← Акыда

Акыда · id 9991

مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية

عثمان ضميرية

Полный текст (383 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعدم الدخول في الكفر كالمعتزلة القائلين بأنه في منزلة بين المنزلتين، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ ، وبين المرجئة الذين يرون أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وأنه لا يضر مع الإيمان أي ذنب، فهو مؤمن كامل الإيمان، وأن الأعمال الصالحة ليست من الدين، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية تغليبا لجانب الوعد وآياته، فكل من هذين الفريقين يؤمن بجانب ويهمل الآخر. د- وفي موقفهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- يحبون أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يُفْرِطون في حب أحد منهم ويتجاوزون به الحد، ولا يتبرءون منهم، ولا يذكرونهم إلا بخبر، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، وقد شهد الله تعالى لهم بالخير والفضل، وتواردت الأحاديث النبوية في ذلك، وفضلهم مأثور غير منكور. وبذلك يكونون وسطا بين الرافضة الذين يغالون في علي ﵁، فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄ ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا أو إلها، وبين الجافية من الخوارج الذين يعتقدون كفر علي وعثمان ﵄ ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي ﵁ وإمامته. وكل من هاتين الفرقتين تجمع غلوا وتقصيرا في الوقت نفسه، فكل منهما يحب صحابيا ويغالي فيه ويعادي الآخرين ويبغضهم، فيجمعون بذلك بين الإفراط والتفريط. وهكذا في سائر أبواب الاعتقاد ومسائله، يقف أهل السنة والجماعة موقفا وسطا؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

стр. 142

مصادر العقيدة مدخل ... مصادر العقيدة: تمهيد: يتعرف الإنسان على الموجودات من حوله، ويحكم عليها، ويعلمها علما يقينيا أو ظنيا، بطرق وأسباب؛ قد تكون من داخل نفس الإنسان، وقد تكون من خارجها؛ فإذا كانت من خارج النفس, فهي الخبر الصادق بدلالته على ما يخبر عنه، وإن كانت من داخل النفس فهي الحواس الظاهرة والباطنة، والنظر العقلي المتدبر بحدوده وضوابطه. وكذلك فطر الله تعالى الإنسان على معرفة أمور كثيرة يحتاج إليها في حياته، ومن أعظم هذه الأمور: المعرفة الفطرية المغروزة في نفسه عن الله تعالى ووحدانيته وقدرته، كما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . وإذا كانت الحواس هي وسيلتنا للتعرف على عالم الشهادة أو الطبيعة "الآفاق والأنفس"، وكذلك العقل وسيلة ثانية، فإن كلا منهما لا يستطيع أن يعمل في مجال عالم الغيب -والإيمان به من أركان العقيدة الإسلامية- ولذلك فإن المصدر الذي نستقي منه العقيدة, ينبغي أن يكون مصدرا صحيحا ثابتا موثوقا، لا يخطئ ولا ينحرف. وإذا كان العقل البشري محدودا وقاصرا، فإن الفطرة -وهي طريق صحيح ومصدر معتبر في ذلك- قد يطرأ عليها ما يغشِّيها ويحرفها عن صوابها، فتحتاج إلى ما يجلوها ويصحح مسارها ويمنعها من الانحراف، وذلك هو الوحي "القرآن والسنة" الذي تكفل الله تعالى بإنزاله هداية للناس ورحمة بهم١. وفي هذه الفقرة من البحث نعرض لمصادر العقيدة الإسلامية، مع بيان منزلة العقل ودوره، وأنه مؤيد لا يستقل بمعرفة أصول العقيدة على وجه التفصيل.

стр. 143

أولا: القرآن الكريم القرآن الكريم هو كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور البصائر والأبصار، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. وهذا كله معلوم من الدين علما ضروريا لا يحتاج إلى استدلال عليه١. وقد أوفى القرآن الكريم على الغاية في بيان العقيدة وتصحيحها في النفوس، على أتم وجه وأكمله، وبخاصة في السور المكية، إجمالا وتفصيلا. وكان أول ما أُنزل وحيا على رسول الله، هو سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق ... ﴾ وهي تتضمن أصول الدين والعقيدة من الأدلة العقلية والفطرية والشرعية على وجود الله تعالى وتوحيده، وصدق الرسول ﷺ ، وإثبات البعث. وفي سائر سور القرآن الكريم، نجد السورة الواحدة تجمع أركان العقيدة بأصول عامة تبين أركان الإيمان -وأعظمها الإيمان بالله تعالى- وما يتفرع عن هذه الأركان وينضم إليها، أو يكون من مقتضياتها ومستلزماتها، وتضع -كذلك- الإجابة الصحيحة الحاسمة على الأسئلة التي تفسر للإنسان أصل وجوده ونشأته، وغايته التي يسعى إليها، والمصير الذي ينتهي إليه بعد رحلته في هذه الحياة، وتحدد علاقته بالله تعالى وبالكون وبالحياة والأحياء من حوله. يقول الإمام الشاطبي، ﵀: "وغالب السور المكية تقرر ثلاثة معانٍ، أصلها معنى واحد، وهو الدعاء

стр. 144

ثانيا: السنة النبوية وإذا كان القرآن الكريم هو مصدر الدين، عقيدة وشريعة، فإن السنة النبوية مثل القرآن في ذلك؛ لأنها وحي من الله تعالى, فقد وصف -سبحانه- ما يصدر عن نبيه ﷺ بأنه وحي، فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] . وعن حسان بن عطية، قال: "كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ بالسنة, فيعلِّمه إياها كما يعلمه القرآن"١. وأخرج البيهقي في "المدخل" عن طاوس: "أن عنده كتابا من العقول "الديات"، وما فرض رسول الله ﷺ من صدقة وعقول, فإنما نزل به الوحي"٢. فجعل ما فرضه رسول الله، مما نزل به الوحي، مع أنه لم ينزل بلفظه في القرآن الكريم الذي هو وحي متلوّ.

стр. 145

وذلك أن الوحي نوعان: أحدهما: وحي متلوّ، وهو القرآن المنزل على محمد رسول الله ﷺ بلفظه ومعناه، وهو المتعبَّد بتلاوته. والثاني: وحي غير متلوّ، وهو المرويّ عن النبي ﷺ المبيِّن عن الله عز وجل١. فقد قلَّد الله تعالى نبيه ﷺ أمانة التبليغ والبيان, فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] . ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] . ومما يدل على أن السنة بمثابة القرآن في هذا: أن الله تعالى امتنّ على المؤمنين ببعثة محمد ﷺ ؛ ليعلم الناس الكتاب والحكمة فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . وقال تعالى, مخاطبا أمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] . فقال غير واحد من السلف: الحكمة هي السنة؛ لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواج النبي ﷺ ، ورضي عنهن، سوى القرآن هو سنته؛ ولذلك قال: "ألا إني

стр. 146

أوتيت الكتاب ومثله معه" ١. وقال الإمام الشافعي ﵀ بعد أن ساق الآيات الكريمة التي يأمر الله تعالى فيها باتباع الكتاب والحكمة، ويمتن بهما علينا، قال: "ذكر الله تعالى الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال, والله أعلم؛ لأن القرآن ذُكِر وأُتبعته الحكمة، فلم يجز -والله أعلم- أن يقال: الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فَرْضٌ، إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله؛ لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به، وسنة رسوله مبينة عن الله معنى ما أراد ... "٢. وقد بين الرسول ﷺ أصول الدين والعقيدة أحسن بيان، ودل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، وبها يعلمون إثبات ربوبية الله، ووحدانيته وصفاته، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية. بل وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية -وإن كان لا يُحتاج إليها، فإن كثيرا من الأمور يعرف بالخبر الصادق- ومع هذا, فإن الرسول بيّن الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين: السمعي "الشرعي", والعقلي٣.

стр. 147

وبذلك يتبين أن النبي ﷺ قد نص على كل ما يعصم الأمة من المهالك نصا قاطعا للعذر، ولا يمكن أن يبين للناس أمور حياتهم وما يحتاجونه في الشريعة, ثم يترك الجانب الرئيسي وهو العقيدة. قال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله، وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما"١. وقيل لسلمان الفارسي ﵁: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟ فقال: أجل٢. وقال ﷺ : "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٣. في أحاديث كثيرة وآثار -غير هذه- تبين أن مسائل العقيدة من أول ما يعلمه النبي ﷺ لأمته. وفي سنته ما يقطع الحجة، ويوضح المحجة، ويوفي على الغاية هداية وشفاء للصدور وبيانا للحق٤. هذا, وقد سبقت الإشارة إلى أن السنة هي الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، ويندرج فيها الأحاديث الحسنة التي لم تبلغ رتبة الصحيح؛ ولذلك ينبغي التوثق والتثبت من صحة الحديث وقبوله عند الاستشهاد به والاحتجاج في قضايا الاعتقاد؛ فإن العقيدة لا تبنى على الأحاديث الضعيفة.

стр. 148

العمل بها، فإن "جميع ما صح عن رسول الله من الشرع والبيان كله حق"١، وإنما ينبغي -بعد ذلك- النظر في المنهج الصحيح للفهم والاستدلال وإعمال قواعد الاستنباط وضوابط الترجيح عند التعارض مثلا. وأما الأحاديث الضعيفة والموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ ، فلا يجوز الاحتجاج بها، بل ولا تجوز روايتها أصلا إلا لبيان حالها، وإنما ينبغي الإعراض عنها؛ لأن العقيدة لا تثبت بالأحاديث الضعيفة فضلا عن الموضوعة. وإن من أعظم أسباب الضلال والانحراف عن السنة والعقيدة الصحيحة, الاحتجاج بالأحاديث والأخبار الضعيفة والمكذوبة وبناء الاعتقاد عليها، وبخاصة فيما يتعلق بمباحث الألوهية والصفات ونحوها٢.

стр. 149

الأدلة على صحة هذا المنهج في مصدرية العقيدة: وقد قامت الأدلة الشرعية "من الكتاب والسنة", والأدلة العقلية على صحة هذا المنهج، وعليه أجمع الصحابة وسلف الأمة، كما أيدته التجربة والواقع: فأولا: نطق بذلك القرآن الكريم، في آيات كثيرة تدل على ذلك: ١- قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . فإذا أكمل الله تعالى الدين وأتم به النعمة، فإن هذا يقتضي أن لا يترك جانبا من جوانب العقيدة أو مسألة من مسائلها دون أن يأتي عليهما بالبيان. ولذلك كان القرآن كتاب هداية لأقوم طريق في العقيدة؛ لأنه يهدي إلى صراط مستقيم, وإلى سبل السلام: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦-٦٨] . ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] . ٢- وقد وصف الله تعالى الكتاب بأنه تبيان لكل شيء, فقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] . وإذا كانت العقيدة من أهم ما ينبغي بيانه ومعرفته؛ فلا بد من أن تكون الآيات القرآنية مبينة لهذا أوضح بيان، إذ لا يقبل العقل أن تبين لنا هذه الآيات أحكام الفروع, ثم تترك الأصول الاعتقادية التي هي أساس لتلك الفروع. ٣- وقد جاءت الآيات الكريمة تبين أن الله تعالى يبين للناس ما يكون سببا

стр. 150

لعصمتهم عن الضلال؛ وذلك يكون باتباع القرآن والسنة ومجانبة الظن وأهواء النفوس: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤] . ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] . ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . في آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تنطق بالحق، وتقيم الحجة والبرهان على أن القرآن الكريم هو كتاب العقيدة والإيمان. فليس وراءه مصدر إلا ما كان يخرج من مشكاته، وهو الحكمة أو سنة النبي ﷺ . ٤- ولذلك أوجب الله تعالى على المسلمين اتباع الرسول فيما يأمر وينهى١، وقرن طاعة الرسول بطاعته -سبحانه- في آيات كثيرة من القرآن, فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] . وحث على الاستجابة لما يدعو إليه من الحياة الكريمة التي تتمثل في الاعتقاد الصحيح, وفي التمسك بالدين فقال:

стр. 151

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] . وجعل طاعة الرسول طاعة لله تعالى، وعلامة على محبته: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] . كما جعل مخالفة النبي ﷺ سببا للفتنة تصيب الإنسان, أو سببا لعذاب أليم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . ويؤيد هذا أن رجلا قال لمالك بن أنس ﵀: من أين أُحْرِم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. فأعاد عليه مرارا. قال: فإن زدتُ على ذلك؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة! قال: وما في هذه من الفتنة، إنما هي أميال أزيدها؟ قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال: وأي فتنة في هذا؟ قال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله ورسوله١؟ بل, إن هذه المخالفة لأمر الرسول والتولي عن طاعته إنما هي من الكفر الذي ينبغي أن يحذره المسلم على نفسه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .

стр. 152

ثانيا: تواردت أحاديث النبي ﷺ تقيم الأدلة على صحة هذا المنهج في العودة للقرآن والتمسك بما ثبت عنه، فقال ﵊؛ فيما رواه علي ﵁، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا إنها ستكون فتنة" فقلت: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن -إذ سمعته- حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم"١. ولذلك قال ابن عباس ﵄: تضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل بما

стр. 153

فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. ثم قرأ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ١. وتواترت الأحاديث النبوية توجب العمل بالسنة والتمسك بها، وتبين أنها سبب النجاة، بما يدل دلالة قاطعة على أن المنهج الصحيح في استلهام العقيدة -مع سائر الأحكام- إنما يكون بالعودة إلى الصادق المصدوق، المبلغ عن ربه ﵎. وما ورد من هذه الأحاديث أنواع كثيرة, يمكن إدخالها تحت أنواع ثلاثة٢: النوع الأول: إخباره -وهو المعصوم من الكذب- بأنه قد أُوحي إليه القرآن وغيره، وأن ما بينه وشرعه من الأحكام، إنما هو بتشريع الله تعالى ومن عنده، وليس من عند النبي، وأنه لا يمكن فهم الأحكام من القرآن وحده، بل لا بد من الاستعانة بالسنة، وأن العمل بها عمل بالقرآن نفسه، وأن الأمة قد أمرها الله تعالى بالأخذ بقوله وطاعته واتباع سنته، وأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وأن الإيمان لا يتم إلا باتباع جميع ما جاء به. وهذا النوع من الأحاديث يعزّ على الحصر، وقد تقدمت الإشارة إلى بعضها في مناسبات سابقة، كحديث: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" ٣. وعن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من أطاعني

стр. 154

فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ... " ١. والنوع الثاني: أمره ﷺ بالتمسك بالسنة، وهو لا يأمر إلا بما أوجبه الله تعالى، ولا ينهى إلا عما حظره الله، كما في حديث العرباض بن سارية، وفيه: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢.. إلخ. والنوع الثالث: أمره ﷺ باستماع حديثه وحفظه وتبليغه إلى من لم يسمعه، وذلك يستلزم حجية قوله ﷺ ، كقوله ﷺ : "بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ٣. وقد تقدمت الإشارة إلى أن كتبا كثيرة في الاعتقاد تحت عنوان "السنة" أو "السنن", إنما ألفت للحث على السنة واتباعها والتمسك بها٤.

стр. 155

ثالثا: وعلى هذا المنهج سار الصحابة -رضوان الله عليهم فكانوا يتلقون من النبي ﷺ ما أوحاه الله تعالى إليه: قرآنا ناطقا وسنة حادثة عن النبي ﷺ فيتعرفون -بذلك- على وحدانية الله تعالى، وعلى صفاته، وعلى نبوته ﵊، وعلى المبدأ والمعاد، وكل ما يتصل بأمور العقيدة بخاصة والدين كله بعامة. فلم يكن عندهم ما يستدلون به على ذلك سوى كتاب الله تعالى، يتلقونه بالتسليم، فيفهمون معناه، ويلتزمون بما فيه، لا يتنازعون في شيء من ذلك، ولا يتعمقون في البحث الذي لا طائل تحته، وكانوا يرون الجدل في أمور العقيدة مؤديا إلى الانسلاخ من الدين. فلذلك أجمعت كلمتهم على أن القرآن فيه كل الغناء وفيه علم الأولين والآخرين، وأن من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما وقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه -كما قال ابن عمر ﵄ وما ذاك إلا لأنه جامع لمعاني النبوة١.

стр. 156

رابعا: وعلى هذا أيضا أجمعت كلمة علماء الإسلام بعد عصر الصحابة- من جميع الطوائف، فإن القرآن عندهم يفيد معرفة أدلة التوحيد من غير ظن ولا تقليد، ومنه تعلم المتكلمون "علماء الكلام" النظر والأدلة، ولكنهم غالوا في النظر، ولم يقتصروا على القدر النافع المذكور في كتاب الله تعالى. وجميع ما هو صحيح من الأدلة عند المتكلمين يمكن رده إلى القرآن الكريم, بل هو في القرآن الكريم؛ فجميع أدلتهم -مثلا- في وحدانية الله تعالى لا تخرج عن قوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وهكذا في سائر أبواب الاعتقاد ومسائله. ولقد ألمحنا إلى شيء من هذا عند الحديث عن منهج الصحابة في التلقي. ولئن كانت أدلة المتكلمين والفلاسفة مقصورة الفائدة على طائفة من الناس الذين يتأثرون بالدليل العقلي المجرد الذي قد لا يدل دلالة قطعية على مدلوله إلا بتأمل كبير وتعمق وتكلف؛ فإن أدلة الكتاب والسنة أدلة قاطعة جلية، تسبق إلى الأفهام ببادي الرأي وأول النظر، ويشترك كافة الخلق في إدراكها وفهمها. وهي بذلك مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، بل كالماء الذي ينتفع به الصبي، والرضيع، والرجل القوي. ولهذا كانت أدلة القرآن سائغة جلية. ألا ترى أن من قدر على ابتداء الخلق فهو على الإعادة أقدر؟ "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده, وهو أهون عليه" وأن التدبير لا ينتظم في دار واحدة بمدبرين، فكيف ينتظم جميع العالم؟ وأن من خلق علم ما خلق، كما قال سبحانه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] . فهذه أدلة تجري مجرى الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، ينتفع به الجميع بيسر وسهولة، فتؤدي إلى معرفة وقناعة، ثم إلى التزام وطاعة١. خامسا: فإذا تجاوزنا الدليل الشرعي والإجماع، وجدنا التجربة والواقع العملي شاهدين عدلين على صحة المنهج الذي سلف، في العودة إلى القرآن والسنة لنستمد منهما أصول العقيدة؛ إذ لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن الكريم في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا٢؛ ولذلك كان فيه الكفاية والغَنَاء. يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: "إننا نعتقد -بالدراسة الطويلة- أن هذا القرآن فيه غناء كامل في بيان الحقائق التي يقوم عليها التصور الإسلامي، فلا يحتاج إلى إضافة من خارجه في هذا البيان "باعتبار أن السنة إنما هي تفصيل وبيان لما في القرآن" ونحب أن يتعود القارئ أن يلجأ إلى القرآن ليجد فيه تبيانا لكل شيء. ومن ثم فإن النصوص القرآنية هنا "في بحث موضوعات التصور الإسلامي" هي الموضوع ذاته، وليست عنصرا مساعدا

стр. 157

كما اعتاد الناس أن يجدوها في كثير من البحوث الإسلامية ... "١. ولا أدل على صحة هذا القول من واقع أولئك الذين حاولوا أن يتلمسوا الأدلة العقلية على صحة الاعتقاد، فأطلقوا العنان لعقولهم في البحث والتفكير، بمعزل عن الوحي، متأثرين في ذلك بمنطق اليونان وفلسفتهم، ولكنهم عادوا بالخيبة والخسران، بعد أن بدّدوا جهدهم، وأضاعوا في البحث عمرهم، ثم وقفوا حائرين، لا يجدون دلالة إلا في كتاب الله الكريم، وفي سنة نبيه العظيم ﷺ . فهذا إمام الحرمين الجويني "ت ٤٧٨هـ" وهو الأصولي الجدلي النظّار، يقول: "قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خلَّيت أهل الإسلام بإسلامهم فيها، وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخِضَمّ، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه؛ كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد, والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق. عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطف بره -فأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق وكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله- فالويل لابن الجويني"٢. وأما حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي "ت ٥٠٥هـ" الذي ابتدأ البحث في

стр. 158

علم الكلام فحصّله، وطالع كتب المحققين من علمائه، وصنّف فيه ما أراد أن يصنّف، فينتهي إلى أن يقول عن هذا العلم: "وهذا العلم قليل النفع في حق من لا يسلِّم سوى الضروريات شيئا أصلا، فلم يكن الكلام في حقي كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا ... "١. وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومجالسة أهله ومطالعة "الصحيحين"٢. وبذلك عرف الحق وفاء إليه، فكان عاقبة أمره حسنا! وأما الفيلسوف القاضي، أبو الوليد محمد بن رشد الحفيد "ت ٥٢٠هـ"، وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، فيقول في كتابه "تهافت التهافت"٣: "لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء"٤. وأما إمام المتكلمين، فخر الدين الرازي، الشهير بابن خطيب الري "٦٠٤هـ" فيقول في وصيته التي أوصى بها تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الأصبهاني: " ... ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة

стр. 159

تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذلك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية ... ". ثم يعلن عُزُوفه عن علم الكلام الذي كتب فيه ما كتب, فيقول: "وأقول: ديني متابعة الرسول محمد ﷺ ، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما"١. وقال في كتابه "أقسام اللذات": نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووَبَال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا فكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال، فزالوا والجبال جبال لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتُها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] . ثم قال: "ومن جرّب مثل تجربتي, عرف مثل معرفتي"٢.

стр. 160

وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال: لعمري لقد طُفْتُ المعاهد كلها ... وسيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم١ وهذا العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي -مع توغّله في علم الكلام- يقول: تاه الأنام بأسرهم ... فاليوم صاحي القوم عَرْبد والله ما موسى ولا ... عيسى المسيح ولا محمد عرفوا، ولا جبريل وهو ... إلى محل القدس يصعد من كُنْه ذاتك غير أنـ ... ـك واحد في الذات سَرْمَد عرفوا إضافات ونفيـ ... ـا والحقيقة ليس توجد فليخسأ الحكماء عن ... حَرَم له الأملاك له سُجَّد من أنت يا رسطو ومن ... أفلاطُ مثلك يا مبلَّد ومن ابن سينا حيث قـ ... ـرر ما هذيتَ به وشيد هل أنتم إلا الفرا ... ش رأى السراج وقد توقّد فدنا فأحرق نفسه ... ولو اهتدى رَشَدا لأبعد

стр. 161

ويقول أيضا: فيك يا أغلوطة الفكر ... تاه عقلي وانقضى عمري سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا عنا السفر رجعت حسرى وما وقفت ... لا على عين ولا أَثَر فلَحَى الله الأولى زعموا ... أنك المعلوم بالنظر كذبوا, إن الذي زعموا ... خارج عن قوة البشر١ ولهذا وجدنا العلامة محمد بن إبراهيم الوزير ﵀ يضع كتابا قائما برأسه في منهج القرآن في بيان العقيدة، ويوازن ذلك بمناهج المنطق اليوناني بما فيه من جفاف وتعقيد وتخليط، وسماه "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان"، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب كامل في نقض المنطق اليوناني بعنوان "نقض المنطق"٢.

стр. 162

آثار هذا المنهج, وفوائده: وهذا المنهج في تلقّي العقيدة واستلهامها من القرآن والسنة، علاوة على أنه مقتضى الإيمان بالله، وبكتابه المنزل وبنبيه المرسل -الذي يبلِّغ عن ربه ﵎ إننا نجني منه فوائد كثيرة، أهمها اثنتان: ١- أن هذا المنهج هو الذي يعصم عن الوقوع في الخطأ والانحراف والزلل، وعن الاضطراب في فهم العقيدة، ويحفظ على الإنسان جهده، ويمنع عقله من التبدد والضياع، ونفسه من الهوى؛ لأنه يعود بالأمر كله إلى العليم الحكيم الذي تكفل بالهداية لهذا الإنسان. يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ وهو يتحدث عن خصيصة "الربانية" في التصور الإسلامي: " ... وهذا التوكيد على مصدر هذا التصور، هو الذي يعطيه قيمته الأساسية، وقيمته الكبرى ... فهو مناط الثقة في أنه التصور المبرأ من النقص، المبرأ من الجهل، المبرأ من الهوى.. هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري، والتي نراها مجسمة في جميع التصورات التي صاغها البشر ابتداء من وثنيات وفلسفات, أو التي تدخّل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة! وهو كذلك مناط الضمان في أنه التصور الموافق للفطرة الإنسانية، الملبِّي لكل جوانبها، المحقق لكل حاجاتها. ومن ثم فهو التصور الذي يمكن أن ينبثق منه, ويقوم عليه أقوم منهج للحياة وأشمله"١. ٢- وهو المنهج الذي يجمع الأمة كلها، ويوحدها على كلمة واحدة وتصور واحد، ويعصمها من التفرق والشتات، بما ينشئ فيها من تصورات ثابتة، وبما يضع لها من موازين وقيم لا تتأثر بزمان معين ومكان محدد، وإنما هي الموازين والقيم الثابتة التي تتلقاها من الوحي, وتتكيف بها وتصبغ حياتها بمقتضاها، فلا تتوزّعها الأهواء ولا الأفكار البشرية الضالة، التي تتقلب فيها، فلا تستقر على

стр. 163

قرار؛ لأنها لا تستقر على منهج واحد. وعندئذ تكون هذه الأمة -حقا- أمة واحدة كما أراد الله تعالى لها: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] . ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] . فهي الأمة الواحدة: عقيدة وفكرا ومنهجا وسلوكا١. وعندئذ تتحقق لها الريادة والشهادة على الأمم الأخرى، بما تملك من الحق والهدى الذي تتلقاه من الوحي الذي أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم٢.

стр. 164

دور العقل ومكانته: وبعد أن تعرفنا على المصدر الرئيسي للعقيدة الإسلامية "وهو الوحي"، نُلمع إلماعات سريعة إلى دور العقل ومكانته، ومجاله في الإسلام. العقل في اللغة: والعقل في اللغة العربية يطلق على القيد الذي يقيَّد به البعير؛ لئلا يندّ، وسميت الملكة التي يتميز بها الإنسان "عقلا"؛ تشبيها لها بالقيد، على عادة العرب في استعارة أسماء المُحَسَّات للأمور المعنوية. وتستخدم كلمة "عقل" ومشتقاتها في اللغة بمعانٍ متعددة أصلها واحد، وهو حُبْسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة، أو الإمساك والاستمساك١. ونستطيع أن نخرج من الاستعمال اللغوي لكلمة "العقل" بملاحظات ونتائج, نوجز أهمها فيما يلي: ١- أن العقل ملكة معنوية، وليست شيئا حسيا، وبها يتميز الإنسان. ٢- هذه الملكة تمنع صاحبها عما لا يليق وتزجره، فكأنها تقوم بعملية إيجابية وأخرى سلبية، وكلتاهما تُطلقان أحكاما قيمية على الفعل. ٣- هذه الملكة كاشفة لصاحبها عما ينبغي أن يفعله، وعندئذ كأنه يتحصن بها. ٤- وفيها جماع الأمر والرأي، وتدعو للتثبت في الأمور.

стр. 165

٥- العقول متفاوتة بحسب فطرة الله التي فطر الناس عليها، باتفاق العقلاء. إطلاقات كلمة "العقل": وقد عُنِي علماء الشريعة عند حديثهم عن التكليف ومقاصد الشريعة ومكارمها بالحديث عن العقل وأنواعه ومنازله وتنوع أسمائه بحسب ذلك؛ فهو يطلق على أمرين: ١- القوة الفطرية التي أودعها الله تعالى في الإنسان، وخلقه عليها متهيئا بسببها لقبول العلم، وهذا هو محل التكليف ومناط الأمر والنهي، وبه يكون التمييز والتدبير, وهو العقل الفطري الغريزي. ٢- ويطلق كذلك على العلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة الفطرية، وهذا هو العقل المستفاد، وإليه الإشارة في القرآن الكريم في كل موضع ذمّ الله تعالى فيه الكفار بعدم العقل١، كقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] . وقد عني علماء اللغة ببيان أسماء العقل وتنوعها بحسب مقاماته، مع بيان الفروق بينها في الاستعمال٢. وليس من غرضنا هنا تقديم دراسة كاملة عن العقل، فحسبنا هذه الإشارات

стр. 166

لنخلص بعدها إلى قيمة العقل, ومكانته في الإسلام. قيمة العقل في الإسلام: ينوِّه الإسلام تنويها كبيرا بالعقل، ويُعلي من مكانته وقيمته، ويحفل به وبوسائل الإدراك -بعامة- ونجد شاهدا على ذلك في الآيات القرآنية الكريمة التي تنزلت بشأنه. وينبئك عن هذا أن مشتقات كلمة "العقل" تكررت في القرآن الكريم حوالي سبعين مرة. وأما الآيات التي تتصل بالعمليات العقلية وتحث على النظر والتفكر والتدبر والتبصر في آيات الله في الأنفس والآفاق، وفي حوادث التاريخ، وأحكام التشريع، وتتوجه بالخطاب لأولي الألباب ... فقد بلغت من الكثرة حدا أعطى الإسلام ميزة بين كل المذاهب والشرائع. يقول الأستاذ عباس محمود العقاد: "والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه. ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه". "ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة. بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها، وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته". "فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع، ولا في العقل المدرك الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح، بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما

стр. 167

يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة ... "١. فإذا تلمسنا الشواهد على ذلك في أحاديث النبي ﷺ التي تحث على العلم وتبيّن فضله ومكانته، وترسم منهج البحث والنظر، وتدعو للتبصر والفهم والفقه ... وجدناها تأخذ مساحة أوسع في كتب الحديث الشريف، وتجعل الإسلام -بحق- دين العلم والعقل كما أنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها. مكانة العقل في الإسلام: ونوجز فيما يلي الكلام على مكانة العقل في الإسلام، بخطوط سريعة وكلمات موجزة تشير إلى ما وراءها من اهتمام وعناية: فالعقل هو هبة الله العظمى ومنحته لهذا الإنسان، به أكرمه وميزه على سائر المخلوقات، فأعطاه المفتاح الذي يفتح به أبواب الملكوت ويدخل ساحة الإيمان بالله الذي سخّر للإنسان كل ما في السموات والأرض. ولذلك امتن الله تعالى على الناس بهذا العقل، وجعله موضوع المسئولية، فقال: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] . ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . ولذلك جعل الله تعالى العقل مناط التكليف وسببا له، فالخطاب الشرعي لا يتوجه إلا للعاقل؛ لأن العقل أداة الفهم والإدراك، وبه تتوجه الإرادة إلى الامتثال؛ ولذلك قال بعض السلف: "العقل حجة الله على جميع الخلق".

стр. 168

ومن هنا جاءت أحاديث النبي ﷺ ترفع القلم -أي: التكليف والمؤاخذة١ - عمن فقدوا مناط التكليف وهو العقل، بسبب الجنون أو ما يأخذ حكمه، فقال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" ٢. وفي لفظ آخر: "وعن المعتوه حتى يعقل" ٣. والبحث في هذا نجده مفصلا عند علماء الأصول في مبحث الأهلية وعوارضها, أو في مبحث المحكوم عليه. ولذلك شرع الإسلام من الأحكام ما يحافظ فيها على العقل باعتباره واحدا من الضروريات الخمسة، التي أُنزلت الشرائع للمحافظة عليها، وهي: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال. فأوجب الإسلام العلم، وكل ما به قوام الحياة، وهي تعود على العقل بالحفظ، وحرم كل ما يُذهب العقل أو يزيله؛ كالخمر والمخدرات وسائر المسكرات؛ ولأنها تصيب العقل بآفة تجعل صاحبه عبئا على المجتمع ومصدر شر وأذى للناس. ويحث الإسلام العقل على العمل فيما خُلق له، وفي المجال الذي يستطيعه، فلا يجوز إهماله ولا تعطيله؛ فهو يحث على النظر والتدبر والتأمل والتفكر في آيات

стр. 169

الله تعالى المقروءة, والمنظورة، في الأنفس والآفاق، وفي مجال عالم الشهادة. والآيات الكريمة في ذلك كثيرة تعزّ على الحصر. ويرسم الإسلام للعقل المنهج الصحيح للعمل والتفكير، ويرفع من أمامه العوائق والموانع التي تعطله عن وظيفته؛ كاتباع الظن والأوهام والخرافة، أو الخضوع لسيطرة العادات والتقاليد، أو تقليد الآباء والمشايخ والطغاة ... وبذلك يتحرر العقل حرية حقيقية كاملة، ويقوم بعملية التثبت والتبين قبل الإقدام أو الاعتقاد والتصديق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] . ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . ثم يحيل الإسلام على العقل -مع أدلة أخرى- في القضايا الكبرى الرئيسية؛ فهو يهدي -عند النظر الصحيح- إلى معرفة الله تعالى ووحدانيته، ويقيم الأدلة على صحة النبوة والبعث بعد الموت, فيكون إدراك هذه القضايا إدراكا كليا عاما وقبولها بالعقل١. وشواهد ذلك من القرآن والسنة وكلام العلماء كثيرة، لا يتسع المقام للإفاضة

стр. 170

فيها. فحسبنا هذه الإشارة نختم بها هذه الفقرة عن قيمة العقل, ومكانته في الإسلام١. دور العقل في العقيدة: وقد يدفع هذا القول بعض الناس ليظن أن هذه العناية بالعقل والإعلاء لمكانته تبيح لنا أن نجعل منه مصدرا نستقي منه العقيدة، أو نجعله حاكما عليها، يقبل منها ما يدركه، ويرفض ما لا يدركه أو ما لا يحيط به علما. وهذه قضية منهجية جدّ خطيرة، تحتاج إلى فضل بيان، توضع فيه الأمور في نصابها الصحيح دون إفراط ولا تفريط: "لو كان الله سبحانه، وهو أعلم بالإنسان وطاقاته كلها، يعلم أن العقل البشري، الذي وهبه الله تعالى للإنسان، هو حسب هذا الإنسان في بلوغ الهدى لنفسه والمصلحة لحياته، في دنياه وآخرته، لوكله إلى هذا العقل وحده، يبحث عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق، ويرسم لنفسه كذلك المنهج الذي تقوم عليه حياته، فتستقيم على الحق والصواب، ولما أرسل إليه الرسل على مدى التاريخ، ولما جعل حجته على عباده هي رسالة الرسل إليهم، وتبليغهم عن ربهم ... ". "ولكن لما علم الله -سبحانه- أن العقل الذي آتاه للإنسان أداة قاصرة بذاتها عن الوصول إلى الهدى -بغير توجيه من الرسالة وعون وضبط- وقاصرة كذلك عن

стр. 171

رسم منهج للحياة الإنسانية، يحقق المصلحة الصحيحة لهذه الحياة، وينجي صاحبه من سوء المآل في الدنيا والآخرة. لما علم الله -سبحانه- هذا قضت حكمته ورحمته أن يبعث للناس بالرسل وألا يؤاخذ الناس إلا بعد الرسالة والتبليغ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١ [الإسراء: ١٥] ". إذن ما هي وظيفة العقل البشري؟ وما هو دوره في العقيدة الإسلامية؟ يقول الأستاذ سيد قطب، ﵀: "إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة "الوحي"، ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول. ومهمة الرسول أن يبلغ ويبين، ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما يرين عليها من الركام، وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق، وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح ومنهج النظر الصحيح، وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية، المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة. وليس دور العقل أن يكون حاكما على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان، والقبول أو الرفض, بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله، وبعد أن يفهم المقصود بها, أي: المدلولات اللغوية والاصطلاحية للنص"٢. ويؤكد هذا المعنى ويزيده وضوحا، فيقول: إن العقل البشري ليس هو الذي يصنع مقومات التصور الإسلامي -كما هو الحال في الفلسفة- إنما هو الذي "يتلقاها" من مصدرها الرباني، و"يدركها"

стр. 172

صحيحة، حين يتلقاها وهو متجرد من أية "مقررات" سابقة في هذا الباب -سواء من مقولاته الذاتية، أو من مقولات العقائد المحرفة، ولو كان لها أصل رباني- وعليه أن يتقيد فيما يتلقاه من ذلك المصدر الصحيح بالمدلول اللغوي أو الاصطلاحي للنص الذي وردت فيه هذه المقومات -بدون تأويل- ما دام النص محكما، وأن يصوغ من هذا المدلول مقرراته هو ومنهجه في النظر أيضا. فليس له أن يرفض هذا المدلول أو يؤوله -متى كان متعينا من النص- بحجة أنه غريب عليه أو صعب التصور عنده، أو أن منطقه لا يقره! فهو -العقل البشري- ليس حَكَما في صحة هذا المدلول أو عدم صحته -في عالم الحقيقة والواقع- وإنما هو حكم فقط في فهم دلالة النص على مدلوله -وفق المفهوم اللغوي أو الاصطلاحي للنص- وما دل عليه النص فهو صحيح، وهو الحقيقة، سواء كان من مألوفات هذا العقل ومسلماته أم لم يكن ... ويستوي في هذه القاعدة العقيدة والشريعة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وصدق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "لو كان الدين بالرأي, لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" "أخرجه أبو داود". ومن ثم, فإن محاكمة التصور الإسلامي أو محاكمة مقوماته التي يقوم عليها -ومنها ما هو غيب، كالملائكة والجن والقدر، والقيامة، والجنة والنار- إلى العقل البشري ومقرراته الذاتية، منهج غير إسلامي. وهذا لا يعني أن التصور الإسلامي مناقض أو مصادم للعقل البشري. فإن مقرراته كلها نوعان: نوع الإدراك البشري قادر على تصوره -عند تلقيه من المصدر الرباني- ونوع هو غير قادر على إدراكه ولكن منطقة ذاته يسلم بأن طبيعته أكبر من حدود إدراكه، وأن "وجود" ما هو أكبر من حدود إدراكه داخل في قدرة الله

стр. 173

تعالى، وأن إخبار الله عن وجوده هو بذاته برهان هذا الوجود، برهان صحة الإخبار.. ومن ثم لا يقع التناقض أو التصادم أبدا، متى استقام العقل البشري والتزم حدوده! "وحيثما حاول العقل البشري أن يسلك طريقا غير هذا الطريق، طريق التلقي من المصدر الرباني بدون مقررات سابقة لها فيما يتلقى، والالتزام بمدلول النص متى كانت دلالته اللغوية أو الاصطلاحية محكمة.. نقول: حيثما حاول العقل البشري أن يسلك طريقا غير هذا الطريق، جاء بالخبط والتخليط الذي لم يستقم قط في تاريخ الفكر البشري.. يستوي في الخبط والتخليط تلك الجاهليات الوثنية التي انحرفت عما جاء به الرسل -صلوت الله وسلامه عليهم- والجاهليات اللاهوتية التي أدخلت على الأصل الرباني الإضافات والتأويلات التي اصطنعها العقل البشري -وفق مقولاته الذاتية- أو اقتبسها من الفلسفة, وهي من مقولات هذا العقل أصلا. والجاهليات الفلسفية التي استقل الفكر البشري بصنعها، أو أضاف إليها تأثرات من الديانات السماوية! "ولقد حدث في تاريخ الفكر والاعتقاد أن أخذ بعض "المعتقدين" لعقيدتهم من الفلسفة، وأن أخذ بعض "الفلاسفة" لفلسفتهم من العقيدة.. وكان من وراء هذا وذلك ظاهرة لم تتخلف قط ... إنه حيثما أخذت الفلسفة من العقيدة أفادت واهتدت إلى بعض جوانب الحقيقة. وحيثما أخذت العقيدة من الفلسفة خسرت وأصيبت بالتخليط والانحراف والتعقيد! ولا تبدو هذه الظاهرة واضحة كما تبدو في تلك الصورة الكابية المعقدة الكئيبة التي تسمى: "الفلسفة الإسلامية" أو في "علم الكلام".. البعيدة عن طبيعة

стр. 174

العلاقة بين العقل والوحي: ولعلنا على ضوء ما سبق نستطيع أن نحدد العلاقة بين الوحي والعقل أو الصلة بينهما. وعلى هذا نفهم ما ورد عن تظاهر العقل والشرع، وعن التكامل بينهما كقولهم: "العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبين إلا بالعقل. فالعقل كالأُسّ والشرع كالبناء. ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس. وأيضا: فالعقل كالبصر، والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر١ ... فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان، بل متحدان ... والعقل بنفسه قليل الغناء، لا يكاد يتوصل إلا إلى معرفة كليات الشيء دون جزئياته، والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته، ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء شيء، وما الذي هو مَعْدَلة في شيء شيء. وعلى الجملة: فالعقل لا يهتدي إلى تفاصيل الشرعيات، والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه العقل، وتارة بتنبيه الغافل وإظهار الدليل، حتى يتنبه لحقائق المعرفة. وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده، وتارة بالتعليم، وذلك في

стр. 175

الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد. فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة، والدال على مصالح الدنيا والآخرة. ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل"١. ويبقى أن نؤكد هنا -مرة أخرى- على أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين أحكام العقل الصريح والنصوص الشرعية الصحيحة -وفق المنهج الذي سلف في بيان حدود العقل- وهذه المسألة التي وضع لها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابه الضخم "درء تعارض العقل والنقل" أو "موافقة صحيح المعقول لصريح المنقول". وما قد يظهر من خلاف ذلك، فينبغي عند ظهوره ألا نعارض نصوص الشرع بما قد نراه بعقولنا وآرائنا وأقيستنا؛ فإن العقول -كما رأينا- تتفاوت، وليس هناك العقل المطلق الكامل الذي نحاكم إليه هذه النصوص. كما أن العقل نفسه محدود بحدود الزمان والمكان والكيفية، وبحدود وظيفته، ولا يستطيع أن يحيط بغير المحدود الذي يحيط به الشرع أو الوحي. ولذلك قال الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: "من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم". "وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو أن العقل مع النقل

стр. 176

كالعامي المقلد مع العالم المجتهد. بل هو دون ذلك بكثير؛ فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا"١.

стр. 177

التزام العقيدة، والنهي عن البدع: تمهيد وإحالة: إن النصوص الشرعية التي تقدمت في وجوب التزام الكتاب والسنة والاعتصام بهما -عند الحديث عن مصادر العقيدة- تستلزم من جهة أخرى الحذر من الأهواء والبدع المخالفة للشرع، تلك التي تغلق أبواب الرحمة، وتصدّ عن الهدى والسبيل، وتؤدي إلى الضلالة والفتنة، وتفرق الأمة الواحدة فتجعلها شيعا وأحزابا، مع ما ينتظر صاحبها من إثم عند الله تعالى، وحرمان لشفاعة النبي ﷺ في الآخرة، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا. أدلة النهي عن البدع؛ والتحذير من الابتداع: وقد تضافرت النصوص الشرعية -قرآنا وسنة- على ذمّ البدع وبيان آثارها، وعلى هذا اجتمعت كلمة السلف من الأمة، كما أن النظر العقلي -أيضا- يؤيد هذا أو يزيده بيانا وتأكيدا. فاجتمع لنا من الأدلة ما ينهض للتنديد الشديد بالبدع والتحذير منها، مما نجعله في شعب ثلاث من النصوص وأخرى من الأدلة العقلية١. أولا: فمن القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .

стр. 178

وهذه الآية من أعظم الشواهد على ذلك، فقد جاء تفسيرها عن النبي ﷺ بأنهم الذين يجادلون في آيات الله بترك الآيات المحكمة واتباع المتشابه، وهذا يصدق على كل صاحب بدعة، ويدخل فيهم ما ذكره بعضهم كالخوارج وأتباع ابن سبأ، بل ويدخل فيهم كل المبتدعة من غير هذه الأمة حتى قال قتادة ﵀: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية، فلا أدري من هم؟ ثم قال: إن اليهودية لَبدعة، وإن النصرانية لبدعة, وإن الحرورية لبدعة، وإن السبئية لبدعة، ما نزل بهن كتاب ولا سنهن نبي١. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . فالصراط المستقيم: هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة. و"السبل": هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الطريق المستقيم، وهم أهل البدع، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ ما يفسر ذلك٢، وعلى هذا قول مجاهد حيث فسرها بالبدع والشبهات.

стр. 179

ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١، ٣٢] . فقد روي في تفسيرها أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: "يا عائشة, إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة" ١. وكل من ابتدع بدعة في الدين فهو داخل في هذه الآية؛ لأنهم إذا ابتدعوا بدعة تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا، وقد تقرر هذا في آيات كثيرة، حسبنا منها ما ذكرناه.. ثانيا: ومن السنة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، تكاد تعز على الحصر، نذكر فيما يلي بعضا منها: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه, فهو ردّ" ٢. وفي لفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا, فهو رد" ٣.

стр. 180

وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ١. وفي رواية: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار" ٢. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه, لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" ٣. وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله, كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٤. ثالثا: أجمعت كلمة علماء الأمة منذ عهد الصحابة والتابعين: ومن بعدهم على التحذير من الابتداع في الدين، وذم المبتدعة، وبيان أخطار البدعة: فقال عمر بن الخطاب ﵁: أيها الناس! قد سُنت لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض, وتُركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا يمينا وشمالا.
следующие страницы →