وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود وابن ماجه، وراويه الصحابي "زيد بن ثابت الأنصاري" على ما أخرجه النسائي.
وأخذ المسلمون في هذا المجال يضطلعون بجانب من المسئولية الحضارية التي ألقاها الإسلام على عاتق كل مسلم، وأدركها المسلمون الأولون بوعي سليم وعاطفة فعالة.
ولهذا حرص أصحاب رسول الله ﷺ على تلقف ما يستطيعون تلقفه من سنته، واهتموا بحفظه وروايته وتبليغه لمن وراءهم.
وقد كان حفظ العلم النبوي في صدورهم أكبر همهم، وتاج مجدهم، ومن أجل الأعمال المبرورة التي يطمعون في ثوابها عند ربهم، وكان هذا عند الكثير منهم مساويًا للجهاد بالقتال في سبيل الله، الذي كانوا يبذلون فيه أموالهم وأنفسهم.
٢- كتاب السنة النبوية في عصر الرسول ﷺ :
لم يأذن الرسول ﷺ أول الأمر لعامة المسلمين بكتابة ما يسمعونه منه من أحاديث وبيانات، خشية اختلاط شيء منه بما كانوا يكتبون من القرآن الكريم؛ لأن المسلمين كانوا في بداية تحولهم من أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب إلا قليلًا، إلى أمة قارئة كاتبة تدون معارفها، وتأخذ طرقها ومسالكها صاعدة إلى العلم، ومترقية في معارج الحضارة المثلى.
لكن الرسول ﷺ قد اتخذ ثلاث خطط لحفظ سنته:
الخطة الأولى: أنه حمل أصحابه ومن يأخذ عنهم مسئولية حفظ أقواله وبياناته، ومسئولية تبليغها لمن وراءهم، كل منهم على مقدار استطاعته التي وهبه الله إياها.
وقد كان استعداد العرب لحفظ ما يسمعون من أقوال، وما يشاهدون من أحداث، استعدادًا عاليًا، بسبب صفاء فطرتهم، وجودة أذهانهم، واعتمادهم على ذاكراتهم، وفراغ أدمغتهم ما تزدحم به أدمغة سكان المدن الكبرى من ضجيج
стр. 422
أعمال الناس، وعلاقاتهم الاجتماعية، وصخب مشكلاتهم المختلفات، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية.
الخطة الثانية: أنه ﷺ قد أذن لبعض خاصة أصحابه بكتابة ما يسمعونه منه أقواله وبياناته، حينما وثق من ضبط هؤلاء ويقظتهم، وحسن تمييزهم لعناصر المعرفة، قرآنًا كانت أو سنة أو غير ذلك، وأنهم مأمونون من أن يخلطوا ما يكتبونه من أحاديثه بما يكتبونه من القرآن الكريم.
الخطة الثالثة: توجيه الإذن العام في آخر الأمر بكتابة سنته، وكان هذا حينما رأى أن اختلاط أقواله بكتاب الله قد صار أمرًا غير محذور الوقوع لدى معظم الصحابة؛ إذ صار القرآن متميزًا بمكتوبات خاصة به، وصار لدى أكثر المسلمين من أصحابه ملكة التمييز العلمي العام بين عناصر المعرفة.
ولئن بقي في أصحاب رسول الله ﷺ من ظل يُؤْثِر عدم كتابة سنة الرسول، فقد كان ذلك منهم استمرارًا لما استقر في نفوسهم من عدم الإذن السابق، ولم يكن قد بلغهم الإذن بها أخيرًا، وقد تبع هؤلاء الصحابة بعض التابعين.
لكن الذي استقر عليه المسلمون بعد ذلك هو العمل بكتابة السنة، اتباعًا لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون بإذن من الرسول ﷺ ؛ إذ لو لم يأذن لهم ما فعلوا ذلك.
وقد ساق الدارمي في مقدمة سننه أحاديث وآثارًا تثبت بمجموعها إذن الرسول بكتابة الحديث عنه، فمنها:
١- قول أبي هريرة: "ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا عن النبي ﷺ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب". "رقم ٤٨٩".
٢- قول عبد الله بن عمرو بن العاص: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من
стр. 423
رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب والرضاء؟. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق". "رقم الحديث ٤٩٠".
٣- كتب الخليفة "عمر بن عبد العزيز" إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أن أكتب إلى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله ﷺ ، وبحديث عمرة، فإني قد خشيت درس هذا العلم١ وذهابه". "رقم ٤٩٣".
وكتب أيضًا إلى أهل المدينة: "أن انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله". "رقم ٤٩٤".
٤- كان أنس بن مالك ﵁ يقول لبنيه: "يا بني قيدوا هذا العلم". "رقم ٤٩٧".
٥- عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط، أما الصادقة: فصحيفة كتبتها من رسول الله ﷺ ، وأما الوهط: فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها". "رقم ٥٠٢".
٦- قول عمر بن الخطاب ﵁: "قيدوا هذا العلم بالكتاب". "رقم ٥٠٤".
إلى آثار أخرى تؤكد اهتمام الحريصين على سنة الرسول ﷺ من الضياع بأن يكتبوا ما لديهم منها، ثم شاعت هذه الكتابة وذاعت لدى كل حفاظ السنة ورواتها.
стр. 424
٣- المكتوبات الأولى من السنة النبوية:
من أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي، المشتملة على مجموعة من الأحاديث النبوية الصحف التالية:
١- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، التي سماها الصحيفة الصادقة. وقد ذكر ابن الأثير أنها اشتملت على ألف حديث.
٢- صحيفة لسعد بن عبادة الأنصاري، وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروي منها، وروى البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه.
٣- صحيفة لسمرة بن جندب، فقد جمع سمرة أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة، ورثها ابنه سليمان، ورواها عنه.
٤- صحيفة لجابر بن عبد الله، أشار إليها الإمام مسلم في صحيحه، وكان التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي يكبر من قيمتها، ويقول: "لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني من سورة البقرة".
٥- وقد عُني الصحابي الجليل "عبد الله بن عباس" بكتابة الكثير من سنة الرسول ﷺ وسيرته، في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم.
ومن المشهور عند المؤخرين أنه ترك حين وفاته حمل بعير من كتبه، وكان تلميذه التابعي "سعيد بن جبير" يكتب عنه ما يملي عليه.
وظلت صحف ابن عباس معروفة متداولة مدة طويلة من الزمن، فقد ورثها ابنة علي، وتعاقب الناس على الرواية منها، والأخذ عنها، حتى امتلأت كتب التفاسير وكتب الحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته.
ولئن لم يبق شيء من هذه الصحف، فإن مضمونها موجود في كتب الحديث التي دونت فيما بعد.
وبهذا ندرك أن حركة التدوين العلمي قد بدأت منذ العصر الإسلامي الأول، وبدهي أن حركة التدوين العلمي أولى خطوات مسيرة التطبيق الحضاري، وقد سارها المسلمون بصدق وإخلاص وجد، طاعة لما دعاهم الإسلام إليه.
стр. 425
المقولة الثانية: السنة بعد عصر الرسول ﷺ حتى نهاية القرن الأول الهجري
بعد وفاة الرسول ﷺ غدا أصحابه الأجلاء هم المرجع للمسلمين في نقل صورة صادقة لحياته، في أقواله وأعماله وصفاته وإقراراته وسائر سيرته.
وأخذ عشاق العلم الإسلامي الكثيرون من التابعين يتلقفون من أصحاب الرسول ﷺ جميع ما كانوا وعوه وحفظوه من سنته.
وقامت حركة علمية نشيطة قادها نوابغ من التابعين، لحفظ العلم النبوي وجمعه، اقتباسًا من الذين أخذوه مباشرة من الرسول، أو شهدوه من حياته، أو أخذ بعض الصحابة عن بعض، وكانت عمدتهم الكبرى الأخذ مشافهة، وحفظ ما يسمعونه.
وأخذ تدوين السنة النبوية يتزايد شيئًا فشيئًا، اعتمادًا على ما يتلقاه الحريصون عليها من التابعين، على سبيل المشافهة أو الأمالي من أصحاب الرسول ﷺ .
وإذ توزع بسبب الفتوحات الإسلامية علماء الصحابة وكبار علماء التابعين في بلدان العالم الإسلامي، وإذا كانت السنة النبوية موزعة في صدروهم، وغير مجموعة عند واحد منهم، وغير مجموعة في كتاب واحد، أو مدونة واحدة، فقد كان على طلابها أن يتابعوا العلماء بها إلى البلدان التي هم فيها، فظهرت في المسلمين الرحلات لطلب الحديث النبوي وسماعه وتسجيله، حتى كان بعض الصحابة يرحل لسماع حديث من صحابي آخر ليأخذه عنه، أو ليوثق به سماع نفسه من الرسول ﷺ . فقد رحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر
стр. 426
ليستوثق من عقبة بن عامر نص حديث سمعه من الرسول ﷺ ؛ إذ لم يبق غيره وغير عقبه من الذين سمعوه من الرسول مباشرة، ولما استوثق منه ركب راحلته وقفل راجعًا إلى المدينة.
وكذلك روي عن جابر بن عبد الله أنه رحل لسماع حديث من بعض أصحاب الرسول ﷺ .
وانتشرت الرحلات من طلاب العلم الإسلامي لتلقي السنة النبوية وسماعها، من الصحابة أو من التابعين، وتدوينها.
وظهر في عصر التابعين التدوين الكثير للسنة النبوية، ثم أجمع المسلمون على ضرورة هذا التدوين خشية ضياع السنة، وخشية اختلاف الآراء في بيانات الرسول ﷺ لأحكام الدين.
ونشط طلاب العلم الإسلامي في كتابة المرويات من السنة، ونشطت معها الحركة العلمية الواسعة.
والذين وجهوا لتدوين السنة النبوية من علماء التابعين كثيرون:
- فمنهم: "سعيد بن المسيب" فقد شكا إليه تلميذه عبد الرحمن بن حرملة سوء حفظه فوجهه للكتابة.
- ومنهم: الشعبي "عامر بن شراحيل" من كبار التابعين: وقد كان يضرب المثل بحفظه. فقد أخذ يقول: "إذا سمعتم مني شيئًا فاكتبوه ولو في حائط" وكان يردد العبارة المشهورة: "الكتاب قيد العلم" وهذه العبارة مقتبسة من قول عمر ﵁ "قيدوا العلم بالكتاب".
- ومنهم: "عطاء بن أبي رباح" فقد كان يكتب لنفسه. ويأذن بالكتابة لغيره.
- ولما تولى الخلافة "عمر بن عبد العزيز" أصدر أمرًا بالشروع في تدوين الحديث؛ إذ خشي على سنة الرسول ﷺ من الضياع، وكتب إلى عامله على المدينة "أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم":
стр. 427
"انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، أو سنة ماضية، أو حديث "عمرة" أو حديث "القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق" فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله".
عمرة: هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، فقد كانت ممن سمع الحديث من عائشة أم المؤمنين ﵂.
وكذلك القاسم بن محمد بن أبي بكر فقد كان ممن سمع الحديث من عمته عائشة ﵂، وكان هو و"عمرة" أعلم الناس بأحاديثها عن الرسول ﷺ .
وقد قام "أبو بكر بن حزم" بما عهد إليه الخليفة الصالح "عمر بن عبد العزيز" إلا أن الخليفة توفي قبل أن ينهي عمله.
وكتب "عمر بن عبد العزيز" إلى أهل الآفاق، وإلى عماله في الأمصار بمثل ما كتب إلى عامله على المدينة.
وكان أول من استجاب له في حياته وحقق له بعض أمنيته عالم الحجاز والشام. "محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني" إذ دون له في ذلك كتابًا وأرسله إليه، وفيه يقول الزهري: "لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني".
ومما دون في هذا العهد صحيفة رواها التابعي "همام بن منبه" عن الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁، وكان سماعه لها من أبي هريرة في منتصف القرن الأول الهجري.
وقد وصلت هذه الصحيفة إلينا كاملة شاملة، كما رواها ودونها "همام بن منبه" واشتهرت باسم: "الصحيفة الصحيحة" وهي موجودة في مخطوطتين متماثلتين في دمشق، وبرلين، أحادثها موجودة كلها في مسند الإمام أحمد، وكثير من أحاديثها مروي في صحيح البخاري في أبواب مختلفة، وعدد أحاديثها "١٣٨" حديثًا.
стр. 428
المقولة الثالثة: السنة بعد القرن الأول الهجري
مع نهاية القرن الأول الهجري انطلق فريق من علماء المسلمين إلى طلب الحديث النبوي من حفاظه الثقات، ومن مدونيه في صحفهم، فيتلقونه، ويدونونه، ويحفظونه، ويشدون الرحال في طلبه من حملته.
واتسعت دائرة الحركة العلمية في هذا المجال اتساعًا كبيرًا، في ظاهرة حضارية عديمة النظير، لم تشهد أمة دينية ولا مدينة مثلها.
وأولع المحدثون بالرحلة لطلب الحديث، ولو لحديث يجهلونه، أو لسماعه من راويه التابعي الذي سمعه مباشرة من الصحابي، أو لسماعه من تابع التابعي الذي سمعه مباشرة من التابعي، أو لسماعه من راوٍ ثقة، وإن كان محفوظًا من طريق آخر، أو من طريق طالت فيه سلسلة الرواة.
ووضع علماء الحديث منهجًا رائعًا للتثبت من صحة رواية الأحاديث، ولنبذ ما وضعه الوضاعون الكذابون مما نسبوه إلى رسول الله ﷺ كذبًا وافتراء، إما تعرضًا واتباعًا للهوى، أو غفلة وجهلًا، ولتصنيف سائر الأحاديث المروية في درجات مناسبات لقوة الوسائل التي تمت بها صلة الخبر برسول الله ﷺ .
واعتمدت أصول هذا المنهج الرائع السوي للتحقق من صحة رواية الأحاديث على عدة عناصر، كل عنصر منها يتطلب جهدًا علميًّا واسعًا.
العنصر الأول: النظر الدقيق في رواة الأحاديث، والبحث عن أحوال عدالتهم وضبطهم وأهليتهم لتحمل العلم وأدائه.
ولتحقيق هذا العنصر انطلق علماء المسلمون الباحثون في تتبع مضمن وفحص دقيق، حتى نشأ ما يُسمى عند المسلمين بعلم الرجال، ونشأ علم الجرح والتعديل، وهو علم لم يكن عند أحد قبل المسلمين، وأما الذين قلدوهم به من بعدهم فإنهم لم يبلغوا ما بلغوه من تحرير ونقد، ومتابعة تامة لأحوال الرواة المحدثين.
стр. 429
العنصر الثاني: النظر في لقاء الراوي لمن روى عنه، وبالتتبع المضني المستند إلى وسائل التحقق التاريخية، تكون محققي الأحاديث مستندات ذوات وزن علمي لنقد ما يرويه الرواة عمن سبقهم، وبالنقد العلمي الدقيق يتمكن المحقق البصير من تقويم درجة رواية الحديث.
العنصر الثالث: النظر في اتصال سلسلة الرواية راويًا فراويًا إلى رسول الله ﷺ .
ونشأ من نقد روايات الأحاديث بالاستناد إلى هذا العنصر ما يسمى في "علم مصطلح الحديث" بالحديث المتصل، والحديث المنقطع، والحديث المرسل، والحديث المعضل، والحديث المرفوع، والحديث الموقوف، ونحو ذلك.
العنصر الرابع: النظر في الطريق أو الطرق المختلفة التي روت كل حديث، ونشأ من متابعة التحقيق العلمي بالاستناد إلى هذا العنصر تصنيف الأحاديث مع ذكر عدد طرق الرواة، واتخذ المحدثون لذلك عدة ألقاب في مصطلحهم، وهي "المتواتر، المشهور، المستفيض، العزيز، الآحاد، الغريب".
العنصر الخامس: النظر في متون الأحاديث المروية من طرق مختلفة، بالمقارنة بينها، ولدى المقارنة لا بد أن تظهر وجوه اتفاق ووجوه اختلاف، ولا بد أن تلاحظ مع وجوه الاختلاف طرق الرواية للأحاديث التي حصل اختلاف في متونها.
وقد نشأ من متابعة التحقيق العلمي بالاستناد إلى هذا العنصر ما يُسمى عند علماء الحديث الشاذ، وما يسمى بالمضطرب، وما يسمى بالمنكر.
العنصر السادس: النظر بتحقيق علمي فيما يعرض لمتون الأحاديث وأسانيدها من خلل، كتقديم وتأخير، أو تصحيف في اللفظ، أو تبديل، أو دخول عنصر غريب فيها ونحو ذلك.
وقد نشأ من متابعة التحقيق العلمي بالاستناد إلى هذا العنصر، ما يسمى عند علماء الحديث "المدلس، المقلوب، المدرج".
стр. 430
وعلى هذا المنوال تابع علماء الحديث المسلمون تحقيقاتهم العلمية، حتى استطاعوا أن يحرروا ما أثر عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو صفة أو تقرير، واستطاعوا أن يضعوا المنهج السليم لوضع الأحاديث في مرابتها بحسب درجة الثقة بصحة روايتها.
وكان عملهم في هذا المجال عملًا حضاريًّا جليلًا، لم تسبقهم إلى مثله أمة من الأمم.
ومن الجدير بالتنويه به أن علماء العصر الحديث من غير المسلمين غربيين أو شرقيين لم يجدوا سبيلًا لتحقيق النصوص التاريخية الخبرية أوفى وأسد من منهج علماء المسلمين.
لكن علماء العصر الحديث من غير المسلمين لا يستطيعون أن يلتزموا كل الشروط التي التزم بها علماء الحديث المسلمون.
стр. 431
المقولة الرابعة: حركة التصنيف الكبرى للسنة وزواتها
...
المقولة الرابعة: حركة التصنيف الكبرى للسنة ورواتها
في ضوء المنهج الرائع الذي وضعه علماء الحديث من المسلمين لضبط ما روي مضافًا إلى الرسول ﷺ ، وتحريره وتنقيحه، ونفي الشوائب الدخيلة، اتسعت الحركة العلمية بتنافس عجيب للاستزادة من جمع وحفظ ما أثر عن النبي ﷺ من أقوال وأفعال وصفات وإقرارات، حتى ظهر في المحدثين من يختص بلقب الحافظ، أو يختص بلقب الحاكم، وربما بلغت محفوظات بعضهم مئات الألوف من متون الأحاديث وأسانيدها، وليس كل هذا الجم الغفير صحيح النسبة إلى الرسول ﷺ ، ولكن علماء الحديث كانوا يحفظونه ويسجلونه ويقدمونه للنقد والتحرير وتمييز الصحيح من غيره، وفق المنهج العلمي العام، الذي انتهوا إليه في تحرير مرويات الأخبار، فما صح منها حكموا بصحته، وما ترجحت صحته حكموا بحسنه، وما لم يكن كذلك حكموا بضعفه وتوهينه، وأما
стр. 432
ما اقترن بما يدل على أنه موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ فإنهم يعلنون الحكم عليه بالوضع والسقوط، مع بيان السبب الذي استندوا إليه في كل ما يحكمون به.
وواكب هذا الاندفاع المنقطع النظير لجمع الحديث وحفظه ظاهرة حضارية متصلة به، ألا وهي ظاهرة تصنيف كتب الحديث، وكتب تراجم الرجال الرواة له، فظهرت خلال القرنين الثالث والرابع من التاريخ الهجري وما بعدهما مصنفات كثيرات، ذوات ميزات مختلفات، فمنها ما اقتصر على الصحاح، ومنها ما لم يقتصر عليها، ومنها ما كان الهدف منه جمع أحاديث في موضوع معين، ومنها المسانيد، والمسند هو ما تذكر فيه الأحاديث على أسماء الصحابة حسب سوابقهم في الإسلام، أو حسب أنسابهم، ومنها المختصرات، ومنها الجوامع الكبرى المرتبة على وفق حروف المعجم، إلى غير ذلك.
وهذه هي كنوز جهودهم الحضارية المشكورة تزخر بها مكتبة المسلمين، فيما هو مطبوع منها، وما هو مخطوط، وهي مئات المصنفات المراجع.
واستعرض فيما يلي ما هو مشهور منها:
١- كتاب "الموطأ" لإمام دار الهجرة "مالك بن أنس ٩٣-١٧٩هـ" أمير المؤمنين في الحديث، وقد استغرق في تأليفه لهذا الكتاب قرابة أربعين سنة، انتقاه واصطفاه من نحو مائة ألف حديث، وعرضه على سبعين فقيها من فقهاء المدينة.
٢- كتاب "الجامع الصحيح" للإمام "أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ١٩٤-٢٥٦هـ" وقد ظل البخاري يعمل في جمعه ست عشرة سنة.
قال علماء الحديث: هذا الكتاب أصح الكتب بعد القرآن المجيد.
وللبخاري هذا مصنفات كثيرات: "منها التواريخ الثلاثة "الكبير والأوسط والأصغر" وكتاب "الأدب المفرد"، وكتاب "الضعفاء" وغيرها.
стр. 433
٣- كتاب "صحيح مسلم" وهو للإمام "أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ٢٠٤-٢٦١هـ" وبنو قشير قبيلة عربية.
ويأتي صحيح مسلم مكافئًا أو مقاربًا لصحيح البخاري صحة وثبوتا.
وللإمام مسلم كتب غير هذا الكتاب، ومنها كتاب "المسند الكبير" وهو على أسماء الرجال، وكتاب "الجامع الكبير" وهو على الأبواب.
وقد توفي في نيسابور.
٤- كتاب "سنن أبي داود" وهو للمحدث "سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني ٢٠٢-٢٧٥هـ" إمام أهل الحديث في زمانه.
٥- كتاب "الجامع الكبير" العروف بـ"سنن الترمذي" وهو للإمام الحافظ "محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الضحاك السلمي ٢٠٩-٢٧٩هـ" وهو من أهل "ترمذ" على نهر جيحون، تتلمذ للبخاري، وشارك البخاري في بعض شيوخه.
٦- كتاب "المجتبى" المعروف بـ"سنن النسائي" والنسائي هو الإمام الحافظ "أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب ٢١٥-٣٠٣هـ" أصله من "نسا" بخراسان، واستوطن مصر، ثم خرج إلى الرملة بفلسطين، وله كتاب "الضعفاء والمتروكون".
٧- كتاب "سنن ابن ماجه" وابن ماجه هو "أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي القزويني" من أهل قزوين، أحد الأئمة في علم الحديث "٢٠٩-٢٧٣هـ".
٨- كتاب "مسند الإمام أحمد بن حنبل" وهو "أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل" الشيباني الوائلي، إمام المذهب الحنبلي "١٦٤-٢٤١هـ".
وهذا المسند يحتوي على ثلاثين ألف حديث، وله كتب أخرى.
٩- كتاب "مسند أبي داود الطيالسي" والطيالسي هذا هو "سليمان بن الجارود مولى قريش"، من كبار حفاظ الحديث، فارسي الأصل "١٣٣-٢٠٤هـ".
١٠- كتاب "صحيح ابن خزيمة" وابن خزيمة هو "أبو بكر محمد بن
стр. 434
إسحاق بن خزيمة السلمي ٢٢٣-٣١١هـ" وهو إمام نيسابور في عصره، كان فقيها مجتهدًا عالمًا بالحديث.
١١- كتاب "صحيح أبي عوانة" وأبو عوانة هو "يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري" ثم الإسفراييني ٠٠٠-٣١٦هـ" من أكابر حفاظ الحديث.
١٢- كتاب "صحيح ابن حبان" وابن حبان هو "أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي ٠٠٠-٣٥٤هـ" وهو مؤرخ علامة جغرافي محدث، وله عدة مؤلفات.
١٣- كتاب "سنن الدارمي" والدارمي هو "أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي السمرقندي ١٥٠-٢١٤هـ" من حفاظ الحديث، كان عاقلًا مفسرًا فقيهًا، أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند.
١٤- كتاب "سنن الدارقطني" والدارقطني هو "أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني ٣٠٦-٣٨٥هـ" إمام عصره في الحديث، ولد بدار القطن "من أحياء بغداد".
إلى غير هذه المصنفات من كتب كثيرة أبرزت ظاهرة حضارية رائعة، في جانب من جوانب العلم، وهو علم السنة النبوية.
وتبع مدونات الحديث والمرويات من السنة مؤلفات كثيرات تناولت السنة النبوية بالشرح والتفسير والتحليل، واستنباط الأحكام والتعليمات والتوجيهات، والعلوم التي اشتملت عليها. وقد قام بها جلة من علماء المسلمين، وكانت هذه من الظواهر الحضارية التي انفردت بها الأمة الإسلامية، دون أن تقتبسها من أمة سلفت.
стр. 435
الفصل الثالث: أثر القرآن والسنة في ابتكار كثير من العلوم الإسلامية
الإيمان بالقرآن والسنة دفع المؤمنين إلى ابتكار علوم كثيرة:
آمن المسلمون الصادقون بأن القرآن المجيد كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن الثابت من كلام الرسول ﷺ وسائر سنته، إما بيان لما جاء في القرآن، أو علم آتاه الله رسوله هو حق وصدق، أو هدي فيه حكمة ورشد وصلاح للعالمين.
وتفرع عن إيمان المسلمين الصادقين بهذا إيمانهم بعدة حقائق كبرى، منها الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى: أن الله أنزل كتابه القرآن بلسان عربي مبين، ضمن قواعد لسان العرب، وأساليبهم البيانية، وطرقهم الكلامية التي كانت سائدة بينهم إبان نزول القرآن على الرسول محمد ﷺ ، فبها يتخاطبون، وعلى وفق أسالبيها وارقي تعبيراتها البيانية يجودون ويحسنون في شعرهم، ونثرهم، وأمثالهم، وسائر آدابهم، وأن هذا القرآن معجز في بيانه، وقد تحدى الله فصحاء العرب وبلغاءهم أن يأتوا بمثله في روائع بيانه فعجزوا.
وإيمان المسلمين بهذه الحقيقة، مع تخوفهم على لسان الأمة العربي من الفساد باختلاطهم الكثير بغير العرب، دفع نوابغهم لضبط اللغة العربية، وتقعيد قواعدها، ورسم قوانينها وأساليبها، أخذًا من واقعها العربي الصافي، الذي لم تعكره الشوائب.
стр. 436
ودفع نوابغهم للبحث عن سر إعجاز القرآن البياني، في جانب فصاحته وبلاغته وأدائه للمعاني، وللبحث عن العوامل التي تجعل الكلام فصيحًا بليغًا، وعن درجات السلم التي بها يتفاضل بعض الكلام على بعض، فصاحة وبلاغة وجمالًا ودقة أداء وروعة بيان.
ونجم عن هذين الدافعين تأسيس علوم اللغة العربية:
- فدونت معجمات مفرداتها مقرونة بشواهدها من شعر العرب الذين لم تفسد ألسنتهم بالاختلاط بالأعاجم، ومن نثرها، وأمثالهم الدارجة، وتتبع العلماء الباحثون العرب الأقحاح يأخذون عنهم مباشرة في بواديهم، ومنازلهم، ومضارب خيامهم.
- وتوجه النابغون يضبطون قواعد مفرداتها وجملها فيما عرف بعد ذلك بعلم النحو والصرف، وما تبع هذين العلمين من ذيول.
- واستخرجت ودونت قواعد علوم البلاغة فيما عُرف بعد ذلك بعلم النحو والصرف، وما تبع هذين العلمين في ذيول.
- واستخرجت ودونت قواعد علوم البلاغة فيما عرف بعد بعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع.
وأحرز المسلمون في هذه العلوم التي أسسوها سبقًا حضاريًّا لم تحظ بمثله أمة من الأمم قبلهم.
الحقيقة الثانية: أن القرآن والسنة مشتملان على أصول العقيدة التي جاء بها الإسلام، وعلى طرق الهداية إليها البيانية والجدالية.
وإيمان المسلمين الصادقين بهذه الحقيقة، مع ظهور مجادلين في بعض مسائل العقائد وأركان الإيمان، دفع أهل العقل والرشد والبحث العلمي الرصين، إلى تأسيس علم يشرح أركان الإيمان ومسائل العقائد، بالاعتماد على الأدلة النصية والعقلية، وقد اشتهر هذا العلم باسم: "علم الكلام" إذا برزت فيه جدليات كثيرة حول "الكلام" الذي هو أحد صفات الله الواردة في القرآن. واشتهر أيضًا باسم: "علم التوحيد" إذا برزت فيه الأدلة التي واجه بها المسلمون المشركين في قضية توحيد الله في ربوبيته وفي إلهيته، وتقديم البراهين على أنه لا شريك له فيهما. ثم عرف هذا العلم باسم: "علم العقائد الإسلامية" أو "العقيدة
стр. 437
الإسلامية" وهذه التسميات المتأخرة أكثر مطابقة لمسائل هذا العلم.
واقترن بتأسيس هذا العلم اصطفاء أهم الحقائق العقلية والفلسفية التي تخدم مسائله، من الفلسفة التي أسستها أمم سابقة للأمة الإسلامية، وأبرزهم الإغريق، لكن كان للراشدين من المسلمين ميزة اصطفاء وتحرير وتنقيح وإضافة، واستبعاد ونقد لكل ما لا تثبته الأدلة والبراهين العقلية الصحيحة.
واقترن بتأسيس هذا العلم ابتكار علم آداب الجدل، فيما يعرف بعلم "آداب البحث والمناظرة".
الحقيقة الثالثة: أن القرآن والسنة مشتملان على أصول الشريعة التي جاء بها الإسلام، الشاملة للعبادات والمعاملات والأخلاق، وسائر أنواع السلوك الفردي والجماعي الديني والدنيوي.
وإيمان المسلمين الصادقين بهذه الحقيقة، دفع علماءهم وفقهاءهم إلى استنباط أحكام الشريعة الإسلامية ووصاياها في مختلف أنواع السلوك الإنساني، فنجم عن ذلك ما يلي:
أولًا: تأسيس "الفقه الإسلامي" وهو علم يشتمل على الأحكام الشرعية العملية، المستمدة من أدلتها التفصيلية في الكتاب والسنة، والأدلة التي هديا إلى الاعتماد عليها.
وظهرت المذاهب الفقهية المتعددة، ودونت فيها المدونات العظيمة والكثيرة جدًّا، واستنبط الفقهاء المسلمون الأحكام الكثيرة لمختلف أنواع السلوك الإنساني في العبادات والمعاملات والعلاقات والأحوال الشخصية والاجتماعية، المادية والمعنوية، والسياسية الداخلية والدولية، ولم يفتهم من ذلك إلا ما لم يكن قد استجد بعد في حياة الناس.
وملأت كتب الفقه المشتملة على الأحكام التي استنبطها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، خزائن تشهد بعظمة الثروة الفقهية التي توصل إليها علماء المسلمين، باجتهادهم الخاص الذي لم تسبقهم إليه ولا إلى مثله أمة من الأمم.
стр. 438
واكتسب علماء المسلمين قدرة عظيمة جدًّا على ضبط أنواع السلوك وتنظيمه، واستخراج الأحكام القائمة على الحق والعدل ومصالح الناس، مع ابتغاء رضوان الله، من خلال مصادر التشريع الإسلامي.
أما الأحكام التي توصلوا إليها فقد كان بعضها من الأحكام القطعية التي دلت عليها المصادر، وهذه يندر الخلاف فيها عند الفقهاء، وكان الكثير منها اجتهادًا يعتمد على الترجيح بالدليل لرأي من الآراء الاجتهادية على ما يخالفه من الأراء، وهنا نلاحظ ظاهرة اختلاف الفقهاء في كثير من الأحكام الاجتهادية.
على أن ما توصلوا إليه في اختلافهم يعتبر ثورة علمية عظيمة صالحة للاستمداد منها، وظاهرة حضارية انفردوا بها، ولم تسبقهم إلى مثلها أمة من الأمم.
ثانيًا: تأسيس علم "أصول الفقه" وهذا العلم هو من مبتكرات الأمة الإسلامية، وهو علم يشتمل على القواعد الضابطة لاستنباط أحكام الشريعة من أدلتها التفصيلية.
ثالثًا: تأسيس علم "الأخلاق والآداب" الإسلامية، فهمًا أو استنباطًا من مصادر التشريع الإسلامي.
رابعًا: تدوين السيرة النبوية، وسير الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين، لما في هذه السير من خدمة للكتاب والسنة وما يستنبط منهما.
خامسًا: تدوين التاريخ الإسلامي والإنساني تأسيًا بقصص القرآن والسنة.
سادسًا: ضبط وتدوين الروايات الصحيحة الثابتة للقرآن الكريم في ألفاظه وتلاوته وأدائه، فيما يعرف بعلم "القراءات".
سابعًا: وابتكرت فروع علوم كثيرة انطلاقًا من هذه الحقيقة الثالثة، ولا تزال هذه الحقيقة منبعًا ثرًّا لإضافة مبتكرات من العلوم في النفس والتربية والاجتماع البشري، والظاهرات الكونية، وكلما جد في البحوث الإنسانية جديد.
стр. 439
الفصل الرابع: تأسيس علمي النحو والصرف وتدوين المعجمات العربية
١- دوافع التأسيس والتدوين:
لما بدأت بوادر اللحن تدب إلى ألسنة بعض أبناء العرب؛ بسبب كثرة اختلاطهم وامتزاجهم بالأعاجم الذين دخلوا في الإسلام، نتيجة الدعوة الإسلامية التي واكبت الفتوح، هب نوابغ من العلماء ذوي العقل والرشد من المسلمين لضبط اللغة العربية في متن مفرداتها، وقواعد تصريفها وما تدل عليه اختلاف الصيغ من المعاني، ولضبط حركات أواخر كلماتها باختلاف أحوال مواقعها من الجملة العربية.
وكان الهدف من هذا العمل حفظ واقع هذه اللغة الرفيعة بين اللغات، بصورتها الكاملة التي كانت عليه إبان المدة التاريخية التي أُنزل فيها القرآن، وعاش فيها رسول الله ﷺ يبين للناس ما نُزِّل إليهم، وغرضهم من هذا الحفظ حفظ القرآن كما أنزل، وحفظ السنة المبينة له، وأن يكون ضبط أصولها وقوانينها وسيلة لفهم معاني القرآن والسنة فهمًا صحيحًا، وإدراك دلالات نصوصهما إدراكًا دقيقًا سليمًا مهما تعاقبت العصور.
وقد ذكر المؤرخون عدة روايات تاريخية حول دوافع هذا التأسيس:
الرواية الأولى: جاء فيها أن "عمر بن الخطاب" مر على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم على ذلك، فقالوا له: "نحن قوم متعلمين" فساءه اللحن الذي وقع في كلامهم؛ إذ لم يقولوا: نحن قوم متعلمون، أكثر مما ساءه خطؤهم في الرمي، وأعرض مغضبًا وقال: "ولله لخطؤكم في لسانكم أشد على من خطئكم في رميكم".
الرواية الثانية: أرسل "أبو موسى الأشعري" وهو والي البصرة إلى الخليفة عمر بن الخطاب كتابًا ذكر فيه كاتبه: "من أبو موسى الأشعري" فلحن في هذا، وكان ينبغي أن يكتب: "من أبي موسى".
стр. 440
فكتب الخليفة "عمر بن الخطاب" ﵁ لأبي موسى: "عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطًا".
الرواية الثالثة: سمع أعرابي مؤذنًا يقول: "أشهد أن محمدًا رسولَ الله" ففتح لأم "رسول" بدل أن يضمها.
فقال هذا الأعرابي للمؤذن، ويحك يفعل ماذا؟
إن فتح اللام يجعل عبارة "رسول الله" صفة، وحينئذ تكون الجملة ناقصة لم يأت خبرها، فطلب الأعرابي الخبر بسليقته الأصلية، فقال له: ويحك يفعل ماذا؟
الرواية الرابعة: قدم أعرابي في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقال: من يقرئني شيئًا مما أنزل الله تعالى على رسول الله ﷺ ؟
فأقرأه رجل من بداية سورة "براءة" حتى إذا وصل إلى قول الله تعالى فيها: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فنطق الرجل المقرئ بها "ورسولِهِ" بكسر اللام بدل ضمها وهذا اللحن الفاحش يفسد المعنى إفسادًا كبيرًا؛ إذ يجعل الله بريئًا من رسوله، مع أن المراد أن الرسول بريء من المشركين، أيضًا، بمقتضى دلالة: "ورسولُهُ" في حالة ضم اللام.
فلما سمع الأعرابي من مقرئه ذلك، قال: أوقد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه.
فبلغت مقالة الأعرابي أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" فدعاه فقال له: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله ﷺ ، فقص عليه الأعرابي قصته، فقال عمر: ليس هذا يا أعربي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ برفع اللام.
فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسوله منهم، فأمر عمر بن الخطاب ﵁ أن لا يقرئ القرآن إلا متقن للغة العرب، وأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع ضوابط اللسان العربي، وهو "أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني ١ق. هـ-٦٩هـ" من أول واضعي علم
стр. 441
النحو، وكان معدودًا من الفقهاء والأعيان والأمراء والشعراء، وهو تابعي.
الرواية الخامسة: جاء أبو الأسود الدؤلي إلى زياد بن أبيه "١-٥٣هـ" وهو أمير البصرة فقال له:
"إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وفسدت ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم؟ ".
فقال له زياد: لا تفعل.
ثم جاء رجل إلى زياد، فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا، وترك بنونا، بهذا اللحن الفاحش، بدل توفي أبونا وترك بنين.
فقال زياد مستنكرًا لهذا اللحن الفاحش: توفي أبانا وترك بنونا؟!!
ثم أمر بأبي الأسود الدؤلي أن يأتيه، فلما جاءه قال له:
"ضع للناس ما كنت نهيتك عنه".
ففعل ذلك أبو الأسود.
الرواية السادسة: رُوي عن أبي الأسود الدؤلي أنه قال: دخلت على أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب" ﵁، فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟
فقال: إني تأملت كلام العرب، فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء "يعني الأعاجم" فأردت أن أضع شيئًا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه، ثم ألقى إليَّ الرقعة وفيها:
"الكلام كله: اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى".
وقال لي: أنح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك.
الرواية السابعة: روي أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته: ما أحسنُ السماءِ "برفع أحسن وجر السماء" فقال لها: نجومها، فقالت: إني لم أرد هذا،
стр. 442
وإنما تعجبت من حسنها، فقال لها: إذن فقولي: ما أحسنَ السماءَ، افتحي فاك، وحينئذ وضع علم النحو.
أقول: مهما يكن أمر هذه الروايات فإن مجموعها يحدد السبب الذي دفع المسلمين إلى وضع العلوم الضابطة للسان العرب، ألا وهو حرصهم على صيانة كتاب الله القرآن وأقوال الرسول ﷺ ، من اللحن الذي يُفسد المعنى، ويَضيع به الدين، وذلك بعد تسرب اللحن إلى بعض أبناء العرب بسبب اختلاطهم بالأعاجم.
ومعظم الروايات تشير باهتمام بالغ إلى أبي الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي الكناني، وقد كان من سادات التابعين، وكان عاقلًا حازمًا سكن البصرة في خلافة عمر، وولي إمارتها في خلافة علي، وكان من أعلم أهل عصره بكلام العرب، وقد أخذ العلم عنه كثيرون، فمنهم ابناه عطاء، وأبو حرب، ومنهم نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وقد توفي بالبصرة في الطاعون الجارف سنة "٦٩هـ".
ويؤكد دور أبي الأسود الدوؤلي في وضع علم النحو ما ذكره ابن النديم في الفهرس مما شاهده بعينه، فقد ذكر في معرض حديثه عن خزانة كتب أطلعه عليها أحد جامعي الكتب، أنه كان في جملة ما فيها قمطر١ كبير، فيه قرابة ثلاثمائة رطل جلود فلجان٢، وصكاك، وقرطاس مصري، وورق صيني، وبينها أربعة أوراق، قال: أحسبها من ورق الصين، ترجمتها "أي: العنوان المكتوب عليها": هذه فيها كلام في الفاعل، والمفعول، عن أبي الأسود ﵀ عليه بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق، هذا خط علان النحوي، وتحته خط النضر بن شميل.
يقول ابن النديم: ثم لما مات هذا فقدنا القمطر.
стр. 443
لهذه الدلائل ذكر كثير من أهل العلم أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من تكلم في علم النحو.
- قال ابن قتيبة في المعارف، لدى حديثه عن أبي الأسود الدؤلي: "وهو أول من وضع العربية" أي: العلم الضابط للعربية.
- وقال ابن سلام الجمحي: "أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها، أبو الأسود الدؤلي".
أما تعليل تسمية العلم الذي اشتمل على قواعد اللغة العربية وضوابطها باسم "علم النحو" فقد ذكر أهل العلم فيه وجهين:
الوجه الول: أنه سمي "علم النحو" لقول علي بن أبي طالب ﵁ لأبي الأسود: أنح هذا النحو. لما دفع إليه الرقعة التي كتب فيها سيدنا علي: "الكلام كله: اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى".
الوجه الثاني: أنه سمي "علم النحو" لأنه أبا الأسود كان كلما وضع بابًا، عرضه على سيدنا علي ﵁، فكان يقول له: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت.
والله أعلم.
٢- خطة العمل:
تعددت جوانب العلم الذي قام به نوابغ علماء المسلمين، لضبط اللسان العربي، فكان منها اتباع الخطة التالية:
العمل الأول:
استخدام طريقة الاستقراء، فالاستنباط والتعليل، فالقياس، مع وضع المصطلحات العلمية للنتائج التي توصلوا إليها، بعد جهد مضن، في عمل دائب، وصبر مديد.
стр. 444
فكان من نتائج هذا العلم، تقعيد قواعد اللسان العربي، ورسم قوانينه، وتمييز أساليبه، وتحديد ضوابطه التي ترتبط بها دلالات مفرداته وجمله وتراكيبه المختلفة.
وكان من ثمرات هذا العمل ابتكار علوم النحو والصرف والاشتقاق، وطائفة أخرى من البحوث المتعلقة بهذا الشأن، حتى صار لدى المسلمين كنز حضاري ثمين، ثم به ضبط لسان العرب، بصورة لا نظير لها في ألسنة الشعوب غير العربية.
العمل الثاني:
جمع مفردات هذا اللسان العربي، في عملية إحصاء واسعة النطاق، مع ضبطها، وتصنيفها بحسبه اشتقاقاتها، وتحديد معانيها، وتسجيل النتائج التي توصلوا إليها مرتبة مصنفة في المعجمات الصغرى والكبرى، مع تدعيم ما توصلوا إليه من نتائج بالشواهد من كلام العرب.
العمل الثالث:
جمع النصوص العربية التي تمثل آداب العرب، في شعرهم، ونثرهم، وحكمهم، وأمثالهم، ونوادرهم، وقصصهم، ونحو ذلك.
وتم هذا الجمع عن طريق رواية الشعر الذي يسمعه متتبعوا البحث، من شعراء العرب أنفسهم، أو من رواتهم له. وعن طريق رواية النثر مما يسمعه المتتبعون من رفيع كلام العرب، أو من رواتهم له، وفق منهج لم يتيسر لهم أفضل منه. وعن طريق التقاط الحكم والأمثال المتداولة بين العرب الذين لم يتسرب اللحن والتغيير إلى ألسنتهم.
وعلى هذا النسق كان جمع سائر نصوصهم، وقد أثمر هذا العمل ثمرات عظيمات ظهرت في دواوين الشعر العربية الأصول، وفي كتب الأمثال، وكتب الحكمة، وكتب أخبار العرب وقصصهم.
وكان للإسلام فضل عظيم على هذه الأمة وعلى لغتها، ولولا القرآن والإسلام لكانت اللغة العربية في عداد اللغات المندثرة منذ قرون.
стр. 445
٣- مرحلة نضج علمي النحو والصرف:
لم تطل المدة التي أخذ فيها علما النحو والصرف يتكاملان، حتى استوفيا حظهما من النضح؛ إذ تعهدهما بعد أبي الأسود الدؤلي علماء البصرة بالتنشئة والتربية حتى منتصف القرن الثاني للهجرة، ولم يستهل العصر العباسي إلا وهما يدرسان في البصرة والكوفة.
ثم أخذا يتسارعان بالنماء إلى مرحلة النضج على أيدي علماء مدرستين متنافستين:
- أركان إحداهما البصريون.
- وأركان الأخرى الكوفيون.
واستمر هذا التنافس قرابة نصف قرن، وما اقترب القرن الثاني الهجري من نهايته حتى كان علما "النحو والصرف" مندمجين علمًا شابًّا مترعرعًا قويًَّا، وبدأ ينضج ويكتمل، واستمر في هذا الطور حتى استوفى حظه من النضج في نحو نصف قرن آخر، على أيدي علماء البصرة، وعلماء الكوفة، في مدرستيهما المتنافستين، اللتين اجتمع شملهما وتوحدتا في بغداد منذ انتهى طور النضج.
ولم يبق في هذا العلم لمن وراء علماء البصرة والكوفة ممن جاء بعدهم من البغداديين، فالشاميين، والمصريين، والأندلسيين إلا البسط والترجيح، والتفسير والتعليل والتنقيح، وحسن الجمع والتصنيف، وبعض تحريرات وزيادات.
٤- لمحة عن الرواد:
بعد المؤسس الأول البصري أبي الأسود الدؤلي يبرز للباحثين المتتبعين من رواد علم العربية "نحوها وصرفها" الأعلام الذين أجمل الحديث عنهم فيما يلي:
١- نصر بن عاصم الليثي "٠٠٠-٨٩هـ" كان من فقهاء التابعين، وعالمًا
стр. 446
بالعربية، وله كتاب في العربية، قيل: هو أول من نقط المصاحف.
٢- عنبسة الفيل، وهو "عنبسة بن معدان المهري المتوفى سنة "١٠٠هـ".
٣- أبو داود عبد الرحمن بن هرمز المعروف بالأعرج "٠٠٠-١١٧هـ" من موالي بني هاشم، حافظ، قارئ، وافر العلم، ثقة.
٤- أبو سليمان يحيى بن يعمر الوشقي العدواني "٠٠٠-١٢٩هـ" قيل هو أول من نقط المصاحف، كان من علماء التابعين، عارفًا بالحديث والفقه ولغات العرب، ولد بالأهواز وسكن البصرة.
٥- عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، المتوفى سنة "١١٧هـ".
جاء في كتاب "المزهر" للسيوطي: "عن قتادة قال: أول من وضع النحو بعد أبي الأسود يحيى بن يعمر".
وجاء فيه أيضًا: "وكان يقال: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي أعلم أهل البصرة وأنقلهم، ففرع النحو وقاسه".
٦- أبو عمرو بن العلاء وهو زبان بن عمار التميمي المازني البصري ويلقب أبوه بالعلاء "٧٠-١٥٤هـ" من أئمة اللغة والأدب وأحد القراء، قال أبو عبيدة: كان أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر. وقال الخليل: كان أبو عمرو سيد الناس، وأعلمهم بالعربية والشعر ومذاهب العرب.
٧- الأخفش الأكبر، أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد مولى قيس بن ثعلبة "٠٠٠-١٧٧هـ" من كبار العلماء بالعربية، لقي الأعراب وأخذ عنهم، وهو أول من فسر الشعر تحت كل بيت.
٨- أبو سليمان عيسى بن عمر الثقفي بالولاء "٠٠٠-١٤٩هـ" من أئمة اللغة، وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء، وهو أول من هذب النحو ورتبه، وعلى طريقته مشى سيبويه، وهو من أهل البصرة، وقد أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وألف عيسى كتابين في النحو، أحدهما مبسوط سماه "الجامع". والآخر مختصر سماه "المكمل" وقد أشار الخليل في بعض شعره إلى هذين الكتابين بإطراء.
стр. 447
٩- أبو جعفر الرؤاسي الكوفي، أخذ عن علماء الطبقة الثانية من الرواد البصريين، ثم استقر في الكوفة، وتزعم مدرستها، وألف كتابه "الفيصل" وهو أول كتاب تداوله الكوفيون بينهم، وغلبت عليه الناحية الصرفية التي اهتم بها الكوفيون، وسبقوا فيها البصريين، حتى عدهم المؤرخون هم الواضعين لعلم الصرف.
قال السيوطي في كتابه "المزهر":
"وكان لأبي جعفر الرؤاسي عم يقال له: معاذ بن مسلم الهراء، وهو نحوي مشهور، وهو أول من وضع التصريف".
وقد أخذ الرؤاسي زعيم مدرسة الكوفة يناظر زعيم مدرسة البصرة في عصره: "الخليل بن أحمد الفراهيدي" ومنذ ذلك الوقت أخذ هذا العلم في طور الترقي والنمو، على أيدي علماء البصرة والكوفة.
١٠- أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي "١٠٠-١٧٠هـ" من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وله عدة كتب، منها كتاب "العين" في اللغة.
أخذ النحو عن "عيسى بن عمر" ثم طفق يتنقل بين عرب الحجاز ونجد وتهامة، ويستمع إلى أحاديثهم، ثم عاد إلى البصرة، واستجمع كل ما سمع، وكان له ذهن حاد، وذاكرة قوية، وعبقرية فذة، وقد أجمع الباحثون على أنه كان من أذكى العرب، مع ورع وزهد وتقوى، وقد تفتقت عبقريته عن ابتكار كثير من العلوم.
وقد أخذ علم النحو يرتقي وينمو بفضل عبقريته بشكل سريع، ظهر في كتاب تلميذه سيبويه.
١١- أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب الضبي بالولاء "٩٤-١٨٢هـ" علامة بالأدب، كان إمام نحاة البصرة في عصره، أخذ عنه سيبويه والكسائي والفراء وغيرهم.
стр. 448
قال أبو عبيدة: اختلفت إلى يونس أربعين سنة أملأ الواحي من حفظه.
قال ابن قاضي شهبة: هو شيخ سيبويه الذي أكثر عنه النقل في كتابه.
١٢- أبو مسلم معاذ بن مسلم الهزاء "٠٠٠-١٨٧هـ" أديب نحوي معمر، من علماء النحو في الكوفة.
١٣- سيبويه، وهو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء "٠٠٠-١٨٠هـ" لقب "سيبويه"١ إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، ولد في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد الفراهيدي، وفاقه في النحو.
صنف كتابه المسمى "كتاب سيبويه" في النحو، قالوا: لم يصنع قبله ولا بعده مثله، وقد ارتقى علم النحو فجأة بهذا الكتاب إلى قمة رفيعة أدهشت علماء العربية.
١٤- أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني التميمي "١٢٢-٢٠٣هـ" أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب، ورواية الحديث، وفقه اللغة. ولد بمرو "من بلاد خراسان" وانتقل إلى البصرة مع أبيه.
١٥- الأصمعي، وهو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمعي الباهلي "١٢٢-٢١٦هـ" رواية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان. وكان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها، ويتلقى أخبارها، ويتحف بها الخلفاء، تصانيفه كثيرة، وأخباره كثيرة جدًّا، مولده ووفاته في البصرة.
١٦- الكسائي، وهو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي. إمام في اللغة والنحو والقراءة من أهل الكوفة ولد في إحدى قراها، وتعلم بها "٠٠٠-١٨٩هـ" له تصانيف، منها "معاني القرآن" و"القراءات" ومختصر في النحو، وغيرها، أخذ عن أبي جعفر الرؤاسي، وكان عالم أهل الكوفة وإمامهم باتفاق.
ويأتي من دون هؤلاء من البصريين: الأخفش الأوسط المتوفى سنة "٢٠٨هـ" وقطرب، وهو محمد بن المستنير المتوفى سنة "٢٠٦هـ".
стр. 449
ويأتي من دونهم من الكوفيين: الفراء، المتوفى سنة "٢٠٧هـ" وقد كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي. واللحياني، أبو الحسن علي بن حازم المتوفى سنة "٢٢٠هـ" وقد أخذ عن الكسائي وغيره.
٥- أبرز الأعلام الذين نضج علم العربية على أيديهم:
أما طول نضح علم اللغة العربية "نحوها وصرفها" فقد تم أيضًا على أيدي أعلام مدرستي البصرة والكوفة، فمنهم:
١- أبو عثمان بكر بن محمد المازني المتوفى سنة "٢٤٩هـ" من أهل البصرة.
٢- أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي البصري "١٧٧-٢٥٧هـ".
٣- أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني "٠٠٠-٢٤٨هـ" من أهل البصرة، كان المبرد يلازم القراءة عليه، له نيف وثلاثون كتابًا، وكتبه فيها استقصاء وحسن وبيان.
٤- أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي الأزدي "١٥٧-٢٢٤هـ" له مصنفات كثيرة، قال الجاحظ بشأنها: لم يكتب الناس أصح من كتبه، ولا أكثر فائدة.
٥- ابن السكيت، وهو أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق بن السكيت "١٨٦-٢٤٤هـ" إمام في الأدب واللغة، له عدة مصنفات، تعلم ببغداد، ومات فيها.
٦- المبرد: وهو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي "٢١٠-٢٨٦هـ" إمام العربية ببغداد في زمنه، مولده بالبصرة، ووفاته ببغداد، له مصنفات كثيرة، منها "الكامل".
أخذ عن المازني وغيره، وبرع فبر أقرانه، ونبغ نبوغًا بارزًا.
стр. 450
٧- ثعلب، وهو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد، المعروف بثعلب "٢٠٠-٢٩١هـ" إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه، له مصنفات كثيرة، كان ثقة أمينًا، وكان أعلم بالنحو من ابن السكيت.
ويلاحظ أنه لم يستهل النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، حتى كان علم اللغة العربية "نحوها وصرفها" قد أخذ طوره الأخير من النضج، ثم لم يبق لمن جاء بعد علماء القرن الثالث إلا التحسين والتريب وحسن التصنيف، والتعليلات المنطقية المتأثرة بالمنطق والفلسفة، وتطبيقات عملية، وترجيحات بين الأقوال.
وانطلق علماء اللغة العربية يصنفون المصنفات الكثيرات في هذا الميدان، منها المطولات، ومنها المختصرات، ومنها الشروح والحواشي والتعليقات والتقريرات، وشروح الشواهد، ثم ظهرت المؤلفات المبسطة التي ذللت سبيل المعرفة لطلاب هذا العلم.
وكان تأسيس علم اللغة العربية "نحوها وصرفها" عملًا حضاريًّا رائعًا مجيدًا، انفرد به المسلمون، وكان عملهم فيه معتمدًا على الاستقراء، والتعليل، وقياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض، أخذًا من واقع لسان الأمة العربية القحة، التي لم تخالطها العجمة.
أما الاستقراء: فقد كان بجمع الجزئيات المختلفة، والنظر فيها لاستخلاص القواعد الكلية منها، وقد اعتمد علماء اللغة العربية فيه على السماع مباشرة من العرب الأصلاء في مختلف مجتمعاتهم، ثم على أقوال العرب الذين يُحتج بهم في اللغة من الذين سبقوا المدة التي تم بها الاستقراء، ومن الذين عاصروها، وتشمل هذه الأقوال الشعر والنثر والحكمة والأمثال السائرة والقصص والنوادر.
وكانت عملية الاستقراء التي سلكوها كافية لاستنباط القواعد والضوابط اللسانية التي تهيمن على هذه اللغة بوجه عام، ولو لم يكن استقراء شاملًا لكل الجزئيات.
стр. 451
وأما التعليل: فهو يعتمد بعد الاستقراء على التأمل الفكري في العلل والأسباب، التي جعلت واضع اللغة يربط اختلاف ظواهر النطق باختلاف المعاني التي يقصد إفادتها، حينما تضم الكلمات بعضها إلى بعض في نطق متتابع.
وأما القياس: فهو عمل فكري ذو وجهين:
الوجه الأول: الحكم على كل مثال مستحدث مناظر للأمثلة التي استخلصت منها القاعدة، بضرورة التزام مضمون القاعدة فيه، فمثلًا: كل فاعل يصاغ في أية جملة عربية يجب أن يكون مرفوعًا، وكل مفعول به يجب أن يكون منصوبًا.
الوجه الثاني: يكون بقياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض، وإعطائها مثل أحكامها، ولو لم يثبت بالسماع أن العرب قد استعملوها بأعيانها، وإنما استعملوها بنظائرها.
ومن هذا جميع القواعد القياسية في أسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان، وكذلك التصريفات والجموع ونحوها.
٦- مقدمة حول تدوين مفردات اللغة العربية في المعجمات:
كما اتجه المسلمون لضبط قواعد اللسان العربي ورسم قوانينه وتمييز أساليبه، اتجهوا أيضًا لجمع مفردات هذا اللسان العربي، في عملية إحصاء واسعة النطاق، عن طريق الاستقراء، بتتبع الكلمات العربية، وكيفية النطق بها، وما تحمل من دلالات، ثم عن طريق القياس في المشتقات إذا توافرت شروط القياس الصحيح.
وتطلب هذا العمل الحضاري العظيم تتبعًا مضنيًا وجهودًا كبيرة جدًّا، والسبب الأول الذي دعا علماء المسلمين إلى القيام بهذا العمل الجليل المضني، هو حرصهم على ضبط الأصول اللغوية التي بها يفهم القرآن الكريم، وبها تفهم السنة النبوية، وبها يمكن استنباط ما يتضمنان من معاني وتوصيات وأحكام.
стр. 452
ونظرًا إلى أن القرآن المجيد قد اصطفى الله فيه أجود ما لدى القبائل العربية من مفردات، ليكون عنصرًا من عناصر إعجازه البياني، وليكون له أثر في جمع شمل العرب على الإسلام، وجدنا أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ لا يعرفون معاني بعض المفردات الواردات في القرآن، ومن أمثلة هذا ما يلي:
١- سأل الخليفة الراشد "عمر ابن الخطاب" ﵁ وهو على المنبر عن معنى "التخوف" في قوله الله في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
فسكت المسلمون وفيهم جمع كبير من أقحاح العرب من قريش وغيرها، ثم قام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص.
قال عمر: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟
قال الهذلي: نعم، قال شاعرنا زهير:
تخوف الرحل منها تامكًا قردًا ... كما تخوف عود النبعة السفن
التامك: سنام الناقة. قردًا: أي متجعد الوبر. عود النبعة: أي: عود شجرة تنبت في قلل الجبال، تتخذ منها القسي والسهام.
السفن: كل ما ينحت به الشيء ويلين به، كالفأس، والقدوم، والحجر الخشن، والمبرد.
والمعنى: تنقص الرحل بثقله من الناقة سنامًا متجعد الوبر، كما تنقص عود النبعة ليكون قوسًا أو سهمًا صالحًا فأس أوقدوم أو نحوهما.
وعن أبي بكر بن الأنباري قال: أتى أعرابي إلى ابن عباس فقال:
تخوفني مالي أخ لي ظالم ... فلا تخذلين المال يا خير من بقي
فقال ابن عباس: تخوفك، تنقصك؟
стр. 453
قال الأعرابي: نعم.
قال ابن عباس: الله أكبر ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على تنقص من خياركم.
٢- ورُوي أن "عمر بن الخطاب" ﵁ سئل: ما الأب؟ في قوله الله في سورة "عبس: ٨٠ مصحف/ ٢٤ نزول":
﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ .
فلم يعرف معنى هذه الكلمة؛ لأنها لم تكن متداولة في مكة، ولا في القبائل من حولها، وهي في فصيح كلام العرب ما تنبته الأرض من نباتها مما تأكله الأنعام.
٣- وروي أن "عبد الله بن عباس" ﵄ سئل عن معنى "فاطر" فلم يعرف؛ لأن هذه الكلمة لم تكن متداولة في قريش ومن حولهم، وهي في فصيح كلام العرب بمعنى "خالق بأسلوب إخراج الشيء من باطنه".
٤- وروي أن أبا بكر ﵁ سئل عن معنى "الكلالة" في قول الله في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ .
فلم يعرف معناها؛ لأنها لم تكن متداولة في لسان القرشيين، ومن حولهم، والكلالة: أن يموت المرء وليس له والد أو ولد يرثه، بل يرثه ذوو قرابته.
إلى غير ذلك من أمثلة.
وقد كانت الدواعي الملحة تفرض على الأكفياء من أهل البحث والتتبع من المسلمين، أن يلموا شتات هذه اللغة الموزعة في قبائل العرب، ويجمعوا شملها، ويدونوها، ويضبطوا نطقها، ويحددوا معانيها، ويقدموا حصائل جهودهم في مؤلفات ومصنفات مختلفات الإشكال، ومتعددات الطرق، ثم في معجمات ضخمة محررة مدققة، خدمة للإسلام رسالة العرب والناطقين باللسان العربي للناس أجمعين.
стр. 454
ونظرة فاحصة تتبع العمل الجليل الذي قام به بناة الحضارة الإسلامية، لوضع كتب اللغة العربية ذات المناحي المختلفة، ووضع المعجمات الكبرى، تكشف مبلغ الجهد المضني الذي قام به المسلمون، لجمع شتات مفردات اللغة العربية، وضبط معانيها، مقرونة بالشواهد عليها، خدمة لكتاب الله وسنة رسوله. وخدمة لدين الإسلام الذي جعل الله صيغته الأخيرة المصونة ما أنزل على رسوله محمد ﷺ بلسان عربي مبين.
ولا شك أن هذا العمل قد كان من روائع التأسيس الحضاري الذي قام به المسلمون.
وتبدو أهمية هذا العمل لفهم كتاب الله وسنة رسوله حينما ندرك المغزى الذي دلت عليه الروايات التاليات:
١- روى الطبري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله رجعنا إلى الشعر، فالتمسنا معرفة ذلك منه".
وأنه قال: "إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربي".
٢- وأخرج أبو بكر بن الأنباري بسنده عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لا يُقرئ القرآن إلا عالم باللغة".
٣- وروي عن ابن سيرين أن "عمر بن الخطاب" ﵁ قال: "كان الشعر علم القوم، ولم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم كثيرة". ا. هـ.
٤- وذكر السيوطي في الإتقان، أن نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر، سألا ابن عباس مسائل كثيرة في التفسير، واشترطا عليه أن يؤيد كل كلمة بشاهد من كلام العرب، فكان ابن عباس عند شرطهما.
стр. 455
٧- حركة تدوين مفردات اللغة العربية في المعجمات:
أولًا: كان المنطلق لتدوين مفردات اللغة العربية في المعجمات جمع غريب المفردات العربية الواردة في القرآن الكريم، وشرح معانيها، وبيان أصولها اللغوية، وشواهدها من كلام العرب.
وينسب إلى ابن عباس مدونة تجمع غريب القرآن، ولعلها من جمع من رووا عن ابن عباس.
ويذكر المؤرخون أن أبان بن تغلب بن رياح الجريري "٠٠٠-١٤١هـ" من أهل الكوفة، ومن غلاة الشيعة، قد ألف كتابًا في "غريب القرآن" وذكر شواهد من أشعار العرب.
وتبع هذا جمع غريب المفردات العربية الواردة في السنة النبوية.
ثانيًا: وليس غريبًا أن يكون الجمع في أول الأمر حشدًا عامًّا من غير تصنيف ولا ترتيب، أو جمعًا للمفردات التي تتناول موضوعات معينة لإحصاء الكلام العربي المتعلق بها، كالخيل، والنخيل، والإنسان، والنحل، وأسماء المواضع والمياه والإبل، ونحو ذلك، أو بيانًا للمفردات التي تحتاج إلى تفسير في القرآن والسنة.
ثالثًا: ولما كانت أعمال الجمع اللغوي أعمالًا فردية تولاها عشاق البحث والمعرفة، كان من الطبيعي فيها أن تسير وفق سلسلة من التطور والترقي، حتى انتهت هذه الأعمال بذخائر عربية ضخمة، فيها إحصاء وتصنيف مصحوبان بالضبط وشرح المعنى، وبالترتيب الذي يسهل على الباحث مراجعة أي كلمة عربية يريدها.
رابعًا: واقترن بهذا العمل جمع آداب العرب المختلفة. وشرح غريبها.
خامسًا: ونشط الباحثون من علماء المسلمين في جمع المصنفات ذوات الطابع اللغوي نشاطًا واسعًا وكبيرًا.
стр. 456
١- وأول من ألف في الخيل، وخلق الإنسان "أبو مالك عمرو بن كركرة" الأعرابي، صاحب النوادر، وأحد شيوخ الخليل بن أحمد الفراهيدي.
٢- وألف "النضر بن شميل ١٢٢-٢٠٣هـ" كتابًا في خلق الفرس.
٣- وألف "أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني ٩٤-٢٠٦هـ" كتابًا في النحل والعسل. وكذلك الأصمعي "١٢٢-٢٠٦هـ".
٤- أما غريب القرآن وغريب الحديث، فقد كثرت فيهما التصانيف.
سادسًا: ثم شهد القرن الثاني للهجرة أولى الخطوات المحكمات في جمع مفردات اللغة العربية، وضبط ألفاظها، وتحديد معانيها، وتنامت هذه الحركة في القرون التالية تناميًا واسعًا.
١- ويظهر أن "الخليل بن أحمد الفراهيدي ١٠٠-١٧٠هـ" كان صاحب مجد السبق إلى هذا العمل المجيد، فقد كان رجل اللغة العربية، وعبقريها، ومبتكر كثير من علومها، وقد حاول أن يحصر اللغة العربية حصرًا عقليًّا، وألف في هذا كتابًا سماه "العين" ملاحظًا أن حرف العين هو أول حرف يخرج من الحلق من حروف اللغة، وتبلغ صفحات هذا الكتاب قرابة "٢٥٠٠" صفحة، جمع فيه كثيرًا من لغة العرب، بطريقة مبتكرة لم يسبقه إلى مثلها سابق.
وكان المنهج الذي سلكه الخليل منهجًا رصينًا، إلا أنه صعب جدًّا، ويحتاج إلى عباقرة أمثال الخليل يتابعون العمل حتى ينجزوه، وقد ألف تلميذه "النضر بن شميل" كتابًا سمكاه "المدخل إلى العين".
٢- وممن كانت له الريادة في هذا المجال: "إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء ٩٤-٢٠٦هـ" وهو كوفي نزل بغداد. وقد وصف بأنه من أعظم الناس علمًا باللغة والشعر، وكان صدوقًا فاضلًا، روى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما. ومما وصف به أنه جمع أشعار نيف وثمانين قبيلة من العرب ودونها.
стр. 457
وقد كان من السابقين إلى جمع مفردات اللغة العربية، وضبط ألفاظها وتحديد معانيها، فقد ألف كتابًا في اللغة سماه "الجيم".
وله كتب أخرى في هذا المجال، منها كتاب في "غريب الحديث" وكتاب "النوادر الكبير".
٣- ومنهم: "أبو عبيدة النحوي معمر بن المثنى البصري ١١٠-٢٠٩هـ" فقد ألف في غريب القرآن وغريب الحديث، وله نحو "٢٠٠" مؤلف.
٤- ومنهم "أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخراساني البغدادي ١٥٧-٢٢٤هـ" من كتبه "الغريب المصنف" وكتاب "غريب الحديث" ألفه في نحو أربعين سنة، وله مصنفات كثيرة.
وجاء في ترجمته أن الناس رووا من كتبه المصنفة نيفًا وعشرين كتابًا في التفسير والفقه واللغة.
٥- ومنهم: "كراع النملة أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي الأزدي ... -بعد ٣٠٩هـ" مصري له كتب متعددة في اللغة العربية.
٦- ومنهم: "ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من أرد عمان من قحطان ٢٢٣-٣٢١هـ" ولد بالبصرة، وبها نشأ وتعلم ونبغ في علوم اللغة العربية، حتى صار علمًا من أعلامها، له مصنفات كثيرة في اللغة العربية وعلومها، منها "الاشتقاق" و"أدب الكتاب" وله كتاب "الجمهرة" وهو أحد المعجمات العربية الكبيرة، التي تعتبر من أمهات الكتب الولى، وقد ربته على حروف المعجم، ونهج فيه منهج من سبقه من رواد هذا الميدان الحضاري.
٧- ومنهم: "الفارابي، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الحسين الفارابي ٠٠٠-نحو ٣٥٠هـ" من أهل "فاراب" وراء نهر سيحون، انتقل إلى اليمن، وأقام في "زبيد" وتوفي فيها.
وهو خال الجوهري، وفي زبيد ألف كتابه "ديوان الأدب". وعرفه بقوله: "ميزان اللغة ومعيار الكلام" ويعتبر هذا الكتاب أحد المعجمات الرائدة في مفردات اللغة العربية.
стр. 458
٨- ومنهم: "الأزهري"، "أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي ٢٨٢-٣٧٠" أحد الأئمة في اللغة والأدب، وقد كان إمامًا عظيمًا من أئمة اللغة، وحجة من حججها، ألف في مفردات اللغة كتابه المشهور "تهذيب اللغة" وهو كتاب يمتاز بالدقة والتحري في الأخذ، اتبع فيه طريقة الخليل بن أحمد في كتابه "العين".
٩- ومنهم: "الصاحب بن عباد، أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس الطالقاني ٣٢٦-٣٨٥هـ" وزير غلب عليه الأدب، فكان من نوادر الدهر علمًا وفضلًا وتدبيرًا وجودة رأي.
ألف كتبًا كثيرة، منها في ميدان اللغة كتاب: "جوهرة الجمهرة" وكتاب "المحيط" وهذا الكتاب معجم لغوي كبير، اتبع فيه مدرسة الخليل في كتابه "العين" وقد امتاز معجم الصاحب بن عباد بكثرة المواد اللغوية التي جمعها فيه، إلا أنه أغفل الشواهد من كلام العرب.
١٠- ومنهم: "ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي ٣٢٩-٣٩٥" من أئمة اللغة والأدب، ألف في اللغة كتابًا منهجًا لم يسبق إليه؛ إذ آخر سماه "مقاييس اللغة" وقد نهج في هذا الكتاب منهجًا لم يسبق إليه؛ إذ أخذ يرد كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة، فلا يكاد يخطئه التوفيق.
١١- ومنهم: "الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري ... -٣٩٣هـ" كان إمامًا في اللغة والأدب، وقد ترك الجوهري أثرًا عظيمًا خدم فيه اللغة العربية خدمة عظيمة هو كتابه: "تاج اللغة وصحاح العربية" وهو المشهور بالصحاح. وقد رتبه لأول مرة في تاريخ المعجمات بحسب تسلسل حروف الهجاء، معتمدًا فيه أواخر الكلمات، وجعل لكل حرف بابًا، ثم رتب الكلمات المنتهيات بحرف واحد وفق تسلسل حروف الهجاء، والتزام الجوهري في كتابه الصحيح، واقتصر عليه، حسبما وصل إليه اجتهاده في التحقيق اللغوي.
وكان عمل الجوهري فتحًا جديدًا في ميدان المعجمات العربية، وظاهرة حضارية ميسرة في جانب من جوانب المعرفة.
стр. 459
١٢- ومنهم "أبو علي القالي، وهو إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون القالي ٢٨٨-٣٥٦هـ" أحفظ أهل زمانه للغة والشعر والأدب، ولد في أرمينية، وطلب العلم في بغداد، ثم رحل إلى الأندلس. أخذ العلم عن كثير من أئمة اللغة والنحو. وقد ألف عدة مؤلفات في العربية، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "النوادر" وكتاب "المالي" ومن مؤلفاته معجم في العربية سماه "البارع" وهو من أوسع كتب اللغة.
١٣- ومنهم "البرمكي، وهو أبو المعالي بن تميم البرمكي اللغوي" من أعلام القرن الرابع الهجري.
تلقف البرمكي كتاب "الصحاح" للجوهري، فزاد عليه قليلًا، وابتكر طريقة في تربيته غير طريقة الجوهري، وهذه الطريقة تعتمد على تسلسل الكلمات اللغوية، وفق تسلسل حروف الهجاء، اعتبارًا من أول حرف أصلي في الكلمة، فما بعده فالذي يليه حتى آخر الكلمة، وهي الطريقة التي أخذت بها جميع المعجمات الحديثة العربية وغير العربية لسهولتها. وسمى البرمكي كتابه "المنتهى".
١٤- ومنهم "ابن سيده، وهو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأندلس ٣٩٨-٤٥٨هـ" ولد بمرسية "في شرق الأندلس" وانتقل إلى دانية، وتوفي فيها. كان ضريرًا، ونبغ في في آداب اللغة ومفرداتها، فصنف كتاب "المخصص" يقع في سبعة عشر جزءًا، وهو من أثمن كنوز العربية، وكتابًا آخر سماه "المحكم والمحيط الأعظم" إلى غيرهما من الكتب.
قال السيوطي في كتابه "المزهر": "وأعظم كتاب ألف في اللغة بعد عصر الصحاح كتاب "المحكم والمحيط الأعظم" لأبي الحسن علي بن سيده الأندلسي الضرير".
وقال "ابن منظور" في مقدمة معجمه العظيم: "لسان العرب": "ولم أجد في كتب اللغة أجمل من "تهذيب اللغة" لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من "المحكم" لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأندلسي، وهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق".
стр. 460
٤٩٨- ومنهم الزمخشري، وهو جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن أحمد الخوارزمي الزمخشري ٤٦٧-٥٣٨هـ ولد في "زمخشر" من قرى خوارزم، وسافر إلى مكة فجاور بها زمنًا فلقب بجار الله.
كان من أئمة العلم في التفسير، وعلوم اللغة العربية وآدابها، ومن أشهر كتبه "الكشاف" وهو كتاب في تفسير القرآن.
ومن مصنفاته في اللغة كتاب "أساس البلاغة" وهو كتاب نفيس يرشد إلى معنى الكلمة ومحلات استعمالها في كلام العرب، وكتاب "الفائق" في غريب الحديث، وغير ذلك.
١٦- ومنهم رضي الدين الصاغاني، وهو "الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر العدوي العمري الصاغاني الحنفي ٥٧٧-٦٥٠" أعلم أهل عصره في اللغة، ولد في لاهور "بالهند" ونشأ بغزنة "من بلاد السند" ودخل بغداد، ورحل إلى اليمن، وتوفي ودفن ببغداد.
له تصانيف كثيرة منها كتاب "العباب" ولم يتمه، قال الفيروزآبادي صاحب "القاموس المحيط" في مقدمة كتابه، متحدثًا عنه وعن المحكم لابن سيده، "فهما غرتا الكتب المصنفة في هذا الباب، ونيرا براقع الفضل والآداب" وله كتاب "التكملة" جعله تكملة لصحاح الجوهري، وكتاب "الشوارد في اللغات" وغيرها.
١٧- ومنهم "أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن منظور الإفريقي المصري الأنصاري الخزرجي ٣٦٠-٧١١هـ" الإمام اللغوي الحجة، من نسل رويفع بن ثابت الأنصاري، ترك بخطه نحو خمسائة مجلد.
له مصنفات كثيرة، من أشهرها في كتب اللغة كتابه "لسان العرب" وهو معجم في اللغة غني عن التعريف، يأتي في عشرين مجلدًا، ويعتبر هذا المعجم درة من درات المعجمات العربية، التي تزدان بها المكتبة العربية الإسلامية الكبرى، وقد جمع فيه أمهات كتب اللغة.
١٨- ومنهم: "مجد الدين الفيروزآبادي، وهو أبو طاهر محمد بن