وأخيرًا أقول: إن مما يؤسف له أن الحضارة الغربية قد أخذت لمصالحها الدنيوية بكثير من هذه الوصايا التي جاء بها الإسلام في أسسه الحضارية، في حين أن التأخر الحضاري الذي أصيب به المسلمون اليوم، قد جعلهم يتركون العمل بهذه الوصايا مع علمهم بها، ويجلبون إلى دوائرهم التعقيدات التي تركها الناس من حولهم.
стр. 387
الفصل السادس: الجهاد في سبيل الله بالقتال
المقولة الأولى: مقدمات عامة
١- دواعي الجهاد بالقتال في سبيل الله:
في الواقع الإنساني القائم على التصارع بين حملة رسالة حضارية عالمية شاملة أساسها الحق والخير، وبين أحزاب وفرق شتى ذات أنانيات ضيقة يوجهها الباطل والشر، تدعو الضرورة إلى اتخاذ وسيلة القتال في سبيل الله، وذلك ليتسنى لحملة رسالة الحضارة الإسلامية العمل على بنائها بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة، وإلا لم يترك لهم الهدامون المنتشرون في طول الأرض وعرضها فرصة لإقامة بنائهم الحضاري المجيد.
ويكون الجهاد بالقتال في سبيل الله بإعداد واستخدام القوة المادية، وذلك لإرهاب أعداء الله، ومقاومة شرورهم، ضمن قواعد السياسة الخارجية الإسلامية.
وينظر المسلمون إلى مخالفيهم نظرة شفقة ورحمة، ما لم يمارس هؤلاء المخالفون عداوتهم بشكل عملي.
والمخالفون في نظر بناء الحضارة الإسلامية جاهلون ومرضى، والرسالة الخيرة التي يحملها العلماء الأصحاء إنما هي تعليم الجاهلين، وتطبيب المرضى، ومساعدتهم، والرفق بهم، والأخذ بأيديهم في طريق الصحة والسلامة الفكرية والقلبية والنفسية والجسدية.
فإذا لم تجد الوسائل الهينة اللينة، والبيانية والتربوية على اختلاف صورها وأشكالها الترغيبية والترهيبية، لإصلاح نفوس أعداء رسالة الحضارة الإسلامية، أو تجميد عداوتهم، وهدم أحاقدهم، وصرفهم عن مكايدهم ضد الإسلام
стр. 388
والمسلمين، فإن الضرورة قد تدعو بناه هذه الحضارة أن يلجئوا إلى وسائل أخرى تترقى فيه أساليب العنف شيئًا فشيئًا، مع ضبط النفس، وعدم اتباع الهوى، ومع الرغبة الملحة بالانتصار للحق فقط، دون أن تتدخل عوامل نفسية أخرى.
وقد يغدو فريق من مخالفي رسالة الحضارة الإسلامية أعداء معلنين عداواتهم، متربصين بالمسلمين، أو شاهري أسلحتهم في وجوههم، وفي مواجهة هؤلاء يجد حملة رسالة الحضارة الإسلامية أنفسهم أمام أمر لا زب لا مناص منه، يفرض عليهم أن يكونوا مدافعين، أو مهاجمين بما لديهم من قوى مادية ومعنوية.
وأمام هذا الأمر الذي لا مفر منه في الواقع الإنساني، فإن من واجب حملة رسالة الحضارة الإسلامية أن يتخذوا وسائل الدفاع الكافية، والمبادهة في بعض الأحيان قبل المباغتة، مع التزام شروط رسالتهم الربانية، التي يطلعون بمهمتها، ويكون ذلك بأمرين:
الأمر الأول: إعداد القوة التي تربو على قوة العدو، من مال، وسلاح، ورجال، وخبرات، ومعارف، وحصون، وغير ذلك، قال تعالى في سورة "الأنفال: ٨/ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ .
الأمر الثاني: القتال لإعلاء كلمة الله، مع التأكيد على أن القتال وسيلة تكون في آخر الأمر، حينما لا تجدي الوسائل الأخرى من دونه، وحينما يصبح حملة رسالة الحضارة الإسلامية تحت الخطر المداهم، أو هدفًا للخطر المستوفز أو المتربص من قبل أعدائهم.
وحينما تُلجئ الضرورة إلى سلوك سبيل القتال، فإن القتال يستدعي الجود بالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. ولذلك كان لمن يجود بنفسه في هذا السبيل حظ الشهادة في سبيل الله، وكان للمقاتل في هذا السبيل من الضمان
стр. 389
الرباني أن يدخله الله الجنة، وأن ينال ما لا يوصف من أجر عظيم عنده، أو يعود إلى أهله نائلًا ما نال من غنيمة وأجر.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل".
١- الركن الأساسي للجهاد بالقتال:
وللجهاد بالقتال المأذون به أو المحرض عليه في أسس الحضارة الإسلامية ركن أساسي لا بد منه، وهو أن يكون في سبيل الله.
هذا الركن العام يشمل في دلالته تحديد الباعث إلى القتال، والمطلب المنشود تحقيقه في الدنيا به، والغاية القصوى المرجوة عند الله منه.
وذلك لأن الضمان الذي ضمنه الله للمجاهد من إدخاله الجنة، أو إرجاعه إلى منزله الذي خرج منه، بما نال من أجر أو غنيمة، إنما ضمنه لمن خرج مجاهدًا بالقتال في سبيله، لا يخرجه أي دافع دنيوي، وإنما يخرجه أمور ثلاثة:
الأمر الأول: باعث أسمى في نفسه يحركه للخروج إلى القتال، ألا وهو باعث الإيمان بالله، والتصديق برسله.
أما من خرج في سبيل ضلالات إلحادية، أو في سبيل وثنيات مادية، فإنه يعرض نفسه إلى تهلكتين:
стр. 390
الأولى: تهلكة الموت أو القرح في الدنيا.
الثانية: تهلكه العذاب الأليم في الآخرة.
ولا يدخل الدفاع عن المال أو العرض أو الأرض في هذا، فإنه دفاع مأذون به شرعًا، وإن لم يكن في مفهوم الإسلام جهادًا في سبيل الله، ما لم يتحقق فيه الركن الأساسي للجهاد في سبيل الله.
الأمر الثاني: مطلب يسعى إلى تحقيقه في الدنيا؛ إذ يقذف بنفسه إلى معترك الموت بإذن الله وطاعته، فيَقتل أو يُقتل، ألا وهو نشر دين الله، وإعلاء كلمته، والسعي لبناء الحضارة الإسلامية المجيدة.
وقد أوضح هذا الأمر الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ سئل فقيل له: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل لشجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل غضبًا، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ :
"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
الأمر الثالث: غاية قصوى يرجوها عند الله، ألا وهي نيل رضوانه، وبلوغ جنته، والظفر بما أعد الله من أجر عظيم للمجاهدين المقاتلين في سبيله.
وأما الظفر في الدنيا على الأعداء فهو أمر إن قضاه الله فتلك حُسْنَى عاجلة أكرم الله بها المؤمنين المجاهدين في سبيله، وإن لم يقضه الله فقد حقق المؤمنون غايتهم القصوى، وهي نيل رضوان الله وجنته، وتحصيل الأجر العظيم الذي أعده، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
وهكذا تنحصر دوافع القتال في سبيل الله بالباعث الأسمى وهو الإيمان بالله والتصديق برسله، وبالمطلب العاجل وهو العمل على إعلاء كلمة الله ونشر دينه وبناء الحضارة الإسلامية المجيدة، وبالغاية القصوى وهي ابتغاء مرضاة الله، ونيل ثوابه الذي أعده للمحسنين.
وهذه الدوافع التي تحرك بناه الحضارة الإسلامية المجيدة إلى القتال حينما تلجئهم الضرورة إليه، هي على النقيض تمامًا من دوافع العدوان الذي يقوم به أعداء الإسلام، ومهدموا أركان حضارته وأبنية المجد العظيم التي يبنيها للناس.
стр. 391
المقولة الثانية: الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال
حينما تلجئ الضرورة حملة رسالة الحضارة الإسلامية المجيدة أن يقفوا موقف القتال، في مواجهة من ناصبوهم العداوة، وكادوهم، وكادوا دينهم، فإن للقتال شروطًا تلزمهم بها رسالتهم المقدسة.
بعد تحديد الغاية من القتال وإعداد العدة له، والتصميم على مباشرته دفعًا لعدوان المعتدين، وابتغاء نشر الدين القويم، وسعيًا للعمل في بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة، يجب على المقالتين في سبيل الله أن يتقيدوا بالمنهج التطبيقي الذي شرعه الله في القتال، وأن يلتزموا جميع الشروط التي أمر الله بها فيه، وأن ينتهوا عما نهى الله عنه.
وأجمل فيما يلي الشروط التي يجب توافرها في القتال اقتباسًا من القرآن المجيد، وهي ستة شروط:
الشرط الأول: وحدة الغاية
وذلك بأن تكون غاية المقاتلين واحدة، وهي بالنسبة إلى حملة رسالة الحضارة الإسلامية المجيدة ابتغاء مرضاة الله، بالعمل لنشر دينه، وإعلاء كلمته وبناء الحضارة المجيدة التي دفعهم إليها، بما أنزل في الإسلام من نصائح ووصايا وشرائع وأحكام.
стр. 392
ودليل هذا الشرط قول الله تعالى في سورة "التوبة: ٩ مصحف/ ١١٣ نزول" يخاطب المؤمنين".
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
ففي آية "التوبة" يأمر الله بأن يكون الجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله، وهذا إلزام بتوحيد الغاية من الجهاد، وهي أن تكون في سبيل الله وحده.
وفي آية "الأنفال" يبين الله الغاية التي من أجلها أمر الله المؤمنين بالقتال، وهذه الغاية هي أن لا تكون في الأرض فتنة للمؤمنين من قبل الكافرين، وأن يكون الدين كله لله وحده، وما بينته هذه الآية نوع من التفصيل لما أجملته آية "التوبة".
الشرط الثاني: وحدة صف المقاتلين، وتماسك جماعتهم
وقد أمر الله بتحقيق هذا الشرط؛ لأن تفرق صفوف المقاتلين دون خطة مرسومة موحدة جامعة مبدد للقوى، موهن للعزائم، ممكن للعدو في أن يظفر بكل قسم على حدة.
وتتم وحدة صف المقاتلين بتنفيذهم الدقيق لأوامر قيادتهم الحربية الواحدة، وقد تقضي الخطة الحكيمة التي تضعها القيادة أن يقاتل بعض المقاتلين، ويتربص بعضهم؛ ويكون قسم منهم في الكمائن، وأن يداهموا العدو من عدة جبهات مختلفات الشكل متنوعات السلاح، إلى غير ذلك من خطط. وليس معنى وحدة صف المقاتلين أن يواجهوا عدوهم على طريقة الصف المتراص كتفًا بكتف؛ لأن ذلك قد يمكن العدو من حصدهم بالأسلحة النارية الحديثة بسرعة خاطفة.
стр. 393
ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة "الصف: ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول":
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .
الشرط الثالث: الاعتماد على الله في تحقيق النصر، وعدم الاغترار بالنفس:
وهذا الشرط مهم جدًّا لإحراز النصر، وذلك لأن الاعتماد على الله -مع ملاحظة أوامره بوجوب بذل قصارى الجهد لنيل تأييده ونصره- من شأنه أن يضاعف القوة، ويزيد من قدرات القتال، في نفوس حملة رسالة الحضارة الإسلامية المجيدة، الذين يمارسون الجهاد المقدس.
أما الاغترار بالنفس فإنه يفضي إلى الاستهانة بقوة العدو، ومع الاستهانة يحصل التهاون والتباطؤ والتواكل، وهذه من أبرز عوامل الخذلان ومسبباته.
ودليل هذا الشرط من القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "التوبة: ٩ مصحف/ ١١٣ نزول":
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ .
الشرط الرابع: شدة البأس في القتال:
وتبدو لنا الأهمية البالغة لهذا الشرط متى لاحظنا أن شدة البأس في القتال تجعل قلوب الأعداء فريسة للجبن والخوف، ومتى وجد الخوف سبيله إلى القلوب انهارت قوى الهجوم، ثم تنهار من ورائها قوى المقاومة، ويفضل المقاتل حينئذ الفرار أو الاستسلام.
стр. 394
ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
فقوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ يدل على الإلزام بإيقاع البأس الشديد في العدو المقاتل، حتى تنخلع قلوب الذين من خلفهم ذعرًا، فيشردوا ويفروا من وجوه المقاتلين من المسلمين، طلبًا للسلامة، وإيثارًا للعافية، ومخافة أن يقع بهم مثل هذا البلاء العظيم.
الشرط الخامس: الثبات والمصابرة وعدم تولية الأدبار، مع الاعتصام كئوس اليأس من الظفر، وبذلك تنهار قوته.
ويساعد على الثبات والمصابرة الاشتغال بذكر الله، والأمل بمدده المادي ومدده المعنوي.
ويدل على هذا الشرط من القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وقول الله تعالى في سورة "الأنفال" أيضًا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
الشرط السادس: طاعة القيادة وعدم التنازع في الأمر
стр. 395
ولهذا الشرط أهمية عظيمة لإحراز النصر، وذلك لأن فقد الطاعة يجعل القيادة غير قادرة على استعمال القوى من مواجهة العدو، وبذلك تتعطل القوى، أو تتصارع فيما بينها، أو تستعمل في غير صالح المعركة، وكل ذلك من أسباب الفضل الذريع، والهزيمة والخيبة.
وليس أن التنازع في الأمر واختلاف وجهات النظر في القتال يؤديان إلى هذه النتائج التي تسبب الفشل والهزيمة والخيبة.
وليس من شأن حملة رسالة الحضارة الإسلامية المجيدة والقائمين بواجب الجهاد المقدس العصيان أو التنازع.
ودليل هذا الشرط من القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول":
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
وقول الله تعالى في معرض الحديث من غزوة أحد في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول":
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وبتحقيق هذه الشروط في القتال مع شروط إعداد العدة الكافية السابقة له، ومع تحديد الهدف منه كما أمر الله تعالى، يستطيع حملة رسالة الحضارة الإسلامية المجيدة أن يظفروا بالنصر كلما لاقوا عدوهم.
سنة الله ولن تجد لسنته تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا.
стр. 396
المقولة الثالثة: الروح المعنوية لدى المقاتلين من حملة الرسالة الربانية
...
المقولة الثالثة: الروح المعنوية لذي المقاتلين من حملة الرسالة الربانية
عند المقارنة بين الجيوش المقاتلة في العالم، الغابرة منها والحاضرة، يلاحظ الناظرون إلى قيم الروح المعنوية فيها أن جيوش حملة رسالة الحضارة الإسلامية الصادقين تتمتع بأعلى نسبة منها.
وذلك لأن حملة رسالة الحضارة الإسلامية حينما تلجئهم الضرورة أن يقفوا موقف المقاتلين من مواجهة أعداء رسالتهم المجيدة، لا بد أن يلتمسوا في أنفسهم أن الباعث لهم على قتال أعدائهم أنبل غاية تقصد، وهي إعلاء كلمة الله، وابتغاء رضوانه والطمع بالأجر عنده، وصيانة حركة البناء الحضاري المجيد من شرور أعدائها المجرمين.
وعند ذلك لا بد أن يجدوا أنفسهم مسوقين إلى التقيد بشروط القتال التي حددها الله لهم، وأمرهم بالتزامها، وهي كما سبق: وحدة الغاية، ووحدة الصف، والاعتماد على الله في تحقيق النصر، وعدم الاغترار بالنفس، وشدة البأس في القتال، والثبات والمصابرة وعدم تولية الأدبار، مع الاعتصام بالإكثار من ذكر الله، وطاعة القيادة، وعدم التنازع في الأمر.
ومتى استجمعوا كل ذلك مع سبق إعداد المستطاع من القوة المادية المرهبة بتفوقها، كانوا كتلة رهيبة جدًّا من القوة والبأس والشجاعة والإقدام.
فما من جيش استجمع كل ذلك إلا نزع الجبن من قلوب أفراده، فلم يخشوا الموت، وأقبلوا على القتال وهم شديدوا البأس، ثابتوا الإقدام، مستوقون إلى بلوغ إحدى الحسنيين:
- النصر وإعلاء كلمة الله.
- أو الشهادة عند الله وبلوغ رضوانه وجنته.
ما توافرت في جيش من الجيوش كل هذه الشروط التي حددها الإسلام
стр. 397
وأرشد إليها إلا وجد معونة الله المعنوية والمادية مصاحبة له، مهما كر أو فر في مساجلات القتال.
ومن المستعبد جدًّا أن يصاب في وقت من أوقاته بالضعف أو التخاذل والوهن، وذلك لأنه يعلم بأن وعد الله بالنصر للصادقين معه، والمخلصين له، لا بد محقق، فهو شديد الثقة بذلك؛ لأنه فيما يقوم به إنما يقاتل عدو الله وعدو دينه، وعدو رسالة الخير التي أمر بها عباده، وعدو بناة صرح الحضارة المجيدة، وهو يعتقد أنه يقاتل بإذن الله وأمره، مؤيدًا بعون الله وقهره، موعودًا بأجر الله ونصره.
ومن أجل كل ذلك ترتفع قوة المقاتلين في سبيل الله بنسبة ما في قلوبهم من إيمان وصبره، وصدق مع الله، حتى يكون الواحد منهم كفئًا للعشرة من العدو في الحد الأعلى، ولاثنين من العدو في الحد الأدنى.
ويدل على ذلك قول الله تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نول نزول":
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
وكذلك تكون قوة المؤمنين الصابرين، بخلاف الذين يخرجون بطرًا ورئاء الناس، ويقاتلون حمية وعصبية أو للشجاعة، أو بغية الوصول إلى مال، أو مجد دنيوي، أو سلطان في الأرض، أو يقاتلون في سبيل فرد أو جماعة من الناس، أو غير ذلك من أمور لا تعادل غايتها بذل الروح في سبيلها، فإنهم إن يخرجوا إلى القتال فما أسرع ما يدب الذعر إلى قلوبهم، ويصيبهم الخوف والهلع، ثم إنهم في أغلب الأحوال متى وجدوا لأنفسهم منفذًا للفرار من المعركة أخذوا سبيلهم إليه، إلا أن يغلب على ظنهم أنهم بقوتهم منتصرون، وأن عدوهم ضعيف أو جبان، أو أن يقوم في أنفسهم أنهم قد أمسوا ملزمين بالقتال، وإلا قتلوا وأبيدوا، فهم يحاولون أن يقاتلوا ليدفعوا الموت عن أنفسهم بما استطاعوا من قوة وحيلة، ومن أجل ذلك نلاحظ أن الجيوش التي لا تحمل رسالة جهاد مقدس تعاني أكبر ما تعاني مما يسمى عند العسكريين بفقد الروح المعنوية، وتحاول قيادتها رفع هذه القوة بوسائل مختلفة دعائية ونفسية ومادية، ومن الوسائل المادية ما يتم به سلب الشعور العاقل عند الجندي المقاتل، عن طريق المسكرات، ولكن كل وسائلهم لا تحقق بعض النتائج التي يحققها الإيمان.
стр. 398
المقولة الرابعة: الجهاد بالقتال في تاريخ بناة الحضارة الإسلامية
حدثنا التاريخ عن الجهاد الصادق المقدس بإعداد القوة المادية واستخدامها، في القتال الذي قام به حامل لواء الحضارة الإسلامية الأول، رسول الله محمد ﷺ ، والمسلمون معه، وذلك منذ هجرته حتى رحلته الأخيرة إلى جوار الله، وكان بهذا الجهاد المقدس ظهور الإسلام واستعلانه، وشق الطريق الطويلة لبناء الحضارة الإسلامية المجيدة، بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة.
وحدثنا التاريخ أيضًا عن استمرار حركة هذا الجهاد العظيم على أيدي المؤمنين الصادقين، بعد وفاة رسول الله صلوات الله عليه في العصور الإسلامية الزاهرة الأولى، فأثمر جهادهم الصادق فتحًا مبينًا، لعشاق الخير، وناشدي الحضارة المجيدة، ونصرًا عزيزًا للبؤساء والمظلومين ومهضومي الحقوق، ومنح الأكفياء للمساهمة في بناء الحضارة أرضًا مستقرة آمنة، وزمنًا مباركًا، فأخذوا يبذلون ما لديهم من طاقة وجهد في بناء الصرح الخالد، الذي دفعتهم إلى بنائه أسس الحضارة الإسلامية الراسخة.
وامتد الإسلام باستمرار حركة هذا الجهاد المقدس، وامتدت معه أصوله الحضارية شرقًا وغربًا، وحقق المسلمون به معجزة الفتح التاريخية، التي كادت تضم بين جناحيها معمور الأرض في مشارقها، ومغاربها، وكان ذلك في أقصر حقبة عرفها تاريخ الفتوحات في الأرض.
стр. 399
وما زال أمر المسلمين كذلك حتى تسرب إلى نفوسهم مرض الانحراف عن الهدف المثالي الحق، الذي حددته لهم أسس الحضارة الإسلامية، فدخل إلى قلوبهم داء الوهن، والطمع بالدنيا، وحب الشهوات، والتثاقل عن الجهاد في سبيل الله، والإخلاد إلى الأرض، فوكلهم الله إلى نفوسهم، وألقى الخلاف بينهم، وضرب بين قلوبهم، وسلط عليهم عدوهم.
ولكن حركة المد والجزر في البحر الزاخر من المسلمين المنتشرين في الأرض، كانت توقظهم بين حين وآخر، إلى ما يجب عليهم نحو رسالتهم الحضارية العظمى، من الجهاد في سبيل الله جهادًا حقًّا، مستوفيًا كامل شروطه وأركانه، فكانت صحوات اليقظة هذه كافية لصد أعدائهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم، وإبقاء هيكل الدولة الإسلامية العام مهيبًا مرهوب الجانب.
وبين ضعف هذا الكيان وعوامل اليقظة ومظاهرها، لاحظ أعداء الإسلام العقيدة القوية الراسخة التي تجعل جيوش حملة رسالة الحضارة الإسلامية المجيدة كأنها الجبال الراسيات قوة وثباتًا، وامتحنوها بشكل عملي خلال قرون صارعوهم فيها بكل وسيلة من وسائل القتال المحكم العنيف، وكانت النتيجة أن مستهم صدمة عنيفة من الذعر والدهش والحيرة، ثم لم يجدوا سبيلًا إلى تفتيت هذه القوة الهائلة، إلا بأن يأتوا إلى جيوش حملة رسالة الجهاد الإسلامي، فيفرغوها من سر قوتها الحقيقية أولًا، ويضعوا مكانها قوى خلبية باردة ثانيًا، ثم يوجهوا عليها ضرباتهم القاصمات ثالثًا، ورأوا أنه لن يتم لهم الظفر عليها إلا بذلك، وكذلك فعلوا.
وقد وجه أعداء الإسلام جهودهم لإزالة قوة الإيمان بالله، وتهديم البواعث على الجهاد المقدس، وأتْبَعُوا ذلك بإلغاء شروط القتال في سبيل الله، ووضعوا مكان كل ذلك قوى صورية، تعطي صوتًا عظيمًا مدويًا، ولكنها لا تحدث إلا أثرًا يسيرًا، وقد لا تحدث أي أثر إلا أثرًا ضد حاملها، ووضعوا مكان الشروط الربانية شروطًا أخرى، فأحلوا محل الاعتماد على الله على إمدادات الدول الطامعة ذات المصالح الشخصية، والاغترار بالنفس، وأحلوا محل ذكر الله عبارات طاغوتية غير إسلامية، وأغاني مشحونة بتبجحات حقيره، وحميات
стр. 400
جاهلية، وبردوا حرارة الاندفاع الحقيقي إلى الجهاد، وفرقوا صفوف المسلمين، وأفسدوا بينهم وبين قادتهم، ففقدت الجيوش المسلمة بذلك عناصر قوتها الحقيقية، وألجئت بذلك إلى التخلي عن رسالتها الحضارية المجيدة.
فهل إلى عودة من سبيل؟
إن العودة إلى مركز المجد العظيم رهن بالتزام أسس الحضارة الإسلامية، واتخاذ وسائلها. هذا هو المنهج الصحيح، فإلى المنهج الإسلامي الصحيح يا شباب الإسلام، إن كنتم من عشاق المجد العظيم، ومن بناة صرح الحضارة الخالدة.
هذا هو المنهج الصحيح الذي امتحن بالتطبيق العملي فآتى ثماره العظيمة، التي لم يحظ بعشر معاشرها أي منهج آخر وضع موضع الامتحان والتجربة بالتطبيق العملي.
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
стр. 401
الباب الثالث: صور ونماذج من تطبيقات المسلمين الحضارية في مختلف المجالات العلمية والعملية
الفصل الأول: تلقي القرآن وتدوينه وتدبره
المقولة الأولى: تلقي القرآن وتدوينه
١- القرآن في عصر الرسول ﷺ :
مع إشراق رسالة الإسلام التي اصطفى الله لتبليغها محمدًا ﷺ ، طفق الوحي يتنزل بآيات القرآن المجيد عليه، فيتلفقها الرسول ﷺ بكل ما وهبه ربه من قدرة على الحفظ والاستيعاب، ويتبصر فيها بكل ما آتاه ربه من قدرة على الفهم والتدبر.
وكان منه في بعض الأحيان تسرع في تلقي القرآن وتلاوته، قبل أن ينتهي جبريل ﵇ من إملاء النجم القرآني الذي يوحي به إليه، اهتمامًا منه بتحمل المسئولية التي اصطفاه الله لها، وحرصًا منه على حفظه، فأنزل الله عليه قوله في سورة "القيامة: ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول":
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .
ثم أنزل الله عليه قوله في سورة "طه: ٢٠ مصحف/ ٥٤ نزول":
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
وكان الرسول ﷺ يبلغ كل ما كان ينزل عليه من القرآن، لا ينقص منه حرفًا، ولا يزيد فيه حرفًا.
وكان يأمر أصحابه بكتابة القرآن، وحفظه، وتبليغه، وتداوله بين الناس نشرًا للعلم الرباني، وبثًا لأسس الإسلام ومفهوماته الاعتقادية والعملية.
стр. 402
وكان له كتاب اشتهروا في عصره بعبارة: "كتاب الوحي" فكان من كتاب الوحي١:
١- أبو بكر الصديق، عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي "٥١ق. هـ-١٣هـ".
٢- عمر بن الخطاب، القرشي العدوي "٤٠ق. هـ-٢٣ هـ".
٣- عثمان بن عفان، القرشي الأموي "٤٧ق. هـ-٣٥ هـ".
٤- علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي "٢٣ق. هـ-٤٠ هـ".
٥- معاوية بن أبي سفيان، القرشي الأموي "٢٠ق. هـ-٦٠ هـ".
٦- زيد بن ثابت، الأنصاري الخزرجي "١١ق. هـ-٥٤ هـ".
٧- أبي بن كعب، الأنصاري الخزرجي، كان من أحبار اليهود قبل الإسلام "٠٠٠-٢١هـ".
٨- خالد بن الوليد، القرشي المخزومي "٠٠٠-٢١هـ".
٩- خالد بن قيس، الأنصاري الخزرجي "٠٠٠-١٢هـ".
﵃، ولدى التبصر بهذا العلم العظيم نلاحظ أن أول قاعدة حضارية يمكن أن يعتمد عليها بناء حضاري مجيد.
ومنذ ذلك الحين تحولت الأمة العربية الأمية من واقع الجهل الذي كانت تتقلب في أوحاله، وأخذت تسلك في طريق المعرفة والعلم بهمة عظيمة.
واندفع المسلمون يحفظون القرآن، ويكتبونه، ويتدبرونه معانيه، وتنفتح عقولهم إلى آفاق كثيرة من المعرفة، وجهتهم لها آياته، ثم أخذوا يعون عن رسول الله ﷺ بياناته القولية والعملية، فيستوعبونها فهمًا، ويطبقونها عملًا،
стр. 403
على مقادير استطاعاتهم, ويتداركون ما كان ينقصهم في سالف أميتهم من شروط العلم، فأسرعوا إلى زيادة أعداء الذين يتقنون صنعة الكتابة والقراءة فيهم، عملًا بما جاء في الإرشاد القرآني الذي اشتملت عليه أولى سور القرآن نزولًا، وهي سورة "العلق: ٩٦ مصحف/ ١ نزول" وهو قول الله فيها:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
واستجابة للتوجيه النبوي، إذ جعل يدفع أبناء المسلمين إلى تعلم القراءة والكتابة، ضمن الوسائل التي كانت متيسرة حينئذ للمسلمين.
وكثر في أصحاب الرسول ﷺ حفاظ القرآن كله أو بعضه.
ذكر القرطبي: أنه قد قتل منهم يوم بئر معونة سبعون رجلًا، وقتل منهم في عهد الرسول ﷺ مثل هذا العدد.
على أن الشغف بالقرآن الكريم قد كان صفة مشتركة لدى أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم استمر بعدهم في المسلمين. الأمر الذي حفظ الله به كتابه، تحقيقًا لوعده الذي أبانه في سورة "الحجر: ١٥ مصحف/ ٥٤ نزول" بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
وحسب المسلمين أن يكون هذا القرآن المجيد قاعدتهم العلمية، ودستورهم الحضاري، ومنطلقهم إلى كل معرفة إنسانية، وبناء حضاري.
وشغف المسلمين بالقرآن المجيد قد رافقه تعلق شديد منهم بأقوال الرسول ﷺ وبياناته وتطبيقاته العملية، ورغبة عامة في تحصيل كل معرفة إنسانية كان للعرب نصيب منها، كالشعر العربي، وأمثال الحكمة والأدب، وكلام فصحاء العرب وبلغائهم، والأنساب وأخبار الأولين، وما كانوا يعرفونه من علم النجوم، وما كانوا يعرفونه من أدوية نباتية وغيرها، للأمراض التي كانت معروفة لديهم في جزيرة العرب يومئذ، ونحو ذلك من معارف أخرى توصل إليها العرب بأنفسهم، أو وفدت إليهم من معارف الأمم المجاورة لهم.
стр. 404
٢- القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁:
ظل القرآن المجيد في قمة ما أولاه المسلمون بالغ عنايتهم واهتمامهم، بالإقبال على حفظه وتدبر معانيه، وكانوا يعلمونه أبناءهم قبل أن يعلموهم أي علم آخر.
ورغبة في صيانته من أن يدخل إليه أي تحريف أو تغيير، عمد الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁ إلى كتابته كتابة كلية جامعة في نسخة أم، تكون هي المرجع لسائر المكتوبات التي يكتبها المسلمون للقرآن، وكان ذلك بإشارة من عمر بن الخطاب ﵁، بعد موقعة اليمامة، سنة اثنتي عشرة للهجرة، التي وقعت بين المسلمين وأهل الردة، من أتباع مسيلمة المتنبئ الكذاب، التي استشهد فيها سبعون رجلًا من حفظة القرآن، من أصحاب رسول الله ﷺ ، فهال هذا الأمر عمر بن الخطاب، فجاء إلى الخليفة أبي بكر الصديق ﵄، فاقترح عليه جمع القرآن، في نسخة تكون هي الأم والمرجع المعتمد لدى جميع المسلمين.
روى البخاري في صحيحه أن يزويد بن ثابت ﵁ قال:
"أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده. قال: أبو بكر، إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر١ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن، فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل
стр. 405
جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو الله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف١ وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة "التوبة" مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره.
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ .
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر". ا. هـ.
ومعنى قوله: "لم أجدها عند أحد غيره" لم أجدها مكتوبة عند أحد غير أبي خزيمة الأنصاري، أما كونها محفوظة فكل حفاظ القرآن من الصحابة قد كانوا يحفظونها. وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ﵃، ولكنه كان قد اشترط على نفسه أن يعتمد فيما يجمع على شهادتي الحفظ والكتابة معًا.
وقد كان هذا الجمع للقرآن الكريم الظاهرة الأولى من ظاهرات تثبيت العلم المنزل من عند الله قرآنًا يتلى في نسخة أصلية جامعة، تكون هي الأم والمرجع الذي ترجع جميع المكتوبات من القرآن إليه، وقد تولى هذا الأمر العظيم أول خلفاء الرسول ﷺ من بعده، باقتراح ممن صار الخليفة الثاني، وقام بالعمل أحد كتاب الوحي "زيد بن ثابت الأنصاري" وأعانه عليه كل صحابي كانت لديه كتابة قرآنية كتبها في عصر الرسول ﷺ ، مع الجمهور العظيم لحفاظ كتاب الله من الصحابة.
وبهذا العمل المجيد استوفى هذا السفر العلمي الرباني العظيم أولى وسائل
стр. 406
توثيقه التاريخي بالكتابة الموحدة المجموعة، وبالحفظ في صدور الحفاظ الكثيرين الثقات من أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين لهم بإحسان.
وهذا من توفيق الله وعنايته الجلية بهذا الكتاب. الذي جعله خاتمة كتبه المنزلة من لدنه، ليكون نورًا وهدى للناس أجمعين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وإذ كان من خطته ﷻ أن ينزل هذا الكتاب الخاتم، على خاتم رسله محمد ﷺ ، كان من مقتضى حكمته أن يتكفل بحفظه من أي تحريف أو تغيير أو زيادة أو نقص، بما يُسخر له من وسائل حفظ وتثبيت. وكان من مقتضى حكمته أن لا يتكفل بحفظ الكتب التي أنزلها على رسله السابقين، فلم يوجد للكتب السابقة ما وجد للقرآن من وسائل حفظ وتوثيق، فدخل فيها التحريف والتغيير، والزيادة والنقص والنسيان، فلا يوجد لدى أمة من الأمم السابقة ما يصحح نسبة كتبها المقدسة لديها إلى رسلها أو أنبيائها.
وبهذا يلاحظ كل ذي فكر وعقل وإنصاف أن الأمة الإسلامية قد انفردت من بين جميع الأمم، بأنها الأمة التي تملك توثيقًا قطعيًّا للكتاب الرباني المنزل على الرسول الخاتم محمد بن عبد الله ﷺ .
٣- القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁:
اتسعت أراضي الدولة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ودخلت في الإسلام شعوب كثيرة غير عربية الأصل، وأخذ بعض الذين دخلوا في الإسلام يقرءون القرآن على غير وجهه الذي أُنزل به.
فأسرع الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان ﵁، إلى الخليفة عثمان بن عفان، واقترح عليه أن ينسخ عددًا من المصاحف مطابقة للنسخة الأم التي كان قد تم جمعها في عهد أبي بكر ﵁، وأن يُوزِّع هذه النسخ
стр. 407
على الأقطار الإسلامية، تداركًا للأمة الإسلامية من أن يقع بينها الخلاف في نصوص آيات القرآن المجيد.
واستجاب الخليفة الراشد عثمان ﵁ لتنفيذ هذا الاقتراح، فألف لجنة للقيام بهذا العمل الجليل الخطير، من أربعة رجال ثقات فضلاء من أصحاب الرسول ﷺ ، وهم:
١- زيد بن ثابت المدني الأنصاري الذي كان قد كلفه الخليفة الأول "أبو بكر الصديق" أن يجمع النسخة الأولى.
٢- عبد الله بن الزبير، وهو مكي قرشي أسدي "١-٧٣هـ".
٣- سعيد بن العاص، وهو مكي قرشي أموي "٣-٥٩هـ".
٤- عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو مكي، قرشي، مخزومي "١-٤٣هـ".
فاجتمع هؤلاء الأربعة الأعلام الثقات، وشرعوا في تنفيذ أمر الخليفة عثمان ﵁، سنة خمس وعشرين للهجرة، ونسخوا بضع مصاحف لم تزد على سبعة.
ولما تم نسخ هذه المصاحف بعث الخليفة عثمان إلى كل ناحية واحدًا منها.
فأرسل إلى الشام، والكوفة، والبصرة، ومكة، واليمن، والبحرين، واحتفظ بواحدة عنده في المدينة.
وتلقى المسلمون في الأقطار الإسلامية عمل الخليفة هذا بالقبول والاستحسان، وبه قطع الله دابر الاختلاف، وصار لدى المسلمين في كل قطر مصحف إمام مدقق على الأصل الذي هو الأم. وأقر ما فيه الحفاظ المتقنون المنتشرون في الأقطار، من أصحاب الرسول ﷺ .
وكان عمل عثمان هذا عملًا مجيدًا حميدًا، في طريق نشر وتثبيت كتاب المسلمين الأول والأكبر، على وجه محقق مدقق موثق في مختلف الأقطار الإسلامية.
стр. 408
روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه:
"أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة، أن أرسلي إلينا بالمصحف ننسخها في المصاحف التي نردها إليك، فأرسلت به حفظة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الثلاثة، إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواء من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق".
وكان رسم الكتابة العربية يومئذ خاليًا من النقط والتشكيل، وعلى ذلك تمت كتابة المصاحف في عهد عثمان ﵁، كما كانت كذلك كتابة القرآن في عهد الرسول ﷺ ، وفي عهد أبي بكر.
٤- ضبط حروف كلمات القرآن بالنقط وبالتشكيل:
ظل رسم كتابة القرآن كما رسم في حياة الرسول ﷺ ، وفي عهود الخلفاء الراشدين، خالي الحروف من النقط ومن الشكل.
وكان معظم المسلمين الأولين عربًا أصلاء، يقرءون القرآن بسليقتهم متقنًا، دونما لحن في نطق مفرداته أو في إعرابها بحسب موقعها من الجمل القرآنية.
وظل المسلمون يقرءون القرآن على وفق الرسم الذي كتبت به نسخ مصحف عثمان الذي كان المصحف الإمام بضعًا وأربعين سنة، حتى خلافة عبد الملك بن مروان.
стр. 409
وكثر منذ ذلك الحين اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب التي دخلت في الإسلام، وبدأت العجمة واللحن يتسربان إلى أبناء العرب.
وعندئذ تنبه فريق من رجال الفكر الإسلامي، وفريق من رجال الحكم والإدارة، إلى ضرورة صيانة القرآن الكريم من التصحيف واللحن في كلماته على ألسنة العامة، بسبب التشابه في رسم بعض الحروف العربية؛ إذ كانت خالية من فروق النقط عليها، وإلى ضرورة صيانته من اللحن الذي يكون بتغيير حركات الحروف، نظرًا إلى أن الكتابة العربية في أصلها خالية من الدلالة على حركات حروفها فتحًا، وضمًّا، وكسرًا وسكونًا.
فاتجهت الأفكار لابتكار طريقة يضبط بها رسم القرآن، بشرط المحافظة على صورة بناء الرسم السابق، إلا ما تدعو الضرورة إلى تحسينه من الناحية الإملائية، كإثبات بعض الألفات التي كان اصطلاح الرسم قائمًا على حذفها. مثل ألف "كانت" ونحو ذلك.
والطريقة المختارة التي تم الاتفاق عليها أن يكون الضبط على شكل علامات مرافقات غير ملاصقات، تحدد نوع الحرف، وتُشير إلى حركته في النطق، من فتح وضم وكسر وسكون.
وأخذت العلامات المميزات للحروف، والمشيرات إلى الحركات، تدخل فيما يُكتب من مصاحف، ويُصاحب هذه العلامات التطوير والتحسين، حتى بلغت ذروتها في نهاية القرن الثالث الهجري، وهي الصورة التي استمرت حتى يوم الناس هذا.
ومن الذين تذكر أسماؤهم في التاريخ ممن وجهوا لعمليات الضبط هذه من رجال الحكم:
١- عبد الملك بن مروان، "الخليفة الأموي ٢٦-٨٦ هجرية"١.
٢- عبيد الله بن زياد. "والي خراسان، ثم البصرة للأمويين "٢٧-٦٧ هجرية"٢.
стр. 410
٣- الحجاج بن يوسف الثقفي "أحد القادة وولاة الحكم في العهد الأموي ٤٠-٩٥ هجرية"١.
ومن أشهر الذين تتردد أسماؤهم بأنهم بدءوا أو ساهموا في وضع أصول النقط والشكل ثلاثة رجال:
١- أبو الأسود الدؤلي "ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني" واضع علم النحو، وجاء في صبح الأعشى أن أبا الأسود وضع الحركات والتنوين لا غير "١ق. هـ-٦٩ هجرية"١.
٢- يحيى بن يعمر الوشقي العدواني "متوفى ١٢٩ هجرية" قالوا: هو أول من نقط المصاحف، أي: ميز بين الحروف المتشابهة الرسم بالنقط١.
٣- نصر بن عاصم الليثي من أوائل واضعي علم النحو "متوفى ٨٩ هجرية"١.
وهكذا تم في حقبة مبكرة من تاريخ المسلمين عمل حضاري عظيم، ضبطوا به كتابهم الأول أكمل ضبط وأتقنه، مع حفظه في صدور عشرات الألوف من الحفاظ المتقنين المنتشرين في كل موقع وصل إليه المسلمون.
٥- كل القرآن المنزل من عند الله لهداية الناس هو ما كتب في النسخة الأم بعهد أبي بكر:
عرفنا أن القرآن الذي جمعه "زيد بن ثابت" بأمر من الخليفة الأول أبي بكر ﵄ هو كل القرآن الذي أنزله الله على رسوله لهداية الناس، وعرفنا أن عمل الخليفة الثالث عثمان بن عفان لم يكن إلا نسخ سبع نسخ عنه وزعت في الأقاليم كما سبق بيانه.
فلم تسقط ولم تضع من القرآن كلمة واحدة ولا حرف واحد، وكل حرف من القرآن قد ثبت بالتواتر القطعي إلى رسول الله ﷺ ، ضمن القراءات العشر التي حررها ودونها وضبطها علماء القراءات.
стр. 411
أما لهجات أداء النطق العربي التي لا يرتبط بها اختلاف معنى، فقد أنزل الله الإذن بها ضمن سبعة أحرف، ولم يثبت علماء القراءات منها إلا ما بلغ التواتر.
فما بين دفتي المصحف المنتشر بين المسلمين هو كل القرآن المنزل من لدن حكيم عليم لهداية الناس وتعليمهم علوم الدين، لم يضع منه شيء ولم يكتم منه شيء.
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت:
"من زعم أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا من الوحي فقد كذب".
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله بن السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟
فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة.
قلت: وما في هذه الصحيفة؟
قال: العقل١، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر".
وقد نفذ الرسول ﷺ ما أمره الله به من تبليغ جميع ما أنزل إليه من ربه؛ إذ قال الله له في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ .
فمن زعم وجود كلمات أو آيات أو سور هي من القرآن، إلا أنها ليست في دفتي المصحف المنتشر بين عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فهو كذاب يفتري على الله ورسوله، وعلى جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد تحقق بحفظ القرآن وعد الله بقوله في سورة "الحجر: ١٥ مصحف/ ٥٤ نزول":
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
стр. 412
المقولة الثانية: نشأة علم التفسير
١- عصر الصحابة والتابعين:
١- كان الرسول ﷺ في حياته هو المرجع في فهم كتاب الله، وتبيين ما نزل الله للناس من شرائع وأحكام ونصائح ووصايا، مما يتعلق بقضايا الإيمان، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات، وكل أنواع السلوك الظاهر والباطن، الجسدي والنفسي.
٢- وكان كبار الصحابة وأذكياؤهم وفطناؤهم يفهمون القرآن بسليقتهم في فهم اللسان العربي، الذي أنزل به القرآن، على تفاضل فيما بينهم في مقادير ما يفهمون منه، ومن الذين كانت لهم مفهومات واستنباطات رائعات في كتاب الله علي بن أبي طالب وأبو بكر وعمر ﵃.
على أن القرآن بحر زاخر من العلوم الربانية لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد.
وقد كان إيمان الصحابة ومن تبعهم بإحسان، بالله وبرسوله وبما في كتاب الله من حق وهدى، يدفعهم إلى التسليم الكامل بكل ما في القرآن من كنوز علم وهدى، وكان يكفيهم من المعاني التي يفهمونها ما يتصل بصفاء الاعتقاد، وفضائل الأخلاق والسلوك.
وكان الصحابة يرجعون في الأحكام إلى ما يبينه الرسول ﷺ لهم بأقواله وأفعاله وتقريراته، وحسبهم ذلك في حياتهم الدينية والفكرية.
стр. 413
ولم يكونوا يكلفون أنفسهم أن يتعمقوا في استنباط دلالات آيات القرآن وعباراته، لكمال إيمانهم وتسليمهم، وعدم حاجتهم في حياتهم إلى إدراك التطابق بين دلالات النص وحقائق الواقع الكوني؛ إذ لم تكن العلوم الكونية قد توصلت إلى أمور خفية وراء الظواهر، حتى ينظروا بين ما توصل إليه الناس بوسائلهم، وبين ما تدل عليه العبارات القرآنية.
فالمعارف العلمية عن الكون ما زالت في طفولتها، ولم يكن للصحابة أي صلة بعلوم اليونان والفرس وغيرهم من الأمم، حتى تكون لهم مقارنات بها، أو بحوث تكشف لهم الأخطاء التي كانت تشمل عليها علوم الناس، وتؤكد لهم صحة ما في الكتاب المنزل من لدن رب العالمين.
وبرز في عصر الصحابة من العلماء بتفسير القرآن:
- عبد الله بن عباس، خبر الأمة "٣ ق. هـ-٦٨هـ" وكان أكثر أصحاب الرسول ﷺ رواية للتفسير، وقد دعا له الرسول ﷺ بقوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.
- عبد الله بن مسعود بن غافل "٠٠٠-٣٢ هـ" وقد كان من أعلام الصحابة الذين أخذ عنهم الشيء الكثير في التفسير.
- علي بن أبي طالب، وقد كانت له نظرات ذات عمق وبصيرة، وقد كان ﵁ بحرًا من العلم، وكان قوي الحجة "٢٣ق. هـ-٤٠ هـ".
- أبي بن كعب بن قيس بن عبيد من بني النجار "٠٠٠-٢١هـ".
- وغيرهم.
٣- ثم تكونت في عصر التابعين ثلاث مدارس للتفسير.
- المدرسة الأولى: مدرسة التفسير بمكة المكرمة، وإمامها عبد الله بن عباس ﵁، ابن عم الرسول ﷺ "٣ق. هـ-٦٨هـ" واشتهر من تلاميذه:
- التابعي: سعيد بن جبير "٤٥-٩٥هـ".
- التابعي: مجاهد بن جبر، مولى بني مخزوم "٢١-١٠٤هـ".
стр. 414
- التابعي: عكرمة بن عبد الله البرير، مولى ابن عباس "٢٥-١٠٥هـ".
- التابعي: طاووس بن كيسان اليماني الخولاني "٣٣-١٠٦هـ".
- التابعي: عطاء بن أبي رباح أسلم بن صفوان، كان عبدًا أسود "٢٧-١١٤هـ".
المدرسة الثانية: مدرسة التفسير بالمدينة المنورة، وإمامها الأول الصحابي: أبي بن كعب، من بني النجار، من الخزرج "٠٠٠-٢١هـ". أحد كتاب الوحي، كان قبل الإسلام حبرًا من أحبار اليهود، واشتهر من تلاميذ هذه المدرسة في التفسير:
- أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري. أدرك زمان النبي ﷺ وهو شاب. وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ ودخل عليه "٠٠٠-٩٠ أو ٩٣ هـ".
- التابعي: محمد بن كعب بن سليم القرظي المدني من حلفاء الأوس، كان أبوه كعب من سبي بني قريظة "٠٠٠-١٠٨ أو ١١٧ وقيل غير هذا".
- التابعي: زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر بن الخطاب "٠٠٠-١٣٦هـ".
المدرسة الثالثة: مدرسة التفسير بالعراق. وإمامها الأول الصحابي عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي "٠٠٠-٣٢ هـ" واشتهر من تلاميذ هذه المدرسة في التفسير:
- التابعي: علقمة بن قيس النخعي الهمداني، كان فقيه العراق وكان يشبه ابن مسعود في هدية وسمته وفضله "٠٠٠-٦٢هـ".
- التابعي: مسروق بن الأجدع الهمداني الوادعي، من أهل اليمن، سكن الكوفة، كان أعلم بالفتيا من شريح القاضي "٠٠٠-٦٣هـ".
стр. 415
- التابعي: الأسود بن زيد بن قيس النخعي، كان عالم الكوفة في عصره "٠٠٠-٧٥هـ".
- التابعي: مرة بن شراحبيل الهمداني الكوفي "٠٠٠-٧٦هـ".
- التابعي: عامر بن شراحبيل الشعبي الحميري، ولد ونشأ ومات بالكوفة، كان يضرب به المثل في الحفظ، وكان من رجال الحديث الثقات، وكان فقيهًا "١٩-١٠٣هـ".
- التابعي: الحسن البصري، وهو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار، مولى زيد بن ثابت الأنصاري ﵁، كان شيخ أهل البصرة، وكان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا. "٢١-١١٠هـ".
- التابعي: قتادة بن دعامة السدوسي البصري، مفسر حافظ ضرير أكمه، قال الإمام أحمد بشأنه: قتادة أحفظ أهل البصرة "٦١-١١٨هـ".
٢- عصر التدوين:
بدأ التوسع في تدوين تفسير كتاب الله وأحاديث الرسول ﷺ ، وسائر علوم الدين، في أواخر عهد بني أمية وأوائل عهد العباسيين.
وفيما يلي لمحات تفصيلية لهذا:
أولًا: لقد كان تدوين تفسير كتاب الله في معظمه بمثابة باب من أبواب تدوين السنة النبوية، المعتمدة على الرواية، ولو كان منفصلًا في كتاب خاص يأخذ عنوان تفسير لكتاب الله ، ولم يقتصر هذا على تدوين المرفوع إلى النبي ﷺ ، بل اشتمل هذا التدوين على ما أثر عن الصحابة والتابعين.
فكان ممن دون في التفسير من أئمة الحديث تدوينًا مشابهًا لتدوين المرويات من الأحاديث والآثار، الأعلام المذكورون فيما يلي:
- يزيد بن هارون بن زاذان بن ثابت السلمي بالولاء، من حفاظ الحديث
стр. 416
الثقات، أصله من بخارى، ومولده ووفاته بواسط، ذكر البلخي أن له كتابًا فيه أحاديثه "١١٨-٢٠٦هـ".
- شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الواسطي ثم البصري، من أئمة رجال الحديث حفظًا ودراية وتثبتًا، قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق "٨٢-١٦٠هـ".
- وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، حافظ للحديث ثبت، كان محدث العراق في عصره، له كتب منها: "تفسير القرآن" و"السنن" "١٢٩-١٩٧هـ".
- سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، محدث الحرم المكي، من الموالي، ولد بالكوفة، وسكن مكة وتوفي بها، قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، له "الجامع" في الحديث، وكتاب في "التفسير" "١٠٧-١٩٨هـ".
- روح بن عبادة بن العلاء القيسي البصري، كان محدثًا ثقة من أهل البصرة، وكان كثير الحديث، صنف كتبًا في السنن والأحكام، وجمع تفسيرًا "٠٠٠-٢٠٥هـ".
- عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني، من حفاظ الحديث الثقات، من أهل صنعاء، له "المصنف" في الحديث وكتاب في "تفسير القرآن" "١٢٦-٢١١هـ".
- آدم بن أبي إياس، شيخ الشام، اسم أبيه ناهية بن شعيب، وقيل: عبد الرحمن، روى عنه البخاري في صحيحه، وهو محدث عسقلان وهي مدينة من أعمال فلسطين "١٣٢-نحو ٢٢٥ هـ".
- عبد بن حميد بن نصر الكسي، نسبة إلى "كس" من بلاد السند، من حفاظ الحديث، قيل اسمه: عبد الحميد، وخفف إلى "عبد" من كتبه "مسندخ" في سفر ضخم، وكتاب في التفسير للقرآن الكريم "٠٠٠-٢٤٩هـ".
- وغيرهم.
стр. 417
ثانيًا: ثم انفصل التدوين في التفسير مع الحافظة غالبًا على منهج تدوين المرويات من الأحاديث والاثار؛ إذ صار علمًا قائمًا بنفسه.
وبدأ المفسرون يكتبون مؤلفات في التفسير، تشتمل على تتبع كل آية من القرآن، وفق ترتيب السور في المصحف من "الفاتحة" في أوله، حتى سورة "الناس" في آخره، ما وجدوا لذلك مرويات وآثارًا.
وبرز من هؤلاء الأعلام المذكورون فيما يلي:
- ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي القزويني، من أهل قزوين، أحد الأئمة في علم الحديث، له كتاب السنن المعروف "بسنن ابن ماجه" وله كتاب في "تفسير القرآن" "٢٠٩-٢٧٣هـ".
- محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المؤرخ المفسر الإمام، لقب بشيخ المفسرين، له كتاب ضخم في التفسير بعنوان "جامع البيان في تفسير القرآن" ويعرف بتفسير الطبري "٢٢٤-٣١٠هـ".
- أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، فقيه مجتهد، عن الحفاظ، كان شيخ الحرم بمكة المكرمة، له مصنفات جليلة، منها "المبسوط" في الفقه، و"الوسط" في السنن، و"تفسير للقرآن الكريم" كبير، توفي بمكة "٢٤٢-٣١٩هـ".
- ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، حافظ للحديث، له تصانيف عدة، منها: "الجرح والتعديل" ثمانية مجلدات و"التفسير" في عدة مجلدات، وغيرها "٢٤٠-٣٢٧هـ".
- أبو الشيخ، أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، المعروف بأبي الشيخ، إمام حافظ صادق، كان محدث أصبهان، له تصانيف عديدة، وقد صنف في الأحكام، وصنف في التفسير، "٢٧٤-٣٦٩هـ".
- الحاكم النيسابوري، هو محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم
стр. 418
الضبي، النيسابوري، المشهور بالحاكم، من أكابر حفاظ الحديث، والمصنفين فيه، صنف كتبًا كثيرة جدًّا، وكان من أعلم الناس بصحيح الحديث وتمييزه عن سقيمه "٣٢١-٤٠٥هـ".
- أبو بكر بن مردويه، وهو أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني، حافظ مؤرخ مفسر، من أهل أصبهان، له كتاب "التاريخ" وكتاب في "تفسير القرآن" و"مسند" وغيرها "٣٢٣-٤١٠هـ".
- وغيرهم.
ومعظم تفاسير هؤلاء قائمة على عرض تفاسير مروية بالإسناد وبعضها مرفوع إلى الرسول ﷺ .
وانفرد ابن جرير الطبري بذكر الأقوال وتوجيهها وترجيح بعضها على بعض، وذكر وجوه الإعراب، واللغويات، واستنباط بعض الأحكام.
ثالثًا: ثم ظهر تدوين التفاسير التي تجمع التفسير بالمأثور، وما يستنبطه المفسر من دلالات النص القرآني، ضمن ضوابط اللغة العربية.
ثم توسعت التفاسير فدخلت فيها الاستنباطات الفقهية، والتفسيرات، العقلية، والمفهومات الفلسفية، والتحليلات اللغوية والنحوية والصرفية.
واستفاد كثير من أصحاب المذاهب لنصرة مذاهبهم من النصوص القرآنية، بفهمها على الوجوه التي تدل على ما ذهبوا إليه من مفهومات وآراء.
وجنح مؤولون عن منهج الصواب لنصرة مذاهبهم الاجتهادية أو مذاهبهم الفلسفية، أو نصرة الآراء العلمية التي لم تتأكد بعد، ولم تصر حقائق علمية معترفًا بها، أو نصرة الآراء الاجتهادية الناقصة.
ودخلت في بعض كتب التفسير عيوب الاعتماد على الإسرائيليات التي لا تؤيدها حقائق علمية، ولا أدلة ترجيحية، وكان هذا من الذين دخلوا في الإسلام من اليهود والنصارى، وكانت لهم دراسات في كتب أهل الكتاب، وتبعهم فيها آخرون.
стр. 419
والتزم باحثون منصفون بالفهم السليم الذي تساعد عليه قواعد العربية، والأصول العقلية وتؤكده الحقائق العلمية، دون شطط ولا تحكم لمناصره الرأي أو الهوى.
على أن الاجتهادات الإنسانية مهما بلغت من النقاء والصفاء مبلغًا عاليًا، فقد لا تخلو من أخطاء غير مقصودة، والمتابعات العلمية كفيلة ببيانها، وتصويب الصواب منها، وتخطئ الخطأ فيها.
واتسعت مكتبة تفسير كتاب الله إتساعًا عظيمًا، وملأت مجلداتها خزائن عديدة.
وكل هذا العلم الذي اشتملت عليه كتب التفسير، قد كان إنشاء بتوجيه إسلامي، قام به المسلمون معتمدين فيه على مروياتهم عن أسلافهم، وعلى ما يستنبطونه فهمًا من نصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ولم يكن اقتباسًا من أمة سلفت، فهو ظاهرة حضارية علمية انفردت بها الأمة الإسلامية.
على أن الظواهر الإنسانية الحضارية قد تشتمل على بعض العيوب، وقد تحتاج إلى النماء والتجويد والتحسين، ضمن حركة فكرية وتطبيقة متنامية صاعدة دوامًا، ما دام للناس فكر يتأمل، وطاقات متحركة تعمل، فالكمال لله وحده، أما الأعمال البشرية التي تنشد الكمال فلا بد أن تكون حركات صاعدات في اتجاه قمم غير منظورة، ولكل منها سلم أو جبل ترتقي عليه دوامًا.
стр. 420
الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة
المقولة الأولى: السنة في عصر الرسول ﷺ
...
الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة
المقول الأولى: السنة في عصر الرسول ﷺ
١- اهتمام المسلمين بالسنة النبوية
في مجال اقتباس المعرفة التي جاء بها الإسلام، وصعودًا في سلم الإرتقاء الحضاري الذي دعا إليه، اتجه المسلمون بعد العناية التامة بالقرآن المجيد، شطر العناية ببيانات الرسول ﷺ القولية والعملية، وصفاته الخلقية والذاتية، وإقراراته وموافقاته وسيرته.
وهم في كل ذلك يعملون بهدي قول الله لهم في سورة "الحشر: ٥٩ مصحف/ ١٠١ نزول":
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
وبهدي قول الله لهم في سورة "الأحزاب: ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول".
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
واندفع المسلمون طمعًا في الأجر العظيم الذي يظفر به مبلغو أحاديث رسول الله ﷺ ، وهو ما وعدهم به الرسول في عدة بيانات، منها:
١- جاء في خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع قوله:
"ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع".
٢- وروى الإمام الشافعي أن رسول الله ﷺ قال:
"نضر الله تعالى عبدًا سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، وأداها، فرب، حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
стр. 421
وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود وابن ماجه، وراويه الصحابي "زيد بن ثابت الأنصاري" على ما أخرجه النسائي.
وأخذ المسلمون في هذا المجال يضطلعون بجانب من المسئولية الحضارية التي ألقاها الإسلام على عاتق كل مسلم، وأدركها المسلمون الأولون بوعي سليم وعاطفة فعالة.
ولهذا حرص أصحاب رسول الله ﷺ على تلقف ما يستطيعون تلقفه من سنته، واهتموا بحفظه وروايته وتبليغه لمن وراءهم.
وقد كان حفظ العلم النبوي في صدورهم أكبر همهم، وتاج مجدهم، ومن أجل الأعمال المبرورة التي يطمعون في ثوابها عند ربهم، وكان هذا عند الكثير منهم مساويًا للجهاد بالقتال في سبيل الله، الذي كانوا يبذلون فيه أموالهم وأنفسهم.
٢- كتاب السنة النبوية في عصر الرسول ﷺ :
لم يأذن الرسول ﷺ أول الأمر لعامة المسلمين بكتابة ما يسمعونه منه من أحاديث وبيانات، خشية اختلاط شيء منه بما كانوا يكتبون من القرآن الكريم؛ لأن المسلمين كانوا في بداية تحولهم من أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب إلا قليلًا، إلى أمة قارئة كاتبة تدون معارفها، وتأخذ طرقها ومسالكها صاعدة إلى العلم، ومترقية في معارج الحضارة المثلى.
لكن الرسول ﷺ قد اتخذ ثلاث خطط لحفظ سنته:
الخطة الأولى: أنه حمل أصحابه ومن يأخذ عنهم مسئولية حفظ أقواله وبياناته، ومسئولية تبليغها لمن وراءهم، كل منهم على مقدار استطاعته التي وهبه الله إياها.
وقد كان استعداد العرب لحفظ ما يسمعون من أقوال، وما يشاهدون من أحداث، استعدادًا عاليًا، بسبب صفاء فطرتهم، وجودة أذهانهم، واعتمادهم على ذاكراتهم، وفراغ أدمغتهم ما تزدحم به أدمغة سكان المدن الكبرى من ضجيج
стр. 422
أعمال الناس، وعلاقاتهم الاجتماعية، وصخب مشكلاتهم المختلفات، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية.
الخطة الثانية: أنه ﷺ قد أذن لبعض خاصة أصحابه بكتابة ما يسمعونه منه أقواله وبياناته، حينما وثق من ضبط هؤلاء ويقظتهم، وحسن تمييزهم لعناصر المعرفة، قرآنًا كانت أو سنة أو غير ذلك، وأنهم مأمونون من أن يخلطوا ما يكتبونه من أحاديثه بما يكتبونه من القرآن الكريم.
الخطة الثالثة: توجيه الإذن العام في آخر الأمر بكتابة سنته، وكان هذا حينما رأى أن اختلاط أقواله بكتاب الله قد صار أمرًا غير محذور الوقوع لدى معظم الصحابة؛ إذ صار القرآن متميزًا بمكتوبات خاصة به، وصار لدى أكثر المسلمين من أصحابه ملكة التمييز العلمي العام بين عناصر المعرفة.
ولئن بقي في أصحاب رسول الله ﷺ من ظل يُؤْثِر عدم كتابة سنة الرسول، فقد كان ذلك منهم استمرارًا لما استقر في نفوسهم من عدم الإذن السابق، ولم يكن قد بلغهم الإذن بها أخيرًا، وقد تبع هؤلاء الصحابة بعض التابعين.
لكن الذي استقر عليه المسلمون بعد ذلك هو العمل بكتابة السنة، اتباعًا لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون بإذن من الرسول ﷺ ؛ إذ لو لم يأذن لهم ما فعلوا ذلك.
وقد ساق الدارمي في مقدمة سننه أحاديث وآثارًا تثبت بمجموعها إذن الرسول بكتابة الحديث عنه، فمنها:
١- قول أبي هريرة: "ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا عن النبي ﷺ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب". "رقم ٤٨٩".
٢- قول عبد الله بن عمرو بن العاص: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من
стр. 423
رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب والرضاء؟. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق". "رقم الحديث ٤٩٠".
٣- كتب الخليفة "عمر بن عبد العزيز" إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أن أكتب إلى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله ﷺ ، وبحديث عمرة، فإني قد خشيت درس هذا العلم١ وذهابه". "رقم ٤٩٣".
وكتب أيضًا إلى أهل المدينة: "أن انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله". "رقم ٤٩٤".
٤- كان أنس بن مالك ﵁ يقول لبنيه: "يا بني قيدوا هذا العلم". "رقم ٤٩٧".
٥- عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط، أما الصادقة: فصحيفة كتبتها من رسول الله ﷺ ، وأما الوهط: فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها". "رقم ٥٠٢".
٦- قول عمر بن الخطاب ﵁: "قيدوا هذا العلم بالكتاب". "رقم ٥٠٤".
إلى آثار أخرى تؤكد اهتمام الحريصين على سنة الرسول ﷺ من الضياع بأن يكتبوا ما لديهم منها، ثم شاعت هذه الكتابة وذاعت لدى كل حفاظ السنة ورواتها.
стр. 424
٣- المكتوبات الأولى من السنة النبوية:
من أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي، المشتملة على مجموعة من الأحاديث النبوية الصحف التالية:
١- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، التي سماها الصحيفة الصادقة. وقد ذكر ابن الأثير أنها اشتملت على ألف حديث.
٢- صحيفة لسعد بن عبادة الأنصاري، وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروي منها، وروى البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه.
٣- صحيفة لسمرة بن جندب، فقد جمع سمرة أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة، ورثها ابنه سليمان، ورواها عنه.
٤- صحيفة لجابر بن عبد الله، أشار إليها الإمام مسلم في صحيحه، وكان التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي يكبر من قيمتها، ويقول: "لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني من سورة البقرة".
٥- وقد عُني الصحابي الجليل "عبد الله بن عباس" بكتابة الكثير من سنة الرسول ﷺ وسيرته، في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم.
ومن المشهور عند المؤخرين أنه ترك حين وفاته حمل بعير من كتبه، وكان تلميذه التابعي "سعيد بن جبير" يكتب عنه ما يملي عليه.
وظلت صحف ابن عباس معروفة متداولة مدة طويلة من الزمن، فقد ورثها ابنة علي، وتعاقب الناس على الرواية منها، والأخذ عنها، حتى امتلأت كتب التفاسير وكتب الحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته.
ولئن لم يبق شيء من هذه الصحف، فإن مضمونها موجود في كتب الحديث التي دونت فيما بعد.
وبهذا ندرك أن حركة التدوين العلمي قد بدأت منذ العصر الإسلامي الأول، وبدهي أن حركة التدوين العلمي أولى خطوات مسيرة التطبيق الحضاري، وقد سارها المسلمون بصدق وإخلاص وجد، طاعة لما دعاهم الإسلام إليه.
стр. 425
المقولة الثانية: السنة بعد عصر الرسول ﷺ حتى نهاية القرن الأول الهجري
بعد وفاة الرسول ﷺ غدا أصحابه الأجلاء هم المرجع للمسلمين في نقل صورة صادقة لحياته، في أقواله وأعماله وصفاته وإقراراته وسائر سيرته.
وأخذ عشاق العلم الإسلامي الكثيرون من التابعين يتلقفون من أصحاب الرسول ﷺ جميع ما كانوا وعوه وحفظوه من سنته.
وقامت حركة علمية نشيطة قادها نوابغ من التابعين، لحفظ العلم النبوي وجمعه، اقتباسًا من الذين أخذوه مباشرة من الرسول، أو شهدوه من حياته، أو أخذ بعض الصحابة عن بعض، وكانت عمدتهم الكبرى الأخذ مشافهة، وحفظ ما يسمعونه.
وأخذ تدوين السنة النبوية يتزايد شيئًا فشيئًا، اعتمادًا على ما يتلقاه الحريصون عليها من التابعين، على سبيل المشافهة أو الأمالي من أصحاب الرسول ﷺ .
وإذ توزع بسبب الفتوحات الإسلامية علماء الصحابة وكبار علماء التابعين في بلدان العالم الإسلامي، وإذا كانت السنة النبوية موزعة في صدروهم، وغير مجموعة عند واحد منهم، وغير مجموعة في كتاب واحد، أو مدونة واحدة، فقد كان على طلابها أن يتابعوا العلماء بها إلى البلدان التي هم فيها، فظهرت في المسلمين الرحلات لطلب الحديث النبوي وسماعه وتسجيله، حتى كان بعض الصحابة يرحل لسماع حديث من صحابي آخر ليأخذه عنه، أو ليوثق به سماع نفسه من الرسول ﷺ . فقد رحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر