Полный текст (643 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
إبراهيم أن يصل إلى مرتبة اليقين، قال الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ .
٤- ولما جاء طير الهدهد يخبر سليمان ﵇ بأنباء سبأ قال له فيما حكى الله عنه في سورة "النمل: ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول":
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ .
وذلك لأن خبره قد كان مستندًا إلى مشاهدة وسماع مباشرين.
٥- ولما كانت الأدلة التي يستطيع الإنسان الوصول إليها عن طريق البحث العلمي المتيسر له كافية للوصول به إلى مرتبة اليقين في أركان العقيدة الإسلامية، كانت دعوة الإسلام إلى الإيمان بها دعوة إلى الأخذ باليقين، قال الله تعالى في سورة "الذاريات: ٥١ مصحف/ ٦٧ نزول":
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ .
وقال تعالى في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول":
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ .
وقال سبحانه في سورة "الجاثية: ٤٥ مصحف/ ٦٥ نزول":
﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
وقال تعالى في وصف المؤمنين في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .
واليقين هو ما يسمى في مصطلح العلم الحديث: "الحقيقة العلمية" أو "القانون الثابت" أو نحو ذلك.
ولا يصل الإنسان السوي إلى اليقين ما لم تكن أدلة البحث العلمي التي استنارت له موصلة إلى درجة من التحقق لا تشوبها شائبة احتمال أن يكون الواقع على خلاف ما أوصله إليه بحثه.
стр. 282
أما حينما تقصر أدلة البحث عن أن تصل بالإنسان إلى هذه المرتبة فإن نتيجة بحثه لا تسمى يقينًا.
المرتبة الوسطى:
ومن دون المرتبة العليا التي هي مرتبة اليقين تتدرج الظنون بحسب قوتها وضعفها، وبعض هذه الظنون -وهي الظنون الراجحة- يصح الاعتماد عليها عقلًا وشرعًا، في كثير من الأمور، فيصح الاعتماد عليها في تسيير أعمال الحياة، وفي اكتساب الرزق، وفي تحصيل النظريات العلمية ذات الآثار العملية، وفي أساليب التربية والتعليم، وفي استنباط الأحكام الشرعية، وفي الحكم والقضاء، والتبرئة والإدانة؛ لأنه لا سبيل إلى اليقين التام في كل مسألة، وإلا تعطلت أمور الحياة.
وقد توسع الإسلام فسمى الظنون الراجحة نوعًا من العلم، نظرًا إلى الضرورة الملحة في حياة الناس، الداعية إلى الاعتماد عليها، والاكتفاء بها في كثير من الأمور.
ويشهد لهذا قول الله ﵎ في سورة "الممتحنة: ٦٠ مصحف/ ٩١ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
فقد جعل الله من العلم غلبة الظن التي تحصل بامتحان هؤلاء المهاجرات، والتي ترجح أنهن مؤمنات، فقال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ مع أنه لا سبيل إلى اليقين في ذلك؛ لأن حقيقة الإيمان كامنة في القلوب لا يعلمها إلا الله، ولذلك قال تعالى في الآية: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِن﴾ .
والدلائل التي تدل على الإيمان بالنسبة إلى الناس لا تعدو أن تكون ظواهر مرجحة، وقد يكون المكنون في القلوب
стр. 283
على خلاف ذلك، ومع هذا فقد جعل الله نتائج هذا الامتحان التي لا تصل إلى مرتبة اليقين، وإنما تصل إلى مرتبة الظن الراجح نوعًا من العلم، الذي يصح الاعتماد عليه، والاستفادة منه.
وهذه هي المرتبة الثانية من نتائج مراتب البحث العلمي، ولهذه المرتبة درجات، يشترط لأنواع من قضايا الحياة أعلاها، ويُكتفى في بعضها بأوسطها، ويُكتفى في بعضها الآخر بأدناها، وقد توسع الإسلام كما رأينا فسماها نوعًا من العلم، لتعذر الوصول إلى اليقين في كل مسألة.
ونستطيع أن نقول: إن معظم "النظريات" التي تقررها العلوم المادية القديمة والحديثة لا تتجاوز دائرة هذه المرتبة.
فمما يشترط له الدرجات العليا من الظن الراجح الإتهام بالزنا، فإنه يشترط لإثباته قضاء أن يشهد به أربعة شهداء، مع أن رجحان الظن يتم بشهادة شاهدين عدلين، أو شاهد واحد، ولكن الإسلام أراد الاحتياط في هذا الأمر، صيانة لأعراض الناس من الفضيحة، ولكراماتهم من الإهانة، ولأجسامهم من الحد.
وفيما يلي طائفة من النصوص القرآنية التي جاء الظن فيها، وهو من درجات هذه المرتبة الوسطى المقبولة، نظرًا إلى أنه من الظنون الراجحة:
١- قول الله تعالى في معرض الحديث عن داود ﵇ في سورة "ص: ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول":
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ .
فقد كان ظن داود ظنًّا راجحًا مقبولًا، اعتمد فيه على دلائل قوية.
٢- وقول الله تعالى في سورة "القيامة: ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول":
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ .
стр. 284
فظن الموت عند وصول الروح إلى التراقي ظن راجح، مع احتمال عودتها بقدرة الله، واستمرار الحياة، ولكنه احتمال مرجوح.
٣- وقول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
فظنهما أنهما سقيمان حدود الله يجب أن يكون ظنًّا راجحًا مقبولًا، وهو الذي بنى عليه الشارع حكم إباحة تراجع الزوجين إلى الارتباط بعقد الزوجية مرة أخرى، بعد أن انفصلا عن بعضهما انفصالا أفضى إلى وجوب إجراء تجربة زوجية أخرى للمرأة.
المرتبة الدنيا:
ثم إن الإسلام نظر إلى الظنون المختلفة التي لا تصل إلى مرتبة الرجحان فجعلها في المرتبة الثالثة، وهي المرتبة الدنيا، ورفض الاعتماد عليها، إلا أنه سمح بأن توضع موضع الاختبار والتجربة، والدراسة ومتابعة البحث، وأن تكون عاملًا من عوامل اليقظة والتوجس والاحتياط في الأمور، أو عاملًا من عوامل التفاؤل بالخير، لشحذ الهمم، وتحريض الطاقات على العمل، وتدخل في هذا أمور الفراسة، والإمساك بخيوط الشبهات، بغية العثور على مكامن الخطر، ووسائل الإدانة بالجرائم.
ولهذه المرتبة درجات تبدأ بالظن الخفيف فالشديد، فالأشد، حتى يصل الظن إلى إشارة النصف، ومتى تجاوزها ودخل في منطقة الرجحان دخل في درجات المرتبة الوسطى المقبولة.
وعلى هذا يحمل مثل قول الله تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
стр. 285
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .
وقد اصطلح علماء المسلمين على تسمية الظنون المزجوحة "وهمًا" تمييزًا بينها وبين الظنون الراجحة، وعلى تسمية الظنون المتكافئة في قضية واحدة "شكًّا" وفي العلوم الحديثة يسمى هذا النوع من الظنون "فرضيات" سواء كانت مرجوحة أم متكافئة.
ولما كانت أنواع الظنون تتردد بين درجات المرتبة الثالثة غير المقبولة لاكتساب المعارف والعلوم، وبين درجات المرتبة الثانية المقبولة، كان من النصوص الإسلامية نصوص تورد الظن باعتباره داخلًا في درجات المرتبة الثالثة المرفوضة، ونصوص أخرى تورد الظن باعتباره داخلًا في درجات المرتبة الثالثة المقبولة، ويفصح عن ذلك قول الله تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ .
فهذا النص القرآني يأمر باجتناب كثير من الظن، ولا يأمر باجتناب الظن، إشارة إلى أن من الظنون ظنونًا راجحة مقبولة في كثير من شئون الحياة، كشئون التجارة والصناعة وغيرها، وكالأخبار التاريخية والعلمية وغيرها، وكالأقضية والتصرفات السياسية والإدارية، وكاستنباط الأحكام الفقهية الشرعية وغيرها.
ولكن الظنون الراجحة في حياة الناس أقل نسبة من الظنون الأخرى المرجوحة، ومن أجل ذلك قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ ولم يقل: اجتنبوا كل الظن، وقال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم﴾ ولم يقل: إن كل الظن إثم.
فمن النصوص التي جاء فيها الظن وهو من درجات المرتبة الثالثة
стр. 286
المرفوضة في ميادين العلم والمعرفة قول الله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول" حكاية لقول فرعون لموسى.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ .
فظن فرعون ظن مرفوض لأنه من باب التوهم الذي لا رجحان معه.
ويقابله تمامًا ظن موسى بفرعون إذا كان ظنًّا راجحًا، وذلك إذا قال موسى لفرعون كما حكاه الله في الآية التالية من السورة نفسها:
﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ .
أي: مهلكًا، فقد كان ظن موسى بفرعون ظنًّا راجحًا لأنه اعتمد فيه على دلائل سنن الله الدائمة، أو على أمارات أُوحي إليه بها، وقد حقق الله ظن موسى فيما بعد بإهلاك فرعون.
ومن أمثلة الظنون المرفوضة في منهج البحث العلمي الذي رسمه الإسلام للناس ظنون أكثر أهل الأرض، قال الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ .
وذلك لأن أكثر الناس يتأثرون بأوهامهم، ويندفعون وراءها كأنها حقائق، ويتلاعب الخراصون الكذابون بعقولهم ليسخروهم في تحقيق مطامع أنفسهم في المال أو في السلطان أو في الشهوات.
وشواهد هذه الحقيقة كثيرة في المجموعات البشرية، فكم من وهم باطل ساق جماهير كثيرة من الناس إلى التهلكة، وإلى شر مستطير، ويتخلى كل واحد
стр. 287
منهم عن تدبر الأمر بنفسه، والتفكر فيه اعتمادًا على رأي الكثرة المندفعة، ولدى التمحيص الدقيق، والبحث المستقصي، يتبين أن الفكرة ناشئة في أساسها عن وهم باطل سيطر على طائفة قليلة، فسرى وباؤه إلى الجماهير المأخذوة بعاطفة من العواطف، أو انفعال من الانفعالات، أو يتبين أن أصل الفكرة من وضع كذاب مضلل له غاية خبيثة، لا تتحقق إلا بسوق جماهير الناس في طريق معين.
ومن الأمثلة أيضًا تعلل المشركين بمشيئة الله للإيهام بأن ما هم عليه من شرك، وحكم بغير ما أنزل الله حق، فهم بين الكذب المختلق والظن المرجوح الذي لا دليل يدعمه، قال الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ .
أي: تكذبون وتتوهمون.
فقد جعل الله سبحانه مقالة المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ كذبًا على الحقيقة، ومن أجل ذلك. قال الله سبحانه عقبها: ﴿ذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ .
ثم أمر الله الرسول بأن يطالبهم بالدليل على ما يفترون على الله فقال له: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ .
أي: فأنتم إما متوهمون أو تكذبون على الله، وذلك لأنهم يقصدون من قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ أن إشراكهم إنما كان بمشيئة الله ورضاه، ومن أجل ذلك جعلهم الله كذابين في هذه المقالة؛ إذ لا دليل عليها من العقل، ولا دليل عليها من الشرع.
والأمثلة القرآنية على الظنون الضعيفة المرفوضة كثيرة، ونسبتها أكثر من نسبة النصوص التي جاءت عبارة الظن فيها دالة على معنى الرجحان.
стр. 288
المقولة السابعة: منهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية
لما كان الخبر الصادق طريقًا من طرق المعرفة، وقاعدة إنسانية لا مندوحة عن الاعتماد عليها في الحياة الاجتماعية، للتعرف على كثير من الحقائق التي لا يمكن لكل فرد أن يباشر معرفتها بنفسه عن طريق الحسن، أو عن طريق الاستدلال العقلي، فقد اعتمدت الشرائع الربانية عليه اعتمادًا كليًّا، في نقل العلوم الربانية إلى الناس، وتبليغهم الأحكام والتكاليف الإلهية، وغير ذلك، كما وجهت للاعتماد عليه في تحصيل كثير من العلوم التي توصل إليها العلماء بمسالكهم العلمية الصحيحة، وأمرت بسؤال أهل الذكر.
ولكن الإسلام وضع منهجًا سليمًا للحكم بسلامة الأخبار وصحتها، والقطع بأنها حق وصدق، أو الحكم بأرجحية صدق الخبر، أو الحكم بضعفه، أو عدم صلاحيته للاعتماد عليه.
ثم أوضح الإسلام ما يجب اتخاذه من الاحتياطات بالنسبة إلى بعض الموضوعات التي تتضمنها الأخبار، فحدد الشروط التي يجب توافرها فيها، حتى تكون الأخبار صالحة لبناء الأحكام القضائية أو غيرها عليها.
الخبر المقطوع بصدقه:
أما الخبر المقطوع بصدقه، والذي لا يخالطه احتمال الخطأ أو الكذب فقد أوضح الإسلام أنه لا بد أن يأتي عن أحد مسلكين كما سق:
المسلك الأول: أن يرد الخبر على لسان نبي من أنبياء الله تعالى، وقد
стр. 289
أحاط الله الأنبياء الذين يبلغون عنه بوضع يجعل التسليم بنقولهم وأخبارهم عن الله قضية مقطوعًا بها، عند كل المنصفين من العقلاء، ذلك بسبب ما ضانهم به من العصمة عن الكذب وسائر المعاصي، وبسبب ما أيدهم به من المعجزات الباهرات التي لا يأتي بها أو بمثلها إلا رسول مؤيد من عند الله، ومصدق من قبيله بلسان حال المعجزات.
وفيما يلي طائفة من الأدلة القرآنية تبين موقف الإسلام من الأخبار التي تبلغها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وتبين الأصل العقلي الذي يلزم العقلاء بالتسليم بها:
١- جاء في قصة صالح ﵇ مع قومه ثمود كما أوردها القرآن الكريم في سورة "الشعراء: ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول" قالت ثمود خطابًا لصالح: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .
وأمام هذا المطلب الحق الذي يدل على أنهم يطالبونه بالبينة على أنه صادق فيها يبلغ عن ربه استجاب الله لمطلبهم، فأرسل لهم معجزة الناقة، وتوعدهم بالعذاب، إذا هم كذبوا بعد هذا التأييد من الله بها، قال لهم صالح فيما حكاه الله عنه في السورة نفسها:
﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
ونستطيع أن نستخلص من هذه القصة أصلين:
الأصل الأول: أن خبر الرسول متى ثبتت رسالته أمر مقطوع بصدقه.
الأصل الثاني: أن المعجزة التي يجريها الله على يد الرسول دليل قاطع على صدق رسالته.
стр. 290
٢- وضع الله المشركين الذين يدعون من دون الله في مأزق خرج من المناقشة الحرة المنطقية، وفسح لهم مجال إقامة الدليل على ما يدعون بالخبر الصادق، إذا هم عجزوا عن إقامة الدليل على ما يدعون عن طريق المشاهدة الحسية، أو عن طريق الاستبدال العقلي، وذلك في قوله تعالى يُعلم رسول الله ﷺ في سورة "الأحقاف: ٤٦ مصحف/ ٦٦ نزول":
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
ألسنا نلاحظ أن هذه الآية العظيمة قد علمت الرسول كيفية مطالبة المشركين بالدليل الحسي، أو الدليل العقلي، على إثبات هؤلاء الشركاء الذين يدعون من دون الله، وذلك بقوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ .
أي: أثبتوا لي بدليل المشاهدة الحسية أو بدليل الاستدلال العقلي من خلال الظواهر الأرضية ذلك الشيء الذي خلقوه من الأرض، حتى استحقوا بخلقه أن تجعلوهم شركاء لله.
ثم علمته كيفية مطالبتهم بدليل الخبر الصادق على إثبات شركائهم الذين يدعون من دون الله، بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ .
أي: فإن عجزتم عن إقامة الدليل الحسي أو العقلي، وأدعيتم شركتهم في السماوات وهي بعيدة عن مجال حسكم واستنتاجاتكم، فإننا نقبل منكم دليل الخير الصادق عن كتاب سماوي منزل من قبل القرآن، ونقبل منكم دليل الخير الصادق عن بقية من علم مأثور عن رسول من رسل الله، الذين تلقوا علومهم عن الوحي.
٣- أخذ اليهود يعترضون على رسول الله ﷺ في أكله لحوم الإبل وشربه ألبانها، مع أنه ينادي بأنه على دين إبراهيم ﵇، فقال لهم
стр. 291
الرسول صلوات الله عليه: "كان ذلك حلالًا لإبراهيم فنحن نحله"، فقال اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح ﵉. فنزلت الآيات من سورة "آل عمران" تعلم الرسول كيفية مناقشتهم، ومطالبتهم بالخبر الصادق على ما يزعمون، وبإحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين، قال الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول".
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈.
فجاءت عصابة من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟
فقال رسول الله ﷺ : "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا، لئن عافاه من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها "؟.
فقالوا: اللهم نعم.
وهكذا أقام عليهم الدليل بالخبر الصادق عن طريق الوحي، وطالبهم بمعارضة ذلك إن استطاعوا بدليل الخبر الصادق المؤيد بنصوص التوراة، إن كانوا صادقين.
المسلك الثاني: أن يخبر بالخبر جمع من الناس يستحيل في مقياس العقل السليم اتفاقهم على الكذب فيه.
ويكون ذلك حينما يروي الخبر جمع غفير من الناس تباينت أعراضهم، واقترفت مصالحهم، وكانوا بحيث لا يجمعهم على الكذب جامع.
стр. 292
ويلحق به ما تواردت عليه مجموعة من شواهد النقول الإخبارية، ودلائل الآثار الأرضية والكتابية، وبعض الاستدلالات والاستنتاجات العقلية، حتى يصير التسليم بمضمون الخبر أمرًا حتميًّا لا شك فيه لدى العقلاء المنصفين وحتى يصل في نفوسهم إلى درجة اليقين، كخبر الجمع من الناس الذين يستحيل عقلًا تواطؤهم على الكذب.
وهذا المسلك أصل مقطوع به شرعًا وعقلًا، وبه حفظ الله القرآن الكريم من التحريف والتبديل؛ إذ تكفل بحفظه كما قال تعالى في سورة "الحجر: ١٥ مصحف/ ٥٤ نزول":
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
وأما الاعتماد على دلائل الآثار فيمكن الاستئناس له بقول الله تعالى في سورة "الروم: ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول":
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
وأما الاعتماد على الخطوط والكتابات فنستطيع الاستدلال له بأمر القرآن لنا بأن نكتب عقود مدايناتنا لتثبيت الحقوق لأربابها، وذلك في قول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾
ولو لم يكن في الكتابة إثبات للحقوق لما كان في الأمر بها فائدة.
ويدخل في الكتابات أو يلحق بها المخططات والمصورات الهندسية، وغيرها مما يتم به تثبيت الوقائع، وتوثيقها والتحقق منها، وكذلك ما
стр. 293
استحدث في العصور الحديثة من تسجيل الوقائع والأحداث بصورها وأصواتها عن طريق الآلات المصورة، والآلات المسجلة للصوت، وكل ذلك يجب أن يكون مصحوبًا بالتبصر العقلي، وبالتمحيص الكامل، والاحتياط التام، حتى يشهد العقل بنفي احتمال التزوير في الوثائق، والخطأ أو الكذب في الأخبار.
الخبر الذي يترجح صدقه:
وأما الخبر الذي يترجح في العقول صدقه فقد وضع الإسلام له منهجًا واضحًا؛ إذ نلاحظ أن الإسلام قد أقر الناس على أخبارهم فيما بينهم، شريطة توافر دلائل ترجيح الصدق فيها، ووضع لذلك منهجًا سديدًا لتحري الصدق في الأخبار، ونفي ما كان منها كذبًا واضحًا، أو مشكوكًا فيه، أو مشتبهًا بكذبه، واشترط للحكم بأرجحية صدق الخبر أن يتوافر في كل راوٍ له ثلاثة شروط:
الشرط الأول: العدالة، وهي ألا يعهد على الراوي الكذب أو المعصية الظاهرة.
الشرط الثاني: الأهلية الفكرية لتحمل الأخبار ونقلها كما حملت دون نسيان أو اضطراب.
الشرط الثالث: اتصال الراوي بمصدر الخبر أو بمن رواه له.
وهذه الشروط تستدعي الملاحظة الدقيقة لرواة الأخبار، والنظر في أحوالهم الفكرية والخلقية والسلوكية، للتأكد من أن أخبارهم صالحة للقبول وتستدعي النظر في صلتهم بمصادر الخبر أو بمن رواه لهم، وهنا تتسع مشكلة البحث العملي في تراجم الرجال، وتتبع أحوالهم، وتمحيصهم، لكشف الموثوقين الذين تقبل أخبارهم، وتمييز الضعفاء والوضاعين, وتحديد درجة كل منهم في القبول أو الرفض، ونحو ذلك من بحوث.
стр. 294
وقد تضافرت جهود علماء المسلمين للاطلاع بهذه المهمة الكبيرة على أحسن وجه عرفة التاريخ، فحرروا ما نقل عن الرسول صلوات الله عليه تحريرًا لم يسبقوا إلى مثله، لذلك فلا نجد لدى آية أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب ذخائر علمية منقولة بالأخبار الصحيحة الموثقة مثلما نجد لدى علماء المسلمين، وذلك بسبب وضوح المنهج الذي اتبعوه في التثبت من صحة الأخبار، أو الحكم بأرجحية صدقها.
وقد تكلفت كتب علم مصطلح الحديث النبوي بتحديد هذا المنهج وتحريره وبيانه، وتفصيل مسالكه على أحسن وجه، كما تكفلت كتب تراجم الرجال ببيان أحوالهم وأوضاعهم، ودرجة الثقة برواية كل منهم، والعصر الذي عاش فيه، إلى غير ذلك مما تستدعيه أصول البحث السليم.
وفي العصر الحديث وجد العلماء الغربيون أنفسهم مضطرين للاهتداء بهدي هذا العلم، واتباع الأصول الإسلامية المقررة فيه، لتحقيق الأخبار والنقول التاريخية وغيرها، إلا أنهم لا يستطيعون استيفاء الشروط الإسلامية في بحث عدالة الرواة لدى التطبيق العملي؛ لأنه ليس لديهم أي مستند يكشف لهم أحوال رجالهم الغابرين، حتى يرجعوا إليه في تمحيص صادق الأخبار من كاذبها، وصادقي الرجال من كاذبيهم.
وما كل خبر يترجح صدقه يصلح في كل موضوع من موضوعات الحياة، بل لا بد من نسب في الأرجحية تتفاوت بحسب نسب أهمية الموضوعات وبحسب النتائج التي تترتب على قبول الأخبار فيها.
فما يقبل في رواية خبر تاريخي عادي لا يقبل في إثبات حق أو إدانة بجريمة، وما يقبل في إثبات حق مالي لا يقبل في الاتهام بالزنا، وما يقبل في رواية حديث نبوي لا يقبل في إثبات آية قرآنية.
ولنتبين ذلك لا بد لنا من النظر في مراتب الأخبار، وما يشترط منها في كل نوع من أنواع موضوعات الحياة.
стр. 295
مراتب الأخبار بحسب الموضوعات التي تتضمنها:
الذي يظهر لنا من الإحصاء الشرعي لمراتب الأخبار بحسب الموضوعات التي تتضمنها أنها تقع في ست مراتب، ولكل من هذه المراتب شروط محددة لقبول الأخبار التي تتضمنها، وهي كما يلي مرتبة من العليا إلى الدنيا:
المرتبة الأولى:
مرتبة النقل المباشر عن الوحي، وشرطه النبوة المستجمعة لصفتي العصمة والتأييد بالمعجزة، فمن لم يكن كذلك، ونقل عن الوحي مباشرة لم يقبل خبره، وإن كان في حكم الناس صادق الخبر، صحيح الرواية.
المرتبة الثانية:
مرتبة نقل الأخبار التي بلغها الرسل، المتضمنة إثبات عقيدة من عقائد الدين، أو أصل من أصوله الأولى، أو سورة من سور القرآن، أو آية من آياته، أو نحو ذلك مما نحكم بكفر جاحده.
وهذا ينبغي لاعتبار الخبر فيها مضافًا إلى طائفة ما يكفر جاحده، أن تنقل بالتواتر اللفظي أو المعنوي، أو ما هو في قوة التواتر، وذلك لأن موضوعاتها من الموضوعات التي يجب بحسب مركزها من الدين وتكفير جاحدها، أن يتوافر عليها النقل بالتواتر، أو ما هو في قوته، فإذا لم تنقل بالتواتر أو ما هو في قوته مع وجود الدواعي لنقلها به لم يسغ لنا أن نحلها في مركز الأمور التي يكفر منكرها؛ لأن من يحكم عليه بالكفر والردة يحكم عليه بإهدار الدم لزومًا، وذلك لا يجوز إلا بيقين.
المرتبة الثالثة:
مرتبة الإتهام بالزنا، وهذه المرتبة ينبغي للتثبت من صحة خبر الإتهام فيها أن يتوافر على الشهادة بوقوع الزنا أربعة شهداء، ويشترط في كل منهم أن
стр. 296
يستجمع صفات العدالة، والضبط، وانتفاء التهمة، وفق البيانات الموضحة في كتب الفقه الإسلامي.
وقد اشترط الإسلام الشهداء الأربعة لقبول خبر الاتهام بالزنا في القضاء الشرعي نظرًا إلى أهمية موضوع الخبر، ونظرًا إلى أن النفوس فيه قد يتجسم لديها الظن به حتى يصل إلى درجة التحقق دون أدلة مادية، فتشهد به، ونظرًا إلى ما يترتب عليه أيضًا من هدم الأسر، وإقامة الحد الشرعي، والخزي والعار والفضيحة لمن تثبت عليه التهمة، وحرصًا من الإسلام على أن لا تشيع الفاحشة بين المؤمنين. قال الله تعالى في سورة "النور: ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول":
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
وقال الله تعالى في سياق حديث الإفك في سورة "النور" أيضًا:
﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .
فقد جعل الله إشاعة الإتهام بالزنا دون إحضار أربعة شهداء عليه كذبًا يوجب إقامة حد القذف.
المرتبة الرابعة:
مرتبة إثبات الحقوق بين الناس بعضهم على بعض، وتتضمن هذه الحقوق الحقوق المادية، والأدبية، والجنائية، ونحوها.
هذه المرتبة ينبغي للتثبت من صحة الخبر فيها أن يشهد بالخبر رجلان ذوا عدل من المسلمين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ممن يرضى المسلمون من الشهداء، ويشترط في كل شاهد أن تتوافر فيه العدالة، والضبط، وانتفاء التهمة، وفق البيانات الموضحة في كتب الفقه الإسلامي، قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
стр. 297
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ .
وقال الله تعالى في سورة "الطلاق: ٦٥ مصحف/ ٩٩ نزول نزول":
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ .
ويدخل في حدود هذه المرتبة ما يثبت من الحقوق بشاهد ويمين، وما يثبت بأيمان القسامة، ونحو ذلك من أدلة الإثبات الشرعية، وما يقاس عليها في قوة التوثق.
المرتبة الخامسة:
مرتبة النقول العادية التي تتضمن أخبارًا علمية، أو تاريخية، أو رواية لحديث عن رسول الله صلى الله عيه وسلم يتضمن مواعظ وآدابًا وأحكامًا عملية، أو أخبارًا عن أمور ستحدث في المستقبل، كأشراط الساعة، وأحوال يوم القيامة، ونحو ذلك.
وهذه المرتبة يكفي للاعتماد على الخبر فيها أن يرويها راو واحد ذكرًا كان أو أنثى، ويشترط فيه توافر صفتي العدالة والضبط، وتلقي الخبر من مصدره، أو ممن رواه له، وكل ذلك وفق البيانات والشروط الموضحة في علم مصطلح الحديث.
وما أكثر الشواهد في النصوص الإسلامية على الاكتفاء بنقل خبر الواحد، في حدود هذه المرتبة، ما لم تقم التهمة على المخبر، بجرح في عدالته أو في أهليته لتحمل الخبر وأدائه، أو في صحة اجتماعه بمن روى عنه الخبر، فإن كان شيء من ذلك احتاج إلى معزز يعزز خبره.
المرتبة السادسة:
مرتبة النقول والأخبار التي تتناول مصلحة الشخص الذي يرد إليه الخبر،
стр. 298
في أمر من أمور دنياه، دون أن تتضمن هضمًا لحق آخر أو إتهامًا له، وذلك كأن تتضمن مثلًا التحذير من خطر لا ضرر من الاحتياط في الحذر منه، ولو بالظن الضعيف.
وهذه المرتبة يكفي فيها انفتاح النفس لقبول صحة الخبر، والاقتناع به، دون النظر في حالة المخبر وصفته؛ لأن موضوعه لا يتطلب أكثر من اتخاذ الاحتياطات والأسباب اللازمة لدفع الخطر، أو الفرار منه.
ويمكن أن نستأنس لهذا بما جاء في القرآن الكريم في حكاية فرار موسى ﵇ من مصر، بعد قتله الرجل من أتباع فرعون، ثقة بخبر الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يخبره بأن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، قال الله تعالى في سورة "القصص: ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول":
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
ويلاحظ أن هذه المرتبة هي التي يعتمد عليها الناس في أكثر أمورهم الشخصية من تجارات وصناعات وزراعات وأمور سياسية وعسكرية وأشباه ذلك.
وعلى مقدار تفاوت الناس في دقة ملاحظاتهم ومحاكماتهم لما يعرض لهم من أمور الدنيا ينالهم التوفيق، ويحالفهم النجاح فيها، بالنظر إلى الأسباب الدنيوية الظاهرة.
هذه هي الخطوط العريضة لمنهج الإسلام في الاعتماد على الأدلة النقلية الإخبارية، والتثبت من الأخبار، عرضتها مجموعة في نسق فكري متماسك، وأما تفصيلاتها الجزئية، وأمثلتها فموزعة في كتب أصول الفقه الإسلامي، وأصول الحديث، وكتب الفروع الفقهية، وبهذا الجمع يتضح للباحث إشراقة بديعة من سمو المنهج العلمي في الإسلام.
стр. 299
المقولة الثامنة: البحث العلمي والإيمان
...
المقولة الثامنة: المبحث العلمي والإيمان
حينما دعا الإسلام الناس إلى الإيمان بالله وبعظيم صفاته وجههم إلى بلوغه من طريق البحث العلمي، فحثهم على استخدام أدوات المعرفة التي لديهم في النظر والتفكر في دلائل قدرة الله وعلمه وحكمته وعدله وسائر صفاته الدالة على وجوده، وأرشدهم إلى أن هذه الدلائل منبثة في السماء وفي الأرض وفي أنفسهم، وأجل أدوات المعرفة التي لديهم العقل، وأسمى نوافذه إلى الوجود المادي حاسة البصر، ومن أجل ذلك كانت وظيفة العقل الطبيعية النظر والتأمل قال الله تعالى في سورة "ق: ٥٠ مصحف/ ٣٤ نزول":
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ .
ففي قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ . إلى آخر الآيات توجيه للنظر الفكري في آيات الله المنبثة في كل ما خلق، في السماء، وفي كيفية بنيانها، وفي الأرض، وفي كيفية مدها، وإلقاء الرواسي فيها، وإنبات النباتات من كل زوج بهيج، ووسيلة النظر الفكري مشاهدة ظواهر هذه الآيات بالنظر الحسي، باعتبار أن البصر أسمى نوافذ العقل إلى الوجود المادي.
وقال الله تعالى في سورة "الذاريات: ٥١ مصحف/ ٦٧ نزول":
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ .
وفي هذا النص أيضًا توجيه لما في الأرض وما في الأنفس من آيات دالات على عظيم قدرة الله وعلمه وحكمته وإرادته المطلقة.
ولما كانت حاسة البصر أسمى منافذ العقل إلى الوجود المادي الذي يقدم للبصر صور الظواهر، ويدع للعقل مجال التفكر فيما وراء الظواهر، قال الله تعالى عقب هذا التوجيه: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ .
стр. 300
وحين وصى الله الإنسان بوالديه حُسْنًا، قال له بعد ذلك كما جاء في سورة "العنكبوت: ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول":
﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ .
ويثير الانتباه في هذا النص وجود هذا القيد: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مع أنه ليس لله شريك قطعًا، فهي قضية من بدهيات التوحيد في الإسلام، ولكن الإسلام لا يريد من المسلمين حتى في المسلمات الكبرى في الدين أن يأخذوا قضية من القضايا إلا على أساس علمي.
أليس في هذا إثارة للعقل الإنساني أن يبحث بحث التحري العلمي للحقائق مهما كان شأنها، حتى ولو كانت من حقائق الربوبية والإلهية المقطوع بها؟!! إذن فليس المفروض في المسلم أن يقبل الحقائق إلا عن علم بها ومعرفة لها، وبحث عنها وفق أصول المعرفة المنطقية السليمة.
وهذا يجعلنا ندرك بحق مبلغ اعتماد الإسلام على أسس العلم والمعرفة في كل أمر من أمور الوجود، حتى في أصول الدين وكبريات العقائد.
ومن خلال هذه النصوص ونظائرها التي تشتمل عليها سور القرآن الكريم، وأحاديث الرسول العظيم، نلاحظ مدى دفع الحضارة الإسلامية إلى البحث العلمي، تأملًا في السماء، وتأملًا في الأرض، وتأملًا في أغوار الأنفس، للوصول إلى الإيمان الحق، ولبناء الحضارة الإسلامية، بناء واقعيًّا مجيدًا على أسسها الفكرية الراسخة.
ومتتبع القرآن الكريم يجد حشدًا عظيمًا من الآيات التي تلفت نظر العقلاء بشدة إلى التأمل في كل شيء: في خلق السماء، وفي خلق الأرض، وفي اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وفيما دخلت فيه يد الصناعة الإنسانية، فاستفادت في صنعه، من سنن الله الدائمة في الكون، وقوانينه التي رتب بمقتضاها طبائع الأشياء، كالفلك التي تجري في البحر، وفي السحاب، وفي المطر، وفي النبات، وفي الرياح، وفي الثمار، وفي الجبال، وفيما بث الله في
стр. 301
الأرض من دابة، وفي الشمس والقمر، والنجوم والاهتداء بها، وفي الألوان واختلافها، وفي علم المواقيت وحساب الزمن، وفي علم جغرافية الأرض وتقسيمها وطرفها وما فيها من كنوز، وفي البحار وما فيها من مستخرجات، وفي آثار الأولين وما فيها من دلالات، إلى غير ذلك من كل ما تتناوله يد البحث العلمي بالدراسة والتأمل، وحول هذه الأشياء تتجمع حشود العلوم الكونية، التي ينتقل الباحثون المنصفون المتتبعون للحقيقة من ظواهرها إلى الإيمان بالله خالقها ومحكم نظامها، والإيمان بعظيم صفاته جل وعلا، كما ينتفعون منها في مجال حياتهم الدنيا.
وفيما يلي طائفة من النصوص الإسلامية الكثيرة التي تدفع الناس إلى البحث العلمي الشامل:
١- قول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
ففي هذا النص من كتاب الله دعوة للذين يعقلون أن يتصبروا في خلق السماء، وفيما حوته من إتقان صنع وعجائب دالة على عظمة قدرة الله وواسع علمه، وجليل حكمته، وأن يتبصروا في النظام المحكم الدقيق، الذي يتعاقب به الليل والنهار على محيط الأرض، وفي الأنظمة الثابتة المحكمة التي تطفو بها الفلك في البحار، وتتخذ لها على الماء مجاري تجري فيها بما ينفع الناس، وأن يتبصروا في ظاهرة نزول الماء من السماء، بإرادة الله وضمن قوانين مادية ومعنوية ثابتة، ثم في ظاهرة حياة الأرض بالنباتات بسبب الماء، بعد أن كانت قفرًا كأنها ميتة، وأن يتبصروا في عالم الحيوان وما فيه من عجائب وآيات، وفي ظاهرة الرياح وتصريفها، وأسرار ذلك، وفي ظاهرة تصريف السحاب المسخر بين السماء والأرض، وما في كل ذلك من آيات وعجائب منطوية على كمال الإتقان ودالة على عظمة متقنها القادر العليم الحكيم.
стр. 302
٢- وقول الله تعالى في سورة "فاطر: ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول":
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .
وفي هذا النص من كتاب الله دعوة إلى البحث العلمي في ظاهرة الألوان واختلافها، وهذه الظاهرة تتكرر في الثمرات ذات الألوان المختلفة مع أنها تُسقى بماء واحد، وفي الجبال فمنها جدد بيض وجدد حمر مع اختلاف نسب ألوان بياضها وألوان حمرتها، ومنها سود شديدة السواد، ثم تتكرر هذه الظاهرة في الناس، وفي كل ما يدب على الأرض بشكل عام، وفي الأنعام بشكل خاص؛ إذ هي تحت مجال ملاحظة الناس باستمرار، نظرًا إلى عنايتهم بها، في تربيتها والانتفاع منها، ففي كل هذه الأنواع ألوان مختلفة، واختلاف ألوانها من عجائب صنع الله الدالة على كمال قدرته وعلمه وحكمته، وبقليل من التأمل نلاحظ أن جذر النبتة واحد، وأن التغذية واحدة، إلا أن للعود لونًا، وللورق لونًا، وللزهر لونًا، وللثمر لونًا، وكذلك طعام الإنسان واحد إلا أن للجلد لونًا، وللشعر لونًا آخر، وللعظام لونًا، وللحم لونًا، وللدهن لونًا، ولكل من بياض العين وسوادها لونًا خاصًّا به، ولا تطغى مقادير بعض كل أولئك على بعض، وكل ذي لون يأتيه نصيبه بمقدار، ومثل ذلك الدواب والأنعام.
وإن بحوثًا علمية في هذا المجال لتكشف للعلماء الباحثين عجائب وغرائب وآيات تشعرهم بعظمة الله القادر على كل شيء، فتغشاهم الخشية منه، بعد أن تهيمن عليهم مشاعر الإيمان به، والخشية من الله مزيج عجيب من الخوف والحب والإجلال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ .
ولعلماء الفيزياء جولات في بحوث الألوان لم يستكملوا بعد معرفة أسبابها وخصائصها وسائر ما يتعلق بها، وأن أمامهم طريقًا طويلًا من طرق البحث العلمي، يدعوهم الإسلام إلى سلوكه.
стр. 303
٣- وقوله تعالى في سورة "يونس: ١٠ مصحف/ ٥١ نزول":
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
٤- وقوله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ .
وفي هذين النصين من كتاب الله دعوة إلى البحث العلمي في مصدري الضياء والنور العظيمين بالنسبة إلى كوكبنا الأرضي، وما يترتب عليهما في حالتي إشراقهما على الأرض، واختفائهما عنها من فوائد جليلة للناس.
فبين ظهور الشمس واختفائها، وظهور القمر واختفائه وتزايده في مرأى العيون منذ مطلع الشهر حتى يتكامل في أوسطه، ثم تناقصه في مرأى العيون أيضًا حتى درجة المحو في آخر الشهر، تتم فوائد عظيمة للناس.
وبين كل ذلك يتم تعاقب الليل والنهار، هذا مظلم للسكون والراحة، وهذا مبصر للسعي والعمل، وابتغاء المستطاع كسبه من فضل الله.
وفي كل هذه المتغيرات يستطيع الناس تقسيم أزمانهم، وحساب ما يمر عليهم من ساعات وأيام وشهور وأعوام وقرون.
ونلاحظ في هذين النصين أيضًا دعوة إلى معرفة حساب الزمن، وتحديد السنين، لتثبيت ما حصل فيها من أمور وأحداث، ففي ذلك من التحقيقات العلمية التاريخية المفيدة الشيء الكثير، كما يرتبط به كثير من الحقوق المادية والأدبية والسياسية بين الناس، ومن الأمثلة التطبيقية لذلك الواردة في القرآن الكريم، ما جاء في قصة أهل الكهف إذ قال الله تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول":
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ .
стр. 304
ففي هذا النص تسجيل لحساب السنين التي لبثها أهل الكهف، وذلك بحساب كل من التوقيتين الشمسي والقمري، فبالتوقيت الشمسي ثلاثمائة سنة، وهي بالتوقيت القمري زائدة تسعًا.
٥- وقوله الله تعالى في سورة "الحج: ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول":
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
وفي هذا النص القرآني العظيم دعوة إلى البحث العلمي التاريخي في الآثار، لتبين ما تحمله من دلالات تدل على الأمم التي خلفتها، وما تتضمنه من عظات للأجيال المتلاحقة، يعتبر بها أولو الأبصار؛ إذ هي مظاهر لسنن الله الدائمة التي لا تبديل لها ولا تحويل.
وأعمال البحث العلمي في هذا المجال تتضمن الدعوة إلى التنقيب عن القرى البائدة التي أهلكها الله بسبب ذنوبها، فهي خاوية على عروشها، وتتضمن الدعوة إلى التنقيب عن الآبار المعطلة والقصور المشيدة التي خلفتها القرون الأولى، والبحث عن آثار حضارتها، وأسباب انهيارها ودمارها، للاتعاظ والاعتبار بكل ذلك، والانتفاع بما توصل إليه السابقون من مكتشفات علمية أو عملية. فهل بعد دعوة الإسلام إلى البحث العلمي على هذه الصفة من الشمول الواسع شبهة مقبولة، يستطيع أن يثيرها عدو للإسلام، زاعمًا بأن الإسلام لا يساير دلائل البحث العلمي.
والآن نستطيع أن نقول: إن من بدهيات أسس الفكر الإسلامي وأسس الحضارة الإسلامية أنها أسس قواعدها الحق، وطريقها العلم، وغايتها الارتقاء والتقدم وتحقيق الخير، ونيل السعادة العاجلة والآجلة.
стр. 305
المقولة التاسعة: مكانة العلماء في الإسلام
تأكيدًا لمجد العلم الذي حث عليه الإسلام واعتبره الركن الأول في حياة المسلم فقد أولى الإسلام العلماء عناية خاصة، فاصطفاهم بمجد لم يمنحه لغيرهم، حتى جعلهم الله شهداء في الأرض على إلهيته، ووحدانيته، وعزته وحكمته، وقيامه بالقسط، ورفعهم في درجات الفضل، كل على مقدار علمه ومعرفته وتطبيقه لما يعلم، وجعلهم وحدهم هم الذين يخشونه حق خشيته؛ لأنهم هم العالمون بعظيم قدرته وعدله وسائر صفاته العظمى وأسمائه الحسنى.
فمن النصوص القرآنية التي مجد الله بها العلماء النصوص التالية:
١- قول الله تعالى في سورة "المجادلة: ٥٨ مصحف/ ١٠٥ نزول":
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
ولم يقتصر رفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم على درجة واحدة يمتازون بها عن سائر الناس، وإنما جعل ذلك منطلقًا في درجات صاعدات حتى تتناسب مع مقادير العلم الذي يكتسبه كل فريق منهم، فيحتل الدرجة المكافئة لمستواه من العلم والمعرفة.
٢- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
وفي هذه الآية جعل الله العلماء في الأرض شهداء على إلهيته ووحدانيته، وعلى قيامه فيما خلق بالقسط، وعلى أنه هو وحده العزيز القادر الذي لا يغلب والحكيم في كل شيء، ولا يكون حكيمًا ما لم يكن عليمًا، وفي جعلهم شهداء على هذه الحقائق العظمى دلالة على أن الباحثين العلميين المنصفين لا بد أن تتجلى لهم في طرق بحثهم براهين هذه الحقائق التي تجعلهم يشهدون بها شهادة الاستدلال العقلي المكافئ للمشاهدات الحسية التي تسمح بالشهادة بها.
стр. 306
٣- وقول الله تعالى في سورة "فاطر: ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول":
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .
وفي هذه الآية إشارة إلى أن من وظائف العلماء متابعة البحث العلمي في هذا المجال الواسع الذي يتضمن دراسة خصائص الألوان وعواملها، وذلك في الثمرات المختلفة الألوان، وفي الجبال، وفي الناس، وفي الأنعام والدواب، المختلفة الألوان كذلك.
ومتابعة العلماء للبحث العلمي في هذا المجال ستهديهم إلى معرفة قدرة الله وعلمه وحكمته وعدله، ومتى عرفوا ذلك امتلأت قلوبهم بالخشية، والخشية بمعناها الصحيح الجامع -كما سبق- للإجلال والحب والخوف لا يعرفها بصدق إلا العلماء المؤمنون.
٤- وقد اعتبر الإسلام العلم أعظم مرجح من مرجحات الإصطفاء بالحكم وهذا ما عرضه القرآن في قصة اختيار طالوت ملكًا على بني إسرائيل، مع أنه لم يكن من سبط الوجاهة فيهم، ولم يؤت سعة من المال، قال الله في سياق هذه القصة في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
فهل بعد هذا المجد الذي منحه الإسلام للعلماء مجد تشرئب إليه أعناق ذوي الهمم العالية، والنفوس الكبيرة؟!!
стр. 307
الفصل الثاني: تطبيق العلم بالعمل
المقدمة:
لا يصعب علينا ملاحظة أن الوسيلة الثانية من وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا بعد وسيلة التعلم والتعليم، إنما هي وسيلة تطبيق العلم بالعمل، وذلك عن طريق الاستفادة المباشرة من المعارف، وعن طريق الاختراع والابتكار والتحسين.
أما الاستفادة المباشرة من المعارف والعلوم فتتمثل بكل ما يمارسه الإنسان في حياته من عمل، وبكل ما يجتنيه من أمر، مستهديًا بحقائق المعرفة التي توصل إليها، وبالقواعد والقوانين والسنن والتجارب الكونية التي عرفها، بأي طريق من طرق اكتساب المعارف والعلوم الحسية أو الاستدلالية العقلية أو الخبرية.
فالنار مثلًا حقيقة من الحقائق الكونية ذات صفات، والعاقل الذي يعرف حقيقة النار ويعرف صفاتها وخصائصها، من شأنه أن يحسن الاستفادة من الخصائص والصفات التي عرفها لها بشكل مباشر، فهو يبتعد عنها خشية أن تحرقه أو تحرق متاعه، ويبعدها عن كل مكان تؤذي فيه إذا حلت به، ثم هو ينضج طعامه عليها، ويصهر معدنه، ويستخدمها في كل ما يحتاج إصلاحه إلى درجة حرارة مرتفعة، إلى غير ذلك من منافع، مع اتخاذه كل الوسائل المستطاعة للوقاية من ضرها وأذاها.
والماء أيضًا حقيقة من الحقائق الكونية، وهو ذو صفات وخصائص، والعاقل الذي يعرف صفات الماء وخصائصه يحسن الاستفادة منه بشكل مباشر، فيشرب منه، ويغسل به الأدران، ويسبح فيه، ويجري الجواري عليه، ويسقي
стр. 308
منه الأرض والدواب والأنعام، ويبحث عن أحواضه وينابيعه، ويستنبطه بكل وسيلة ممكنة، ثم هو يجتنب ما فيه من ضر وأذى، فيتخذ كل وسيلة ممكنة للوقاية من ضره وأذاه.
وهكذا في كل الحقائق الكونية المادية والمعنوية ذات المنافع أو المضار، إذ يتعرف الإنسان العاقل بكل وسائل المعرفة التي لديه على منافعها ومضارها، فيستفيد منها استفادات مباشرات بنسبة ما لديه من معارف عنها، متقيًا ما فيها من مضار.
وأما الاستفادة غير المباشرة من المعارف والعلوم، فتتمثل بما يمارسه الباحثون من الانتقال من المنافع المباشرة التي تتضمنها حقائق الأشياء وصفاتها وخصائصها، إلى الاختراع والابتكار وتحسين الوسائل وتطويرها، إلى ما فيه اختصار للزمن، وتوفير للجهد، ومضاعفة للقوة، ورفاهية للعيش، وراحة وأمن، ودفع للآلام أو تخفيف لها، وتحقيق للعدالة الاجتماعية، مستهدين في كل ذلك بأصول المعرفة التي لديهم عن حقائق الأشياء وصفاتها وخصائصها.
فهم لا يقفون عند حدود الانتفاع من الأشياء بما تتضمنه من منافع جاهزة مهيأة فيها بوضعها الفطري، ولكنهم يجمعون المفردات القابلة للتلاؤم، فيوجدون منها أشياء جديدة، ذات خصائص أكثر منفعة وفائدة لبني آدم، ويدخلون على الأشكال الموجودة في الأشياء الفطرية أشكالًا جديدة، ويضيفون إلى صفاتها صفات جديدة أو يبذلون منها، عن طريق الجمع أو التفريق، لتكون الأشياء أكثر فائدة للناس، وأعظم منفعة.
ولا يتم لهم ذلك إلا بقدرة عالية من حسن التخيل والتصور، مع اختيارات وتجارب حكيمة للاحتمالات الممكنة، ومع تتبع واستقصاء، وتأمل وتفكر، وأناه وصبر، ودقة في التنفيذ، واعتماد على الأصول الثابتة التي توصلت إليها المعرفة الإنسانية، خلال قرونها الخوالي.
ومن شأن تطبيق العلم في أنواع الاستفادات المباشرات وغير المباشرات أن يجعل للتقدم الحضاري والمدني أثرًا ظاهرًا في نظم الحياة، وطرق العيش، والعلاقات الاجتماعية، وأثرًا ظاهرًا في العمران والزراعة، والصناعة والصحة والطب، ووسائل الرفاهية والقوة، إلى غير ذلك مما تحتوي عليه المدنيات الراقيات، من كل ما فيه خير الإنسانية أفرادًا وجماعات.
والعمل التطبيقي تنفيذ وتجربة واختبار مع جهد حثيث لارتقاء كل مرتقى حضاري كريم، وهذا مما يدعو إليه الإسلام، وبحث عليه بإلحاح شديد.
стр. 309
المقولة الأولى: موقف الإسلام من تطبيق العلم بالعمل
اهتم الإسلام بالعمل بما يهدي إليه العلم اهتمامًا بالغًا، وحث عليه حثًّا شديدًا، وأعلن أنه ثمرة العلم، ورتب على الأعمال الصالحة معظم صنوف الجزاء بالثواب، كما رتب على الأعمال السيئة معظم صنوف الجزاء بالعقاب، وجعل تفاوت درجات الناس في الأعمال سببًا في تفاوت درجاتهم عند الله وفي نيف وخمسين آية من القرآن الكريم جعل الله الأجر العظيم في الجنة ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أما الإيمان فهو الإذعان القلبي بنتائج المعارف الحق المتصلة بالله وبصفاته، وبما جاء من عنده، وأما الأعمال الصالحة فهي الصور التطبيقية لهذه المعارف.
فمن النصوص القرآنية التي تبين موقف الإسلام من تطبيق العلم بالعمل النصوص التالية:
١- قول الله تعالى في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
٢- وقول الله تعالى في سورة "غافر: ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول":
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
стр. 310
ألسنا نلاحظ أن الله جل وعلا قد رتب في هاتين الآيتين على العمل الصالح المقرون بالإيمان الثواب بالحياة الطيبة في الدنيا ولآخرة، والجزاء الأوفى في الجنة يوم القيامة؟
٣- وقول الله تعالى في سورة "فصلت: ٤١ مصحف/ ٦١ نزول":
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
وفي هذه الآية يربط الله بين الدعوة العلمية إلى طريق الله وبين العمل الصالح وإعلان الالتزام به ربطًا تامًّا، وباستجماع هذه العناصر الثلاثة يتحقق المقام الكريم عند الله الذي يظفر به الداعون إلى الله الذين يعلمون الناس الخير، وهذا المقام الكريم هو ما يشعر به المدح الذي يعلنه قوله تعالى في صدر الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ .
٤- وقول الله تعالى في سورة "فصلت" أيضًا:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
وبهذه الآية يعلن القرآن أن ثواب العمل الصالح إنما يكون لصاحب العمل نفسه، وأن عقوبة العمل السيئ إنما تكون على صاحب العمل نفسه.
٥- وقول الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
وفي هاتين الآيتين يبين الله تعالى أن مراتب الناس يوم القيامة تتفاوت صاعدة ونازلة بنسبة تفاوت أعمالهم التي أسلفوها في الدنيا، صالحة كانت أم سيئة.
٧- وجاء في حديث الرسول صلوات الله عليه، على ما رواه مسلم وغيره
стр. 311
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" فقال تعالى في سورة "المؤمنون: ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .
وقال تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
وفي هذا النص أمر صريح بالعمل الصالح، والعمل الصالح إنما هو التطبيق الحسن للمعارف الحق.
أما النصوص التي جاء فيها الوعد بثواب الله العظيم على الإيمان المقرون بالعمل الصالح فكثيرة، منها النصوص التالية:
١- قول الله تعالى في سورة "لقمان: ٣١ مصحف/ ٥٧ نزول":
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ .
٢- وقول الله تعالى في سورة "العنكبوت: ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول~":
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ .
٣- وقول الله تعالى في سورة "الروم: ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول":
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ .
وهكذا تتوارد النصوص الإسلامية مهتمة بتطبيق العلم بالعمل، إشعارًا بأن العمل هو الغاية المرجوة من العلم، وأن العلم بلا عمل فضيلة ضائعة الثمرة، عديمة الأثر، وبدهي لدى العقول أن كثيرًا من الحقائق العلمية إنما هي وسيلة لاغتنام المنافع العملية فإذا لم يعمل العالم بعلمه كان هو والجاهل بمنزلة سواء، بل ربما كان أضل من الجاهل؛ لأن الجاهل قد يعذر بجهله، لكن العالم لا يعذر بتقصيره أو انحرافه وعدم تطبيقه.
стр. 312
ولنا أن نتساءل الأسئلة التالية:
ما فائدة علم الإنسان بأن النار محرقة إذا هو ألقى نفسه فيها؟
وما فائدة علم الإنسان بأصول الزراعة إذا هو أهمل أرضه فلم يزرعها؟
وما فائدة علم الإنسان بشروط الصحة إذا هو خالفها وعرض نفسه للأمراض؟
وما فائدة علم الإنسان بالكيمياء والفيزياء إذا لم ينتفع من علمه بالتطبيقات العملية؟
وما فائدة العلم بالأحكام الشرعية إن كان العالم بها مخالفًا لها في تطبيقاته العملية؟
وهكذا يقال في كل علم.
стр. 313
المقولة الثانية: قواعد العمل في الإسلام
لدى النظر بأناة في مجمل الوصايا والتعليمات القولية والعملية الإسلامية المتعلقة بالعمل، تظهر لنا القواعد الست التالية، التي ينبغي للمؤمن المسلم أن يراعيها في حياته، رجاء أن يكون من السابقين بالخيرات بإذن الله.
القاعدة الأولى: اغتنام أوقات الحياة
إن الوقت بمثابة نهر عابر من المستقبل إلى الماضي، ولا تدرك الخلائق المدركة منه إلا موجة الحاضر، وهي الساعة التي يستطيع المخلوق أن يُحدث فيها عملًا ما، فإن لم يحدث فيها عملًا نافعًا جرت إلى الماضي دون أن يستطيع استرجاعها، وخسرها من عمره المقدر له، وإن أحدث فيها عملًا ضارًّا، خسر مقدار العمل الضار من عمره، وحمل وزرًا يخسر به من سعادته مستقبلًا.
стр. 314
وقد أوصى الإسلام باغتنام الأوقات، كما سيأتي.
القاعدة الثانية: اغتنام القوى والطاقات
إن القوى والطاقات مرتبطات بأوقات الحياة، فالوقت الذي يمر دون أن ينتفع فيه الإنسان بعمل مفيد، يمر هو وكل مقادير القوى والطاقات التي يمكن أن يحدث الإنسان بها عملًا فيه.
فقوى وطاقات الإنسان في يوم السبت مثلًا تجري مع يوم السبت، كجريان الزمن فتفنى، وتولد قوى وطاقات أخرى متتابعات مع ساعات يوم الأحد، وهي غير قوى وطاقات الإنسان يوم السبت.
هاتان القاعدتان "الأولى والثانية" نستنبطهما من عدة نصوص:
- فعن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه:
"اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". رواه الترمذي مرسلًا. "انظر مشكاة المصابيح رقم ٥١٧٤"
- وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "نعمتان مغبونان فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
مغبون فيهما: أي: خاسر فيهما، فالغبن النقص من الشيء.
- وفي سورة "العصر: ١٠٣ مصحف/ ١٣ نزول" بيان واضح أن الإنسان لفي خسر دائم من عمره ومن قواه وطاقاته، ما مر عليه حين من الدهر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، أي: لأن هؤلاء المستثنين قد اغتنموا في حياتهم أوقاتهم، وطاقاتهم النفسية والجسدية، فيما يجعلهم رابحين ربحًا عظيمًا يوم الدين، في جنات النعيم.
القاعدة الثالثة: الإتقان والإحسان في العمل
стр. 315
إن من صفات أفعال الله الإتقان في صنع كل شيء، وهو يجب المحسنين، ويحب من المؤمن المسلم إذا عمل عملًا أن يتقنه.
هذه القاعدة قد دلت عليها عدة نصوص:
- قال الله في سورة "النمل: ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول":
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ .
- وروى البيهقي عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال:
"إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" "حديث حسن. الجامع الصغير وزيادته رقم ١٨٩١".
- وتكرر في القرآن بيان أن الله يحب المحسنين وأنه تعالى مع المحسنين، وأنه لا يضيع أجر المحسنين، بل يزديهم ثوابًا.
- وأبان الله أن الإحسان من أوصاف الأخيار الأطهار من عباده، من الأنبياء والمرسلين والصالحين.
القاعدة الرابعة: اختيار العمل الأيسر المحقق للمطلوب الذي لا معصية لله فيه.
لكل غاية يرجى تحقيقها بالعمل طرق ومسالك، ووسائل وأسباب مختلفة ومتنوعة، إلا أن بعضها أيسر وأسهل من بعض.
فيمكن مثلًا الوصول إلى مدينة ما، بصعود الجبال وتحمل ما فيها من عقبات شاقات وبعبور الطرق الوعرة، وبخوض غمار الوديان المليئة بالأشواق والحفر، والأنهار والأوحال، وتحمل ما فيها من مشقات ومتاعب.
ويمكن الوصول إليها بسلوك السبيل الواضح المنير المعبد، على مراكب مريحة آمنة هينة لينة.
وكل من الخيارين يمكن أن يحقق مطلوب الوصول إلى المدينة المقصودة.
стр. 316
ويعلمنا الرسول محمد ﷺ بالأسوة الحسنة التي كان يتحلى بها، أن نختار الأيسر والأسهل في كل أمر، إذا كان ذلك محققًا للمطلوب النافع المفيد، الذي لا معصية لله فيه.
- روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أنها قالت:
"ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما أنتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن ينتهك حرمة الله فينتقم لله بها". "مشكاة المصابيح رقم ٥٨١٧".
القاعدة الخامسة: المواظبة والدأب والمداومة على عمل الخير وإن قل
بعض الناس يندفعون بقوة وهمة عالية إلى فعل الصالحات والخيرات والمبرات، وبذل الطاقات والأموال، لكنهم يملون بسرعة، فتفتر عما قريب همتهم، وتضعف أعمالهم، وقد ينصرفون عما كانوا فيه من عمل صالح، وقد يتحولون إلى فعل السيئات بمثل الاندفاع القوي الذي كانوا يعملون فيه الصالحات.
وقد أبان الرسول ﷺ أن المداومة على العمل الصالح القليل، أحب إلى الله من العمل الصالح الكثير، الذي ينقطع عنه العامل، ولا يداوم ولا يواظب عليه.
- روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال:
"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".
إن النشاط الزائد في بدء ممارسة العمل يسمى شرة، وهذا النشاط الزائد قد لا ينجو منه معظم العاملين في أوائل أعمالهم الصالحات، ولكن إذا كانت الفترة بعد ذلك إلى المواظبة بهدوء وتؤدة على العمل الصالح القليل، كان صاحبها على هدى، وإن كانت الفترة بعد ذلك إلى انقطاع وتحول عن فعل الخير، كانت إلى هلاك.
стр. 317
- روى البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال:
"إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك". "حديث صحيح. الجامع الصغير وزيادته رقم ٢١٥٢".
وفي رواية عند أحمد: "ومن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح".
القاعدة السادسة: متابعة العمل الصالح الذي يفرغ العامل منه بإنشاء عمل صالح آخر.
لقد أمر الله رسوله محمدًا ﷺ الذي هو الأسوة الحسنة للناس أجمعين، والذي أمر المؤمنين بأن يقتدوا به، ويتأسوا بأخلاقه وعمله وسيرته، بقوله له مع أوائل تنزيل القرآن عليه في سورة "الشرح: ٩٤ مصحف/ ١٢ نزول":
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ .
أي: فإذا فرغت من إنجاز عمل صالح، فأنشئ عملا صالحا آخر، واجتهد فيه حتى تنصب.
النصب: هو التعب.
وهذا الأمر الموجه للرسول محمد ﷺ موجه أيضا لكل الذين أمرهم الله بأن يتأسوا به، في قوله تعالى في "سورة "الأحزاب: ٣٣/ مصحف/ ٩٠ نزول":
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
فعلى المؤمن المسلم العاقل الرشيد، أن يتحقق بمضمون قوله تعالى لرسوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ .
стр. 318
المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار
للعمل الصناعي والعمراني المتقدم المتطور بالاختراع والابتكار أركان أربعة:
الركن الأول:
العلم الذي يعتمد على وسائل الاختبار والتجربة والملاحظة والاستنباط، وموقف الإسلام منه -كما سبق- موقف التحريض والحث وفتح كل مجالات المعرفة أمام المسلمين الملتزمين بإسلامهم، إلا ما كان من هذه المجالات مزلقًا من مزالق الشر والأذى كالسحر.
الركن الثاني:
التخيل الذي يرتبط به الابتكار والاختراع، فالتخيل أفق من آفاق البحث العلمي الذي من شأنه أن يتناول الأشياء الموجودة بالدراسة، والأشياء غير الموجودة من الممكنات العقلية بقوة التخيل من جهة، وبمعالجة الأشياء بالتحليل والتركيب، والجمع والتفريق، والامتحان والاختبار، من جهة أخرى، وموقف الإسلام من هذا الركن موقف الدفع والتحريض.
الركن الثالث:
اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون الواسع الأرجاء مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، وهذا الركن مما أعلنه الإسلام وحرض عليه، باستثناء ما يغلب ضرره على نفعه، أو يتساوى ضرره ونفعه، أو تكون نسبة ضرره كثيرة ويوجد بديل عنه لا ضرر فيه أو دونه في الضرر، وهذا الضرر يوجد نظيره في المباحات شرعًا.
الركن الرابع:
العمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار، وهذا الركن مما حرص عليه الإسلام أيضًا.
стр. 319
وبقليل من التأمل في نصوص الإسلام نجد أنه قد حرض القدرات الإنسانية على أن تستفيد من كل ما في هذا الكون، وحض على العلم والاختبار والتجربة والاستنباط، والاختراع والابتكار، والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي.
وحين ننظر إلى الركن الثالث وهو اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، بشيء من التفصيل نجد أن الأدلة عليه من النصوص الإسلامية كثيرة، منها النصوص التالية:
١- قول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول" ممتنًا على الناس: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
ففي هذا النص دليل واضح على أن جميع ما في الأرض مسخر بإرادة الله وإذنه لمنفعة الناس، وحينما يُحرم الإسلام على الناس بعض الأشياء فإنما يُحرم عليهم أن يستعملوها فيما يضرهم، أو فيما للإسلام فيه هدف ديني من التحريم، أما إذا استعملوها في أمور أخرى نافعة غير ضارة فلا تحريم ولا منع، ومن أمثلة ذلك الكحول، فقد حرم الإسلام شربها، ولم يحرم استعمالها في قتل الجراثيم وتطهير الجروح منها، ولم يحرم استعمالها في تحليل المواد الكيميائية، وغير ذلك من أمور كثيرة تنفع الكحول فيها ولا تضر.
٢- وقول الله تعالى في سورة "الحج: ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول":
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
٣- وقول الله تعالى في سورة "الجاثية: ٤٥ مصحف/ ٦٥ نزول":
﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وفي هاتين الآيتين نلاحظ أن الله ﵎ قد ذكر طائفة من
стр. 320
المسخرات للناس في الطبيعة، وذلك في قوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْر﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
وذكر طائفة من المسخرات التي دخلت فيها يد الصناعة الإنسانية في قوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ . وذلك لأن هذه المصنوعات ما كانت لتستطيع تأدية وظائفها لولا القوانين والسنن الدائمة التي طبع الله الأشياء عليها، وجعلها مسخرة لينتفع بها الإنسان.
في هذه النصوص ونظائرها نلمح مبلغ الدفع الإسلامي الشديد إلى العمل الصناعي والعمراني، والاختراع والابتكار.
والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني، والمستند إلى العلم وتحريض عوامل الاختراع والابتكار، هو الركن التطبيقي الذي لا يتم التقدم المادي الحاضري إلا به.
ولما كانت خطة الإسلام التي رسمها الله للناس محتوية على فسح مجالات التقدم المادي الحضاري الخير، الذي لا إثم فيه، ولا ضرر يكون منه، ولا شر يخالطه، كان من شأن النصوص الإسلامية أن تحمل دلالات قوية وصريحة تكشف هذه الخطة، وتوضحها للناس.
إن إعلان تسخير ما في السماوات وما في الأرض جميعًا للإنسان يتضمن بشكل قوي الدفع البالغ للعمل الصناعي، للانتفاع من هذه المسخرات؛ لأنه لا يستطاع الانتفاع بكل هذه المسخرات الكبرى ما لم تدخل فيها يد العمل، بالجني، أو بالاستنتاج، أو بالتعمير، أو بالتصنيع، أو بالتحليل والتركيب والجمع والتفريق، والاختبار والتجربة، والتخيل، والاستنباط، والاختراع والابتكار، ونحو ذلك.
ثم نجد في النصوص ما هو أكثر صراحة مما سبق.
١- أليس في قول الله لنوح ﵇ فيما قصه علينا في سورة "هود: ١١ مصحف/ ٥٢ نزول":
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .
следующие страницы →