العقل فروضًا واحتمالات قابلة للبحث والتتبع وتجميع الأدلة حولها، وللعقل بعد البحث أن يجزم برفضها رفضًا نهائيًّا، أو يحكم بترجيح غيرها عليها، أو يتركها قيد البحث والمتابعة، ولن ترقى هذه الفروض والاحتمالات عن واقعها هذا ما لم تدعمها أدلة من مسالك اليقين، أو أدلة من مسالك الظن الراجح.
وكثير من الجهلة بطرق اكتساب المعارف والعلوم يسمحون لعقولهم بأن تتقبل الشكوك والأوهام والتخيلات والتقاليد العمياء، وتدخلها ضمن معارفها وعلومها الثابتة.
ولهذا الطريق مسالك مشابهة لمسالك طريقي اليقين والظن الراجح، وأنواع أخرى زائدة عليها تأتي من التوهم والتخيل المحضين، لكنها جميعًا لا تفيد علمًا
стр. 276
ولا معرفة مقبولة، ولو في أدنى حدود القبول، وذلك لأنها لا تحتوي على أدلة مرجحة، فضلًا عن أنها تحتوي على أدلة تفيد العلم اليقيني.
ومن أمثلة ذلك الفكرة التي كانت شائعة عند الفلاسفة في تعليل كيفية رؤية الأشياء بالأبصار؛ إذ إنهم كانوا يتوهمون أن الشعاع يتجه من الأبصار إلى الأشياء القابلة للرؤية، فإذا مسها ذلك الشعاع رأتها الأعين، فهذه الفكرة عند الفلاسفة ليس لها مستند من الدليل إلا مجرد التوهم والتخيل وترجيح أحد الاحتمالين المتساويين من دون مرجح، ولما جاء المسلمون صححوا هذه الفكرة بالدليل المرجح، فأثبتوا أن أشعة الأضواء الكونية هي التي تصطدم بالأشياء فتنعكس عنها فتراها الأعين، وجاءت العلوم الحديثة فأيدت ما أثبته المسلمون.
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما يحدث لي ويحدث لغيري كثيرًا، نكون في محطة من محطات قطارات السكة الحديدية، فنركب أحد القطارات الواقفة، وفي جواره قطار آخر واقف أيضًا، فيسير القطار المجاور فنتوهم أن قطارنا هو الذي مشى، وقد يسير قطارنا فنتوهم أن القطار المجاور لنا هو الذي سار، فالذي يسمح لتوهماته أن تسيطر عليه دون أن يمتحنها بالدليل سيسجل ضمن معارفه الثابتة أوهامًا كثيرة يظنها علومًا، بيد أن المنطق السليم الذي رسم الإسلام لنا منهجه لا يقبل ذلك بحال من الأحوال.
وإذا استعرضنا معارف الأمم والشعوب القديمة والحديثة وجدنا فيها خرافات كثيرات، وأوهامًا لا حصر لها، وإذا تتبعنا أصول هذه الخرافات والأوهام وجدنا أن مصدرها مستند إلى توهم أو تخيل أو تزوير من مضلل ذي مصلحة، أو مستند إلى انحراف عن أصل صحيح، أو نحو ذلك، ثم استمرت هذه الخرافات والأوهام في أجيال تلك الأمم والشعوب بعامل التعصب المقيت، والتقليد الأعمى.
وأكثر الخرافات والأوهام انتشارًا في الشعوب تلك التي تدعمها نزعات سياسية معينة، سواء ظهرت بثوب معتقدات دينية، أم روايات تاريخية، أم أفكار واتجاهات إلحادية، أم مذاهب اجتماعية أم اقتصادية، وشياطين المصالح الخاصة هم الذين يزينون الأوهام والخرافات للناس، ويلبسونها الشعارات المحببة، بوساوسهم ودسائسهم، وذلك كي يسلموا بها ويعتقدوها، ويندفعوا لتأييدها جنودًا مطيعين، وبتأييدها والاندفاع وراءها ينال شياطين المصالح الخاصة ما يأملون من مال أو سلطان أو شهوات.
وحرصًا على سلامة الناس من الزيغ الفكري وضع الإسلام المنهج السليم لاكتساب المعارف والعلوم وحذر تحذيرًا شديدًا من اتباع الأوهام والخرافات، وأمر باجتناب كثير من الظن، وأثبت أن بعض الظن إثم.
стр. 277
المقولة السادسة: نظرات من خلال النصوص الإسلامية حول اكتساب المعارف والعلوم
لما دفعت أسس الحضارة الإسلامية الناس إلى اكتساب المعارف والعلوم؛ إذ هي من الوسائل الأولى لنباء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا، ولما حثتهم على سلوك الطرق السليمة للمعرفة، واستخدام مختلف أدوات المعرفة التي وضعها الله بين يدي الإنسان، أخذت بأيديهم في طريق العلم، وأنارت لهم المسالك، وطرحت مبادئها وأسسها وأحكامها للبحث والمناقشة، وفتحت صدرها لكل باحث ينشد الحقيقة، مستفسرًا أو مناقشًا أو معترضًا.
وتمشيًا مع هذا المبدأ وجدنا الإسلام حينما يدعو الناس إلى الإيمان بالله وعظيم صفاته، يحثهم على استخدام وسائل المعرفة ليهتدوا إلى هذه الحقيقة الأولى والكبرى من حقائق الدين استنباطًا من الأدلة الكثيرة التي بثها الله في كونه الكبير، ثم أخذ بأيديهم في طريق العلم يناقشهم حول الأسس والأحكام الإسلامية، ويقيم لهم الأدلة، ويضرب لهم الأمثال، ويبين لهم حقائق الأمور، ويعلمهم ما فيه خيرهم، ويهديهم إلى سبل سعادتهم، ويضع لهم أنظمة حياتهم، ويحضهم على استنباط الأحكام من نصوص كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله عليه، ويعلن لهم أن رسالته إنما يعقلها العالمون؛ لأنها مجموعة من الحقائق المشهودة والغيبية والتشريعية، ومجموعة من البيانات التعليمية والتربوية، وكلها
стр. 278
مواد علمية لا تدرك إلا باستخدام أدوات المعرفة، ولذلك كانت النصوص القرآنية زاخرة ببيان أن رسالة الإسلام إنما هي لقوم يعلمون، ولقوم يعقلون، ولقوم يتفكرون، ولقوم يتذكرون، ونحو ذلك.
فمن النصوص القرآنية في ذلك النصوص التالية:
١- قول الله تعالى في سورة "الروم: ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول":
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
فالله جل وعلا يفصل الآيات لقوم يعقلونها، ويفهمون دلالتها، ويتبصرون فيها؛ لأنهم في أحوالهم العادية قوم يعقلون الأمور، ويأخذونها عن تبصر وروية.
٢- وقول الله تعالى في سورة "العنكبوت: ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول":
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ .
أي: فالعالمون هم المقصودون بضرب الأمثال القرآنية؛ لأنهم هم الذين يعقلونها، ويفهمون الغاية منها، أما الذين يعطلون أدوات المعرفة فيهم، ويضعون الأغشية على أسماعهم وأبصارهم وعقولهم، فليسوا جديرين بأن يعقلوها، أو يفهموا الغاية منها، أو يعملوا بهديها إذا هم فهموا معانيها والغاية منها.
٣- وقول الله تعالى في سورة "النمل: ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول":
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
لقد ورد هذا النص في معرض قصة الرهط التسعة من ثمود الذين تحالفوا على أن يمكروا بنبيهم صالح ﵇، فيفتكوا به وبأهله مستخفين، دون أن يشعر بهم أحد من أقربائه ونصرائه، فدمرهم الله وقومهم أجمعين.
وبدهي أن الاعتبار بالأحداث غابرها وحاضرها صفة من صفات العقلاء الذين يستخدمون عقولهم في البحث، وينتهون إلى التبصر بالحقائق العلمية،
стр. 279
ومن الحقائق العلمية سنن الله التي لا تبديل لها في مجرى الأحداث الكونية، وهذا التبصر من أرقى مسالك العلم التي يسلكها العلماء.
ونظرًا إلى مكانة البحث العلمي في أسس الحضارة الإسلامية وجدنا القرآن الكريم يحيل الناس في تدبر آياته على الذين يحسنون الفهم والاستنباط من علماء المسلمين، قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا﴾ .
ويدخل في ذلك أيضًا كل ما يكون مستند العلم فيه الاستنباط والتدبر ومن أجل ذلك ينبغي الرجوع في كل أمر إلى ذوي الاختصاص فيه الذين يحسنون تدبره، واستنباط المعلومات النافعة منه.
ونظرًا إلى مكانة الحفظ العلمي أمر القرآن المجيد الذين لا يحفظون المسائل العلمية التاريخية أو غيرها أن يسألوا أهل الذكر الموثوقين بأمانتهم وصدقهم، وأهل الذكر هم العلماء الحافظون الموثوقون، قال الله تعالى في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
أي: فاسألوا أهل العلم الحافظين أنباء الرسل السابقين، وتبينوا منهم كيف كانت أحوالهم، ويدخل في عموم سؤال أهل الذكر سؤال العلماء الحافظين الموثوقين، عن كل أمر يكون مستند العلم فيه الحفظ والتذكر، وذلك في مختلف مجالات العلوم والأخبار.
стр. 280
تقسيم القرآن نتائج البحث الإنساني إلى مراتب ثلاث:
إذ تدفع النصوص الإسلامية الناس إلى استخدام أدوات المعرفة في تحصيل العلوم فإنها لا تسمح بأن يعتمد الباحث عن الحقيقة على الظنون والتكهنات التي لا ترافقها دلائل وأمارات مرجحة.
ويقسم القرآن نتائج البحث الإنساني عن الحقائق إلى مراتب ثلاث، وذلك بحسب مستوى الأدلة والأمارات التي أوصلت إلى هذه النتائج.
المرتبة العليا:
وهي مرتبة اليقين، ويتوصل الباحث إلى هذه المرتبة حينما ترتقي أدلة البحث لديه إلى مرحلة لا يخالطها احتمال كون الحقيقة على خلاف ما أدت إليه أدلة البحث.
وفيما يلي طائفة من الشواهد القرآنية:
١- لقد عبر الله على الموت باليقين؛ لأن العلم به عند جميع الناس قد ارتقى حتى انتقى معه أي احتمال آخر، فصار بذلك يقينًا، قال الله تعالى في سورة "الحجر: ١٥ مصحف/ ٤٥ نزول":
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ .
أي: حتى يأتيك الموت الذي هو يقين لا تشوبه شائبة تنزله عن هذه المرتبة العليا من مراتب المعرفة، فالموت غاية كل حي في هذه الدنيا.
٢- ولما أخبر الله بأن مكذبي الرسل لهم نزل من حميم، وتعذيب شديد بنار جهنم أكد هذا الخبر بأنه حق اليقين؛ لأنه خبر مستند إلى علم الله الحق، الذي لا يخالطه احتمال آخر، فقال الله تعالى في سورة "الواقعة: ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول": ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ .
٣- وحينما كشف الله لإبراهيم ﵇ ملكوت السماوات والأرض، فارتقت لديه أدلة البحث العلمي إلى مرحلة لا يخاطلها احتمال آخر استطاع.
стр. 281
إبراهيم أن يصل إلى مرتبة اليقين، قال الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ .
٤- ولما جاء طير الهدهد يخبر سليمان ﵇ بأنباء سبأ قال له فيما حكى الله عنه في سورة "النمل: ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول":
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ .
وذلك لأن خبره قد كان مستندًا إلى مشاهدة وسماع مباشرين.
٥- ولما كانت الأدلة التي يستطيع الإنسان الوصول إليها عن طريق البحث العلمي المتيسر له كافية للوصول به إلى مرتبة اليقين في أركان العقيدة الإسلامية، كانت دعوة الإسلام إلى الإيمان بها دعوة إلى الأخذ باليقين، قال الله تعالى في سورة "الذاريات: ٥١ مصحف/ ٦٧ نزول":
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ .
وقال تعالى في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول":
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ .
وقال سبحانه في سورة "الجاثية: ٤٥ مصحف/ ٦٥ نزول":
﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
وقال تعالى في وصف المؤمنين في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .
واليقين هو ما يسمى في مصطلح العلم الحديث: "الحقيقة العلمية" أو "القانون الثابت" أو نحو ذلك.
ولا يصل الإنسان السوي إلى اليقين ما لم تكن أدلة البحث العلمي التي استنارت له موصلة إلى درجة من التحقق لا تشوبها شائبة احتمال أن يكون الواقع على خلاف ما أوصله إليه بحثه.
стр. 282
أما حينما تقصر أدلة البحث عن أن تصل بالإنسان إلى هذه المرتبة فإن نتيجة بحثه لا تسمى يقينًا.
المرتبة الوسطى:
ومن دون المرتبة العليا التي هي مرتبة اليقين تتدرج الظنون بحسب قوتها وضعفها، وبعض هذه الظنون -وهي الظنون الراجحة- يصح الاعتماد عليها عقلًا وشرعًا، في كثير من الأمور، فيصح الاعتماد عليها في تسيير أعمال الحياة، وفي اكتساب الرزق، وفي تحصيل النظريات العلمية ذات الآثار العملية، وفي أساليب التربية والتعليم، وفي استنباط الأحكام الشرعية، وفي الحكم والقضاء، والتبرئة والإدانة؛ لأنه لا سبيل إلى اليقين التام في كل مسألة، وإلا تعطلت أمور الحياة.
وقد توسع الإسلام فسمى الظنون الراجحة نوعًا من العلم، نظرًا إلى الضرورة الملحة في حياة الناس، الداعية إلى الاعتماد عليها، والاكتفاء بها في كثير من الأمور.
ويشهد لهذا قول الله ﵎ في سورة "الممتحنة: ٦٠ مصحف/ ٩١ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
فقد جعل الله من العلم غلبة الظن التي تحصل بامتحان هؤلاء المهاجرات، والتي ترجح أنهن مؤمنات، فقال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ مع أنه لا سبيل إلى اليقين في ذلك؛ لأن حقيقة الإيمان كامنة في القلوب لا يعلمها إلا الله، ولذلك قال تعالى في الآية: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِن﴾ .
والدلائل التي تدل على الإيمان بالنسبة إلى الناس لا تعدو أن تكون ظواهر مرجحة، وقد يكون المكنون في القلوب
стр. 283
على خلاف ذلك، ومع هذا فقد جعل الله نتائج هذا الامتحان التي لا تصل إلى مرتبة اليقين، وإنما تصل إلى مرتبة الظن الراجح نوعًا من العلم، الذي يصح الاعتماد عليه، والاستفادة منه.
وهذه هي المرتبة الثانية من نتائج مراتب البحث العلمي، ولهذه المرتبة درجات، يشترط لأنواع من قضايا الحياة أعلاها، ويُكتفى في بعضها بأوسطها، ويُكتفى في بعضها الآخر بأدناها، وقد توسع الإسلام كما رأينا فسماها نوعًا من العلم، لتعذر الوصول إلى اليقين في كل مسألة.
ونستطيع أن نقول: إن معظم "النظريات" التي تقررها العلوم المادية القديمة والحديثة لا تتجاوز دائرة هذه المرتبة.
فمما يشترط له الدرجات العليا من الظن الراجح الإتهام بالزنا، فإنه يشترط لإثباته قضاء أن يشهد به أربعة شهداء، مع أن رجحان الظن يتم بشهادة شاهدين عدلين، أو شاهد واحد، ولكن الإسلام أراد الاحتياط في هذا الأمر، صيانة لأعراض الناس من الفضيحة، ولكراماتهم من الإهانة، ولأجسامهم من الحد.
وفيما يلي طائفة من النصوص القرآنية التي جاء الظن فيها، وهو من درجات هذه المرتبة الوسطى المقبولة، نظرًا إلى أنه من الظنون الراجحة:
١- قول الله تعالى في معرض الحديث عن داود ﵇ في سورة "ص: ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول":
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ .
فقد كان ظن داود ظنًّا راجحًا مقبولًا، اعتمد فيه على دلائل قوية.
٢- وقول الله تعالى في سورة "القيامة: ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول":
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ .
стр. 284
فظن الموت عند وصول الروح إلى التراقي ظن راجح، مع احتمال عودتها بقدرة الله، واستمرار الحياة، ولكنه احتمال مرجوح.
٣- وقول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
فظنهما أنهما سقيمان حدود الله يجب أن يكون ظنًّا راجحًا مقبولًا، وهو الذي بنى عليه الشارع حكم إباحة تراجع الزوجين إلى الارتباط بعقد الزوجية مرة أخرى، بعد أن انفصلا عن بعضهما انفصالا أفضى إلى وجوب إجراء تجربة زوجية أخرى للمرأة.
المرتبة الدنيا:
ثم إن الإسلام نظر إلى الظنون المختلفة التي لا تصل إلى مرتبة الرجحان فجعلها في المرتبة الثالثة، وهي المرتبة الدنيا، ورفض الاعتماد عليها، إلا أنه سمح بأن توضع موضع الاختبار والتجربة، والدراسة ومتابعة البحث، وأن تكون عاملًا من عوامل اليقظة والتوجس والاحتياط في الأمور، أو عاملًا من عوامل التفاؤل بالخير، لشحذ الهمم، وتحريض الطاقات على العمل، وتدخل في هذا أمور الفراسة، والإمساك بخيوط الشبهات، بغية العثور على مكامن الخطر، ووسائل الإدانة بالجرائم.
ولهذه المرتبة درجات تبدأ بالظن الخفيف فالشديد، فالأشد، حتى يصل الظن إلى إشارة النصف، ومتى تجاوزها ودخل في منطقة الرجحان دخل في درجات المرتبة الوسطى المقبولة.
وعلى هذا يحمل مثل قول الله تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
стр. 285
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .
وقد اصطلح علماء المسلمين على تسمية الظنون المزجوحة "وهمًا" تمييزًا بينها وبين الظنون الراجحة، وعلى تسمية الظنون المتكافئة في قضية واحدة "شكًّا" وفي العلوم الحديثة يسمى هذا النوع من الظنون "فرضيات" سواء كانت مرجوحة أم متكافئة.
ولما كانت أنواع الظنون تتردد بين درجات المرتبة الثالثة غير المقبولة لاكتساب المعارف والعلوم، وبين درجات المرتبة الثانية المقبولة، كان من النصوص الإسلامية نصوص تورد الظن باعتباره داخلًا في درجات المرتبة الثالثة المرفوضة، ونصوص أخرى تورد الظن باعتباره داخلًا في درجات المرتبة الثالثة المقبولة، ويفصح عن ذلك قول الله تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ .
فهذا النص القرآني يأمر باجتناب كثير من الظن، ولا يأمر باجتناب الظن، إشارة إلى أن من الظنون ظنونًا راجحة مقبولة في كثير من شئون الحياة، كشئون التجارة والصناعة وغيرها، وكالأخبار التاريخية والعلمية وغيرها، وكالأقضية والتصرفات السياسية والإدارية، وكاستنباط الأحكام الفقهية الشرعية وغيرها.
ولكن الظنون الراجحة في حياة الناس أقل نسبة من الظنون الأخرى المرجوحة، ومن أجل ذلك قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ ولم يقل: اجتنبوا كل الظن، وقال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم﴾ ولم يقل: إن كل الظن إثم.
فمن النصوص التي جاء فيها الظن وهو من درجات المرتبة الثالثة