إطلاقات كلمة الشريعة اصطلاحيًا
...
إطلاقات كلمة الشريعة اصطلاحا:
ومن هذه التعريفات والنصوص التي نقلناها عن أهل اللغة, وعمن كتبوا في المصطلحات، نتبين أن الشرعة والشرع والشريعة كلمات مترادفة، وأصلها واحد.
وأن الشريعة تطلق على معانٍ متعددة:
١- فالشريعة هي كل ما أنزله تعالى على نبي من أنبيائه، وهي تنتظم الاعتقاد والأحكام العملية والاخلاق، فهي ما شرعه الله من الاعتقاد والعمل كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] .
٢- وتطلق الشريعة كذلك على ما خص الله تعالى به كل نبي من الأحكام وما سنه لأمته، مما يختلف من دعوة نبي لآخر، من المناهج وتفصيل العبادات والمعاملات ... إلخ، وهنا نقول: إن الدين في أصله واحد والشرائع متعددة١، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
٣- وتطلق الشريعة أحيانا على ما شرعه الله لجميع الرسل من أصول الاعتقاد والبر والطاعة مما لا يختلف من دعوة نبي لآخر كما في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] .
٤- وتطلق الشريعة بخاصة على "العقائد" التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان مثل: اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله خالق كل شيء، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير, وأنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب، ويؤمنون بالشفاعة لأهل الكبائر, ونحو ذلك من عقود أهل السنة، فسموا أصول اعتقادهم شريعة ... وهذا المعنى الأخير للشريعة عليه مدار البحث هنا، وهو مقصودنا بهذا العنوان.
"والشريعة في هذا كالسنة التي تقدم الكلام عليها، فقد يراد بها ما سنّه وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما"١.
стр. 107
مؤلفات فلي الشريعة
...
مؤلفات في الشريعة:
ومما كتب في اعتقاد أهل السنة تحت اسم "الشريعة":
١- "كتاب الشريعة" للإمام أبي بكر، محمد بن الحسن بن عبد الله الآجُرّي "٣٦٠هـ", وقد أقامه مؤلفه على ثلاثة أسس:
أولها: التحذير من التفرق في الدين، والحرص على الجماعة ...
ثانيها: معرفة الله معرفة تثمر في القلب إجلال الله وإكباره، ليعطيه حقه من إخلاص العبادة بمنتهى الذل ومنتهى الحب، رغبة ورهبة ...
ثالثها: معرفة الرسول معرفة تثمر في القلب حبه وتعظيمه على كل الخلق، وتقديم طاعته وهديه على كل أحد وهديه من الناس١.
وقد ألمحنا فيما سبق إلى اتحاد المسائل التي تبحث في كتب السنة وكتب الشريعة، ولأن كتاب الشريعة للآجري جاء بعد كثير من كتب "السنة" فقد يمتاز ببحث بعض المسائل كما في الكلام على الوحي وكيفية نزوله على النبي ﷺ والكلام على النبوة وما يتصل بها من المسائل.
وقد طبع الكتاب للمرة الأولى بتحقيق الشيخ حامد الفقي بمصر سنة "١٣٦٩هـ"، ثم كان موضوع رسالة علمية بجامعة أم القرى، بتحقيق الشيخ عبد الله الدميجي.
٢- "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ومجانبة الفرق المذمومة" للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري "٣٨٧هـ". ويقع في سبعة أجزاء، ففي الجزء الأول خمسة أبواب، بعد المقدمة، عن تأليف الكتاب ووجوب طاعة رسول الله ﷺ ولزوم الجماعة والنهي عن الفرقة.
وفي الجزء الثاني ثلاثة أبواب في الأمر بالتمسك بالسنة والجماعة، وذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة, ثم عدم السؤال عما لا يعني، والتحذير من التشدد والتعمق في المسائل.
وفي الجزء الثالث ذم الخصومات والمراء في الدين, والتحذير من الطعن على الفقهاء لسبب الاختلاف, وأن ذلك وسيلة لنقض الإسلام ومحو شرائعه.
وفي الجزء الخامس والسادس أبواب ثمانية عن الإيمان والإسلام وحكم تارك الصلاة والزكاة، والكلام على النفاق وعلامات المنافقين، وحكم مرتكب الذنب والخوف والرجاء.
ويكمل أبحاث الإيمان في الجزء السابع ويختمه بباب عن المرجئة وما روي من الإنكار عليهم. وقد طبع من الكتاب مجلدان اثنان، بتحقيق د. رضا نعسان معطي.
стр. 108
٦- العقيدة:
التعريف اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٤/ ٨٦، ٨٧":
"عقد: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها. ومن ذلك: عقد البناء، والجمع: أعقاد وعقود ... وعقدت
الحبل أعقده عقدا، وقد انعقد، وتلك هي العقدة.. وعاقدته مثل: عاهدته، وهو العقد والجمع: عقود اليمين، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
والعقد: عقد اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
وعقدة النكاح وكل شيء: وجوبه وإبرامه. والعقد في البيع: إيجابه ... وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه. واعتقد الشيء: صلب، واعتقد الإخاء: ثبت ... "١.
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص٣٤١:
"العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء٢، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو: عقد البيع والعهد وغيرهما، فيقال: عاقدته وعقدته، وتعاقدنا وعقدت يمينه ... ".
وقال الفيومي في "المصباح المنير" "٢/ ٤٢١":
"اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: ما يدين الإنسان به. وله عقيدة حسنة: سالمة من الشك".
ومن هذه النصوص نلاحظ أن مدار كلمة "عقد" على الوثوق والثبات والصلابة في الشيء.
ومن هنا جاء تعريف العقيدة والاعتقاد، كما في "المعجم الوسيط":
стр. 109
"٢/ ٦١٤" حيث قال: "العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدين: ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله وبعث الرسل، والجمع: عقائد".
تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي:
ومن هذا المعنى اللغوي أخذ تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي, فقال الشيخ حسن البنا ﵀ في تعريف العقائد بصيغة الجمع:
"العقائد: هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينا عندك، لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك"١.
فهي إذن اعتقاد جازم مطابق للواقع لا يقبل شكا ولا ظنا، فما لم يصل العلم بالشيء إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة، وإذا كان الاعتقاد غير مطابق للواقع والحق الثابت ولا يقوم على دليل، فهو ليس عقيدة صحيحة سليمة، وإنما هو عقيدة فاسدة كاعتقاد النصارى بألوهية عيسى وبالتثليث.
عناصر العقيدة, ومراحل تكوينها:
والدراسة التحليلية للعقيدة التي ترادف لفظ "الإيمان" الذي سبق الحديث عنه، تشير إلى أن العقيدة الدينية "لا تعتمد على جانب واحد من جوانب الحياة: النفسية الوجدانية، والإرادية، والعقلية. ولكنها تتصل بها جميعا اتصالا وثيقا، ولا تكمل شخصية الفرد إلا إذا تضامنت شخصيته ونواحيه النفسية، وعملت كلها على تكوين عقيدته وباعدت بذلك بينه وبين كل تضارب أو صراع بين قواه المتعددة، وحل مكان ذلك الوئام والانسجام، وتم قبول العقل ورضا النفس واطمئنان
стр. 110
القلب، وذلك هو كمال الشخصية وكمال العقيدة أيضا.
وإذا كانت العقائد الدينية مرتبطة بالشخصية الإنسانية، وكانت متوجهة نحو العقل والوجدان والإرادة، لم تختلف في كيفية تكونها في النفس عن سائر الصفات النفسية الأخرى، التي تتكون منها الشخصية الإنسانية، فتتضامن الميول النفسية جميعها؛ من الشعور بالحاجة والضعف، وإحساس باللامحدود، ورغبة في كمال المعرفة وفي تحقيق الانسجام النفسي والانسجام الخارجي مع كل ما في البيئة الاجتماعية من معاني الإيحاء والتلقين والأمر والترغيب والترهيب في العمل على تكوين عقيدة من العقائد في النفوس، فتتكون كما تتكون سائر الصفات النفسية الأخرى، وتنمو وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال وقوة، ثم تصبح موجها للمعتقد في حياته الفردية, وحياته بين الجماعة"١.
وإذا كنا -فيما سبق آنفا- قد تعرفنا على معنى العقيدة والاعتقاد ومراحل تكونها في النفس، فمن المناسب أن نشير هنا إلى أن هذه الكلمة "العقيدة" أو "الاعتقاد" أصبحت اسم عَلَم على العلم الذي يدرس جوانب الإيمان والتوحيد التي سبقت الإشارة إليها، ووجدنا كل من يكتب في هذا الجانب يطلق على كتابه اسم العقيدة، فيقال مثلا: عقيدة الطحاوي، العقيدة النسفية، العقائد العضدية ... إلخ. وأصبحت هذه الكلمة مضافة إلى الإسلام عنوانا على المادة الدراسية في المعاهد والكليات والمدارس، فيقال: مادة العقيدة الإسلامية.
مؤلفات في العقيدة:
وفيما يلي أسماء بعض المؤلفات التي حملت هذا الاسم، بدءا بأقدمها وأسبقها:
стр. 111
١- "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، تأليف الشيخ الإمام الحافظ أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي "٤١٨هـ".
وهذا هو الاسم الذي تجده مثبتا على غلاف الكتاب مخطوطا ومطبوعا، وقد يعرف أحيانا بكتاب "السنن" أو "شرح السنة" أو "أصول السنة" ... إلخ.
ويقع الكتاب في ثمانية أجزاء مطبوعة، يشتمل على مقدمة ومجموعة كبيرة من الأبواب في الحث على التمسك بالسنة وبيان التوحيد، واعتقاد أهل السنة، ومباحث الإيمان، والرد على بعض الفرق، وعلامات الساعة والفضائل. وهو من أهم الكتب المصنفة في العقيدة، وقد استفاد منه من جاء بعده ونقل عنه١.
٢- "عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام أبي عثمان، إسماعيل الصابوني "٤٤٩"، وهو مطبوع ضمن "مجموعة الرسائل المنيرية" ثم طبع مستقلا في الكويت، بتحقيق بدر البدر.
٣- "الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة" للإمام أبي بكر، أحمد بن الحسين البيهقي "٤٥٨". وهو يشتمل على بيان ما يجب على المكلَّف اعتقاده والاعتراف به، مع الإشارة إلى أطراف أدلته على طريق الاختصار، وما ينبغي أن يكون شعاره، على سبيل الإيجاز٢.
وقد طبع الكتاب أكثر من مرة في الهند وفي مصر وفي بيروت.
٤- "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد" لإمام الحرمين أبي المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني "٤٧٨هـ", صاحب العقيدة النظامية
стр. 112
أيضا. وقد طبع بتحقيق الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم، بالقاهرة ١٣٦٩هـ في مجلد واحد.
٥- "الحجة في بيان المحَجَّة وشرع عقيدة أهل السنة" للإمام الحافظ قوّام السنة الأصبهاني "٥٣٥هـ". وقد سبق التعريف بهذا الكتاب في فقرة "التوحيد"؛ لأن المؤلف نص على تسميته بـ "كتاب الحجة في بيان المحجة في شرح التوحيد"، ولكن طبع بالاسم الذي جاء في هذه الفقرة "وشرح عقيدة أهل السنة" أيضا.
٦- "الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية" وشرحها "لوامع الأنوار البهية.." للعلامة الشيخ أحمد السفاريني ١١١٨هـ. وهو كتاب حافل جليل يشتمل على مقدمة وعشرة أبواب, جمع فيه المؤلف أقوال السلف والخلف ومذاهب الفرق في مسائل الاعتقاد، وبيّن رجحان مذهب السلف على غيره مؤيدا ذلك بالدلائل النقلية، وكذا العقلية فيما يستدل على مثله بالعقل، واقتبس جل تحقيقاته فيه من كلام الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم، فجاء كتابا حافلا بالرأي جامعا للمأثور، لا يكاد يستغني عنه طالب السعة والتحقيق في العقائد الإسلامية، ولا يستغني عنه بشيء من كتب العقائد التي اشتهرت عند بعض الطلبة مما وضع على طريقة المتكلمين١. وقد طبع الكتاب في مجلدين اثنين تزيد صفحاتهما عن التسعمائة صفحة، وعليه بعض التعليقات للشيخ عبد الرحمن أبي بطين والشيخ سليمان بن سحمان.
ثم تتابعت الكتب والمؤلفات تحت هذا العنوان، ومنها مؤلفات كثيرة معاصرة مثل: "العقيدة في ضوء الكتاب والسنة" للدكتور عمر سليمان الأشقر، و"العقيدة في القرآن" للأستاذ محمد المبارك، وله أيضا: "نظام الإسلام, الجزء الأول في العقيدة", وكلاهما يتميز بالعمق والجدة والابتكار في الأسلوب والتجديد في طريقة العرض.
ولشهرة هذا المصطلح أصبح يطلق كذلك على الكتب السابقة التي ألفت تحت عنوان السنة، فمثلا "العقيدة الطحاوية" كانت تسمى "بيان السنة والجماعة" وهكذا.
стр. 113
٧- أصول الدين:
التعريف اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "١/ ١٠٩":
أصل: الهمزة والصاد واللام، ثلاثة أصول متباعد بعضها عن بعض، أحدها أساس الشيء, والثاني الحية، والثالث ما كان من النهار بعد العشي.
فأما الأول: "فالأصل أصل الشيء ... " ثم ذكر بقية المعاني.
وقال التهانوي في: "كشاف اصطلاحات الفنون" "١/ ١٢٢، ١٢٣":
"الأصل -بفتح الأول وسكون الصاد- في اللغة: ما يبتنى عليه غيره من حيث إنه يبتنى عليه, وبقيد الحيثية هذه خرج أدلة الفقه مثلا من حيث إنها تبتنى على علم التوحيد، فإنها بهذا الاعتبار فروع لا أصول ... ثم الابتناء أعم من الحسي والعقلي, فيشمل الكل".
التعريف الاصطلاحي:
وعند الفقهاء والأصوليين يطلق "الأصل" على معانٍ:
أحدها: الدليل، يقال: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة.
وثانيها: القاعدة الكلية التي تشتمل على جزئيات موضوعها، كقاعدة: لا ضرر ولا ضرار.
وثالثها: الراجح، أي: الأولى والأحرى، يقال: الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز.
ورابعها: المستصحب، يقال: "تعارض الأصل والظاهر ... ".
والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد، ومن حيث إنها مسالك واضحة إليها سميت مناهج, ومن حيث إنها علامات لها سميت أعلاما.
والأصل في الدين: التوحيد، والأصل في الاعتقاد هو الإيمان بالمبدأ والمعاد ... ١.
فإذا كان الأصل هو أساس الشيء أو ما يبتنى الشيء عليه وما يقوم عليه، فأصول الدين هي ما يقوم الدين عليه ويعتبر أصلا له. والدين الإسلامي يقوم على عقيدة التوحيد، ومن هنا سمي علم التوحيد أو العقيدة "علم أصول الدين" كما سماه بعضهم علم الأصول، أو علم الفقه الأكبر، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة، ومنهم من يجعل أصول الدين اسما لكل ما تتفق فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير،
стр. 114
سواء كان علميا أو عمليا، فيجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين١.
وقد عرّف بعض العلماء علم أصول الدين بأنه: "علم يقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية, بإيراد الحجج لها، ودفع الشبه عنها"٢.
ملاحظتان:
وإذا كان هذا التعريف منسجما مع ما يرمي إليه علماء الكلام غالبا، فينبغي أن نلاحظ هنا أمرين:
أولهما: أن أصل الدين هو توحيد الله تعالى وعبادته وطاعته، وسمي هذا العلم بذلك لأن سائر أمور الدين كلها تبنى عليه.
ثانيهما: أن بعض علماء الكلام أدخلوا في مسمى "أصول الدين" ما ليس من الدين حقيقة، ولا من أصوله، مثل الدلائل والمسائل الفاسدة التي أكثروا منها في كتبهم، وتجد أمثلة على هذا في نفي الصفات والقدر، ونحو ذلك من المسائل، كما تجد له أمثلة أخرى في الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها، وما يتبع ذلك من المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل.
وهذا كله، وأمثاله، لم يدع إليه الرسول ﷺ ولم يجعله دليلا على الإقرار بالله الخالق ووحدانيته، ونبوة أنبيائه؛ ولذلك اعترف حذّاق علم الكلام بأن طريقتهم تلك ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا طريقة سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها
стр. 115
محرمة عندهم، بل قال المحققون منهم: إنها طريقة باطلة، والالتزام بها يؤدي إلى لوازم باطلة معلومة الفساد في الشرع والعقل١.
مؤلفات في أصول الدين:
وهكذا أصبحت كلمة "أصول الدين" لقبا لعلم العقيدة، وأصبحت هذه المادة تدرس تحت هذا العنوان، وقد تُوُسِّع فيها فأصبحنا نجد كليات جامعية لأصول الدين، تعنى بدراسة العقيدة والقرآن وعلومه والحديث وعلومه، وكأنها هنا أخذت معنى أوسع وأشمل.
ولعل أول من استخدم هذا المصطلح لعلم العقيدة -إن لم يشتهر وقتها- هو الإمام الشافعي ﵀، حيث قال في مفتتح كتابه "الفقه الأكبر": "هذا كتاب ذكرنا فيه ظواهر المسائل في أصول الدين التي لا بد للمكلف من معرفتها, والوقوف عليها".
ثم وصلتنا كتب تحمل هذا الاسم، فيما يلي إلماعة إلى بعضها:
١- "الإبانة عن أصول الديانة" للإمام أبي الحسن الأشعري "٣٢٩هـ".
وهو كتاب متوسط الحجم يتضمن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، ويرد فيه على الفرق المخالفة كالمعتزلة والجهمية والرافضة، واستدل بأدلة قوية صحيحة ظاهرة من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم٢. وهو مطبوع متداول، وله طبعات عديدة يعوزها
стр. 116
التحقيق والعناية التي تليق بمكانته.
٢- "الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة" لأبي عبد الله، عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري "٣٨٧هـ". وهذا الكتاب يعرف باسم "الإبانة الصغرى" وتقدم الكلام على "الإبانة الكبرى" في فقرة الشريعة.
٣- "أصول الدين" للإمام أبي منصور، عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي "٤٢٩" ذكر فيه مؤلفه خمسة عشر أصلا من أصول الدين، وشرح كل أصل منها بخمس عشرة مسألة من مسائل العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، وما يليق بها من مسائل النبوات والمعجزات وشروط الإمامة والزعامة من الأولياء وأهل الكرامة، وأشار في كل مسألة منها إلى أصولها بالتحصيل دون التطويل؛ ليكون مجموعها للعالم تذكرة وللمتعلم تبصرة، وأشار فيها إلى نصرة الحق بدليل يكشف عنه، على الإيجاز من غير تطويل١.
٤- وللإمام أبي عثمان، إسماعيل الصابوني "٤٤٩هـ" كتاب سبق ذكره في العقيدة، يمكن أن نسلكه هنا لأنه قال في مقدمته: " ... سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولا في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف الصالحين ... فاستخرت الله وأثبتُّ في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار، رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار"٢.
وقد طبع هذا الكتاب ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وطبع مستقلا في الكويت بتحقيق بدر البدر.
٥- "الشامل في أصول الدين" لإمام الحرمين الجويني "٤٧٨هـ" ويقع في خمس مجلدات، وتقدم أن له كتابا آخر باسم "الإرشاد" تقدم ذكره في "العقيدة".
٦- "أصول الدين" لشمس الإسلام، علي بن محمد بن علي الجويني إلكيا الهراسي "٥٠٤".
стр. 117
٨- التصور الإسلامي:
ألمحت فيما سبق إلى بعض العوامل والمؤثرات التي آلت بكتب العقيدة تحت مسمى "علم الكلام" إلى قليل أو كثير من الانحراف في المنهج وتعقيد في الأسلوب، مما جعلها تبتعد عن المنهج القرآني في مخاطبة النفوس والعقول لإنشاء العقيدة التي تؤثر في سلوك الإنسان وحياته، وكان لا بد من مواجهة هذه الآثار؛ فقام بعض المفكرين المعاصرين، باستجلاء الأساس الفكري العقائدي للإسلام وصياغته صياغة جديدة يرجى لها أن تكون مؤثرة؛ لأنها تربط المسلم بالمصدر الأساسي لهذه العقيدة, وهو "القرآن الكريم" والتطبيق العملي له وهو "السنة النبوية", فنشأ عندئذ البحث في "التصور الإسلامي ومقوماته".
معنى التصور الإسلامي:
والتصور الإسلامي هو: الفكرة العامة التي جاء بها الإسلام عن الوجود كله "الله، الكون، الحياة، الإنسان"، ومقومات هذا التصور هي: مجموعة الحقائق العقدية الأساسية التي تنشئ في عقل المسلم وقلبه ذلك التصور الخاص للوجود، وما وراءه من قدرة مبدعة وإرادة مدبرة، وما يقوم بين هذا الوجود وهذه الإرادة من صلات وارتباطات١.
стр. 118
ظهور مصطلح التصور الإسلامي:
١- ولعل أول من استخدم هذا المصطلح "التصور الإسلامي" هو المفكر الإسلامي المعروف أبو الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، ﵀، فكتب في ذلك كتابه "الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها" وكتابه "نظام الحياة في الإسلام" وأقامهما على هذه الفكرة.
٢- ثم أقام الأستاذ سيد قطب كتابه الرائد الممتع "العدالة الاجتماعية في الإسلام" على هذا الأساس, فكتب فيه فصلا عن نظرة الإسلام للوجود؛ ليكون قاعدة لبحث النظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ووعد ببحث مفصل عن ذلك، وكان أن أنجز وعده، فصدر أولا "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" "القسم الأول: الخصائص" وبعد سنوات من استشهاده ﵀ صدر القسم الثاني من الكتاب عن "مقومات التصور الإسلامي" في عام "١٤٠٦هـ". ويحدد المؤلف ﵀ منهجه في البحث فيقول:
"منهجنا في البحث عن "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة -بعد الحياة في ظلال القرآن طويلا- وأن نستحضر -بقدر الإمكان- الجو الذي تنزلت فيه كلمات الله للبشر، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التي كانت البشرية تَتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدي. ثم
стр. 119
التيه الذي ضلّت فيه بعد انحرافها عن الهدي الإلهي!
ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم أن لا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا -لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية- من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته, نحاكم إليها نصوصه؛ أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة ...
ثم إننا لا نحاول استعارة "القالب الفلسفي" في عرض حقائق "التصور الإسلامي"؛ اقتناعا منا بأن هنالك ارتباطا وثيقا بين طبيعة "الموضوع" وطبيعة "القالب", وأن الموضوع يتأثر بالقالب, وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه، إذا عرض في قالب، في طبيعته وفي تاريخه, عداء وجفوة وغربة عن طبيعته! الأمر المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي. والذي يدركه من تذوق حقيقة هذا التصور كما هي معروضة في النص القرآني!
وكلمة أخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا البحث أيضا ...
إننا لا نستحضر أمامنا انحرافا معينا من انحرافات الفكر الإسلامي، أو الوقائع الإسلامي ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله، بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا فيما نبذله من جهد في تقرير "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته", إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور -في ذاتها- كما جاء بها القرآن الكريم كاملة شاملة، متوازنة، متناسقة تناسق هذا الكون وتوازنه، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها.
ذلك أن استحضار انحراف معين، أو نقص معين؛ والاستغراق في دفعه، وفي صياغة حقائق التصور الإسلامي للرد عليه ... منهج شديد الخطر وله معقباته في إنشاء انحراف جديد في التصور الإسلامي لدفع انحراف قديم ...
стр. 120
والانحراف انحراف على كل حال! "١.
ولعله مما يحتم هذا المنهج, أن ندرك ثلاث حقائق هامة:
الأولى: أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامي من مخلَّفات الحضارة الإغريقية واللاهوت المسيحي، وكان له أثر في توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية، منقولة نقلا مشوها مضطربا في لغة سقيمة، مما نشأ عنه اضطراب كثير في نقل هذه الشروح!
الثانية: أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامي كانت تنم على سذاجة كبيرة، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية، وعناصرها الوثنية العميقة، وعدم استقامتها على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة.
الثالثة: أن المشكلات الواقعية في العالم الإسلامي, تلك التي أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان ﵁ قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية، وبالأفهام والمفهومات انحرافا شديدا. فلما بدأت المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية، بحثا مغرضا في الغالب؛ ومن ثم لم تعد تلك المصادر -في ظل تلك الخلافات- تصلح أساسا للتفكير الإسلامي الخالص الذي ينبغي أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآني الثابت, في جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية ... "٢.
وهذا المنهج الذي سلكه المؤلف ﵀ يجعل النص القرآني هو الأصل الذي يتولى تقرير الحقائق التي يتألف منها البحث، ويجعل عبارة المؤلف مجرد
стр. 121
عامل مساعد يجعل النص القرآني مفهوما -بقدر الإمكان- للقارئ, فيعقد -بذلك- الألفة بين قارئ هذا البحث وبين القرآن ذاته.. فيتعود التعامل مع القرآن ذاته مباشرة، ويشعر أن في هذا القرآن غناء كاملا وشاملا في كل حقيقة من حقائق الوجود الأساسية١.
ومهما قلت في هذا الكتاب الرائع الممتع، فلست ببالغ ما أريد، ولست موفّيه حقه، فحسبي هذه الإشارة إلى أهميته ومنهجه؛ ليكون ذلك دافعا للقارئ أن يعود إليه بالدراسة المتأنية العميقة، والبحث الدقيق، ليكون ذلك خطوة على طريق العمل بهذا التصور والتفاعل مع مقتضياته ومستلزماته.
٣- وأما الأستاذ محمد المبارك ﵀ فقد قدَّم كتابين في هذا المجال انطلاقا من الفكرة السابقة، أولهما: "العقيدة في القرآن" وهو بحث مبتكر في العقيدة، يعرض لها على أنها نظرة شاملة مترابطة الأجزاء، ويسلك في عرضها أسلوب العصر الحديث من حيث التعبير ومناهج البحث والاستدلال، بدلا من أن يسير في أعقاب المتكلمين ووفقا لطرائقهم في البحث، التي تأثروا فيها بنظريات ومفاهيم الفلسفة القديمة.. لا سيما بعد اتساع آفاق الكشف العلمي للكون أو الطبيعة٢.
ثم كتب أيضا الجزء الأول من "نظام الإسلام" -العقيدة والعبادة- نَهَجَ فيه المنهج نفسه، وهو أوسع من الكتاب الأول، حيث يعرض فيه لحقائق الوجود ويضع العقيدة في موضعها من نظام الإسلام، فهي اللبنة الأساسية في بنائه، وهي التي تمد باقي أجزائه بالحياة وتحدد اتجاهاتها ومعالمها.
وطريقة المؤلف في بحثه تعتمد على الأسس التالية:
стр. 122
أولا: نصوص القرآن والسنة، وذلك بتتبع جميع الآيات والأحاديث التي تتصل بموضوع من الموضوعات، مراعيا في فهم الآيات تفسير الصحابة والصدر الأول دون التأويلات الشاذة.
ثانيا: الاسترشاد بآراء السلف الأُوَل في فهم الإسلام, والاستئناس برأي من جاء بعدهم في مختلف العصور.
ثالثا: الربط بين الأحكام الجزئية وجمع شتاتها واستخراج الأفكار العامة والقواعد الكلية التي تلتزمها، دون التزام التصنيفات والتقسيمات التي اعتمدها المؤلفون القدامى.
رابعا: بذل الجهد في أن يكون تعليل الآراء وحكمة الأحكام مستخرجة من النصوص الأصلية نفسها، والبعد عن التعسف في التأويل والتعليل، والبعد عن الآراء الشاذة.
خامسا: صياغة الأفكار صياغة تتناسب مع المخاطبين في هذا العصر من حيث طريقتهم في التفكير وأسلوبهم في التعبير، مع الحفاظ على المفاهيم الإسلامية دون انتقاص, أو تحريف١.
٤- وهناك كُتَّاب آخرون أيضا عرضوا لمنهج في الكتابة العقدية جديد، ومن ذلك ما قام به الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه "فقه التدين, فهما وتنزيلا" الجزء الثاني، ومقدمته لكتاب "تفصيل النشأتين" للراغب الأصفهاني، وضع فيها بين أيدي الباحثين مخططا عاما لما يمكن أن يكون بنية عامة لمنظومة إسلامية في "الإنسان" تستمد مادتها من العقيدة الإسلامية٢.
стр. 123
مصطلحات وتعريفات
أولًا: أهل السنة والجماعة
مدخل
...
مصطلحات وتعريفات:
يتردد في هذه الصفحات، وفي غيرها من كتب العقيدة الإسلامية، بعض الألفاظ والمصطلحات، ينبغي أن نحدد معناها، وأن نتعرف عليها؛ منعا للالتباس واختلاط المفاهيم.
وسنشير فيما يلي إلى ثلاثة مصطلحات هي: أهل السنة والجماعة، والسلف، وأهل الحديث.
أولا: أهل السنة والجماعة
ويجمع هذا المصطلح وصفين اثنين لأصحابه، وهما: السنة والجماعة. وقد تقدم فيما سبق شرح معنى السنة في اللغة العربية وفي الاصطلاح الشرعي العام، وما يراد بها في كتب العقيدة١. ولذا نشير هنا فقط إلى معنى الجماعة، ومن ثَمَّ نجمع بين هذين الوصفين فيتضح لنا عندئذ معنى هذا المصطلح المركب منهما.
الجماعة في اللغة: مأخوذة من الجمع، وهو ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض. يقال: جمعته فاجتمع٢.
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "١/ ٤٧٩":
"الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضامّ الشيء. يقال: جمعت الشيء جمعا. والجُمَّاع: الأُشَابة من قبائل شتى.. وقِدْر جِماع وجامعة؛ وهي القدر العظيمة ... ".
والجميع: ضد المتفرق، والمجموع: الذي جمع من هنا وهنا، وإن لم يجعل كالشيء الواحد، وفلاة مجمِّعة: يجتمع القوم فيها ولا يتفرقون؛ خوف الضلال ونحوه، كأنها هي التي جمعتهم. وكلمة جامعة: كثيرة المعاني على إيجازها, وجمعها: جوامع٣، كما في الحديث: "أُوتيتُ جوامع الكَلِم" ٤.
والجماعة: العدد الكثير من الناس ... وهي أيضا: طائفة من الناس, يجمعها غرض واحد٥.
والجماعة: هي الاجتماع، وضدها: الفُرقة.. وصار لفظ الجماعة اسما لنفس القوم المجتمعين٦.
стр. 124
عناصر في تعريف الجماعة:
ومن هذه النصوص اللغوية وأمثالها نلاحظ أن الجماعة تتكون من جملة عناصر، وهي:
١- الضم والتقريب بين أناس من هنا وهناك، أي: من جهات شتى.
٢- وفيها معنى العظمة والكثرة.
٣- وأن الاجتماع وعدم التفرق يهدف إلى عدم الضلال والضياع.
٤- وللجماعة الكثيرة هذه هدف وغرض واحد تلتقي عليه، فهي تسير على منهج واحد لتصل إلى غرضها وغايتها.
ولعل هذه الصفات والأمور كلها لا يخرج عنها هذا المفهوم العام, والمعنى الذي يريده العلماء من هذا المصطلح "أهل السنة والجماعة".
الأمر بلزوم الجماعة:
وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بالجماعة والائتلاف, ونهى عن الفرقة والاختلاف, فقال:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ... إلخ.
وتواردت أحاديث النبي ﷺ في الأمر بملازمة الجماعة والتحذير من مفارقتها, كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية" ١.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" ٢.
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجماعة رحمة، والفرقة عذاب" ٣ ... إلخ.
стр. 125
معنى جماعة المسلمين:
واختلف العلماء في المراد بهذه الجماعة التي أمر النبي ﷺ في هذه الأحاديث, وما في معناها بملازمتها.
وقد أجمل الشاطبي ﵀ ذلك في خمسة أقوال:
الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فالسواد الأعظم هم الناجون من الفِرَق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق.
وممن قال بهذا: أبو مسعود الأنصاري, وابن مسعود. فروي أنه لما قتل عثمان ﵁ سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر. وقال ابن مسعود: عليكم بالسمع والطاعة؛ فإنها حبل الله الذي أمر به ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذي تحبون في الفرقة.
فعلى هذا القول: يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها. ومن سواهم داخلون في حكمهم؛ لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذّوا، وهم نهبة الشيطان، ويدخل في هؤلاء الخارجين عن الجماعة جميع أهل البدع؛ لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.
стр. 126
والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية؛ لأن جماعة الله هي العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله ﵊: "إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة" ١، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع عند النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله: "لن تجتمع أمتي": لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة.
وممن قال بهذا: عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وجماعة من السلف، وهو رأي الأصوليين. فقد قيل لعبد الله بن المبارك: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر، فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد. فقيل: هؤلاء ماتوا! فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري جماعة "وهو محمد بن ميمون المروزي، سمع من أبي حنيفة، توفي سنة ١٦٨هـ".
فعلى هذا القول: لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد؛ لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية, ولا يدخل أيضا أحد من المبتدعين.
стр. 127
والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص؛ فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، وقد يقع من سواهم فيها.
ألا ترى قوله ﵊: "ولا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله" ١.
وقوله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" ٢.
فقد أخبر ﵊ أن من الأزمان أزمانا يجتمعون فيها على ضلالة وكفر. وممن قال بهذا القول: عمر بن عبد العزيز، فقد روى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخد بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها! من اهتدى بها مهتدُ، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. فقال مالك: فأعجبني عزم عمر على ذلك.
فعلى هذا القول: لفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله ﵊: $"ما أنا عليه وأصحابي"٣. فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنّوه.
стр. 128
فكل ما سنوه فهو سُنة من غير نظر فيه، بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالا للنظر، ردا وقبولا، فأهل البدع إذًا غير داخلين في الجماعة قطعا، على هذا القول.
والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام, إذا اجتمعوا على أمر، فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه ﵊ أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف، فواجب تعرّف الصواب فيما اختلفوا فيه.
قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة١.
وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني، وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول، وهو الأظهر.
وفيه من المعنى ما في الأول: من أنه لا بد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلا، فهم -إذًا- الفرقة الناجية.
والخامس: ما اختاره الإمام الطبري من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير. فأمر ﵊ بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا
стр. 129
عليه من تقديمه عليهم.
وقد قال ﷺ : "من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم, فاضربوا عنقه كائنا من كان" ١.
قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة.
قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير، كان المفارق لها ميتا ميتة جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهو السواد الأعظم.
قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فروي عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال عمر -حين طُعن- لصهيب: صَلِّ بالناس ثلاثا وليدخل عليَّ عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وليدخل ابن عمر في جانب البيت، وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب على رءوسهم بالسيف فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه السيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رءوسهما حتى يستوثقوا على رجل.
قال: فالجماعة التي أمر رسول الله ﷺ بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته، وقلة العدد المنفرد عنهم.
قال: أما الخبر الذي ذكر فيه: "أن لا تجتمع الأمة على ضلالة" فمعناه: أن لا يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم حتى يضل جمعهم عن العلم
стр. 130
ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة.
وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة, وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم١.
وما ننتهي إليه في معنى أهل السنة والجماعة:
أنها الفرقة التي وعدها النبي ﷺ بالنجاة من بين سائر الفرق. ومدار هذا الوصف على اتباع سنة النبي ﷺ وموافقة ما جاء به من الاعتقاد والعبادة والهدي والسلوك، وملازمة جماعة المسلمين، وهو الحق الذي ينبغي التمسك به.
ولذلك قال ابن أبي شامة، ﵀: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"٢.
قال عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ فوقع حبه في قلبي، فلزمته حتى واريته في التراب بالشام، ثم لزمت أفقه الناس بعده: عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة، ثم ذُكر يوما عنده تأخير الصلاة عن وقتها، فقال: صلوها في بيوتكم فهي الفريضة, واجعلوا صلاتكم معهم نافلة. قال عمرو بن ميمون: فقلت لعبد الله بن مسعود: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدِّثون! قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول لي: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصَلِّ مع الجماعة وهي نافلة؟!
قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا, قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، إنما الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. وفي رواية: فقال ابن مسعود: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى.
قال نعيم بن حماد: يعني: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ٣.
стр. 131
تسمية أهل السنة والجماعة:
وقد سمي أهل السنة والجماعة بهذا الاسم؛ لتمسكهم بسنة النبي ﷺ والعمل بها، واتباعهم لما جاء به، ولأنهم يعتصمون بالحق وما عليه جماعة المسلمين، فلا يفترقون في الدين. وبذلك يكونون على الجادة من الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام المحض الخالص، وهو ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فهو السنة والجماعة، فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض الخالص١.
وأهل السنة والجماعة ليسوا محصورين في فئة معينة أو جماعة معينة، أو بلد أو زمن دون الآخر، إذ كل من اتصف بسمات وصفات أهل السنة وكان على منهجهم فهو داخل في دائرة أهل السنة والجماعة. وبهذا يلتقي مفهوم أهل السنة مع مفهوم السلف الآتي:
стр. 132
ثانيا: السلف
في الإطلاق اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٣/ ٩٥":
"سلف: السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق. من ذلك: السلف الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المتقدمون. والسُّلاف: السائل من عصير العنب قبل أن يعصر، والسُّلْفة: المعجَّل من الطعام قبل الغداء ... ".
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص"٢٣٩":
"السلف: المتقدم، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ، أي: معتبرا متقدما، وقال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، أي: يتجافى عما تقدم من ذنبه.. ولفلان سلف كريم, أي: آباء متقدمون، جمعه: أسلاف وسلوف ... ".
وقال الدامغاني في "الوجوه والنظائر لألفاظ القرآن" ص٢٤٣:
"السلف في القرآن على وجهين:
فوجه منهما؛ السلف: العبرة والعظة، كقوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ [الزخرف: ٥٦] . يعني: عظة لمن يأتي بعدهم.
والوجه الثاني، السلف: ما تقدم من الزمن الأول، كقوله تعالى: ﴿وَأَن
стр. 133
تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] ، أي: مضى من الزمن الأول".
وفي الاصطلاح الشرعي: تطلق كلمة السلف بإطلاقين؛ أحدهما خاص والآخر عام:
ففي الإطلاق الخاص عرّفه كل طائفة من العلماء بحسب مذهبهم، فقال علماء الحنفية:
السلف: من أبي حنيفة إلى محمد بن الحسن "١٨٩هـ"، ويقابله الخَلَف: من محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني "٤٤٨هـ".
ومن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل يقول: السلف الإمام أحمد بن حنبل، ومن تقدمه من الصحابة والتابعين.
وعلماء الشافعية والمالكية وعلماء الكلام، يقولون: السلف ما كان قبل الأربعمائة، والخلف ما كان بعد الأربعمائة١.
وفي الإطلاق الشرعي العام, يراد بالسلف: كل من يُقَلَّد مذهبه في الدين ويُقتفَى أثره فيه، كالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين٢.
ثم أصبح مع التطور التاريخي لظهور الفرق الإسلامية منحصرا في المدرسة السلفية التي حافظت على العقيدة والمنهج الإسلامي طبقا لفهم الأوائل الذين تلقوه جيلا بعد جيل. وأبرز سماتهم هو التمسك بمنهج النقل؛ ولهذا عرفوا في البداية بأنهم "أهل الحديث" للتمييز بينهم وبين من انسلخ عن هذا المنهج من الشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرهم, كما يعرفون أيضا بأنهم "أهل الأثر". وهذه
стр. 134
النسبة إلى الأثر، تعني: الحديث وطلبه واتباعه١.
ومن هذه الإطلاقات لكلمة السلف نخلص إلى أن هذا اللفظ يشمل: الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الذين يقتدى بهم، كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وكذلك سفيان الثوري, وابن عيينة, وحماد بن سلمة, وحماد بن زيد, وابني أبي شيبة, والبخاري, ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة ... وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأعلام الذين شُهد لهم بالإمامة في الدين والورع والتقوى ظاهرا وباطنا، وتلقى الناس كلامهم بالقبول والعمل به خلفا عن سلف٢ دون اعتبار لزمن معين، وعندئذ يتحدد مذهب السلف بما كان عليه الصحابة الكرام والتابعون وتابعوهم من الأئمة المذكورين٣.
ويخرج عن السلف كل من رُمي ببدعة أو اشتهر بلقب غير مرضي، أي: الفرق المخالفة للسنة ولمذهب الصحابة وما كانوا عليه، مثل: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة, والجبرية، والمعتزلة، والمشبهة أو المجسمة وسائر الفرق الضالة، فهؤلاء ليسوا على ما كان عليه النبي ﷺ وصحابته، بل هم مخالفون لهم، ومخالفون لأهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة وعلمائها الذين يقتدى بهم في الدين٤.
وكذلك: ليس من مذهب السلف ﵏ حمل الناس على اعتقاد لم يعتقده الرسول وأصحابه، ولا امتحان الناس بما لم يمتحنهم الله تعالى به، والعمل على الفتنة وتفريق صفوف الأمة.
стр. 135
وليس من مذهب السلف -وإن ادعاه قوم- أن يطلق إنسان لسانه بالطعن والشتم على الأئمة المتقدمين، ولا سيما الأئمة الأربعة، ويحط من قدرهم بنسبته إياهم إلى الجهل أو الخطأ أو تعمد التغيير في الأحكام، ويستدل على مدعاه بآية يأخذها على ظاهرها دون أن يفقه معناها، أو يستدل بحديث لا يدري قول الأئمة فيه، ويدعو الناس والعوام إلى الأخذ من القرآن أو الحديث من غير اتباع لقول أحد من الأئمة، ويقول: هذا كتاب الله وسنة رسول الله بين أيدينا، فأي حاجة بنا إلى تقليد فلان أو فلان، وهم رجال ونحن رجال!
وهذا القول ليس بحق، أو هو حق أريد به باطل، بل هو محض باطل أراد به صاحبه تشكيك الناس أو الوصول إلى الشهرة بينهم، إذ ليس بوسع كل أحد أن يأخذ أي حكم يريده من القرآن أو السنة إلا بمراجعة ما ورد عن الأئمة في ذلك الحكم، فهم أقرب عهدا بالرسول ﷺ ، وأكثر علما وإحاطة بما جاء عنه، وفي الآيات والأحاديث ما هو منسوخ، وما هو مقيَّد وما هو محمول على غيره، كما هو مذكور في علم الأصول.
وليس من مذهب السلف أيضا: تأويل القرآن الكريم بالرأي الفاسد, دون النظر إلى ما ورد عن أئمة اللغة وما فسر به الصحابة وما ورد في الموضوع من آيات وأحاديث، وإلا فإنه يأخذ بعض الآيات والأحاديث، يضرب بعضها ببعض، أو يأخذ بعض الأدلة ويترك سائرها أو يترك المحكم من النصوص في القرآن والسنة، فيأخذ ما يتفق وعقله من المتشابه ويترك ما لا يتفق معه، أو ما لا يعرف وجهه ومعناه، أو يحمل نصوص الشرع على وفق هواه ومذهبه الذي ينتحله باطلا١.
وهذا كله يشير إلى ما يقابل مذهب السلف، وهو مذهب الخَلَف، وهم المخالفون للسلف من علماء الكلام والمتفلسفة، الذين تركوا الكتاب والسنة في الاستدلال على العقيدة ومسائلها؛ ليتبعوا منهجا عقليا يعارضون به المنهج الشرعي، ويؤولون النصوص الشرعية التي يظنونها مخالفة للعقل حسب فهمهم لها.
стр. 136
ثالثا: أهل الحديث
الحديث في اللغة:
ضد القديم، ويستعمل في كثير الكلام وقليله، وهو اسم من التحديث بمعنى الإخبار, ثم سمي به كل ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلْقي أو خُلُقي.
وبعض العلماء يضيف إلى ذلك: ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي أو ما صدر عنهما. وعندئذ تصبح كلمة الحديث مرادفة للخبر عند علماء الحديث.
وهو مرادف كذلك لكلمة "الأثر" عند بعض العلماء١.
وتقدم -فيما سبق- أن الفرق بين السنة والحديث: أن الحديث كل واقعة نسبت إلى النبي ﷺ ولو كان فَعَلَها مرة واحدة في حياته الشريفة، أو رواها عنه شخص واحد.
وأما السنة, فهي الطريقة المتواترة للعمل بالحديث, بل القرآن أيضا.
فقد ورد -مثلا- في القرآن الكريم: الأمر بإقامة الصلاة، وبين فيه بعض تفاصيلها أيضا، فالرسول ﷺ صلى بموجب ذلك وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٢ واستمر على تلك الكيفية, وكذلك الصحابة والتابعون وسائر المسلمين. وهكذا الأمر في الصيام والزكاة والحج وسائر الأوامر القرآنية.
فالصورة العملية التي رسمها الرسول ﷺ لألفاظ القرآن هي السنة، وهي في الحقيقة تفسير عملي للقرآن٣.
стр. 137
تعريف أهل الحديث:
فإذا تعرفنا على معنى الحديث، فإننا نستطيع أن نتعرف على "أهل الحديث"؛ وهم الذين سلكوا طريق الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين، وكان لهم عناية خاصة بأحاديث النبي ﷺ جمعا وحفظا ورواية, وفهما وعملا في الظاهر والباطن.
فكانوا بذلك ألزم الناس لسنن النبي ﷺ ، لا يقدِّمون بين يديه، ولا يرفعون صوتهم فوق صوته بتقديم رأي أو هوى, أو استحداث بدعة.
ومنهم: كل عامل فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم؛ لأنهم أخذوا دينهم وهديهم من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم ذلك اتفاقا في الدين وائتلافا، رغم بعد ديارهم واختلاف أزمانهم١
وكان المتقدمون يطلقون مصطلح "أهل الحديث" على المدرسة التي تقابل أهل الكلام، الذين عابهم السلف لما أدخلوه في الاعتقاد من مصطلحات وأفكار غريبة على المنهج الإسلامي، ولذلك اشتد النكير عليهم من علماء السنة. وهم أنفسهم -أي: علماء الكلام- كان يطلق عليهم "أهل الرأي"٢؛ لأنهم يقدمون آراءهم على الكتاب والسنة، ويعطون عقولهم سلطة الحكم على النصوص الشرعية. وهؤلاء هم أعداء السنن حقيقة, كما جاء وصفهم عن عمر ﵁.
стр. 138
إطلاق خاص:
ثم أصبحت كلمة "أهل الحديث" تطلق بمعنى أخص على فئة معينة, ممن يُعنَون بدراسة الحديث النبوي رواية ودراية، أو رواية فحسب، أو ممن ينتسبون إلى هذا الأمر ويجتمعون عليه نظرا، ولو لم يكن لهم نصيب يذكر من العلم بالحديث النبوي الشريف.
وينبغي التنبيه إلى تغير المصطلحات بمرور الأزمنة، واختلاف مدلولاتها بين عصر وآخر عند كثير من الناس.
وإذا كان الأئمة -يرحمهم الله- يطلقون على أهل الحديث -في الماضي- أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فإن اصطلاح أهل الحديث قد ضاقت دائرته عند الكثيرين حتى صار عَلَما على فئات من أهل الحديث، ولكنها ليست أهل الحديث كلهم.
ولذلك لا يحسن إطلاق "الفرقة الناجية" على فئات محددة تتسمَّى بأهل الحديث، وإذا كانت هي -فعلا- من أهل الحديث، يل ينبغي إعادة هذا الاصطلاح إلى مفهومه الواسع الصحيح١.
وإذا لاحظنا فيما سبق أن مفهوم "أهل السنة والجماعة" يلتقي مع مفهوم "السلف"، فإن مفهوم "أهل الحديث" أو "أهل الأثر" بالمعنى الواسع لا يخرج عنهما كذلك؛ ولذلك لم يكن مذهب السلف وأهل السنة مذهبا جديدا مبتدعا، بل هو المنهج الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان، وكذلك سائر الأئمة، وإنما تميزوا -فيما بعد- بهذا اللقب أو التسمية في مقابل أهل البدع والأهواء والفرق المخالفة، ومن هنا جاء الحديث عن عقيدة أهل السنة والجماعة.
فإذا لم يكن ما يدعو للمقابلة والتميز لعدم وجود ما يناهضها، يعود الحديث عندئذ عن العقيدة الإسلامية، هكذا بعامة, والله الموفق.
стр. 139
وسطية أهل السنة والجماعة:
ألمعنا -فيما سبق- إلى وجوب لزوم السنة والجماعة، وتعرفنا على معناهما، وعلى وجه تسمية الفرقة الناجية باسم "أهل السنة والجماعة"، مما لا نجد حاجة لإعادته هنا. ولذلك نكتفي بالإشارة إلى أن هذا الالتزام بالسنة والجماعة والاعتصام
بهما هو من أعظم وأهم سمات الفرقة الناجية، وأما السمة الثانية التي تتبعها ونخصها بالذكر في هذه الفقرة فهي: الوسطية بين الفرق الأخرى.
والوسطية تعني الاعتدال والتوازن بين أمرين, أو طرفين فيهما إفراط وتفريط أو غلو وتقصير. وهذه الوسطية إذن هي العدل والطريق الأوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة.
وأهل السنة والجماعة يتميزون بالوسطية والاعتدال بين الفرق الأخرى التي تقف على طرفي نقيض، فتتجه إحداهما لأقصى اليمين مثلا وتقف الأخرى في أقصى اليسار.
وتظهر هذه الوسطية في أبواب الاعتقاد ومسائله بعامة، نجتزئ منها بجملة أمثلة تشير إلى سائرها١:
أ- ففي أسماء الله الحسنى وصفاته العظمى؛ يؤمن أهل السنة والجماعة بكل ما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ ، وبجميع الأسماء الحسنى التي بلغت الغاية في الحسن والكمال والتنزيه، يؤمنون بذلك كله من غير تحريف لمعناها أو نفي لها، ومن غير تكييف ولا تمثيل، حيث لا يعينون كنه الصفة وكيفيتها مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يمثلونها أو يشبهونها بصفات المخلوقين.
وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بين أهل التعطيل والنفي الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه، حتى
стр. 140
يشبهوه بالعدم والموات, وبين أهل التمثيل والتشبيه الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.
ب- وفي باب الخَلْق والأمر، يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله تعالى على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلّب قلوبهم، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق الأعيان والصفات والحركات.
ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار فيما يعمله، ولا يقولون: إنه مجبور؛ لأن المجبور هو من أُكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره.
وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بين القدرية، الذين يكذبون بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء؛ وبين الجبرية المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا:
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
جـ- وفي أسماء الإيمان والدين وأحكام أهلها من الوعد والوعيد؛ يقف أهل السنة والجماعة موقفا وسطا حيث يؤمنون أن أهل الكبائر من المسلمين أو فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الكامل الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، وأن النبي ﷺ ادّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وبذلك يتوسطون بين الوعد والوعيد, ويؤمنون بالآيات كلها في هذا وذاك.
فهم -إذن- وسط بين الوعيدية، الذين غلّبوا آيات الوعيد والتخويف, فحكموا على مرتكب الكبيرة بالخروج من الإيمان بالكلية كالخوارج، أو بالخروج من الإيمان
стр. 141
وعدم الدخول في الكفر كالمعتزلة القائلين بأنه في منزلة بين المنزلتين، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ ، وبين المرجئة الذين يرون أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وأنه لا يضر مع الإيمان أي ذنب، فهو مؤمن كامل الإيمان، وأن الأعمال الصالحة ليست من الدين، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية تغليبا لجانب الوعد وآياته، فكل من هذين الفريقين يؤمن بجانب ويهمل الآخر.
د- وفي موقفهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- يحبون أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يُفْرِطون في حب أحد منهم ويتجاوزون به الحد، ولا يتبرءون منهم، ولا يذكرونهم إلا بخبر، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، وقد شهد الله تعالى لهم بالخير والفضل، وتواردت الأحاديث النبوية في ذلك، وفضلهم مأثور غير منكور.
وبذلك يكونون وسطا بين الرافضة الذين يغالون في علي ﵁، فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄ ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا أو إلها، وبين الجافية من الخوارج الذين يعتقدون كفر علي وعثمان ﵄ ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي ﵁ وإمامته. وكل من هاتين الفرقتين تجمع غلوا وتقصيرا في الوقت نفسه، فكل منهما يحب صحابيا ويغالي فيه ويعادي الآخرين ويبغضهم، فيجمعون بذلك بين الإفراط والتفريط.
وهكذا في سائر أبواب الاعتقاد ومسائله، يقف أهل السنة والجماعة موقفا وسطا؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
стр. 142
مصادر العقيدة
مدخل
...
مصادر العقيدة:
تمهيد:
يتعرف الإنسان على الموجودات من حوله، ويحكم عليها، ويعلمها علما يقينيا أو ظنيا، بطرق وأسباب؛ قد تكون من داخل نفس الإنسان، وقد تكون من خارجها؛ فإذا كانت من خارج النفس, فهي الخبر الصادق بدلالته على ما يخبر عنه، وإن كانت من داخل النفس فهي الحواس الظاهرة والباطنة، والنظر العقلي المتدبر بحدوده وضوابطه.
وكذلك فطر الله تعالى الإنسان على معرفة أمور كثيرة يحتاج إليها في حياته، ومن أعظم هذه الأمور: المعرفة الفطرية المغروزة في نفسه عن الله تعالى ووحدانيته وقدرته، كما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
وإذا كانت الحواس هي وسيلتنا للتعرف على عالم الشهادة أو الطبيعة "الآفاق والأنفس"، وكذلك العقل وسيلة ثانية، فإن كلا منهما لا يستطيع أن يعمل في مجال عالم الغيب -والإيمان به من أركان العقيدة الإسلامية- ولذلك فإن المصدر الذي نستقي منه العقيدة, ينبغي أن يكون مصدرا صحيحا ثابتا موثوقا، لا يخطئ ولا ينحرف. وإذا كان العقل البشري محدودا وقاصرا، فإن الفطرة -وهي طريق صحيح ومصدر معتبر في ذلك- قد يطرأ عليها ما يغشِّيها ويحرفها عن صوابها، فتحتاج إلى ما يجلوها ويصحح مسارها ويمنعها من الانحراف، وذلك هو الوحي "القرآن والسنة" الذي تكفل الله تعالى بإنزاله هداية للناس ورحمة بهم١.
وفي هذه الفقرة من البحث نعرض لمصادر العقيدة الإسلامية، مع بيان منزلة العقل ودوره، وأنه مؤيد لا يستقل بمعرفة أصول العقيدة على وجه التفصيل.
стр. 143
أولا: القرآن الكريم
القرآن الكريم هو كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور البصائر والأبصار، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. وهذا كله معلوم من الدين علما ضروريا لا يحتاج إلى استدلال عليه١.
وقد أوفى القرآن الكريم على الغاية في بيان العقيدة وتصحيحها في النفوس، على أتم وجه وأكمله، وبخاصة في السور المكية، إجمالا وتفصيلا. وكان أول ما أُنزل وحيا على رسول الله، هو سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق ... ﴾ وهي تتضمن أصول الدين والعقيدة من الأدلة العقلية والفطرية والشرعية على وجود الله تعالى وتوحيده، وصدق الرسول ﷺ ، وإثبات البعث.
وفي سائر سور القرآن الكريم، نجد السورة الواحدة تجمع أركان العقيدة بأصول عامة تبين أركان الإيمان -وأعظمها الإيمان بالله تعالى- وما يتفرع عن هذه الأركان وينضم إليها، أو يكون من مقتضياتها ومستلزماتها، وتضع -كذلك- الإجابة الصحيحة الحاسمة على الأسئلة التي تفسر للإنسان أصل وجوده ونشأته، وغايته التي يسعى إليها، والمصير الذي ينتهي إليه بعد رحلته في هذه الحياة، وتحدد علاقته بالله تعالى وبالكون وبالحياة والأحياء من حوله.
يقول الإمام الشاطبي، ﵀:
"وغالب السور المكية تقرر ثلاثة معانٍ، أصلها معنى واحد، وهو الدعاء
стр. 144
ثانيا: السنة النبوية
وإذا كان القرآن الكريم هو مصدر الدين، عقيدة وشريعة، فإن السنة النبوية مثل القرآن في ذلك؛ لأنها وحي من الله تعالى, فقد وصف -سبحانه- ما يصدر عن نبيه ﷺ بأنه وحي، فقال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
وعن حسان بن عطية، قال: "كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ بالسنة, فيعلِّمه إياها كما يعلمه القرآن"١.
وأخرج البيهقي في "المدخل" عن طاوس: "أن عنده كتابا من العقول "الديات"، وما فرض رسول الله ﷺ من صدقة وعقول, فإنما نزل به الوحي"٢.
فجعل ما فرضه رسول الله، مما نزل به الوحي، مع أنه لم ينزل بلفظه في القرآن الكريم الذي هو وحي متلوّ.
стр. 145
وذلك أن الوحي نوعان: أحدهما: وحي متلوّ، وهو القرآن المنزل على محمد رسول الله ﷺ بلفظه ومعناه، وهو المتعبَّد بتلاوته.
والثاني: وحي غير متلوّ، وهو المرويّ عن النبي ﷺ المبيِّن عن الله عز وجل١.
فقد قلَّد الله تعالى نبيه ﷺ أمانة التبليغ والبيان, فقال:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .
ومما يدل على أن السنة بمثابة القرآن في هذا: أن الله تعالى امتنّ على المؤمنين ببعثة محمد ﷺ ؛ ليعلم الناس الكتاب والحكمة فقال:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] .
وقال تعالى, مخاطبا أمهات المؤمنين:
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] .
فقال غير واحد من السلف: الحكمة هي السنة؛ لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواج النبي ﷺ ، ورضي عنهن، سوى القرآن هو سنته؛ ولذلك قال: "ألا إني