← Общие книги

Общие книги · id 9989

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (643 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

١- وأول من ألف في الخيل، وخلق الإنسان "أبو مالك عمرو بن كركرة" الأعرابي، صاحب النوادر، وأحد شيوخ الخليل بن أحمد الفراهيدي. ٢- وألف "النضر بن شميل ١٢٢-٢٠٣هـ" كتابًا في خلق الفرس. ٣- وألف "أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني ٩٤-٢٠٦هـ" كتابًا في النحل والعسل. وكذلك الأصمعي "١٢٢-٢٠٦هـ". ٤- أما غريب القرآن وغريب الحديث، فقد كثرت فيهما التصانيف. سادسًا: ثم شهد القرن الثاني للهجرة أولى الخطوات المحكمات في جمع مفردات اللغة العربية، وضبط ألفاظها، وتحديد معانيها، وتنامت هذه الحركة في القرون التالية تناميًا واسعًا. ١- ويظهر أن "الخليل بن أحمد الفراهيدي ١٠٠-١٧٠هـ" كان صاحب مجد السبق إلى هذا العمل المجيد، فقد كان رجل اللغة العربية، وعبقريها، ومبتكر كثير من علومها، وقد حاول أن يحصر اللغة العربية حصرًا عقليًّا، وألف في هذا كتابًا سماه "العين" ملاحظًا أن حرف العين هو أول حرف يخرج من الحلق من حروف اللغة، وتبلغ صفحات هذا الكتاب قرابة "٢٥٠٠" صفحة، جمع فيه كثيرًا من لغة العرب، بطريقة مبتكرة لم يسبقه إلى مثلها سابق. وكان المنهج الذي سلكه الخليل منهجًا رصينًا، إلا أنه صعب جدًّا، ويحتاج إلى عباقرة أمثال الخليل يتابعون العمل حتى ينجزوه، وقد ألف تلميذه "النضر بن شميل" كتابًا سمكاه "المدخل إلى العين". ٢- وممن كانت له الريادة في هذا المجال: "إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء ٩٤-٢٠٦هـ" وهو كوفي نزل بغداد. وقد وصف بأنه من أعظم الناس علمًا باللغة والشعر، وكان صدوقًا فاضلًا، روى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما. ومما وصف به أنه جمع أشعار نيف وثمانين قبيلة من العرب ودونها.

стр. 457

وقد كان من السابقين إلى جمع مفردات اللغة العربية، وضبط ألفاظها وتحديد معانيها، فقد ألف كتابًا في اللغة سماه "الجيم". وله كتب أخرى في هذا المجال، منها كتاب في "غريب الحديث" وكتاب "النوادر الكبير". ٣- ومنهم: "أبو عبيدة النحوي معمر بن المثنى البصري ١١٠-٢٠٩هـ" فقد ألف في غريب القرآن وغريب الحديث، وله نحو "٢٠٠" مؤلف. ٤- ومنهم "أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخراساني البغدادي ١٥٧-٢٢٤هـ" من كتبه "الغريب المصنف" وكتاب "غريب الحديث" ألفه في نحو أربعين سنة، وله مصنفات كثيرة. وجاء في ترجمته أن الناس رووا من كتبه المصنفة نيفًا وعشرين كتابًا في التفسير والفقه واللغة. ٥- ومنهم: "كراع النملة أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي الأزدي ... -بعد ٣٠٩هـ" مصري له كتب متعددة في اللغة العربية. ٦- ومنهم: "ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من أرد عمان من قحطان ٢٢٣-٣٢١هـ" ولد بالبصرة، وبها نشأ وتعلم ونبغ في علوم اللغة العربية، حتى صار علمًا من أعلامها، له مصنفات كثيرة في اللغة العربية وعلومها، منها "الاشتقاق" و"أدب الكتاب" وله كتاب "الجمهرة" وهو أحد المعجمات العربية الكبيرة، التي تعتبر من أمهات الكتب الولى، وقد ربته على حروف المعجم، ونهج فيه منهج من سبقه من رواد هذا الميدان الحضاري. ٧- ومنهم: "الفارابي، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الحسين الفارابي ٠٠٠-نحو ٣٥٠هـ" من أهل "فاراب" وراء نهر سيحون، انتقل إلى اليمن، وأقام في "زبيد" وتوفي فيها. وهو خال الجوهري، وفي زبيد ألف كتابه "ديوان الأدب". وعرفه بقوله: "ميزان اللغة ومعيار الكلام" ويعتبر هذا الكتاب أحد المعجمات الرائدة في مفردات اللغة العربية.

стр. 458

٨- ومنهم: "الأزهري"، "أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي ٢٨٢-٣٧٠" أحد الأئمة في اللغة والأدب، وقد كان إمامًا عظيمًا من أئمة اللغة، وحجة من حججها، ألف في مفردات اللغة كتابه المشهور "تهذيب اللغة" وهو كتاب يمتاز بالدقة والتحري في الأخذ، اتبع فيه طريقة الخليل بن أحمد في كتابه "العين". ٩- ومنهم: "الصاحب بن عباد، أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس الطالقاني ٣٢٦-٣٨٥هـ" وزير غلب عليه الأدب، فكان من نوادر الدهر علمًا وفضلًا وتدبيرًا وجودة رأي. ألف كتبًا كثيرة، منها في ميدان اللغة كتاب: "جوهرة الجمهرة" وكتاب "المحيط" وهذا الكتاب معجم لغوي كبير، اتبع فيه مدرسة الخليل في كتابه "العين" وقد امتاز معجم الصاحب بن عباد بكثرة المواد اللغوية التي جمعها فيه، إلا أنه أغفل الشواهد من كلام العرب. ١٠- ومنهم: "ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي ٣٢٩-٣٩٥" من أئمة اللغة والأدب، ألف في اللغة كتابًا منهجًا لم يسبق إليه؛ إذ آخر سماه "مقاييس اللغة" وقد نهج في هذا الكتاب منهجًا لم يسبق إليه؛ إذ أخذ يرد كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة، فلا يكاد يخطئه التوفيق. ١١- ومنهم: "الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري ... -٣٩٣هـ" كان إمامًا في اللغة والأدب، وقد ترك الجوهري أثرًا عظيمًا خدم فيه اللغة العربية خدمة عظيمة هو كتابه: "تاج اللغة وصحاح العربية" وهو المشهور بالصحاح. وقد رتبه لأول مرة في تاريخ المعجمات بحسب تسلسل حروف الهجاء، معتمدًا فيه أواخر الكلمات، وجعل لكل حرف بابًا، ثم رتب الكلمات المنتهيات بحرف واحد وفق تسلسل حروف الهجاء، والتزام الجوهري في كتابه الصحيح، واقتصر عليه، حسبما وصل إليه اجتهاده في التحقيق اللغوي. وكان عمل الجوهري فتحًا جديدًا في ميدان المعجمات العربية، وظاهرة حضارية ميسرة في جانب من جوانب المعرفة.

стр. 459

١٢- ومنهم "أبو علي القالي، وهو إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون القالي ٢٨٨-٣٥٦هـ" أحفظ أهل زمانه للغة والشعر والأدب، ولد في أرمينية، وطلب العلم في بغداد، ثم رحل إلى الأندلس. أخذ العلم عن كثير من أئمة اللغة والنحو. وقد ألف عدة مؤلفات في العربية، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "النوادر" وكتاب "المالي" ومن مؤلفاته معجم في العربية سماه "البارع" وهو من أوسع كتب اللغة. ١٣- ومنهم "البرمكي، وهو أبو المعالي بن تميم البرمكي اللغوي" من أعلام القرن الرابع الهجري. تلقف البرمكي كتاب "الصحاح" للجوهري، فزاد عليه قليلًا، وابتكر طريقة في تربيته غير طريقة الجوهري، وهذه الطريقة تعتمد على تسلسل الكلمات اللغوية، وفق تسلسل حروف الهجاء، اعتبارًا من أول حرف أصلي في الكلمة، فما بعده فالذي يليه حتى آخر الكلمة، وهي الطريقة التي أخذت بها جميع المعجمات الحديثة العربية وغير العربية لسهولتها. وسمى البرمكي كتابه "المنتهى". ١٤- ومنهم "ابن سيده، وهو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأندلس ٣٩٨-٤٥٨هـ" ولد بمرسية "في شرق الأندلس" وانتقل إلى دانية، وتوفي فيها. كان ضريرًا، ونبغ في في آداب اللغة ومفرداتها، فصنف كتاب "المخصص" يقع في سبعة عشر جزءًا، وهو من أثمن كنوز العربية، وكتابًا آخر سماه "المحكم والمحيط الأعظم" إلى غيرهما من الكتب. قال السيوطي في كتابه "المزهر": "وأعظم كتاب ألف في اللغة بعد عصر الصحاح كتاب "المحكم والمحيط الأعظم" لأبي الحسن علي بن سيده الأندلسي الضرير". وقال "ابن منظور" في مقدمة معجمه العظيم: "لسان العرب": "ولم أجد في كتب اللغة أجمل من "تهذيب اللغة" لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من "المحكم" لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأندلسي، وهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق".

стр. 460

٤٩٨- ومنهم الزمخشري، وهو جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن أحمد الخوارزمي الزمخشري ٤٦٧-٥٣٨هـ ولد في "زمخشر" من قرى خوارزم، وسافر إلى مكة فجاور بها زمنًا فلقب بجار الله. كان من أئمة العلم في التفسير، وعلوم اللغة العربية وآدابها، ومن أشهر كتبه "الكشاف" وهو كتاب في تفسير القرآن. ومن مصنفاته في اللغة كتاب "أساس البلاغة" وهو كتاب نفيس يرشد إلى معنى الكلمة ومحلات استعمالها في كلام العرب، وكتاب "الفائق" في غريب الحديث، وغير ذلك. ١٦- ومنهم رضي الدين الصاغاني، وهو "الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر العدوي العمري الصاغاني الحنفي ٥٧٧-٦٥٠" أعلم أهل عصره في اللغة، ولد في لاهور "بالهند" ونشأ بغزنة "من بلاد السند" ودخل بغداد، ورحل إلى اليمن، وتوفي ودفن ببغداد. له تصانيف كثيرة منها كتاب "العباب" ولم يتمه، قال الفيروزآبادي صاحب "القاموس المحيط" في مقدمة كتابه، متحدثًا عنه وعن المحكم لابن سيده، "فهما غرتا الكتب المصنفة في هذا الباب، ونيرا براقع الفضل والآداب" وله كتاب "التكملة" جعله تكملة لصحاح الجوهري، وكتاب "الشوارد في اللغات" وغيرها. ١٧- ومنهم "أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن منظور الإفريقي المصري الأنصاري الخزرجي ٣٦٠-٧١١هـ" الإمام اللغوي الحجة، من نسل رويفع بن ثابت الأنصاري، ترك بخطه نحو خمسائة مجلد. له مصنفات كثيرة، من أشهرها في كتب اللغة كتابه "لسان العرب" وهو معجم في اللغة غني عن التعريف، يأتي في عشرين مجلدًا، ويعتبر هذا المعجم درة من درات المعجمات العربية، التي تزدان بها المكتبة العربية الإسلامية الكبرى، وقد جمع فيه أمهات كتب اللغة. ١٨- ومنهم: "مجد الدين الفيروزآبادي، وهو أبو طاهر محمد بن

стр. 461

يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر ٧٢٩-٨١٧هـ" من أئمة اللغة والأدب، ولد بكارزين من أعمال شيراز، وانتقل إلى العراق، وجال في بلاد كثيرة ثم رحل إلى "زبيد" سنة "٧٩٦هـ" وولي قضاءها، حتى كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، له مصنفات كثيرة. ومن أشهر مصنفاته في اللغة معجمه المعروب بـ"القاموس المحيط" وقد اعتنى به المؤلفون فيما بعد عناية فائقة، لم يحظ بمثلها غيره من المصنفات في اللغة، فمن شارح له، ومن متتبع ناقد، ومن متمم لما فاته، إلى غير ذلك. ويذكر الفيروزآبادي في مقدمة قاموسه المحيط، أنه قد صنف قبله كتابًا في اللغة كبيرًا جاء في ستين مجلدًا، سماه "اللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب" أي: الجامع بين "المحكم" لابن سيده، "والعباب" للصاغاني، ثم اختصره في كتابه: "القاموس المحيط" فلخص كل ثلاثين سفرًا في سفر؛ إذ حذف الشواهد، وطرح الزوائد. ومن أشهر شروح "القاموس المحيط" كتاب "تاج العروس من جواهر القاموس" وهو عشرة مجلدات، ومؤلفه "مرتضى الزبيدي، وهو أبو الفيض محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسني الزبيدي ١١٤٥-١٢٠٥هـ" علامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، ومن كبار المصنفين. أصله من واسط في العراق، ومولده بالهند، ومنشأه في زبيد باليمن، له مؤلفات ومصنفات كثيرة. وبعد هذا البيان الموجز أقول: إن ما قدمه المسلمون من عمل حضاري في ميدان اللغة العربية، مما يعسر إحصاؤه، يدل الباحث المنصف على مبلغ الجهد الحضاري الرفيع الذي أحرزه المسلمون في هذا الميدان، والذي خدموا به اللغة العربية صيانة للقرآن المجيد، وسنة الرسول الكريم ﷺ ، ليقدموا الإسلام للعالمين صافيًا نقيًّا مصونًا من التحريف والتغيير في مفهومات نصوصه المصادر. وبكثير من الألم الممض، والحسرة على كنوزنا الحضارية، نذكر ما جنته أيدي الغزاة التتار، في منتصف القرن السابع الهجري، حين هجمت قبائلهم

стр. 462

الهمجية على بلاد المسلمين، وعواصم حضارتهم العلمية والعملية، فأخذت تقوض منجزاتهم الحضارية، وتخرق وتغرق وتتلف نفائس كتب العلم والمعرفة التي ألفوها، وكدح أفذاذ منهم في تصنيفها عبر ستة قرون. ٨- تأسيس علوم البلاغة "المعاني والبيان والبديع": خدمة للقرآن كتاب الله المجيد، وحرصًا على إبراز بعض جوانب إعجازه البياني، اجتهد علماء المسلمين بحثًا، وتنقيبًا، واستخراجًا، حتى وضعوا علوم البلاغة الثلاثة: "المعاني، والبيان، والبديع". وما يزال الباحثون يبحثون ويستخرجون، ويكتشفون من عناصر إعجاز القرآن البياني ما لم يكتشفه السابقون. على أن كتاب الله أوسع من أن يحصى كل عناصر إعجازه البياني الباحثون والمستخرجون والمكتشفون، مهما اجتهدوا ونقبوا؛ لأن كثيرًا من عناصر الجمال تدرك بالحسن الجمالي، ولا يستطاع تحديدها والتعبير عنها، ولا اكتشاف عناصرها. وسيظهر في كل عصر من جوانب إعجاز القرآن البياني روائع ما توصل السابقون إلى اكتشافها واستخراجها، فهو كتاب لا تفنى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، كما جاء وصفه في كلام الرسول ﷺ . وكان المهتمون باستخراج مسائل علم المعاني أئمة علماء النحو والأدب، وهذه المسائل منثورة في كتب النحو وكتب الأدب الكثيرة. وذكر علماء البلاغة أن أول من دون مسائل علم البيان أبو عبيدة "معمر بن المثنى" التيمي بالولاء، من أهل البصرة، كان من أئمة العلم بالأدب واللغة، ولادته ووفاته "١١٠-٢٠٩هـ". وظهر هذا في كتابه "مجاز القرآن".

стр. 463

وتبعه الجاحظ، وهو "عمرو بن بحر" لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه وبروزهما، كناني بالولاء وهو كبير أئمة الأدب، معتزلي من أهل البصرة، ولادته ووفاته "١٦٣-٢٥٥هـ". ثم ابن المعتز، وهو "عبد الله بن محمد المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد" ولادته ووفاته "٢٤٧-٢٩٦هـ". ثم "قدامة بن جعفر" وهو بغدادي، كاتب، يضرب به المثل في البلاغة، توفي سنة "٣٣٧هـ" له مؤلفات منها: "نقد الشعر" وكتاب "الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام". ثم أبو هلال العسكري، وهو "الحسن بن عبد الله العسكري" عالم بالأدب، وله شعر، ألف مؤلفات كثيرات، توفي بعد سنة "٣٩٥هـ". ثم جاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني، وهو "أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني" واضع أصول البلاغة، كان من أئمة اللغة، توفي سنة "٤٧١هـ". وذكر علماء البلاغة أن أول من دون في علم البديع: ١- "عبد الله بن محمد المعتز بالله" الآنف الذكر؛ إذ جمع ما اكتشفه في الشعر من المحسنات البديعية، وكتب فيه كتابًا جعل عنوانه: "البديع". وجاء من بعده من أضاف أنواعًا أخرى، منهم على ما ذكر البلاغيون: ٢- "جعفر بن قدامة" المتوفى سنة "٣٩١هـ" أديب بغدادي، له مصنفات في صنعة الكتابة، ومن مؤلفاته: "نقد قدامة" ذكر فيه ثلاثة عشر نوعًا من أنواع البديع، إضافة إلى ما سبق أن اكتشفه من قبله "عبد الله بن محمد المعتز بالله العباسي". ٣- ثم "أبو هلال العسكري" الآنف الذكر، فقد جمع سبعة وثلاثين نوعًا من أنواع البديع.

стр. 464

٤- ثم "ابن رشيق الحسن بن رشيق القيرواني ٣٩٠-٤٦٣هـ" وهو أديب، نقاد، باحث، ولد في "المسيلة" بالمغرب، ورحل إلى القيروان، فقد جمع في كتابه: "العمدة" قرابة سبعة وثلاثين نوعًا من أنواع البديع. ٥- ثم "شرف الدين أحمد بن يوسف القيسي التيفاشي ٥٨٠-٦٥١هـ" من أهل تيفاش "من قرى قفصة بإفريقية" تعلم بمصر وولي القضاء ببلده، له عدة مؤلفات. ٦- ثم "عبد العظيم العدواني، المشهور بابن أبي الإصبع ٥٩٥-٦٥٤هـ" البغدادي، ثم المصري، شاعر من العلماء بالأدب، له تصانيف حسنة، منها كتابه "بديع القرآن" فقد أوصل أنواع البديع إلى تسعين نوعًا. ٧- ثم "صفي الدين عبد العزيز بن سرايا السنبسي الطائي الحلي ٦٧٧-٧٥٠هـ" وهو معروف باسم "صفي الدين الحلي" ولد في الحلة "بين الكوفة وبغداد" فأوصل أنواع البديع إلى مائة وأربعين نوعًا، يمكن جمع بعضها في بعض. ٨- ثم "عز الدين علي بن الحسين الموصلي ... -٧٨٩هـ" شاعر أديب، من أهل الموصل، أقام مدة في حلب، وسكن دمشق وتوفي بها. هل مؤلف سماه "بديعية" وشرحه، فذكر في كتابه ما ذكر "صفي الدين الحلي" وزاد زيادة يسيرة من ابتكاره. وكانت علوم البلاغة الثلاثة من نفائس الابتكارات، التي استخرج قواعدها وأصلها علماء الأدب المسلمون، ذوو الأذواق الأدبية الرفيعة بلسان العرب، اللسان الذي اصطفاه الله ﷻ ، لإنزال القرآن المجيد به، وهو خاتمة كتبه للناس أجمعين. فمن حق الحضارة الإسلامية أن تفتخر بابتكار علوم البلاغة "المعاني، والبيان، والبديع".

стр. 465

الفصل الخامس: تأسيس علم الفقه الإسلامي، وعلم أصوله، وتدوينهما المقولة الأولى: تأسيس علم الفقه الإسلامي وتدوينه ١- مقدمة: نشأ الفقه الإسلامي، وهو "العلم بالأحكام الشرعية العملية المستمدة من أدلتها التفصيلية" نشأة إسلامية فذة، بدءًا بعصر الرسول ﷺ ، فعصر الخلفاء الراشدين، فمن بعدهم، حتى ظهور الأئمة المجتهدين الذين قيض الله لهم من تلاميذهم من دون آراءهم الفقهية، ومذاهبهم ومن توسعوا في الاجتهاد ضمن أصول ومناهج الأئمة للتوصل إلى استنباط حكم شرعي لكل ما يتطلب حكمًا شرعيًّا من سلوك الناس الإرادي في الحياة. حتى كانت للأمة الإسلامية ثروة فقهية عظيمة، في مدونات جليلات مدهشات، منها الموسع المفصل المبسوط والمقرون بالأدلة، ومنها المتوسط، ومنها الموجز المختصر، ومنها الشروح والتعليقات والتقريرات والحواشي، ومنها الجامع لآراء المذاهب ومناقشاتهم وجدلياتهم وأدلتهم في آرائهم الفقهية المختلفة. ولم يؤسس المسلمون هذا العلم العظيم، المبين لأحكام السلوك الإنساني الإرادي، مستفيدين ولا معتمدين على أحد ممن سبقهم من الأمم، بل كانت عمدتهم فيه استنباط الأحكام من مصادر التشريع الإسلامي. ومن المعلوم المتداول عند العلماء بالقوانين الواضعية في العالم، أن الفقه الإسلامي قد كان هو القاعدة المنهجية التي اعتمد عليها واستفاد منها المقننون الفرنسيون، مع العلم بأن فرنسا هي أم القانون المدني الغربي، فقد جاءت لجان التقنين الفرنسي إلى بعض عواصم العالم الإسلامي، لدراسة الفقه الإسلامي والاستفادة من طرائق الفقهاء المسلمين في النظر إلى القضايا الإنسانية، وعلاقات

стр. 466

الناس في معاملاتهم، وإدراك الحقوق والمصالح الإنسانية، واستنباط الأحكام الشرعية الملائمة لها. ولما درسوا أحكام فقه المعاملات ودرسوا علم أصول الفقه الإسلامي، وعرفوا من الإسلام مناهج التقنين، واكتسبوا ملكة وضع القوانين، رجعوا إلى بلادهم يضعون بآرائهم قواعد الحقوق، وأصول التقنين، ملاحظين المصالح التي يهمهم ملاحظتها لدى وضع المواد القانونية، ثم أخذوا بالاستناد إلى ذلك يضعون القوانين المدنية. وقد مر الفقه الإسلامي في عدة مراحل، أذكر منها فيما يلي بإيجاز: "الفقه في عصر الرسول ﷺ ، الفقه في عصر الصحابة، الفقه في عصر التابعين، الفقه في عصر تابعي التابعين وتكون المذاهب الفقهية". ٢- الفقه الإسلامي في عصر الرسول ﷺ : ١- كان الرسول ﷺ في حياته هو المرجع الأول للفتاوى في أحكام الفقه الإسلامي، وكان يعتمد فيما يفتي فيه على ما يوحى إليه، وعلى ما يفهمه من كتاب الله ، وكل ما أذن الله له به من تشريع، أو اجتهاد يجتهده، فإذا كان اجتهاده مطابقًا لما هو الأكمل والأحسن في علم الله أقره الله عليه، ولم يتابعه فيه معدلًا ولا معاتبًا، وإن كان اجتهاده في القضية دون ذلك أرشده الله إلى ما هو الأهدى والأقوم والأكثر صوابًا، وربما عاتبه؛ إذ لم يأخذ بما هو الأكمل والأحسن. ٢- وأقر الرسول ﷺ بعض أصحابه على بعض ما فهموا من كتاب الله من أحكام، وهذا يتضمن الإذن للمؤهلين منهم بفهم الأحكام من القرآن واستنباطها، والإذن لهم باستنباط الأحكام من أقوال الرسول التي حفظوها منه، مع العمل بما جاء فيها صريحًا واضحًا لا يحتاج إلى استخراج واستنباط. وأذن الرسول للمؤهلين من أصحابه بأن يجتهدوا لاستنباط الأحكام الشرعية برأيهم، قياسًا على الأشباه والنظائر، أو استبصارًا بمقاصد الشريعة وأحكامها، كلما اضطرهم الأمر إلى الاجتهاد؛ إذ يكونون بعيدين عنه، ولا يستطيعون التريث لمعرفة الحكم منه مباشرة.

стр. 467

يضاف إلى هذا تدريبهم على الاجتهاد، واستعمال ما لديهم من قدرات الفهم واستنباط الأحكام. وكان الرسول ﷺ يصوب من أصاب باجتهاده من أصحابه، ويرد من أخطأ إلى وجه الصواب؛ إذ كانوا يعرضون عليه فتاواهم أو تصرفاتهم التي اعتمدوا فيها على اجتهاداتهم الخاصة بعد مرور الحوادث التي اجتهدوا فيها. وقد برز طائفة من أصحاب الرسول ﷺ في علوم الدين وحفظ مسائله، وفي فهم نصوص القرآن والسنة، وفي معرفة مقاصد الشريعة، وفي استنباط الأحكام الفقهية، واثنى الرسول ﷺ على بعضهم في حياته. ٣- الفقه الإسلامي في عصر الصحابة رضوان الله عليهم: كان الذين برزوا من أصحاب الرسول ﷺ في علوم الدين ومعرفة مسائل الفقه، وأحكام الشريعة وفي استنباط الأحكام، هم الذين يرجع إليهم في الفتاوى التي تختلف فيها وجهات النظر، مما لم يكن معلومًا عند جمهور الصحابة حكمه. وكانوا يرجعون إلى صريح القرآن، أو إلى الفهم منه استنباطًا، وإلى صريح أقوال الرسول ﷺ أو الفهم منها استنباطًا، أو إلى الاجتهاد بالرأي الذي سبق بيانه. وقد بلغ الذين حفظت عنهم الفتوى من الأصحاب والصحابيات قاربة نيف وثلاثين ومائة، كما ذكر ابن القيم. وكان منهم المكثرون في الفتوى، وكان منهم المتوسطون، فيها، وكان منهم المقلون. - فالمكثرون منهم في الفتاوى سبعة وهم: ١- عمر بن الخطاب ﵁ "٤٠ق. هـ-٢٣هـ".

стр. 468

٢- علي بن أبي طالب ﵁ "٢٣ق. هـ-٤٠هـ". ٣- عبد الله بن مسعود ﵁ "٠٠٠-٣٢هـ". ٤- عائشة أم المؤمنين ﵂ "٩ق. هـ-٥٨هـ". ٥- زيد بن ثابت ﵁ "١١ق. هـ-٤٥ هـ". ٦- عبد الله بن عباس ﵁ "٣ق. هـ-٦٨هـ". ٧- عبد الله بن عمر ﵁ "١٠ق. هـ-٧٣هـ". - والمتوسطون منهم في الفتاوى، وهم: ١- أبو بكر الصديق ﵁ "٥١ق. هـ-١٣هـ". ٢- أم سلمة "هند بنت سهيل" أم المؤمنين ﵂ "٢٨ق. هـ-٦٢هـ". ٣- أنس بن مالك ﵁ "١٠ق. هـ-٩٣ هـ". ٤- أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك ﵁ "١٠ق. هـ-٧٤هـ". ٥- أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁ "٢١ق. هـ-٥٩هـ". ٦- عثمان بن عفان ﵁ "٤٧ق. هـ-٣٥ هـ". ٧- عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ "٧ق. هـ-٦٥ هـ". ٨- عبد الله بن الزبير ﵁ "١هـ-٧٣هـ". ٩- أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس ﵁ "٢١ق. هـ-٤٤هـ". ١٠- سعد بن أبي وقاص ﵁ "٢٣ق. هـ-٥٥هـ". ١١- سلمان الفارسي ﵁ "٠٠٠-٣٦ هـ". ١٢ جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ "١٦ق. هـ-٧٨هـ". ١٣ معاذ بن جبل الأنصاري ﵁ "٢٠ق. هـ-١٨ هـ". - والمقلون منهم في الفتاوى هم الباققون؛ إذ لم يرد عن الواحد منهم إلا الفتيا في بعض المسائل، وقد لا تتجاوز مسألة أو مسألتين.

стр. 469

٤- الفقه الإسلامي في عصر التابعين: تورع أصحاب الرسول ﷺ بسبب الفتوحات الإسلامية، في كثير من أقاليم العالم الإسلامي يومئذ، وقد تتلمذ على علماء الصحابة وفقائهم كثير من عشاق المعرفة والعلم الإسلامي من التابعين لهم بإحسان. - فمن علماء الصحابة وفقهائهم الذين استقروا في المدينة المنورة: "عمر بن الخطاب، وابنة عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت" ﵃. وقد أخذ عنهم من التابعين المقيمين في المدينة المنورة، أو الزائرين لها عدد وفير، تلقوا منهم علمًا غزيرًا، وفقهًا كثيرًا. - ومن علماء الصحابة وفقهائهم الذين أقاموا بالكوفة: "علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود" ﵄، وقد أخذ عنهما من طلاب العلم الإسلامي من سكان الكوفة أو زوارها تابعيون كثيرون. - ومن علماء الصحابة وفقهائهم الذين أقاموا في الشام: "معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان" ﵄، وقد أخذ عنهما من طلاب العلم الإسلامي من أهل الشام أو زوارها، تابعيون كثيرون. - ومن علماء الصحابة وفقهائهم الذين أقاموا في مصر: "عبد الله بن عمرو بن العاص" وقد أخذ عنه من طلاب العلم الإسلامي من أهل مصر أو زوارها تابعيون كثيرون. ومعظم الفقه الإسلامي انتشر في الأمة الإسلامية بعد عصر الصحابة، عن أصحاب عبد الله بن مسعود في العراق، وعن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر في المدينة، وعن أصحاب عبد الله بن عباس في مكة وما حولها.

стр. 470

وكثرت أسئلة المسلمين حول قضايا لم يجد فقهاء التابعين إجابة صريحة عليها، فيما أخذوه من علم عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فاضطروا أن يتوسعوا في الاستنباط والاجتهاد؛ عملًا بما فهموه من نصوص القرآن والسنة من وجوب قياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض، وإعطائها مثل الأحكام المنصوص عليها، ومن ضرورة العمل لاستنباط الأحكام التي يهدي إليها الرأي السديد لإحقاق الحق والعدل، ولتحقيق مصالح العباد على أحسن وجه وأكمله، استهداء بمقاصد الشريعة الإسلامية التي دلت عليها الأحكام المنصوص عليها، في القضايا التي جاء بيان أحكامها في القرآن الكريم، أو في سنة الرسول ﷺ . واجتهد الفقهاء الباحثون في استخراج الأحكام الفقهية واستنباطها، وقامت بينهم المناظرات حول الأدلة التي استندوا إليها، في المسائل التي اختلفت آراء المجتهدين في أحكامها. وكان هذا العمل العلمي الاجتهادي ظاهرة حضارية عظيمة، في حدود مفهومات الشريعة الإسلامية، واستنباط الأحكام للقضايا المستجدة التي لم ينص عليها القرآن، ولم تنص عليها السنة ببيان صريح واضح, وإنما يمكن استنباط حكمها بالقياس على ما جاء فيهما، أو بإدراك مقاصد الشريعة التي دلت عليها الأحكام المبينة في الكتاب والسنة. وقد برز بالفتيا في قضايا الفقه الإسلامي من أعلام التابعين، الملتزمين منهج الصحابة، عدد جم في مختلف بلدان العالم الإسلامي، في المدينة المنورة، وفي مكة المكرمة، وفي الكوفة، وفي البصرة، وفي غيرها من الأمصار. أولًا: من برز في المدينة أما من برز في المدينة من التابعين الذين كانوا يفتون في مسائل الفقه الإسلامي فكثيرون، أشهرهم الفقهاء السبعة، وهم: ١- "سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي ١٣-٩٤هـ" كان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، لم يدركه الإمام مالك، ولكنه أخذ عن تلميذه "ابن شهاب".

стр. 471

٢- "عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي ٢٢-٩٣هـ" كان أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وهو ابن أسماء أخت أم المؤمنين عائشة ﵂، وشقيق عبد الله بن الزبير. ٣- "أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي ٠٠٠-٩٤هـ" كان من سادات التابعين، وكان يلقب براهب قريش، ولد في خلافة عمر، وكان مكفوفًا، وقد أخذ عن أم المؤمنين عائشة ﵂، وتوفي في المدينة. ٤- "عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ٠٠٠-٩٨هـ" روى عن عائشة وابن عباس وغيرهما، كان أستاذًا لعمر بن عبد العزيز، وكان له أثر في تفكيره واتجاهه. ٥- "خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري ٢٩-٩٩هـ" وقد تلقى علم أبيه، واشتهر بالرأي كما اشتهر أبوه، وكان على علم بالفرائض كأبيه. ٦- "القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ ٣٧-١٠٧هـ" وهو ابن اخي أم المؤمنين عائشة ﵂، وقد نقل علمها، وقد كان فقيهًا راويًا للحديث، وكان فيه همة وكياسة. ٧- "سليمان بن يسار ٣٤-١٠٧هـ" مولى ميمونة أم المؤمنين روى عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وأم المؤمنين ميمونة، وأم المؤمنين أم سلمة، وكان سعيد بن المسيب إذا أتاه مستفت يقول له: اذهب إلى سليمان، فإنه أعلم من بقي اليوم. وقد نقل علم هؤلاء السبعة وغيرهم عالمان من صغار التابعين هما: - ابن شهاب الزهري، وهو "محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي ٥٨-١٢٤هـ". - ربيعة الرأي، وهو "ربيعة بن فروخ التيمي بالولاء ٠٠٠-١٣٦هـ" كان إمامًا حافظًا فقيهًا مجتهدًا وكان بصيرًا بالرأي.

стр. 472

وقد أخذ الإمام مالك إمام دار الهجرة، العلم عن هذين الرجلين في المدينة. ومن غير الذين عرفوا بالفقهاء السبعة في المدينة من التابعين، أتوه بالفقهاء التالية أسماؤهم: ١- "سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ٠٠٠-١٠٦هـ". ٢- "عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ٠٠٠-١٤٧هـ". ٣- "أبان بن عثمان بن عفان ٠٠٠-١٠٥هـ". ٤- "نافع المدني مولى عبد الله بن عمر ٠٠٠-١١٧هـ". ثانيًا: من برز في مكة المكرمة وأما أشهر من برز في مكة المكرمة من فقهاء التابعين فهم: ١- عطاء بن أبي رباح، وهو "عطاء بن أسلم بن صفوان ٢٧-١١٤هـ" كان عبدًا أسود، ولد باليمن، ونشأ في مكة، فكان مفتي أهلها ومحدثهم. ٢- "طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني بالولاء ٣٣-١٠٦هـ" من أكابر التابعين فقهًا في الدين ورواية للحديث، وجرأة في موعظة الخلفاء والملوك. ٣- "مجاهد بن جبير ٢١-١٠٤هـ" مولى بني مخزوم. ٤- "عمرو بن دينار الجمحي بالولاء ٤٦-١٢٦هـ" كان مفتي أهل مكة. ثالثًا: من برز في الكوفة وأما أشهر من برز في الكوفة من فقهاء التابعين فهم: ١- "علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الهمداني ٠٠٠-٦٢هـ" كان فقيه العراق، ويشبه عبد الله بن مسعود ﵁ في هديه وسمته وفضله، ولد في حياة النبي ﷺ ، وروى الحديث عن الصحابة، وقد سكن الكوفة وتوفي بها.

стр. 473

٢- "الأسود بن يزيد بن قيس النخعي ٠٠٠-٧٥هـ" كان عالم الكوفة وفقيهها في عصره. ٣- "مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني ٠٠٠-٦٣هـ" وهو تابعي ثقة فقيه، كان أعلم بالفتيا من شريح القاضي، من أهل اليمن وسكن الكوفة. ٤- "عبيدة بن عمرو "أو قيس" السلماني المرادي ٠٠٠-٧٢هـ" أسلم باليمن، وهاجر إلى المدينة في زمان عمر، وسكن الكوفة، وتفقه روى الحديث، وكان يوازي شريحًا في القضاء. ٥- "شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي ٠٠٠-٧٨هـ" أصله من اليمن، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة "٧٧هـ". كان ثقة في الحديث مأمونًا في القضاء، عمر طويلًا، ومات بالكوفة. وبعد أعلام الطبقة الثانية أمثال: "حماد بن أبي سليمان، منصور السلمي، المغيرة الضبي، سليمان الأعمش" انتهت رياسة مدرسة الكوفة إلى أربعة أعلام، وهم: ١- ابن أبي ليلى، وهو "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من بلال الأنصاري الكوفي ٧٤-١٤٨هـ" قاض فقيه من أصحاب الرأي، ولي القضاء والحكم بالكوفة لبني أمية، ثم لبني العباس، مات بالكوفة. ٢- شريك القاضي، وهو "شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي الكوفي ٩٥-١٧٧هـ" كان عالمًا بالحديث، وفقيهًا، اشتهر بقوة ذكائه وسرعة بديهته، استقضاه المنصور العباسي على الكوفة. كان عادلًا في قضائه، مولده في بخارى، ووفاته بالكوفة. ٣- ابن شبرمة، وهو "عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن حسان الضبي ... -١٤٤هـ" كان فقيه العراق، وكان قاضي الكوفة. ٤- أبو حنيفة، وهو "النعمان بن ثابت، التيمي الكوفي ٨٠-١٥٠هـ"

стр. 474

الفقيه المجتهد العبقري، إمام المذهب الحنفي المنسوب إليه، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، ولد ونشأ بالكوفة، رفض تولي القضاء ورعًا، فحبسه المنصور لرفضه تولي القضاء. رابعًا: من برز في البصرة وأما أشهر من برز في البصرة من فقهاء التابعين فهم: ١- "الحسن بن يسار البصري ٢١-١١٠هـ" كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك، ولد بالمدينة، وشب في كنف علي بن أبي طالب ﵁، وسكن البصرة. ٢- "محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء ٣٣-١١٠هـ" تفقه وروى الحديث واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا. ٣- "كعب بن سور الأزدي" قاضي البصرة، وليها لعمر وعثمان، كان من نبلاء الرجال وعلمائهم، قام يوم الجمل يعظ الناس ويذكرهم، فجاءه سهم غرب١ فقتله. خامسًا: بعض البارزين في الأمصار الأخرى وبرز في الأمصار الأخرى من الفقهاء آخرون، ومنهم: ١- "الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء ٩٤-١٧٥هـ" كان إمام أهل مصر في عصره حديثًا وفقهًا، أخباره كثيرة، وله تصانيف. قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. ٥- الفقه الإسلامي في عصر ظهور الأئمة المجتهدين وتكون المذاهب الفقهية: بعد عصر فقهاء التابعين ظهر في العالم الإسلامي تلاميذهم وهم فقهاء تابعي التابعين، وقد بدأ في هذا العصر ظهور الأئمة المجتهدين الكبار، وتكون

стр. 475

المذاهب الفقهية المؤيدة بالأتباع من تلاميذهم الفقهاء، والمصحوبة بتدوين فقه هذه المذاهب. - فتكونت بالعراق مدرسة فقهية ذات منهاج تستهدي به للتعرف على الأحكام الشرعية للسلوك الإرادي الإنساني في مختلف شئون الحياة وقضاياها. وقد برز في الكوفة شيخ القياس الإمام العبقري أبو حنيفة النعمان بن ثابت "٨٠-١٥٠هـ إمام المذهب الحنفي، أحد المذاهب الفقهية المعتمدة عند أهل السنة. - ثم تكونت بالحجاز مدرسة فقهية ذات منهاج قد يلتقي وقد يفترق مع مدرسة العراق، وهي مدرسة تستهدي بمنهاجها للتعرف على الأحكام الشرعية للسلوك الإرادي الإنساني في مختلف شئون الحياة وقضاياها. وقد برز في المدينة المنورة إمام دار الهجرة "مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري ٩٣-١٧٩هـ" أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه ينسب المذهب المالكي. طلب منه المنصور أن يضع كتابًا للناس يحملهم على العمل به فصنف كتابه المشهور: "الموطأ" وله مصنفات أخرى. وقد أفردت ترجمته في مصنفات للسيوطي، ولأبي زهرة، ولأمين الخولي. وقد قيض الله له تلاميذ دونوا آراءه في مسائل الفقه حتى كانت مذهبًا منفصلًا. - ثم تكونت بالشام مدرسة ثالثة قد تلتقي وقد تفترق في منهاجها مع مدرسة العراق. وقد برز في الشام الإمام الأوزاعي، وهو "عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي من قبيلة الأوزاع ٨٨-١٥٧هـ" إمام الديار الشامية في الفقه، نشأ في البقاع، وسكن ببيروت وتوفي بها.

стр. 476

له كتاب "السنن" في الفقه، وكتاب "المسائل". إلا أن الله لم يقيض لمذهبه من يقوم به وينشره، ويدونه. - وكان للشيعة مدارسهم الفقهية المنفصلة بمناهجها عن مناهج فقهاء أهل السنة، ودون تلاميذ كل إمام من أئمتهم آراءه الفقهية، حتى كانت مذهبًا مدونًا. - وكان للخوارج مدرستهم الفقهية التي تهيأ لها من يدونها مذهبًا منفصلًا. - وبرز في مصر الليث بن سعد، وقد سبقت ترجمته آنفًا، ولكن لم يدون أتباعه مذهبه. - ثم برز الإمام الشافعي، وهو "محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي ١٥٠-٢٠٤هـ" أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه ينسب المذهب الشافعي. برز أولًا في العراق، ثم انتقل إلى مصر وبرز فيها، وقد قيض الله له تلاميذ دونوا آراءه في مسائل الفقه، حتى كانت مذهبًا منفصلًا، وتوفي بمصر. برع في الشعر واللغة وأيام العرب، ثم أقبل على الفقه والحديث، وأفتى وهو ابن عشرين سنة، وقد كان ذا ذكاء فذ، وحافظة نادرة. وله تصانيف كثيرة، أشهرها كتاب "الأم" في سبع مجلدات، جمعه تلميذه البويطي. وقد أفردت كتب كثيرة لترجمته وتفصيل سيرة حياته. - ثم برز الإمام أحمد بن حنبل في العراق، وهو "أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني الوائيل ١٦٤-٢٤١هـ" أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه يُنسب المذهب الحنبلي. ولد ببغداد، وطلب العمل وحفظ الحديث، ورحل رحلات كثيرة في طلب العلم، له مصنفات كثيرة أشهرها كتابه "المسند" في ستة مجلدات مضغوطة. وقد قيض الله له تلاميذ دونوا آراءه في مسائل الفقه، حتى كانت مذهبًا منفصلًا. وتميزت مذاهب الأئمة الثلاثة "مالك، والشافعي، وأحمد" بشدة التحري

стр. 477

بحثًا عن السنة النبوية، لاستنباط الأحكام الفقهية منها ومن القرآن، دون إهمال القياس وسواء في الاجتهاد الذي يعتمد على الرأي المستهدي بهدي القرآن والسنة في الأصول التي يصح الاعتماد عليها في استنباط الأحكام. وتميز مذهب الإمام أبي حنيفة -مع اعتماده على استنباط الأحكام من القرآن وما بغله من السنة- بشدة إعمال الرأي في قياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض، وإعطاء المقيس حكم المقيس عليه، وبشدة التعمق الفكري بغية إدراك الحق وتحقيق العدل، وبغية إدراك المصالح والمفاسد التي اقتضت حكمة الشارع أن تجعلها هي الأساس فيما يأمر به أو ينهى عنه أو يضع له من أحكام، ولا شك أن هذا المنهج له مستند من القرآن والسنة، وربما كان أكمل لو أضيفت إليه الأدلة التي لم تبلغ الإمام أبا حنيفة وأصحابه من السنة النبوية. أما التكاليف التعبدية التي قد يستوي في مدارك الناس المأمور به منها ونظيره، وقد يستوي في مدارك الناس المنهي عنه منها ونظيره، والغرض من هذه التكاليف مجرد امتحان الطاعة وتدريب المؤمنين عليها، مع اقتران ما اختاره الشارع من تكليف بالفعل أو بالترك بحكم معقولة، قابلة للاستخراج والاستنباط من قبل أهل الفكر والرأي، الذين يبحثون بعمق وبصيرة، فالحق فيها اتباع السنة على ما صح من بيانها، أو كان كافيًا للاحتجاج به، سواء أدركنا الحكمة أم لم ندركها. - وانفر داود الظاهري، وهو "أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني ٢٠١-٢٧٠هـ" الملقب بالظاهري، وإليه تنسب الفرقة الظاهرية بالإعراض عن الرأي والقياس، والأخذ بظاهر الكتاب والسنة، وكان أول من جهر بهذا القول، وهو أصبهاني الأصل من أهل قاشان، ولد في الكوفة، وسكن بغداد، وتوفي بها. وتبعه في ظاهريته الإمام ابن حزم، وهو "علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ٣٨٤-٤٥٦هـ" عالم الأندلس في عصره، وكان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه، يقال لهم: "الحزمية". ولد بقرطبة، له مصنفات كثيرة، وقد حمل حملة شعواء على أهل الرأي والقياس، وكتب كتبًا في إبطال القياس

стр. 478

والرأي، وغلا غلوًّا نفر من العلماء وتلاميذهم، فأقصته الملوك، فرحل إلى بادية "لبله" من بلاد الأندلس، وتوفي فيها. وأصل فقهاء المذاهب الأصول، وقعدوا القواعد، وبلغوا في استخراج أحكام الفقه وتأصيل أصوله وتقعيد قواعده ذروة حضارية عظيمة، وكانوا بهذا أمة فذة لم يسبقهم فيه سابق في تاريخ الأمم. وهذه كتب الفقه الإسلامي التي دُونت وحُررت فيها مذاهب الفقهاء التي تكاد تفوق كل تصور شاهدة على هذا العمل الحضاري النابع من منابع القرآن المجيد، والسنة النبوية المطهرة المبينة له.

стр. 479

المقولة الثانية: تأسيس علم أصول الفقه الإسلامي وتدوينه ظهرت جدليات حول اعتماد بعض الفقهاء في تقرير الأحكام الفقهية أو استنباطها، على بعض مناهج وأصول خالفهم فيها آخرون، فدعت الحاجة إلى إقامة البراهين والأدلة المقبولة شرعًا على صحة ما هو صحيح منها، وعدم صحة ما هو غير صحيح منها، وعلى ترجيح ما هو الأرجح منها على غيره، مع بعض اختلاف في وجهات النظر. فظهرت مكتوبات أولى على شكل رسائل تتضمن قواعد تأصيلية لما يجب الاعتماد عليه، ولما يجوز الاعتماد عليه، ولما لا يجوز الاعتماد عليه. ويعتبر أتباع المذهب الحنفي أن أول من صنف في علم أصول الفقه "أبو حنيفة النعمان" إمام المذهب في كتاب له اسمه "كتاب الرأي" قالوا: وقد بين فيه طرق الاستنباط. ويرى الآخرون أن أول من وضع "علم أصول الفقه" هو الإمام الشافعي،

стр. 480

في الرسالة التي كتبها لعبد الرحمن بن مهدي الإمام الحافظ، وأعاد تصنيفها لما رحل إلى مصر، والموجود الآن هي الرسالة الجديدة. قال بدر الدين الزركشي في كتاب البحر المحيط في الأصول١: "الشافعي أول من صنف في أصول الفقه، صنف فيه كتاب الرسالة، وكتاب أحكام القرآن، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب جماع العلم، وكتاب القياس". وقال ابن حجر عنه: فكان بحق أول من أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف. وقال فخر الدين الرازي٢: "كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية ترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كليًّا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع". ثم اجتهد علماء المسلمين من كل المذاهب الفقهية يستخرجون القواعد التأصيلية التي تحدد منهاج الفقه الذي يتوجه لاستنباط أحكام السلوك الإنساني الإرادي، من مصادر التشريع الإسلامي، لئلا يكون عمل المجتهدين الذين يستنبطون أحكام الفروع عملًا فوضويًّا، لا يخضع لقواعد مبينة محررة. ونجم عن هذا التوجه السديد ابتكار علم غاية في عمق النظر العقلي، وغاية في تحرير القواعد الأصول، وبيان المنهاج الذي يجب على مستنبط أحكام الفروع الفقهية أن يسير عليه. هذا العلم هو "علم أصول الفقه" الذي لم يوجد نظيره لدى أمة من الأمم السابقة. وتبارى العلماء الأذكياء والعباقرة من الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، في كتابة المؤلفات المحررة الدقيقة في هذا العلم، الذي اقترنت قضاياه ومسائله

стр. 481

بالبراهين والحجج المؤيدة لأمهاتها، والناصرة لمسائل الخلاف فيها، حتى توافر منها في المكتبة الإسلامية ذخائر تعتبر بحق مفخرة من مفاخر الأمة الإسلامية. والغرض من تأسيس هذا العلم العظيم خدمة الإسلام وأحكامه الضابطة لسلوك العباد الاختياري. أما واضعو القوانين التي تعتمد على الآراء البشرية, وعلى أهوائهم ومصالحهم أو مصالح من هم منحازون إليهم من فئات أو طبقات، فلم يجدوا مندوحة عن أن يعترفوا بمجد "علم أصول الفقه" عند المسلمين، وأن يستفيدوا من بعض قواعده في بحوث الألفاظ، وبعض مسائله في القياس، وفي المصالح المرسلة، وفي الاهتمام ببعض الكليات الخمس، التي تعتبر المحافظة عليها من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي "الدين، النفس، العقل، النسل، المال". فكل ما يحفظ هذه الكليات أو شيئًا منها فهو مصلحة، وكل ما يخل بواحد منها فهو مفسدة، على اختلاف المراتب والدرجات فيما بينها، فمنها ما هو من مرتبة الضروريات، وهي المرتبة العليا ولها درجات متعددات، ومنها ما هو من مرتبة الحاجيات، وهي المرتبة الوسطى ولها درجات متعددات، ومنها ما هو من مرتبة التحسينيات، وهي المرتبة الدنيا ولها أيضًا درجات متعددات. فعلم "أصول الفقه" ظاهرة حضارية عظمى، وهو من ابتكار واستخراج الأمة الإسلامية.

стр. 482

الفصل السادس: نشأة علمي التاريخ والجغرافية والتدوين فيهما المقولة الأولى: نشأة علم التاريخ البشري والتدوين فيه لدى المسلمين ... المقولة الأولى: نشأة علم التاريخ البشري والتدوين فيه لدى المسلمين ١- القرآن الكريم وعنايته بالتوجيه للاتعاظ والاعتبار بالتاريخ الإنساني: ١- أبان القرآن المجيد كيف أنشأ الله بحكمته الإنسان الأول وزوجه، وكيف بث منهما السلالات البشرية، وأن الغاية من هذا الخلق ابتلاء الناس المؤهلين للابتلاء في ظروف الحياة الدنيا. ٢- وأبان القرآن المجيد قصة إسكان الله آدم وزوجه الجنة إسكان اختبار وابتلاء، وأنه حذرهما من عدوهما وعدو ذرياتهما إبليس وجنوده، وحذرهما من دسائسه ووساوسه وتسويلاته، وأنه حريص على أن يخرجهما من الجنة حقدًا وحسدًا؛ لأن الله فضلهما هما وذرياتهما عليه، وعلى ذريته، وأمره بالسجود لآدم مع الملائكة فأبى وعصى، فطرده الله ولعنه. وأبان القرآن أن الله لما أسكن آدم وزوجه الجنة أذن لهما بأن يأكلا منها من كل ما يشاءان، باستثناء شجرة معينة نهاهما عن أن يأكلا منها، فإذا عصيا وأكلا منها أخرجهما منها عقوبة لهما على معصيتهما، وأهبطهما إلى الأرض، وعندئذ يكون دخول الجنة لآدم وزوجه وذرياتهما مشروطًا باجتياز رحلة الامتحان في الأرض بنجاح، ثم بعد برزخ موت يكون بعث إلى يوم الدين، يوم الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء. فمن آمن وأسلم ولم يشرك بالله شيئًا دخل الجنة دخول جزاء، وكان فيها من الخالدين. ومن كفر وعصى ولو من مستوى الشرك بالله في ربوبيته أو إلهيته دخل النار دخول جزاء أيضًا وكان فيها من الخالدين.

стр. 483

ومن عصى من دون الشرك استحق من العقاب على مقدار معاصيه، ثم يكون مصيره دخول الجنة بسبب إيمانه الصادق وإعلانه الإسلام لله المقرون بعمل يدل عليه. ٣- وأبان القرآن المجيد أول جريمة قتل وجدت في السلالات البشرية، ولقطات من أحداثها، بقصة قابيل وهابيل. وأشار إلى أول انحراف شركي في البشرية بقول الله في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول": ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ٤- وأبان القرآن المجيد قصص طائفة من أنبيائه ورسله ورسالاته للأمم منذ عهد آدم حتى بعثه محمد ﷺ وكيف كانت دعوة الرسل لأقوامهم، وكيف واجهت الأقوام والأمم دعوات رسل ربهم عليهم الصلاة والسلام. ومن هذه القصص ما كان مجملًا، ومنها ما اقترن بتفصيل ما تدعو الحكمة إلى تفصيله من أحداث. وأبان أيضًا مصير مكذبي رسل الله من الأمم السابقة، وهو الهلاك والتدمير، بمقتضى حكمة الله العلي القدير. وأبان أن من الرسل من قص علينا لقطات من قصصهم، ومنهم من لم يقص علينا شيئًا من قصصهم، مشيرًا إلى أن أحوال من لم يقص علينا قصصهم مشابه لأحوال من قص علينا لقطات من قصصهم؛ لأن سنة الله في الخلق واحدة، لا تبديل لها ولا تحويل. والمتتبع لقصص القرآن يلاحظ بوضوح أنها حقائق تاريخية منتقيات، لما فيها من عبر وعظات، ولما فيها من بيان لظاهرات الاجتماع البشري، في مجال السلوك الإرادي الإنساني، مقابل كون البشر موضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان، ولما فيها من دلالات واضحات على سنة الله الثابتة في العدل

стр. 484

والجزاء، ضمن ظروف الابتلاء، وهذه السنة لا تبديل لها ولا تحويل. ٥- ووجه القرآن المجيد لتتبع آثار أهل القرون الأولى والتنقيب عنها، لمعرفة ما جرى لهم والاتعاظ والاعتبار به. فمنه قول الله في سورة "النمل: ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول": ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ . فجاء في هذا النص العطف بالفاء في "فانظروا" للدلالة على وجود آثار منظورة لعاقبة بعض المجرمين السابقين، وهي لا تحتاج إلى بحث وتنقيب. ومنه قول الله في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول": ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ . فجاء في هذا النص العطف بحرف العطف "ثم" في: "ثم انظروا" للدلالة على وجود آثار مطمورة غير منظورة لعاقبة بعض المجرمين السابقين، الذين كذبوا رسل ربهم، وهي تحتاج إلى بحث وتنقيب، أي: فابحثوا في الآثار ونقبوا، فإنكم ستنظرون كيف كان عاقبة المكذبين. ٦- وقد تتبع المؤرخون المسلمون القصص القرآنية بالجمع والتحليل والتكميل ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، من الأخبار المروية بالسماع عن الأمم السابقة، ومن المكتوبات لدى أهل الكتاب ولدى غيرهم من الأمم، ودونوا ما توصلوا إليه فيما عرف بقصص القرآن. ٧- وأبان القرآن المجيد صفات الرسول محمد ﷺ الخلقية، وجاء في نجوم التنزيل منه بيان لأحداث مهمة من سيرته مع كفار قومه، وسيرته مع أصحابه، وسيرته مع زوجاته، وسيرته في غزواته. وتابع بالتعليق التوجيهي على أهم أحداث سيرته وسيرة الذين كانوا معه منذ بعثته حتى وفاته. وكان هذا التوجه القرآني هو الأساس الباعث والموجه لكتابة سيرة الرسول ﷺ من بعده، استفادة مما جاء في القرآن، وتتبعًا للمرويات في السنة

стр. 485

من أقوال الرسول ﷺ وأخلاقه وأفعاله وإقراراته، نظرًا إلى أن السنة النبوية تشتمل على كثير من سيرة الرسول ﷺ . واشتملت كتب التفسير على تتبع مناسب لقصص الأنبياء والمرسلين وأقوامهم، وشرحت بعض ما جاء في القرآن من سيرة الرسول ﷺ . ودخلت قصص الأنبياء والمرسلين وأقوامهم، وسيرة الرسول ﷺ في كتب التاريخ، باعتبارها جزءًا من التاريخ الإنساني، ثم أفرد كل منهما بمؤلفات خاصة، منها المطول ومنها المختصر، ومنها المحرر المنقح، ومنها الجامع الموسع الذي ينقصه التحرير والتنقيح والإتقان. ٢- نشأة تدوين السيرة النبوية ومغازي الرسول ﷺ : كانت سيرة حياة الرسول محمد ﷺ وأحداث مغازيه موزعة، فطائفة منها مذكورة أو مشار إليها في القرآن المجيد، ويحتاج استخراجها بالترتيب تتبع نجوم تنزيل القرآن بحسب ترتيب نزوله. وطائفة منها موجودة في روايات الأحاديث والأخبار التي اهتم بها المحدثون، وطائفة كانت متداولة بالروايات على ألسنة الصحابة الذين عاشوا أحداثها وشارك معظمهم فيها، ثم ما تلقاه التابعون منهم. ولما تم ترتيب مرويات الأحاديث في أبواب لدى بعض المحدثين، أفردت سيرة الرسول ﷺ وأخبار مغازيه في أبواب من بعض كتب الحديث، ففي صحيح البخاري: "كتاب المغازي" وفي صحيح مسلم "كتاب الجهاد والسير" وفي مسند الإمام أحمد "المغازي". وأفردت أيضًا هذه السيرة النبوية وأخبار مغازي الرسول ﷺ في كتب خاصة تعتبر بدايات تدوين لهذا الموضوع من عموم التاريخ الإنساني. - فكان للتابعي: "عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي ٢٢-٩٣هـ" مرويات في السيرة والمغازي أخذها عنه: ١- ابنه "هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ٦١-١٤٦هـ".

стр. 486

٢- وابن شهاب الزهري، وهو "محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي ٥٨-١٢٤هـ" أحد كبار المحدثين الحفاظ، والفقهاء، وهو تابعي من أهل المدينة. وكثير من مرويات "عروة بن الزبير بن العوام" مدونة لدى مؤرخي السيرة والمغازي، ضمن كتب التاريخ التي ألفوها، أو كتب السيرة التي أفتردوها بالتأليف، أمثال: "محمد بن إسحاق، والواقدي، والطبري، وابن سعد، وابن هشام" الآتي شيء من البيان عنهم إن شاء الله. - وكان للتابعي "أبان بن عثمان بن عفان ٠٠٠-١٠٥هـ" صحف فيها أحاديث عن حياة الرسول ﷺ ، وكان ثقة، إلا أنه كان قليل الحديث. وقد كان "أبان بن عثمان" واليًا على المدينة لـ"عبد الملك بن مروان" سبع سنين. وقد عرف بالفقه وبالحديث. - وكان من رواة المغازي النبوية التابعي "شرحبيل بن سعد الخطمي المدني مولى الأنصار ٠٠٠-١٢٣هـ". فقد كان عالمًا بالمغازي والبدريين، وكان يفتي ويروي الحديث، وفي روايته ضعف. وقد روى كثيرًا عن الصحابي "زيد بن ثابت" والصحابي "أبي سعيد الخدري" والصحابي "أبي هريرة" ﵃. ورُوي عنه أنه كتب كتبًا بأسماء من هاجر من مكة إلى المدينة، وأسماء من اشتركوا في غزوة بدر، وأسماء من اشتركوا في غزوة أحد. ودخل تدوين السيرة النبوية ضمن مدونات عموم التاريخ، ثم دونت مفردة في كتب كثيرة منها المطولات، ومنها المختصرات. وبعض كتب السيرة النبوية يحتاج إلى تنقيح وتحرير وانتقاء للصحيح، وبعضها أكثر ضبطًا وتحريرًا وتنقيحًا، واتجه الباحثون أخيرًا للاستفادة المدققة من كتب السنة، ولاستخراج فقه السيرة استنباطًا من وقائعها وأحداثها، ومن متابعات

стр. 487

القرآن المجيد لها، بالتعليقات والبيانات التوجيهية المنبهة على العظات، وأشير إلى أن هذا الموضوع يحتاج إلى متابعة وتكميل. وللمؤرخين المسلمين جميعًا كتابات مدونة في السيرة النبوية ضمن كتب التاريخ العام، وكثير منهم أفردوا السيرة النبوية بكتب خاصة، ومع هذا فيحسن التنويه بالرواد الذين أفردوا السيرة النبوية كلها أو بعضها بكتب خاصة، فمنهم على ما ذكر المتتبعون: ١- "موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي بالولاء ٠٠٠-١٤١هـ" مولى آل الزبير، كان عالمًا بالسيرة النبوية، ومن ثقات رجال الحديث، وهو من أهل المدينة، مولده ووفاته فيها. له "كتاب المغازي" قال الإمام أحمد بن حنبل: عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة. ٢- "معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي من الموالي ٩٥-١٥٣هـ" كان عالمًا بالسيرة، فقيهًا، حافظًا للحديث، متقنًا، ثقة، وهو من أهل البصرة، ولد واشتهر فيها، وسكن اليمن. له كتاب "المغازي" لم يعثر على نسخة منه، ولكن نقلت عنه مقتطفات في كتب التاريخ التي كتبها المؤرخون: "الواقدي، وابن سعد، والبلاذري، والطبري" الآتي شيء من البيان عنهم إن شاء الله. ٣- "محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء المدني ٠٠٠-١٥١هـ" هو من أقدم المؤرخين المسلمين، له كتاب "السيرة النبوية" هذبه ابن هشام: "جمال الدين أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري ٠٠٠-٢١٣هـ" كان عالمًا بالأنساب، واللغة، وأخبار العرب، ولد ونشأ في البصرة، وتوفي بمصر، أشهر كتبه "السيرة النبوية- ط" الذي هذب فيه كتاب "ابن إسحاق". "ومحمد بن إسحاق" من حفاظ الحديث، وله كتاب "الخلفاء" وكتاب "المبتدأ".

стр. 488

قال ابن حبان: لم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، أو يوازيه في جمعه. ٤- أبو معشر السندي، وهو "أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي ٠٠٠-١٧٠هـ". فقيه، وله معرفة بالتاريخ، أصله من السند، أقام في المدينة، إلى أن اصطحبه المهدي العباسي معه إلى العراق سنة "١٦٠هـ". له كتاب "المغازي" نقل عنه: "الواقدي" و"ابن سعد" الآتي شيء من البيان عنهما. ٥- ابن حبيش، وهو "أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأنصاري الأندلسي ٥٠٤-٥٨٤هـ". اشتهر بابن حبيش، وحبيش خاله، وقد نسب إليه، ولي القضاء بجزيرة شقر، ثم بمرسية، وتوفي فيها. له كتاب "المغازي" في عدة مجلدات، وفي كتابة هذا أخبار كثيرة مقتبسة مما كتب الواقدي. ثم كثر المؤلفون في السيرة النبوية: - فمنهم: "محمد بن علي بن يوسف الشافعي الشامي المتوفى سنة ٦٠٠هـ". - ومنهم: "ابن أبي طي يحيى بن حميد المتوفى سنة ٦٣٠هـ". - ومنهم: "ظهير الدين علي بن محمد كازروني المتوفى سنة ٦٩٤هـ". - ومنهم "علاء الدين علي بن محمد الخلاطي الحنفي المتوفى سنة ٧٠٨هـ". - ومنهم: ابن كثير "عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي البصروي ثم الدمشقي ٧٠١-٧٧٤هـ" في كتابه "السيرة

стр. 489

النبوية المطولة" وكتابة "السيرة النبوية المختصرة" وهو محدث حافظ مؤرخ فقيه، مكثر من التصانيف. - ومنهم: "ابن سيد الناس البصري الشافعي ٦٦١-٧٣٤هـ". - ومنهم: "محمد بن يوسف الصالحي المتوفى سنة ٩٤٢هـ" صاحب السيرة الشامية. - ومنهم "علي بن برهان الدين ٩٧٥-١٠٤٤هـ" صاحب السيرة الحلبية. وآخرون كثيرون. ٣- نشأة تدوين التاريخ بصفة عامة: لكل أمة ذات حضارة تكتب وتقرأ تدوين تاريخي، لملوكها وشعوبها وأحداثها وحروبها وعلاقاتها بالأمم الأخرى، ولكل ما يهمها تدوينه من تاريخها قل ذلك أو كثر. وهذه الظاهرة من ظواهر الاجتماع البشري قد كان للأمة الإسلامية منها نصيب كبير وجليل. فللأمة الإسلامية تدوين تأريخي عظيم، وقد تميز هذا التأريخ بالدقة والإتساع، وانفرد عن تواريخ سائر الأمم بالتوسع العظيم في ترجمة أصحاب الرسول ﷺ ، وترجمة أعلام التابعين، وأعلام العصور التالية، بتتبع عديم المثال بين الأمم، واقتدى بهم في هذا على قصور في بيان الصفات الخلقية، التي تميز خصائص الأعلام، المحددة لعدالتهم والثقة بأخبارهم ورواياتهم أو عدم الثقة بها، المؤرخون الغربيون والشرقيون، منذ ظهور الحضارة الغربية التي اقتبست نهضتها من الحضارة الإسلامية، التي أخذت بالانحسار والتقهقر بعد النكبات التي أصابتها في الحروب الصليبية، وفي الحروب الهمجية التي اندلعت نيرانها عليها من همج شعوب الشرق. وإذا تركنا تدوين السيرة النبوية الذي هو جزء من تدوين التاريخ الإنساني

стр. 490

العام، والذي سبق بيان موجز عنه، وتتبعنا أبرز كتاب التأريخ الإنساني العام، برز أمامنا الأعلام الآتي شيء من البيان عنهم بحسب تسلسلهم في التاريخ: ١- كعب الأحبار، وهو "أبو إسحاق كعب بن ماتع بن ذي هجن الحميري ٧٢ق. هـ-٣٢هـ". تابعي، كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في زمن خلافة أبي بكر ﵁، وقدم المدينة في خلافة عمر ﵁، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم كثيرًا من أخبار الأمم الغابرة، وأخذ هو عن الصحابة القرآن، وأخذ عنهم ما أخذ من سنة الرسول ﷺ . وخرج إلى الشام فسكن في حمص، وتوفي فيها عن مائة وأربع سنين. ٢- وهب بن منبه، وهو "أبو عبد الله وهب بن منبه الأبناوي الصنعاني الذماري ٣٤-١١٤هـ". مؤرخ كثير الإخبار عن الكتب القديمة، عالم بأساطير الأولين، ذو معرفة واسعة بالإسرائيليات، معدود في التابعين، ولد ومات بصنعاء، ولاه عمر بن عبد العزيز القضاء فيها. ٣- أبو مخنف الأزدي، وهو "أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن محنف الأزدي الغامدي ٠٠٠-١٥٧هـ". شيعي إمامي من أهل الكوفة، كان راوية عالمًا بالسير والأخبار، له تصانيف كثيرة في تاريخ عصره وما كان قبله بيسير، منها: كتاب "فتوح الشام" وكتاب "الردة" وكتاب "فتوح العراق" وله كتب في موقعة الجمل، وموقعة صفين، والنهروان، والأزارقة، و"الخوارج والمهلب" وغيرها من الكتب في التاريخ. قال المحدثون بشأنه: متروك الحديث يروي عن جماعة من المجهولين.

стр. 491

ولم يبق من كتبه الصحيحة النسبة إليه إلا ما نقله عنه ابن جرير الطبري في تأريخه. ٤- سيف بن عمر، وهو "سيف بن عمر الأسدي التميمي ٠٠٠-٢٠٠هـ". كوفي الأصل، اشتهر وتوفي ببغداد، كان مؤرخًا من أصحاب السير، ومن كتبه: "الجمل" و"الفتوح الكبير" و"الردة". ٥- الواقدي، وهو "محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء ١٣٠-٢٠٧هـ". من أقدم وأشهر المؤرخين في الإسلام، كان من حفاظ الحديث، ولد بالمدينة وانتقل إلى العراق سنة "١٨٠هـ" في أيام الرشيد، ولي القضاء ببغداد، واستمر إلى أن توفي فيها. له عدة مصنفات تأريخية، منها كتاب "الغازي النبوية" مطبوع و"فتح أفريقية" جزءان مطبوع، و"فتح العجم" مطبوع، و"فتح مصر والإسكندرية" مطبوع، و"أخبار مكة" و"الطبقات" و"فتوح العراق" و"سيرة أبي بكر ووفاته". قال الخطيب البغدادي: كان الواقدي كلما ذكرت له وقعة ذهب إلى مكانها فعاينه. أشهر من روى عنه كاتبه "محمد بن سعد" صاحب كتاب "الطبقات الكبير". ٦- المدائني، وهو "أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني ١٣٥-٢٢٥هـ". من أهل البصرة، سكن المدائن، ثم انتقل إلى بغداد، ولم يزل بها إلى أن توفي.

стр. 492

راوية، مؤرخ، كثير التصانيف، له ما يزيد على مائتي كتاب. قال ابن تغري بردى: وتأريخه أحسن التواريخ، وعنه أخذ الناس تواريخهم. ٧- ابن سعد، وهو "أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري مولاهم ١٦٨-٢٣٠هـ". مؤرخ ثقة، وهو من حفاظ الحديث، ولد في البصرة، وسكن بغداد وتوفي فيها. صحب "الواقدي" المؤرخ زمانًا، فكتب له وروى عنه، وقد عُرف بكاتب الواقدي. قال الخطيب في تاريخ بغداد: محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه. له كتاب "طبقات الصحابة" اثنا عشر جزءًا، ويعرف هذا الكتاب بطبقات ابن سعد. ٨- البلاذري، وهو "أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري ٠٠٠-٢٧٩هـ". مؤرخ جغرافي نسابة، من أهل بغداد، جالس المتوكل العباسي، من كتبه "فتوح البلدان" و"البلدان الكبير" ولم يتمه. ٩- اليعقوبي، وهو "أبو يعقوب أحمد بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي ٠٠٠-بعد ٢٩٢هـ". مؤرخ جغرافي كثير الإسفار، من أهل بغداد، كان جده من موالي المنصور العباسي.

стр. 493

صنف كتبًا جيدة، منها: "تاريخ اليعقوبي" مطبوع، و"البلدان" مطبوع، و"أخبار الأمم السالفة" كتاب صغير. ١٠- ابن جرير الطبري، وهو "أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ٢٢٤-٣١٠هـ". إمام محدث، مؤرخ مفسر، ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد، وتوفي بها، له مصنفات متعددة ضخمة، منها: "أخبار الرسل والملوك" مطبوع في ١١ جزءًا، وهو معروف بتاريخ الطبري، و"جامع البيان في تفسير القرآن" مطبوع في ٣٠ جزءًا، ويعرف بتفسير الطبري. وهو من ثقات المؤرخين، قال ابن الأثير: أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ. وقد اجتهد أن يتتبع في تأريخه طريقة المحدثين القائمة على الرواية بالإسناد. ١١- المسعودي، وهو "أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ٠٠٠-٣٤٦هـ" من ذرية الصحابي عبد الله بن مسعود ﵁. مؤرخ رحالة بحاثة من أهل بغداد، أقام بمصر وتوفي فيها. له تصانيف كثيرة، منها: "مروج الذهب ومعادن الجوهر" مطبوع و"أخبار الزمان ومن أباده الحدثان" في نحو "٣٠" مجلدًا بقي منه الجزء الأول مخطوطًا، و"الاستذكار بما مر في سالف الأعصار" وغيرها. وكتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر" يعتبر من عجائب المكتبة الإسلامية علمًا وثقافة وإحاطة بكل معارف عصر المسعودي، ووصفه ابن خلدون بأنه إمام المؤرخين.

стр. 494

١٢- مسكويه، وهو "أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه ٠٠٠-٤٢١هـ". مؤرخ بحاث، أصله من الري، وسكن أصفهان وتوفي بها. اشتغل بالفلسفة والكيمياء والمنطق مدة، ثم أولع بالتاريخ والأدب والإنشاء. وقد ألف كتبًا نافعة، منها: "تجارب الأمم وتعاقب الهمم" مطبوع. ١٣- البيروني، وهو "أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزي ٣٦٢-٤٤٠هـ". فيلسوف رياضي مؤرخ جغرافي من أهل خوارزم. صنف كتبًا كثيرة جدًّا، وصفت بالإتقان، منها في التاريخ "الآثار الباقية عن القرون الخالية" مطبوع، و"تاريخ الأمم الشرقية" مطبوع، و"تاريخ الهند". ١٤- ابن الجوزي، وهو "أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي ٥٠٨-٥٩٧هـ". علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، مولده ووفاته ببغداد، له نحو "٣٠٠" مصنف، منها: "تلقيح فهوم أهل الآثار في مختصر السير والأخبار". ١٥- ابن الأثير، وهو "عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري ٥٥٥-٦٣٠هـ". إمام مؤرخ، ولد ونشأ في جزيرة ابن عمر، وسكن الموصل، وتجول في البلدان، وعاد إلى الموصل. من تصانيفه في التاريخ: "الكامل" مطبوع في اثني عشر مجلدًا، وهو

стр. 495

مرتب على السنين، وأكثر من جاء بعده من المؤرخين عيال عليه. وله كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة، وله كتب أخرى. ١٦- الذهبي، وهو "شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ٦٧٣-٧٤٨هـ" تركماني الأصل. محدث حافظ، ومؤرخ، وعلامة محقق، مولده ووفاته في دمشق. له تصانيف كبيرة وكثيرة تقارب المائة، منها: "تاريخ الإسلام الكبير" مخطوط، في "٣٦" مجلدًا، طبع منها بعضها. ١٧- ابن كثير "٧٠١-٧٧٤هـ" سبق الحديث عنه لدى الحديث عن كتاب السيرة النبوية، ومن كتبه في التاريخ: "البداية والنهاية" مطبوع في ١٤ مجلدًا، على نسق "الكامل" لابن الأثير. ١٨- ابن خلدون: وهو "أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون ٧٣٢-٨٠٨هـ" من ولد وائل بن حجر. فيلسوف، مؤرخ، عالم اجتماعي بحاثة، تعتبر نظراته وبحوثه في الاجتماع البشري بدايات تأسيسية لعلم الاجتماع. أصله من إشبيلية، ومولده ومنشأة في تونس. له في التاريخ كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر" مطبوع في "٧" مجلدات، أولها المقدمة، وهي تعد من أصول علم الاجتماع. ١٩- المقريزي، وهو "تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبدي القادر الحسني العبيدي ٧٦٦-٨٤٥هـ".
следующие страницы →