الأمر الثاني: أن الله سيؤاخذه ويعاقبه إذا هو اصطفى الأغنياء والشرفاء وطرد الفقراء والضعفاء، فمن ينصره، ويدفع عقاب الله عنه إذا هو فعل شيئًا من ذلك؟
ثالثًا: وأما تعللهم بأنهم لم يروا لنوح ومن آمنوا معه ميزات دنيوية فضلهم الله بها بسبب إيمانهم على الذين لم يؤمنوا، كالمال أو الجاه أو الخيرات الكثيرات؛ إذ قاموا: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ فقد رد نوح عليه بقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ .
ويتضمن هذا الرد تعريفهم بأن الدنيا هي مجال الابتلاء العام، والمؤمنون والكافرون فيه على سواء، وليست خزائن الله بيده حتى يفيض منها على من آمن برسالته، وليست الدنيا في الأصل دار التفضيل بالمال والخيرات بحسب الإيمان وصالح الأعمال، فخزائن الله بيد الله يفيض منها على من يشاء من عباده، لحكمة الابتلاء التي يعلمها سبحانه، وعلم الغيب الذي يرتبط به تحصيل المنافع المادية الدنيوية هو أيضًا من خصائص الله، وليس مما وضعه الله بين يدي، حتى استعمله في جلب المنافع الدنيوية لمن آمن معي.
وبعد أن رد نوح صلوات الله عليه على أقوالهم بالحجج المقنعة أعلن إصراره على بشريته، فقال: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ .
وأعلن تكريمه لمن آمن معه، وأنهم أهل لاستحقاق الخير من الله بسبب إيمانهم بقوله:
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ .
أي: فهو يجازيهم عنده بحسب ما في أنفسهم من خير، ويتضمن هذا أيضًا رفضه أن يستجيب لمطالبهم بطرد الفقراء والضعفاء الذين آمنوا معه.
ثم ختم نوح كل ذلك بقوله:
﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
أي: لو ادعيت أن عندي خزائن الله أعطيكم منها إذا آمنتم بي، أو ادعيت
стр. 352
أني أعلم الغيب، فأرشدكم إلى الطريق التي تحققون منها أرباحًا ومنافع دنيوية، أو ادعيت أني ملك كما تتوهمون في الرسل، أو زعمت كما تشتهون أن الفقراء والضعفاء ليسوا أهلًا للكرامة الإيمانية والجزاء على الإيمان والعمل الصالح بالخير العظيم عند الله، فطردتهم بناء على ذلك.
فلم يجد الملأ من قوم نوح بعد هذه القوة الجدلية التي واجههم بها رسولهم فأقحمهم إلا أن يقولوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .
فكان رد نوح الأخير على هذا المطلب أن قال لهم: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
стр. 353
الفصل الخامس: إقامة الحكم الإسلامي
المقدمة:
من الوسائل الجليلة لبناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة، إقامة الحكم الإسلامي المتقيد بأسس الإسلام وتعاليمه وإرشاداته ووصاياه.
ومن شأن هذه الوسيلة أن تكون مستمرة مع الزمن لمتابعة البناء الحضاري وصيانته.
والمفروض في الحكم الإسلامي السوي أن يستخدم في دفع رعيته للقيام بأعمال البناء الحضاري المجيد مختلف الوسائل المادية والمعنوية التي توصي بها أو تبيحها أسس الإسلام وتعاليمه، وكل ذلك ضمن خطتين كبيرتين:
الخطة الأولى: خطة إنشاء وتعمير.
الخطة الثانية: خطة صيانة وترميم.
ففي خطة الإنشاء والبناء يعمل الحكم الإسلامي على دفع مواكب رعيته لبناء الحضارة الإسلامية، والسير الحثيث بتقدم وارتقاء في كل ميدان من ميادين العمل المنتج، ويعمل أيضًا على توجيه مواكب البناء الحضاري توجيهًا تمليه أسس الإسلام الحضارية، ويبذل كل جهده لامتصاص مختلف الطاقات البشرية وغير البشرية، التي يمكن امتصاصها لتحقيق أكبر مقدار ممكن من البناء العظيم، الذي تهدف إلى إقامته أسس الإسلام الحضارية.
وفي خطة الصيانة والترميم يعمل الحكم الإسلامي على مراقبة رعيته مراقبة شديدة، وتأديب المتوانين المتهاونين بواجباتهم، ورد المنحرفين إلى صراط الحق
стр. 354
والخير، والأخذ على يد الظالمين وردعهم, ومعاقبة من يستحق العقاب، وقطع دابر الفتن، وحفظ المجتمع من التفكك بإقامة الحق والعدل، وتوثيق الروابط الاجتماعية، وشد أواصرها، وكل ذلك ضمن منهج الإسلام القويم.
وإن صحائف التاريخ لتشهد بأن إقامة الحكم السوي الرشيد من أفعل الوسائل التي تُرسي في المجتمعات الإنسانية قواعد الحضارات الراقيات، وتمنحها الطمأنينة والاستقرار والرفاه، ومن أفعل الوسائل التي تخلف آثارًا عظيمة في الإصلاحات الحضارية للأمم، وفيما تبلغه من رقي سامق.
وجاء فيما روي عن عثمان ﵁ قوله: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" أي إن الله ليدفع الناس إلى فعل الخير ويردعهم عن فعل الشر بقوة السلطان، ما لا يكون نظيره بمجرد موعظة القرآن.
ولهذا اهتم الإسلام اهتمامًا بالغًا بإقامة الحكم الإسلامي عند أول فرصة يستطيع بها مجتمع مسلم إقامته على طائفة ما من أرض الله.
وهذا ما فعله الرسول صلوات الله عليه بعد هجرته إلى المدينة مباشرة؛ إذ تهيأ له فيها أن يباشرها بإقامة الحكم الإسلامي في المجتمع الصغير، الذي أصبح المسلمون فيه ذوي كيان يمكن تمييزه عن غيره، وأصحاب سيادة مستقلة على طائفة من الأرض، ومعلوم أن مثل هذا يختلف تقديره باختلاف الأزمنة، وأحوال الأمم والشعوب، والظروف العالمية الدولية.
وكان قيام الدولة الإسلامية في المدينة يتطلب تأسيس مكان جامع لها، فكان أول ما فعله الرسول ﷺ أن بنى مسجد المدينة، ولما كان مفهوم الدولة الإسلامية يشمل فيما يشمل جوانب العبادة والعلم والسياستين الداخلية والخارجية، كان مسجد المدينة هو المكان الجامع لها، وذلك نظرًا إلى أن حالة الدولة الناشئة الصغرى يومئذ لا تستدعي أكثر من ذلك.
وكان اسم المدينة يثرب، ولا تعدو هذه البلدة أن تكون قرية غير كبيرة من القرى فغير الرسول اسمها، وأعلن أنها المدينة، إشارة إلى الرسالة المدنية الحضارية التي يحملها إلى الناس.
стр. 355
ونظر الرسول صلوات الله عليه إلى المجتمع الإسلامي، الذي تسلم منذ ذلك الحين رعايته الكاملة الدينية والمدنية، فبادر إلى توحيد أعضائه بالتآخي بين المسلمين بشكل عام، واهتم بشكل خاص بأن يعقد الأخوة بين المهاجرين والأنصار، ليقف في وجهه ما يمكن أن يربو من فوارق عنصرية مع تطاول الزمن، وبلغ التآخي أول الأمر مبلغ التوارث، ولما استقر الأمر وتوطدت دعائم الدولة نسخ حكم التوارث على أساس التآخي، وبقي حكم التوارث بالنسب والمصاهرة والولاء.
ونظر الرسول ﷺ أيضًا إلى السياسة الداخلية والخارجية لهذه الدولة الإسلامية الفتية، فأعلن الوثيقة السياسية الأولى في تاريخ الإسلام، أو ما قد نسميه اليوم بدستور العمل السياسي لهذه الدولة في المدينة، وصدر هذه الوثيقة بالمادة الأولى من هذا الدستور وهي:
"إن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وعاهد معهم أمة من دون الناس".
وضم إليها طائفة من المواد الأخرى التي تبين بعض الحقوق العامة، وطائفة من المواد التي تبين علاقة المسلمين بمجاوريهم في المدينة من أهل الكتاب.
وأمر صلوات الله عليه بتسجيل هذه الوثيقة في صحيفة، فكانت هي المرجع للعمل السياسي الذي استدعته ظروف المدة الأولى لإقامة الدولة الإسلامية.
стр. 356
المقولة الأولى: البيعة وواجبات الحاكم والمحكوم
إن إقامة الحكم الإسلامي لا تتم إلا بشرطين أساسيين:
أحدها: يكون عند بدء إقامته، وهي البيعة.
وثانيهما: يلازم قيامه وهو عدل صاحب الأمر ونصحه لرعيته، وطاعة المسلمين له فيما لا معصية لله فيه، ونصحهم له.
وقد اختار الإسلام أن يبدأ الحكم الإسلامي بالبيعة الكبرى المسبوقة بالشورى، والبيعة الكبرى التزام مشترك بين جمهور المسلمين وبين من اختاروه ليكون صاحب الأمر فيهم، والمطلع بمهام الخلافة الكبرى.
وهذه البيعة في الإسلام تتضمن بالدرجة الأولى التزام كل من الطرفين جمهور المسلمين وصاحب الأمر منهم، بأسس الشريعة الإسلامية، وبأحكام فروعها، وتتضمن بالدرجة الثانية التزام جمهور المبايعين من المسلمين بالطاعة لأميرهم في كل أمر أو نهي لا معصية لله فيه، مع نصحهم له.
ولما كان قيام الحكم الإسلامي ضرورة حتمية لإقامة المجتمع المسلم والدولة المسلمة على الوجه الصحيح.
ولما كانت الوسيلة المختارة في الإسلام لإقامة هذا الحكم هي البيعة.
كان حكم البيعة في الإسلام من واجبات كل مسلم مكلف ذكرًا كان أو أنثى.
فعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية". رواه مسلم.
ونظرًا إلى أهمية البيعة في الإسلام قال الله تعالى في سورة "الفتح: ٤٨ مصحف/ ١١١ نزول":
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
فقد أعلن الله ﵎ في هذه الآية أن مبايعة المؤمنين للرسول ﷺ إنما هي مبايعة لله؛ لأن أهم شطر فيها إنما هو التزام كل من جمهور المؤمنين وولي أمرهم، بأسس الإسلام وأحكامه وتعاليمه، ولذلك كانت يد الله فوق
стр. 357
أيديهم، تعقد هذه المبايعة وتباركها، وتتكفل بدفع الثمن لمن أوفى بما عاهد عليه الله، وكل مبايعة بعد الرسول لأي خليفة يتولى أمور المسلمين، لها حكم مبايعة المؤمنين للرسول، وذلك إذا توافرت فيها شروط البيعة الإسلامية.
والبيعة ملزمة لا يجوز خلعها إلا بكفر بواح "أي: ظاهر جلي".
هذا هو الشرط الأول من شرطي إقامة الحكم الإسلامي.
وأما الشرط الثاني وهو الذي يلازم قيام الحكم الإسلامي، وهو كما سبق عدل صاحب الأمر من المسلمين، ونصحه لهم، وطاعة المسلمين له فيما لا معصية لله فيه، مع نصحهم له، فقد تظاهرت عليه نصوص كثيرة من القرآن والسنة.
قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
ولدى التأمل في هذا النص القرآني العظيم نلاحظ أنه يجمع الكليات الكبرى لإقامة الحكم الإسلامي.
أ- ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .
أمر من الله لجميع المسلمين بأن يؤدوا أمانة الحكم والسلطان لمن هم أكفياء للقيام بواجبات هذه الأمانة منهم، وقد بينت نصوص أخرى الوسيلة العملية لتأدية هذه الأمانة، وأنها إنما تكون عن طريق البيعة الشرعية، المسبوقة بالشورى.
قال تعالى في وصف المؤمنين في سورة "الشورى: ٤٢ مصحف/ ٦٢ نزول":
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ .
стр. 358
وفي حديث مسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ :
"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".
ب- وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ .
أمر من الله موجه لأولي الأمر من المسلمين بأن يحكموا بين الناس بالعدل، وقد أوضحت أسس الإسلام طريق العدل ومناهجه العامة في مختلف شئون الحكم السياسية والإدارية والقضائية والحربية والداخلية والخارجية.
وفيما يجب على الحاكم نحو رعيته تظاهرت نصوص الشريعة الإسلامية:
فمنها النصوص القرآنية الكثيرة التي أمرت بالعدل وبالقسط، ونهت عن الجور والظلم.
ومنها: عن أبي يعلى معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو عاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة".
وفي رواية: "فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة".
وفي رواية عنه عند مسلم:
"ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم، وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة".
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا:
"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فأشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به". رواه مسلم.
стр. 359
ج- وفي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ .
أمر موجه للمسلمين كافة حكامًا ومحكومين بأن يلتزموا جميعًا طاعة الله وطاعة رسوله، فإذا كانوا جميعًا مأمورين بهذه الطاعة فليس للحاكم أن يخالف، فيأمر بما فيه معصية لله، أو معصية للرسول، وليس للمحكوم أن يطيع في ذلك، وإنما تكون الطاعة واجبة فيما ليس فيه معصية لله أو للرسول.
ومن هنا نفهم أن المباحث العامة إذا أمر بها أولو الأمر من المسلمين صارت أمورًا واجبة التنفيذ شرعًا، وإذا نهوا عنها صارت محرمة شرعًا ما لم تكن من حقوق الأفراد بالإباحة الربانية، ولكن أوامرهم ونواهيهم ليست لها صفة الاستمرار لذاتها فيما بعدهم، فلأولي الأمر الذين يخلفونهم أن يغيروا فيها بحسب المصالح التي يقدرونها.
د- وفي قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾ عطفًا على قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ .
أمر موجه من الله لجمهور المسلمين بأن يطيعوا أولي الأمر منهم، ولا بد أن يكون هذا مقيدًا بما ليس فيه معصية لله أو معصية للرسول؛ لأن أولي الأمر مأمورون بطاعة الله وطاعة الرسول، وجمهور المسلمين مأمورون كذلك بطاعة الله وطاعة الرسول، قبل طاعتهم لأولي الأمر منهم، والجمع بين ذلك لا يتم إلا بأن تنحصر أوامر الأمر ونواهيهم فيما لا معصية لله فيه.
وهذه حقيقة تظاهرت عليها نصوص الشريعة الإسلامية.
فعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
"على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". رواه البخاري.
стр. 360
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"عليك السمع والطاعة عفي عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك".
أي: ألزم السمع والطاعة. رواه مسلم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني". رواه البخاري ومسلم.
والأمر بالطاعة منفصل عن الأمر بالبيعة، فمن تولى أمور المسلمين بمبايعة جمهورهم له، وفيهم أهل الحل والعقد كان من حقه على كل فرد من أفراد المسلمين أن يطيعه فيما لا معصية لله فيه، سواء بايعه أم لم يبايعه.
وأما وجوب نصح عامة المسلمين لأئمتهم فيدل عليه نصوص كثيرة منها ما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال:
"الدين النصيحة" فقال أصحابه: لمن يا رسول الله، قال: "لله ولرسوله ولأئمة المسملين وعامتهم".
اسم الخليفة:
وأما تسمية صاحب الولاية الكبرى في المسلمين خليفة فهو اختيار نبوي اقتبسه الرسول صلوات الله عليه من القرآن الكريم، وهذا الاختيار النبوي قد أخذ به المسلمون الأولون.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، سيكون بعدي خلفاء فيكثرون".
قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم". رواه البخاري ومسلم.
стр. 361
المقولة الثانية: فلسفة الحكم الإسلامي
لدى النظر في أصول الحكم الإسلامي، وأركانه وشروطه وتطبيقاته، نلاحظ أنه سلطة تنفيذية تقوم بدور الإمامة في الأرض لمراقبة تنفيذ شريعة الله، ولسياسة الأمة سياسة عدل وحكمة، وللعمل على دفع الناس لبناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية، التي أرشدت إليها تعاليم الإسلام ونصائحه ووصاياه، واتخاذ الوسائل المستطاعة لذلك ضمن حدود تعاليم الإسلام.
فما قرره الإسلام من أصول وأحكام وغيات ووسائل في مصادره التشريعية الصحيحة الصريحة، فإن سلطة الحكم الإسلامي لا تملك فيه تعديلًا ولا تبديلًا، ووظيفة هذه السلطة بالنسبة إليه إنما هي مراقبة التنفيذ، واتخاذ الوسائل المستطاعة الكفيلة به.
ولهذه السلطة التنفيذية أن تُسخر قوة سلطانها المعنوي والمادي لتحقيق تنفيذ مقررات الإسلام، وإلزام الناس بتطبيقها، ومراعاتها مراعاة تامة، فتصدر في ذلك التنظيمات والتعليمات الإدارية، وتوجه الأوامر المكتوبة، وترتب الجزاءات المعنوية والمادية، وتقرر الشروط اللازمة لمن يتولى أمرًا من الأمور العامة أو الخاصة، وتعتبر الالتزام بالأحكام الإسلامية جزءًا من الكفاءات التي تدخل في شروط التوظيف والترقيات، وتعتبر عدم الالتزام إخلالًا بالواجبات المسلكية التي تستدعي لفت النظر، فالإنذار، فالمعاقبة، فالصرف من العمل، إلى غير ذلك من وسائل كثيرة.
ولسلطة الحكم الإسلامي أن تستعين بمن ترى فيه الخير من جند لحفظ الأمن ومراقبة التنفيذ الداخلي، وجند لحراسة الحدود، ونحو ذلك.
ولسلطة الحكم الإسلامي أن تُؤسس مختلف المصالح والإدارات والوزارات، وتضع لها التنظيمات الإدارية، التي لا تتعارض مع شيء مما قرره الإسلام، ولها أن تسميها بالأسماء الملائمة لمهامها.
стр. 362
ويدخل في ذلك تنظيم القضاء الإسلامي العادل، للحكم بين الناس بالعدل، وتنظيم الهيئات التفتيشية، وتنظيم هيئات الدعوة والوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق الأسس الصحيحة التي تعتمد على العلم الصحيح، والتربية الكريمة القويمة، والحكمة في الأمور.
وأما ما لم يقرر فيه الإسلام تفصيلات جزئية، وإنما اكتفى فيه بتحديد الغاية، ووضع الحدود العامة للطرق والوسائل، فإن من وظيفة الحكم الإسلامي أن يبذل ما يستطيع من جهد للسير برعيته شطر الغاية الحضارية المثلى، التي حددها الإسلام في أسسه الحضارية العامة، وما تتطلبه المسيرة الحضارية المترقية للمجتمع الإسلامي، فعلى أولي الأمر فيه أن يتخذوه ويقوموا به، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
ومن أمثلة ما يقوم به الحكم الإسلامي من ذلك ما يلي:
١- أن يضع السياسة التعليمية العامة، ويجعلها موجهة إلى ما يحقق بناء الحضارة الإسلامية بناء صحيحًا، وأن يشرف على تنفيذها إشرافًا دقيقًا يحميها من الانحراف والزيغ، والتهاون والتقصير.
٢- أن يؤلف المجالس الاستشارية المختلفة من المختصين المخلصين لكل جانب من جوانب الحياة.
٣- أن يهيئ تكافؤ الفرص لجميع أصحاب الكفايات الموثوقين بإخلاصهم لبناء الحضارة الإسلامية، وحسن إدارتهم، وبدلهم ما يستطيعون من جهد.
٤- أن يُؤسس المؤسسات الاجتماعية المختلفة، ويُوزع فيما بينها أعمال البناء الحضاري المجيد وفق اختصاصاتها.
٥- أن يشجع على القيام بمشاريع العمل الإنتاجية الزراعية والصناعية والعمرانية وغيرها، ولو بأن يقوم بشيء منها بشكل مباشر، بغية دفع الأمة إلى العمل، وتدريبهم عليه.
٦- أن يتخذ الوجوه الصالحة لتحقيق مبدأ الشورى المقرر في الإسلام
بقوله تعالى لرسوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ وقوله تعالى يصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ .
٧- أن يتخذ التنظيمات الإدارية المختلفة لضمان تيسير المصالح والأعمال وفق أخصر الطرق، وأضبطها، وأكثرها ضمانًا للحقوق، وأفضلها لتحقيق الغاية الإسلامية الدينية والمدينة، وهي الغاية الحضارية المجيدة.
وهكذا، إلى غير ذلك من أمور كثيرة تتطلبها الحكمة الإدارية، والسياسية، والعسكرية، لإقامة الدولة الإسلامية الحضارية المتقدمة
стр. 363
المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته
...
المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسئولياته
١- الوظيفة في الإسلام فرع من فروع الأمانة العامة:
لدى الرجوع إلى جذور حكمة الله إذ خلق الناس ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا، ثم يحاسبهم ويفصل القضاء بينهم ويجازيهم في حياة أخرى، بعد برزخ فاصل بين الحياتين، نلاحظ أن الوظيفة في إدارات المجتمع الإسلامي فرع من فروع الأمانة العامة التي عرضت على النفوس الإنسانية، حين كانت في عالم الذر.
لقد اعترف كل إنسان وهو في عالم الذر لله بربوبيته، بعد أن أُعطي الإرادة الحرة، وقدرات الفهم، وأعلمنا الله بهذا الاعتراف الذي نسيناه وبقيت في ذواتنا الفطرة العقلية والمشاعر الوجدانية التي تهدينا إليه، فقال الله في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ .
стр. 364
وبعد الاعتراف لله بربوبيته، عرض الله على الإنسان الواعي لكل عناصر ما عرض عليه وشروطه ونتائجه، والمالك لحرية إرادته في القبول أو الرفض: أتريد أن تحمل الإمانة أو لا تريد؟، وهذا العرض نفسه عرضه الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملن الأمانة، لكن الإنسان استعد لحملها، طمعًا بما في حملها من تشريف له وتكريم، وأملًا بالخلود السعيد في جنات النعيم.
وتتلخص هذه الأمانة بأن يعبر رحلة امتحانه وهو يملك الإرادة الحرة، وقدرات الإدراك والفهم، ونوازع الخير والشر، والأهواء والشهوات، على أن تُسخر له بخلق الله الأشياء والقوى في ذات نفسه وجسده، وفي الكون الذي حوله، ليمتحن في ظروف حياة أولى، هي حياة دنيا، وتكون مادة امتحانه الإيمان والإسلام والعبادة.
فمن كفر فأشرك بالله شيئًا، أو جحده وأنكر ربوبيته أو إلهيته، كان مصيره إلى الخلود في عذاب النار، ومن آمن وكسب في إيمانه خيرًا ما، كان مصيره إلى الخلود في جنات النعيم، وعليه إذا عصى أوامر الله ونواهيه -مع إيمانه به- أن يتحمل عقاب ما اكتسب من المعاصي والآثام التي هي من دون الشرك بالله.
دل على هذا العرض وقبول الإنسان أن يحمل الأمانة، قول الله في سورة "الأحزاب: ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول":
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
ولقد كان الإنسان ظلومًا جهولًا بعد حمله الأمانة، ودخوله رحلة الامتحان، ولم يكن ظلومًا جهولًا بسبب حمله الأمانة، فالأمانة تشريف عظيم من الله للإنسان، طمحت نفس الإنسان إليه حرصًا منه بحسب خصائص نفسه التي وهبها الله له على أن يحتل المنزلة الرفيعة، التي تؤهلها له الإرادة
стр. 365
الحرة المصحوبة بشروط التكليف، الذي يعرضه للعبور في رحلة الابتلاء في الحياة الأولى الدنيا.
لكن السماوات والأرض والجبال لم تطمح لحمل هذه الأمانة، بل خفن من حملها، بعد أن أعطاهن الله القدرة على إدراكها، وأبين أن يحملنها ما دام الأمر عرضًا لا جبر فيه؛ إذ لم تُعط في أصل التكوين الصفات التي تجعلها تطمح هذا الطموح، وتغامر في عبور رحلة الابتلاء.
والأمانة تطلق على ما يوضع تحت سلطة الإنسان لحفظه وحمايته، والقيام بما يجب عليه نحوه، وتطلق على الوصف النفسي والسلوكي الذي يتم به حفظ وحماية ما استؤمن عليه، وقيامه فعلًا بما يجب عليه نحوه.
والولاية بدءًا من الإمارة العظمى فما دونها حتى أدنى وظائف الدولة هي أمانة توضع في يد من استؤمن عليها، فإذا حفظها وحماها وأدى ما يجب عليه فيها كان أمينًا حقًّا، وإذا أهملها فلم يرعها ولم يحفظها ولم يحملها ولم يؤد ما يجب عليه فيها كان خائنًا.
وكل شيء مادي أو معنوي يستأمن الإنسان عليه إذ يوضع في يده أمانة ويقبل متبرعًا لينال شرف الولاية عليه أو ثواب الله، أو يقبله مستأجرًا بمال أو نحوه، فعليه أن يقدم له من الرعاية والحفظ والخدمات ما يلائم حالة.
فراعي الأنعام المستأمن عليها مسئول عن طعامها وشرابها وحفظها وحمايتها، ومداواتها ودفع المؤذيات عنها، دون تهاون ولا تقصير.
وراعي المال المستأمن عليه، مسئول عن حمايته وحفظه، وعن القيام بما يجب عليه نحوه، ومسئول عن أداء الحقوق منه لأربابها دون هضم ولا نقص ولا توان، وإذا كان من وظائف أمانته أن يثمره فعليه أن يثمره كما يثمر أموال نفسه.
وراعي نفسه وجسده وما حوله من أشياء، المستأمن عليها مسئول عن حمايتها وحفظها، وعن القيام بما يجب عليه فيها تجاه ربه وتجاه الناس، وتجاه كل ما خلق الله من شيء، ومسئول عن اجتناب ما لم يأذن الله له به.
стр. 366
والمستأمن على السر مسئول عن حفظه وعدم إفشائه، فإذا أفشاه خان الأمانة.
والوظيفة في أي مجتمع إسلامي هي ولاية، سواء أكانت كبرى أم صغرى، وهي بدروها أمانة توضع في يد المسلم، فعليه أن يرعاها بالحفظ والحماية والقيام بالأعمال التي تتطلبها الأشياء التي استؤمن عليها فيها.
ويعتبر الموظف الأدنى بمثابة النائب والوكيل عن الرئيس الأعلى في المؤسسة التي هو موظف فيها، وإذا كانت هذه المؤسسة فرعًا من فروع الدولة فهو وكيل ونائب بالتسلسل الإرتقائي عمن هو فوقه في الدرجة الوظيفة، حتى الرئيس الأول في الدولة، والوكيل والنائب يمثل في عمله رئيسة الذي هو نائب عنه.
إن الرئيس في عوالم المخلوقات لا يستطيع بمفرده أن يقوم بالأعمال المسندة إليه كلها، فهو مضطر لأن يختار عنه وكلاء ونوابًا، بالتسلسل المتدني، فهو بالنسبة إليه كأعضاء الجسد الواحد، وفروع الأعضاء، وفروع الفروع، وكل واحد يؤدي من العمل ما يلائم تخصصه، وينبغي أن يوضع في الموضع الذي يحسن العمل فيه بإتقان.
وقد أبان الرسول ﷺ أن الإمارة وسلطة الحكم أمانة، فمن الخيانة أن يطلبها من ليس أهلًا لها، ومن الخيانة وضعها في غير من هو أهل لها.
روى مسلم عن أبي ذر ﵂ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال:
"يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: بينما كان النبي ﷺ يحدث، إذ جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال؛ فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال:
стр. 367
"أين أراه السائل عن الساعة"؟.
قال: أنا يا رسول الله، قال:
"فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة".
قال: كيف إضاعتها؟ قال:
"إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
وروى الحاكم أن رسول الله ﷺ قال:
"من استعمل رجلًا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".
هذه الأحاديث تدل على أن سلطة تولية الولايات، وإسناد الإمارات، والوظائف حتى الصغرى منها إلى غير أهلها الأكفياء لها خيانة.
وعلى هذا فمن الأمانة أن لا يطلب الوظيفة في أي مستوى من مستويات الوظائف مهما كانت دنيا من ليس كفئًا لها.
وحين يكون المجتمع مجتمعًا إسلاميًّا سليمًا فإنه لا تتم فيه تولية الوظائف إلا للذين هم الأكفاء لها، دون محاباة ولا أثره، ودون استجابة لضغوط الصراعات الشخصية، أو الحزبية أو التكتلية، التي يتكالب فيها الناس على اغتنام وظائف الدولة بغير حق، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه عليه وسلم عبد الرحمن بن سمرة عن طلب الإمارة.
روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ :
"لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها".
وبما أن الوظيفة ولاية في حدود دئارة العمل الذي يكلفه الموظف، فينطبق عليها ضمن حدودها ما ينطبق على الولاية العظمى مع إتساع في الولاية العظمى.
стр. 368
ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال:
"كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته".
وبناء على هذا فمسئولية الوظيفة مسئولية جسيمة، وفضلها لمن قام بواجباتها فضل عظيم جدًّا، ولهذا كان في طليعة من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:
"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا يظل إلا ظله".
وأبان الرسول أن أولهم: إمام عادل.
والموظف في دائرة من دوائر الأمة الإسلامية، هو بمثابة فرع من فروع الإمام الأعظم، يحمل من المسئولية بمقدار حدود دائرته.
٢- الوظيفة عقد استئجار بين جهة العمل والموظف المسئول عن العمل الوظيفي الذي استؤجر له:
لدي تحليل معنى الوظيفة نلاحظ أنها خدمة من قبل الموظف، واستئجار من قبل رب العمل، فهي عقد استئجار بين الدولة التي يمثلها رئيسها الأعلى، أو وكلاؤه ونوابه في مؤسساتها مهما تنازلت، إلى أدنى المؤسسات، وبين الموظف المسئول عن القيام بالعمل الوظيفي الذي استؤجر للقيام به.
وإذا كانت المؤسسة مؤسسة غير تابعة للدولة فهي استئجار بين مدير
стр. 369
المؤسسة أو وكلائه ونوابه، وبين الموظف المسئول عن القيام بالعمل الوظيفي الذي استؤجر للقيام به.
وبهذا نلاحظ أن كل موظف في الدولة، من أدنى الموظفين فيها حتى رئيس الدولة، أجراء للقيام بالأعمال والخدمات التي تتطلبها الوظيفة.
إن أعمال رئيس الدولة، وأعمال موظفي الدوائر الرسمية، وأعمال العسكريين، وأعمال الأساتذة والمعلمين، كلها خدمات.
فعلى الموظف أيًّا كانت وظيفته أن يدرك أنه مستأجر، وأن يشعر بمسئوليته التامة تجاه ما هو مستأجر فيه، وما هو مستأجر للقيام به، وأنه في الزمن الخاص للعمل الوظيفي مملوك الطاقات والقدرات الفكرية والجسدية للعمل الذي هو مستأجر فيه، فكل انتفاع من ذلك يجب أن يسخره لما هو مستأجر للقيام به، ما وجد سبيلًا لعمل نافع لوظيفته.
ولا بد أن يكون وجدان الموظف يقظًا دوامًا للقيام بما يجب عليه أن يقوم به تجاه وظيفته في دائرته، وتجاه أصحاب المصالح عنده.
إن الوظيفة ليست مغنمًا ولا مزرعة للاستثمار الشخصي، وتحقيق الربح المادي أو المعنوي الدنيوي الخاص بالموظف، بل هي استئجار لوقت محدد من عمر الموظف وقدراته الفكرية والنفسية والجسدية خلال هذا الوقت للقيام بالأعمال التي تتعلق بوظيفته.
وسرقة بعض هذا الوقت دون إذن من رب العمل هو نوع من الغلول، باستثناء أوقات الفراغ التي تضيع هدرًا، وذلك حين لا تتطلب الوظيفة منه عملًا ما.
وليس من حق الموظف أن يهدر الوقت بكلام خاص مع زميل أو زائر أو حاجات ومصالح خاصة للموظف -وهي ليست من متطلبات الوظيفة- وعنده عمل من متطلبات الوظيفة لا يؤديه؛ بل يُسوف فيه ويُماطل فيه بغير حق، أو يهدر فيه وقت مراجع ينتظر فراغه من ثرثرته، أو من عمله الخاص به الذي ليس هو من متطلبات وظيفته، أو من ضروريات حياة الموظف، وحاجاته التي لا غنى له عنها.
стр. 370
٣- الأهلية العامة لإسناد الوظائف:
ترجع الأهلية العامة لإسناد الوظائف إلى أصلين رئيسيين، هما القوة والأمانة.
فالأصل الأول: القوة، يراد بها القدرة على القيام بأعباء الوظيفة التي تسند إلى من يُنتقى لها.
وهذه القدرة تختلف باختلاف نوع عمل الوظيفة، فالأستاذ الجامعي يجب أن تكون لديه القدرة على تعليم نوع العلم الذي يوظف للقيام به، والمحاسب المالي يجب أن تكون لديه القدرة على إجراء الحسابات المالية التي يوظف للقيام بها، حتى من يوظف للقيام بإنشاء الحدائق ورعايتها وتحسين أشكالها، يجب أن تكون لديه القدرة على ذلك، والكاتب في الدوائر يجب أن تكون لديه القدرة على الكتابة الجيدة دون أخطاء.
وهكذا حتى أقل الوظائف وأدناها، مما يحسبه الأميون الذين لم يتعلموا قراءة وكتابة ولا صناعة، فلا بد أن تكون لدى من يختار لها القوة للقيام بها، فإذا كان معوقًا عاجزًا فإنه لا يجوز اختياره لها.
فلكل نوع عمل وظيفي نوع من القدرة يجب أن يتوافر في الذي يختار لوظيفة ذلك العمل.
ويدخل في القوة العلم المطلوب للوظيفة، والقدرات العلمية المكافئة لأعمال الوظيفة، والشجاعة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ونصرة المظلوم، ومقاومة الظالم، والضرب على أيدي المفسدين في الأرض، والصبر والجلد والدأب والمتابعة.
وبالأصل الثاني: الأمانة، ويراد بها هنا الصفة النفسية والسلوكية التي يجب أن يتحلى بها الموظف، ويكون بها الحفظ وحسن الأداء، وهذه الأمانة تقتضي أن يكون الموظف الأمين حريصًا على أمرين:
الأمر الأول: أن يكون شديد الحرص على الزمن المستأجر للقيام خلاله
стр. 371
بالعمل المطلوب منه، فلا يهدر منه شيئًا، ولا يستغل منه شيئًا لخصائص نفسه أو ذويه الأقربين أو أصحابه أو جماعته وحزبه، إلا بإذن عام، أو بإذن خاص من قتل من استأجره، إذا كان يملك مثل هذا الإذن.
فإن أهدر من الزمن شيئًا بغير حق، أو استغله لعمل آخر غير العمل المستأجر له، مع إهمال المطلوب منه في العمل المستأجر له، فقد خان الأمانة، إلا أن يأذن له صاحب العمل بذلك.
الأمر الثاني: أن يكون حريصًا على بذل ما يستطيع من علم وقدرات فكرية ونفسية وجسدية في العمل الذي استؤجر للقيام به. وذلك بحسب ما يحتاجه العمل المطلوب منه في وظيفته، فإن لم يبذل مستطاعه من ذلك فقد خان الأمانة، وإن استغل العمل لخصائص نفسه أو ذويه الأقربين أو أصحابه أو جماعته أو حزبه بغير إذن خاص بذلك، أو أخذ الرشوة للقيام به من أصحاب المصالح عنده فقد خان الأمانة.
وقد دل على هذين الأصليين: القوة والأمانة، عدة أدلة قرآنية:
١- وصف الله جبريل ﵇ رئيس الملائكة ذوي الوظائف القدسية بأنه ذو قوة، وبأنه أمين، فقال الله بشأنه في سورة "التكوير: ٨١ مصحف/ ٧ نزول":
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ .
فهو ذو قوة، وهو أمين.
٢- ما جاء في قصة موسى ﵇ مع الرجل الصالح من قوم مدين، وبنتيه اللتين سقى لهما موسى ﵇ من ماء مدين، وعرض مقالة إحدى الابنتين لأبيها بإقرار مشعر بالثناء، إذ قالت له كما جاء في سورة "القصص: ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول" ثناء على موسى ﵇:
﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ .
٣- وطلب سليمان ﵇ من الملأ الذين في مجلسه من الإنس
стр. 372
والجن أن يأتيه واحد منهم بعرش بلقيس، قائلًا لهم كما جاء في سورة "النمل: ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول":
﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ .
فانتدب لتحمل الوظيفة، وأبان أهليته لها بأنه يتحلى بوصفين: القوة على القيام بالوظيفة التي انتدب لها، والأمانة التي لا تخالطها خيانة ما.
٤- ولما كان يوسف ﵇ هو الرجل الوحيد القوي الأمين لتحمل وظيفة وزير التموين، للإعداد لسنوات القحط، كما جاء في الرؤيا التي عبرها يوسف ﵇ لملك مصر، بعد أن استوثق من أنه صار لدى الملك مكينًا أمينًا، فهو في هذا بمثابة نائب الملك، قال له كما جاء في سورة "يوسف: ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول":
﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ .
وهو في هذا يطلب ضمن وظيفته التي منحه إياها الملك صلاحيات وزارة التموين، وأبان له الوصفين الواجبين للاطلاع بهذه الصلاحيات، وهما الحفظ والعلم بالجمع والتخزين والعدل في التوزيع، والحفظ والعلم من فروع القوة والأمانة.
ولكن يقل في الناس اجتماع صفتي القوة والأمانة، ونظرًا إلى ندرة اجتماعهما. قال أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" الخبير بخصائص الرجال الإدارية، الفاحص المتتبع الشديد المراقبة والمحاسبة لعماله: "اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة".
٤- مسئولية موظف دائرة معنية بالقضايا الإسلامية ونشر الإسلام:
وتزيد مسئولية موظف دائرة معنية بالقضايا الإسلامية ونشر الإسلام عن
стр. 373
مسئوليات سائر موظفي المؤسسات العامة والخاصة؛ لأن مهماتها من فروع الجهاد في سبيل الله، لنشر الإسلام ولخدمة الإسلام وقضايا المسلمين.
فعليه أن يملأ كل وقته بخدمة الإسلام والمسلمين، وكلما فرغ من العمل الموكول إليه، أو وجه له تكليفًا، فعليه أن يفكر في ما ينفع الأمة الإسلامية من خلال الموقع الذي هو فيه، ويقوم بما يستطيع من عمل في حدود صلاحياته العامة. فما من موقع من مواقع الأعمال إلا له سلم كمال، ومن فكر بإمعان وجد نفسه في أول درجات هذا السلم أو في بعض درجاته الوسطى، ووجد أن بإمكانه أن يقترح ما فيه ارتقاء تحسيني، وأن يُحسن أشياء يستطيع أن يفعلها بنفسه.
وعليه أن يصبر ويدأب ويبذل غاية جهده واجتهاده للقيام بالأعمال التي يمكن أن يقوم بها من خلال موقعه الذي هو فيه.
وإذا كانت لديه أفكار مناسبة يخدم فيها رسالة دائرته، ولا يملك هو تنفيذها ولا تنفيذ شيء منها، فعليه أن يقدم هذه الأفكار على سيل الاقتراح للذين بأيديهم الإقرار والتنفيذ، فالساعي في الخير كفاعله.
وعلى الموظف أن يعلم أن إهدار الأموال العامة في غير السبل النافعة لمهماتها، حتى الأوراق المكتبية، والأقلام والأدوات، وأن هضمها أو اختلاسها أو استغلالها للمصالح الخاصة هو من أشنع صور الغلول، وهو بمثابة أكل الأغنياء غير المستحقين لأموال الزكاة، أو إتلافها وإضاعتها وحرمان المستحقين منها.
وكذلك استغلال وقت الموظف فيها لمصالحه الخاصة أو مصالح ذويه أو أصحابه أو جماعته أو حزبه، أو إهداره وإضاعته بالكسل والخمول والنوم، أو بالعبث.
والسبب في هذا الإثم المضاعف أن أعمال المؤسسة المعنية بنشر الإسلام من الجهاد في سبيل الله، وأموالها بمثابة أموال المجاهدين في سبيل الله، ووقت الموظف فيها وطاقاته قيم مالية من أموال الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أن الجهاد في سبيل الله من المصارف الثمانية التي تبذل فيها الزكاة.
стр. 374
فالوظيفة فيها استئجار للقيام بأعمال الجهاد في سبيل الله، والموظف فيها مستأجر لهذه الغاية، فعليه أن يكون شديد الحرص والحذر من أن يغل في مال هو من أموال هذه المؤسسة، أو في وقت هو من أوقاتها، أو في طاقة هي من طاقاتها.
إن الغلول جريمة عظيمة في الإسلام، قال الله في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
- وجاء في أخبار خبير فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، أن رجلًا من أشجع من أصحاب رسول الله ﷺ توفي يوم خيبر، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس من ذلك، فقال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله"، قال الراوي: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود ما يساوي درهمين، إن الغال يأتي بما غل يوم القيامة يحمله ليفتضح بغلوله أمام الخلائق، ثم لينال عذابه.
- وقد شدد الرسول ﷺ بشأن الغلول وعظم أمره وحذر من عقوبته في حديث رواه البخاري ومسلم.
- وروى البخاري عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: كان على ثقل١ النبي ﷺ رجل يقال له "كركره" فمات، فقال النبي ﷺ : "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها، أي: أخذها من الغنائم قبل قسمتها وتوزيعها.
- وروى مسلم والترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من الصحابة فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى
стр. 375
مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي ﷺ : "كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة".
ويستهين بعض الموظفين بهذا الأمر، ويتحايل بحيل كثيرة ليصيب لنفسه منها منافع بغير حق، وهو من الغلول الشنيع.
٥- الوظيفة ووقت عمل الموظف فيها:
إن وقت عمل الموظف المخصص بحسب عقد التوظيف الذي هو عقد استئجار، ليس ملك الموظف لنفسه، بل هو وقدرات فكره ونفسه وجسده، ملك لأعمال وظيفته، ما دام فيها عمل هو مسئول عن أدائه، خلال ساعات العمل المرتبة له.
وتوجيه هذه القدرات خلال ساعات عمله لأعمال خاصة به، أو أعمال لذويه، أو أصحابه أو جماعته التي ينتمي إليها هو من الغلول، إذا كان بإمكانه أن يستغل ذلك في الأعمال التي تتطلبها وظيفته.
أما إذا لم يكن لوظيفته أعمال باستطاعته أن يقوم بها، فله عندئذ أن ينتفع من الفراغ لنفسه، أو لمن يحب، بعلم يستفيده، أو عبادة محضة، أو خدمة خاصة أو عامة، بشرط أن لا يؤثر ذلك على تأخير عمل يتعلق بالوظيفة مما يحتمل أن يأتيه وهو في فترة الفراغ.
وإذا كان عمله يرتبط بإنجاز معاملات المراجعين عنده فوقته ملك لهم بحسب تسلسل حضورهم عنده، وحرام عليه أن يأكل من وقتهم شيئا بغير حق، وحرام عليه أن يكون جائرًا، فيؤخر سابقًا، ويقدم متأخرًا، محاباة لمن قدمه، إلا بإذن من السابقين وإلا كان ظالمًا، وسارقًا من وقت السابق بغير حق.
إن الوقت ذو قيمة، وقد يكون الوقت الذي يراه الموظف قليلًا ذا قيمة عظيمة لدى بعض المراجعين، فالوقت الذي يضيعه أستاذ جامعي مجد، أو عالم باحث، أو مدير إدارة، أو صاحب مؤسسة، وهو ينتظر أن ينجزه له موظف
стр. 376
مهمل في عمله، قد يساوي في القيمة ساعات أو أيامًا أو شهورًا من أوقات بعض الناس.
ورب ساعة واحدة لإنسان باحث مجد تساوي أعمار آلاف مؤلفة من الناس، إن مبدعًا واحد مبتكرًا يملأ وقته بالجد والاجتهاد والبحث والتنقيب قد يساوي عمر شعب بأكمله يأكل ويشرب ويستمتع كما تستمتع الأنعام.
ومن الموظفين من لا يهتمون بأوقات المراجعين أصحاب المصالح عندهم، ويهدرون أوقاتهم الثمينة بغير حق؛ لأنهم لا يملكون شعورًا بالواجب الرباني، الذي فرضه الله عليهم تجاه الآخرين، ولا يملكون وجدانًا مسلكيًّا نحو وظائفهم، ولا يخطر في بالهم أنهم أجراء للأمة بوجه عام، ولأصحاب المصالح لديهم بوجه خاص، فهم يأكلون أجورهم بقبض الرواتب، ولا يؤدون العمل الذي يجب عليهم أن يؤدوه.
إن كل فرد من أفراد الأمة يدفع ضريبة للدولة، هو مساهم في دفع أجور عمالها وموظفيها، فالموظف أجير عنده، وله عليه حق إنجاز معاملته له بالحق والعدل، متى تعلقت مصلحته الخاصة به١.
ويترك بعض الموظفين مكتبة، وينصرف لقضاء مصالح لنفسه أو لمن يحب، هاضمًا حق الوظيفة في وقته وطاقاته، وغالًّا فيهما معًا.
وهنا نلاحظ كم تحمل مشاجب غرف الموظفين أردية وأغطية رءوس، ومعاطف، وعباءات لموظفين لا يجلسون وراء مكاتبهم، والمراجعون ينتظرون، وأوقاتهم تهدر وتبدد بالانتظار غير المحمود، بينما يكون الموظفون خارجين لأعمالهم الخاصة، أو لأعمال ذويهم ومن يحبون، بعد أن أثبتوا توقيعاتهم على سجل الحضور، أو أثبتها لهم بعض زملائهم، أو يجلسون في مكاتب أخرى للثرثرة وإضاعة الوقت.
стр. 377
وبعض الموظفين تهبط عليهم أنوار حب تأدية نوافل العبادات، كقراءة القرآن، أو أداء صلوات مسنونة كصلاة الضحى، واشتغال بالطهارة لهذه الصلوات المسنونة، فيضيع كثيرًا من وقت عمل الوظيفة في هذه النوافل، زاعمًا أنه من المتعبدين الصالحين، مع أنه غال مرتكب كبيرة من كبائر الإثم، في هضمه للوقت، وإراحة قدراته عن أن ينفقها في أعمال وظيفته التي هو مستأجر للقيام بها، وهو لا يملكها لنفسه في ذلك الوقت، وقد يظلم مع ذلك آخرين من المراجعين إذ يهدر أوقاتهم دون حق، ويرتكب بذلك معصية هي من الكبائر.
وسبب ذلك سوء فهمه لشمول الدين وتكامله، وعدم علمه بالحقوق والواجبات العامة، أو تحايله متسترًا بما يشعر بأنه من المتعبدين الصالحين.
إن نوافل العبادات لا يجوز أن تستغل لها الأوقات والقدرات التي هي ملك للعمل الوظيفي المسئول عنه شرعًا.
إن الدين الحق يفرض عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، دون شطط ولا وكس، ودون ظلم بالزيادة أو بالنقص.
لقد كان يقال: فلان الموظف ذو وجدان مسلكي ممتاز، إذا كان يعطي ما يملك من قدرات فكرية ونفسية وجسدية لأعمال وظيفته طوال ساعات عمله، إلا ما تدعو الضرورة والحاجة الماسة لاستثنائه.
أما الموظف الذي يقصر في شيء من ذلك فيقال في وصفه: سيئ الوجدان المسلكي، فإن زاد كان فاسده، أو محرومًا منه نهائيًّا، لا يصلح للعمل الوظيفي بحال من الأحوال.
إن المحرومين من الوجدان المسلكي في الوظائف هم لصوص الدوائر، يأكلون رواتبهم سحتًا.
٦- سوء فهم معنى الوظيفة:
كثير من الموظفين يرون أنه متى صدر قرار تعيينه في الوظيفة، فقد ملك
стр. 378
كل ما يتعلق بوظيفته من أمور مادية ومعنوية، ويرى أن راتبه يأخذه بحق التعيين فقط، ويستبعد أنه أجير يأخذ راتبه مقابل الأعمال التي يجب عليه أن يقوم بها خلال وقت الدوام الرسمي، ولو استهلكت هذه الأعمال كل وقته.
وبعضهم يرى أنه سلطان يأمر وينهى، ويتعاظم ويستكبر على ذوي المصالح عنده، وينسى أن ذوي المصالح العاملين في بلده يساهمون ببذل الأجرة التي يأخذها راتبًا في نهاية الشهر؛ لأنهم يدفعون الضرائب للدولة من أموالهم، وقسم منها يذهب لتسديد رواتب الموظفيين، فهو أجير عندهم بطريقة غير مباشرة؛ إذ هو استئجار جاء عن طريق الدولة التي هي المؤسسة العامة للأمة.
إن الولاية مهما علت درجتها أو نزلت خدمة مأجورة من قبل الأمة بوجه عام، والأمة هي التي تدفع من أموالها المجمعة في صندوق الدولة رواتب الموظفين الذين هم في الحقيقة أجراء.
والوظيفة في أية مؤسسة من المؤسسات العامة أو الخاصة ليست مقعدًا في تكية لارتزاق الفقراء والمساكين، أو في مأوى للعجزة والمعوقين، أو في مقهى للكسالى ومبددي الأوقات.
إن كل من يتسلم وظيفة من الوظائف، وهو لا يحسن الأعمال المتعلقة بها، بل كل همه أن يتقاضى راتبها المالي، ينتمي في الحقيقة إلى فئة فقراء التكايا، ومعوقي دور العجزة، الذين ليس لهم من يكفلهم، وليس لديهم ما ينفقون به على أنفسهم، إلا أنه مقنع زورًا وخداعًا بقناع أجير يحسن العمل الذي أجر نفسه ليقوم به.
٧- أخلاق الموظف المسلم:
كل الأخلاق الإسلامية الفاضلة يطالب الموظف المسلم بها بشدة؛ لأنه يمثل في حدود دائرة عمله إمام المسلمين، أو الرئيس الأعلى للمؤسسة، ومن أبرز الأخلاق المطلوبة وأكثرها وجوبًا الأمانة، والصدق، والعدل، والعفة، والرفق، والتواضع، والإخلاص في العمل، والاجتهاد في الإنجاز على أحسن
стр. 379
وجه وأتقنه، ومعاملة الآخرين من الزملاء والرؤساء والمرءوسين والمراجعين بما يجب أن يعامل هو به لو كان في أمكنتهم دون تجاوز لحدود الحق، ولا محاباة ولا أثرة.
- أما الأمانة؛ فقد سبق بيان أنها ركن أساسي من أركان العمل الوظيفي، فلا يصلح لأي عمل وظيفي خائن لا أمانة له.
- وأما الصدق؛ فهو شقيق الأمانة، ورفيقها الملازم لها وجودًا وعدمًا، والصدق يشمل الصدق في الحديث، والصدق في الوعد، والإخلاص في العمل.
فإذا وعد الموظف وعدًا فعليه أن يوفي به، وإذا قال قولًا فعليه أن يكون صادقًا فيه.
وكل من الخيانة والكذب لا يفطر عليهما المؤمن، أي: كل إنسان؛ لأن كل مولد يولد على الفطرة، وهي فطرة الإيمان والإسلام.
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ :
"يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب".
وأبان الرسول ﷺ بعض علامات المنافق، فقال فيما روى البخاري ومسلم:
"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
- وأما العدل؛ فقد أجمعت عقول الأولين وتجاربهم على أن العدل أساس الملك، والعدل يكون بإعطاء كل ذي حق حقه، دون وكس ولا شطط.
والعدل من مبادئ الإسلام الدستورية العامة، قال الله في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .
ومما ينافي العدل عدم التسوية بين أصحاب المعاملات في الحقوق
стр. 380
والواجبات، وإيثار بعضهم بالتيسير والتسهيل؛ لقرابة أو صحبة أو هوى، ومعاملة آخر بالتعسير والتشديد، وتقديم بعض أصحاب المعاملات المتأخرين في الحضور على المتقدمين فيه، لدى إنجاز معاملاتهم وتأخير ذوي الاستحقاق بمقتضى سبقهم في الحضور.
ومما ينافي العدل تكليف رئيس العمل بعض موظفيه بأعمال شاقة؛ مع إعفاء آخرين منها؛ محاباة لهم، وإيثارًا لقرابة أو صحبة أو هوى أو رشوة ظاهرة، أو مقنعة بالهدية، أو نزعة إقليمية.
- وأما العفة فهي توجب على كثير من الموظفين أن يكونوا شديدي الحذر من أن تخدش عفتهم في المواقف بمقتضى وظيفتهم، لمثيرات ينزلقون بها إلى السقوط في بعض الفواحش، أو مقدماتها، وينجم عن ذلك طامات كبريات.
وكم من رجال أسقطوا دولهم وجيوشهم وأمتهم في نكبات مهلكات مدمرات من خلال بعض أعمال خدشت عفتهم، فاستولى عليهم شياطين الإنس عن طريقها، وأسروهم وهددوهم بالفضيحة، إلا أن يحققوا لهم أغراضهم داخل شعوبهم، مستغلين سلطاتهم في وظائفهم.
- وأما الرفق بالناس فقد اهتم به الرسول ﷺ اهتمامًا بالغًا؛ لأنه أحد الأسس المؤلفة للقلوب، والناظمة لأفراد الجماعة، ومن النصوص في الرفق ما يلي:
روى مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:
"إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه".
وفي رواية: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".
وروى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، أن النبي ﷺ قال:
стр. 381
"من يحرم الرفق يحرم الخير كله".
وروى مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به".
ودعا رسول الله ﷺ فقال في دعائه:
"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به".
وروى البخاري ومسلم عن عائذ بن عمرو أنه دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إن شر الرعاء الحطمة".
الرعاء: جمع الراعي. والحطمة: هو الذي يشتد على إبله أو بقره أو غنمه فيسوقها سوقًا عنيفًا بلا رحمة ولا حكمة، ويدفع بعضها إلى بعض بالضرب، حتى يحطم بعضها بعضًا ويقتل بعضها بعضًا، وقد شبه الرسول ﷺ الولاة القساة الذين يأخذون الناس بالشدة والعنف بالراعي الحطمة.
- وأما التواضع فهو من فضائل الأخلاق الأولى التي تُطلب من الموظف المسلم؛ لأن من طبيعة الوظيفة التي فيها أمر ونهي وقدرة على التسلط والتحكم بالناس، أن تُفسد صغار النفوس، فمن كان ذا نفس حقيرة صغيرة استكبر بنفسه واستعلى، ثم يفضي به استكباره إلى أن يكون جبارًا، لا يرى إلا نفسه، فلا تهمه إلا مصالح نفسه، ثم ينظر إلى الناس باحتقار.
- وأما الإخلاص في العمل فهو أولى صفات المؤمن؛ لأن الأعمال بالنيات كما فهو معلوم.
- وأما الاجتهاد في الإنجاز على أحسن وجه وأتقنه، فهو المطلوب الأول من كل عامل أجير، وقته وطاقته مملوكة لمن استأجره، طوال ساعات استئجاره.
- والقاعدة العامة العظيمة لمكارم الأخلاق: أن يعامل الإنسان الآخرين بما يجب أن يعاملوه به، كما جاء في كلام الرسول ﷺ .
стр. 382
٨- وصايا عامة للموظف المسلم:
في هذه المقولة أسرد في فقرات ما ينبغي للموظف المسلم أن يتحلى به، وكثير منها جاء فيما سبق بيانه وشرحه، وبعضها قد يمكن ضمه إلى بعض:
١- على الموظف المسلم أن يتقي الله في العمل الوظيفي الذي هو مسئول عنه بمقتضى وظيفته، وفي كل من له علاقة بعمله، من مواظفين آخرين في العمل، ومن مراجعين أصحاب مصالح عنده، وأن يتقي الله فيما تحت يده من أموال لا حق له فيها.
٢- وعلى الموظف المسلم أن يراقب الله في عمله، طالبًا ثوابه منه، قائمًا بواجبات وظيفته مبتغيًا مرضاة الله ، خائفًا من عقابه العاجل والآجل، وأن يضع في حسبانه أن الله فوقه يراقبه ويحاسبه ويجازيه، فمن جار أو ظلم أو أهمل واجبات وظيفته انتقم الله منه.
٣- وعليه أن يكبح جماح أهوائه وشهواته، وأن يلتزم بما أوجب الله عليه، وأن يبتعد عما حرم الله عليه، مهما تعرض خلال وظيفته لمغريات مالية أو غير مالية: "كالغلول، والرشوة، وإيثار مصلحة نفسه على مصالح أصحاب الحقوق، إلى غير ذلك من المحرمات، ومنها الغيبة والنميمة والإضرار بالناس والإفساد فيما بينهم".
٤- وعليه أن يتحلى بفضائل الأخلاق، ومنها على وجه الخصوص:
الأمانة والصدق والعدل والعفة والرفق والتواضع ومعاملة الناس بما يحب أن يعاملوه به مع التزام الحق.
٥- وعليه أن يكون رحيمًا بالناس، يعاملهم باللطف والمحبة والإكرام، وأن يكون عفوًّا كريمًا، يتغاضى ويصفح عن إساءات الآخرين، ولا سيما غلاظات بعض المراجعين الثقلاء.
٦- وعليه أن لا ينظر إلى المراجعين على أنهم دونه؛ إذ صير الله حوائجهم إليه بمقتضى وظيفته.
стр. 383
٧- وعليه أن يتواضع للناس، ولا سيما أهل الأقدار والمكانات العلمية والاجتماعية، وأن يحذر من أن تأخذه العزة بالإثم، والاستكبار عن النصح، وتقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٨- وعليه أن يحذر من الظلم والجور وحرمان ذوي الحقوق حقوقهم، وإيثار غيرهم لهوى من الأهواء، فمن ظلم عباد الله في الدنيا كان الله يوم القيامة خصمه، ومن الظلم تيسير مصالح الأقربين والأصحاب وأعضاء الجماعة الحزبية التي هو منها وتفضيلهم على غيرهم دون وجه حق، وعدم التسوية بين ذوي الحقوق المتساوية، بل يجب عليه إتاحة الفرص لهم بالتساوي، وتفضيل من هو الأكفأ علمًا وإخلاصًا وعملًا ودينًا، وليس شيء أدعى إلى تعجيل نقمة الله على عبده، وتحويل نعمته عنه من الظلم، فليحذر من دعوة المظلوم؛ إذ ليس بينها وبين الله حجاب، وإن الله للظالمين لبالمرصاد.
٩- وعليه أن يحذر الغلول، وهو اختلاس أي شيء من الأموال العامة، ومنه سرقة وقت عمل الوظيفة بغير حق أو إذن من رب العمل.
١٠- وعلى متسلم إدارة جديدة أن يحذر من الاعتماد على موظفين كانوا لمديرين سابقين ظالمين أعوانًا لهم على ظلمهم، فهؤلاء يحسنون صناعة النفاق، والاستدارج إلى المزالق، ويحيطون به إحاطة عامة تحجب عنه حقائق الأمور، ثم يدفعون به من حيث يشعر أو لا يشعر إلى أن يسير في السبل التي سلكها الظلمة من قبله، وخير له أن يجتلب خبراء من الذين لم يسبق لهم أن أعانوا ظالمًا على ظلمه.
١١- وعليه أن يستدني أهل الورع والصدق، الذين يمحضون النصيحة، ولا يتخذون الإطراء وسيلة للتقريب، فالركون إلى مدح المداحين وإطراء المطرين يُفسد النفوس، بما يبذر في تربتها الخصبة من بذور الزهو والخيلاء، والإعجاب بالنفس، فمن أعجب بنفسه استكبر عن أن يسمع من أحد كلمة: اتق الله. وإذا سمعها أخذته العزة التي هو فيها بارتكاب الإثم، والانتقام ممن قال له ذلك.
стр. 384
١٢- وعليه أن يحسن إلى من هم تحت سلطته من موظفين، وإلى ذوي الحاجات عنده، ببشره، وحسن استقباله، ولين أقواله، وبما يستطيع ويتيسر له من ضيافة من ماله، أو مما هو مأذون به، مع معاملة الجميع بالعدل.
١٣- وعليه أن يسمع من أهل العلم والمعرفة، والسابقين له في الخبرة بالعمل الوظيفي نصائحهم، وأن لا يستبد برؤيته الخاصة، فللسابقين تجارب وخبرات مفيدة جدًّا، إذا كانوا من أهل العمل والرشد والحكمة والنصيحة المخلصة.
١٤- وعلى من بيده سلطة التعيين في عمل وظيفي أن يُحسن اختيار الأصلح والأكفأ الأخلص الأورع.
١٥- وعليه أن يحذر من المحاباة والأثرة ظالمًا بهما من هو الأحق والأفضل، فالمحاباة والأثرة من فروع الجور والخيانة.
١٦- وعليه أن يحذر من الوعد التسويفي الكاذب، الذي لا يهمه الوفاء به، فالخلف في الوعد يوجب المقت عند الله وعند الناس، وليضع نصب عينيه قول الله في سورة "الصف: ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ .
١٧- وعليه أن يحذر من أن يستأثر لنفسه بشيء بحكم سلطته الوظيفية، في حين أن آخرين لهم فيه حق مساوٍ لحقه فيه.
١٨- وعليه أن يحذر من تصديق النمامين المعروفين بالنميمة، فهم مفسدون، وفي الغالب هم كذابون، يفترون أو يبنون على الأوهام والظنون، أو يصدقون أضعف الأخبار وأوهنها، فينقلونها على أنها وقائع ثابتة، فإذا بلغه خبر فعليه أن يتبين بنفسه ويتثبت.
١٩- وعليه أن يستمع إلى نصح الناصحين، ونقد الناقدين، ليصلح من أمره، أما المستكبر فإنه يغضب من نصح الناصحين ونقد الناقدين، فتتراكم
стр. 385
أخطاؤه وآثامه، حتى يفتضح ويسقط من أعين الناس أجمعين، وقد يخرج من عمله الوظيفي مطرودًا.
٢٠- وعليه أن يحذر من أن ينفخ فيه كرسيه الذي يحتله في العمل الوظيفي نزعة الكبر والاستعلاء على المراجعين، أو على من هم دونه في السلم الوظيفي.
٢١- وعليه أن يعامل الآخرين كما يحب أن يعامل هو به لو كان هو المراجع صاحب الحاجة، أو هو الموظف الأدنى.
٢٢- وعليه أن يبادر بكل ما لديه من استطاعة أن يقضي حاجات ذوي الحاجات عنده، أو يستطيع أن يقضيها لهم في دائرة عمله، ولو كان العمل مما جعل من واجبات غيره لدى توزيع أعمال دائرته، وعليه أن يحذر من الإهمال والتسويف والمماطلة.
٢٣- وعليه أن لا يتهم بشكليات العمل الوظيفي التي لا تضبط حقًّا، ولا تمنع ظلمًا، ولا تقدم فائدة تذكر، بل تطول من إجراءات العمل، وتدير المعاملة التي يكفي فيها توقيع واحد على عدد من الموظفين، لا يقدمون للمعاملة إلا توقيعًا عليها، دون أن يكون له أثر يعتبر.
٢٤- وعليه أن لا يشدد على أصحاب المعاملات، متى وجد الأمر حقًّا سليمًا لا ظلم فيه، ولا حيلة تهضم حقًّا، أو تستولي على ما لا حق فيه لصاحب المعاملة، فمن عيوب بعض الموظفين أنه مغرم بالتعقيدات الشكلية، ويتعلل باللوائح التي يجد فيها مخارج تحله من التعقيدات، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.
٢٥- وعليه أن لا يُرضي أحدًا من الناس بسخط الله، مستغلًّا موقعه الوظيفي، لكن عليه أن يجتهد في إرضاء الناس بحدود الشرع، فمن لم يرضه الشرع فلا أرضاه الله.
٢٦- وعليه أن يرفق في الناس في أقواله وأعماله، وأن يخفف عليهم التكاليف والإجراءات، ويسهل عليهم الأمور، وما وجد إلى ذلك سبيلًا.
стр. 386
وأخيرًا أقول: إن مما يؤسف له أن الحضارة الغربية قد أخذت لمصالحها الدنيوية بكثير من هذه الوصايا التي جاء بها الإسلام في أسسه الحضارية، في حين أن التأخر الحضاري الذي أصيب به المسلمون اليوم، قد جعلهم يتركون العمل بهذه الوصايا مع علمهم بها، ويجلبون إلى دوائرهم التعقيدات التي تركها الناس من حولهم.
стр. 387
الفصل السادس: الجهاد في سبيل الله بالقتال
المقولة الأولى: مقدمات عامة
١- دواعي الجهاد بالقتال في سبيل الله:
في الواقع الإنساني القائم على التصارع بين حملة رسالة حضارية عالمية شاملة أساسها الحق والخير، وبين أحزاب وفرق شتى ذات أنانيات ضيقة يوجهها الباطل والشر، تدعو الضرورة إلى اتخاذ وسيلة القتال في سبيل الله، وذلك ليتسنى لحملة رسالة الحضارة الإسلامية العمل على بنائها بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة، وإلا لم يترك لهم الهدامون المنتشرون في طول الأرض وعرضها فرصة لإقامة بنائهم الحضاري المجيد.
ويكون الجهاد بالقتال في سبيل الله بإعداد واستخدام القوة المادية، وذلك لإرهاب أعداء الله، ومقاومة شرورهم، ضمن قواعد السياسة الخارجية الإسلامية.
وينظر المسلمون إلى مخالفيهم نظرة شفقة ورحمة، ما لم يمارس هؤلاء المخالفون عداوتهم بشكل عملي.
والمخالفون في نظر بناء الحضارة الإسلامية جاهلون ومرضى، والرسالة الخيرة التي يحملها العلماء الأصحاء إنما هي تعليم الجاهلين، وتطبيب المرضى، ومساعدتهم، والرفق بهم، والأخذ بأيديهم في طريق الصحة والسلامة الفكرية والقلبية والنفسية والجسدية.
فإذا لم تجد الوسائل الهينة اللينة، والبيانية والتربوية على اختلاف صورها وأشكالها الترغيبية والترهيبية، لإصلاح نفوس أعداء رسالة الحضارة الإسلامية، أو تجميد عداوتهم، وهدم أحاقدهم، وصرفهم عن مكايدهم ضد الإسلام
стр. 388
والمسلمين، فإن الضرورة قد تدعو بناه هذه الحضارة أن يلجئوا إلى وسائل أخرى تترقى فيه أساليب العنف شيئًا فشيئًا، مع ضبط النفس، وعدم اتباع الهوى، ومع الرغبة الملحة بالانتصار للحق فقط، دون أن تتدخل عوامل نفسية أخرى.
وقد يغدو فريق من مخالفي رسالة الحضارة الإسلامية أعداء معلنين عداواتهم، متربصين بالمسلمين، أو شاهري أسلحتهم في وجوههم، وفي مواجهة هؤلاء يجد حملة رسالة الحضارة الإسلامية أنفسهم أمام أمر لا زب لا مناص منه، يفرض عليهم أن يكونوا مدافعين، أو مهاجمين بما لديهم من قوى مادية ومعنوية.
وأمام هذا الأمر الذي لا مفر منه في الواقع الإنساني، فإن من واجب حملة رسالة الحضارة الإسلامية أن يتخذوا وسائل الدفاع الكافية، والمبادهة في بعض الأحيان قبل المباغتة، مع التزام شروط رسالتهم الربانية، التي يطلعون بمهمتها، ويكون ذلك بأمرين:
الأمر الأول: إعداد القوة التي تربو على قوة العدو، من مال، وسلاح، ورجال، وخبرات، ومعارف، وحصون، وغير ذلك، قال تعالى في سورة "الأنفال: ٨/ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ .
الأمر الثاني: القتال لإعلاء كلمة الله، مع التأكيد على أن القتال وسيلة تكون في آخر الأمر، حينما لا تجدي الوسائل الأخرى من دونه، وحينما يصبح حملة رسالة الحضارة الإسلامية تحت الخطر المداهم، أو هدفًا للخطر المستوفز أو المتربص من قبل أعدائهم.
وحينما تُلجئ الضرورة إلى سلوك سبيل القتال، فإن القتال يستدعي الجود بالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. ولذلك كان لمن يجود بنفسه في هذا السبيل حظ الشهادة في سبيل الله، وكان للمقاتل في هذا السبيل من الضمان
стр. 389
الرباني أن يدخله الله الجنة، وأن ينال ما لا يوصف من أجر عظيم عنده، أو يعود إلى أهله نائلًا ما نال من غنيمة وأجر.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل".
١- الركن الأساسي للجهاد بالقتال:
وللجهاد بالقتال المأذون به أو المحرض عليه في أسس الحضارة الإسلامية ركن أساسي لا بد منه، وهو أن يكون في سبيل الله.
هذا الركن العام يشمل في دلالته تحديد الباعث إلى القتال، والمطلب المنشود تحقيقه في الدنيا به، والغاية القصوى المرجوة عند الله منه.
وذلك لأن الضمان الذي ضمنه الله للمجاهد من إدخاله الجنة، أو إرجاعه إلى منزله الذي خرج منه، بما نال من أجر أو غنيمة، إنما ضمنه لمن خرج مجاهدًا بالقتال في سبيله، لا يخرجه أي دافع دنيوي، وإنما يخرجه أمور ثلاثة:
الأمر الأول: باعث أسمى في نفسه يحركه للخروج إلى القتال، ألا وهو باعث الإيمان بالله، والتصديق برسله.
أما من خرج في سبيل ضلالات إلحادية، أو في سبيل وثنيات مادية، فإنه يعرض نفسه إلى تهلكتين:
стр. 390
الأولى: تهلكة الموت أو القرح في الدنيا.
الثانية: تهلكه العذاب الأليم في الآخرة.
ولا يدخل الدفاع عن المال أو العرض أو الأرض في هذا، فإنه دفاع مأذون به شرعًا، وإن لم يكن في مفهوم الإسلام جهادًا في سبيل الله، ما لم يتحقق فيه الركن الأساسي للجهاد في سبيل الله.
الأمر الثاني: مطلب يسعى إلى تحقيقه في الدنيا؛ إذ يقذف بنفسه إلى معترك الموت بإذن الله وطاعته، فيَقتل أو يُقتل، ألا وهو نشر دين الله، وإعلاء كلمته، والسعي لبناء الحضارة الإسلامية المجيدة.
وقد أوضح هذا الأمر الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ سئل فقيل له: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل لشجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل غضبًا، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ :
"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
الأمر الثالث: غاية قصوى يرجوها عند الله، ألا وهي نيل رضوانه، وبلوغ جنته، والظفر بما أعد الله من أجر عظيم للمجاهدين المقاتلين في سبيله.
وأما الظفر في الدنيا على الأعداء فهو أمر إن قضاه الله فتلك حُسْنَى عاجلة أكرم الله بها المؤمنين المجاهدين في سبيله، وإن لم يقضه الله فقد حقق المؤمنون غايتهم القصوى، وهي نيل رضوان الله وجنته، وتحصيل الأجر العظيم الذي أعده، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
وهكذا تنحصر دوافع القتال في سبيل الله بالباعث الأسمى وهو الإيمان بالله والتصديق برسله، وبالمطلب العاجل وهو العمل على إعلاء كلمة الله ونشر دينه وبناء الحضارة الإسلامية المجيدة، وبالغاية القصوى وهي ابتغاء مرضاة الله، ونيل ثوابه الذي أعده للمحسنين.
وهذه الدوافع التي تحرك بناه الحضارة الإسلامية المجيدة إلى القتال حينما تلجئهم الضرورة إليه، هي على النقيض تمامًا من دوافع العدوان الذي يقوم به أعداء الإسلام، ومهدموا أركان حضارته وأبنية المجد العظيم التي يبنيها للناس.