← Общие книги

Общие книги · id 9989

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (643 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وكانت المواد الدراسية تشتمل على "علوم الدين الإسلامي، وعلوم اللغة العربية، والعلوم الأخرى، كالرياضيات، والطب والهندسة، والفلسفة. ١٣- وانتشر في تونس التعليم العام بالكتاتيب التي أنشئت بوفرة، في المدن والقرى، وكان من الكتاتيب ما هو خاص بالذكور، ومنها ما هو خاص بالإناث. وكان منهاج التعليم في الكتاتيب دينيًّا وأدبيًّا وفنيًّا. والتعلم الفني يتعلم فيه الطالب تحسين الخط، والزخرفة بالألوان والأشكال الخطية والهندسية والنباتية. وكان الطالب يعمل أيضًا في بستان الكُتَّاب، ليتعلم البستنة تحت إشراف بستاني يجيد هذه الصنعة. ١٤- وكانت توجد بالإضافة إلى الكتاتيب مراكز أخرى للتعليم تُسمى الزوايا، وهي مدارس داخلية مجهزة بما يحتاج الطلبة فيها. ١٥- وحين سقطت دولة "الحفصيين" بدأ الضعف في "جامع الزيتونة". ثم استرد عافيته بعد زمن لم يطل كثيرًا. ١٦- وخلف الحفصيين "المراديون" فاعتنوا بإنشاء الجوامع على غرار "الجامع الزيتونة" وكانت هذه الجوامع بمثابة جامعات بحسب مصطلحاتنا المعاصرة. ١٧- تم تلاشى حكم المراديين، وجاء الحكم "الحسيني" الذي استمر من سنة "١١١٧هـ" إلى سنة "١٢٣٠هـ" فوجه أول حاكم حسيني، وهو "حسين بن علي التركي" همته لإصلاح التعليم. ونهض التعليم في عهد الحسينيين نهضة حسنة. ثانيًا: في ليبيا الحديث عن التربية والتعليم في ليبيا مشابه للحديث عنهما في تونس.

стр. 562

١٨- فالتعليم العالي قد كان بجامع فاتح ليبيا "عمرو بن العاص" المعروف باسم "جامع الناقة" في "طرابلس الغرب". ١٩- ثم بنى الحكام الأغالبة في القرن الثالث الهجري الجامع الكبير في المكان الذي يوجد فيه الآن جامع "أحمد القارامللي" وصار هذا الجامع فرعًا مهمًّا للجامع الأعظم بالقيروان، عدا الإرساليات العلمية المتوالية إلى القيروان. ٢٠- وفي العهد التركي بنى "أحمد باشا القرامللي" جامعه الكبير على أنقاض الجامع الأغلبي، وأضاف إليه مدرسة. ثم أضيفت أيضًا مدارس إلى "جامع القرجي" و"جامع شايب العين" و"جامع درغوث باشا" و"جامع مراد باشا" بتاجورة قرب "طرابلس" وكانت هذه المدارس مدارس داخلية، فيها العلم وفيها الإقامة وفيها حاجات العيش، وبذلك ازدهر العلم. وهذه الجوامع تمثل التعليم العالي، كالجامعات في مصطلح عصرنا الحاضر. ٢١- أما مراكز التعليم الأخرى التي كانت منتشرة في البلاد، فقد كانت كالتالي: - الرباطات: ومن أشهرها رباط "قصر طرابلس" الذي أسسه الوالي "هرثمة بن أعين" سنة "١٧١هـ". - المدارس: وهي تمثل المرحلة الثانوية في مصطلحاتنا المعاصرة. - الزوايا: وهي نظير الزوايا التي كانت منتشرة في سائر بلدان المغرب، وهي تمثل المرحلة الإعدادية. - الكتاتيب: وهي نظير الكتاتيب المماثلة في سائر بلدان المغرب، وهي تمثل المرحلة الابتدائية.

стр. 563

٢٢- ولم تكن "طرابلس الغرب" هي العاصمة الثقافية الوحيدة، فقد كانت "مصراته" و"أجدابية" وغيرها مراكز إشعاع علمي في ليبيا. ٢٣- وقد رصد المسلمون أوقافًا كثيرة جدًّا للعلم والتعليم في الجوامع، والمدارس، والزوايا، والكتاتيب، بغية تأمين عيش الطالب من كل جوانب حياته. وفي هذا اهتمام عظيم من المسلمين بالعلم والتعليم ونشر الفكر الإسلامي وثقافته في كل موقع من الأرض فيه مجتمع بشري. ثالثًا: في الجزائر اهتمام المسلمين حكامًا وشعبًا بالعلم والتعليم ونشر الإسلام، قد كان متشابهًا في جميع بلدانهم، وعصورهم التي كان فيها الحكم للمسلمين. ٢٤- وقد كان التعليم في الجزائر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: التعليم الابتدائي. القسم الثاني: التعليم الثانوي. القسم الثالث: التعليم العالي. وكانت مراكز التعليم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: مراكز التعليم البدوية، والتعليم فيها يكون في خيمة تعد للمؤدب، وفيها يعلم الأحداث. القسم الثاني: مراكز التعليم الحضرية، ويسمى معهد التعليم الابتدائي عند الحضر "مسيدًا" أو "مكتبًا" ولفظ "مسيد" تحريف لكلمة "مسجد". ولم يرتق التعليم في الجزائر إلى مستوى التعليم في سائر بلدان المغرب إلا متأخرًا.

стр. 564

رابعًا: في الأندلس ٢٥- في أواسط القرن الثاني للهجرة تأسست في الأندلس خلافة أموية جديدة، فاهتمت بالعلم اهتمامًا بالغًا. وبعناية هذه الخلافة صار معهد طليطلة أكبر معهد يتعلم به المسلمون وغير المسلمين ما وصل إليه المسلمون من علوم مختلفة في ذلك العصر. وكان الغربيون يترجمون من الكتب المكتوبة باللسان العربي ما يرغبون في ترجمته إلى اللاتينية، وكان هذا هو العامل الأساسي في ظهور النهضة العلمية والأدبية والفنية وغيرها في أوروبة. وبعناية هذه الخلافة الأموية الإسلامية صار "جامع قرطبة" وما ألحق به من مكتبة ومعهد يضاهي "القيروان" في تونس، والفسطاط في مصر، ودمشق وبغداد وغيرها من مراكز العلم في بلدان المسلمين وعواصمهم. عهد دولة الأدارسة في المغرب الأقصى: ٢٦- وفي هذه الحقبة من الزمن أسس الأدارسة دولة استقلوا بها في المغرب الأقصى، وجعلوا مدينة "فاس" عاصمة لهم. وفي عدوة القرويين من نهر فاس بنت "فاطمة أم البنين القيروانية" جامع القرويين. ولم يلبث أن صار "جامع القرويين" هذه جامعة تدرس مختلف العلوم، ومنها الطب والهندسة والفلك والميقات. ونقل الفقيه المالكي "إسماعيل بن دراس" إلى جامع القرويين الفقه المالكي. ثم استقل "جامع القرويين" بعلومه عن "جامع القيروان" بعد أن كان بمثابة فرع من فروعه، وبلغ أوج رقيه العلمي في عهد "المرينيين". عهد الدولة الأغلبية: ٢٧- وفي هذه الحقبة من الزمن أيضًا أسس "إبراهيم بن الأغلب" الدولة الأغلبية في القيروان وأفريقية.

стр. 565

وبعناية الأغالبة صار "جامع القيروان" كعبة العلم بالديار المغربية، والأندلسية، وصقلية، وسردانية، ومالطة، وقوصرة العهد الفاطمي: ٢٨- نشر العبيديون الذين سموا أنفسهم "فاطميين" دعوتهم في المغرب قبل أن يؤسسوا دولتهم، ثم تغلبوا على الأغالبة بتونس، وعلى الرستميين بالجزائر، وعلى الأدارسة بالمغرب الأقصى، وأقاموا دولتهم. وأكثروا من فتح المدارس التي رتبوا فيها الدعوة لمذهبهم الباطني ترتيبًا منسقًا، وجعلوا على رأسها "النعسان المغربي" الذي كان على مذهبهم. وفي هذا العهد نشط اتباع المذهب المالكي في عقد حلقات الدروس بالجوامع والمساجد والأربعة، للوقوف في وجه تيار الفكر الفاطمي الباطني. وفي هذا العهد زادت حركة البربر في إحياء جوامع الإباضية بالجبال والصحاري. وفيه ضاعف أهل صقلية جهودهم في تدعيم ونشر المذهب الحنفي وتكثير أتباعه. ثم انتقل الفاطميون إلى مصر، وحلت محلهم في المغرب دول ذوات أعراق بربرية، مع نزعة غربية. ولم يظفر الفاطميون بنشر مذهبهم الباطني في بلاد المغرب. عهد دولة المرابطين: ٢٩- قامت دولة المرابطين بعد انتقال الفاطميين إلى مصر، فاهتم المرابطيون بالتعليم القائم على الدعاية إلى الإسلام، ونشره بصورة مبسطة، ولا تعقيد فيها ولا فلسفة، وعلى مقاومة البدع، وتنقية العقيدة مما دخل عليها من شوائب. ورأت دولة المرابطين أن جامعة القرويين مائلة إلى الانحطاط، فأسسوا جامعة جديدة في مراكش.

стр. 566

واعتنى "يوسف بن تاشفين" بعد أن تمكن من الحكم، بجمعه لعلماء الأندلس وأدبائها، ونقلهم إلى مراكش عاصمته المغربية. ولكن لم تكن العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية وحدها كافية للقيام بشئون الدولة، وقد أدرك هذه الحقيقة "علي بن يوسف بن تاشفين" فأسس في سنة "٥١٤هـ" جامعة عرفت باسم "الجامعة اليوسفية" نسبة إلى اسم أبيه "يوسف" وكان الغرض من تأسيسها تخريج الأطباء والصيادلة والمهندسين والمعماريين والرياضيين، ليجاري الأندلس والحركة العلمية العامة. فعززت هذه الجامعة الجديدة "جامعة القرويين" الإدريسية بمدينة "فاس" وجامعة "سبتة" الأندلسية. عهد دولة الموحدين: ٣٠- ولما قامت دولة الموحدين البربرية أسست مؤسسات تعليمية كثيرة، وقد اعتمد الموحدون على هذه المؤسسات التعليمية في إقامة دولتهم، ونشر العلم بين طبقات الشعب، من أهل المدن والبواطي، والبربر وغير البربر. فكان من مؤسساتهم التعليمية ما يلي: - الكتاتيب: وقد كثرت هذه من الجهات البربرية، وقد أقبل عليها الناس، يعلمون فيها أولادهم، وهذه الكتاتيب هي بمثابة مدارس ابتدائية. - الزوايا: وقد كانت هذه الزوايا بمثابة مرحلة تعليمية متوسطة. - المدارس: وقد قام الموحدون بتأسيس المدارس التي هي أعلى درجة من الزوايا، وكانت مدارسهم هذه على ثلاثة أنواع: النوع الأول: المدرسة العامة، والغرض منها تخريج موظفي الدولة، وتهتم بتدريس النظام الإداري الذي يتمشى مع سياسة دولتهم. النوع الثاني: المدرسة الملكية، وهي خاصة بتعليم أبناء الأمراء. النوع الثالث: المدرسة الخاصة بتعليم الملاحة البحرية وتخريج الملاحين، وقد أقامها الموحدون بمدينة الرباط.

стр. 567

٣١- وأسس "يعقوب المنصور" مدارس في المغرب والأندلس وتونس، ومنها مدرسة أحدثها في المدينة التي اختطها خارج مراكش، في مكان كبير. ٣٢- واعتنى الخواص من الشعب بتأسيس المدارس، ومنهم "أبو الحسن الشاري الغافقي السبتي" فقد ابتنى المدرسة المنسوبة إليه بمدينة "سبتة". ٣٣- وأسست دولة الموحدين بيت الطلبة في "مراكش" وهو شبه مدرسة عليا، وحياة الطلبة في هذا البيت تنقضي بين المدرسة ومكتبتها والنادي الذي تجري فيه المناظرات العلمية والأدبية، ودار المبيت، وكانت دار مبيت الطلبة أنيقة البناء على الطراز الأندلسي، وكانت مزخرفة بالنقوش العربية، وكانت تتوافر فيها كل أسباب الراحة والمعيشة الحسنة. خامسًا: في صقلية صقلية هي أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط، تقع بين بحر الروم والبحر التيراني، وتبعد حوالي "١٦٥كم" شرق أفريقيا. ٣٤- فتحها المسلمون بقيادة القاضي "أسد بن الفرات" فكان فتحها مقدمة إشراق النور الإسلامي في ربوع أوروبة، لولا النكسات التي أصابت المسلمين بعد ذلك. وبنى المسلمون في عاصمتها "بلرمو" جامعًا للصلاة والعلم والتعليم، وفق منهجهم المتبع في الفتوح. ٣٥- ثم أسس المسلمون التونسيون في مدينة "سالرنو" من المدن الإيطالية جامعة، كان أساتذتها من العرب المسلمين أول الأمر، وكانت كتب التدريس فيها من تصانيف المسلمين المكتوبة باللسان العربي، ثم ترجمت إلى اللاتينية. وقد شجع المسلمون خلال حكمهم لصقلية أهل البلاد على الزراعة والتجارة والفنون المختلفة، مع نشرهم للإسلام وعلومه، وللغة العربية. ٣٦- وصارت المعاهد العربية الإسلامية في هذه الجزيرة موارد يقصدها

стр. 568

كثيرون من العلماء وطلاب العلم الأوروبيين، وكانت مع عموم الأندلس، أهم مراكز العلم التي تبث الإشعاع العلمي المسلط على ذوي العقول النيرة المتعشقة للعلم في أوروبة. خلاصة الظواهر العلمية الكبرى في بلاد المغرب: ١٤- بنظرة كلية جامعة لبلدان المغرب، يلاحظ المؤرخ أن الحركة العلمية والتعليمية والتربوية كانت تقتبس من بلدان المشرق وتحذو حذوها، ثم صارت ذات استقلال ذاتي، تختط لنفسها، وتنهج مناهج خاصة بها. ولدى رصد الظواهر تتجلى للباحث الظواهر التالية: الأولى: النهضة العلمية الفائقة بجامع القيروان، وقد كان فيه جناحان: جناح للرجال، وجناح للنساء. الثانية: تحقق الاكتفاء الذاتي العلمي، إذا التقت الأندلس، والمغرب، والجزائر، وطرابلس، وبرقة، وصقلية، وغيرها من مراكز العلم حول "جامع القيروان" وقلت الهجرة إلى طلب العلم في بلاد المشرق. الثالثة: استقلال التعليم باعتماد كتب الأفريقيين، دون كتب علماء المشرق، فكان طلاب العلم يرجعون في التفسير مثلًا إلى تفسير محمد بن عبد السلام القيرواني، ويرجعون في الفقه إلى مدونة "سحنون" ويرجعون في الطب إلى كتب "ابن الجزار القيرواني". الرابعة: ظهور التصانيف التربوية المستقلة في التأليف، بعد أن كانت ضمن أبواب الفقه، ومنها كتاب "أدب المعلمين" لمحمد بن سحنون. الخامسة: استقلال أفريقية بعلومها الفقهية والتاريخية والجغرافية والطبية. السادسة: ظهور التعليم العالي بالأقاليم الإفريقية. السابعة: إنشاء معاهد لتعليم الطب، والهندسة، والحساب، والصيدلة، والفلك، والنحو.

стр. 569

والحق بها مدارس للترجمة عن اللغات البربرية واللاتينية واليونانية والعبرانية، ومدارس أخرى لترجمة أمهات الكتب من اللسان العربي إلى اللاتينة، التي كانت لغة العلم يومئذ عند الأوروبيين. الثامنة: تأسيس جامعة بمدينة "سالرنو" من المدن اللإيطالية، وكان أساتذتها من المسلمين، وكانت الكتب المقررة فيها والمراجع من التصانيف التي صنفها المسلمون باللسان العربي. التاسعة: ظهور بداية تفرغ بعض العلوم الجامعة، إلى علوم متعددة ذوات بحوث تخصصية. العاشرة: كثرة دور الكتب بالأربطة والجوامع، وكانت مكتبة القيروان أكبرها وأجمعها. الحادية عشرة: ازدهار الأدوات المساعدة على حركة العلم ونشاطه، مثل ازدهار صناعة "الرق" بالقيروان، وهي الجلود الرقيقة التي تصنع للكتابة عليها، وأجودها ما يصنع من جلود الغزلان لكتابة المصاحف، والكتب النفيسة والمراسلات السلطانية. وازدهار صناعة الورق التي نقلت من بغداد ومنبج والفسطاط. وازدهار صناعة الحبر.

стр. 570

٦- العلم والتعليم والتربية في شبه القارة الهندي ة ١ ١- اهتم المسلمون كعادتهم منذ بدء فتح بلاد "السند" و"الملتان" بتعليم القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وتعليم أصول الدين، وأحكام الفقه الإسلامي، وتعليم ونشر اللغة العربية، في الجوامع التي ينشئونها في كل بلد يخضع لسلطانهم.

стр. 571

أما العلوم الأخرى كالطب والرياضيات والكيمياء والفلك والفلسفة والطبيعيات، فقد كانت موجودة، ولكن عمل المسلمون على الاستفادة منها، وعلى دفعها شطر التقدم الارتقائي، مع الاهتمام بتنقيتها من الأخطار والأغاليط والأوهام، ولا سيما ما يخالف منها الحقائق الدينية. وهذا شأن المسلمين في كل بلدان الفتح الإسلامي. ٢- في سنة "٨٩هـ" فتح القائد الشاب "محمد بن القاسم الثقفي" ابن أخي "الحجاج" الذي اختاره أميرًا لبدء الفتح في "السند" مدينة "ديبل" وأول ما فعله "محمد بن القاسم" بناء مجسد جامع في المدينة، لأداء الصلوات المفروضة، ولنشر العلم، وقيام العلماء بالتعليم. وكان كلما فتح مدينة في بلاد "السند" و"الملتان" أنشأ فيها مسجدًا جامعًا للقيام بالوظيفتين الآنفتي الذكر. ٣- وظلت الجوامع في العصر الأموي وفي عصور المسلمين التاليات هي المراكز الأولى لبث ضياء العلم، وأنوار الهداية. وكان الأئمة والعلماء فيها يشرفون على أداء الشعائر الدينية فيها، ويقومون بتدريس أولاد المسلمين، ونشر العلوم الإسلامية بين أهالي البلاد، مع الدعوة إلى الإسلام وتعليم اللغة العربية. ٤- وفي سنة "٩٣هـ" عين الأمير الشاب "محمد بن القاسم الثقفي" العالم الفقيه "موسى بن يعقوب الثقفي" قاضيًا على مدينة "الور" التي كانت عاصمة لبلاد "السند" قبل الفتح الإسلامي. ٥- ومع توالي السنين وتزايد الفتوح الإسلامية، وامتلاك المسلمين القيادة الإدارية في شبه القارة الهندية، كانت الحركة العلمية والتعليمية تزداد، وكانت مراكزها الجوامع، والحلقات التي يعقدها العلماء فيها، أو في دورهم، أو في دور أهل اليسار والغنى والأعيان ذوي الحرص على ابتغاء مرضاة الله من المسلمين.

стр. 572

فقد جاء في التاريخ أن الشيخ "أحمد بن محمد المنصوري" الذي كان قاضيًا في "المنصورة" قد كانت له جلسة علمية منتظمة يقوم بالتدريس فيها، وأن قاضي مدينة "الور" الذي هو من أحفاد الشيخ "موسى بن يعقوب الثقفي" قد كانت له جلسات علمية يقوم بالتدريس فيها، وكذلك كان قاضي "سيوستان" المعروف بـ"الشيباني". وجاء عند المؤرخين ذكر لبعض مدن العلم والمعرفة في "السند" خلال القرن الرابع الهجري، مثل مدينة "المنصورة" التي كان جميع سكانها من المسلمين، ومدينة "الملتان" التي كان سكانها من المسلمين وغير المسملين، ومدينة "الديبل" التي كانت اللغة العربية رائجة بين أهلها بفضل جهود العلماء العرب المسلمين فيها، ومدينة "القنوج" في أقصى بلاد السند، التي تشتهر بكثرة العلماء الكبار من علماء المسلمين ومدينة "البيلمان" ومدينة "سرست" في وسط "السند" ومدينة "بوقان" في إقليم "مكران" وكان أهلها بوذيين، وصاروا في القرن الرابع الهجري مسلمين. ٦- وبرز من أهل البلاد الأصليين علماء فضلاء، وأدباء، وشعراء، فمنهم على سبيل المثال: - "أبو ضلع السندي" وقد كان أديبًا وشاعرًا. - "كشاجم بن السندي بن الشاهك". - "السند بن محمد الديبلي" وقد كان عالمًا محدثًا. - "إسماعيل بن السندي" وقد كان عالمًا جليلًا، ومحدثًا كبيرًا. - "أحمد بن عبد الله الديبلي" وقد كان محدثًا. - "أحمد بن إبراهيم الديبلي" وقد كان عالمًا مفسرًا. - "إبراهيم الديبلي السندي" وقد كان عالمًا فقيهًا ومحدثًا كبيرًا. ٧- وكانت اللغة العربية في بلاد "السند" حتى أوائل القرن الخامس الهجري هي اللغة الرسمية المستعملة في الدواوين الحكومية، ودور القضاء،

стр. 573

والمدارس، والمعاهد والأسواق التجارية الكبيرة، وكانت لغة الطبقة العالية من الوجهاء والعلماء والخواص من أهل "السند" و"الملتان". ولما انتقل الحكم إلى الغرنويين المسلمين الذين يتكلمون الفارسية، روجوا اللغة الفارسية، وبذلك صارت الفارسية في تلك البلاد هي لغة العلم والتعليم والثقافة طوال عدة قرون. ٨- وكان من مرافقي جيوش الفتح الإسلامي في شبه القارة الهندية علماء أعلام، ومنهم "الربيع بن صبيح البصري" وهو من كبار المحدثين. ٩- ومع أوائل القرن الخامس الهجري بدأ "الغزنويون"١ فتح "كابل" وبلاد الأفغان، والامتداد إلى شبه القارة الهندية. والسلطان "محمد بن سبستكين الغزنوي" قد بدأ فتوحه مع أواخر القرن الرابع الهجري، وبقي مجاهدًا في سبيل الله وفاتحًا ومصلحًا حتى وافته منيته سنة "٤٢١هـ". ويذكر المؤرخون أنه هو الفاتح الحقيقي الشامل لشبه القارة الهندية، وأنه كان من أعاظم سلاطين المسلمين، وقد امتدت سلطنته من "بهار" في شرق الهند، إلى "فارس". يقول بشأنه "لين بول": "إن ذلك السلطان الذي أقام تلك المنشآت الفخمة في "غزنة" وأقام دور العلم، ودعا العلماء حتى كان يجود عليهم بما لا يقل عما يعادل مائتي ألف من الجنيهات كل عام، فضلًا عما كان يجري على طلبة العلم من الأرزاق، لا يمكن أن يسلك في زمرة الطغاة البرابرة". - فالسلطان "محمود الغزنوي" قد كان إلى جانب شهرته الحربية العظيمة، ذا شهرة أيضًا برعايته للعلوم والآداب، وبذله العظيم لأربابها والمشتغلين بها،

стр. 574

حتى صار بلاطه مقصودًا من مختلف الأقاليم الإسلامية، وكان من بين الذين وفدوا إليه: "أبو الريحان محمد بن أحمد الخوارزمي البيروني" العلامة الرياضي، والفلكي الفيلسوف، والعالم بلغات الهند وثقافاتها، "العتبي الوزير" و"أبو الفضل محمد بن حسي البيهقي" صاحب تاريخ سلاطين غزنة الذي يقع في ثلاثين مجلدًا، فُقِدَ أكثرها، وهو المعروف بتاريخ البيهقي، و"أبو نصر محمد الفارابي" الفيلسوف الذي لقب بالمعلم الثاني، بعد الفيلسوف اليوناني الملقب بالمعلم الأول. - والسلطان "مسعود بن محمود الغزنوي" الذي تولى السلطنة خلفًا عن أبيه من سنة "٤٢١هـ" إلى سنة "٤٣٣هـ" قد كان شغوفًا بالعلم والعلماء، وبإنشاء مؤسسات التعليم، فأنشأ في بلاده كثيرًا من المساجد والمدارس والرباطات لنشر علم القرآن والسنة، والثقافة الإسلامية، وسائر العلوم الكونية المعروفة في زمانه. ١٠- وفي أواخر القرن السادس الهجري سقطت دولة الغزنويين، وجاءت بعدها دولة الغوريين، وهم من أمراء الغور الأفغان، وزعيمهم "محمد الغوري". - وقد اضطر السلطان "محمد الغوري" أن يواجه قتالًا عنيفًا يدفع به شر الأمراء الراجبونيين الهندوس في الهند، الذين تجمعوا وحشدوا جيوشهم لإسقاط دولة المسلمين في شبه القارة الهندية. وفي المواجهة الأولى اضطر المسلمون بقيادة "محمد الغوري" إلى التراجع طلبًا للسلامة. ثم حشد جيشًا أكبر من فرسان المسلمين الأفغانيين والأتراك قوامه مائة وعشرون ألفًا، وكان على هذا الجيش أن يواجه ثلاثمائة ألف من فرسان الهنادكة، ومعهم ثلاثة آلاف من فيلة الحرب. وأعد السلطان خطة حربية بارعة تعتمد على الكر والفر، مع تجزئة الكارِّين والفارين إلى وحدات من عدة جهات، وبهذه الخطة أرهق السلطان قوى الهنادكة إرهاقًا شديدًا، وشتت بها جموعهم، ثم كان الانتصار العظيم للمسلمين، وبهذه الموقعة انتهى سلطان الأمراء الهنادكة في شمال الهند.

стр. 575

-وحين استقر السلطان "محمد الغوري" أنشأ المساجد والمدارس، على غرار الطريقة المعروفة في مختلف البلدان التي تخضع لسلطان المسلمين؛ إذ كانوا يوجهون اهتمامهم الأكبر للعلم والتعليم ونشر تعليمات الإسلام، ودعوة الناس إلى الدخول في دين الله الحق. - واستطاع السلطان "محمد الغوري" بجهاده وحكمته وقوة عزيمته أن يثبت أقدام المسلمين في شمال الهند كله، واستطاع أن يقيم للمسلمين حكمًا عادلًا ذا قاعدة إسلامية، وأن يوطد دعائم هذا الحكم، ويثبت أركانه وبنيانه. - وعلى أيدي رجال السلطان "محمد الغوري" بدأ الحكم الحقيقي للمسلمين في الهند؛ إذ تحول الفاتحون إلى الاستقرار والإقامة الدائمة في البلاد التي فتحوها، وأخذ الإسلام ينتشر بين شعوب شبه القارة الهندية. وكان سلطان "محمد الغوري" قد امتد من "البنغال" شرقًا، إلى آخر حدود البنجاب غربًا. وأذن الله ﷻ أن يقع هذا المجاهد البطل الحكيم صريعًا شهيدًا؛ إذ اغتاله أحد الهنادكة عند نهر "جهلم" وهو في طريقه من "لاهور" إلى "غزنة" في شهر شعبان سنة "٦٠٢هـ". - وخلفه في الحكم مماليكه الذين جعلهم قواد جيشه وخاصته، وفي مقدمتهم "قطب الدين أيبك" الذي نصب نفسه سلطانًا على الهندستان سنة "٦٠٢هـ" عقب وفاة مولاه السلطان "محمد الغوري" وكان هذا مملوكًا لقاضي "نيسابور" وقد تعلم مع أولاده علوم القرآن الكريم والسنة المطهرة، ونبغ في ركوب الخيل والفروسية، واشتهر بالشجاعة والمروءة والوفاء، ثم بيع هذا المملوك إلى أحد التجار بعد وفاة سيده القاضي، فعرضه التاجر على السلطان "محمد الغوري" فاشتراه. وأعجب به السلطان حتى جعله من مقدمي قواده، وكان وفيًّا للسلطان في أشد أزماته، فكافأه السلطان بتثبيته نائبًا له على سلطانه في شبه القارة الهندية. ١١- وبحكم "قطب الدين أيبك" بدأ عهد المماليك، واشتهر "قطب

стр. 576

الدين" بإقرار الأمن في جميع البلاد، وبحسن سياسته، وحرصه على إقامة العدل بين الناس. - واهتمامًا منه بتأسيس مراكز نشر الإسلام وعلومه بنى مسجدين جامعين كبيرين، أحدهما في مدينة "دهلي" والآخر في مدينة "آجمير". ولكن لم يطل عهد سلطانه؛ إذ سقط عن جواده سنة "٦٠٧هـ" فوافته منيته. ١٢- فخلفه أحد قواده "شمس الدين التمش" وكان من مماليكه وأصهاره. - واستقل قائده "قباحة" بـ"الملتان" و"السند" وتولى "الخلجيون" الأمر في "بهار" و"البنغال" وكانوا من رجال السلطان "محمد الغوري". ١٣- ثم تولى سلطنة الهند "فيروز تغلق" من سنة "٧٥٢هـ" إلى سنة "٧٩٠هـ". وكان هذا السلطان عادلًا رحيمًا شغوفًا بالإصلاح الحضاري، وإعمار المنشآت الحضارية، كالمستشفيات، ودور العلم، وتيسير سبيل قدوم علماء المسلمين إلى بلاده للتعليم، وكان من بينهم "جلال الدين الرومي". - وقد أقام هذا السلطان الحكيم العادل ثلاثين مدرسة جامعة، لدراسة العلوم الإسلامية والكونية، بغية نشر العلم وتخريج العلماء، والدعوة إلى الإسلام. وبلغت منشآت هذا السلطان الحضارية قرابة "٩٠٠" ما بين مدارس ومستشفيات، ورباطات، وقصور، وحمامات. وأنشأ ثلاث مدن كبيرة بالقرب من "دهلي" وهي: مدينة "فيروز آباد" ومدينة "فتح آباد" ومدينة "جونبور". اعتنى بإنشاء الحدائق الكثيرة التي بلغت قرابة ألف حديقة. ١٤- وأذكر أخيرًا أن الرحالة "ابن بطوطة" ذكر عن الهند أنه وجد بمدينة "هناور" ثلاثة عشرة مدرسة للبنات، وثلاثًا وعشرين مدرسة للصبيان.

стр. 577

- وأذكر أيضًا أن المبشرين بالنصرانية، وضعوا في حسبانهم مع بدء أعمال التنصير في بلدان العالم الإسلامي الهند هدفًا عظيمًا، ونظروا إلى الجامعة الإسلامية في مدينة "عليكرة" باهتمام بالغ، لإحاطتها بأعمال التنصير. - وأذكر أيضًا اهتمام المسلمين في الهند بإنشاء المدارس والجامعات الإسلامية الأهلية التي تمول من أيدي المحسنين، ومن كبريات هذه الجماعات "ندوة العلماء" التي يرأسها اليوم العلامة الداعية والكاتب الإسلامي الشهير "الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي" وهذه الجامعة مهتمة بالعلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية، وهي تعقد بين حين وآخر مؤتمرات وندوات، وتدعو إليها كبار علماء العالم الإسلامي، وكبار ذوي الفكر والقلم، ومن الندوات المهمة التي عقدتها ندوة خاصة بالأدب الإسلامي، ونتج عنها تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وندوة خاصة بالدعوة إلى الله. - وظهر في شبه القارة الهندية جمهور كبير من العلماء الأجلاء الفضلاء، الذين حملوا راية العلم الإسلامي، وراية اللغة العربية، وعملوا على نشرهما، وكانوا هم الذين قادوا حركات الجهاد الإسلامي ضد الكفر والكافرين، وبهم ظهرت في الهند نهضة علمية كبيرة، ولا سيما في الحديث النبوي الشريف. - ولا أنسى أن أنوه بجماعة "التبليغ" التي قامت في الهند بفضل توجيه علماء المسلمين واهتماماتهم البالغات بشئون الدعوة إلى الله.

стр. 578

كلمة موجزة عن أندنوسيا ... ٧- كلمة موجزة عن إندونسيا: أما إندونسيا، فلم تفتحها جيوش عسكرية محاربة، وإنما نشر الإسلام فيها علماء فضلاء تجار دعاة إلى الله من بلاد حضرموت، وكان نشرهم للإسلام فيها مع تعاطيهم الأعمال التجارية قائمًا على ما يلي: الأول: القدوة الحسنة، التي حببت الشعب الإندونسي بالإسلام، تأثرًا بالمسلمين الذين قدموا أحسن صورة تطبيقية للأخلاق والآداب والتعليمات الإسلامية، في أخلاقهم ومعاملاتهم وسائر أنواع سلوكهم. الثاني: الإقناع الفكري بأن الإسلام حق منزل من عند الله خالق الوجود ﷻ ، على رسوله الذي اجتباه واصطفاه من قريش، هو محمد بن عبد الله ﷺ . الثالث: التعليم الذي يبدأ بشخص واحد، ثم يكون حلقة، ثم يكون جمهورًا كبيرًا. والشعب الأندنوسي لديه استعداد كبير لتلقي العلم، وأدب جم، واحترام فائق لمن يعلمه، والتزام دقيق بالنظام، وقدرة فائقة على المحاكاة والتقليد والإتقان. ودخل الملاييين من الإندونسيين في الإسلام، ووجهوا اهتمامًا بالغًا لتعلم العلوم الإسلامية، وتعلم اللغة العربية، بتأثير نظام حلقات العلماء الفضلاء، حتى صارت إندونسيا من كبريات الدول المنتمية إلى الإسلام، والإسلام فيها هو دين الأكثرية العظمى، وكان يمكن أن يكون هو الدين الوحيد لولا الاستعمار الغربي الذي وفد إليها في القرون المتأخرة، مشحونًا بمكايده الكثيرة في محاربة الإسلام والمسلمين.

стр. 579

٨- تعرض حضارة المسلمين لقتل علمائها وإبادة مصنفاتها من قبل همج الشرق ونصارى الإسبان: تقف في ذاكرة التاريخ أحداث بالغة الشناعة والهمجية، تعرضت بها حضارة المسلمين لغزو همجي شنيع ذهب ضحيته الملايين من المسلمين، وفيهم جمهور كبير من العلماء والأدباء والأستاذة الكبار، وأتلفت به مخطوطات كثيرات في مكتباتهم، حتى اصطبغت بأحبارها مياه دجلة، وكان هذا على أيدي همج التتار في سنة "٦٥٦هـ". وتقف في ذاكرة التاريخ أحداث مماثلة محزنة؛ إذ نقض نصارى إسبانيا الذين انتصروا على سلاطين المسلمين في الأندلس كل عهودهم ومواثيقهم التي عاهدوا المسلمين عليها، فطردوا المسلمين من مساكنهم فيها، وعملوا على التخلص من علمائهم ومساجدهم ومدارسهم، وأحرقوا مكتباتهم العظيمة، وكان هذا في أواخر القرن التاسع الهجري. ونتج عن هذه النكبات الحضارية فرار كثير من العلماء إلى بلاد آمنة من بلاد المسلمين، كمصر يومئذ، وعقب هذه الحقبة توجه كثير من العلماء المصنفين ذوي الأقلام المجاهدة في ميدان التأليف، إلى كتابة الموسوعات العلمية الجامعة، بغية حفظ ما في متناثر الكتب والرسائل من علوم، وسمي هذا العصر عند المؤرخين عصر الموسوعات. وتقف في ذاكرة التاريخ أحداث مماثلة محزنة، ما فعله في القرن العشرين الميلادي نصارى صرب البوسنة، من إحراق المكتبة الإسلامية في "سراييفو" التي تحتوي على مخطوطات كثيرات جدًّا من مخطوطات المسلمين الجليلة في مختلف العلوم، بدافع الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين، على الرغم مما تحمل هذه المخطوطات من إنتاج حضاري إنساني عظيم.

стр. 580

الفصل التاسع: نظرات موجزات حول تطبيقات حضاريات مختلفات قام بها المسلمون ١- مقدمة: لم يكن واقع حال المسلمين، في أدوار تاريخهم التي كان الحكم الإسلامي في الإدارة هو الشعار السائد فيها، تطبيقًا صحيحًا وافيًا للتعليمات الإسلامية الواردة في مصادر الدين الإسلامي، التي تقدم الصورة المثلى للحضارة الإسلامية. بل كان في تطبيقات المسلمين الحضارية بصورة عامة، تقصير كثير عما هو مطلوب منهم، وانحرافات تختلف نسبها في العصور المتتالية والبيئات المختلفة عن المنهج الرباني، وكانت هذه التقصيرات والانحرافات ناتجات عن جهل أو اجتهاد فكري غير صحيح، أو اتباع للأهواء والشهوات والعصبيات والأنانيات المختلفات. إلا أن إيجابيات المسلمين في الخير وفي التزام تعليمات الإسلام ونشدان الحق أكثر من إيجابيات أية أمة من الأمم، وكذلك كانت سلبياتهم في التقصيرات والانحرافات أقل من سلبيات أية أمة من الأمم. ومعلوم أن البناء الحضاري تكامل ارتقائي مستمر، إذا تابع مسيرته دون مثبطات ولا معوقات ولا انتكاسات ولا مخربات تحيط به من معاول الأعداء. وحين يصف الباحثون في الحضارة الإسلامية واقع حال المسلمين في مختلف شئونهم الحضارية، فلا يظن ظان أن هذا الواقع هو النموذج التطبيقي الصحيح، أو الكامل لما وجهت له أسس الحضارة الإسلامية وتعليماتها. ولا يصح أن يستدل بهذا الواقع على أنه هو الحضارة الإسلامية المثلى، فيقاس عليه، أو يُقتدى به دوامًا. إن الإسلام وتعليماته الحضارية شيء قائم بذاته، وواقع حال المسلمين في تطبيقاتهم الحياتية شيء آخر، إن النموذج الأكمل هو التعليمات الإسلامية، أما

стр. 581

تطبيقات المسلمين فما وافق منها النموذج فهو المطابق له، وما خالف منها النموذج فهو المقصر، أو المنحرف، أو المباين المضاد أو المناقض. لقد مر في تاريخ الأمة الإسلامية أفراد كثيرون صالحون، وجماعات كثيرون صالحون، وأمثلة بشرية رائعة، تقدم في سلوكها النموذج الذي يُحتذى به؛ إذ كانوا ملتزمين تعليمات الإسلام ووصاياه التزامًا تامًّا، ومستمسكين بحبل الله المتين استمساكًا صاديًا بقوة وثبات. ولكن قد كان يوجد في المسلمين إلى جانب هؤلاء الصالحين عصاه كثيرون جدًّا، ومنحرفون كثيرون انحرافًا فاحشًا عن تعاليم الإسلام وصراطه المستقيم، بدءًا من العامة على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية، حتى الحكام والسلاطين ومن بأيديهم إدارة البلاد، وهؤلاء لا يعطون في سلوكهم وتطبيقاتهم صورة صحيحة مقبولة، أو مقاربة للصورة الصحيحة التي تقدمها تعليمات الإسلام، وتطالب المسلمين بأن يتمثلوها في واقعهم. فالحكم قد كان خلافة للرسول ﷺ ، وعلى منهاج النبوة، طوال حكم الخلفاء الراشدين، ثم صار ملكًا متوارثًا، ومطمعًا يتقاتل عليه الطامعون، ويتناهبه المتناهبون بالقوة. وحين نستعرض بعض تطبيقات المسلمين الحضارية، فإننا نستعرض صورًا من تاريخ حضارة المسلمين، لا صورًا من الحضارة الإسلامية المنشودة. هذه قضية يجب وضعها في الملاحظة دوامًا. ويجب التفريق دوامًا بين الإسلام وتطبيقات المسلمين عبر تاريخ الأمة الإسلامية.

стр. 582

٢- الواقع الاقتصادي: كانت شعوب الأمة الإسلامية في ظل إدارات الحكام المسلمين تعيش في تكامل اقتصادي، من كل أنواع مطالب الحياة، وكان التجار المسلمون ينقلون سلعهم التجارية من أقصى بلدان عالم المسلمين إلى أقصاها، شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا. وكانت علاقات المسلمين التجارية مع الشعوب الأخرى غير المحاربة علاقات جيدات استيرادًا وتصديرًا. وحينما كانت تتعرض بعض بلدان المسلمين لضائقات اقتصادية بأسباب طبيعية، أو اعتداءات من شعوب غير مسلمة، كان أهلها يجدون ملاذًا في بلدان أخرى من بلدان عالم المسلمين، يفرجون فيها عن ضائقاتهم، بسبب شعور جميع المسلمين بالوحدة الإسلامية المتكافلة المتضامنة. وكان لتطبيق فريضة الزكاة أثره العظيم في سد ضرورات ذوي الضرورات، وحاجات ذوي الحاجات. وكان للصدقات والمبرات غير الواجبة أثرها العظيم أيضًا في توثيق الصلات بين المسلمين، ورفع مستوى معيشة متوسطي الحال الذين لا يدخلون ضمن الأصناف الثمانية الذين تصرف إليهم الزكاة. وكان للأوقاف الخيرية أثرها العظيم أيضًا في تأسيس مؤسسات اجتماعية ذوات خدمات علمية وعملية جليلة، وهي تحتوي على عاملين مأجورين، وعلى مكفوليين بمعيشة حسنة. وكان الأمن العام بالأخلاق الإسلامية السائدة في مجتمعات المسلمين، وبسلطة الإدارة الحازمة ورقابتها الدائمة، مع تطبيق أحكام الفقه الإسلامي في المعاملات المالية، وقناعة الناس في تجاراتهم ومكاسبهم، وبعدهم عن الغش والاحتكار والغبن الفاحش، وبعدهم عن التعامل بما لم يأذن به الإسلام، من الأسباب التي هيأت للمسلمين مجتمع الكفاية والعدل، في معظم الأحوال وقللت من الفوارق الفاحشة بين الأغنياء، ومتوسطي الأحوال، والفقراء، وجعلت الإخاء العام بين هؤلاء هو الرباط الجامع لهم.

стр. 583

٣- المالية العامة: سارت دول الشعوب المسلمة التي تعلن عملها بالإسلام، على سياسة تحقيق التعادل بين مواردها ونفقاتها. وأنشأت بيتًا للمال، وكانت تقوم على صيانته وحفظه والتصرف فيه لصالح الإسلام، ولصالح جماعة المسلمين، في معظم أحوالها. وكانت موارد بيت المال تعتمد في الدرجة الأولى على خراج الأرض التي أفاء الله بها على المسلمين، وعلى الجزية، والزكاة، والفيء، والغنيمة، والعشور، وهي من الضرائب التي كانت تؤخذ البضائع التي يجلبها تجار الكفار من بلادهم إلى دار الإسلام، إذا اشترط عليهم ذلك للإذن لهم بتوريدها إلى بلدان المسلمين. ثم أضيفت أنواع من الضرائب على أفراد الشعب في مقابل خدمات يقوم بها عمال الدولة وموظفوها لسد نفقات الدولة المختلفة. وسن الأمويون نظامًا دقيقًا للإشراف على جباية أموال الدولة. وقد يحصل بها من بعض السلاطين والحكام إجحام على أفراد الشعب، وقد يتصرف هؤلاء بالأموال العامة لأنفسهم أو لأنصارهم أو لمظاهر عظمة سلطانهم تصرفات منافية للحق والعدل ومصالح الدولة وأفراد الشعب، دون أن يستطيع أحد محاسبتهم.

стр. 584

٤- التنظيمات الإدارية: لم تشتمل نصوص القرآن والسنة على تنظيمات إدارية محددة، ولكن دلت بعض النصوص القرآنية، وتصرفات الرسول ﷺ ، على أن التنظيمات الإدارية هي من أمر المسلمين، وأن كل ما كان من أمر المسلمين فهو يخضع لقاعدة الشورى بينهم، قال الله في سورة "الشورى: ٤٢ مصحف/ ٦٢ نزول" مبينًا بعض صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . ولما كانت الدولة الإسلامية في عصر الرسول ﷺ صغيرة الحجم، وكان عرب الجزيرة العربية يسيرون إداريًّا على النظام القبلي، ويخضعون لأوامر

стр. 585

الأمراء، وكان هذا كافيًا لإصلاح أحوالهم، وتسيير شئونهم، فقد كان من حكمة الرسول ﷺ أن لا يرهق هذا المجتمع بتنظيمات إدارايت واسعات، تصدر ربها قرارات وأوامر سلطانية، بل فوض للأمراء أن يسيروا في الناس بالحق والعدل والرفق والرحمة، مطبقين أحكام كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وملتزمين بالمبادئ الدستورية التي اشتمل عليها القرآن المجيد، وهدي الرسول ﷺ في أقواله وأعماله وتصرفاته الإدارية. وقد كان الرسول ﷺ يحسن انتقاء الأمراء الذين يرسلهم لإدارة شئون البلاد داخل الجزيرة العربية، من الناحيتين الدينية والمدنية، مع الإذن لهم بأن يعملوا بمقتضى المصلحة التي يرونها في الأمور التي ليس لها في القرآن ولا في السنة تعلميات خاصة، مستعينين بمشاورة أهل الحل والعقد في الجهات التي وجههم أمراء عليها. وسار الخلفاء الراشدون على هذا المنهج، لكنهم أخذوا يتوسعون شيئًا فشيئًا بحسب الحاجة، وبمقتضى اتساع دولة المسلمين، في وضع التنظيمات الإدارية، وتدوين الدواوين. وربما استفادوا في تنظيماتهم من بعض التنظيمات الإدارية التي كانت تعمل بها الدولتان العظيمان الساقطان بالفتح الإسلامي، دولة الروم، ودولة فارس، مما لا يتعارض مع تعليمات الإسلام. ومع اتساع الدولة وظهور الحاجة إلى التنظيمات الإدارية الضابطة للعمال والموظفين من جهة، والضابطة لأفراد الشعب من جهة أخرى، كانت هذه التنظيمات تكثر وتتنامى شيئًا فشيئًا، وكان يخضع لأحكامها جهاز الإدارة وأفراد الشعب. ومما لاشك فيه أنه كلما تطور الشعب تطورًا حضاريًّا بعيدًا عن الحياة القبلية وأعرافها، كان الجهاز الإداري الحاكم فيه بحاجة إلى مزيد من التنظيمات الإدارية الضابطة له، والضابطة لأفراد الشعب، وبهذه التنظيمات الحكيمة العادلة الرشيدة ترتقي الدولة ارتقاء حضاريًّا رفيعًا، ويرتقي بارتقائها شعبها الخاضع لتنظيماتها والملتزم بها.

стр. 586

والتنظيمات الإدارية لأية أمة من الأمم لا بد أن تخضع دومًا للتطوير والتحسين، واختيار الأفضل والأعدال والأحكم، والأكثر رفقًا بأفراد الشعب، والأبعد عن التعقيدات والتكاليف التي لا فائدة منها، ومثل هذا لا يصح أن يتوقف عند حد، بشرط المحافظة على الحق والعدل والرفق بالناس والتيسير عليهم، وتحقيق مصالح المسلمين ومصالح دولتهم على أحسن الوجوه وأيسرها. ولهذا فإن أحدًا لا يستطيع أن يضع تنظيمًا إداريًّا عامًّا شاملًا لكل جوانب حياة الناس، على أساس أن يكون هو النظام الإداري الدائم الذي لا يتعرض لنسخ أو تعديل أو تبديل مهما توالت التجربات، وتعاقبت العصور، فالتنظيمات الإدارية أوضاع بشرية زمنية، قابلة للتعديل والتبديل والنسخ، تبعًا لمصالح أفراد الشعب، ومصالح الدولة.

стр. 587

٥- القضاء: وكان القضاء في أكثر أحوال دولة المسلمين وأطوارها قضاء شريفًا نزيهًا، يحكم فيه القضاء بالحق والعدل، عملًا بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ثم بالقياس على ما جاء فيهما. وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄ لما ولاه قضاء البصرة كتابًا حدد له فيه معالم القضاء الإسلامي؛ إذ جاء فيه١: "أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس٢ الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك٣، ولا ييأس ضعيف من عدلك.

стр. 588

البينة على المدعي، واليمن على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. ومن أدعى حقًّا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء، ولا يمنعنك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه إلى رشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعه الحق خير من التمادي في الباطل. والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجربًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حد، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة١، فإن الله تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان. ثم الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، وأعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق. وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذى بالناس والتنكر عند الخصومة "أو الخصوم"٢ فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيم بما ليس في نفسه شأنه الله، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته". قال ابن قيم الجوزية: وهذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة. أقول: هذا الكتاب بمثابة قانون وضعه عمر بن الخطاب للقضاة، ومواده مأخوذة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .

стр. 589

٦- نظام الحسبة ووظيفة المحتسب: الحسبة: في اللغة كالحساب، وهي لفظة تطلق على منصب كان يتولاه رئيس يُشرف على الشئون العامة في الأسواق وفي سائر المجامع العامة، ومن مهماته المراقبة والمتابعة العامة، لضبط الحقوق، ورعاية الآداب، ومنع ما لا يأذن به الدين, وتأديب المخالفين. والضرب على أيدي المجاهرين بالمعاصي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ أول من وضع في دولة المسلمين نظام الحسبة، وكان يتولاه بنفسه لعلو همته، وشدة عزمه وحزمه، وقد اقتبسه من فعل الرسول ﷺ ، ومن توليته "سعيد بن سعيد بن العاص" بعد فتح مكة على أسواقها. ويقال لمن يقوم بهذا المنصب في الشئون العامة: "المحتسب" أي: الذي يراقب الناس في المجامع العامة، ويتابع أعمالهم، ويحاسبهم، ولا تقتصر أعمال المحتسب ومهماته على حفظ الأمن. وارتقى نظام الحسبة وتوسعت دائرة وظيفة المحتسب شيئًا فشيئًا، حتى شملت أشياء كثيرة: فمن أعمال وظيفة المحتسب ما يلي: ١- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه النصح والإرشاد، بحسب الحاجة في المجامع العامة. ٢- مراقبة المكاييل والموازين للتحقق من مطابقتها لما يجب أن يتكون عليه في مقاديرها. ٣- مراقبة السلع المعروضة للبيع في الأسواق، للتحقق من سلامتها من الغش والتدليس، ومحاسبة الغشاشين، والمدلسين، وتأديبهم ومعاقبتهم ضمن حدود النظام.

стр. 590

٤- مراقبة المصنوعات المتفق على صنعها بين العامل ومن صنعت له، والنظر في مدى مطابقتها للشروط المتفق عليها، وسلامتها من الغش والتدليس، ومحاسبة المخالف، وحل عقد المنازعات. ٥- مراقبة النقود والأثمان المختلفة للتحقق من سلامتها من الغش والتزوير. ٦- حل الخلافات والمنازعات في المعاملات المختلفات، والعقود، بما يتفق مع أحكام الفقه الإسلامي، ما لم تكن من القضايا الكبيرة التي تحتاج إلى قاض يفصل فيها. ٧- الضرب على أيدي الخونة واللصوص والغشاشين والمجاهرين بالفسق والرذيلة ومخالفة أحكام الدين. ٨- منع حدوث كل مخالفة شرعية، ومنه منع تلقي الركبان قبل توريدهم سلعهم إلى أسواقها، وعرضها على الجميع دون تخصيص ولا تمييز، ومنه منع الاحتكارات التي ترتفع بها أسعار السلع، ومنع إنشاء البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، ومنع التعامل بالربا، ومنع بيع الأشياء المحرمة شرعًا، كالخمور، ولحوم الخنازير، والأوثان، والصور المحرمة، والمعازف. ٩- مراقبة الصناعات الغذائية والدوائية، للتحقق من خلوها مما يضر بالناس، وللتحقق من مطابقتها لما يجب أن تكون عليه من موادها، وفي طريقة صنعها وفي نظافتها ونظافة الأدوات التي تصنع فيها، ونظافة الأماكن التي توضع فيها. ومن مهمات رئيس منصب الحسبة أن يعين مراقبًا على أهل كل حرفة بحسب الحاجة، يكون خبيرًا بها عالمًا بدقائقها متابعًا برقابته أعمال الحرفيين، لمنعهم من الغش والتدليس، وتأديب المخالفين. ١٠- مراقبة أسعال السلع بحسب درجاتها جودة أو دون ذلك حتى أخس الدركات.

стр. 591

١١- ويهتم المحتسب بمراقبة الطهارة والنظافة في المآكل والمشارب والملابس والأماكن، وبمراقبة مياه المساجد والأماكن العامة كالسبل والخزانات والبحيرات، وبمراقبة مياه الأقنية، ونظافة المراحيض المعدة للطهارة وقضاء الحاجات الطبيعية، وبمراقبة الأنهار ومجاري المياه، ومنع الناس من تعريضها للأوساخ والقذارات. ١٢- ومن مهمات المحتسب مع الناس من كشف العورات، ومن التبول والتغوط في الطرقات، وفي كل مكان لا يصح فيه ذلك، لما فيه من الأذى. ومن مهماته منع النساء من اتباع الجنائز، ومن زيارة القبور، ومن الخروج إلى الأماكن العامة سافرات، ومن الخروج إلى المنتزهات العامة إلا مع ذي محرم. ومن مهماته منع اختلاط الرجال بالنساء، وفي الأعراس والمآتم أو في الأسواق والمجامع العامة، وغير ذلك، مراعاة لأحكام الشرع. ١٣- ومن مهمات المحتسب منع الناس من كل ما يضيق على المارة طرقهم، أو يؤذيهم بأتربة وأحجار أو قمامات، أو قاذورات، أو مياه تصب من الميازيب أو غيرها. ١٤- ومن مهمات المحتسب منع الناس من إحداث أبنية في الطرقات، أو إحداث شرفات، أو إحداث أسقف على الطرقات تؤذي المارين فيها، أو نحو ذلك مما ليس للباني فيه حق شرعي. إلى أمور كثيرة تصدر بها تعليمات وبيانات من الإدارة الحاكمة، المنوطة بها مراقبة أمور الدين والدنيا التي تقتضيها أسس الحضارة الإسلامية، والآداب الاجتماعية العامة، أو تقتضيها الحقوق والمصالح العامة.

стр. 592

٧- التدبيرات العسكرية: قال اللواء الركن "محمد جمال الدين محفوظ" في كتابه "العسكرية الإسلامية ونهضتها الحضارية". "إن للإسلام مدرسة عسكرية مكتملة الأركان، تحتوي على المبادئ والنظريات التي تقوم عليها أية مدرسة عسكرية في الشرق، أو الغرب. وقد كان الرسول ﷺ قائد هذه المدرسة ومعلمها الأول، وعلى يديه تعلم أجدادنا الأوائل من قادة وجنود جيش الإسلام، وقامت الإستراتيجية العسكرية الإسلامية التي طبقها المسلمون في معاركهم التي خاضوها إعلاء لكلمة الله، والتي واجهوا بها أعداء يفوقونهم عددًا وعدة فانتصروا عليهم بإذن الله، وأصبحوا ظاهرين، وسجل التاريخ أن المجاهدين الصادقين قوم لا يقهرون". ١- ففي عصر الرسول ﷺ حققت عسكرية المسلمين الهدف المنشود، وهو تأمين تبليغ الدعوة الإسلامية، وقيام دولة المسلمين آمنة مستقرة تؤدي رسالتها لخير الناس أجمعين. وبمتابعة التدريب العملي خلال المعارك ارتفعت الكفاءة القتالية لجيش المسلمين في مجال الرماية والتسليح والتركيب التنظيمي والقوة الضاربة، حتى صارت تضارع كفاءة جيوش الدول العظمى المعاصرة لها. وأضاف المسلمون إلى أسلحة قتالهم أسلحة جديدة، وهي أسلحة الحصار ودك الحصون، كالمنجنيق والدبابات، فقد أرسل الرسول ﷺ اثنين من المسلمين إلى جرش في الشام، فتعلما صنعة هذه الأسلحة. وزادت قوة الفرسان في التركيب التنظيمي لجيش المسلمين، حتى بلغت الثلث من مجموع القوة. ٢- وبعد عصر الرسول ﷺ أخذ المسلمون بأسباب التقدم والتطور في الكفاءة القتالية، وفي تحسين وتجويد الأسلحة، وتطورت جيوش المسلمين في التركيب التنظيمي، وتشكيلات القتال وإدارة المعارك. وخاض المسلمون بنجاح باهر أشكالًا جديدة من العمليات الحربية. مثل عمليات عبور الأنهار والموانع المائية، والحصار الطويل، والمسير الطويل، والإمداد المستمر بحاجات الجيش، وتأمين خطوط المواصلات، وإقامة

стр. 593

المعسكرات، وحماية الثغور، وإقامة القواعد الحربية الإدارية، وإرادة شئون البلاد المفتوحة بكفاءة. وباتخاذهم الأسباب وصدقهم وإخلاصهم ومعونة الله لهم امتدت فتوحاتهم في أقل من مائة عام من حدود الصين شرقًا، إلى شاطئ الأطلسي غربًا. وأثبتت قيادة المسلمين كفاءة لا نظير لها في إدارة دقة الحرب، ضد أعظم قوتين عالميتين في ذلك الوقت، وكان ما قام به المسلمون مثلًا فريدًا في التاريخ لم تبلغه أقوى الأمم وأكثرها خبرة في الحروب. واقتحم المسلمون بكل اقتدار الحروب البحرية، وأحدثوا مصانع لبناء السفن الحربية، وبرعوا في هذا المجال الجديد عليهم، حتى انتصروا على أساطيل بيزنطية التي كانت أعظم قوة بحرية في زمانها. بيزنطة: هي "إستانبول" الآن. والإمبراطورية البيزنطية هي دولة تأسست في القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية من البوسفور حتى الفرات. الإيمان الراسخ وطلب الشهادة سر تفوق المسلمين في الحروب: مما لا ريب فيه أنه قد كان إيمان المسلمين بما جاء في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ وإيمانهم بما للمجاهدين في سبيل الله، وبما للشهداء من أجر عظيم، مع حرصهم على طاعة الله ورسوله باتخاذ الأسباب التي تقضي بها أنظمة الله في كونه، وحرصهم على تبليغ دين الله للناس أجمعين، باعتباره أولى وظائفهم تجاه شعوب الأرض من أعظم الأسباب التي حققت للمسلمين تفوقهم في الحروب، بصورة متتالية، حتى فتحوا معظم العالم القديم، وكانت لهم في الأرض دولة عظمى. وقد أدرك هذه الحقيقة كبار القادة العسكريين في العالم: - جاء في كتاب "الحرب عبر التاريخ" للقائد العسكري المشهور المارشال "مونتغمري" ما يلي١:

стр. 594

"من العوامل التي جعلت العرب قومًا لا يقهرون، شجاعتهم، وإقدامهم، وحشدهم لقواتهم. على أن هناك عوامل أخرى شاركت في نجاح زحفهم غير العادي الذي كان عبارة عن نجاح تلو نجاح، فقد كان العرب يندفعون نحو القتال تحركهم أقوى دوافع الحرب: الإيمان والعقيدة. لقد كانوا يؤمنون إيمانًا راسخًا بالدعوة الإسلامية ويتحمسون لها، ويغارون عليها، وقد أدى هذا إلى اعتناقهم مبدأ صلبًا هو: الجهاد في سبيل الله. لقد وصلت الفتوحات الإسلامية مدى لم تصله في أي عهد سابق، وليس ذلك لأنهم كانوا أكثر عددًا، بل لأنهم كانوا يستقبلون في كل مكان يصلون إليه كمحررين للشعوب من العبودية، وذلك لما اتسموا به من تسامح وإنسانية وحضارة، فزاد إيمان الشعوب بهم، علاوة على تميزيهم في الوقت نفسه بالصلابة والشجاعة في القتال". أقول: وقد أضاف المسلمون إلى ما ذكره "مونتغمري" أنهم كانوا يتخذون كل الوسائل السببية، التي تضمد لأسباب الأعداء، وتتفوق عليها، وأنهم كانوا يحرصون على الموت شهداء في سبيل الله، كما يحرص أعداؤهم على الحياة؛ لأنهم كانوا يؤمنون بجنات النعيم، وأن الشهداء الصادقين يكونون أحياء عند ربهم يرزقون. - ووصف القائد البيزنطي "نيقفورس" المسلمين في القتال بقوله: "عندما يتوقعون النصر، فهم قوم غاية في الجسارة، يصمدون بثبات في صفوفهم، ويقاتلون بإصرار في وجه أعنف الهجمات، وحينما يلاحظون أن وحشية عدوهم بدأت تتراخى، يحشدون قواتهم ويهجمون باستماتة"١. إن ارتباط عسكرية المسلمين بالدين قد جعلها تتميز على غيرها بمزايا متعددة، منها ما يلي:

стр. 595

أ- الاستقرار والثبات، نظرًا إلى أن دين الله للناس ثابت مستقر غير متبدل ولا متحول، بخلاف سياسات الناس ومذاهبهم. ب- أن العسكرية الإسلامية لا تخضع للأهواء والأطماع الخاصة، والمصالح الشخصية، بخلاف العسكريات الأخرى التي تخضع لأهواء الناس ومصالحهم. ج- أن المقاتل المسلم يقاتل لمصلحة نفسه عند رهب؛ إذ هو يقاتل ابتغاء مرضاته، ولا يقاتل من أجل زعيم أو حزب أو تحقيق مصلحة دنيوية. د- أن المقاتل المسلم يُقاتل وليس في نفسه مشاعر عدوان ضد قوم من الناس، بل يقاتل حرصًا على إنقاذ البشرية من الكفر الذي يُفضي بها إلى الخلود في عذاب النار، ومن الظلم والعدوان والعبودية والشرور التي تفرضها عليها تكتلات البغي، وعصابات الإثم. هـ- والمسلم حين يقاتل الطغاة، شديد الحرص على أن يسود السلم والأمن والحق والعدل والخير والفضيلة الناس أجمعين. و وارتباط عسكرية المسلمين بالدين، قد دفع المسلمين قادة وشعبًا، إلى متابعة التطوير الارتقائي، في اتخاذ الأسباب للسلم وللحرب، والعمل على أن تكون أسبابهم متفوقة على أسباب أعدائهم، عملًا بقول الله لهم في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول": ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ، وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ومعلوم أن إرهاب العدو الظاهر وإرهاب آخرين مستورين مجهولين لا يعلمهم المسلمون، إنما يكون باتخاذ الأسباب وإعداد القوى المتفوقة جدًّا على قوى الأعداء الظاهرين المعروفين. أما تفصيل الأسباب فأمر من خصائص الدراسات العسكرية، والأسباب أمور متطورة مع الزمن ما دام للعقول الإنسانية ابتكارات فيها، وفي المتاحف العالمية نماذج كثيرة من أسلحة المسلمين في التاريخ.

стр. 596

٨- العمران: اهتم المسلمون بالإنشاءات العمرانية العظيمة، في كل البلدان التي فتحها الله لهم، في الشام، والعراق، ومصر، وبلاد فارس، وبلاد المغرب حتى أقصى الأندلس، وفي أفغانستان، والهند والسند وفي سائر بلدانهم في الشرق. ومن منشآتهم الحضارية العظيمة تخطيط المدن وإقامتها. وبناء المساجد والمدارس والقصور ودور السكن، وبناء القلاع والحصون والمعسكرات، وإنشاء الأسواق التجارية المظللة المغلقة المحفوظة بالأبواب والحراس، وتعبيد الطرقات ورصفها، وإنشاء الجسور والقناطر، وإنشاء الأبراج للمراقبة، وإنشاء المنارات البحرية للسفن، وإنشاء قنوات الماء والقساطل التي تجري فيها المياه إلى المنازل والمساجد، حتى صارت المدن التي طال حكم المسلمين فيها في مشارق الأرض ومغاربها مقصدًا لمتتبعي الآثار العمرانية العظيمة، لتصويرها، والتعريف بعظمتها، وبيان تفوق مهندسيها في الإتقان الهندسي، وإتقان بنائها العمراني ولدراسة الفنون المعمارية فيها. ولا يزال متتبعو الآثار والسائحون ينبهرون وتأخذهم الدهشة من عظمة آثار المسلمين العمرانية، وما احتوت عليه من زخرفيات وجماليات بديعات رائعات، كالمقرنسات١، والمدليات ذوات الإتقانات الهندسية الرائعة، وكالفسيفساء التي تزين رسومها البديعة المدهشة المسطحات الداخلية للمباني، سواء كانت مستويات أو منحنيات أو مكورات أو مجوفات أو مقوسات.

стр. 597

وإذ نهى الإسلام عن تصوير الإنسان والحيوانات قطعًا لدابر الوثنيات، فقد انطلق أصحاب المهارات الفنية المسلمون يعبرون عن رغبات الإبداع الفني في نفوسهم؛ برسم الورود والزهور والأفنان والنباتات البديعة والأشجار والأنهار والسماء والغيوم والنجوم فيها، والقصور ونوافذها وستورها وبعض أثاثها، وأبدعوا كثيرًا في رسم الخطوط والأشكال الهندسية. ويهتمون بالإبداع في الألوان حتى تكون رسوماتهم محاكية للألوان الطبيعية محاكاة تامة، بحسب أحوالها في الفصول الأربعة، فالرسوم المحاكية للربيع تكون ألوانها محاكية لألوان نباتات الربيع وجوها العام، والرسوم المحاكية للشتاء تكون ألوانها محاكية للأشياء من فصل الشتاء، وهكذا. وقد غدت المدن التي حكمها المسلمون في التاريخ مقصدًا ينتجع إليه السائحون من الشرق والغرب، ومقصدًا مهمًّا لمتتبعي الآثار، بغية الإطلاع على ما أنتجه المسلمون في تاريخهم من حضارة عمرانية مدهشة. وأعظم آثار المسلمين الحضارية العمرانية يجدها المتتبعون في المساجد والجوامع الكبرى ومآذنها الشاهقة المزخرفة، وفي المدارس والمعاهد التي أنشاها السلاطين وذوو الثراء من المسلمين، لطلاب العلم الذين كانوا يدرسون علوم الدين الإسلامي وعلوم اللغة العربية أولًا ثم العلوم الأخرى الشاملة للطب والرياضيات والفلسفة، ولما توصل إليه الناس من علوم كونية مختلفة. وشواهد تقدم المسلمين الحضاري في مجال العمران ما تزال قائمة في المدن المهمة التي حكمها المسلمون حقبة من الدهر. وقد فصل المؤرخون الذين كتبوا في الحضارات الإنسانية، من غربيين وشرقيين ومسلمين، ما أنتجه المسلمون من ظاهرات حضارية معمارية، تفصيلات واسعات تعتمد على تحديد البناء، وموقعه، وتاريخ إنشائه، ومن أنشأه، وعلى وصفه وصفًا شاملًا، مع بيان الميزات التي يشتمل عليها، مقرونًا كل ذلك بالرسوم الفوتغرافية، وبالرسوم الهندسية أحيانًا، وبالتحليلات العلمية.

стр. 598

ولست هنا في هذه الموجزات بحاجة إلى ذكر تفصيلات لا تستدعيها خطة الكتاب، ولا داعي إلى ذكرها، فشواهد ما ذكرت من مجملات، مائلات قائمات في كل البلدان الكبيرة التي حكمها المسلمون في العالم حقبة من الدهر. وليس على الحريص على الإثبات أو المشاهدة إلا أن يطوف في مصر، أو في بلاد الشام، أو في العراق، أو في إيران، أو في تركيا، او في المغرب العربي، أو في الأندلس، أو في شبه القارة الهندية، أو في إندونسيا، أو في التركستان، أو في بخارى، أو في أي بلد ذي أهمية تاريخية من البلدان التي حكمها المسلمون في التاريخ. والسائح في تطوافه هذا سيجد إلى جانبه أرتال السائحين، من العرب والشرق غير المسلمين، منبهرين مندهشين بمنجزات المسلمين الحضارية في مجال العمران، وفنون الزخرفة الجميلة التي تشتمل عليها آثارهم.

стр. 599

٩- الخط العربي ١: برع المسلمون براعة فائقة في كتابة الخط العربي، وظهر لهم فيه فن جمالي بديع فريد. واقترنت كتابة الخط العربي في المصاحف وغيرها بأعمال زخرفية بديعة ذات روعة وجمال فائقين. وكان البغداديون أول الأمر أساتذة إتقان الخط العربي والإبداع فيه وزخرفة الكتب. وامتد بعد ذلك هذا الفن إلى فارس، واكتسبت خراسان أهمية خاصة في كتابه الخط العربي، وظهر في فارس خط فارسي ابتكره الخطاط "ميرعلي".

стр. 600

وكان للرغبة في استخدام الألوان المتعددة في القرن الثامن الهجري أثرها في ارتقاء فن التذهيب الإيراني، ولم يقتصر ذلك على تذهيب المصاحف، بل انتقل إلى المخطوطات الأخرى. ومن أعظم مشاهير الخطاطين في القرن التاسع الهجري "سلطان علي المشهدي" و"جعفر البيسنقري التبريزي" و"عبد الكريم الخوارزمي" و"إبراهيم سلطان بن شاه رخ بن تيمور جورجان" وكان هذا من أبرع اللاعبين بالحروف، واشتهرت مقدرته على الكتابة بستة أساليب خطية مختلفة. ثم ظهرت مدرسة الخط في "إستنبول" في العهد العثماني وليدة مدرسة "تبريز" الإيرانية. وتفوق الخطاطون الأتراك في كتابة الخط العربي، ولا سيما في خط الثلث، الذي تكتب به اللوحات الكبيرة، وآثارهم الكتابية ماثلة في الجوامع الكبيرة في المدن التركية، وقد شهدت روائع خطوط في لوحات أو على جدران جامع السلطان أحمد في إستنبول، والجامع الكبير في بورصة، وفي غيرهما من الجوامع الكبيرة في تركيا. واحتل أخيرًا مركز الأستاذية في كتابة الخط العربي الخطاط التركي "رسا" وقد شهدت بعض لوحاته مهمورة بتوقيعه. ومن ميزات الفن التركي العثماني في القرن العاشر الهجري تلوين الزخارف بالذهب، وباللونين الأزرق والأسود، مع إضافة ألوان أخرى. وازدهرت صناعة تجليد الكتب ازدهارًا كبيرًا لدى المسلمين في مختلف مدنهم. ويُعبر الخط العربي الجميل على اختلاف أشكاله وصوره، عند ذوق فني رفيع جدًّا، يجمع بين إتقان التركيب، وجمال الصورة، ومهارة الأداء، ودقة الصنعة اليدوية التي يتمتع بها الخطاطون البارعون.
следующие страницы →