٨- العمران:
اهتم المسلمون بالإنشاءات العمرانية العظيمة، في كل البلدان التي فتحها الله لهم، في الشام، والعراق، ومصر، وبلاد فارس، وبلاد المغرب حتى أقصى الأندلس، وفي أفغانستان، والهند والسند وفي سائر بلدانهم في الشرق.
ومن منشآتهم الحضارية العظيمة تخطيط المدن وإقامتها. وبناء المساجد والمدارس والقصور ودور السكن، وبناء القلاع والحصون والمعسكرات، وإنشاء الأسواق التجارية المظللة المغلقة المحفوظة بالأبواب والحراس، وتعبيد الطرقات ورصفها، وإنشاء الجسور والقناطر، وإنشاء الأبراج للمراقبة، وإنشاء المنارات البحرية للسفن، وإنشاء قنوات الماء والقساطل التي تجري فيها المياه إلى المنازل والمساجد، حتى صارت المدن التي طال حكم المسلمين فيها في مشارق الأرض ومغاربها مقصدًا لمتتبعي الآثار العمرانية العظيمة، لتصويرها، والتعريف بعظمتها، وبيان تفوق مهندسيها في الإتقان الهندسي، وإتقان بنائها العمراني ولدراسة الفنون المعمارية فيها.
ولا يزال متتبعو الآثار والسائحون ينبهرون وتأخذهم الدهشة من عظمة آثار المسلمين العمرانية، وما احتوت عليه من زخرفيات وجماليات بديعات رائعات، كالمقرنسات١، والمدليات ذوات الإتقانات الهندسية الرائعة، وكالفسيفساء التي تزين رسومها البديعة المدهشة المسطحات الداخلية للمباني، سواء كانت مستويات أو منحنيات أو مكورات أو مجوفات أو مقوسات.
стр. 597
وإذ نهى الإسلام عن تصوير الإنسان والحيوانات قطعًا لدابر الوثنيات، فقد انطلق أصحاب المهارات الفنية المسلمون يعبرون عن رغبات الإبداع الفني في نفوسهم؛ برسم الورود والزهور والأفنان والنباتات البديعة والأشجار والأنهار والسماء والغيوم والنجوم فيها، والقصور ونوافذها وستورها وبعض أثاثها، وأبدعوا كثيرًا في رسم الخطوط والأشكال الهندسية.
ويهتمون بالإبداع في الألوان حتى تكون رسوماتهم محاكية للألوان الطبيعية محاكاة تامة، بحسب أحوالها في الفصول الأربعة، فالرسوم المحاكية للربيع تكون ألوانها محاكية لألوان نباتات الربيع وجوها العام، والرسوم المحاكية للشتاء تكون ألوانها محاكية للأشياء من فصل الشتاء، وهكذا.
وقد غدت المدن التي حكمها المسلمون في التاريخ مقصدًا ينتجع إليه السائحون من الشرق والغرب، ومقصدًا مهمًّا لمتتبعي الآثار، بغية الإطلاع على ما أنتجه المسلمون في تاريخهم من حضارة عمرانية مدهشة.
وأعظم آثار المسلمين الحضارية العمرانية يجدها المتتبعون في المساجد والجوامع الكبرى ومآذنها الشاهقة المزخرفة، وفي المدارس والمعاهد التي أنشاها السلاطين وذوو الثراء من المسلمين، لطلاب العلم الذين كانوا يدرسون علوم الدين الإسلامي وعلوم اللغة العربية أولًا ثم العلوم الأخرى الشاملة للطب والرياضيات والفلسفة، ولما توصل إليه الناس من علوم كونية مختلفة.
وشواهد تقدم المسلمين الحضاري في مجال العمران ما تزال قائمة في المدن المهمة التي حكمها المسلمون حقبة من الدهر.
وقد فصل المؤرخون الذين كتبوا في الحضارات الإنسانية، من غربيين وشرقيين ومسلمين، ما أنتجه المسلمون من ظاهرات حضارية معمارية، تفصيلات واسعات تعتمد على تحديد البناء، وموقعه، وتاريخ إنشائه، ومن أنشأه، وعلى وصفه وصفًا شاملًا، مع بيان الميزات التي يشتمل عليها، مقرونًا كل ذلك بالرسوم الفوتغرافية، وبالرسوم الهندسية أحيانًا، وبالتحليلات العلمية.
стр. 598
ولست هنا في هذه الموجزات بحاجة إلى ذكر تفصيلات لا تستدعيها خطة الكتاب، ولا داعي إلى ذكرها، فشواهد ما ذكرت من مجملات، مائلات قائمات في كل البلدان الكبيرة التي حكمها المسلمون في العالم حقبة من الدهر.
وليس على الحريص على الإثبات أو المشاهدة إلا أن يطوف في مصر، أو في بلاد الشام، أو في العراق، أو في إيران، أو في تركيا، او في المغرب العربي، أو في الأندلس، أو في شبه القارة الهندية، أو في إندونسيا، أو في التركستان، أو في بخارى، أو في أي بلد ذي أهمية تاريخية من البلدان التي حكمها المسلمون في التاريخ.
والسائح في تطوافه هذا سيجد إلى جانبه أرتال السائحين، من العرب والشرق غير المسلمين، منبهرين مندهشين بمنجزات المسلمين الحضارية في مجال العمران، وفنون الزخرفة الجميلة التي تشتمل عليها آثارهم.
стр. 599
٩- الخط العربي ١:
برع المسلمون براعة فائقة في كتابة الخط العربي، وظهر لهم فيه فن جمالي بديع فريد.
واقترنت كتابة الخط العربي في المصاحف وغيرها بأعمال زخرفية بديعة ذات روعة وجمال فائقين.
وكان البغداديون أول الأمر أساتذة إتقان الخط العربي والإبداع فيه وزخرفة الكتب.
وامتد بعد ذلك هذا الفن إلى فارس، واكتسبت خراسان أهمية خاصة في كتابه الخط العربي، وظهر في فارس خط فارسي ابتكره الخطاط "ميرعلي".
стр. 600
وكان للرغبة في استخدام الألوان المتعددة في القرن الثامن الهجري أثرها في ارتقاء فن التذهيب الإيراني، ولم يقتصر ذلك على تذهيب المصاحف، بل انتقل إلى المخطوطات الأخرى.
ومن أعظم مشاهير الخطاطين في القرن التاسع الهجري "سلطان علي المشهدي" و"جعفر البيسنقري التبريزي" و"عبد الكريم الخوارزمي" و"إبراهيم سلطان بن شاه رخ بن تيمور جورجان" وكان هذا من أبرع اللاعبين بالحروف، واشتهرت مقدرته على الكتابة بستة أساليب خطية مختلفة.
ثم ظهرت مدرسة الخط في "إستنبول" في العهد العثماني وليدة مدرسة "تبريز" الإيرانية. وتفوق الخطاطون الأتراك في كتابة الخط العربي، ولا سيما في خط الثلث، الذي تكتب به اللوحات الكبيرة، وآثارهم الكتابية ماثلة في الجوامع الكبيرة في المدن التركية، وقد شهدت روائع خطوط في لوحات أو على جدران جامع السلطان أحمد في إستنبول، والجامع الكبير في بورصة، وفي غيرهما من الجوامع الكبيرة في تركيا.
واحتل أخيرًا مركز الأستاذية في كتابة الخط العربي الخطاط التركي "رسا" وقد شهدت بعض لوحاته مهمورة بتوقيعه.
ومن ميزات الفن التركي العثماني في القرن العاشر الهجري تلوين الزخارف بالذهب، وباللونين الأزرق والأسود، مع إضافة ألوان أخرى.
وازدهرت صناعة تجليد الكتب ازدهارًا كبيرًا لدى المسلمين في مختلف مدنهم.
ويُعبر الخط العربي الجميل على اختلاف أشكاله وصوره، عند ذوق فني رفيع جدًّا، يجمع بين إتقان التركيب، وجمال الصورة، ومهارة الأداء، ودقة الصنعة اليدوية التي يتمتع بها الخطاطون البارعون.
стр. 601
١٠- الصناعات الخزفية:
متاحف العالم تحتوي على كنوز نفيسة جدًّا مما أنتجه المسلمون عبر تاريخهم من صناعات خزفية مدهشة في صنعتها، وفي دقة رسومها، والألوان المنتقيات فيها.
لقد اقتبس المسلمون الصناعات الخزفية من الشعوب السابقة لهم، لكنهم أضافوا من عندهم ابتكارات كثيرات، أعطت صناعاتهم الخزفية طابعًا خاصًّا بهم.
ووصل الخزفيون المسلمون في القرنين السادس والسابع من التاريخ الهجري إلى مرحلة تعتبر غاية في الإتقان، واشتهرت بلاد عديدة من بلدان المسلمين بصناعة مختلف أنواع الخزف، كالخزف ذي البريق المعدني، وذي الرسوم فوق الدهان بلون واحد أو ألوان متعددة، وكالخزف ذي الزخارف المحفورة، والزخارف المنقوشة.
وابتكر المسلمون أنواعًا من الزخرفة كان لها تأثير كبير في التجديد، وقد كان من بينها الزخارف المقرعة.
وازدهرت مدينة الري في القرنين السادس والسابع من التاريخ الهجري بهذه الصناعة، حتى صارت مركزًا ذا أهمية لصناعة الخزف الجميل المزين بالزخرفيات، والمتاحف العالمية تزدحم بنماذج وافرة منه.
وكانت مدينة "قاشان" وسائر مدن إيران في القرنين السابع والثامن من التاريخ الهجري مراكز ذات أهمية أيضًا لصناعة الخزف الجميل المزين بالزخرفيات البديعة.
وكانت الرقة والرصافة في هذا العصر من المراكز الهامة لصناعة الخزف الذي يحتوي على عناصر زخرفية جميلة، وقد تداولت أيدي التجار الشاميين كميات كبيرة منه حتى امتلأت بها الأسواق، وتوجد في المتاحف مجموعات كبيرة من خزف الرقة.
стр. 602
ويعتبر السلاجفة١ المسلمون أول من زاول صناعة الفسيفساء الخزفية، أو الرسوم الزخرفية ذوات البريق المعدني، وبلغت هذه الصناعة آخر مراحل تطورها في مدينة أصفهان.
وبلغت صناعة الخزف في مصر والشام في عهد الفاطميين درجة عالية، وامتازت المدرسة الشامية باستخدام اللون الأزرق الفيروزي في طلاء الأرضية.
ونهضت صناعة الخزف التركي في القرن السابع الهجري، وما تبعه من قرون، وصار الخزافون الأتراك أساتذة في فن الخزف المرسوم تحت الطلاء، واعتنوا بصناعة البلاط الخزفي المشتمل على زخارف متعددة الألوان المطلية بالميناء والمرسومة تحت الطلاء.
وهذا النوع من البلاط تزين به جدران العمارات، ويجد زوار المساجد والجوامع في تركيا الشيء الكثير منه في الجدران والمحاريب والمنابر والأسطوانات، وغيرها.
وانتشرت صناعة الخزف في الأندلس وفي المغرب، واشتهرت مدن "مالقة" و"غرناطة" و"منيشة" قرب بلنسبة بصناعات خزفية، وامتازت بإنتاج الأواني والصحون والقدور، التي يقوم بها صناع مهرة من المسلمين.
стр. 603
١١- الصناعات الزجاجية:
وكان للمسلمين في صناعة الزجاج في كثير من بلدانهم عناية كبيرة، فقد كانوا يصنعون من الزجاج الكئوس والأباريق والصحون والقوارير والزهريات والمصابيح والمشكاوات التي توضع فيها المصابيح، وغيرها بإتقان وإبداع وزخارف جميلة بديعة.
وغدت دمشق منذ القرن السابع الهجري أهم مراكز إنتاج الأواني الزجاجية، وكان الشاميون ينتجون الأواني الزجاجية البديعة المذهبة والمطلية بالمينا.
وكانت مصر والعراق ودول آسية الصغرى وإيران وبلاد الصين تستورد الأنواع النفيسة البديعة من الزجاج الشامي.
وظهرت في إيران نهضة في صناعة الزجاج خلال القرن العاشر الهجري فبما بعده، وصارت "شيراز" تصنع أنفس ما يصنع في إيران من زجاجيات.
стр. 604
١٢- صناعة النسيج:
وكانت بلدان المسلمين في العالم متكاملة فيما بينها، وذات اكتفاء ذاتي عن استيراد ما تحتاج إليه من منسوجات من غير بلاد المسلمين لو أحوجتها الضرورة.
وكانت أنواع النسيج منتشرة في مدن المسلمين بصورة صناعات فردية، أو تجمعات صغرى، كانتشار أفران الخبازين، وكانتشار حوانيت الحدادين.
ثم أنشئت مصانع نسيج سميت "دور الطراز" في جميع ولايات المسلمين، بعناية الحكام والولاة، وقد تكون ملحقة بقصورهم أحيانًا، وكان لإنشائها أهمية كبرى لدى حكام العصرين الأموي والعباسي، وكانت تنسج بهذه المصانع ثياب فاخرة محلاة بأشرطة "الطراز" وكان ينقش اسم الخليفة في شريط "الطراز" تسجيلًا لحكمه وسلطانه، ويعد كثير من هذه المنسوجات ليقدمها السلطان هدايا للوزراء والأمراء والحاشية وكبار الزوار وللعشراء، وتسمى القطعة المهداة خلعة خلعها السلطان على من قدمها إليه.
وذاعت شهرة دور الطراز المصرية، بما كانت تنتجه من المنسوجات الكتانية، والحريرية، والتي كانت تصدر من مصر إلى الشام والعراق وسائر بلدان المسلمين.
стр. 605
وورث المسلمون صناعة السجاد التي عرفت بها فارس منذ العصور القديمة، ولهم فيها فنون بديعة.
وازدهرت صناعة الحرير في بغداد منذ حوالي القرن الخامس الهجري.
وأحرزت صناعة الديباج المقصب والمخمل تقدمًا كبيرًا بين المسلمين في الهند خلال القرن العاشر الهجري.
وأحرز المسلمون في كشمير شهرة عظيمة في صناعة الأقمشة الصوفية، ومنها انتقلت إلى أوروبة.
وكثرت المنسوجات في آسية الصغرى خلال العهد العثماني، وكان لإنتاج الحرير المقصب، والمخمل المقصب فيها شهرة صارت بها تنافس مصنوعات البندقية وإسبانية في الأسواق الأوروبية.
واشتهر سلاجفة آسية الصغرى المسلمون في القرن السابع الهجري بإنتاج البسط الجيدة، التي تتكون زخارفها من أشكال هندسية تشغل جميع فراغاتها كالحليات المتشابكات.
وأحسن البسط الإيرانية ما نسج في القرن العاشر الهجري، وصارت تبريز من أكبر مراكز الفن والصناعة في إيران، ولا سيما صناعة البسط.
واشتهرت قاشان وهمذان وتستر وهراة بصناعة السجاد النفيس.
وازدهرت أيضا في تركيا صناعة البسط والسجاد، فكانت تصدر منها إلى سائر بلدان المسملين، وغيرها من بلدان العالم.
وعرفت دمشق بأنواع نفيسة من المنسوخات خاصة بها، عرفت في أوروبة باسم "دامسكو" أي: المنسوجات الدمشقية.
стр. 606
الباب الرابع: لمحات من أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية الأخرى
١- مقدمة:
مؤرخو الحضارات من غير المسلمين، حينما يتعرضون للحديث عن الحضارة التي أسسها المسلمون ونشروها في العالم، على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: جائرون جاحدون متعصبون ضد الإسلام والمسلمين، وهؤلاء يزعمون أن الأمة الإسلامية مجرد أمة قاتلت، فانتصرت، وفتحت الفتوح في العالم بأساليب همجية، وفرضت على الناس بالسيف أن يدخلوا في الإسلام.
الصنف الثاني: متوسطون بين الإنصاف والجحود المتعصب، وهؤلاء يزعمون أن المسلمين قدموا للناس حضارة إلا أنهم كانوا مجرد ناقلين للحضارة اليونانية والفارسية والهندية وغيرها من حضارات الأمم السالفة. وقد استفادت الحضارة الغربية، وما تلاها من نقولهم وتجرماتهم إذ كانوا أدوات نقل صادقة واعية.
النصف الثالث: منصفون متجردون، وهؤلاء يرون أن المسلمين قدموا للعالم حضارة متكاملة الأسس، وأن حضارتهم التي قدموها ترجع إلى ثلاثة مصادر:
- فكان القسم الاعتقادي والسلوكي الفردي والاجتماعي مأخوذًا من تعليمات دينهم المبينة في القرآن، وفي بيانات الرسول ﷺ ، وما استنبطه المسلمون منهما.
- أما القسم المادي والإداري التنظيمي فقد كان المسلمون فيه جامعين بين
стр. 607
النقل من حضارات الأمم السابقة، والإضافات من عندهم بابتكاراتهم الفكرية، وتجرباتهم العملية، وأعمالهم في الاستقراء والسبر والاستنباط والاستخراج والتفسير والتعليل والقياس.
فهي إذن ثلاثة مصادر:
١- المصدر الديني الذي اختصوا به منفردين عن سائر الأمم.
٢- المصدر النقلي من حضارات الأمم السابقة.
٣- المصدر الابتكاري الفكري والتجريبي، مع الاستقرار والسبر، والاستنباط والاستخراج والتفسير والتعليل والقياس.
وفي الأبواب السابقة من هذا الكتاب، ما يكشف لكل ذي فكر، أن واقع حال الحضارة التي قدمها المسلمون هو ما قرره ويقرره المؤرخون المنصفون، الباحثون بتجرد لا يشوبه تعصب ولا أنانيات مقيتة، وهم أهل الصنف الثالث.
وهذا هو الحق الذي يعلنه المؤرخون المسلمون الذين لم يتأثروا بمزاعم الجائرين الجاحدين المتعصبين، ولا بآراء المتوسطين بين الإنصاف والجحود المتعصب.
نظرة تفصيلية:
- أما العلوم الإسلامية، فقد كانت كلها:
١- إما منزلة من لدن رب العالمين على رسول الله ﷺ للناس أجمعين بالنص الصريح.
٢- وإما بيانات جليات من الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
٣- وإما اجتهادات استنباطية من علماء المسلمين في فهم نصوص القرآن والسنة.
- وأما العلوم العربية فقد كانت كلها من أعمال المسلمين، واستنباطاتهم وإبداعاتهم، وكان عملهم فيها قائمًا على ما يلي:
стр. 608
١- الاستقراء التام أو الناقص الصالح للبناء عليه، واستخراج القواعد والقوانين.
٢- السبر بالغوص العميق لإدراك البواطن الخفية من وراء السطوح.
٣- الاستنباط والاستخراج.
٤- التفسير والتعليل للظواهر.
٥- قياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض.
- وأما العلوم العقلية والعلوم الكونية والطبيعية والاجتماعية، فقد كانت أعمال المسلمين فيها قائمة على الجمع بين خمسة عناصر:
١- اعتماد المفهومات الإسلامية فيها، المستقاة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إذا كانت نصوصهما قد دلت على قواطع بشأن شيء منها، أو ظنون راجحة.
٢- الاجتهاد في البحث والتأمل استجابة لتوجيه الله لهم، للنظر في الظواهر الكونية بغية التعرف على سنن الله وقوانينه، التي اتقن بها صنع كل شيء في الموجودات المخلوقة.
٣- اعتماد المنهج التجريبي مع الملاحظة وتدوين النتائج.
٤- الاقتباس من حضارات الأمم والشعوب السابقة لبعثة محمد ﷺ ، واعتماد ما كان منها حقًّا، أو صالحًا للحياة.
٥- ما يتوصل إليه المسلمون بتأملاتهم وبحوثهم وابتكاراتهم الفكرية، وتجرباتهم العملية، فهم يضيفونه ويجعلونه أحد عناصر حضاراتهم.
وقد أكد معظم المنصفين من غير المسلمين أن الحضارة الأوروبية وما سار في ركبها من حضارات غربية أو شرقية، قد أخذت عن حضارة المسلمين المنهج التجريبي، الذي اكتشف به المسلمون من قوانين الله وسننه في كونه ما لم يكن مكتشفًا ولا معروفًا لدى أهل الحضارات السابقات، وأضافوا به إلى الحضارة الإنسانية مبتكرات صناعية، وأنظمة إدارية نافعة، وخططًا حربية ظافرة.
стр. 609
ولما استخدم رواد الحضارة الغربية اللاحقة، هذا المنهج التجريبي الذي أخذوه عن المسلمين، استطاعوا أن ينشئوا الحضارة المادية التي تشاهد في عصرنا آثارها ومنجزاتها المدهشة، والتي بها استطاع الإنسان الانتفاع من كثير من طاقات الكون الكامنة، التي سخرها الله له، بشرط أن يتوصل إلى إدراك ومعرفة مفاتيحها، ووسائلها، وأسبابها، وطرق الانتفاع منها، وقد كانت هذه الطاقات الهائلات من الأسرار الخفية وراء الظواهر الكونية المشهودة.
وبهذه الطاقات العظيمات التي استطاع الإنسان أن ينتفع بها ومنها، ويسخرها لمطالبه في الكون والحياة، ركب المراكب العظيمة في البر والبحر والجو، ووصل إلى القمر فالمريخ، وعرف الذرة وخصائصها، وأطلق طاقاتها مع التحكم بتوجيهها، وعرف الإلكترونات وحركاتها وتأثيراتها، وكيفية الانتفاع منها وبها، وعرف خصائص كثير من الأشعة الكونية التي كانت في عالم الغيب بالنسبة إلى الناس، إلى غير ذلك من مكتشفات مذهلات.
стр. 610
٢- من أقوال المنصفين:
١- قال "عباس محمود العقاد" في معرض رده على صنف الجائرين الجاحدين المتعصبين١:
"وقد أصاب "أبانيز" حين قال: إن عصر النهضة مدين للحضارة الأندلسية قبل الحضارة الإيطالية التي أعقبتها؛ لأن عصر النهضة لم يكن عصر تجديد للفنون الإغريقية القديمة ولا مزيد على ذلك من عنده، ولكنه كان عصر تجديد في الحياة العملية والمرافق الصناعية والتجارية، وفهم مستحدث للعقيدة وللعالم، وللعلاقات بين الحاكمين والمحكومين، أو كان عصر معيشة جديدة تناولت بالتبديل والتعديل طبقات الشعوب من العلية إلى السواد، وذلك أولى أن يأتي من القدوة الشعبية في جميع الشئون العملية بعد اتصال المعاشرة بين حضارة العرب "أي: المسلمين" وأبناء أوروبة الغربية عدة قرون.
стр. 611
وفي وسع الأرقام والألفاظ أن تُحصي لنا آثار العرب "أي: المسلمين" في بعض العلوم أو بعض الصناعات، ولكن آثار العرب "أي: المسلمين" في الحضارة العامة لا تستقصيها الأرقام ولا الألفاظ، ولا هي موقوفة على استقصاء أرقام وألفاظ لأن زعم الزاعم أنها قد مضت بغير أثر كبير يناقض العقل البشري كما ينقاض المشاهد والمحسوس، وإسناد هذا الأثر إلى غيرها بلا مشاركة منها على الأقل تعسف لا يؤخذ به في سياق التاريخ.
وقد جاءت النهضة بعد عهد الحضارة الأندلسية، وجاء الإصلاح الديني بعد النهضة، وجاءت الحرية السياسية بعد الإصلاح، فليس في وسع المتعصبين منهم أن يقطعوا الصلة بين الحركة الأولى وما تلاها، مع هذا التلازم في الزمان والأسباب". ا. هـ.
٢- ويقول العلامة "دريبر" في معرض الدفاع عن حضارة العرب "أي: المسلمين" وتسفيه الطريقة التي انتهجها زملاؤه من كتاب أوروبا للتعمية على أفضال المسلمين على الحضارة١:
"ينبغي عليًَّ أن أنعى على الطريقة الرتيبة التي تحايل بها الأدب الأوروبي ليخفي عن الأنظار مآثر المسلمين العلمية علينا. أما هذه المآثر فإنها على اليقين لن تظل كثيرًا بعد الآن مخفية عن الأنظار. إن الجور المبني على الحقد الديني والغرور الوطني لا يمكن أن يستمر إلى الأبد". ا. هـ.
٣- ويقول "سارتون"٢:
"حقق المسلمون عباقرة الشرق أعظم المآثر في القرون الوسطى، فكتبت أعظم المؤلفات قيمة، وأكثرها أصالة، وأغزرها مادة باللغة العربية. وكانت من منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر لغة العلم الارتقائية للجنس البشري، حتى لقد كان ينبغي لأي كان إذا أراد أن يلم بثقافة عصره، وبأحدث صورها أن يتعلم اللغة العربية. ولقد فعل ذلك كثيرون من غير المتكلمين بها". ا. هـ.
стр. 612
٤- ويقول "نيكلسون"١:
"إن أعمال العرب "أي: المسلمين" العلمية اتصفت بالدقة وسعة الأفق. وقد استمد منها العلم الحديث -بكل ما تحمل هذه العبارة من معان- مقوماته بصورة أكثر فعالية مما نفترض". ا. هـ.
٥- ويقول "سيديو"٢:
"تكونت فيما بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر مجموعة من أكبر المعارف الثقافية في التاريخ، وظهرت منتوجات ومصنوعات متعددة، واختراعات ثمينة تشهد بالنشاط الذهبي المدهش في هذا العصر. وجميع ذلك تأثرت به أوروبا، بحيث يؤكد القول إن العرب "أي: المسلمين" كانوا أساتذتها في جميع فروع المعرفة، لقد حاولنا أن نقلل من شأن العرب "أي: المسلمين" ولكن الحقيقة ناصعة يشع نورها من جميع الأرجاء. وليس من مفر أمامنا إلا أن نرد لهم ما يستحقون من عدل إن عاجلًا أو آجلًا". ا. هـ.
٦- ويقول "جوستاف لوبون"٣:
"كان تأثير العرب "أي: المسلمين" في الغرب عظيمًا للغاية، فأوروبا مدينة للعرب "أي: المسلمين" بحضارتها. ونحن لا نستطيع أن ندرك تأثير العرب "أي: المسلمين" في الغرب إلا إذا تصورنا حالة أوروبا عندما أدخل العرب "أي: المسلمون" الحضارة إليها". ا. هـ.
стр. 613
تتبعات تاريخية مفصلة جاءت في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب "
...
٣- تتبعات تاريخية مفصلة جاءت في كتاب "شمس العرب تستطع على الغرب" ١:
١- جاء في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للمستشرقة الألمانية "زيغريد هونكه":
إن "جربرت" الذي ارتقى كرسي البابوية سنة "٩٩٩م" قد تعلم الرياضيات والفلك على أيدي أساتذة من العرب في إسبانية، وأنه استمع إلى الأساتذة العرب، وتعلم أشياء لم يكن أحد في أوروبة ليحلم بأن يسمع بها، وكان من أهم ما تعلمه "جربرت" نظام الأرقام والأعداد العربية.
وأنه حير بعلمه معاصريه، وأن قومه نظروا إليه كساحر، وكفنان غريب، ونسجوا حوله الإشاعات، حتى قيل: إنه كان يهرب ليلًا من الدير إلى إسبانية ليتعلم على أيدي العرب علم الفلك والفنون الأخرى. ا. هـ. شمس العرب "ص٨٠-٨١".
٢- وجاء فيه أيضًا قولها:
"فقد كان في مدينة قرطبة وحدها خمسون مستشفى في أواسط القرن العاشر الميلادي، فطغت بهذا العدد على مدينة "بغداد" عاصمة الدنيا آنذاك، ومضرب الأمثال في عصر الخليفة "هارون الرشيد" وكانت المستشفيات تتمتع بموقع تتوافر فيه كل شروط الصحة والجمال، وتزود بماء جار للحمامات مد لها من نهر دجلة". ا. هـ. شمس العرب "ص٢٢٨-٢٢٩".
٣- وجاء فيه أيضًا قولها:
قبل ٦٠٠ عام كان لكلية الطب الباريسية أصغر مكتبة في العالم، لا تحتوي إلا على مؤلف واحد، وهذا المؤلف كان لعربي كبير.
ولقد اعترف الباريسيون بقيمة هذا الكنز العظيم، وبفضل صاحبه عليهم وعلى الطب إجمالًا، فأقاموا له نصبًا في ساحة القاعة الكبيرة في مدرسة الطب لديهم، وعلقوا صورته وصورة عربي آخر في قاعة أخرى كبيرة تقع في شارع "سان جرمان" إنه أبو بكر محمد بن زكريا الرازي". ا. هـ. شمس العرب "ص٢٤٣-٢٤٤".
وقولها:
"لم يكن الرازي ذلك الطبيب العظيم فحسب، بل كان أيضًا أحد الأوائل الذين جعلوا من الكيمياء علمًا صحيحًا". شمس العرب "ص٢٥١".
стр. 614
٤- وجاء فيه أيضًا ما خلاصته:
أن "قسطنطين" الأفريقي الأصل، الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، وعمل بالتجارة، وتاجر بالعقاقير والأدوية، واحتك بالطب العربي احتكاكًا مباشرًا، والتقى في "بغداد" وفي "حلب" وفي "أنطاكية" بابن بطلان. وكان يحمل العقاقير والأدوية من بلدان المسلمين، ويبيعها للإفرنج في "سالرنو"١ قد وعد أصدقاءه الفرنجة بأن يزودهم في سفراته القادمات بكنوز من الطب العربي، بدلًا من عقاقيره وحدها.
وأنه عاد إلى مصر، ودخل مدارس الطب، ليمضي فيها السنوات الطوال دارسًا، وهو في نضجه الكامل، وبعد سنين طوال عاد إلى "سالرنو" ومعه مجموعة من الكتب المكتوبة باللسان العربي.
وأنه أكب على ترجمة هذه الكتب، إلا أنه كان يقدم مخطوطاته المترجمة إلى لاتينية ركيكة على أنها من تأليفه، وساعده الراهبان "آتو" و"يوحنا" على تنقيحها وإجلاء غوامضها، وصياغتها بأسلوب واضح.
وأن الناس تلقفوا مؤلفاته بإعجاب كبير؛ إذ كانت تنزل كالوحي على أطباء "سالرنو".
وأن شهرته الكبيرة استمرت مدة أربعين سنة، ثم ظهر فجأة أنه كان تاجرًا غشاشًا، عرف كيف يغلف بضاعة قديمة بغلاف جديد بهر الأنظار، وأنه قد كان يترجم كتبًا مكتوبة باللسان العربي وينسبها إلى نفسه. شمس العرب "انظر الصفحات من ٢٩٣-٢٩٧".
٥- وجاء فيه أيضًا قولها:
"لقد انطلق الأوروبيون إلى مدن إسبانية، وخلجان إيطالية، بل إلى مدن المشرق؛ سعيًا وراء المعارف العربية.
فاهتمام "فريدريك الأول" بعلم النجوم العربي، هو الذي حدا به إلى انتزاع
стр. 615
"جيرارد" من قلب مدينته الوفية "كريمونا"١ وإرساله إلى إسبانيا، وقد أوصاه بمهمة جلب "المجسطي"٢ لـ"بطليموس" من مدينة "طليطلة" وكان ذلك في الوقت الذي تغنى به القوم بشهرة "سالرنو" المتفتحة تحت شمس المعرفة العربية.
ولكنه ما إن وصل إلى هذه القلعة السابقة للفكر العربي "أي: فكر المسلمين" ورأى هذه الكنوز الفكرية العظيمة، التي ظهرت للأعين فيها حتى قرر البقاء هناك. وبقي مدة تزيد على العشرين سنة، جمع فيها أكثر من ثمانين مخطوطة بالإضافة إلى كتب "المجسطي" وعاد بها إلى موطنه "كريمونا".
وكانت هذه المخطوطات كنوزًا فكرية بحد ذاتها، وثمرات عظيمات قيمات وسافرات النضج". ا. هـ. شمس العرب "ص٣٠٣".
٦- وجاء فيه أيضًا قولها:
"وتدفق سيل الترجمة تدفقًا متواصلًا لم يكن بوسع أحد أن يمنعه، وانطلق من إسبانيا، وصقلية، وشمالي إيطالية، فمن مدينة "بادوا" جاءت ترجمة "الكليات" لابن رشد، وترجمة كتاب "التيسير" لابن زهر، مرتين على التوالي. ومن "صقلية" جاءت ترجمة "الحاوي" أضخم كتاب للرازي، وقد أمضى اليهودي "ابن سليم" المتعلم في "سالرنو" نصف حياته في ترجمته.
وظلت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية على أشدها حتى القرن السادس عشر الميلادي، وأضيفت أشياء جديدة لم تكن معروفة، وأعيدت ترجمة كتب أخرى مرة ثانية، ككتاب "القانون" لابن سينا، وكتاب "زاد المسافرين" لابن الجزار، وكتب أخرى للرازي، ولابن رشد.
وبهذا انطلقت حركة فكرية جبارة لم يقدر أي من العلماء في القرون التي تلت إلا أن يتأثر بها". شمس العرب "ص٣٠٣-٣٠٤".
стр. 616
٧- وجاء فيه أيضًا قولها:
"إن سيلًا عرمًا من نتاج الفكر العربي "تقصد من نتاج المسلمين" ومواد الحقيقة والعلم وقد نقحته أيد عربية "أي: أيد مسلمة" ونظمته، وعرضته بشكل مثالي، قد اكتسح أوروبة -ولو في رداء ركيك من اللغة اللاتينية- وغمر أرضها الجافة عمرًا، فأشبعها كما يشبع الماء الرمال الظمأى.
وبعد الموجة الأولى التي سمت بـ"سالرنو" إلى ذرى من الشهرة العالمية التي لا تضاهي، جاءت الموجة الثانية فبعثت الحياة النابضة في مدينة "مونبليه" الواقعة على مفترق الطرق بين إسبانيا وما تبقى من بلاد الغرب، وأمدت مدرسة "بولونية" الإيطالية، وجامعتها، بدفعات جديدات من الذخر العربي، وأعطت مواد الدراسة المثالية إلى "بادوا" و"باريس" و"أكسفورد".
وفي مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك عالم واحد من بين العلماء، إلا ومد يديه إلى الكنوز العربية هذه يغترف منها ما شاء الله له أن يغترف، وينهل منها كما ينهل الظمآن من الماء العذب؛ رغبة منه في سد الثغرات التي لديه، وفي الارتقاء إلى مستوى عصره العلمي.
ولم يكن هناك كتاب واحد من بين الكتب التي صدرت في أوروبة آنذاك إلا وقد ارتوت صفحاته بالري العميم من الينابيع العربية، وأخذ عنها ... وظهر فيه تأثيرها واضحًا كل الوضوح، ليس فقط في كلماته العربية المترجمة، بل في محتواه وأفكاره". ا. هـ. شمس العرب "ص٣٠٥-٣٠٦".
٨- وجاء فيه قولها متحدثة عن صقلية التي حكمها المسلمون قرنين ونصفًا، وكانوا فيها سادة للجزيرة على طرف أوروبة الجنوبي، ثم طردهم منها الكونت "روجر الأول" النورماني:
"فمنذ مائتي سنة قدم العرب إلى صقلية من تونس، من المنطقة التي حول القيروان، وحولوا خرائب صقلية أو حدائق غناء، واستوردوا لها من بلادهم أشجار النخيل، وزرعوا فيها أشجار البرتقال والفستق والمر والموز والزعفران، فحولوا الجزيرة الفقيرة بالقطن وقصب السكر إلى بلد يزخر بالخيرات، وزينوها بالقصور والمساجد الرائعة التي كانت تعج بالشعراء والمغنين والفلاسفة والأطباء وعلماء الرياضة والطبيعة، ويُحصيها ابن حوقل عام "٩٧٠م" في "بالرمو" فقط بثلاثمائة ما بين قصر ومسجد. واستخدم المتعلمون في صقلية في كتاباتهم ورقًا أبيض كان أول ورقة عرفته أوروبة، وكان ذلك قبل أن تُصدره إسبانية إلى الغرب بزمن طويل". ا. هـ. شمس العرب.
стр. 617
٤- واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين:
١- أخذ المسلمون منذ تكونت لهم دولة ذات كيان مستقل، يبنون حضارتهم بهدي من تعليمات الإسلام، في القرآن الكريم، وبيانات الرسول العظيم القولية والعملية، وتوجهت أنظارهم لإصلاح شعوب الأرض، ودعوتها للسير على صراط الإسلام المستقيم، فانطلقوا شرقًا وغربًا فاتحين مهذبين ملتزمين فضائل الأخلاق ومحاسن الشيم، وعاملين بتعليمات الإسلام، إلا من شذ منهم عن العمل بتعليمات دينه اتباعًا للهوى، أو أخطأ في فهم نصوص الإسلام.
وفي انطلاقهم شرقًا وغربًا أخذوا يعلمون الناس ما هداهم إليه الإسلام من حضارة فكرية اعتقادية، وحضارة سلوكية فردية واجتماعية، وما دعاهم إليه الإسلام من بناء حضارة مادية تنشد الخير، وتقاوم الشر والضر والفساد، مؤمنين بأن الله ﷻ سخر الكون للناس لينتفعوا بما فيه من خيرات وطاقات ظاهرات أو خفيات، ضمن قواعد الحق والخير والفضيلة والجمال، ومؤمنين بأن الله ﷻ مكن الناس عن طريق البحث والتنقيب واستعمال الفكر، والتأمل العميق، والقيام بالتجارب العملية، والملاحظات المتأنيات للتجارب، من التوصل إلى مفاتيح كنوز الكون، طاقاته الخفيات، والتعرف على مسالكها، ومؤمنين بأن الله ﷻ حثهم على أن يتابعوا البحث والتنقيب والتجارب والملاحظات المتأنيات، بكل ما لديهم من وسع متجدد، وقدرات على متابعة حلقات سلاسل المعارف المحجوبة عن أنظارهم القصيرة، وحثهم على أن
стр. 618
يحفروا أنفاق البحث، لاستخراجها حلقة فحلقة، بلا نهاية منظورة، وأن يكونوا دوامًا في ارتقاء حضاري، وأن يكونوا السابقين إلى كل فضيلة ومكرمة وعلم، وإلى امتلاك كل قوة يمكن أن يمتلكها الناس بتسخير الله ما في الكون لهم.
٢- وحين انطلق المسلمون يبنون حضارتهم في البلدان التي ملكوا نواصي السلطان فيها شرقًا وغربًا، كانت شعوب أوروبة، والشعوب العربية كافة، في جهل مطبق وأمية منتشرة في كل طبقاتهم، وتخلف حضاري بعيد، في الفكر، وفي السلوك الفردي والاجتماعي، وفي مختلف مجالات العلوم.
٣- وبينما كان كثير من علماء الدين الإسلامي يتوجهون باهتمام بالغ لدراسة العلوم الرياضية والعقلية والطبيعية، ويبحثون في الظواهر الكونية عن العلل والأسباب، وينقبون في كل موقع مادي أو معنوي يصلح للتنقيب فيه، بغية اكتشاف سنن الله وقوانيه في كونه، واستخراج الكنوز التي أودعها في خباياه، كان قادة الكنيسة ورجالها في أرجاء الأرض يعادون ويحاربون كل من يأتي بنظرية أو حقيقة علمية تخالف تعليماتهم التقليدية، ولو كانت خرافية، وربما كان جزاؤه الحرق بالنار لهرطقته ومخالفته في أفكاره التي جاء بها تعليماتهم.
مع أن تعليماتهم هي من أوضاعهم أو من الأساطير التي نقلوها عن أهل القرون الأولى، وليست من دين الله الذي أنزله الله على عيسى أو موسى أو إبراهيم أو أي رسول أو نبي يؤمن به اليهود أو النصارى من الصادقين.
٤- ولما كان المسلمون يتوضئون لصلواتهم، ويغتسلون اغتسالات واجبات، واغتسالات مندوبات، ويستنجون أو يستجمرون، ويتحرزون من النجاسات والقذارات، ويسرعون إلى إزالتها عن أجسادهم وثيابهم وأماكنهم وأدواتهم إذا وقعت عليها أو لامستها، كانت الشعوب الأوروبية، والشعوب الغربية عامة، لا تعرف شيئًا عن الطهارة وإزالة النجاسات من الأبدان والثياب والأمكنة والأدوات، ولا تعرف الاستنجاء بالماء حتى رأوا المسلمين يفعلون ذلك، واستمروا في الغالب على عاداتهم السابقات حتى اكتشف علماؤهم الجراثيم والميكروبات، ورأوا أن النجاسات والقذارات هي أعظم البؤر الحاملة لها، وأنها تسبب الأمراض والأوجاع والأوبئة الخطيرة.
стр. 619
وليس يخاف على أي ذي فكر ونظر أن الطهارة والعناية بها من أجلى مظاهر الحضارة البشرية.
مؤكدات لهذه الحقائق من بيانات غربية منصفة:
جاء في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للمستشرقة الألمانية "زيغريد هونكه" ما يلي:
١- لقد قص "فيلهلهم" على رفاق سفره الدهشين ما يلي:
"كان عندنا في بلادنا فارس كبير القدر، فمرض وأشرف على الموت، فجئنا إلى قس كبير من قساوستنا، وقلنا: تجيء معنا حتى تبصر الفارس فلانًا؟
قال: نعم، ومشى معنا، ونحن نتحقق أنه إذا حط يده عليه عوفي.
فلما رآه قال: أعطوني شمعًا، فأحضرنا له قليل شمع، فلينه بيده وعمله مثل عقد الإصبع، ووضع واحدة في جانب أنفه الأيمن، ووضع أخرى في جانب أنفه الأيسر، فمات الفارس.
فقلنا له: قد مات.
قال: نعم، كان يتعذب، سددت أنفه حتى يموت ويستريح".
وعلقت "زيغريد" على هذه القصة بقولها:
"أيد توضع، وشيطان يطرد، وصلاة تقام ...
تلك كانت الوسائل المفضلة في المعاجلة التي حاول بها أطباء أوروبة -عن طريق مسموح الكهنوت والرهبان- إنقاذ الإنسانية المريضة، وتخليصها من براثن الداء والألم". شمس العرب "ص٢١٨".
٢- وجاء فيه قولها:
"ولعل من أهم عوامل انتصارات العرب "أي: المسلمين" هو ما فوجئت به
стр. 620
الشعوب من سماحتهم، حتى إن الملك الفارس "كيروس. KYROS" نفسه قال: "إن هؤلاء المنتصرين لا يأتون كمخربين" فما يدعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصب والوحشية، إن هو إلا مجرد أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلاف من الأدلة القاطعة عن تسامحهم وإنسانيتهم في معاملاته مع الشعوب المغلوبة". ا. هـ.
أقول: أليس هذا من مظاهر الارتقاء الحضاري لدى المسلمين، مع أنهم هم المنتصرون الفاتحون، وأصحاب السيادة والسلطان؟!
وتتبع المستشرقة "زيغريد" بيانها هذا بقولها:
"والتاريخ لا يقدم لنا في صفحاته الطوال إلا عددًا ضئيلًا من الشعوب التي عاملت خصومها والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب "أي: المسلمون".
وكان لمسلكهم هذا أطيب الأثر، مما أتاح لحضارتهم أن تتغلغل بين تلك الشعوب بنجاح لم تحظ به الحضارة الإغريقية ببريقها الزائف، ولا الحضارة الرومانية بعنفها في فرض إراداتها بالقوة". ا. هـ. شمس العرب "ص٣٥٧-٣٥٨".
٣- وجاء فيه عقب بيانها الموسع عن اتجاه الإمبراطورية الرومانية لمحاربة البحث العلمي في الظواهر الطبيعية لاكتشاف قوانين الكون وسننه، وأن من الضلال البحث عن الحقيقة في غير الكتاب المقدس، والتفكير والتمحيص في أمور دنيوية، قولها:
"وكان أكبر دليل مؤلم على هذا التفكير الغريب أعمدة الدخان، وألسنة اللهب التي اندلعت فوق الإسكندرية، كنز المعرفة الإغريقية على مر العصور، والتي أصبحت حينذاك مركزًا للكنيسة المسيحية إلى جانب رومة.
احمرت بنيراها فوق دلتا النيل، وأحرقت نفائس ثمينة لا تُعَوَّض، من الشعر، والأدب، والفلسفة، والتاريخ، والعلم، والثقافة الإغريقية.
أحرقتها وأبادتها جموع من المسيحيين المتعصبين.
لقد ذهب جزء هام من المكتبة قبل ذلك، عام "٤٨ق. م" طعمة للنيران
стр. 621
أثناء حصار "يوليوس قيصر" ولكن "كليوباطرة" عوضت هذه الخسائر من مكتبة "برجامون pergamon" وفي القرن الثالث الميلادي بدأت تبرز التخريبات المبيتة ضدها. فأغلق أحد البطاركة المسيحيين مدرسة متحف الإسكندرية، وطرد طلابها.
وفي أيام حكم القيصر "فالنس ٣٣٦م valens" حول المتحف إلى كنيسة، وسلبت مكتبته، وطورد فلاسفته بتهمة السحر والشعوذة.
وفي عام "٣٨١م" استصدر البطريرك "تيوفيلس theophilos" من القيصر "تيودوسيوس theodosius" إذنًا بتخريب السرابيون، أكبر ما تبقى من الأكاديميات وآخرها، وإشعال النيران في مكتبته الثمينة.
وبهذه الطريقة فقدت البشرية جزءًا هامًّا من ثقافتها لا يمكن تعويضه".
وقالت أيضًا:
"وهكذا اختفت مراكز الحضارة الإغريقية واحدًا إثر واحد. وأُقفلت آخر مدرسة للفلسفة في آثنية عام "٥٢٩م" وأحرقت في رومة عام "٦٠٠م" مكتبة البلاتين، وهدم ما تبقى من آثار أبنية القدماء.
وعندما دخل العرب "أي: المسلمون" الإسكندرية عام "٦٤٢م" مكتبة البلاتين، وهدم ما تبقى من آثار أبنية القدماء.
وعندما دخل العرب "أي: المسلمون" الإسكندرية عام "٦٤٢م" لم يكن هناك منذ زمن طويل مكتبات عامة كبيرة.
وأما ما اتهم به قائدها "عمرو بن العاص" من إحراقه لمكتبة الإسكندرية، والذي يعبر به حتى اليوم عن صورة مفزعة للبربرية والوحشية، فقد ثبت في أكثر من مناسبة، وبعد أبحاث مستفيضة أنه مجرد اختلاق لا أساس له من الصحة.
إن "عمرو بن العاص" فاتح الإسكندرية، هو نفسه "عمرو" الذي ضرب المثل بتسامحه طوال فتوحاته، وحرم النهب والسلب والتخريب على جنوده، وعمل ما كان غريبًا عن فهم الشرقيين القدماء والمسيحيين على السواء.
لقد ضمن صراحة للمغلوبين حرية ممارسة شعائرهم الدينية المتوارة". ا. هـ. شمس العرب "ص٣٦٢-٣٦٣".
стр. 622
٤- وجاء فيه في معرض مقارنتها بين حث الإسلام على العلم، واكتساب المعرفة الدنيوية بالإضافة إلى المعرفة الدينية، وتخوف المسيحيين من المعارف الدنيوية قولها:
"مفهومان مختلفان، بل عالمان منفصلان تمامًا، حددا بهذا طريقين متناقضين للعلم والفكر، في الشرق والغرب.
وبهذا اتسعت الهوة بين الحضارة العربية "أي: الإسلامية" الشامخة، والمعرفة السطحية المعاصرة في أوروبا حيث لا قيمة لمعرفة الدنيا كلها". "أي: إبان ازدهار حضارة المسلمين".
وقولها بشأن رفض معلمي الكنيسة يومئذ فكرة كروية الأرض: "وأما ما يدعيه بعضهم من أن الأرض كروية فهو كفر وضلال، فمعلم الكنيسة "لاكتانتوس lactanius" يتساءل مستنكرًا: "هل هذا من المعقول؟ أيعقل أن يُجن الناس إلى هذا الحد، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض، وأن أقدام الناس تعلو رءوسهم؟ ".
لقد كانت الأرض بالنسبة إلى بعض الناس تلًّا تدور الشمس حوله ما بين الشروق والغروب، وبالنسبة إلى الآخرين مسطحًا تحيط به المحيطات.
لقد قُضي بهذا التفكير الساذج على تطور العقل البشري في العصور السابقة، وعاد عصر الملاحظة البدائية والتفكير المشعوذ إلى الحياة من جديد.
ملعون من يقتنع أو يقبل في ذلك العصر تفسيرًا علميًّا لحوادث الطبيعة. خارج عن طاعة الرب من يشرح أسبابًا طبيعية لبزوغ كوكب، أو فيضان نهر، بل من يعلل علميًّا شفاء قدم مكسورة، أو إجهاض امرأة، فتلك كلها عقوبات من الله، أو من الشيطان، أو هي معجزات أكبر من أن ندرك كنهها!!.
وإذا كانت القوى الدينية "أي: المسيحية" قد كسرت جهدها للهدف الديني. فإنها قد هبطت بالمعرفة الدنيوية، فابتعدت تمامًا عن الثقافة، والفكر الإغريقي، وانغمست في الخرافات والترهات التي لن نستطيع اليوم أن نتصور مدى انتشارها، وسيطرتها على العقول الساذجة.
стр. 623
ولم تشمل هذه الحركة الرجعية العامة من الناس فحسب، بل إن المتعلمين أيضًا لم يكن لهم من زاد عقلي سوى بعض الأساطير المليئة بالخرافات المقتبسة أسوأ اقتباس عن اللاتينية البربرية، أو عن قصص الإغريق وأساطير الشرق القديمة.
وما وصلت إليه الكنيسة وكهنتها في المجال الديني لم يكن عامل إنقاد للحضارة بل كان عائقًا لها.
وظل الفكر الإغريقي بالنسبة إليهم غريبًا، فحوالي عام "٣٠٠م" علل أسقف قيصرية "أوزيبوس Eusebius" ذلك المسلك لعلماء الطبيعة من "الإسكندرية" و"برجامون" قائلًا: إن موقفنا هذا ليس جهلًا بالأشياء التي تعطونها أنتم كل هذه القيمة، وإنما لاحتقارنا لهذه الأعمال التي لا فائدة منها، لهذا فإننا نشغل أنفسنا بالتفكير فيما هو أجدى وأنفع.
ولقد كان الفكر الإغريقي يُمثل للمسيحيين شبحًا ملعونًا، فلم يقتربوا منه، بل حطموا جزءًا كبيرًا من تراثه، وحرموا منه البشرية.
ولقد كان الفكر الإغريقي يُمَثِّل للمسيحيين شبحًا ملعونًا، فلم يقتربوا منه، بل حطموا جزءًا كبيرًا من تراثه، وحرموا منه البشرية.
حتى إن الغرب اضطر بعد صحوته أن يبدأ من جديد، على الرغم من أن الحضارات القديمة، والهيلينية١ على الخصوص، كانت قد وصلت في سالف أيامها إلى درجة كبيرة من الرقي.
وعلى الرغم من هذا فقد بدا للسادة المهيمنين على الأمور ضرورة تحريم الكتب، التي تهتم بالأمور الحقيرة الدنيوية على المتعلمين ورجال الدين المسيحي.
ففي عام "١٢٠٦م" نبه مجمع رؤساء الكنائس المنعقد في باريس رجال الدين بشدة على عدم قراءة العلوم الطبيعية، واعتبر ذلك خطيئة لا تغتفر.
وقضى هذا التفكير الضيق على كل موهبة، وعاق كل بحث علمي، وأجبر كل المفكرين الذين لا تتفق أعمالهم ومعتقدات الكنيسة هذه، على إنكار ما قالوه
стр. 624
من النظريات العلمية، وإلا كان مصيرهم الحرق العلني، بالنار، لكفرهم وخروجهم على المعتقدات الإلهية "بحسب زعمهم الفاسد".
ومن هنا فقط يتضح لنا تمامًا لماذا احتاجت الحضارة في الغرب ألفًا من السنين، قبل أن تبدأ بالازدهار تدريجيًّا، مع أنها قد كانت لديها فرصة مناسبة لتبدأ قبل الحضارة العربية "أي: حضارة المسلمين" بقرنين أو ثلاثة.
وما قال "هيجل HEGEL" عن بوم "منيرفا" الذي لا يبدأ طيرانه إلا عند الغسق، ينطبق على التراث اليوناني السائر إلى الوراء حينئذاك، بل ينطبق انطباقًا أكثر على العلوم في الغرب التي ظلت في دور الحضانة ألفًا من السنين.
وهو لا ينطبق على التطور العربي "أي: تطور المسلمين" ذلك لأن العلوم عندهم لم تكن قط ثمرة متأخرة لشجرة الحضارة.
فما أن انقضى قرن واحد من الزمان على الفتوحات الإسلامية حتى ازدهرت حضارة العرب "أي: المسلمين" وآتت أكلها مكتملة ناضجة". ا. هـ شمس العرب "٣٧٠-٣٧٢".
٥- وجاء فيه أيضًا قولها:
"لقد أحاط العرب "أي: المسلمون" الكتب بقلوبهم، حتى المؤلفات الفنية الدقيقة في الهندسة والميكانيكا والطب والفلك والفلسفة.
وكما تطلب الدولة المنتصرة من الدولة المنهزمة تسليم أسلحتها وسفنها الحربية، شرطًا أساسيًّا لعقد الصلح، هكذا طلب "هارون الرشيد" بعد احتلاله لعمورية وأنقرة تسليم المخطوطات الإغريقية القديمة.
وكما يستولي المنتصرون اليوم على المناجم، والصناعات الحربية الهامة، والأسلحة المدمرة مع مخترعيها، نرى "المأمون" بعد انتصاره على "ميخائيل الثالث" قيصر بيزنطية، يطالب بتسليم أعمال الفلاسفة القدماء، التي لم تتم ترجمتها بعد إلى العربية، ويعتبر ذلك بديلًا عن تعويضات الحرب.
إنها أسلحة تساهم في بناء المجد.
стр. 625
وما دام الأمراء العرب قد شغفوا بأوراق البردي والبرجامون نصف الممزقة، فإنه لم يكن هناك من طريق لكسب صداقتهم أنجح من إهدائهم بعض لفائف الكتب التي تراكم التراب فوقها.
هذا ما فكر به قاطنو البوسفور، فأرسلوا إلى "عبد الرحمن الثالث" أمير الأندلس، حقيبة كبيرة -بغية توطيد الصداقة معه- وهذه الحقيبة ملأى بالمخطوطات القديمة، ومن بينها تعاليم الطب والعلاج لـ"ديسقوريدس DIOSKURIDES" وكان ثمن بيع هذا الفكر القديم باهظًا، ولكن العرب "أي: المسلمين" كانوا على استعداد لدفع الثمن مهما كان.
وأُرسلت البعثات الخاصة من بغداد، للبحث عن كنوز العلم، حاملة أكياسًا من النقود، إلى بيزنطية والهند؛ إذ قام المتعلمون من مختلف البلدان بدور السماسرة.
وأصبح اقتناء المخطوطات التي لم تترجم حتى ذلك الحين هواية الأمراء، والوزراء، وسراة القوم. فضحوا بمبالغ طائلة من بلاد الإغريق وآسية الصغرى، وفي كل مكان وطئته أقدام الإغريق يومًا ما، عن طريق بعثات العلماء، أو عن طريق عملائهم الخاصين.
أجل لقد دفعوا ثمنًا باهظًا وجدوه باقيًا من الآثار العلمية، وكان قد نجا من أعمال التخريب الفظيعة الشائنة.
واستطاع العرب "أي: المسلمون" كذلك أن يكشفوا كثيرًا من الكنوز، ففي قبو مظلم تسكنه الفئران والعناكب في الإسكندرية، عثر القوم بين حجرين هائلين على كتاب في فنون الحرب، وعثروا على كتاب آخر في قدر مغلقة تحت جدران دير سوري.
وفي آسية الصغرى، وعلى مسير ثلاثة أيام من بيزنطية، عثر "محمد بن إسحاق" على مكتبة ضخمة في معبد قديم كبير، له باب لم ير من قبل بابًا حديديًّا في ضخامته.
لقد أنشأ الإغريق هذا المعبد يوم كانوا يعبدون النجوم والأوثان، وقدموا فيه القرابين لآلهتهم.
стр. 626
ويتحدث "محمد بن إسحاق" عن مجهوده في هذا السبيل، باعتباره مندوبًا عربيًّا في البلاط البيزنطي، فيقول:
"لقد رجوت الحاكم أن يفتح لي هذا المعبد، ولكنه ماطل في ذلك؛ لأن أبواب هذا المعبد لم تفتح منذ انتحلوا المسيحية، ولكنني لم أكف عن إغرائه، فعاودته في مناسبات عدة، وطلبت إليه ذلك كتابة ومشافهة في جلسة من جلسات بلاطه التي اشتركت فيها.
وأخيرًا وافق على فتحه، فرأيت في هذا المبنى المشيد بأحجار المرمر الفاخرة، رأيت على حوائطه من الكتابات والرسوم ما لم أر أفخم ولا أجمل منه، ومن المخطوطات القديمة شاهدت هناك ما يحمل جمالًا، إنها تقارب الألف كتاب، وكان جزء منها ممزقًا، وكان الجزء الآخر نصيبًا للديدان".
إن ما قام به العرب "أي: المسلمون" لهو عمل إنقاذي له مغزاه في تاريخ العالم.
إنها حضارة قد هوت وتحطمت، وكانت على وشك الفناء أمام أعين صانعيها الذين صار لهم هدف آخر يسعون إليه، وهذا الهدف لا يمت لهذا العالم بصلة.
فما بقي من هذه الحضارة يجب أن تشكر عليه البشرية اليوم العرب "أي: المسلمين" وحبهم للعلم، ولا يعود لبيزنطية فيه إلا فضل قليل". ا. هـ. شمس العرب " ص٣٧٥-٣٧٧".
стр. 627
٥- أثر حضارة المسلمين في همج الشرق الفاتحين المدمرين:
قدمت جيوش التتار والمغول من الشرق بوحشية لئيمة قذرة، وهمجية منقطعة النظير، إلى بلدان المسلمين وحواضرهم التي كانت مزدهرة بألوان من الحضارة الراقية، التي فاقت كل الحضارات المعاصرات لها، والحضارات الغابرات.
فسلطت هذه الجيوش الهمجية عليها أدوات القتل والإفساد والتدمير، بنفوس لا تعرف شيئًا عن معاني الإنسانية، فقتلت وفتكت ودمرت بلا عقل ولا تقدير، وأبادت شيئًا كثيرًا من حضارة المسلمين في بلدانهم، وأفنت الشيء الكثير جدًّا من كنوز العلم، التي كانت تشتمل عليها مخطوطات خطتها أيدي ألوف من علماء المسلمين، جمعًا وتصنيفًا، أو ابتكارًا وإبداعًا، أو استنباطًا، أو استنتاجًا، أو استخراجًا، بالاجتهاد الفكري المعرفي، وعملت على استنساخها مئات الألوف من الكتبة والوراقين.
ولما هدأ بركان هذا الجيوش الهمجية الفتاكة المدمرة، وسكن طوفانها، وصحت من سكرها وعربدتها، وبردت حرارة مطامعها وشرهها، نظرت في واقع حال المسلمين المغلوبين، فوجدت أنهم يتمتعون بتفوق فكري، وأصالة حضارية راسخة وشاهقة، لم تبلغ بعد شعوبهم الغازية إلى سفوحها.
ووجدت هذه الجيوش أنها إذ غزتهم ودمرت كثيرًا من حاضراتهم، وحضاراتهم كانت تخوض في أوحال وديان همجية قذرة منتنة، وأن علينا حتى تكون من صنف البشر، أن ترتقي شيئًا فشيئًا، مقتفية ركب المغلوبين من المسلمين، ومقلدة لهم في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم وعلومهم.
فأسلم بعض قادتهم، وتبعتهم جيوشهم وشعوبهم، وصاروا بمرور الزمن جزءًا من المسلمين، إكبارًا لهم ولحضارتهم العظيمة، وإعجابًا بعناصرها الفكرية والسلوكية، وإعجابًا بآثارها المادية.
وكان من نتيجة ذلك أن أسهم كثير منهم بإنشاء مؤسسات حضارية، تخلد أسماءهم داخل بلدان المسلمين، التي كانوا قد دمروا ما دمروا منها.
لقطات مقتبسات من كتب التاريخ:
١- أقبل جيش من المغول لفتح مدينة "نسا" الإسلامية، وحاصروها حتى سقطت في أيديهم مستسلمة، فساقوا أهل المدينة إلى فضاء وراء البساتين كقطعان الأغنام، وحشروهم في ذلك الفضاء رجالًا ونساء كبارًا وصغارًا، ثم
стр. 628
أمروهم بأن يكتف بعضهم بعضًا، فأطاعوا من شدة الخوف، ثم أضجعوهم واستأصلوهم قتلًا، وكان عدد القتلى نحو سبعين ألفًا.
٢- وقدم المغول إلى مدينة "مرو" إذ كانت عاصمة إقليمها، وكان أهلها يمتازون بالثراء وسعة العيش؛ إذ كانت مقر سلاطين السلاجفة، وكانت تزخر بالمكتبات والمدارس، وكان فيها عدد وفير من العلماء والأدباء.
ورأى العسكر في "رمو" أن لا طاقة لهم بمقاومة المغول، فطلبوا التسليم، على أن يؤمنهم القائد المغولي "تولوي" على حياتهم، فوافق على ذلك، ثم نقض عهده، ودخل جنوده المدينة، وقتلوا جميع من فيها من السكان، إلا "٤٠٠" شخص من أرباب الحرف والصنائع، فقد استبقوهم ليستفيدوا منهم في الأعمال وصناعة الأدوات الحربية.
ثم هدم المغول المدينة عن آخرها.
كذلك فعلوا من مدينة "نيسابور" حتى قتلوا كل ذي حياة فيها، وإمعانًا في الجبروت أخذوا يقطعون رءوس القتلى ويبنون منها أهرامات عاليات، بعضها للرجال، وبعضها للنساء، وبعضها للأطفال.
وكذلك فعلوا في مدن إقليم "غزنة".
٣- وكانت بغداد مركزًا عظيمًا للعلوم والآداب والفنون، بالإضافة إلى مركزها السياسي في العالم الإسلامي؛ إذ كانت مقر الخلافة العباسية، وكانت غنية بعلمائها وأدبائها وفلاسفتها.
فلما حلت النكبة فيها على أيدي المغول، قتل فيها الآلاف من العلماء والشعراء، وأحرقت فيها المكتبات، وخربت فيها المدارس والمعاهد، وقُضي فيها على معظم الآثار الإسلامية، وبلغ تقدير عدد القتلى من المسلمين فيها قرابة ثمانمائة ألف قتيل.
وقد كان سقوط بغداد وتدميرها بعد سقوط بخارى ونيسابور والري وغيرها، وتدمير هذه المدن من مدن العلم والأدب والمنجزات الحضارية، جناية عظمى على الحضارة الإنسانية عامة.
стр. 629
ومما يؤسف له أنه لم يكن ينتظر من النصارى في بلاد المسلمين، الذين كانوا يعاملون أحسن معاملة تتلقاها أقليات في كل شعوب الأرض، أن يبتهجوا بسقطو مدن المسلمين وتدميرها بأيدي المغول الوثنيين، وإن يعلنوا فرحتهم وتمجيدهم للقائد المغولي "هولاكو" وزوجته النصرانية، وأن يعتبروا نصر التتار نصرًا للنصاري في المنطقة ضد المسلمين، إلا أن هذا كله قد حصل منهم، فلم يقابلوا الجميل بمثله، ولا بعشرة في المائة منه، بل قابلوه بالجحود والنكران، والانحياز إلى جيش العدو الغازي، طمعًا بأن تكون الكلمة العليا بعد ذلك لهم.
٤- ثم لمع الضوء الإسلامي من ضمن قادة المغول أنفسهم، ومن أفراد شعوبهم، إذا اعتنق الإسلام "بركة خان" ابن عم "هولاكو" وقد كان "بركة خان" حاكمًا في القبجاق، وصار يتوعد "هولاكو" بأن ينتقم منه، بسبب ما اقترفه من مذابح قتل الملايين من المسلمين، ولتجرئه على مقام الخلافة، وقتله خليفة المسلمين.
وصار الإسلام ينتشر في أفراد وأسر الشعب المغولي، حتى ظهر منهم قادة متعددون مسلمون، ومنهم الملك "تغلق" تيمور الذي تأثر بدعوة عالم رباني يقال له "الشيخ جمال الدين" ثم ابن هذا العالم من بعده "الشيخ رشيد الدين" ثم انتشر الإسلام في التتار١.
جاء في كتاب "المغول في التاريخ" تأليف "د. فؤاد عبد المعطي الصياد" قوله: "وإذا كان الغزو المغولي على يد "جينكيز خان" وخلفائه للبلاد الإسلامية في بادئ الأمر عصيبًا عانى فيه المسلمون القتل والتعذيب، والخراب والدمار، فإن هذا العاصفة الهوجاء صارت تهدأ تدريجيًّا، حتى جاء الوقت الذي تأثر فيه المغول بحضارة المغلويين، واعتنقوا دينهم، وشرعوا يصلحون ما أفسد آباؤهم "أي: من ظواهر حضارية مادية" وأقبلوا يساهمون بنصيبهم في إنهاض الحضارة الإسلامية في شتى مظاهرها". ا. هـ. "ص١٤ مقدمة المؤلف".
стр. 630
خاتمة كتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها ":
أخي القارئ في خاتمة كتابي هذا أقدم لك خالص تحيتي وعظيم شكري؛ إذ شاركتني فاطلعت على كتابي هذا، وقرأت بعض مفاهيمي في الحياة خلال مدة من زمنك.
فإن كنت قد شاركتني فعلًا بكل فكرك ونفسك وقلبك، فقرأت فصوله بإمعان، فلعلك قد وجدت أنني قد رسمت معظم الخطوط العريضة لأسس الحضارة الإسلامية ووسائلها، وأوفيتها ما تستحق من شرح وإيضاح، ضمن الحدود العامة التي يتجاوز فيها عادة عن التفصيلات الجزئية الكثيرة.
ولست أزعم أنني أتيت على كل المطلوب الذي يهدف إليه موضوع الكتاب، فقد يأتي من يستدرك عليَّ أمور ندت عني، إلا أنني لم آل تأملًا واجتهادًا ونظرًا في الكليات العامة التي تشتمل على جزئيات كثيرة، لا يحصرها كتاب واحد يمكن أن يتداوله القراء.
وإذا عثرت على عيب أو نقص أو تقصير في بعض الأمور، فإنني واثق من أنك ستعذرني؛ إذ تعلم أن فلسفة الحضارة الإسلامية بالشكل الذي سقته في هذا الكتاب عمل مبتكر، اقتبسته مباشرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وسيرة الرسول ﷺ والفقه الإسلامي المتسع الأطراف بتوفيق من الله ﷻ .
وقد جمعت الأشباه والنظائر الجزئية، فنظمتها في عقود، وأدخلتها تحت كليات كبرى تمثلت بالأسس والوسائل العامة، التي عرضتها في فصول الكتاب.
وأنت خبير بأن الأعمال المبتكرة من شأنها أن تكون عرضة لتقصير كثير.
стр. 631
وإن وجدت في عملي هذا ما يستحق الثناء والتقدير فالفضل فيه لله وحده، الذي ألهمني، وستر لي، وقضى أمورًا كثيرة انتهت بي إلى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة، وإلى تدريس مادة "الحضارة الإسلامية" بالإضافة إلى مواد أخرى أُسندت إليَّ.
ثم لا أنسى حقًّا عليَّ لزوجتي الفاضلة المربية الداعية والأستاذة بجامعة أم القرى في قسم الطالبات؛ إذ هيأت لي ما يحتاجه الباحث والكاتب من هدوء منزلي، وطمأنينة نفسية، ومساعدة وتحريض على العمل "الأستاذة عائدة راغب الجراح"١.
فلها مني عظيم التقدير وجزيل الشكر، ولها من الله الجليل عظيم الأجر.
ولما كانت الخطة العامة للحضارة الإسلامية التي أوضحتها في مقدمة الكتاب تشتمل على أربعة أبواب:
الباب الأول: أسس الحضارة الإسلامية.
الباب الثاني: وسائل الحضارة الإسلامية.
الباب الثالث: صور ونماذج من تطبيقات المسلمين الحضارية في مختلف المجالات العلمية والعملية.
الباب الرابع: أثر الحضارة الإسلامية في الأمم والشعوب التي لم تدن بالإسلام، إلا أنها التقت بالمسلمين لقاء مودة أو لقاء خصام.
ولما اقتصر هذا الكتاب على البابين الأول والثاني فقط، فإنني سأوافي القراء إن شاء الله الوهاب المنان، مستعينًا بحوله وقوته، بالكتاب الثاني في الحضارة الإسلامية، مشتملًا على ما يتعلق بالبابين الثالث والرابع من أبواب الخطة الآنفة الذكر.
стр. 632
والحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى سائر إخوانه الأنبياء والمرسلين، الذين تتابعوا على حمل لواء الحضارة الإسلامية الربانية الواحدة، وقادوا الأمة الربانية الواحدة في أجيالها المتعاقبة، هذا ما دل عليه القرآن الكريم بقول الله في سورة "المؤمنون: ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ .
زبرًا: أي قطعًا متصلبة بأنانياتها وعصبياتها، كقطع الحديد، مفردها "زبرة". زبرة الحديد: القطعة الضخمة منه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كان الفراغ من تصنيفه في غرة شهر جمادى الثانية من عام ١٣٩٠ للهجرة النبوية، الموافق للشهر الثاني من عام ١٩٧٠ ميلادية.
مكة المكرمة
عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني
стр. 633
خاتمة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:
أخي القارئ اللبيب، والباحث الأريب، أقدم لك هذا الكتاب بثوبه الجديد القشيب، بعد أن أكرمني الله السميع المجيب، فشاء وأذن وأعان وأمد بالحول والقوة والتوفيق، فأتم لي ما لم أكن قد أعددته من خطة لكتاب مستوعب لأهم موضوعات "الحضارة الإسلامية" دون دخول في تفصيلات جزئية، قد لا تستوعبها موسوعات علمية كبرى، مع شيء من التجويد والتحسين لما كانت قد نشرته سابقًا بعنوان "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها".
وفي هذا الختام الموجز أرجو أخي القارئ الكريم أن تذكرني بدعوة صالحة، وتُغضي النظر عن هفوة كالحة، أو خطوة عاثرة، أو خطيئة عابرة، وأن تكرمني إذا بدا لك في كتابي خطأ بكلمة ناصحة، وإذا بدا لك حوله رأي فيه تجويد وتحسين بفكرة راجحة، كتب الله لنا جميعًا التوفيق والسداد، والهداية والرشاد، والحمد لله رب العالمين.
الطائف
صباح يوم السبت ١٣ ربيع الآخر ١٤١٨ هجرية الموافق لـ"١٦" من شهر "أغسطس" ١٩٩٧
ميلادية عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني
стр. 634
فهرس الكتاب:
الصفحة الموضوع
٥ الإهداء
٧ فاتحة كتاب "الحضارة الإسلامية" أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم
١١ مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها"
١٣ فاتحة كتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها"
١٥ مقدمات عامة، وفيها فصلان
١٧ الفصل الأول: تحليل معنى الحضارة، وموقف الإسلام من أنواع التقدم الحضاري وفيه مقولتان:
١٩ المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري
١٩ تحليل معنى الحضارة
٢٠ السبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري
٢٢ المقولة الثانية: موقف الإسلام من التقدم الحضاري
٢٩ الفصل الثاني: أثر الأسس الفكرية والنفسية في بناء الحضارات
الباب الأول: البناء الفكري للحضارة الإسلامية
٣٣ وهو يشتمل على أربعة فصول
٣٥ الفصل الأول: الحق والباطل وفيه أربع فقرات
١- تعريفات ٣٧
٢- نشدان الحقيقة ٣٨
٣- أسماء أنواع الأدلة
стр. 635
الصفحة الموضوع
٤- من أسس الحضارة الإسلامية "الالتزام بمبدأ الحق ومناصرته والنفور من الباطل ومكافحته"
٤٢ الالتزام بمبدأ الحق
٤٣ النفور من الباطل
٤٥ إحقاق الحق وإبطال الباطل
٤٦ الانحراف عن الحق
٤٧ خاتمة
٤٩ الفصل الثاني: الخير والشر وفيه ست مقولات
٥١ المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر
٥٧ المقولة الثانية: من أسس الحضارة الإسلامية "مبدأ فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه"
٦٠ المقولة الثالثة: مفاهيم عامة تشتمل عليها حدود الخير والشر
٦٥ أمثلة لما تعتريه الأحكام الخمسة مما يدخل تحت القسم الثالث
٦٨ أولًا: الكمال الفكري
٦٩ ثانيًا: الكمال الخلقي
٧٣ ثالثًا: الكمال السلوكي
٧٤ طرق الدفع إلى الكمال السلوكي
٧٤ طريق البيان الإجمالي
٧٥ طريق البيان التفصيلي
٨٠ طريق التدريب العملي
٨٢ طريق القدوة الحسنة
٨٤ رابعًا: الكمال الإبداعي
٨٧ خامسًا: كمال التعايش الجماعي
٩٠ تلخيص عام
٩٣ المقولة الرابعة: الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية
٩٦ المقولة الخامسة: فلسفة الإسلام في الوسائل والغايات.
١٠٣ المقولة السادسة: فلسفة الإسلام فيما يجري به القضاء والقدر من نعم ومصائب
١١٥ الفصل الثالث: العالمية والشمول في رسالة الحضارة الإسلامية وفيه مقولتان
١١٧ المقولة الأولى: مقدمات عامة