وهو صاحب كتاب: "الأدولة المفردة، ط" في مجلدين، المعروف بمفردات ابن البيطار، وله كتاب: "المغني في الأدوية المفردة، خ" مرتب على مداواة الأعضاء. وله كتاب: "ميزان الطبيب، خ" وله غيرها من الكتب.
٧- ابن النفيس:
هو "علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الملقب بابن النفيس ٠٠٠-٦٨٧هـ".
أعلم أهل عصره بالطب، أصله من بلدة "قرش" فيما وراء النهر، ولد في دمشق، وتوفي بمصر.
له كتب كثيرة، منها كتاب: "الموجز، ط" في الطب، اختصر به قانون ابن سينا. وكتاب: "المهذب، خ" في الكحل. وكتاب: "الشامل" في الطب، وهو كبير جدًّا.
وكانت طريقته في التأليف أن يكتب من حفظه، وتجرباته، ومشاهداته، ومستنبطاته، وقل أن يراجع أو ينقل١.
وقف كتبه وأملاكه على "البيمارستان المنصوري" بالقاهرة.
كان أول وأشهر وأعظم عالم بوظائف الأعضاء، واستطاع أن يفهم جيدًا الدورة الدموية الصغرى ويصفها لأول مرة، وهو في هذا رائد لمن أتوا من بعده٢.
كان ابن النفيس الإمام الأول لـ"هارفي" الطبيب البريطاني الشهير. وقد كشف الدورة الدموية الصغرى، وقال: "إن الدم ينقى في الرئتين قبل "سرفيتوس" بثلاثة قرون٣.
стр. 527
٨- ابن خاتمة:
هو "أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن خاتمة ... -بعد ٧٧٠هـ".
طبيب مؤرخ من الأدباء البلغاء من أهل المرية بالأندلس.
له كتاب: "تحصيل غرض القاصد في المرض الوافد، خ" وضعه سنة "٧٤٧هجرية".
وبحثه في هذا الكتاب تفوق على جميع البحوث العديدة التي انتشرت في أوروبا عن الطاعون، فيما بين القرن الرابع والقرن السادس عشر الميلادية، وهذا موضوع لم يعالجه من قبل أطباء اليونان قط، ومر عليه الكاتبون في الطب في القرون الوسطى مر الكرام١.
стр. 528
المقولة الثالثة: الكيمياء ١
١- كان للمسلمين اهتمام بالغ في علم الكيمياء المبني على التجربة، والملاحظة، ورصد النتائج، والاستعانة بالعلوم الرياضية، ودأب المشتغلون منهم في هذا المجال وتجولوا في البلدان بحثًا عن تجارب الناس وما اكتسبوه من خبرات عملية، ودونوا ما توصلوا إليه من معارف، حتى صارت الكيمياء علمًا صحيحًا بفضل جهودهم الطويلة، وتجرباتهم الكثيرة التي أفادوا منها علمًا، وأفادوا منها في حياتهم، وقدموا بها للصناعات منافع كثيرة كانت لها آثارها الطيبة في الرقي الحضاري.
٢- ومما ينبغي التنبيه عليه أنهم استعملوا القياس في تجرباتهم، واجتهدوا
стр. 529
اجتهادات مضنيات للحصول على معلومات جديدات لم تكن معروفة للناس من قبل.
وكان اعتمادهم على التجربة المتابعة بالتكرار والتحسين والتجويد، والمصحوبة بالمراقبة ودقة الملاحظة، والمقترنة باختبار مختلف الاحتمالات وملاحظة نتائجها، مع استخدام ما كان لدى الناس وما ابتكروه من أدوات وآلات، سببًا في تمكينهم من استنتاج نتائج جديدة جليلة، وإضافة معلومات جوهرية في علم الكيمياء، وسببًا في توصلهم إلى ابتكارات واكتشافات كثيرة، وتقدم بهم علم الكيمياء تقدمًا واسعًا.
٣- وقاد المنهج التجريبي علماء المسلمين الذين اشتغلوا بالكيمياء لاختراع التصفية، والتبخير، ورفع الأثقال، واستخدام الموازنة في الكيمياء.
وبه توصلوا إلى استخدام عمليات التقطير، والترشيح، والتصعيد، والتذويب، وإلى اكتشاف واختراع وسائل ذلك.
وبه اكتشفوا بعض الأجزاء الكيميائية ذات الأهمية، وبه استخرجوا الكحول "الغول" من المواد السكرية، والنشوية، واكتشفوا القلويات، والنشادر، ونترات الفضة، وحامض الطرطير، والراسب الأحمر.
٤- وكانوا أول من استحضر حامض الكبريتيك، وحامض النتريك، والماء الملكي "حامض النتر وهيدروكلوريك" وماء الذهب، والصودا الكاوية، وكربونات البوتاسيوم، وكربونات الصوديوم.
واستخدموا الزرنيخ، والإثمد، ومواد كثيرة أخرى.
٥- وما توصل المسلمون إليه بالعمليات الكيميائية التي أجروها، وما اكتشفوه أو اكتشفوا تأثيراته من المواد الكيميائية، هو من العناصر التي تقوم عليها الصناعات الحديثة في القرن العشرين الميلادي.
٦- واستخدام المسلمون علم الكيمياء في الطب، والصناعات، وصنع العقاقير, وتركيب الأدوية، وتنقية المعادن، وتركيب الروائح العطرية، ودبغ الجلود، وصبغ الأقمشة.
стр. 530
٧- وكان من وصايا أهل البصيرة والرشد من علماء المسلمين المشتغلين بالكيمياء، وجوب الاعتماد في الكيمياء على العمل وإجراء التجارب، ومعرفة الأسباب في أجزاء كل عملية، مع الصبر والمثابرة والتآني في استخراج واستنباط النتائج، وكان من وصايا هؤلاء وجوب عدم إضاعة الأوقات فيما هو عديم النفع، أو ثبت بالتجربات المتكررات تعذر الوصول إليه، كتحويل المعادن الخسيسة كالرصاص والقصدير إلى معادن نفيسة كالذهب والفضة.
٨- ولكن قد كان لبعض المسلمين أطماع شديدة في تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، فانفقوا أعمارهم في تجارب كثيرة لتحقيق هذه الغاية، فلم تتحقق لهم أمانيهم، إلا أنهم اكتشفوا في طريقهم الطويل، وعلى سبيل المصادفة أشياء ومعلومات لها شأن عظيم في علم الكيمياء، وهذه قد أفادت في تحقيق أغراض أخرى غير الهدف الأقصى الذي كانوا يطمعون في الوصول إليه.
٩- وقد اعتمدت النهضة الغربية العلمية والعملية على منهج علماء المسلمين التجريبي، وعلى ما توصلوا إليه في علم الكيمياء، وكان هذان الأمران هما القاعدتان الأساسيتان، اللتان أقام عليهما الباحثون الغربيون في علم الكيمياء نهضتهم، التي انطلقت صاعدة منذ بدايات القرن السابع عشر الميلادي، وفي حركة البناء والصعود الحضاري طوروا وجودوا وحسنوا وابتكروا وتفوقوا.
١٠- وقد برز في تاريخ المسلمين في مجال الكيمياء أعلام كثيرون أذكر طائفة منهم فيما يلي:
بعض أبرز أعلام المسلمين في الكيمياء ١
١- جابر بن حيان:
هو "أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي ٠٠٠-٢٠٠هـ" فيلسوف كيميائي، من أهل الكوفة، وأصله من خراسان، ويعرف بالصوفي.
стр. 531
اتصل بالبرامكة، وانقطع إلى "جعفر بن يحيى" منهم، وتوفي بطوس.
له تصانيف كثيرة قبل عددها "٢٣٢" كتابًا، وقيل: بلغت "٥٠٠" ضاع أكثرها، وترجم بعض ما بقي منها إلى اللاتينية.
ولجابر بن حيان شهرة كبيرة عند الإفرنج بما نقلوه من كتبه، في بدء نهضتهم العلمية.
قال "برتلو - M. Berthelot": "لجابر في الكيمياء ما لأرسطوطاليس قبله في المنطق".
وجابر بن حيان أول من استخرج حامض الكبريتيك، وسماه زيت الزاج، وأول من اكتشف الصودا الكاوية، وأول من استحضر ماء الذهب.
وينسب إليه أيضًا استحضار مركبات أخرى، مثل: كربونات البوتاسيوم، وكربونات الصوديوم.
وقد درس خصائص مركبات الزئبق واستحضرها.
وقال: "لوبون G. Le Bon": "تتألف من كتب جابر موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل إليه علم الكيمياء في عصره".
وقد اشتملت كتبه على بيان مركبات كيماوية كانت مجهولة قبله.
وهو أول من وصف أعمال التقطير، والتبلور، والتذويب، والتحويل١.
وقد فحص "تدابر بن حيان" ما خلفه الأقدمون، فخالف "أرسطو" في نظريته عن تكوين الفلزات، وخرج بنظرية جديدة، ونظريته التي خرج بها قد بقيت معمولًا بها حتى القرن الثامن عشر الميلادي.
وابتكر جابر في الكيمياء علم الموازين، فجعل لكل من الطبائع ميزانًا، ولكل جسد من الأجساد موازين خاصة بطبائعه.
وكان "جابر بن حيان" أول من لاحظ ما يحدث من راسب كلورور
стр. 532
الفضة، عند إضافة محلول ملح الطعام إلى محلول نترات الفضة. واستعمل ثاني أوكسيد المنغنيز في تلوين الزجاج، ودرس خصائص ومركبات الزئبق واستحضرها.
وبحث "جابر بن حيان" في السموم، وله فيها كتاب "السموم ودفع مضارها" ولعل هذا الكتاب أروع ما كتب في هذا الموضوع.
٢- ذو النون المصري:
هو "أبو الفياص ثوبان بن إبراهيم الإخيمي المصري ٠٠٠-٢٤٥هـ" أحد العباد الزهاد المشهورين، من أهل مصر، نوبي الأصل، من الموالي.
فقد كان له اشتغال في الكيمياء، وله كتاب: "الثقة في الصنعة" والمراد من الصنعة الأعمال الكيميائية.
٣- ابن وحشية:
هو "أبو بكر أحمد بن علي بن قيس بن المختار بن عبد الكريم بن حرثيا ويعرف بابن الوحشية ٠٠٠-٢٩٦هـ".
ينعت بالصوفي، وهو كداني الأصل، نبطي من أهل قسين "كورة من نواحي الكوفة" وكان طبيبًا للعيون.
له من الكتب في صناعة الكيمياء: كتاب "الأصول الكبير" وكتاب "الأصول الصغير" وكتاب "المدرجة" وكتاب "المذاكرة" وكتاب يحتوي على عشرين كتابًا في صناعة الكيمياء.
٤- أبو بكر محمد بن زكريا الرازي:
سبقت ترجمته في "أبرز أعلام المسلمين في الطب والصيدلة" ويعتبر أبو بكر الرازي هذا من مؤسسي الكيمياء العلمية، فقد سلك في تجاربه مسلكًا علميًّا خالصًا، الأمر الذي جعل لبحوثه في الكيمياء قيمة عظيمة.
وقد ترجمت طائفة من كتبه إلى اللاتينية، وظلت مدة طويلة تدرس في جامعات أوروبة.
стр. 533
ويعد الرازي هذا من الأوائل الذين طبقوا معلوماتهم في الكيمياء على الطب.
ويتجلى فضل الرازي في الكيمياء بصورة واضحة في تقسيمه المواد الكيميائية المعروفة في زمانه إلى أربعة أقسام أساسية، وهي:
١- المواد المعدنية.
٢- المواد النباتية.
٣- المواد الحيوانية.
٤- المواد المشتقة.
وقسم المعدنيات إلى ست طوائف فرعية هي: الأرواح، والأجساد، والأحجار، والزاجات، والبورقات، والأملاح. ومثل هذا التقسيم لا يكون إلا مستندًا إلى بحث وتجربة.
واشتغل الرازي في حساب الكثافات النوعية للسوائل، واستعمل لذلك ميزانًا خاصًّا سماه الميزان الطبيعي.
وله في علم الكيمياء كتاب يحتوي على اثني عشر كتابًا.
стр. 534
المقولة الرابعة: الفلاحة والنبات
اقتبس المسلمون من مختلف شعوب الأرض أحسن ما توصلوا إليه في الفلاحة، والاستنبات، والغرس، والتلقيح، والتطعيم، والسقي، وإمداد الأرض بالسماد، وتعهد الزروع والثمار حتى تبلغ غاية نضجها وصلاحها، ومعرفة ذكور النباتات وإناثها.
واقتبسوا أحسن الطرق للانتفاع بالزروع والثمار رطبة أو يابسة، وأحسن الطرق لتجفيف الرطب منها وإدخاره.
وكانت لهم عناية فائقة بالورود والرياحين ونباتات وأشجار الزينة، وعناية بالنباتات الدوائية، حتى كانت ساحات دور السكن عندهم بمثابة حدائق غناء، تجتمع فيها الورود والرياحين ونباتات وأشجار الزينة، وبعض الأشجار المثمرة، كالحمضيات، وكأشجار العنب التي تمتد على العرايش، فتعطي ظلًّا وثمرًا طيبًا.
ونقلوا أنواعًا من النباتات الأرضية والشجرية إلى بلاد نائية لم تكن تعرف فيها، ورافق ذلك الفتوح الإسلامية التي امتدت في الشرق والغرب، ورافق ذلك تنقل المسلمين في مختلف قارات الأرض، وتنقلهم الآمن في أرجاء الدنيا.
وكان لأمراء المسلمين في البلدان النائبة تأثير في جلب ونقل كثير من النباتات والأشجار التي يحبون أن تكون في حدائقهم وبساتينهم، مما كان في أرضهم التي نزحوا عنها، أو مما شهدوه في الأرض التي أقاموا فيها، أو مروا عليها.
وبعد حسن الاقتباس، وانتقاء أجود تجارب الشعوب وأفضلها، كان للمسلمين تجرباتهم الخاصة، أضافوا بها تحسينات وابتكارات لم تكن معروفة من قبلهم.
وعن بلدان العالم الإسلامي نقل الغربيون كثيرًا من النباتات الأرضية، فاستنبتوها في أراضيهم، وأخذوا كثيرًا من بروز الأشجار وفسائلها، وبذروها أو غرسوها في أرضيهم.
وشواهد هذه الحقائق ما تزال ماثلة في مزارع بلدان العالم الإسلامي، وبساتينه، وحدائق كثير من دور السكن فيه.
وتتبع علماء المسلمين خصائص النباتات وما في كثير منها من فوائد علاجية دوائية أو غذائية، ودونوا ما توصلوا إليه من معلومات منقولة، ومعلومات كانت نتيجة تجربات قاموا بها بأنفسهم.
ويجد المتتبعون لما كتب في اللغة العربية بأقلام المسلمين مؤلفات كثيرات جدًّا، تذكر النباتات وتصفها وتبين ما فيها من خصائص للغذاء أو للدواء.
стр. 535
وامتلأت حوانيت ومخازن العطارين بأصناف كثيرة من مجففات النباتات العلاجية المجلوبة من الصحاري والجبال والبساتين؛ إذ كان الأطباء يصفونها في علاجاتهم، وكانت للشعوب تحريات لكثير منها، فهم يشترون من العطارين منها ما يعتقدون النفع فيه للتغذية أو التقوية، أو للدواء.
وتعرف الغربيون عن طريق المسلمين على الفوائد العلاجية، لكثير من النباتات التي كانت تباع في أسواق العطارين في بلدان العالم الإسلامي، فصاروا يشترون منها مقادير وفيرة، ويصنعون منها الأدوية والعقاقير في بلدانهم، ضمن قوارير شراب، أو مضغوطة في حبوب، ويستعملونها في بلادهم، ويصدون منها إلى بلدان العالم الإسلامي وسائر بلاد الأرض.
وما تزال الصناعات الدوائية في العالم تعتمد على خصائص النباتات التي كانت تركب منها الأدوية، إلا أن معظم مصانع الأدوية صارت تستخدم بدائل كيميائية للعناصر الكيميائية المؤثرة في العلاج، والتي تشتمل عليها النباتات الدوائية، لكن كثيرًا من العلماء المحققين يرون أن البدائل الكيميائة لا تطابق النسب الحكيمة الموجودة في النباتات، ومن أجل هذا تكون تأثيراتها الجانبية الضارة أكثر من التأثيرات الجانبية الضارة التي قد تشتمل عليها النباتات الدوائية، وقلما توجد هذه التأثيرات الجانبية الضارة في النباتات، إذا أخذت بالمقادير المناسبة، أو أضيف إليها ما يعدلها، ويدفع أضرارها.
стр. 536
المقولة الخامسة: الحيوان
كان للعرب قبل الإسلام، ثم للمسلمين عناية بالغة بأنواع الحيوانات وأصنافها، من ذوات النفع من لحومها، أو ألبانها، أو أصوافها، أو أوبارها، أو أشعارها، أو ريشها، أو بيضها، أو ركوبها وحمل الأثقال عليها، أو الكر والفر على ظهورها، أو استخدامها في الصيد، أو في غير ذلك من المنافع.
وكان لهم اهتمام شديد بتربيتها، وتحديد صفاتها، وتسمية أنواعها وأصنافها، ووضع أسماء اجزائها الظاهرة والباطنة.
واهتموا أيضًا بالحيوانات الوحشية، وبالتعرف عليها وعلى صفاتها وخصائصها، والاستفادة من بعضها في العلاجات والاستخدامات الدوائية، ونجد ذكرًا لها وللمنافع التي تتصل بها في كتب المفردات الدوائية.
وكذلك اهتموا بالحيوانات الزاحفة كبارها وصغارها، واعتنوا بالطيور وأنواعها وأصنافها وصفاتها وخصائصها ومنافعها.
واشتملت كتب المسلمين التي تحدثت عن بعض الحيوانات، كالإبل والبقر والغنم والخيل، وكتبهم التي تحدثت عن الحيوانات، بصفة عامة، ككتاب "الحيوان" للجاحظ على ذكر ما يتعلق بكل حيوان على حدة، ونجد في وصف كل حيوان كتب عنه المسلمون ما اجتمع لديهم من معلومات موروثة عن العرب قبل الإسلام، وعن العرب المسلمين، وما توصل إليه الكاتبون بملاحظاتهم وتجرباتهم الخاصة، وما اطلعوا عليه من معلومات وصلت إليهم من الشعوب المختلفة التي دخلت في الإسلام كلها أو جلها أو بعضها، ومعلومات نقلوها من مؤلفات الأمم السابقة التي لها مؤلفات في الحيوانات، كاليونان، والفرس، والهنود وغيرها.
ثم ما اكتشفه المسلمون عبر التاريخ الإسلامي من صفات وخصائص الحيوانات الداجنة وغير الداجنة، وحيوانات الصحاري والقفار والجبال والغابات والأنفاق.
وقد اجتمع لدى المسلمين ثروة علمية وعملية عظيمة في هذا المجال.
ومما لا شك فيه أن الغربيين في نهضتهم الحضارية قد استفادوا من هذه الثروة التي تجمعت لدى المسلمين، ثم بنوا عليها انطلاقتهم الحضارية العلمية والعملية في هذا المجال.
وبناء على ما استفاده الغربيون من المنهج التجريبي الذي تعلموه من المسلمين في العلوم الكونية النظرية والتطبيقية، فقد انفتحت أمامهم آفاق علم
стр. 537
واسع جدًّا في هذا المجال، وأخذت تتراكم لديهم المعارف المبنية على المشاهدة والتجربة والاختبار والملاحظة والوصف وتدوين النتائج.
ولا شك أن هذه المعارف في علم الأحياء تقدم لذوي العقول الحصيفة النظيفة الرشيدة التي تنشد الحق أدلة لا حصر لها، تدل على الخالق العليم الحكيم القدير الذي يخلق ما يشاء ويختار، والذي أتقن كل شيء صنعًا، إلا أن الآراء الداروينية الباطلة قد حجبت عن الذين كفروا هذه الأدلة.
стр. 538
الفصل الثامن: عناية المسلمين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية خلقا وسلوكا
النشأة والتأسيس
...
الفصل الثامن: عناية المسلمين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية حلقًا وسلوكًا
١- النشأة والتأسيس:
١- إن هدف العلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية الخلقية والسلوكية تحقيق السعادتين الدنيوية والأخروية.
ويكون تحقيق هاتين السعادتين في المفهومات الإسلامية بما يلي:
- بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وبكل ما جاء من عند الله على لسان رسول الله ﷺ ، وبالإيمان بأن الدنيا دار امتحان، وأن الآخرة دار حساب، وفصل قضاء، وتحقيق جزاء.
- وبالعمل بأحكام الإسلام وشرائعه وتكاليفه ووصاياه، وبالعمل على نشر الإسلام في الأرض، ودعوة الناس إليه، وابتغاء الخير للناس أجمعين.
- وبأن ينال الإنسان نصيبه من الحياة الدنيا، ضمن أحكام دين الله وطاعته، وبأن يعمل على إعمار الأرض واستثمارها متعاونًا مع غيره على البر والتقوى.
٢- وقد كان رسول الله ﷺ في تاريخ رسالته للناس هو المعلم والمربي لأصحابه، وكان القرآن المجيد الذي أنزل عليه صلوات الله عليه، ومع بياناته القولية والعملية المادتين الأساسيتين للتعليم، تلقيًا وحفظًا وفهمًا وأداء، وللتربية المثلى على تطبيق ما اشتملا عليه من عناصر تربوية، وفضائل خلقية وسلوكية.
ولا تزالات هاتان المادتان، هما الأساسيتان والرئيسيتان للتعليم وللتربية، لكل من أراد أن يحقق لنفسه أكبر حظ من السعادتين الدنيوية والأخروية.
٣- ومع أن الرسول ﷺ قد كان معلمًا ومربيًا دوامًا، في كل موقع يكون فيه مع غيره من الناس، بحاله وبمقاله، ولو كان على ظهر دابة في سفر، إلا أن المسجد قد كان هو المدرسة الأم؛ إذ كان المسجد في سياسته التعليمية والتربوية للصلوات في أوقاتها، وكان مركز بث ضياء العلم ونور التربية في سائر الأوقات، مع قضاء مصالح إدارية للأمة الإسلامية، ودولتهم الآخذة في طور التأسيس والإنشاء.
стр. 539
٤- واستمرت المساجد والجوامع في تاريخ المسلمين، مراكز مهمة لبث ضياء العلم ونور التربية، على فضائل الإسلام خلقًا وسلوكًا.
وكان علماء المسلمين يتخذون منها أبراجًا لنشر ضياء علم الكتاب والسنة، وبث أنوار هدايتهما، مع نشر العلوم التي تخدم نصوصهما، أو تخدم مضامينهما، أو تكون ظواهر تطبيقية لما دعيا إليه، كالعلوم الكونية المختلفة الكاشفة لآيات الله في كونه.
على أن العلماء والفقهاء والوعاظ كانوا يتأسون برسول الله ﷺ فيعلمون ويعظون ويرشدون في كل موقع يتاح لهم فيه أن يؤدوا هذه الواجبات؛ إذ يرونها من وظائفهم التي كلفهم الله إياها، وهم يعقدون حلقات التعليم والموعظة والفتيا في بيوتهم، أو بيوت محبهم من أهل الخير واليسار.
٥- واستمر الحرمان الشريفان: الحرم المكي، والحرم المدني، في معظم أدوار تاريخ المسلمين، قاعدتين كُبْرَيَيْن من قواعد بث علوم الكتاب المجيد، والسنة المطهرة.
وفي الفقرات التاليات نظرات موجزات، حول مهمات العلم والتعليم والتربية، في بلدان المسلمين، عبر التاريخ الذي كان للمسلمين فيه حكم وسلطان في بلدانهم١.
стр. 540
٢- العلم والتعليم والتربية في بلاد الشام:
١- بقيت المساجد والجوامع في بلاد الشام بيوتًا لله لإقامة الصلوات فيها، ومراكز مهمة للعلم والتعليم والموعظة، والتربية على الفضائل الأخلاقية والسلوكية الإسلامية.
٢- وكان يُبنى إلى جوار أروقة معظم الجوامع وبعض المساجد حجرات لإقامة الأئمة والخطباء والمدرسين والعلماء فيها، ثم لإقامة الوافدين من طلاب العلم الغرباء.
٣- وكان لعلماء المسلمين والواعظين المرشدين حلقات علم وتعليم وموعظة في هذه الجوامع والمساجد، يعقدونها لطلاب العلم، أو لمستمعي الموعظة.
وكان طلاب العلم على فريقين:
- فريق ينقطع لطلب العلم، منصرفًا من أعمال الدنيا، فساعات اليوم عند هذا الفريق مقسمة على دروس العلم الجامعة لمختلف المواد الدراسية، وقضاء مصالح حياتهم الأخرى.
- وفريق يجمع بين طلب العلم، وبين أعمال الكسب، فيجعلون لطلب العلم الوقت الممتد من بعد صلاة الفجر وأورادها إلى ما بعد إشراق الشمس بنحو ساعة أو أكثر، ومن بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، ومن بعد صلاة العشاء إلى غاية ثلث الليل الأول، وقد يضيف إلى هذه الأوقات ساعة بعد صلاة العصر.
٤- وقد يكون في الجامع الواحد عالم أو اثنان أو ثلاثة، ولهم فيه حلقات يعلمون فيها الفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه والتفسير والتوحيد، وعلوم اللغة العربية على اختلافها، والعلوم المساعدة على فهم نصوص القرآن والسنة كالمنطق، ومتعلمو علم الفرائض يتعلمون معه الحساب لأنه المساعد على تقسيم المواريث بالدقة المطلوبة.
٥- وصارت مدينة "حلب" كعبة الأدب والأدباء في عهد سيف الدولة الحمداني.
٦- واستمر حال التعليم والتربية في البلاد الشامية في المساجد والجوامع على ما سبق بيانه أكثر من أربعة قرون، وقد تخرج في هذه المراكز التعليمية التربوية كبار العلماء الصلحاء الموسوعيون، وذوو التخصصات في بعض العلوم،
стр. 541
الذين ذاع صيتهم، وانتشرت في أقطار البلاد الإسلامية مصنفاتهم المحررة النافعة.
وكانت العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه كعلاقة الأب بابنه، فالأستاذ معلم ومرب ومنفق، وإذا أعجب بتلميذه زوجه بنته.
٧- ولم تؤسس في بلاد الشام مدارس ذات وضع نظامي للأساتذة وللطلاب، حتى أواسط القرن الخامس الهجري.
ففي سنة "٤٤٤هـ" أسس "رشأ بن نظيف بن ما شاء الله" الدمشقي مدرسة جعلها دارًا للقرآن، وهي المعرفة باسم "الرشائية".
وفي سنة "٥١٠هـ" أنشأ صاحب حلب "بدر الدولة أبو الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق" مدرسة عرفت باسم المدرسة الزجاجية.
وفي هذه الحقبة أقام "الحسن بن عمار" قاضي طرابلس للفاطميين مدرسة أطلق عليها اسم "دار الحكمة" لتكون بمثابة جامعة، على غرار "دار الحكمة" التي أنشأها الحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر، وكان الهدف منهما نشر الفكر الفاطمي الباطني.
ولما استولى "نور الدين محمود بن زكي" على الشام، وجه همته الكبيرة، وعنايته العظيمة لبناء المدارس، واستدعى لها كبار علماء المسلمين من أهل السنة، من مختلف الأقطار.
فبنى "نور الدين" في حلب مدرسة تعرف بالمدرسة "العصرونية" نسبة إلى العالم الفقيه "سنجار شرف الدين بن أبي عصرون" الذي استدعاه للإشراف عليها.
وبنى عدة مدارس أخرى، مدرسة في "منبج" ومدرسة في "حماة" ومدرسة في "حمص" ومدرسة في "بعلبك" ومدرسة في "دمشق".
وكثرت المدارس جدًّا، في عهد "نور الدين محمد بن زنكي" ثم في عهد "صلاح الدين الأيوبي" لشدة اهتمام وعناية هذين السلطانين السنيين، بالعلم.
стр. 542
والتعليم، والوقوف في وجه تيار المفاهيم الباطنة التي أراد الفاطميون أن ينشروها من خلال المدارس التي أسسوها، لتحريف الفكر الإسلامي، وإفساد أصوله وفروعه، مع إبقاء مظهر الانتماء إلى الإسلام نفاقًا.
ولم يقتصر إنشاء المدارس في هذين العهدين على ما كان يأمر به السلطان، بل توجهت عناية كثير من المسلمين الموسرين من أفراد الشعب لإنشاء المدارس، ابتغاء مرضاة الله، على اختلاف مراكزهم الاجتماعية، ومنهم بعض بنات الأمراء والسلاطين.
وكان من هذه المدارس مدارس خاصة بتخريج الأطباء، والصيادلة، والكحالين "= أطباء العيون" والمهندسيين وغيرهم من أصحاب التخصصات الدنيوية المدنية.
وكان من هذه المدارس مدارس متخصصة ببعض العلوم الإسلامية، أو العلوم المساعدة كاللغة العربية.
حتى بلغ عدد المدارس في دمشق وحدها قرابة عدد أيام السنة، وكانت هذه المدارس تستضيف الزائرين الوافدين إلى دمشق من طلاب العلم، وباستطاعة الوافد أن يتنقل زائرًا من مدرسة إلى أخرى طوال حول كامل، دون أن يكرر زيارته لأي واحدة منها، وفي زيارته يستضاف استضافة تامة.
وكان الموظفون في هذه المدارس يخضعون لنظام توظيفي يحدد أعمال كل موظف، ومسئولياته في وظيفته، وراتبه.
ولكل مدرسة من الأوقاف ذوات الغلة، ما تكفي غلتها النفقات التي تحتاجها المدرسة، للطلاب والأساتذة والموظفين، والترميمات وغيرها.
ومن وظائف هذه المدارس التي اشتملت عليها صكوك الوقفيات ما يلي:
- كاتب الغيبة: وهو المسئول عن تسجيل أسماء الذين يتغيبون من الطلاب عن حضور الدروس، وما فاته حضوره من أبواب أو فصول العلم الذي
стр. 543
غاب عن حضور بعض دروسه، ويرفع أمره إلى الناظر ليحسم من راتبه بمقدار تخلفه، ما لم يكن تخلفه بعذر مقبول.
- الناظر: وهو الذي يتولى إدارة أموال وقف المدرسة، والإنفاق عليها.
- الشاهد: وهو الذي يراقب الناظر في أعماله، ويشهد على عقود تصرفاته المالية.
- نائب الناظر: وهو الذي يجعله الناظر نائبًا عنه في أعماله.
- المشرف: وهو المشرف على نظافة المدرسة وأنواع الخدمات العامة فيها، والمتابع للأمور المتعلقة بذلك.
-الفقيه: وهو المشهود له بأنه عالم بالفقه، ويسمح له بتدريسه.
- المقرئ: وهو العالم بالقراءات السبع أو العشر، المتقن لأدائها بالتجويد الكامل، والمأذون له بأن يُقرئ ويُعلم ضبط تلاوة القرآن.
- شيخ المدرسة: وهو رئيسها ومديرها العام.
- ناظر المكتبة: وهو المسئول عن حفظ كتب مكتبة المدرسة، وترتيبها، والإعارة منها ومتابعة إعادة المستعار منها إليها.
- المعيد: وهو المدرس الذي يُعيد على الطلبة ما قرره أستاذ الحلقة، وتسمى وظيفته "الإعادة".
إلى غير ذلك من وظائف، وأسماء أطلقت عليها.
٨- وقد أحصى "الدكتور عبد الجليل حسن عبد المهدي" مؤسسات التعليم في بيت المقدس وحدها في العصرين الأيوبي والمملوكي فبلغت "١٥" مؤسسة في العصر الأيوبي، "٥٧" مؤسسة في العصر المملوكي١.
стр. 544
٣- العلم والتعليم والتربية في أيام العباسيين في العراق والأقاليم حوله:
بالإضافة إلى المساجد والجوامع التي هي المراكز الأولى للعلم والتعليم والتربية في بلدان المسلمين جميعًا، فقد أسست في العصر العباسي مؤسسات تعليمية مختلفة زيادة على المساجد والجوامع.
١- ففي العصر العباسي أسست مدارس لتعليم الصغار القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وقد يضاف إليها تعليم شيء من قواعد اللغة العربية، وكانت تسمى هذه المدارس "كتاتيب" والواحد منها "كتاب".
ثم انتشرت هذه الكتاتيب في المدن والقرى.
وفيه اتسعت مواد التعليم في حلقات العلماء التي كانت تعقد في المساجد والجوامع.
وكان الخلفاء والأمراء والأغنياء يتخذون لأولادهم معلمين خاصين.
٢- وفيه اتسعت دوائر التعليم، حتى صارت تعقد المناظرات والمجالس العلمية في المساجد والمكتبات والقصور وبيوت العلماء والوزراء.
وفيه ظهرت حركة علمية عن طريق المراسلات بين العلماء، أسئلة وأجوبة، فإذا اشتهر عالم بعلم ما أو بعدة علوم، في بلد من بلدان المسلمين، أخذت تتوافد عليه الرسائل التي يسأله أصحابها فيها مسائل ليجيبهم عليها.
٤- وكانت العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه كعلاقة الأب بابنه، فالأستاذ معلم ومرب ومنفق، والتلميذ مطيع وخادم، وإذا أعجب الأستاذ بتلميذه وكانت لديه بنت مناسبة زوجه بنته، وهذه الظاهرة كانت منتشرة في كل بلدان العالم الإسلامي، وفي مختلف العصور.
المدارس النظامية:
٥- وفي القرن الخامس الهجري أسست المدارس النظامية العالية، التي تشبه الجامعات في عصرنا الحاضر.
стр. 545
وقد أسس هذه المدارس النظامية الوزير "أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ٤٠٨-٤٨٥هـ" الذي لقب بلقب "نظام الملك" وبلقب "قوام الدين". فقد كان وزيرًا حازمًا عالي الهمة، أصله من نواحي "طوس" وقد تأدب بالآداب العربية، وسمع الحديث النبوي الشريف بكثرة، واشتغل بالأعمال السلطانية.
اتصل بالسلطان "ألب أرسلان" فاستوزره، فأحسن التدبير، وبقي في خدمته عشر سنين، ولما توفي "ألب أرسلان" خلفه ولده "ملك شاه" فصار الأمر كله للوزير "نظام الملك" أما السلطان "ملك شاه" فليس له إلا تخت الحكم والصيد.
وقد كان "نظام الملك" من حسنات الدهر، واستمر في عمله عشرين سنة، حتى اغتاله ديملي قرمطي من أتباع "الحسن بن الصباح" أحد أخباث القرامطة الكبار وقادتهم، على مقربة من نهاوند.
وكانت أيام "نظام الملك" أيام دولة العلم والعلماء، فقد وجه عنايته الفائقة، وهمته الصادقة، للتعليم ونشر العلم على مذهب أهل السنة، وبذل غاية وسعه في تأسيس المدارس التي عرفت بالمدارس النظامية نسبة إليه.
فقام بتأسيس هذه المدارس في "أصفهان" وهي تقع في وسط إيران، وفي "نيسابور" وهي تقع في شمال شرق إيران، وفي "البصرة" وفي "بغداد" وفي أقصى الروم.
وكانت هذه المدارس تقوم بالتعليم، وبالتربية على الفضائل الإسلامية الخلقية والسلوكية، وتقدم لطلاب العلم فيها السكن الداخلي، ووسائل العيش.
ومن أشهر هذه المدارس "المدرسة النظامية ببغداد" وقد افتتحها الخليفة العباسي "القائم بأمر الله" في حفل عظيم، وقد كنت هذه المدرسة ذات أوقاف كثيرة، وكان المدرسون فيها من كبار العلماء، أمثال "أبي حامد الغزالي" وقد تخرج منها علماء فضلاء كثيرون، وقد كانت وفقًا على أصحاب المذهب الشافعي فقط.
وكان مدرسو المدارس النظامية على ثلاث طبقات:
стр. 546
الطبقة الأولى: المدرسون، وكان لكل واحد منهم نائبان، يقوم أحدهما بالتدريس، عند غياب المدرس الأصلي.
الطبقة الثانية: المعيدون، وهم الذين يعيدون الدروس التي يقررها المدرس، شيخ الحلقة الأصلي أو نائبه.
الطبقة الثالثة: الوعاظ.
وكان لكل مدرسة من المدارس النظامية دار كتب خاصة بها.
وكان المدرسون ونوابهم من كبار العلماء المشهورين. وكان المعيدون والوعاظ وخزنة دار الكتب من العلماء الأكفاء المرموقين.
فمن الذين كانوا أساتذة في المدرسة النظامية ببغداد:
- أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة "٤٩٦هـ".
- ويحيى بن علي المعروف بالخطيب التبريزي المتوفى سنة "٥٠٢هـ".
- وعلي بن محمد الطبري المتوفى سنة "٥٠٤هـ".
- وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة "٥٠٥هـ".
- ومحمد بن أحمد القفال الشاشي المتوفى سنة "٥٠٨هـ".
- وأبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي المتوفى سنة "٥٩٧هـ".
وكثيرون غيرهم.
وقد تخرج من المدرسة النظامية ببغداد مشاهير من العلماء والأدباء، فمنهم:
- أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر المتوفى سنة "٥٧١".
- وأبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري المتوفى سنة "٥٧٦هـ".
стр. 547
- وعماد الدين محمد بن محمد الأصفهاني المعروف بالعماد الكاتب المتوفى سنة "٥٩٧هـ".
وكثيرون غيرهم.
وقد كان للمدارس النظامية أثر عظيم في انتشار العلم وكثرة العلماء في العالم الإسلامي.
المدرسة المستنصرية ببغداد:
٦- وفي سنة "٦٢٥هـ" شرع الخليفة المستنصر بالله العباسي في تأسيس مدرسة عظيمة ببغداد، في محلة سوق الثلاثاء، وتم بناؤها في شهر جمادى الآخرة، سنة "٦٣١هـ" وفتحت يوم الخميس ٢٠ من شهر رجب سنة "٦٣١هـ" وأطلق عليها اسم "المدرسة المستنصرية" نسبة إلى مؤسسها.
وكانت هذه المدرسة أكبر وأحدث من المدرسة النظامية ببغداد، وقد جعلها "المستنصر بالله العباسي" وقفًا على أصحاب المذاهب السنية الأربعة، فاستطاع بذلك الالتحاق بها الأحناف والملكية والشافعية والحنابلة.
وقد تكونت "المدرسة المستنصرية" ببغداد من عدة أقسام، وكان كل قسم منها يشبه كلية في مصطلحاتنا المعاصرة، وله بناء خاص به، وقد اشتملت هذه المدرسة على الأقسام التالية:
- قسم للعربية.
- وقسم للرياضيات والعلوم الأخرى المشابهة.
- وقسم للطب والعلوم الطبيعية.
- وقسم للفقه وأصوله.
- ودار للقرآن الكريم وعلومه.
- ودار للحديث النبوي الشريف وعلومه.
стр. 548
وقد احتل قسم الفقه الاهتمام الأعظم من بين سائر الأقسام، بسبب كثرة أساتذته وطلابه، ومناظرات فقهاء المذاهب الأربعة فيها:
وقد جعل هذا القسم أربعة أرباع:
- ربع للشافعية.
- وربع للحنفية.
- وربع للمالكية.
- وربع للحنابلة.
وكل ربع من هذه الأرباع يتكون من طابقين، وفي الطابق الثاني منه رواق، وكان من كل ربع حجرات عديدة للطلاب، وفوقها غرف بعددها وسعتها، وهي تبلغ العشرين في كل قسم من هذه الأقسام.
وكان في "المدرسة المستنصرية" أواوين يبلغ ارتفاع كل إيوان منها ارتفاع الطابقين معًا.
وكان يتولى إدارة "المدرسة المستنصرية" ناظر يختار من بين كبار موظفي الدولة، الذين اشتهروا بحسن الإرادة والرياسة والقضاء وولاية الأعمال، وكانت لبعضهم مكانة علمية بين العلماء.
وقد يسمى هذا الناظر واليًا، ومعه مشرف، وكاتب، وخازن، ومعهم موظفون آخرون، معماريون، وفراشون، وبوابون، وحمامي، ومزين "حلاق" وقيم، وطباخ، وغلام، وخازن الآلات، وخزنة للديوان، وغلمان، ومزملاتي١، ونفاط.
وكان يُراعى في اختيار المدرس شروط كثيرة، منها التقوى، وحسن الخلق، والسمعة الحسنة، والعلم الوافر، وسلامة المذهب والاعتقاد.
стр. 549
أما المعيد فهو دون المدرس، وأرقى درجة من عامة الطلبة، وهو الذي يعيد الدرس بعد إلقاء المدرس الأصلي أو نائبه الدرس على الطلبة.
والطالب النبيه المجد الذي يجد فيه الأستاذ كفاءة وصلاحية لوظيفة المعيدية يعينه أو يرشحه ليكون معيدًا، ثم قد يُرقى المعيد فيكون مدرسًا.
وكان المدرس يجلس على كرسي عند التدريس، ويلبس ثياب السواد، وعلى رأسه عمامة، وعلى يمينه ويساره معيدان.
وكان مدرسو "المدرسة المستنصرية" يختارون من كبار المدرسين والشيوخ العلماء، في العراق والشام ومصر وغيرها من بلدان المسلمين، ممن انتهت إليهم رياسة العلم، أو عرفوا بالبحث والتحري عن الحقائق العلمية، أو كانت لهم مؤلفات قيمات.
الإنفاق:
أما الإنفاق على الطلبة فقد كان لكل طالب ما يكفيه يوميًّا من خبز، وإدام يطبخ في مطبخ المدرسة، غير الحلوى، والفاكهة، والصابون، والزيت، وكان لكل طالب ديناران شهريًا، لينفق منها في حاجاته الخاصة.
وكان الطلاب يسكنون في غرف خاصة تابعة للمدرسة ذات ضوء كاف، ومفروشة بكل ما يحتاجه الطالب لإقاماته، ومزودة بما يحتاجه لمنامه، وفي المدرسة المرافق العامة، لقضاء الحاجات، والطهارة، والاغتسال.
قبول راغبي الدراسة فيها:
وكانت "المدرسة المستنصرية" تستقبل الطلاب الوافدين من كل بلدان العالم الإسلامي، ضمن حدود استيعابها، وكان يختار للقبول فيها الأفضل فالأفضل.
стр. 550
أقسام العلوم التي كانت تدرس فيها:
أما أقسام العلوم التي كانت تدرس فيها فهي:
١- العلوم الدينية، وهي تشمل "علم التوحيد، والتفسير، والحديث، والفقه، والفرائض، وما يتعلق بها كمصطلح الحديث، وأصول الفقه، والحساب للفرائض".
٢- العلوم الأدبية والعربية، وهي تشمل "اللغة، والنحو، والصرف، والعروض، والأخبار والنصوص الأدبية".
٣- العلوم الرياضية، وهي تشمل "الحساب، والجبر، والهندسة، والمساحة".
٤- العلوم العقلية، وهي تشمل "المنطق، والفلسفة، ونحوهما".
٥- العلوم الطبيعية، وهي تشمل "الطب، والصيدلة، وعلم الحيوان".
وقد استمر التدريس بالمدرسة "المستنصرية" أربعة قرون، منذ افتتاحها سنة "٦٣١هـ" حتى سنة "١٠٣٠هـ" وهي السنة التي قتل فيها "غانم البغدادي" آخر مدرس من مدرسيها.
стр. 551
٤- العلم والتعليم والتربية في مصر:
١- اقترن بالفتح الإسلامي لمصر، عناية المسلمين الفاتحين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية الخلقية والسلوكية.
٢- فكان التعليم المقرون بالتربية، يتبع في أول الأمر نظام الحلقات في أي موقع تتاح فيه الفرصة لهما.
وكان جامع "عمرو بن العاص" ﵁ هو المركز الأكبر، والمكان الأهم لعقد حلقات التعليم، وإلقاء دروس العلم والموعظة، وقد اتخذه الصحابة والتابعون مركزًا أوليًّا لعقد حلقاتهم.
ونشطت الحركة العلمية والتعليمية في "جامع عمرو بن العاص" في مصر، وأخذت تنمو وتتسع، حتى صار منارة يؤمها الكثيرون من العلماء الأعلام الذين خلفوا ثروات جليلات، من التصانيف والمؤلفات النافعات.
وقد تخرج في حلقات "جامع عمرو بن العاص" عدد كبير من الفقهاء والمحدثين، واستمر كذلك حتى أوائل القرن الرابع الهجري.
٣- وكانت تقام أيضًا في مصر حلقات علمية خاصة، في منازل أكابر العلماء والفقهاء؛ إذ كانوا يلتقون فيها بطلاب العلم الإسلامي، والمعرفة الدينية، وراغبي التأدب بآداب الإسلام والتحلي بفضائله.
واشتهر من هذه الحلقات حلقة "عبد الله بن الحكم" الفقيه المالكي الذي كان يعقدها في بيته، ثم حلقات ولديه "عبد الرحمن" و"محمد". وكانت حلقاتهم مكان التقاء أكابر العلماء والأدباء المعاصرين لهم، الذين يفدون إلى مصر من مختلف الأقطار.
وحين قدم الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى مصر، وجد من أسرة "عبد الله بن الحكم" عناية ورعاية وإكرامًا.
ولما عقد "الإمام الشافعي" حلقته في جامع "عمرو بن العاص" كانت هذه الأسرة أول من شجعه وحضر درسه.
٤- ثم انتشرت حلقات العلم والتعليم والترتبية والموعظة في كثير من الجوامع الشهيرة في مصر، مثل "جامع أحمد بن طولون".
٥- ثم صارت مجالس العلم والتدريس والحلقات الأدبية الخاصة من تقاليد علية المسلمين وأكابرهم، ومن عناصر الحياة الرفيعة في مصر، بفضل الأمير "محمد بن طغج الإخشيدي" وولده "آنوجور" ووزيره الخصي "كافور" وكثير من أمراء الدولة الإخشيدية.
٦- وظل نظام الحلقات هو النظام المتبع للدراسة العالية الممتازة، وكان هذا النظام هو أساس الحياة العلمية والفكرية في مصر.
стр. 552
عهد العبيديين "الفاطميين":
٧- وفي أواسط القرن الرابع الهجري دخل العبيديون الذين سموا أنفسهم "فاطميين" قادمين من المغرب، فحكموا مصر.
وتم للقائد الفاطمي "جوهر بن عبد الله" الصقلي فتح مصر وكانت قاعدتها "الفسطاط"١، فأراد أن يؤسس مدينة أخرى تقع إلى شمالها، وشرع بتأسيسها، وسماها "المنصورية" ثم انضمت المدن المتجاورة التي أسست في هذا الموقع وغلب عليها اسم "القاهرة" المعروفة الآن.
- وحين شرع "جوهر الصقلي" ببناء المنصورية ابتدأ العمل ببناء جامع المدينة الجديدة، وهو المعروف الآن بـ"الجامع الأزهر". وتم بناء الأزهر وما حوله من قصور الخلافة وبيوت أكابر رجاله الدولة في نحو ثلاثين شهرًا.
- وأراد الفاطميون أن يجعلوا الأزهر مركزًا لنشر مذهبهم الذين ينتمون فيه إلى الشيعة، وأول من ألقى الدروس فيه منهم "أبو الحسن علي بن النعمان بن محمد بن حيون".
- ثم اختارت الدولة الفاطمية خمسة وثلاثين عالمًا منهم وجعلتهم مدرسين في الأزهر، وأنشأت لهم مساكن حول الجامع الأزهر، وكان لهؤلاء العلماء صلة من مال الوزير في كل سنة، وكان يخلع عليهم في عيد الفطر خلعات كسوة تكريمية.
- وجدد الحاكم بأمر الله الفاطمي الأزهر، وأوقف له الأوقاف للإنفاق عليه وعلى طلابه وأساتذته من ربعها.
- ثم اعتنى الفاطميون من بعده بالأزهر اعتناء عظيمًا؛ رغبة منهم في جعله
стр. 553
ذا شأن عظيم يجتذب طلاب العلم الذين يغرسون فيهم مذهبهم، من جميع بلدان المسلمين؛ إذ يجدون فيه المأكل والمشرب والمسكن والملبس مجانًا.
عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي:
٨- وفي القرن السادس الهجري سنة "٥٦٧هـ" قضى السلطان "صلاح الدين الأيوبي" على الدولة الفاطمية، وعلى مذهبها وتقاليدها؛ إذ كان صلاح الدين سُني الاعتقاد شافعي المذهب، واعتمد التدريس في الأزهر على العقيدة السنية، وعلى المذاهب السنية الأربعة: "المذهب الشافعي" والمذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الحنبلي".
وكان نظام التدريس في الأزهر يعتمد على الحلقات، فلكل شيخ في علم من العلوم حلقة يجتمع فيها طلاب هذا العلم، وفق المستوى الذي يدرسه، ويستمر شيخ الحلقة يدرس هذا العلم حتى نهايته، بتقرير كتاب معين، أو بإملاء أمالي تناسب مستوى الطلبة.
٩- وقد يكتب الشيخ للطالب الذي رآه قد استوعب ما تلقاه من العلم فهمًا وحفظًا "إجازة" بذلك العلم، ضمن حدود الكتاب الذي تلقاه عن الشيخ، أو ضمن حدود الأمالي التي أملاها.
وبهذه "الإجازة" يكون الطالب أهلًا لتدريس العلم الذي تلقاه عن شيخه.
أما الإجازة العامة فقد كان يعقد في إيوان الأزهر للمرشح لها من الذين تلقوا مختلف العلوم التي كانت تدرس في حلقات الأزهر، مجلس من كبار شيوخ الأزهر وعلمائه، ويحضره من الطلبة من شاء، ويمتحن الطالب المرشح امتحانًا شفهيًّا من قبل مجلس كبار الشيوخ أساطين العلم في الأزهر، وقد توجه له الأسئلة من كبار الطلبة ومتقدميهم، ويستمر مجلس الامتحان ساعات طويلات منهكات، ومن المعتاد أن لا يجتاز هذا الامتحان بنجاح إلا عالم متمكن من كل العلوم التي كانت تقرر في الأزهر، ومستحضر لمعظم مسائلها، وقادر على حل معضلات المسائل.
стр. 554
١٠- وكان طلاب "الأزهر" يسمون المجاورين؛ لأن أكثرهم وافدون من الأقاليم المصرية، أو من بلدان العالم الإسلامي.
ويتصل بالأزهر أروقة لسكنى الطلبة الوافدين، وكان لكل جهة من جهات العالم الإسلامي، أو إقليم من أقاليمه رواق، فلأهل الحرمين الشريفين رواق، وللشاميين رواق، وللمغاربة رواق، وللأتراك رواق، وهكذا.
وألحق بالأزهر عدة مدارس في عهود متعددة، وبنيت لها مبانٍ خاصة بها.
واستمر الأزهر أكبر جامعة إسلامية تبث ضياء العلم ونوره، ما بين قوة وضعف، وما زال جامعة إسلامية كبيرة مرموقة، مع ما استحدث من جامعات إسلامية أو كليات إسلامية في مختلف بلدان العالم الإسلامي.
١١- وقد تعرض "الأزهر" لمكايد كثيرة من قبل أعداء الإسلام استعماريين وغير استعماريين؛ بغية إلغائه أو تحويله عن أهدافه، أو إضعاف شأنه، إلا أن الله حفظ له هيكله العام، وأبقى له مكانته وتأثيراته.
١٢- وللأزهر إدارة يرأسها شيخ الأزهر، ولقبه المشهور "الأستاذ الأكبر".
وللأزهر أوقاف كثيرة، وكان لشيخ الأزهر في مصر المكانة الاجتماعية الأولى بعد رئيس الدولة.
١٣- وفي القرن الرابع عشر الهجري "العشرين الميلادي" تعرض الأزهر للتطوير، فصار جامعة ذات كليات ثلاث منفصلات، وهي: "كلية الشريعة" و"كلية أصول الدين" و"كلية اللغة العربية".
ودونها معاهد موزعة على المراكز المهمة في المحافظات المصرية، تبدأ من المرحلة الابتدائية، حتى نهاية المرحلة الثانوية.
١٤- وكان من شروط الالتحاق بالأزهر منذ المرحلة الابتدائية أن يكون الطالب قد أتم حفظ القرآن في الكتاتيب أو في غيرها.
стр. 555
١٥- ثم تعرض "الأزهر" لتطوير آخر في عهد الرئيس "جمال عبد الناصر" الذي وصل إلى رئيس جمهورية بانقلاب عسكري على الملك "فاروق" فأحدثت في "الأزهر" كليات علمية مختلفة على غرار الجامعات المدنية؛ بغية تحويل المقدار الأكبر من خريجي المعاهدة الأزهرية، عن دراسة علوم الدين وما يتصل بها، إلى دراسة العلوم الأخرى التي لها كليات في الجامعات المدنية.
١٦- ولقد مرت حقبة طويلة من الزمن كان الأزهر فيها هو المنبع الضوئي المنير في العالم الإسلامي، وهو المورد الذي يفد إليه طلاب العلوم الإسلامية واللغة العربية من كل المسلمين من الأرض، وهو القاعدة التي كان يتخرج منها العلماء بالعلوم الإسلامية والعربية، وينتشرون في أرجاء العالم دعاة فقهاء، وهداة معلمين.
وكان ينظر في بلدان العالم الإسلامي إلى من يأتي متخرجًا من الأزهر باحترام وإكبار وتقديم وتكريم.
وبالأزهر كان لمصر مكانتها العظيمة، في أقطار الأرض جميعًا، لتعلق قلوب المسلمين ولا سيما العلماء وطلاب العلوم الإسلامية بأزهرها، الذي استمر يخرج علماء الشريعة الإسلامية، ويخرج الفقهاء، والمتمكنين من اللغة العربية.
стр. 556
٥- العلم والتعليم والتربية في أقاليم المغرب من بلدان العالم الإسلامي:
مع بدء الفتح:
١- اقترن بالفتح الإسلامي لبلاد المغرب نشر تعليم القرآن الكريم فيها، وتعليم اللغة العربية التي هي لغة القرآن.
وكان جيش الفتح يستصحب معه الخطباء والشعراء والمعلمين، الذين كانوا يعلمون في كل موقع يتهيأ لهم أن يعلموا فيه، ولو في الخيام، وكانت قصور الأمراء، ودور الأغنياء من المراكز المهمة للعلم والتعليم.
٢- ثم بنى المسلمون "جامع الأنصار" في أول موقع جعلوا فيه معسكرهم
стр. 557
في المغرب، وكان ذلك في سنة "٣١هـ" وكان هذا الجامع للصلاة والتعليم معًا، فكان أول مدرسة للتعليم في بلاد المغرب.
٣- ثم أسس "عقبة بن نافع" في سنة "٥١هـ" قيروان١ أفريقية، وهو المعسكر الأمامي الرئيسي، وبنى فيه جامعه الكبير، وجعله ثكنة عسكرية، وجامعًا للصلاة، ومدرسة للتعليم.
واستمر هذا المركز التعليمي يؤدي وظيفته في ديار المغرب والأندلس منذ تأسيسه حتى سنة "٥٥٥هـ" إذ انتقل التعليم الرسمي إلى "جامع الزيتونة" بعاصمة تونس.
٤- وتوالى بناء المساجد التي هي مساجد ومدارس معًا في كل بلاد المغرب.
٥- وصار "جامع تلمسان" الذي بناه "موسى بن نصير" على الحدود بين المغرب الأوسط والمغرب الأقصى يضاهي بحركته العلمية والتعليمية "جامع القيروان".
٦- ثم ظهرت مرحلة تعليمية ذات ثلاثة خصائص:
الأولى: ظهور المساجد التي اهتمت دولة المسلمين بتأسيسها في بلاد البربر، وضمن قبائلهم، وكانت هذه المساجد مدارس لتعليم القرآن والدين واللغة العربية.
الثانية: قدوم بعثة تعليمية أرسلها الأمويون لغاية تعليم البربر الإسلام واللغة العربية.
الثالثة: ظهور وفرة من المساجد الخاصة التي كان الموسرون من المسلمين يتبرعون ببنائها للصلاة ولنشر التعليم الديني، ولتعليم اللغة العربية، وكان المدرسون يعلمون فيها احتسابًا عند الله وابتغاء مرضاته، وقد انتشرت هذه المساجد الخاصة في كل مدن وقرى المغرب، وإليها يرجع الفضل في تعليم
стр. 558
الإسلام، وتحفيظ القرآن وتعليم اللغة العربية، لعموم الطبقات الشعبية الساكنة في السهول والجبال.
٧- وبعد سقوط الدولة الأموية بالمشرق، وظهور الدولة العباسية، وانتقال الحكومة المركزية من دمشق إلى بغداد، أقبل الولاة في المغرب على تأسيس معاهد العلم، وجلب المشتهرين باللغة والنحو والأدب والفقه وغيرها من العلوم من المشرق، وسعوا سعيًا حثيثًا لإنشاء جهازهم العلمي المستقل عن أجهزة التعليم في المشرق.
وبالتدريج صارت القيروان كعبة العلم بالمغرب، وصار "جامع عقبة بن نافع" هو الجامعة الكبرى في بلاد المغرب.
٨- واقترنت بالنهضة التعليمية الواسعة في المغرب حرية فكرية أدت إلى إنشاء مساجد خاصة بالخوارج الصفرية١، وغيرهم من الفرق، وكانت بمثابة مدارس لمذاهبهم.
٩- وأراد الوالي "هرثمة بن أعين تدارك الأمر خشية استفحال الخلاف في المغرب، فأسس في سنة "١٨٠هـ" رباطين:
- رباط "طرابلس" وبنى سورها مما يلي البحر.
- رباط "المنستير"٢ وبنى فيها القصر الكبير.
وجعل "هرثمة بن أعين" الرباط يقوم بوظيفتين: وظيفة مراقبة وحراسة الساحل، عند الثغر البحري؛ خوفًا من غدر الأعداء ومباغتتهم، ووظيفة العلم والتعليم.
ثم انتشرت فكرة الأربطة في مواقع كثيرة.
الرباط: ثكنة عسكرية تتألف من صحن تحيط به عشرات الغرف، لإقامة
стр. 559
المرابطين للدفاع الحربي. وتتألف أيضًا من طبقات عليا تعلو جوانبه، وينتهي بجامع كبير وصومعة مستديرة للأذان.
وهو أيضًا بمثابة مستشفى للمرضى الذين يعالجهم المرابطون والمرابطات، وقد ينزل فيه المسافرون.
وهو أيضًا بمثابة مدرسة، يقيم فيه المرابطون المعلمون احتسابًا، وابتغاء لمرضاة الله.
وهو أيضًا دار لاستنساخ المصاحف، ومجامع الحديث، وكتب الفقه، وكان بعض المؤلفين يحسبون تصانيفهم بخطوط أيديهم وقفًا على الأربطة، لتكون النسخة الأم التي يرجع إلى نصها الصحيح، وتقابل عليها النصوص المستنسخة.
وكان بعض المرابطين يتولون نسخها وتوزيعها على طلبة العلم لوجه الله تعالى، واحتسابًا للثواب عنده.
وكان يعلم بالرباط تفسير القرآن، والحديث الشريف وشرحه، وكتب الفقه، وشعر المواعظ والرقائق.
وكان من أشهر مدرسي "رباط المنستير" الفقيه الجليل صاحب المدونة "سحنون بن سعيد التنوخي" الذي كان يقرئ الفقه في رمضان من كل سنة.
وكان منهم أيضًا "أحمد بن الجزار القيرواني" الذي كان يقرئ الطب، ويعالج المرضى في أشهر معلومة من السنة.
الرحلات في طلب العلم:
١٠- ومنذ بدء القرن الثالث الهجري ظهرت في بلاد المغرب ظاهرة الرحلات في طلب العلم.
فكان عشاق العلم يرحلون لطلبه من الأندلس وبلدان المغرب إلى القيروان، التي كانت تعج بالعلماء من مختلف الاختصاصات العلمية المعروفة في زمانهم.
стр. 560
ويرحلون من القيروان إلى مصر والمدينة المنورة ودمشق وبغداد.
فكان طالب العلم إذا اجتاز المراحل التعليمية الموجودة في القيروان شد الرحال إلى المشرق، ليؤدي مناسك الحج في مكة، ويزور مسجد الرسول ﷺ ، وليطلب العلم عند أهله. وكان ينتقل من مدينة تقصد لمن فيها من العلماء إلى مدينة أخرى متأنيًا في أسفاره بغية الاستزادة من العلم، وكلما سمع بأستاذ مشهور بعلم من العلوم، زاره وحضر حلقته، وأخذ عنه علمًا، وقد يطلب منه إجازة بما تلقاه عنه.
نظرات فيها شيء من التفصيل عن الحركة العلمية في عموم المغرب:
أولًا: في تونس
١- منذ القرن الأول الهجري كانت "تونس" من المراكز المهمة في بلدان العالم الإسلامي للعلم والتعليم، وكانت مدينة "القيروان" التي أسسها "عقبة بن نافع" في تونس، وجامعه الكبير فيها منتجعًا لطلاب العلم، ومحط أنظار العلماء والأدباء والشعراء.
وكان طلاب العلم من أهل الأندلس يفدون إليه لينهلوا من مناهل العلم فيه.
وتكاثرت الرحلات العلمية من الأندلس إلى تونس في عهد الحفصيين، وكانت كلما سقطت مدينة من مدائن المسلمين في الأندلس بيد الإسبان هاجر أهلها المسلمون إلى تونس، حتى صار البلاط الحفصي بلاطًا أندلسيًّا بطرق معاشه، وموظفيه وجنده وضباطه وشعرائه، وصار معظم القائمين بالتعليم في "القيروان" من أهل الأندلس المهاجرين.
١٢- ثم انتقل التعليم العالي في تونس من جامع القيروان بمدينة "القيروان" إلى "جامع الزيتونة" بتونس، وأعيد نظامه، واتجهت الأنظار لجلب الشيوخ والأساتذة والمعلمين من ليبيا أو الأندلس إليه.
стр. 561
وكانت المواد الدراسية تشتمل على "علوم الدين الإسلامي، وعلوم اللغة العربية، والعلوم الأخرى، كالرياضيات، والطب والهندسة، والفلسفة.
١٣- وانتشر في تونس التعليم العام بالكتاتيب التي أنشئت بوفرة، في المدن والقرى، وكان من الكتاتيب ما هو خاص بالذكور، ومنها ما هو خاص بالإناث.
وكان منهاج التعليم في الكتاتيب دينيًّا وأدبيًّا وفنيًّا.
والتعلم الفني يتعلم فيه الطالب تحسين الخط، والزخرفة بالألوان والأشكال الخطية والهندسية والنباتية.
وكان الطالب يعمل أيضًا في بستان الكُتَّاب، ليتعلم البستنة تحت إشراف بستاني يجيد هذه الصنعة.
١٤- وكانت توجد بالإضافة إلى الكتاتيب مراكز أخرى للتعليم تُسمى الزوايا، وهي مدارس داخلية مجهزة بما يحتاج الطلبة فيها.
١٥- وحين سقطت دولة "الحفصيين" بدأ الضعف في "جامع الزيتونة".
ثم استرد عافيته بعد زمن لم يطل كثيرًا.
١٦- وخلف الحفصيين "المراديون" فاعتنوا بإنشاء الجوامع على غرار "الجامع الزيتونة" وكانت هذه الجوامع بمثابة جامعات بحسب مصطلحاتنا المعاصرة.
١٧- تم تلاشى حكم المراديين، وجاء الحكم "الحسيني" الذي استمر من سنة "١١١٧هـ" إلى سنة "١٢٣٠هـ" فوجه أول حاكم حسيني، وهو "حسين بن علي التركي" همته لإصلاح التعليم. ونهض التعليم في عهد الحسينيين نهضة حسنة.
ثانيًا: في ليبيا
الحديث عن التربية والتعليم في ليبيا مشابه للحديث عنهما في تونس.
стр. 562
١٨- فالتعليم العالي قد كان بجامع فاتح ليبيا "عمرو بن العاص" المعروف باسم "جامع الناقة" في "طرابلس الغرب".
١٩- ثم بنى الحكام الأغالبة في القرن الثالث الهجري الجامع الكبير في المكان الذي يوجد فيه الآن جامع "أحمد القارامللي" وصار هذا الجامع فرعًا مهمًّا للجامع الأعظم بالقيروان، عدا الإرساليات العلمية المتوالية إلى القيروان.
٢٠- وفي العهد التركي بنى "أحمد باشا القرامللي" جامعه الكبير على أنقاض الجامع الأغلبي، وأضاف إليه مدرسة.
ثم أضيفت أيضًا مدارس إلى "جامع القرجي" و"جامع شايب العين" و"جامع درغوث باشا" و"جامع مراد باشا" بتاجورة قرب "طرابلس" وكانت هذه المدارس مدارس داخلية، فيها العلم وفيها الإقامة وفيها حاجات العيش، وبذلك ازدهر العلم.
وهذه الجوامع تمثل التعليم العالي، كالجامعات في مصطلح عصرنا الحاضر.
٢١- أما مراكز التعليم الأخرى التي كانت منتشرة في البلاد، فقد كانت كالتالي:
- الرباطات: ومن أشهرها رباط "قصر طرابلس" الذي أسسه الوالي "هرثمة بن أعين" سنة "١٧١هـ".
- المدارس: وهي تمثل المرحلة الثانوية في مصطلحاتنا المعاصرة.
- الزوايا: وهي نظير الزوايا التي كانت منتشرة في سائر بلدان المغرب، وهي تمثل المرحلة الإعدادية.
- الكتاتيب: وهي نظير الكتاتيب المماثلة في سائر بلدان المغرب، وهي تمثل المرحلة الابتدائية.
стр. 563
٢٢- ولم تكن "طرابلس الغرب" هي العاصمة الثقافية الوحيدة، فقد كانت "مصراته" و"أجدابية" وغيرها مراكز إشعاع علمي في ليبيا.
٢٣- وقد رصد المسلمون أوقافًا كثيرة جدًّا للعلم والتعليم في الجوامع، والمدارس، والزوايا، والكتاتيب، بغية تأمين عيش الطالب من كل جوانب حياته.
وفي هذا اهتمام عظيم من المسلمين بالعلم والتعليم ونشر الفكر الإسلامي وثقافته في كل موقع من الأرض فيه مجتمع بشري.
ثالثًا: في الجزائر
اهتمام المسلمين حكامًا وشعبًا بالعلم والتعليم ونشر الإسلام، قد كان متشابهًا في جميع بلدانهم، وعصورهم التي كان فيها الحكم للمسلمين.
٢٤- وقد كان التعليم في الجزائر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التعليم الابتدائي.
القسم الثاني: التعليم الثانوي.
القسم الثالث: التعليم العالي.
وكانت مراكز التعليم تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مراكز التعليم البدوية، والتعليم فيها يكون في خيمة تعد للمؤدب، وفيها يعلم الأحداث.
القسم الثاني: مراكز التعليم الحضرية، ويسمى معهد التعليم الابتدائي عند الحضر "مسيدًا" أو "مكتبًا" ولفظ "مسيد" تحريف لكلمة "مسجد".
ولم يرتق التعليم في الجزائر إلى مستوى التعليم في سائر بلدان المغرب إلا متأخرًا.
стр. 564
رابعًا: في الأندلس
٢٥- في أواسط القرن الثاني للهجرة تأسست في الأندلس خلافة أموية جديدة، فاهتمت بالعلم اهتمامًا بالغًا.
وبعناية هذه الخلافة صار معهد طليطلة أكبر معهد يتعلم به المسلمون وغير المسلمين ما وصل إليه المسلمون من علوم مختلفة في ذلك العصر.
وكان الغربيون يترجمون من الكتب المكتوبة باللسان العربي ما يرغبون في ترجمته إلى اللاتينية، وكان هذا هو العامل الأساسي في ظهور النهضة العلمية والأدبية والفنية وغيرها في أوروبة.
وبعناية هذه الخلافة الأموية الإسلامية صار "جامع قرطبة" وما ألحق به من مكتبة ومعهد يضاهي "القيروان" في تونس، والفسطاط في مصر، ودمشق وبغداد وغيرها من مراكز العلم في بلدان المسلمين وعواصمهم.
عهد دولة الأدارسة في المغرب الأقصى:
٢٦- وفي هذه الحقبة من الزمن أسس الأدارسة دولة استقلوا بها في المغرب الأقصى، وجعلوا مدينة "فاس" عاصمة لهم.
وفي عدوة القرويين من نهر فاس بنت "فاطمة أم البنين القيروانية" جامع القرويين.
ولم يلبث أن صار "جامع القرويين" هذه جامعة تدرس مختلف العلوم، ومنها الطب والهندسة والفلك والميقات.
ونقل الفقيه المالكي "إسماعيل بن دراس" إلى جامع القرويين الفقه المالكي.
ثم استقل "جامع القرويين" بعلومه عن "جامع القيروان" بعد أن كان بمثابة فرع من فروعه، وبلغ أوج رقيه العلمي في عهد "المرينيين".
عهد الدولة الأغلبية:
٢٧- وفي هذه الحقبة من الزمن أيضًا أسس "إبراهيم بن الأغلب" الدولة الأغلبية في القيروان وأفريقية.
стр. 565
وبعناية الأغالبة صار "جامع القيروان" كعبة العلم بالديار المغربية، والأندلسية، وصقلية، وسردانية، ومالطة، وقوصرة
العهد الفاطمي:
٢٨- نشر العبيديون الذين سموا أنفسهم "فاطميين" دعوتهم في المغرب قبل أن يؤسسوا دولتهم، ثم تغلبوا على الأغالبة بتونس، وعلى الرستميين بالجزائر، وعلى الأدارسة بالمغرب الأقصى، وأقاموا دولتهم.
وأكثروا من فتح المدارس التي رتبوا فيها الدعوة لمذهبهم الباطني ترتيبًا منسقًا، وجعلوا على رأسها "النعسان المغربي" الذي كان على مذهبهم.
وفي هذا العهد نشط اتباع المذهب المالكي في عقد حلقات الدروس بالجوامع والمساجد والأربعة، للوقوف في وجه تيار الفكر الفاطمي الباطني.
وفي هذا العهد زادت حركة البربر في إحياء جوامع الإباضية بالجبال والصحاري.
وفيه ضاعف أهل صقلية جهودهم في تدعيم ونشر المذهب الحنفي وتكثير أتباعه.
ثم انتقل الفاطميون إلى مصر، وحلت محلهم في المغرب دول ذوات أعراق بربرية، مع نزعة غربية.
ولم يظفر الفاطميون بنشر مذهبهم الباطني في بلاد المغرب.
عهد دولة المرابطين:
٢٩- قامت دولة المرابطين بعد انتقال الفاطميين إلى مصر، فاهتم المرابطيون بالتعليم القائم على الدعاية إلى الإسلام، ونشره بصورة مبسطة، ولا تعقيد فيها ولا فلسفة، وعلى مقاومة البدع، وتنقية العقيدة مما دخل عليها من شوائب.
ورأت دولة المرابطين أن جامعة القرويين مائلة إلى الانحطاط، فأسسوا جامعة جديدة في مراكش.