Полный текст (643 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ويعلمنا الرسول محمد ﷺ بالأسوة الحسنة التي كان يتحلى بها، أن نختار الأيسر والأسهل في كل أمر، إذا كان ذلك محققًا للمطلوب النافع المفيد، الذي لا معصية لله فيه.
- روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أنها قالت:
"ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما أنتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن ينتهك حرمة الله فينتقم لله بها". "مشكاة المصابيح رقم ٥٨١٧".
القاعدة الخامسة: المواظبة والدأب والمداومة على عمل الخير وإن قل
بعض الناس يندفعون بقوة وهمة عالية إلى فعل الصالحات والخيرات والمبرات، وبذل الطاقات والأموال، لكنهم يملون بسرعة، فتفتر عما قريب همتهم، وتضعف أعمالهم، وقد ينصرفون عما كانوا فيه من عمل صالح، وقد يتحولون إلى فعل السيئات بمثل الاندفاع القوي الذي كانوا يعملون فيه الصالحات.
وقد أبان الرسول ﷺ أن المداومة على العمل الصالح القليل، أحب إلى الله من العمل الصالح الكثير، الذي ينقطع عنه العامل، ولا يداوم ولا يواظب عليه.
- روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال:
"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".
إن النشاط الزائد في بدء ممارسة العمل يسمى شرة، وهذا النشاط الزائد قد لا ينجو منه معظم العاملين في أوائل أعمالهم الصالحات، ولكن إذا كانت الفترة بعد ذلك إلى المواظبة بهدوء وتؤدة على العمل الصالح القليل، كان صاحبها على هدى، وإن كانت الفترة بعد ذلك إلى انقطاع وتحول عن فعل الخير، كانت إلى هلاك.
стр. 317
- روى البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال:
"إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك". "حديث صحيح. الجامع الصغير وزيادته رقم ٢١٥٢".
وفي رواية عند أحمد: "ومن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح".
القاعدة السادسة: متابعة العمل الصالح الذي يفرغ العامل منه بإنشاء عمل صالح آخر.
لقد أمر الله رسوله محمدًا ﷺ الذي هو الأسوة الحسنة للناس أجمعين، والذي أمر المؤمنين بأن يقتدوا به، ويتأسوا بأخلاقه وعمله وسيرته، بقوله له مع أوائل تنزيل القرآن عليه في سورة "الشرح: ٩٤ مصحف/ ١٢ نزول":
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ .
أي: فإذا فرغت من إنجاز عمل صالح، فأنشئ عملا صالحا آخر، واجتهد فيه حتى تنصب.
النصب: هو التعب.
وهذا الأمر الموجه للرسول محمد ﷺ موجه أيضا لكل الذين أمرهم الله بأن يتأسوا به، في قوله تعالى في "سورة "الأحزاب: ٣٣/ مصحف/ ٩٠ نزول":
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
فعلى المؤمن المسلم العاقل الرشيد، أن يتحقق بمضمون قوله تعالى لرسوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ .
стр. 318
المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار
للعمل الصناعي والعمراني المتقدم المتطور بالاختراع والابتكار أركان أربعة:
الركن الأول:
العلم الذي يعتمد على وسائل الاختبار والتجربة والملاحظة والاستنباط، وموقف الإسلام منه -كما سبق- موقف التحريض والحث وفتح كل مجالات المعرفة أمام المسلمين الملتزمين بإسلامهم، إلا ما كان من هذه المجالات مزلقًا من مزالق الشر والأذى كالسحر.
الركن الثاني:
التخيل الذي يرتبط به الابتكار والاختراع، فالتخيل أفق من آفاق البحث العلمي الذي من شأنه أن يتناول الأشياء الموجودة بالدراسة، والأشياء غير الموجودة من الممكنات العقلية بقوة التخيل من جهة، وبمعالجة الأشياء بالتحليل والتركيب، والجمع والتفريق، والامتحان والاختبار، من جهة أخرى، وموقف الإسلام من هذا الركن موقف الدفع والتحريض.
الركن الثالث:
اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون الواسع الأرجاء مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، وهذا الركن مما أعلنه الإسلام وحرض عليه، باستثناء ما يغلب ضرره على نفعه، أو يتساوى ضرره ونفعه، أو تكون نسبة ضرره كثيرة ويوجد بديل عنه لا ضرر فيه أو دونه في الضرر، وهذا الضرر يوجد نظيره في المباحات شرعًا.
الركن الرابع:
العمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار، وهذا الركن مما حرص عليه الإسلام أيضًا.
стр. 319
وبقليل من التأمل في نصوص الإسلام نجد أنه قد حرض القدرات الإنسانية على أن تستفيد من كل ما في هذا الكون، وحض على العلم والاختبار والتجربة والاستنباط، والاختراع والابتكار، والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي.
وحين ننظر إلى الركن الثالث وهو اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، بشيء من التفصيل نجد أن الأدلة عليه من النصوص الإسلامية كثيرة، منها النصوص التالية:
١- قول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول" ممتنًا على الناس: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
ففي هذا النص دليل واضح على أن جميع ما في الأرض مسخر بإرادة الله وإذنه لمنفعة الناس، وحينما يُحرم الإسلام على الناس بعض الأشياء فإنما يُحرم عليهم أن يستعملوها فيما يضرهم، أو فيما للإسلام فيه هدف ديني من التحريم، أما إذا استعملوها في أمور أخرى نافعة غير ضارة فلا تحريم ولا منع، ومن أمثلة ذلك الكحول، فقد حرم الإسلام شربها، ولم يحرم استعمالها في قتل الجراثيم وتطهير الجروح منها، ولم يحرم استعمالها في تحليل المواد الكيميائية، وغير ذلك من أمور كثيرة تنفع الكحول فيها ولا تضر.
٢- وقول الله تعالى في سورة "الحج: ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول":
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
٣- وقول الله تعالى في سورة "الجاثية: ٤٥ مصحف/ ٦٥ نزول":
﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وفي هاتين الآيتين نلاحظ أن الله ﵎ قد ذكر طائفة من
стр. 320
المسخرات للناس في الطبيعة، وذلك في قوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْر﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
وذكر طائفة من المسخرات التي دخلت فيها يد الصناعة الإنسانية في قوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ . وذلك لأن هذه المصنوعات ما كانت لتستطيع تأدية وظائفها لولا القوانين والسنن الدائمة التي طبع الله الأشياء عليها، وجعلها مسخرة لينتفع بها الإنسان.
في هذه النصوص ونظائرها نلمح مبلغ الدفع الإسلامي الشديد إلى العمل الصناعي والعمراني، والاختراع والابتكار.
والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني، والمستند إلى العلم وتحريض عوامل الاختراع والابتكار، هو الركن التطبيقي الذي لا يتم التقدم المادي الحاضري إلا به.
ولما كانت خطة الإسلام التي رسمها الله للناس محتوية على فسح مجالات التقدم المادي الحضاري الخير، الذي لا إثم فيه، ولا ضرر يكون منه، ولا شر يخالطه، كان من شأن النصوص الإسلامية أن تحمل دلالات قوية وصريحة تكشف هذه الخطة، وتوضحها للناس.
إن إعلان تسخير ما في السماوات وما في الأرض جميعًا للإنسان يتضمن بشكل قوي الدفع البالغ للعمل الصناعي، للانتفاع من هذه المسخرات؛ لأنه لا يستطاع الانتفاع بكل هذه المسخرات الكبرى ما لم تدخل فيها يد العمل، بالجني، أو بالاستنتاج، أو بالتعمير، أو بالتصنيع، أو بالتحليل والتركيب والجمع والتفريق، والاختبار والتجربة، والتخيل، والاستنباط، والاختراع والابتكار، ونحو ذلك.
ثم نجد في النصوص ما هو أكثر صراحة مما سبق.
١- أليس في قول الله لنوح ﵇ فيما قصه علينا في سورة "هود: ١١ مصحف/ ٥٢ نزول":
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .
стр. 321
أمر من الله لرسول من رسله بصناعة مخترع جديد، لم يكن الناس على علم به؟ وقد أحاطت هذا المخترع الجديد عناية الله، ورافقه وحي منه، يدل على هذا قول الله تعالى في الآية: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .
فأية دعوة للاختراع والابتكار والعمل الصناعي أقوى من هذه الدعوة؟
ولقد كان الملأ من قوم نوح يمرون عليه وهو يصنع الفلك فيسخرون منه، قال الله تعالى في سورة "هود: ١١ مصحف/ ٥٢ نزول":
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ .
وبهذا نلاحظ أن نقطة البداية لبناء السفن البحرية قد كانت وحيًا ربانيًّا لرسول من رسل الله، وهداية ربانية للناس، دفعهم الله بها إلى طريق العمل الصناعي الضخم لركوب البحار، والابتغاء من فضل الله على متونها.
وما يعرضه القرآن من أحوال الرسل، وما أوحاه الله إليهم مما لم ينسخه بحكم جديد، إنما يعطي الله به صورة للإسلام الحق الذي اصطفاه الله للناس أجمعين، والذي بدأه بما أنزل على آدم ﵇، وختمه بما أنزله على محمد صلوات الله عليه.
٢- أليس في قول الله تعالى في معرض الحديث عن داود ﵇ في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول":
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ، وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ .
بيان واضح من الله أن اختراع دروع الحرب وصناعتها قد كانا بتعليم من الله لداود ﵇، وبتحريض له على أن يصنعها بيده، وهو نبي من أنبيائه، لتكون حصنا للمؤمنين من بأس الكافرين؟؟
ولم يكتف الله ﵎ بذلك، ولكنه أمر داود ﵇ أن يتقن
стр. 322
صناعته ويُحكمها، فقال له كما قص علينا في سورة "سبأ: ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول":
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ .
فمن إحكام وإتقان صنعته الدروع أن تكون سابغات، وأن تكون حلقاتها ذوات مقادير متناظرة.
وبهذا نلاحظ أن الله قد شق للناس طريق الابتكار الاختراع والتصنيع مع مراعاة الإتقان، واستكمال الشروط التي تحقق الأهداف المقصودة من الصناعة.
٣- وقد أمتن الله على الناس بما وهبهم من قدرة على تعمير البيوت، وصناعة الأثاث، وصناعة الألبسة المختلفة الأنواع، والمختلفة المصالح، فقال تعالى في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ .
ألسنا نرى أن الله ﵎ أمتن علينا بالبيوت، وبالأثاث، وبالسرابيل، مع أن هذه الأشياء لا تتم بحسب السنن الأرضية المستمرة ما لم تدخل فيها يد الإنسان بالتعمير والصناعة.
ويتضمن هذا الامتنان عدة عناصر:
العنصر الأول: أن الله أوجد لنا المواد الأولى التي نستفيد منها، وذللها لقدراتنا.
العنصر الثاني: أن الله أذن لنا بالانتفاع من جميع ما خلق لنا في الأرض وذلك في وجوه لا ضرر فيها.
стр. 323
العنصر الثالث: أن الله وهبنا القدرات التي نستطيع بها أن نعمر المساكن ونصنع الأثاث والرياش والملابس، من هذه القدرات الفكرية الشاملة لقدرات البحث والمعرفة والتذكر والتخيل والابتكار، ومنها القدرات العملية التي نستطيع بها أن نعالج الأشياء بالاختبار والتجربة، والتحليل والتركيب، والجمع والتفريق، وأن تستخدم قواها وطاقاتها الظاهرة والكمينة، ونوجهها لما نريد من مصالح ومنافع.
وفي قول الله تعالى في آخر الامتنان: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم﴾ إشارة إلى الأشياء الكثيرة التي لا تحصر، مما سيبتكره الإنسان، حينما يتابع مسيرته في البحث العلمي، وفي العمل التطبيقي، وفي اختراع الوسائل التي تمنحه في الحياة القوة، والصحة، ورفاهية العيش، والراحة، واختصار الزمن.
٤- وفي قول الله تعالى في سورة "الحديد: ٥٧ مصحف/ ٩٤ نزول":
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
حث ملح على الاستفادة من الحديد باستخدامه في مجالات القوة لإعلاء كلمة الله، وإقامة العدل، وباستخدامه في مجالات المنافع المدنية الكثيرة.
أفيستفاد من الحديد مع إبقائه كتلًا غير مصنعة؟ أم لا بد من أن تدخل فيه يد الصناعة والاختراع؟.
وأما الدعوة إلى استعمار الأرض، أي: العمل في عمرانها، فنجدها في قول الله تعالى في سورة "هود: ١١ مصحف/ ٥٢ نزول":
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيب﴾ .
أي: أنشأكم من الأرض، وطلب منكم أن تغمروها، ولا يتم ذلك على الوجه الأكمل إلا بالعمل بروية ودأب وإتقان، بعد اكتساب العلوم والمهارات العمرانية، التي منها الهندسة المختلفة وما يتعلق بها، ويشتمل الاستعمار أيضًا على كل الأعمال الحضارية المادية، على وجه العموم.
стр. 324
المقولة الرابعة: دفع شبهات
وبعد أن تبينا موقف الإسلام من العمل الصناعي والزراعي والعمراني، ومن الاختراع والابتكار والتحسين في مختلف مجالات الحياة المادية، لا بد أن يشتد عجبنا من الذين يفترون على الإسلام فيقولون: نريد أن نتخلص من القيود الإسلامية لندخل في عالم الصناعة الحديثة والاختراع والابتكار من أوسع الأبواب، كأن الإسلام في نظرهم عدو الصناعة والاختراع والابتكار.
إنهم بهذا يحاولون أن يطمسوا معالم الدعوة إلى الكمالات المادية التي نصبها الإسلام في طريق العاملين، وذلك ضمن دعوته المسلمين إلى العمل.
وغرض هؤلاء المفترين أن يحجبوا الملتزمين بإسلامهم عن العمل الصناعي، الذي يتوقف عليه التقدم المادي الحضاري.
ويردد بعض أبناء المسلمين الشبهات المستوردة من مصانع أعداء الإسلام التي تتهم الإسلام بالجمود، وعدم مسايرته لما يجد من ألوان الحضارة والتقدم المادي، التي تستند إلى متابعة البحوث العلمية، والمكتشفات المادية، والتجارب العملية.
وهي شبهات تغري عشاق التقدم الحضاري المادي المستند إلى البحث والاختبار والتجربة بأن تساورهم الشكوك حول الإسلام.
مع أن الحقيقة التي استبانت لنا عن الإسلام بالبحث الشامل تسير في طريق معاكس تمامًا للاتهامات التي تلصقها به هذه الشبهات، ما دامت المنجزات الحضارية المادية وغير المادية تحمل للناس الخير والقوة والرفاهية البريئة من الإثم، وتحمل الجمال الطاهر من عناصر الشر والفساد.
стр. 325
ولئن صح إطلاق مثل هذه الاتهامات في أوروبا يوم كانت الكنيسة تحارب كل تقدم علمي وترق حضاري، فإنه لا يصح بحال من الأحوال أن تعمم حتى تتناول المسلمين بوجه عام، وقد سجل تاريخهم الذهبي قبل عصور الانحطاط أروع صفحات العمل الحثيث لاقتباس كل علم، ومتابعة كل معرفة إنسانية، بالقدر الذي سمحت به ظروف نهضتهم وحضارتهم في المرحلة التاريخية التي تصدوا لقيادتها حينئذ.
ومما هو بعيد عن الإنصاف كل البعد إتهام الإسلام أو المسلمين بالجمود؛ لأن دورًا من أدوار الانحطاط أصاب الشعوب الإسلامية بالتخلف بعد أن تراكبت عليهم مجموعة من الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية فساقتهم إليه.
ويمكن وصف هذه الأسباب والعوامل جميعها بأنها أمور دخيلة عليهم، وليست من جوهر تعاليم الإسلام، ولا من أسس تربيتهم الإسلامية التي توارثوها من منبعها الأساسي، الذي تفجر مع فجر الإسلام بالخير والخصب والعلم، وبكل عمل نافع، وبكل تقدم حضاري كريم، وكل حياة سعيدة رغيدة طاهرة من الإثم والشر والفساد في الأرض.
هذه التربية الإسلامية التي قام عليها أول الأمر رسول الله صلوات الله عليه، ثم تلاميذ مدرسته التاريخية من بعده، فقدمت للعالم معجزة تاريخية لا تطاولها معجزة أخرى.
هذه هي التربية العجيبة التي استطاعت أن تحول في ربع قرن شعبًا متخلفًا في ثقافته وحضارته ومدنيته فتجعل منه شعبًا قائدًا رائدًا للعالم المتحضر يومئذ، فاتحًا فكره للعلم، وقلبه للإنسانية جمعاء، ونفسه لحب الخير والسعي إليه حيث كان، ومقدمًا جميع قواه وطاقاته للعمل المثمر في سبيل مجد الإنسانية وسعادتها الدنيوية والأخروية، وفي سبيل تحرير الإنسان من العبوديات المختلفات، وربطه فقط بعبوديته للقوة القاهرة، العليمة الحكيمة غير المنظورة، وهي العبودية لله وحده لا شريك له، وهي العبودية الاعتقادية والعملية الموافقة للحقيقة التي عليها واقع كل مخلوق.
стр. 326
فدار بهم الزمن آنئذ دورة حضارة راقية خالية من الشر والإثم والضر، ورافقتها أفضل مدينة عرفتها تلك العصور، فلم يدعوا مجالًا من مجالات المعرفة التي تيسرت لهم حينئذ إلا خاضوا غماره، ولا ميدانًا من ميادين السبق العلمي إلا كانوا مجلين فيه، بينما كانت أوروبا وسائر الشعوب تعط في نوم التخلف العميق، وظلام الجهل الدامس.
ولم يكن التقدم الذي أحرزه المسلمون آنئذ أثرًا من آثار طبائعهم القومية أو العنصرية، وإنما كان أثرًا من آثار التربية الإسلامية، وشواهد ذلك كثيرة جدًّا، من النصوص الإسلامية، والتاريخ الصحيح.
стр. 327
الفصل الثالث: التربية
لا غرو أن التربية من وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة.
والتربية العامة تكون بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، واستمالة الأنفس بالترغيب بمحابها الخيرة، وبالترهيب مما تكره من شر أو ضر أو أذى.
الشرح:
لو أن الإنسان كائن عديم الفكر والإرادة والدوافع والميول الذاتية ومطالب الأنفس، لكان من الممكن تسخيره وتوجيهه بالقوى المكافئة لقواه الجسدية، دون أن يقف فيه شيء موقف العناد والمعارضة، أو موقف الطلب وإملاء الشروط، لكنه كائن عجيب التركيب.
ففيه الفكر المؤهل لمعرفة الحقائق واستنباط غوامض الأمور.
وفيه الإرادة ذات النزعات المتضادة، كالاستجابة والرفض، والموافقة والمعارضة، والإقبال والإدبار.
وفيه الدوافع والميول التي تحرضه على أنواع خاصة من السلوك لتحقيق مجموعة من المطالب النفسية المادية والمعنوية.
ومن أجل ذلك كان انتظامه في سلك بناة الحضارة المجيدة انتظامًا طوعيًّا يتطلب شحن فكره وإرادته ودوافعه وأنواع ميوله الذاتية بقوى معنوية تجعله يستجيب لهذا الانتظام استجابة ذاتية، ويُسهم بنصيب من العمل في بناء صرح
стр. 328
الحضارة المجيدة، لا مسخرًا تسخيرًا فاقد الإرادة، بقوة خارجة عنه أو داخلة فيه.
أما شحن فكره وإرادته ودوافعه وأنواع ميوله الذاتية بالقوى المعنوية التي تجعله يستجيب للانتظام في سلك بناة صرح الحضارة المجيدة استجابة ذاتية فأمر من أمور التربية العليا، ذات المسالك المختلفة، التي يجب أن تلاحظ فيها النصائح والوصايا التربوية المستندة إلى حصائل الدراسات النفسية المختلفة، وقد أرشد الإسلام إليها، منبهًا على كلياتها الكبرى وهي:
أولًا: الدعوة بالحكمة.
ثانيًا: الدعوة بالموعظة الحسنة.
ثالثًا: استمالة الأنفس بالترغيب بمحابها الخيرة، وبالترهيب مما تكره من شر أو ضر أو أذى.
ولنعالج هذه الكليات الثلاث بشيء من التفصيل، مستهدين بما جاء في مصادر الحضارة الإسلامية.
الدعوة بالحكمة:
أما الدعوة بالحكمة فهي التربية التي تعتمد على وسائل الإقناع الفكري المنطقي الحكيم، بالحجج والبراهين المثبتة للحقائق، وتكون الحكمة باتخاذ الأساليب الملائمة للحالة الفكرية والنفسية التي عليها الذين توجه لهم التربية.
وللمربين في هذا المجال أصول وقواعد استخلصوها من تجارب الحياة، ومن الدراسات النفسية والنظرية والتطبيقية، ونلاحظ أن الإسلام يدعو إليها بشكل عام، ويعرض طائفة من جزئياتها، كما أنه لم يفته أن يقدم لنا من أمثلتها نماذج رفيعة قام بها النخبة الممتازة من الدعاة إلى الله، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ونماذج أخرى قام بها بعض المربين الذين تخرجوا في مدارس الدعوة التي أسسها الرسل، كالنموذج التربوي الذي قصه لنا القرآن عن الحكيم لقمان في موعظته لابنه، قال الله تعالى في سورة "لقمان: ٣١ مصحف/ ٥٧ نزول":
стр. 329
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
فمن حكمة لقمان في موعظته لابنه أنه حينما نهاه عن الشرك بالله قرن له ذلك بالدليل المقنع المؤكد، فقال له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ . ومن بدهيات العقول أن الظلم قبيح، وعاقبته وخيمة، ومن أدرك هذه الحقيقة اكتسب قناعة كافية، تجعله يخشى خشية كبيرة من الشرك بالله.
الدعوة بالموعظة الحسنة:
وأما الدعوة بالموعظة الحسنة فهي التربية التي تعتمد على وسائل التأثير الخطابي، المقرونة بالأساليب البيانية المختلفة، ذات الخصائص التي تمكن المربي من القبض على نواصي الأنفس، وتحريك العواطف والانفعالات الإنسانية، وتوجيهها إلى طريق الحق والخير والجمال.
ومن الأساليب البيانية فنون القصة، وروائع التصوير الفني، وطرق الكناية والاستعارة والتشبيه والمجاز، وضرب الأمثلة، إلى غير ذلك مما يعرفه مهرة البلغاء والبيانيين من أدباء وشعراء وباحثين.
ونصوص الدعوة الإسلامية في كتاب الله المجيد وسنة رسوله الكريم ذاخرة بروائع الأساليب البيانية المختلفة، التي تملك مشاعر المتدبرين، وتلين القلوب القاسية بقوة تأثيرها، فتجعلها طيعة للاستجابة إلى الحق، وتصرف عنها كثيرًا من عقد العناد والكبر والحسد وسائر انحرافات النفس والفكر، وذلك لأن الأنفس إذا استحسنت أو استعذبت شيئًا من الأشياء مالت إليه، وانجذبت نحوه، وانفعلت به انفعال مسرة، ومع الميل والمسرة يتولد الحب، وبالحب تنحل معظم العقد، وأهمها العقد التي تنشأ عن النفور والكراهية وعدم الإلف، ومتى انحلت العقد النفسية عاد الإنسان إلى فطرته الصافية التي تقبل الحق وتستجيب له، بل ربما استطاع المضللون صرف الإنسان عن الحق الصريح الذي يستمسك
стр. 330
به بهذه الوسيلة نفسها، فكيف بدعاة الحق، وحملة مصابيح الهدى، إذا أحسنوا استخدام هذه الوسيلة في مجال الحق والخير والفضيلة.
استمالة الأنفس:
وأما استمالة الأنفس بالترغيب بمحابها الخيرة، وبالترهيب مما تكره من شر أو ضر أو أذى، فهي التربية التي تعتمد على وسائل تتجاوز حدود القول إلى مختلف الطرق العملية الترغيبية والترهيبية.
ومن أهمها التآخي والمواساة، وبذل المال والجاه والخدمة، وعرض نتائج طرق الخير وطرق الشر بمشاهد واقعية تملأ الإنسان قناعة وإذعانًا، إلى غير ذلك.
ويدخل في هذا ما شرعه الإسلام من إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة لتأليف قلوبهم على الإسلام، ومنه ما كان يفعله الرسول صلوات الله عليه من العطاءات التي تهدف إلى تأليف القلوب، وفي الحديث الصحيح يقول الرسول صلوات الله عليه: "إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكني إنما أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير". رواه البخاري.
ولهذا العنصر من قوة التأثير في حل كثير من العقد النفسية مثل ما للعنصر السابق، بل ربما كان أشد منه لدى بعض النفوس التي يأسرها الإحسان المادي، أكثر مما تأسرها الأساليب البيانية الرفيعة، فكم من عطاء أبلغ من بيان، وكم من إحسان أعظم أثرًا من برهان، وذلك إنما يعود إلى حالة كل إنسان توجه له التربية، ليكون جنديًّا في جيش بناة الحضارة الإسلامية المجيدة.
شروط التربية:
وللتربية بهذه الطرق شروط إسلامية متعددة نذكر منها فيما يلي سبعة شروط:
стр. 331
الشرط الأول:
صحة ما يدعو إليه المربي الإسلامي والتزامه به، فإذا كان ما يدعو إليه باطلًا لم تكن رسالته رسالة بناة الحضارة الإسلامية المجيدة، مهما استطاع أن يجد لباطله أنصارًا ومؤيدين.
الشرط الثاني:
تقيد المربي الإسلامي في دعوته بالأصول المنطقية الفكرية السليمة، وذلك ليصون دعوته عن الخطأ والانحراف، وليسلح من يقوم على تربيتهم بالحجج والبراهين المنطقية التي تثبت الحق في نفوسهم، وتعطيهم القدة على بثه، ونشره، وغرسه في قلوب الجاهلين.
ومن تقيده بالأمور المنطقية تدرجه من المعلومات إلى المجهولات، على مقدار حال الذين يقوم على تربيتهم ودعوتهم إلى سبيل الله.
الشرط الثالث:
تجرد المربي الإسلامي الذي يحمل رسالة الدعوة إلى بناء الحضارة الإسلامية المجيدة من الغرض الشخصي، وإعلانه هذا التجرد، فعنصر التجرد عن الغرض الشخصي في الدعوة إلى الإصلاح من أهم العناصر المؤثرة التي تجعل المنصفين يستجيبون للدعوة، ويتأثرون بإرشاد الداعي ونصحه وتوجيهه.
ولذلك كان الرسل عليهم الصلاة والسلام يعلنون تجردهم عن الغرض الشخصي بأن يقولوا لأقوامهم: "لا نسألكم عليه أجرًا" "لا نسألكم عليه مالًا" ونحو ذلك.
وقد أمر الله رسوله محمدًا عليه السلاة والسلام بأن يقتدي بهدي الرسل السابقين فيقول لقومه: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 332
الشرط الرابع:
ألا يحابي المربي الإسلامي أحدًا فيما يصدع به، فمن أهم وسائل تربية الجماهير الإنسانية عدم المحاباة في الصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي استخدام وسائل التربية المختلفة، ووضع الناس كلهم على قدم المساواة بين يدي الدعوة، وبين يدي المسالك التربوية.
وكذلك كان رسل الله عليهم الصلاة والسلام، لا يفرقون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي تطبيق وسائل التربية بين قريب وبعيد، بل كانوا يبدءون بالأقربين يأمرونهم وينهونهم وينذرونهم، ويشهد لهذا قول الله لرسوله في سورة "الشعراء: ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول":
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .
الشرط الخامس:
القدوة الحسنة، فمن أهم شروط التربية المؤثرة أيضًا كون المربي في ذاته وأخلاقه وأعماله قدوة حسنة، وذلك بأن يكون ملتزمًا جميع ما يأمرهم به، ومتجنبًا جميع ما ينهاهم عنه، وإلا كان القوم في شك من دعوته وأوامره ونواهيه، ولم يكن لدعوته أثر فعال في نفوسهم، ولا أثر تطبيقي في سلوكهم، ومن أجل ذلك قال النبي شعيب ﵇، فيما حكاه الله عنه في سورة "هود: ١١ مصحف/ ٥٢ نزول":
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
الشرط السادس:
اتخاذ وسائل الرفق واللين في الدعوة، وتنزيل الناس منازلهم، وقد علم الله موسى ذلك حينما أمره بأن يذهب هو وأخوه هارون إلى فرعون، قال الله تعالى في سورة "طه: ٢٠ مصحف/ ٥٤ نزول" حكاية لما خاطب به موسى ﵇:
стр. 333
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ .
ولا تنيا: أي: ولا تضعفا ولا تفترا.
وقد علمه الله صيغة القول اللين كما أخبرنا في سورة "النازعات: ٧٩ مصحف/ ٨١ نزول":
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ .
ففي قوله له: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ عرض متراخ مملوء باللين والرفق وإعطاء فرعون منزلته في قومه، وذلك من أساليب الحكمة في الدعوة التي يجب الالتزام بها.
وسائل الدعوة:
وللدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وسائل مختلفة، ومنها الوسائل التالية:
الوسيلة الأولى:
اللسان، ويقتدي الداعي الحكيم بطرق وفنون الدعوة التي قام بها الرسل عليهم الصلاة والسلام بصفة عامة, وبطرق وفنون الدعوة التي قام بها محمد ﷺ بصفة خاصة، ثم بالطرق الناجحة التي سلكها النخبة الممتازة من أصحابه رضوان الله عليهم، والتي سلكها تابعوهم بإحسان.
والدعوة الحكيمة باللسان تتضمن الإقناع الهادي بالحديث الخاص، والإقناع بالخطابة العامة، غير الموجهة لشخص بعينه، وباستمالة القلوب بكل قول لين كريم، وأدبي رفيع، وبياني مؤثر، وعرض الحقائق التي يراد الإرشاد إليها بطريقة غير مباشرة، كأن تكون قصة، أو على طريقة ضرب مثل، وكأن يضرب بها مثل لغيرها على اعتبار أنها من الأمور البدهية المسلم بها، مع تصيد المناسبات الملائمات، واستغلال الظروف النفسية التي تكون النفس معها مهيأة
стр. 334
للاستجابة والإصغاء، والداعي الحكيم يعمل على تهيئة الجو النفسي الملائم، ثم يحسن الاستفادة منه لدعوته الخيرة، ولعلماء النفس في هذا الباب نظرات يمكن الاستفادة منها بشكل واسع، وقد سبقهم في ذلك علماء المسلمين الذين اطلعوا بمهمات التربية الإسلامية العملية، والدارس لأحوالهم يجد أن لديهم أساليب كلامية محاطة بأجواء ملائمة تتغشى على الأنفس بالسكينة والطمأنينة، فتجعلها في ذروة الاستعداد للتأثر بما يملي عليها.
الوسيلة الثانية:
الكتابة نشرًا وشعرًا وما بينهما، ويكون ذلك عن طريق المؤلفات، والمقالات، وسائر المنشورات المكتوبة، التي تدخل إلى النفوس عن طريق الإقناع الفكري، أو عن طريق التأثير الوجداني.
ولهذه الوسيلة أثرها الفعال عند كثير من الناس، ومنهم المصابون بعقدة الاستعلاء والاغترار بالنفس والإعجاب بالرأي، والمصابون بعقدة الكبر والعناد، فهؤلاء يصعب عليهم تلقي أية نصيحة مهما رق أسلوبها، وعذب لفظها، وتأخذهم العزة النفسية المقرونة بالإثم، متى وجه لهم ناصح أية موعظة مهما كانت حسنة لكنهم إذا قرءوا ذلك في كتاب أو في مقالة أو في شعر أمكن أن يدخل إلى نفوسهم دون أن يصطدم بما لديهم من عقد صماء.
الوسيلة الثالثة:
التربية والتعليم، وينبغي أن تهتم هذه الوسيلة بالمراحل الأولى لحياة الإنسان اهتمامًا كبيرًا، لما لها في هذه المراحل من آثار عظيمة، فهي في هذه المراحل أنفذ إلى أعماق النفوس، وأكثر تأثيرًا وأبقى مع الزمن، ثم تهتم بالمراحل الثانية التي تضم المراهقة والشباب، ثم تهتم بما وراء ذلك من مراحل في حياة الإنسان، وتغطي كل مرحلة ما يناسبها من الأصول والقواعد التربوية الحكيمة.
وتتحقق هذه الوسيلة بتأسيس المدارس والمعاهد والجماعات الإسلامية، التي تتآزر فيها الخطط والمناهج والتطبيقات لتحقيق غاية بناء الحضارة الإسلامية المجيدة.
стр. 335
والشرط الأساسي لهذه الوسيلة أن تكون موجهة لما يخدم الرسالة الإسلامية بشكل عام، عقيدة وشريعة وسلوكًا وبناء حضاريًّا رفيعًا.
الوسيلة الرابعة:
نشر الوعي الثقافي الإسلامي عن طريق المربين والمعلمين والوعاظ والمرشدين الذين يحملون رسالة الدعوة الشاملة، في المجامع العامة والخاصة، وينبئون في معظم المجتمعات والحلقات والأسر، ضمن وحدة توجيهية وثقافية منسقة، تهدف إلى إقامة مجتمع صالح مؤهل لبناء الحضارة الإسلامية بناء صحيحًا، على أسسها الفكرية الراسخة.
ويمكن أن تتحقق هذه الوسيلة باستخدام المساجد والجوامع لنشر الوعي الثقافي، وبتأسيس الأندية الثقافية الإسلامية، وجعلها تحت إشراف مخلصين أكفياء، وبالتنادي إلى المحاضرات المركزة تركيزًا إسلاميًّا يزود الجماهير بالمفاهيم الصحيحة عن أسس الحضارة الإسلامية وفروعها، وتطبيقها العملية، وباستخدام الإذاعة والتلفزيون وسائر الوسائل الإعلامية ليدخل الوعي الإسلامي الصحيح كل بيت، ويطرق كل سمع، ويهز كل قلب.
الوسيلة الخامسة:
تأسيس الجمعيات والأندية الخيرية والرياضية وغير ذلك، واتخاذها حقولًا غير مباشرة من حقول الدعوة.
ولا يخفى تأثير الحقول غير المباشرة على النفوس الإنسانية، من أجل تحقيق أهداف أية دعوة من الدعوات، وجدير بالدعوات الخيرة ألا تهمل هذا الأمر، في تخطيطها وفي أعمالها.
أيها الداعي إلى الله، إن من اليسير جدًّا أن تدعو فتى من الفتيان للانتظام مثلًا في ناد رياضي، يرضي فيه كثيرًا من غرائزه وميولاته الطبيعية التي لا شر فيها ولا إثم، ثم من السهل جدًّا بعد ذلك أن توجهه إلى طريق الخير بتشى الوسائل، ومنها أن تجعل الأهداف العامة التي ينتهي إليها كل مشروع رياضي هي أهداف الدعوة الخيرة التي تسعى لنشرها، وغرسها في قلوب الناس، إنه من
стр. 336
الممكن جدًّا أن تملأ قلوب المنتظمين في النادي الرياضي الذي أسسته أنت وأحكمت قيادته وتوجيهة بمعاني البطولة والرجولة والرغبة بالكفاح والنضال من أجل بناء الحضارة الإسلامية المجيدة بناء قويًّا متينًا، وذلك بدفعهم إلى التساؤل عن أسس لهذه الحضارة، وتطبيقاتها الفردية والجماعية، ووسائلها، والتساؤل هو المنطلق الصحيح إلى المعرفة، ومن ثم نلاحظ أن المعرفة قد أخذت تولد فيهم الرغبة بالتجند للعمل الفعال في البناء المطلوب.
الوسيلة السادسة:
القيام برحلات إسلامية جماعية تنور المشركين فيها بأنواع التقدم المادي والمعنوي، التي يجب أن تقوم بها الأجيال الإسلامية، كما تشكف لهم صور التخلف القبيحة، التي يجب عليها أن تجتنيها أو تتخلص منها.
وفي الرحلات الإسلامية الجماعية المحاطة بالوقاية الكافية، والمشدودة بالقيادة الحكيمة تكتسب جملة من الأخلاق العملية المطلوبة في بناء الجماعة المسلمة، وتسنح الفرص الكثيرة التي تكون فيها أنفس المشتركين على أتم الاستعداد لتلقي المبادئ والاقتناع بها، والاستجابة لها.
وعلى الداعي الإسلامي أن لا يهمل هذه الوسيلة، إذا تيسر له تحقيقها، والاستفادة منها لأهدافه الكبرى.
خاتمة حول مهمة المرأة المسلمة:
وبعد التنبيه على هذه الوسائل لا بد أن ألفت النظر إلى أن المرأة عنصر ذو شأن عظيم من عناصر المجتمع الإسلامي، المسئول عن بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا، على أسسها الفكرية الراسخة، ولهذا يجب على حملة رسالة الإصلاح العناية بها عناية كبرى، وإعداد المجتمع النسائي المسلم الذي يحمل نصيبه من العمل لإقامة البناء الحضاري المطلوب بهمة وصدق وإخلاص.
стр. 337
الفصل الرابع: الجدال بالتي هي أحسن
المقولة الأولى: تعريف بالجدال بالتي هي أحسن وبيان لطائفة من قواعده العامة
التعريف:
الأصل في الرسالة الإسلامية أن تكون بعيدة عن الجدال، ولكن قد تدعو الضرورة إلى استخدامه وسيلة من وسائل الإقناع، وإثبات الحق الذي تنادي به أسس الحضارة الإسلامية، والتعريف بالخير والشر، والفضيلة والرذيلة، وحينما تدعو الضرورة إلى استخدامه يجب أن يكون جدالًا بالتي هي أحسن.
وللجدال بالتي هي أحسن شروط وقواعد وأصول يجب إتباعها، صيانة للجدال بالحق عن أن يتحول إلى مماراة بعيدة عن نشدان الحقيقة، أو إلى مشاحنات أنانية، ومشاتمات، ومغالطات، ونحو ذلك مما يفسد القلوب، ويهيج النفوس، ويورث التعصب، ولا يوصف إلى حق.
الجدال في الأصل هو حوار كلامي يتفهم فيه كل طرف من الفريقين المتحاورين وجهة نظر الطرف الآخر، ويعرض فيه كل طرف منهما أدلته التي رجحت لديه استمساكه بوجهة نظره، ثم يأخذ بتبصر الحقيقة من خلال الانتقادات التي يوجهها الطرف الآخر على أدلته، أو من خلال الأدلة التي ينير له بها بعض النقاط التي كانت غامضة عليه.
وهدف الجدال بالتي هي أحسن تعاون الفريقين المتناظرين على معرفة الحقيقة بتبصير كل منهما صاحبه بالأماكن المظلمة عليه، والتي خفيت عليه حينما أخذ ينظر باحثًا عن الحقيقة، وذلك حينما لا يكون أحدهما واقفًا على الحقيقة البينة وقوفًا قطعيًّا غير قابل للنقض، أما في هذه الحالة فإن هدف الجدال بالتي هي أحسن إنما هو تبصير الواقف على الحقيقة أخاه المناظر له بها، والأخذ بيده في طرق الاستدلال الصحيح لإبلاغه وجه الحق المشرق، وذلك
стр. 338
باستخدام الحوار البريء من التعصب، الخالي من العنف والانفعال، المتمشي وفق الأصول العامة للحوار، الذي يهدف فيه كل من الفريقين المحاورين إلى الوصول إلى الحقيقة، وكأنه جاهل بها، خالي الذهن والنفس من أي استمساك سابق بوجهة من وجهات النظر المختلفة، وذلك ابتعادًا عن كل أجواء التعصب والأنانية التي تصرف النفوس والأفكار عن تفهم الحقيقة، أو التسليم بها، ولو انكشفت لها واضحة جليلة.
طائفة من القواعد العامة للجدال بالتي هي أحسن:
ويحسن بنا بعد معرفة الهيكل العام للجدال بالتي هي أحسن، ومعرفة الهدف منه أن ننظر في بعض القواعد العامة له، وهي تسع قواعد استنبطناها بالتأمل في نصوص الشريعة، والتطبيقات الجدلية القرآنية، والأصول المنطقية البدهية.
القاعدة الأولى:
تخلي كل من الفريقين المتصديين للمحاورة الجدلية حول موضوع معين عن التعصب لوجهة نظره السابقة، وإعلانهما الاستعداد التام للبحث عن الحقيقة، والأخذ بها عند ظهورها، سواء كانت هي وجهة نظره السابقة أم وجهة نظر من يحاوره، أم وجهة نظر أخرى.
وقد أرشدنا القرآن الكريم في سورة "سبأ: ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول" إلى الأخذ بهذه القاعدة؛ إذ علم الرسول صلوات الله عليه أن يقول للمشركين في مناظرته لهم:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
وفي هذا غاية التخلي عن التعصب لأمر سابق، وكمال الرغبة في نشدان الحقيقة أنى كانت.
ولما كان موضوع المناظرة الذي وردت هذه الآية في صدده توحيد الخالق أو الإشراك بها، وهما أمران على طرفي نقيض، لا لقاء بينهما بحال من الأحوال
стр. 339
وهما يدوران حول أصل عظيم من أصول العقيدة الدينية، كان من الأمور البدهية أن الهداية في أحدهما إذ هو الحق، وأن الضلال المبين في الآخر إذ هو الباطل، ومن أجل ذلك كانت عبارة إعلان التخلي عن التعصب لأمر سابق تتضمن الاعتراف بهذه الحقيقة.
القاعدة الثانية:
تقيد كل من الفريقين المتحاورين بالقول المهذب، البعيد عن كل طعن أو تجريح، أو هزء أو سخرية، أو احتقار لوجهة النظر التي يدعيها أو يدافع عنها من يحاوره.
وقد أرشدنا الإسلام إلى التقيد بهذه القاعدة في نصوص كثيرة، منها النصوص التالية:
١- قول الله تعالى لنبيه في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
٢- وقول الله تعالى للمؤمنين في سورة "العنكبوت: ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول":
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
أي: فإن سلك مجادلوكم مسالك غير مهذبة القول فتقيدوا أنتم بكل قول مهذب، واسلكوا كل طريقة هي أحسن وأفضل، فعبارة ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ تشمل بعمومها الأساليب الفكرية والقولية، وبهذا يتبين لنا أن المطلوب من المسلم أن يكون في مجادلته على حالة هي أرقى وأحسن باستمرار من الحالة التي يكون عليها من يجادله، أدبًا وتهذيبًا، أو قولًا وفكرًا.
٣- وقول الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
٤- وفي الحديث الشريف:
"ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء".
стр. 340
٥- وقد حكم الله بالويل "وهو العذاب الشديد" على الهمازين اللمازين، فقال الله تعالى في سورة "الهمزة: ١٠٤ مصحف/ ٣٢ نزول":
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ .
القاعدة الثالثة:
التزام الطرق المنطقية السليمة لدى المناظرة والحوار.
ومن التزام الطرق المنطقية السليمة التزام الأمرين التاليين:
أولًا: تقديم الأدلة المثبتة أو المرجحة للأمور المدعاة.
ثانيًا: إثبات صحة النقل للأمور المنقولة المروية.
وهذان الأمران هما المقصودان بالقاعدة المعروفة عند علماء أدب البحث والمناظرة؛ إذ يقولون: "إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل".
وقد أرشد القرآن الكريم إلى مضمون هذه القاعدة في نصوص كثيرة، ومنها النصوص التالية:
١- قول الله تعالى في سورة "النمل: ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول":
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
٢- وقول الله تعالى في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول":
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ .
ففي هذين النصين يأمر الله رسوله محمد ﷺ بأن يطالب المشركين بتقديم برهانهم على ما يدعون، ويشمل البرهان في مثل هذا الإدعاء البرهان العقلي، والبرهان النقلي الصادق عن رسول من رسل الله، وآية الأنبياء تُشير إلى مطالبتهم بالبرهان النقلي، أما آية النمل فتطالب بتقديم البرهان بشكل عام عقليًّا كان أم نقليًّا.
стр. 341
٣- وقوله الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
وفي هذه الآية يأمر الله رسوله بأن يطالب الذين ادعوا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان من اليهود أو من النصارى بتقديم برهانهم على ما يدعون.
٤- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
وذلك أن اليهود أخذوا يعترضون على رسول الله محمد ﷺ في أكلة لحوم الإبل وشربه ألبانها، مع إعلانه أنه على دين إبراهيم ﵇، مدعين بأنها كانت محرمة في ملة إبراهيم، فقال لهم الرسول: كان ذلك حلالًا لإبراهيم فنحن نحله، فقال اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح ﵉، فنزل قول الله يأمر رسوله بأن يطالبهم بتقديم الدليل على ما يدعون من نقل صحيح، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
القاعدة الرابعة:
ألا يكون المناظر ملتزمًا في أمر من أموره بضد الدعوى التي يحاول أن يثبتها، فإذا كان ملتزمًا بشيء من ذلك كان حاكمًا على نفسه بأن دعواه مرفوضة من وجهة نظره.
ومن الأمثلة على سقوط دعوى المناظر بسب التزامه بضد دعواه، وقبوله له، استدلال بعض من أنكر رسالة محمد صلوات الله عليه بأنه بشر، وزعم هؤلاء أن الاصطفاء بالرسالة لا يكونو للبشر، وإنما يكون للملائكة، أو مشروط بأن يكون مع الرسول من البشر ملك يرى، وفي اعتراضهم على بشريته قالوا: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" مع أنهم يعتقدون برسالة كثير
стр. 342
من الرسل السابقين كإبراهيم وموسى وعيسى، وهؤلاء في نظرهم بشر وليسوا بملائكة.
ولذلك أسقط الله دعواهم بقوله في سورة "الفرقان: ٢٥ مصحف/ ٤٢ نزول":
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ .
القاعدة الخامسة:
ألا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المناظر تعارض، أي: ألا يكون بعض كلامه ينقض بعضه الآخر، فإذا كان كذلك كان كلامه ساقطًا بداهة.
ومن أمثلة ذلك قول الكافرين حينما كانوا يرون الآيات الباهرات تتنزل على رسول الله ﷺ : "سحر مستمر قال تعالى في سورة "القمر: ٥٤ مصحف/ نزول": ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ .
ففي قولهم هذا تعارض وتهافت ظاهر لا يستحق ردًّا، وذلك لأن من شأن السحر كما يعلمون أن لا يكون مستمرًا، ومن شأن الأمور المستمرة أن لا تكون سحرًا، أما أن يكون الشيء الواحد سحرًا ومستمرًا معًا فذلك جمع عجيب بين أمرين متضادين لا يجتمعان، هذا إذا كان مرادهم من عبارة: ﴿مُسْتَمِر﴾ معنى الدوام، أما إذا كان المقصود معنى شدة القوة فالعبارة لا تدمغهم بالتناقض.
ونظير ذلك قول فرعون عن موسى ﵇ حينما جاءه بسلطان مبين من الحجج الدامعة والآيات الباهرات: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ قال الله تعالى في سورة "الذاريات: ٥١ مصحف/ ٦٧ نزول":
﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ .
وهذا أمران متضادان، فمن غير المقبول منطقيًّا أن يكون الشخص الواحد ذو الصفات الواحدة مترددًا بين كونه ساحرًا وكونه مجنونًا، وذلك لأن من شأن
стр. 343
الساحر أن يكون كثير الذكاء والدهاء، وهذا أمر يتنافى مع الجنون تنافيًا كليًَّا، فكيف صح في فكر فرعون هذا الترديد، إن في كلامه هذا لتهافتًا ظاهرًا يسقطه من الاعتبار لدى المناظرة، فهو لا يستحق عليه جوابًا.
القاعدة السادسة:
ألا يكون الدليل الذي يقدمه المناظر ترديدًا لأصل الدعوى، فإذا كان كذلك لم يكن دليلًا، وإنما هو إعادة للدعوى بصيغة ثانية.
القاعدة السابعة:
عدم الطعن بأدلة المناظر إلا ضمن الأصول المنطقية، أو القواعد المسلم بها لدى الفريقين المتناظرين.
القاعدة الثامنة:
إعلان التسليم بالقضايا والأمور التي هي من المسلمات الأولى، أو من الأمور المتفق بين الفريقين المتناظرين على التسليم بها، أما الإصرار على إنكار المسلمات فهو مماراة منحرفة عن أصول المناظرة والمحاورة الجدلية السليمة، وليست من شأن طالبي الحق.
القاعدة التاسعة:
قبول النتائج التي توصل إليها الأدلة القاطعة، أو الأدلة المرجحة، إذا كان الموضوع مما يكفي فيه الدليل المرجح.
وإلا كانت المناظرة من العبث الذي لا يليق بالعقلاء أن يمارسوه.
стр. 344
المقولة الثانية: أمثلة جدالية من القرآن الكريم
يمر المتبصر في القرآن الكريم بأمثلة جدالية كثيرة، منها صور علمها الله، ومنها صور جرت بين الرسل وأقوامهم حكاها الله لنا، ومنها إجابات وردود تولاها الله بنفسه للرد على مجادلي رسول الله ﷺ ، ويستطيع المتبصر في هذه الصور أن يتمثل الجدال بالتي هي أحسن في أرقى نماذجه، وأن ينتزع جميع الشروط المطلوبة للجدال بالتي هي أحسن، وجميع القواعد التي يجب مراعاتها فيه، نظرًا إلى أنها هي التطبيقات العملية الراقية له.
وفيما يلي طائفة من هذه الأمثلة:
المثال الأول:
علم الله رسوله محمدًا صلوات الله عليه طريقة من طرق مجادلته المشركين في آية من سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول" وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
الشرح: مرت سورة الرعد بدءًا من مطلعها حتى آخر الآية الخامسة عشر بمراحل من معالجة المشركين بوسائل الإقناع المختلفة، التي تكشف لهم عدم جدوى ما هم به مستمسكون، ثم دعت أساليب الدعوة الحكيمة إلى الانتقال بهم إلى مرحلة المجادلة بالتي هي أحسن، فأنزل الله على رسوله هذه الآية، يعلمه فيها أسلوب المجادلة بالحق، ويرشده إلى أن يستعمل معهم شيئًا من العنف في معاريض القول ردًّا على تهجماتهم الكثيرة، التي أفصحت عنها الآيات السابقات، مع التزام الأدب القولي الرفيع في ذلك.
في هذه الآية يعلم الله رسوله كيف يجادل المشكرين ليردهم بالبرهان القاطع إلى توحيد الإلهية لله وحده، وذلك بنقلهم من الحقائق المسلم بها إلى حقائق أخرى لازمة لها لزومًا عقليًّا، ومرتكزة عليها بحكم البداهة.
وذلك بأن يضع المشركين أمام احتمالين لا ثالث لهما بالنسبة إلى ما هم عليه من شرك:
الاحتمال الأول: أن يكونوا ممن يعتقدون أن الله هو خالق السماوات
стр. 345
والأرض، وهؤلاء هم معظم كفار العرب، وبشأنهم قال الله تعالى في سورة "لقمان: ٣١ مصحف/ ٥٧ نزول":
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال أيضًا بشأنهم في سورة "العنكبوت: ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول":
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ، اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ .
وهذا الاحتمال هو ما أشار إليه صدر الآية التي نُعالج ما فيها من تعليم جدالي للرسول صلوات الله عليه بقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ مع إضافة كل ما فيه معنى الخلق، كالرزق والحياة والموت والنفع والضر، والنصر والهزيمة، أخذًا من دلالة لفظ "رب" الشاملة لكل ذلك في الكون.
الاحتمال الثاني: أن يكونوا ممن يعتقدون تعدد الخالقين، وأن لشركائهم خلقًا مثل خلق الله، وأن ما خلقوه مختلط مع آثار خلق الله من غير تمييز، أو أن لآلهتهم تأثيرات في بعض أعمال الربوبية كالرزق والنصر والهزيمة والنفع والضر ونحو ذلك.
وهذا الاحتمال هو ما أشار إليه آخر الآية بقوله الله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
أما الاحتمال الأول فيقول الله لرسوله فيه: قل لهم على سبيل الاستفهام لتنتزع منهم الإقرار: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وبما أن معظمهم ممن يعتقدون أن الله هو الخالق الأعظم، فلا بد أن يدركوا أن الله هو الرب فيقولوا في جواب السؤال: "الله" فإذا قالوا هذا فهو نقطة اتفاق بينكم، فأعلنها كما يعلنونها وثبتها كما يثبتونها "قل: الله" أي هو الله.
стр. 346
ثم انتقل بهم من هذه النقطة المسلم بها إلى النقطة الأخرى التي هي محل خلافهم، وهي نقطة توحيد الإلهية، وعند هذه النقطة لا تجد الموحد كبير عناء في إقامة الحجة على وجوب توحيد الإلهية عقلًا، بعد التسليم بتوحيد الربوبية لأن من تفرد بأنه هو الرب أي: الخالق المنعم القادر على كل شيء، والذي بيده النفع والضر، والحياة والموت، وكل من عداه مخلوقون له، فلا بد أن يكون هو وحده المستحق للعبادة، وهو وحده الذي إذا دعي أجاب.
ومتى لزمتهم الحجة البينة حق لك أن تُوجه لهم النقد اللاذع إذا أصروا على شركهم، فقل لهم: ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ .
هذا استفهام إنكاري يتضمن الإنكار الشديد عليهم في اتخاذهم من دون الله أربابًا ونصراء يعبدونهم كعبادة الله: مع أنهم لا يملكون لنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن أن يملكوا شيئًا من ذلك لكم، وإذا قد وضحت الحجة ودمغهم البرهان الذي لا يستطيعون الرد عليه، وما زالوا يصرون على الباطل، فاكشف لهم أن طريقة الموحدين هي طريقة العقل السديد، والمنطق الرشيد، والبصر النافذ إلى حقائق الأمور، وهجر الظلمات والسير في النور، أما طريقة المشركين فهي طريقة الجهل والضلالة، والعمى الفكري عن الحقائق، وترك النور والسير في الظلمات، وهيهات أن تستوي طريقة هؤلاء وطريقة أولئك، ومن ثم فلن يستوي هؤلاء وأولئك، والفرق بينهما كالفرق بين الأعمى والبصري والفرق بين طريقتهما كالفرق بين الظلمات والنور.
وإذا كان الأمر كذلك فاضرب لهم مثلين:
أحدهما: يُوضح الفرق بين الموحد العالم بأصول عقيدته وبراهينها، وبين المشرك الذي يخبط في أخلاطه الاعتقادية على جهل.
وثانيهما: يُوضح الفرق بين الحقائق الجلية التي يؤمن بها الموحدون، وبين الجهالات التي يتمسك بها المشركون.
فقل لهم على سبل الاستهفام:
стр. 347
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ .
وأما الاحتمال الثاني: وهو الذي أشارت إليه الآية بقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ .
أي: أم هم ممن جعلوا لله شركاء في ربوبيته، وزعموا بأن هؤلاء الشركاء قد خلقوا مثل خلق الله، فاختلطت عليهم مخلوقات الله بمخلوقات الشركاء، فاشتبه عليهم الأمر، فحيرهم، فأوقع في أنفسهم أنهم قد يكونون مخلوقين من قبل هؤلاء الشركاء، أو أن بيدهم رزقهم أو حياتهم، أو أي شيء يتصل بهم مما ينفعهم أو يضرهم، ومن أجل ذلك عبدوهم، والتجئوا إليه بالدعاء.
فإن كانوا كذلك فابدأ بهم من نقطة التوحيد الأولى، وهي توحيد الربوبية، فأثبت لهم أن الله خالق كل شيء، وأنه هو الواحد القهار، الذي تنفذ مشيئته في كل شيء بسلطان القوة والقهر، وليس لأحد مشاركة الله فيما يقضي به أو يأمر أو يخلق، فقال الله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
وقد أجمل الله لرسوله في هذا النص نقاطًا ثلاثًا من الاستدلال على توحيد الربوبية، فصلها وبسطها في متفرقات من القرآن المجيد:
النقطة الأولى: كون كل شيء في الوجود الحادث مخلوقًا لله تعالى.
النقطة الثانية: كون الله واحدًا في ذاته متفردًا في ربوبيته.
النقطة الثالثة: كون الله قهارًا غالبًا، ومن له القهر على كل شيء فهو الرب حقًّا.
وتفصيل أدلة هذه النقاط الثلاث قد جاء موزعًا في القرآن الكريم، وقد ترك للرسول ﷺ بيانه للمشركين، في إقامة الحجج لهم على توحيد الربوبية لله تعالى بقدر الحاجة، الذي يلزم عنه عقلًا توحيد الإلهية له، أي: هو وحده المستحق للعبادة، وكل عبادة لغيره شرك به في إلهيته.
стр. 348
المثال الثاني:
ومن المثلة الجدالية الواردة في القرآن الكريم جدال نوح ﵇ لقومه، قال الله تعالى في سورة "هود: ١١ مصحف/ ٥٢ نزول":
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ، وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
ففي هذه النص صورة جدالية بديعة جرت بين نوح ﵇ وبين قومه، وفي هذه الصورة الجدالية ما يلي:
يبدأ نوح ﵇ بعرض الحقيقة الدينية التي أمره الله بتبليغها، فيقول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ .
فيعلن قومه رفض دعوته معللين ذلك بأمور ثلاثة:
الأمر الأول: يقولون له فيه: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ .
ويقصدون بذلك أنه لو كان رسولًا لما كان بشرًا مثلهم، لكنه بشر، إذن فهو ليس برسول.
الأمر الثاني: يقولون له فيه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ .
ويقصدون بذلك أنهم يستنكفون عن أتباعه لوجود لفيف من حوله
стр. 349
قد آمنوا به واتبعوه، ممن يرونهم أراذل قومهم، الذين يستجيبون للأمور من غير روية ودون تفكير أو تبصر.
ويحاولون أن يستدلوا على بطلان دعوته بكون هؤلاء الأراذل في نظرهم قد قبلوها، واستجابوا لها، وهؤلاء في تصورهم يندفعون وراء أفكارهم الأولية الغابرة، فيستجيبون للدعوات دون تأمل وتفكير.
والحقيقة أن عامل الكبر في نفوس الذين كفروا به هو الذي ساهم في صرفهم عن الإيمان، وأن استكبارهم هو الذي جعلهم يتعللون بهذه العلة الضعيفة، ولم يكن عند الذين استجابوا له إلا صفاء فطرتهم التي أرشدتهم إلى الحق فاتبعوه، دون أن يجدوا في أنفسهم موانع تصرفهم عنه.
الأمر الثالث: يقولون له فيه: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل﴾ ويقصدون بذلك أنهم لا يرون لنوح ومن آمن معه أمورًا دنيوية زائدة، قد فضلهم الله بها بسبب إيمانهم، كالغنى أو الجاه أو كثرة الخيرات المادية، وهم يزعمون بهذا أنه لو كان الله راضيًا عليهم بهذا الإيمان الذي التزموه ويدعون إليه لفضلهم بهذه الأمور الدنيوية على الذين كفروا برسالة نوح ﵇.
وقد نتج عندهم من هذه الأمور الثلاثة، التي اعتبروها أدلة مرجحة، ظنهم بأن نوحًا ومن آمن معه كاذبون، ومن أجل ذلك ختموا استدلالهم بقولهم: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِين﴾ كإعلان للنتيجة بعد تلك المقدمات الاستدلالية.
رد نوح ﵇:
وفي مقابل هذه الاستدلالات التي ساقها قوم نوح مستندين إليها في رفض دعوته كان على نوح ﵇ أن يجادلهم بالطريقة التي هي أحسن من طريقتهم، ليبين لهم بطلان أدلتهم، ويثبت لهم أنه ومن آمن به على حق من ربهم، ولذلك أخذ يفند حججهم واحدة فواحدة، ضمن طرق المجادلة المهذبة الراقية.
أولًا: أما احتجاجهم بأنه بشر مثلهم، ودعواهم أن البشرية تتنافى مع الرسالة، فقد أثبت لهم نوح ﵇ بطلان ذلك بقوله المهذب الكريم:
стр. 350
﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ .
ويتضمن هذا الرد الكريم ما يلي:
أ- أن الاصطفاء بالرسالة من خصائص الله، وأن الله يصطفي برحمته من يشاء، سواء كان من اصطفاه بشرًا أم غير بشر، فكيف تحجرون رحمة الله! وبأي دليل من العقل أو من الوحي؟ وهل يمتنع على الله أن يصطفي بشرًا رسولًا؟
ب- كيف تستطيعون رد البينة التي أكرمني الله بها، والبينة التي مكنه الله منها أمران:
- أمر فكري يتضمن الحقائق الدينية المؤيدة بالبراهين العقلية.
- وأمر مادي يتجلى بالمعجزة التي تشهد بصدقه.
وبهذا الرد المحكم أسقط لهم حجتهم الأولى.
ثانيًا: وأما تعللهم بوجود لفيف حوله قد آمنوا به واتبعوه ممن يرونهم أراذل قومهم يستجيبون للدعوات من غير تفكير ولا روية؛ إذ قالوا:
﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ .
فقد رد نوح عليه بقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ .
ويتضمن لهذا الرد الكريم من نوح ﵇ أمرين:
الأمر الأول: إنه ليس بطالب مال حتى يقرب إليه الأغنياء ويطرد الفقراء الذين يسمونهم أراذل بسبب فقرهم، وإنما هو مبلغ رسالة ربه للناس جميعًا أغنيائهم وفقرائهم، ومسئولية الفقراء نحو الإيمان والالتزام بشرائع الله كمسئولية الأغنياء سواء بسواء، فهم ملاقو ربهم أيضًا فسائلهم ومحاسبهم، ثم يختم حجته هذه بكشف جهل مجادليه بعناصر التكليف الرباني للناس، ويشعرهم بأن فروق الغنى والقوة والضعف، والشرف والضعة، لا تدخل في عناصر التكليف بالإيمان والتزام شرائع الله لعباده.
стр. 351
الأمر الثاني: أن الله سيؤاخذه ويعاقبه إذا هو اصطفى الأغنياء والشرفاء وطرد الفقراء والضعفاء، فمن ينصره، ويدفع عقاب الله عنه إذا هو فعل شيئًا من ذلك؟
ثالثًا: وأما تعللهم بأنهم لم يروا لنوح ومن آمنوا معه ميزات دنيوية فضلهم الله بها بسبب إيمانهم على الذين لم يؤمنوا، كالمال أو الجاه أو الخيرات الكثيرات؛ إذ قاموا: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ فقد رد نوح عليه بقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ .
ويتضمن هذا الرد تعريفهم بأن الدنيا هي مجال الابتلاء العام، والمؤمنون والكافرون فيه على سواء، وليست خزائن الله بيده حتى يفيض منها على من آمن برسالته، وليست الدنيا في الأصل دار التفضيل بالمال والخيرات بحسب الإيمان وصالح الأعمال، فخزائن الله بيد الله يفيض منها على من يشاء من عباده، لحكمة الابتلاء التي يعلمها سبحانه، وعلم الغيب الذي يرتبط به تحصيل المنافع المادية الدنيوية هو أيضًا من خصائص الله، وليس مما وضعه الله بين يدي، حتى استعمله في جلب المنافع الدنيوية لمن آمن معي.
وبعد أن رد نوح صلوات الله عليه على أقوالهم بالحجج المقنعة أعلن إصراره على بشريته، فقال: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ .
وأعلن تكريمه لمن آمن معه، وأنهم أهل لاستحقاق الخير من الله بسبب إيمانهم بقوله:
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ .
أي: فهو يجازيهم عنده بحسب ما في أنفسهم من خير، ويتضمن هذا أيضًا رفضه أن يستجيب لمطالبهم بطرد الفقراء والضعفاء الذين آمنوا معه.
ثم ختم نوح كل ذلك بقوله:
﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
أي: لو ادعيت أن عندي خزائن الله أعطيكم منها إذا آمنتم بي، أو ادعيت
стр. 352
أني أعلم الغيب، فأرشدكم إلى الطريق التي تحققون منها أرباحًا ومنافع دنيوية، أو ادعيت أني ملك كما تتوهمون في الرسل، أو زعمت كما تشتهون أن الفقراء والضعفاء ليسوا أهلًا للكرامة الإيمانية والجزاء على الإيمان والعمل الصالح بالخير العظيم عند الله، فطردتهم بناء على ذلك.
فلم يجد الملأ من قوم نوح بعد هذه القوة الجدلية التي واجههم بها رسولهم فأقحمهم إلا أن يقولوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .
فكان رد نوح الأخير على هذا المطلب أن قال لهم: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
стр. 353
الفصل الخامس: إقامة الحكم الإسلامي
المقدمة:
من الوسائل الجليلة لبناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة، إقامة الحكم الإسلامي المتقيد بأسس الإسلام وتعاليمه وإرشاداته ووصاياه.
ومن شأن هذه الوسيلة أن تكون مستمرة مع الزمن لمتابعة البناء الحضاري وصيانته.
والمفروض في الحكم الإسلامي السوي أن يستخدم في دفع رعيته للقيام بأعمال البناء الحضاري المجيد مختلف الوسائل المادية والمعنوية التي توصي بها أو تبيحها أسس الإسلام وتعاليمه، وكل ذلك ضمن خطتين كبيرتين:
الخطة الأولى: خطة إنشاء وتعمير.
الخطة الثانية: خطة صيانة وترميم.
ففي خطة الإنشاء والبناء يعمل الحكم الإسلامي على دفع مواكب رعيته لبناء الحضارة الإسلامية، والسير الحثيث بتقدم وارتقاء في كل ميدان من ميادين العمل المنتج، ويعمل أيضًا على توجيه مواكب البناء الحضاري توجيهًا تمليه أسس الإسلام الحضارية، ويبذل كل جهده لامتصاص مختلف الطاقات البشرية وغير البشرية، التي يمكن امتصاصها لتحقيق أكبر مقدار ممكن من البناء العظيم، الذي تهدف إلى إقامته أسس الإسلام الحضارية.
وفي خطة الصيانة والترميم يعمل الحكم الإسلامي على مراقبة رعيته مراقبة شديدة، وتأديب المتوانين المتهاونين بواجباتهم، ورد المنحرفين إلى صراط الحق
стр. 354
والخير، والأخذ على يد الظالمين وردعهم, ومعاقبة من يستحق العقاب، وقطع دابر الفتن، وحفظ المجتمع من التفكك بإقامة الحق والعدل، وتوثيق الروابط الاجتماعية، وشد أواصرها، وكل ذلك ضمن منهج الإسلام القويم.
وإن صحائف التاريخ لتشهد بأن إقامة الحكم السوي الرشيد من أفعل الوسائل التي تُرسي في المجتمعات الإنسانية قواعد الحضارات الراقيات، وتمنحها الطمأنينة والاستقرار والرفاه، ومن أفعل الوسائل التي تخلف آثارًا عظيمة في الإصلاحات الحضارية للأمم، وفيما تبلغه من رقي سامق.
وجاء فيما روي عن عثمان ﵁ قوله: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" أي إن الله ليدفع الناس إلى فعل الخير ويردعهم عن فعل الشر بقوة السلطان، ما لا يكون نظيره بمجرد موعظة القرآن.
ولهذا اهتم الإسلام اهتمامًا بالغًا بإقامة الحكم الإسلامي عند أول فرصة يستطيع بها مجتمع مسلم إقامته على طائفة ما من أرض الله.
وهذا ما فعله الرسول صلوات الله عليه بعد هجرته إلى المدينة مباشرة؛ إذ تهيأ له فيها أن يباشرها بإقامة الحكم الإسلامي في المجتمع الصغير، الذي أصبح المسلمون فيه ذوي كيان يمكن تمييزه عن غيره، وأصحاب سيادة مستقلة على طائفة من الأرض، ومعلوم أن مثل هذا يختلف تقديره باختلاف الأزمنة، وأحوال الأمم والشعوب، والظروف العالمية الدولية.
وكان قيام الدولة الإسلامية في المدينة يتطلب تأسيس مكان جامع لها، فكان أول ما فعله الرسول ﷺ أن بنى مسجد المدينة، ولما كان مفهوم الدولة الإسلامية يشمل فيما يشمل جوانب العبادة والعلم والسياستين الداخلية والخارجية، كان مسجد المدينة هو المكان الجامع لها، وذلك نظرًا إلى أن حالة الدولة الناشئة الصغرى يومئذ لا تستدعي أكثر من ذلك.
وكان اسم المدينة يثرب، ولا تعدو هذه البلدة أن تكون قرية غير كبيرة من القرى فغير الرسول اسمها، وأعلن أنها المدينة، إشارة إلى الرسالة المدنية الحضارية التي يحملها إلى الناس.
стр. 355
ونظر الرسول صلوات الله عليه إلى المجتمع الإسلامي، الذي تسلم منذ ذلك الحين رعايته الكاملة الدينية والمدنية، فبادر إلى توحيد أعضائه بالتآخي بين المسلمين بشكل عام، واهتم بشكل خاص بأن يعقد الأخوة بين المهاجرين والأنصار، ليقف في وجهه ما يمكن أن يربو من فوارق عنصرية مع تطاول الزمن، وبلغ التآخي أول الأمر مبلغ التوارث، ولما استقر الأمر وتوطدت دعائم الدولة نسخ حكم التوارث على أساس التآخي، وبقي حكم التوارث بالنسب والمصاهرة والولاء.
ونظر الرسول ﷺ أيضًا إلى السياسة الداخلية والخارجية لهذه الدولة الإسلامية الفتية، فأعلن الوثيقة السياسية الأولى في تاريخ الإسلام، أو ما قد نسميه اليوم بدستور العمل السياسي لهذه الدولة في المدينة، وصدر هذه الوثيقة بالمادة الأولى من هذا الدستور وهي:
"إن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وعاهد معهم أمة من دون الناس".
وضم إليها طائفة من المواد الأخرى التي تبين بعض الحقوق العامة، وطائفة من المواد التي تبين علاقة المسلمين بمجاوريهم في المدينة من أهل الكتاب.
وأمر صلوات الله عليه بتسجيل هذه الوثيقة في صحيفة، فكانت هي المرجع للعمل السياسي الذي استدعته ظروف المدة الأولى لإقامة الدولة الإسلامية.
следующие страницы →