كالعامي المقلد مع العالم المجتهد. بل هو دون ذلك بكثير؛ فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا"١.
стр. 177
التزام العقيدة، والنهي عن البدع:
تمهيد وإحالة:
إن النصوص الشرعية التي تقدمت في وجوب التزام الكتاب والسنة والاعتصام بهما -عند الحديث عن مصادر العقيدة- تستلزم من جهة أخرى الحذر من الأهواء والبدع المخالفة للشرع، تلك التي تغلق أبواب الرحمة، وتصدّ عن الهدى والسبيل، وتؤدي إلى الضلالة والفتنة، وتفرق الأمة الواحدة فتجعلها شيعا وأحزابا، مع ما ينتظر صاحبها من إثم عند الله تعالى، وحرمان لشفاعة النبي ﷺ في الآخرة، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا.
أدلة النهي عن البدع؛ والتحذير من الابتداع:
وقد تضافرت النصوص الشرعية -قرآنا وسنة- على ذمّ البدع وبيان آثارها، وعلى هذا اجتمعت كلمة السلف من الأمة، كما أن النظر العقلي -أيضا- يؤيد هذا أو يزيده بيانا وتأكيدا. فاجتمع لنا من الأدلة ما ينهض للتنديد الشديد بالبدع والتحذير منها، مما نجعله في شعب ثلاث من النصوص وأخرى من الأدلة العقلية١.
أولا: فمن القرآن الكريم، قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
стр. 178
وهذه الآية من أعظم الشواهد على ذلك، فقد جاء تفسيرها عن النبي ﷺ بأنهم الذين يجادلون في آيات الله بترك الآيات المحكمة واتباع المتشابه، وهذا يصدق على كل صاحب بدعة، ويدخل فيهم ما ذكره بعضهم كالخوارج وأتباع ابن سبأ، بل ويدخل فيهم كل المبتدعة من غير هذه الأمة حتى قال قتادة ﵀: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية، فلا أدري من هم؟
ثم قال: إن اليهودية لَبدعة، وإن النصرانية لبدعة, وإن الحرورية لبدعة، وإن السبئية لبدعة، ما نزل بهن كتاب ولا سنهن نبي١.
وقال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
فالصراط المستقيم: هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة. و"السبل": هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الطريق المستقيم، وهم أهل البدع، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ ما يفسر ذلك٢، وعلى هذا قول مجاهد حيث فسرها بالبدع والشبهات.
стр. 179
ومنها قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] .
﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١، ٣٢] .
فقد روي في تفسيرها أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: "يا عائشة, إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة" ١.
وكل من ابتدع بدعة في الدين فهو داخل في هذه الآية؛ لأنهم إذا ابتدعوا بدعة تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا، وقد تقرر هذا في آيات كثيرة، حسبنا منها ما ذكرناه..
ثانيا: ومن السنة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، تكاد تعز على الحصر، نذكر فيما يلي بعضا منها:
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه, فهو ردّ" ٢. وفي لفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا, فهو رد" ٣.
стр. 180
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ١. وفي رواية: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه, لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" ٣.
وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله, كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٤.
ثالثا: أجمعت كلمة علماء الأمة منذ عهد الصحابة والتابعين:
ومن بعدهم على التحذير من الابتداع في الدين، وذم المبتدعة، وبيان أخطار البدعة:
فقال عمر بن الخطاب ﵁: أيها الناس! قد سُنت لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض, وتُركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا يمينا وشمالا.
стр. 181
وعن حذيفة ﵁ أنه قال: يا معشر القراء استقيموا؛ فقد سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا فقد ضللتم ضلالا بعيدا.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: عليكم بالعلم, فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به. إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.
وقد قال في خطبته لما تولى الخلافة: أيها الناس! إنما أنا متبع ولست بمبتدع.
وعن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: عليكم بالسبيل والسنة؛ فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله فيعذبه الله أبدا ... وإن اقتصادا في سبيل الله وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنة. وانظروا أن يكون عملكم -إن كان اجتهادا واقتصادا- أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم.
وفي عهد التابعين كذلك كثر التحذير من البدع، لما رأوها بدأت تذر قرنها وتنتشر، فقال الحسن البصري: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا -صلاة وصياما- إلا ازداد من الله بعدا.
وعن أبي إدريس الخولاني أنه قال: لأن أرى في المسجد نارا لا أستطيع إطفاءها، أحب إليَّ من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها.
وعن الفضيل بن عياض: اتبع الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق
стр. 182
جـ- أن المبتدع معاند للشرع ومشاقّ له؛ لأن الشارع قد عين للعبد منهجا يسير عليه، ويلتزم به، فيما يفعله وما يجتنبه، وهو سبحانه الذي يعلم ما يصلح للعبد وما لا يصلح، والعبد لا يعلم ذلك حقيقة على وجه التفصيل:
﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ [الملك: ١٤] .
والمبتدع رادّ لذلك كله ومخالف له؛ لأنه يزعم أن ثم طرقا أخر غير ما عينه الشارع، فكأنه يزعم أنه يعلم ما يعلمه الشارع، بل قد يفهم من هذا أنه يزعم أنه علم ما لم يعلمه الشارع.
وهذا إذا كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.
د- أن المبتدع قد جعل نفسه مضاهيا للشارع، ونظيرا له، حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابا، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع، وكفى بذلك ضلالة وإثما وخطرا!
هـ- أن الابتداع اتباع للهوى؛ لأن العقل إن لم يكن متبعا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة؛ وأنت تعلم ما في اتباع الهوى من الضلال، والانحراف، وكل من لم يتبع هدى الله فهو متبع للهوى، واقع في الضلالة؛ ولذلك جاء التحذير، فقال تعالى:
﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] .
وما ذكر الله تعالى الهوى في القرآن الكريم إلا في سياق الذم؛ لأنه مخالف للشرع، وسبب للضلال والانحراف؛ ولهذا نزه الله تعالى نبيه عن الضلالة والهوى، وماذا بعد الحق إلا الضلال١؟
стр. 183
معنى البدعة والابتداع:
والبدعة مأخوذة في اللغة من الابتداع، وهو اختراع الشيء وابتداؤه من غير مثال أو أصل سابق، ويقصد بها في الشرع: الطريقة المخترعة في الدين تشابه الطريقة الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه١.
وإذا ذكرنا البدعة والابتداع في الدين، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان تلك البدع الكبرى التي جاءبها الغلاة والمنحرفون عن سبيل أهل السنة والجماعة، قديما وحديثا، ففي القديم نجد أصول البدع عند الخوارج، والرافضة، والقدرية، والجهمية, والمرجئة, والمشبهة٢ ... وفي الحديث ظهرت بدع وفرق مبتدعة كالقاديانية والبهائية والبابية انسلخت من الدين جملة.
стр. 184
عوامل ومؤثرات في ظهور البدع:
وقد تضافرت جملة من الأسباب, والعوامل الداخلية والخارجية كانت وراء ظهور البدع وانتشارها.
فمن العوامل الداخلية:
أ- الغلوّ:
وهو مجاوزة الحدّ المشروع والتشدّد في الدين، وقد يكون الغلو غلوا في الأشخاص بتعظيمهم ورفع مكانتهم وإطرائهم بما يخرج عن حدود الشرع، وكان هذا سببا في ضلال الرافضة الذين غالوا في علي ﵁، والسبئية الذين قالوا له: أنت أنت "أي: أنت الله"، وكذلك غلو بعض المتصوفة في شيوخهم حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه، فيدعونهم من دون الله، ويصفونهم بما هو من خصائص الربوبية والألوهية.
وقد يكون الغلو تشددا في الدين والعبادة، وتنطعا في فهمه والالتزام بأحكامه، كغلو الخوارج الذين كفّروا مخالفيهم من المسلمين غلوا منهم في فهم آيات الوعيد وأحاديثه، ومثل غلو بعض المتعبدين في عباداتهم وانقطاعهم عن الحياة العملية؛ تأثرا بالرهبانية التي ابتدعها النصارى.
وقد يكون الغلو تشددا في التمسك ببعض المذاهب الفقهية ومعاداة للآخرين، تعصبا وجهالة.
ولذلك جاء في القرآن الكريم التحذير من الغلو، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا
стр. 185
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] .
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وقال النبي ﷺ : "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين" ١.
والأحاديث في ذلك كثيرة تنهى عن الغلو, وتبين آثاره٢.
ب- الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة:
مما يروى منسوبا إلى النبي ﷺ ، وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة بالحديث والسنة، فيسمع الجاهل هذه الأخبار فيصدق بها؛ لأنها توافق ظنه وهواه. بل إن المبتدعة قد يقولون أنواعا من الكفر، لا يروون فيه حديثا أصلا. وتجد أمثلة لهذا فيما يقولونه في نزول الله تعالى عشية عرفة يصافح الركبان ويعانق المشاة، وأن النبي
стр. 186
- ﷺ قد رأى ربه في الطواف أو وهو خارج من مكة ... وأمثال ذلك من الكذب والضلال. وهنا وقع في الضلال والانحراف طائفتان: إحداهما غالت في نفي الرؤية حتى نفت ما هو ثابت من رؤية المؤمنين ربهم ﵎ في الجنة، والأخرى غالت في الإثبات حتى وقعوا في الحلول والاتحاد.
وكلاهما أُتي من قبل احتجاجه بأخبار مكذوبة, مع إعراضه عما هو ثابت في نصوص الشريعة من الكتاب والسنة١.
جـ- اتباع الظن والهوى:
والظن هو الشكوك التي تعرض للبشر والآراء التي يرتئونها مما لا يستندون فيه إلى دليل شرعي ثابت، فيجعلونها حقا ويقينا, وهي حَدْس وأوهام.
واتباع الظن لا ينتهي بالإنسان إلا إلى الضلال والابتداع، وحال الناس في كل جاهلية من الجاهليات القديمة والحديثة شاهد على ذلك، فعندما يُعرِض الإنسان عن المصدر الصحيح الثابت المستيقن الذي يجده في الوحي يقع في الضلال؛ ولهذا حذر الله تعالى نبيه ﷺ من اتباع الظن باتباع أصحابه، فقال:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
ثم تأتي الآيات الكريمة تحذّر من اتباع الظن، وتذمّ من يفعل ذلك، وتضع الإنسان أمام المسئولية فتطالبه بالدليل والبرهان، وإلا فإن الإنسان يضرب في بيداء التيه والضلال:
стр. 187
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
وفي الحديث: $"إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث ... "١.
أما الهوى: فهو مَيَلَان النفس إلى ما تستلذّه من الشهوات من غير داعية الشرع٢. وبذلك يهوي الإنسان في دركات الضلال، في الدين والدنيا؛ لأنه مخالف لطريق الهداية المستقيم الذي يرسمه له الوحي.
واتباع الهوى مخالفة صريحة واضحة للمقصد الأساسي للشريعة، وذلك أن المقصد الشرعي من وضع الشريعة وبيان الأحكام هو إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا.
ولذلك جاءت النصوص الشرعية تحذر من اتباع الهوى وتبين آثاره، فقال الله تعالى:
﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] .
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٢١] .
стр. 188
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] .
وقال رسول الله ﷺ : " ... ثلاث مهلكات: هوى متبع، وشحّ مطاع، وإعجاب المرء بنفسه" ١. ولذلك كان يستعيذ بالله تعالى من منكرات الأهواء، فيقول: $"اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء"٢.
قال ابن تيمية ﵀: "وأضلّ الضلال: اتباع الظن والهوى، كما قال تعالى في حق من ذمّهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] .
وقال في حق نبيه ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١-٤] . فنزّهه عن الضلال والغواية اللذين هما الجهل والظلم، فالضالّ هو الذي لا يعلم الحق، والغاوي الذي يتبع هواه. وأخبر أنه ما ينطق عن هوى النفس، بل هو وحي أوحاه الله إليه، فوصفه بالعلم ونزهه عن الهوى"٣.
стр. 189
د- تحكيم العقل البشري وتقديمه على نصوص الشرع، أو تأويلها لتوافق العقول البشرية، وأحيانا إنكارها بحجة أنها مخالفة للعقل:
وهذا من أعظم الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى ظهور البدع والانحرافات. فقد تقدم أن للعقول حدّا تنتهي إليه ومجالا تعمل فيه، فإذا جعلناها حاكمة على الشرع والوحي كان ذلك خلاف حكم العقل نفسه؛ لأنه ثبت أن الشرع حاكم على العقل بإطلاق لأنه معصوم لا يخطئ، أما العقل فليس معصوما، وهو يخطئ ويختلف من إنسان لآخر، فلا يصلح أن يكون حاكما على الشرع، ومن هنا فإن الذين جعلوا العقل حاكما على الشرع وقعوا في بدع كثيرة لما ردوا الأحاديث النبوية واعتبروها مخالفة للعقل وما هي -في حقيقة الأمر- مخالفة، ولكنها مخالفة للمعتاد الجاري فحسب.
ومن البدع التي نشأت بسبب هذا العامل ما ذكره الشاطبي ﵀ من إنكار المبتدعة للصراط والميزان، وعذاب القبر، وسؤال المَلَكَين، ورؤية الله في الآخرة، وإنكار الصفات, ونحو ذلك١.
هـ- الزيادة والنقص في الدين:
وهما أمران يرجع إليهما معظم البدع، فمن الزيادة في الدين أن يدخل فيه ما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃ مثل القول بأنه: لا موجود إلا الله, كما هو قول الاتحادية، وأنه: لا فاعل ولا قادر إلا الله، وهو قول الجبرية. وأمثال ذلك من الغلو في الدين، ومن ذلك القول بأن لله تعالى صفة لم ترد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ومن أنواع الزيادة في
стр. 190
الدين: الكذب فيه عمدا، وقد يتأولون ذلك بأنهم يكذبون له لا عليه.
وأما النقص في الدين؛ فيكون برد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل إلا مجرد التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد كلامية, أو فلسفية لم يتفقوا عليها. وأفحش ذلك وأشهره مذهب القرامطة الباطنية في تأويل الأسماء الحسنى كلها، أو نفيها عن الله، على سبيل التنزيه له عنها وتحقيق التوحيد بذلك, ودعوى أن إطلاقها عليه يقتضي التشبيه، وقد غالوا في ذلك وبالغوا حتى قالوا: إنه لا يقال: إنه موجود ولا معدوم، بل قالوا: إنه لا يعبر عنه بالحروف١ ...
و الجهل بأدوات الفهم للنصوص الشرعية:
وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم بلسان عربي، جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] .
وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] .
ولذلك ينبغي أن يفهم القرآن الكريم -وكذلك السنة النبوية- على مقتضى الأسلوب العربي في الكلام، وإلا فإن المتكلم فيه والمفسر لأحكامه وآياته قد يقع في البدعة والانحراف، عندما يحرف الكلم عن مواضعه بفهمه المخالف لأساليب اللغة العربية وطرائقها؛ كقول الرافضة في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] : إن تأويل هذه الآية لم يجئ بعد، ويعنون أن عليا في
стр. 191
السحاب، فلا يخرج من خرج من ولده حتى ينادي عليّ من السماء: اخرجوا مع فلان. هذا مع أن الآية كانت في إخوة يوسف ﵇ كما هو معروف من السياق.
وكذلك قول من قال: إن كل شيء فانٍ حتى ذات الباري -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا- ما عدا الوجه، بدليل قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .
وإنما المراد بالوجه هنا غير ما قالوا، فإن للمفسرين فيه تأويلات، والمعنى: كل شيء هالك إلا هو.. وهناك أمثلة لهذا كثيرة ذكرها الشاطبي رحمه الله١.
وأما العوامل والمؤثرات الخارجية التي أدت إلى ظهور البدع، فمن أهمها:
أ- تأثير اللقاء المباشر بأهل الأديان من اليهود والنصارى والمجوس، وقد سبقت الإشارة إلى هذا اللقاء مع آثاره عند الكلام على نشأة علم العقيدة واستقلاله.
وهنا نجد أمثلة كثيرة لتأثير هذا العامل؛ فالشيعة تأثروا كثيرا بفكر عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أراد أن يقوم بإفساد الدين الإسلامي من الداخل، كما حاول ذلك قبله شاءول مع ديانة عيسى وتم له ما أراد٢.
стр. 192
والقدرية؛ أخذوا مقالتهم في إنكار القدر عند رجل نصراني اسمه "سنسويه"، ثم تلقاها عنه معبد الجهني.
والجهمية -أتباع الجهم بن صفوان- أخذوا عن الجعد بن درهم الذي أخذ مقالته عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم اليهودي١.. كما أن مؤثرات كثيرة في الفرق المنحرفة كانت بسبب المجوس وغيرهم.
ب- تأثير الفكر اليوناني، عن طريق ترجمة كتب الفلسفة اليونانية، التي فتن بها المعتزلة وكانت سببا للقول ببدع كثيرة، وسببا لأنواع الفساد والاضطراب في المنهج وفي المقررات التي خرجوا بها في الجانب الفكري والعقائدي. وهذا التأثير واضح فيما نجده من مزج علم الكلام بمنطق أرسطو وغيره، مما تصدى لبيانه ونقضه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ممن يمثلون منهج الأصالة بالعودة إلى القرآن والسنة.
стр. 193
التوحيد
مدخل
...
التوحيد:
تمهيد:
ألمحنا فيما سبق إلى أن التوحيد هو: اعتقاد أن الله تعالى واحد في ربوبيته، فلا رب سواه، وواحد في ألوهيته، فلا يستحق العبادة سواه، وواحد في أسمائه وصفاته، متفرد بصفات الكمال التي لا تنبغي إلا له، فلا شبيه له ولا نظير.
التوحيد: فطرة وتاريخا
وهذا التوحيد -بأوسع معانيه وبكل مقتضياته ومستلزماته- هو الذي فطر الله تعالى الخلق عليه. وقد نطق بذلك القرآن الكريم والسنة النبوية؛ ففيهما أن الله تعالى خلق الإنسان مؤمنا بربه، يتجه إليه -بفطرته- بالطاعة والعبادة، وأن غايته هي تحقيق العبودية والتوحيد١.
وبذلك يكون الأصل في البشرية هو التوحيد، "لقد كانت قضية توحيد الله -سبحانه- وإفراده بالألوهية, والعبودية له وحده بلا شريك، والدينونة له بلا منازع؛ هي قضية الاعتقاد الأولى والحقيقية في جميع الرسالات السماوية على مدار العصور والقرون"٢.
الأدلة على ذلك:
وقد قامت الأدلة الشرعية الصحيحة، والأدلة العقلية المنطقية الصريحة تؤيد هذا الواقع وتسنده وتؤكده. وفيما يلي إشارة إلى بعض هذه الأدلة:
стр. 194
أولا: حكى الله تعالى في القرآن الكريم أن أبا البشرية الأول -آدم ﵇ وذريته كانوا على التوحيد، يتبعون منهجا إلهيا منزلا إليهم من ربهم ﵎، فهم أول البشر، يدينون بالتوحيد الخالص، وبذلك يكون التوحيد سابقا للشرك، وليس تطورا عنه. ثم كلما انحرفت أمة من الأمم عن هذا التوحيد, بعث الله تعالى إليها رسولا يدعوها إلى التوحيد وعبادة الله وحده:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٠-٣٨] .
وجاء الحديث عن هذا التوحيد والالتزام بمنهج الله تعالى وشرعه في سورة "الأعراف", وفي سورة "طه" بما لا مزيد عليه في الوضوح والبيان، يقرر أن البشرية الأولى كانت على التوحيد، لم تعرف الشرك والانحراف إلا بعد قرون، حينما انحرف القوم عن دين الله وتوحيده، فبعث الله تعالى لهم نوحا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] .
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٥-٢٦] .
وهي أيضا دعوة هود ﵇ يوجهها إلى قومه عاد:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] .
стр. 195
وهي الكلمة التي ينبغي أن يلتقي عليها أتباع الرسل والأنبياء؛ لتكون دليل إسلامهم لله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
ولذلك كان رسول الله ﷺ يدعو الناس أولا إلى توحيد الله وعبادته؛ ولهذا قال لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده" وفي رواية: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ١.
وقد قرر الله تعالى هذه الحقيقة قاعدة عامة إجمالية، في دعوة كل الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بعد أن حكاها تفصيلا عن كل منهم بطريقة استقرائية٢ -كما رأينا- فقال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
стр. 196
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
ثانيا: وكلما كان الإنسان قريبا من النبع كان الماء أكثر صفاء ونقاء، وكلما ابتعد عن النبع وجد الماء أقل صفاء ونقاء؛ لما يطرأ عليه من الأذى وما يداخله من القذى، والشوائب التي تنصبّ فيه ... وهكذا كانت البشرية الأولى على الفطرة والتوحيد لقرب عهدها بربها تعالى، ثم اختلطت بعد ذلك الينابيع.. وتضافرت العوامل التي أدت إلى الانحراف عن التوحيد، فكان ظهور الشرك طارئا بعد ذلك التوحيد، وكان انحرافا عنه.
ثالثا: لو كان هناك تطور حقا -كما يقولون- لكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون هذا التطور من الوحدة إلى الكثرة؛ لأن الواقع يدل على ذلك، فأنت عندما تبدأ بالعدّ والحساب -مثلا- تبدأ بالواحد وتنتهي بما بعده من كثرة، وليس العكس.
الرد على نظرية التطور في الأديان:
ولعل هذه الإشارات السريعة فيها ما يكفي للرد على مزاعم أولئك النفر من الغربيين ومن تابعهم من المسلمين١، والذين يدرسون تاريخ الأديان ويزعمون أن البشرية لم تعرف عقيدة التوحيد إلا بعد أن تطورت ومرت بمراحل، فكانت تعرف الشرك وتعدد الآلهة أولا, ثم ترقّت من ذلك إلى التوحيد، متأثرين في ذلك بنظرية التطور في أصل الأنواع التي ابتدعها "دارون"، ثم نقلوا الفكرة ذاتها إلى الدين، فأصبحوا يقولون بالتطور فيه.
стр. 197
وقد يظن بعض المسلمين أن في ذلك ترقيا للإنسان وتزكية للإسلام؛ لأنهم يزعمون أن البشرية لما كانت في حال من التأخر كانت تعبد آلهة متعددة، ولما ترقت وتقدمت أصبحت تعبد إلها واحدا، فنشأت ديانات التوحيد. يظنون ذلك ويدافعون عنه، مع أنه -كما رأينا- يناقض نصوص القرآن الكريم والسنة والنبوية, ويخالف الواقع والمنطق والعقل١.
أنواع توحيد الرسل والأنبياء:
وبعد أن انتهينا إلى أن جميع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- قد بعثهم الله تعالى بدعوة التوحيد، فينبغي أن نؤكد هنا على أن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه, نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.
وهذا باعتبار ما يجب على الموحِّد؛ فأحيانا يطلب منه مجرد العلم والمعرفة, وأحيانا يطلب منه توجيه القصد والإرادة وإخلاص العبادة لله.
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب ﵎ وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وعلوه فوق سمواته على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وقد أفصح القرآن الكريم عن هذا النوع من التوحيد كل الإفصاح، كما في أول سورة "الحديد" و"طه" وآخر "الحشر" وأول سورة "السجدة" و"آل عمران" وسورة "الإخلاص" كلها، وغير ذلك من الآيات والسور.
стр. 198
والنوع الثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، بإفراد الله تعالى بالعبادة قولا وقصدا وفعلا. وقد أفاض القرآن الكريم في بيان هذا النوع، كما في سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وسورة "آل عمران"، وأول سورة "يونس" وأوسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة من سورة "الأنعام".
وغالب سور القرآن الكريم، بل كل سورة فيه متضمنة لنوعي التوحيد، شاهدة به, داعية إليه:
١- فإن القرآن الكريم، إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، فهو التوحيد العلمي الخبري، أو توحيد المعرفة والإثبات.
٢- وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، أو توحيد القصد والطلب.
٣- وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في أمره ونهيه، فذلك من حقوق التوحيد ومكمّلاته.
٤- وإما خبر عن إكرام الله لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا، مع ما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء التوحيد.
٥- وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلّ بهم في الآخرة من العذاب، فهو خبر عن جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
وبهذا, فالقرآن الكريم كله في التوحيد، وحقوقه وجزائه، وجزاء من انحرف عنه وخرج عن حكمه١.
стр. 199
أقسام التوحيد باعتبار متعلقاته:
وأما تقسيم التوحيد باعتبار متعلقه، فهو يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: توحيد الربوبية.
والثاني: توحيد الألوهية.
والثالث: توحيد الأسماء والصفات.
وهذه قسمة واقعية بيانية للتوحيد، فإن الكلام فيه إما أن يتعلق بالربوبية وتفرد الله تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير، وإما أن يتعلق بالألوهية وتفرده سبحانه بذلك، فهو صاحب الأمر والنهي والحكم، وهو الذي ينبغي أن نتجه إليه بالطاعة والعبادة, وإما أن يتعلق بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ مما ينبغي له من الصفات العظمى, والأسماء الحسنى.
وأصل هذا التقسيم نجده في كلام الأئمة من علماء السلف؛ كالطبري وابن منده وغيرهما. فهو ليس شيئا مخترعا مبتدعا كما يزعم بعضهم.
العلاقة أو النسبة بين هذه الأقسام الثلاثة:
وقبل أن نخصّص فقرة لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة للتوحيد، نشير إلى العلاقة بينها:
فإن توحيد الربوبية يستلزم ويقتضي توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية هو مقتضى توحيد الربوبية وكذلك توحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية هو المقدمة لتوحيد الألوهية والخطوة الأولى التي توصل إليها، وإلى هذا يشير قوله تعالى:
стр. 200
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] .
فالله يستحق العبادة وحده؛ لأنه هو الخالق وحده، وبذلك يتم الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.
وأما توحيد الألوهية، فهو متضمن لتوحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا، لا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره، ولا مالك له سواه. يقول شيخ الإسلام ﵀:
"وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية، فإن أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران، كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾ ... فجمع بين الاسمين: اسم الإله, واسم الرب"١.
وأما توحيد الأسماء والصفات؛ فإنه شامل للنوعين السابقين، فهو يقوم على إفراده سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربا واحدا لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلها واحدا لا شريك له في إلهيته. فاسم الرب لا ينصرف عند الإطلاق إلا إليه، وكذلك اسم الجلالة "الله" لا يطلق إلا عليه وحده، فهو صاحب الربوبية المطلقة الشاملة وصاحب الإلهية على جميع خلقه.
وبالجملة: فهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد متكاملة متلازمة، يكمل بعضها بعضا، ولا ينفع أحدها بدون الآخريْنِ؛ ولذا فمن أتى بنوع واحد منها ولم يأت بالآخر، فإنه لم يأت به على الوجه المطلوب، وعندئذ لا ينتج أثره المطلوب٢.
стр. 201
توحيد الربوبية:
تعريفه:
وقد ألمحت آنفا إلى أن توحيد الربوبية هو: اعتقاد أن الله هو وحده رب كل شيء ومالكه، وهو خالق كل شيء، هو خالق العباد ورازقهم، وهو محييهم ومميتهم، وأنه سبحانه النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، والأمر كله له -سبحانه- وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير، ليس له في ذلك شريك, ويدخل في ذلك أيضا: الإيمان بالقدر.
وقد سبق -فيما سلف- أن هذا التوحيد يستلزم توحيد الألوهية، فهو وحده لا يُدخِل صاحبه في الإسلام؛ ولذلك قاتل الرسول ﷺ المشركين مع أنهم كانوا يقرون بأن الله سبحانه -وحده- هو الخالق الرازق، المحيي والمميت، المتصرف بالأمر كله١.
وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك فقال:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] .
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .
стр. 202
فهم ينسبون الخلق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمر كله: من رزق وإنزال للمطر وغيره، ينسبونه كله لله سبحانه، ومع ذلك حكم الله تعالى عليهم بالكفر ودمغهم بالشرك، فقال :
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
أما إيمانهم بالله، الذي أثبته الله لهم في هذه الآية، فهو قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان، مع إشراكهم في عبادتهم غيره. فهم يعرفون الله، ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره، وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعا من العبادات، كالحج والصدقة، والذبح والنذر، والدعاء وقت الاضطرار، ونحو ذلك ... ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇، فأنزل الله تعالى:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .
وبعضهم كان يؤمن بالقدر، وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب، كما قال زهير بن أبي سلمى:
يؤخَّر فيُوضع في كتاب فيُدَّخر ... ليوم الحساب أو يُعجَّل فيُنقَم
وقال عنترة:
يا عَبْلُ أين من المنية مهرب ... إن كان ربي في السماء قضاها؟
ومثل هذا يوجد في أشعارهم، فوجب على كل عاقل عقل عن الله تعالى، وفهم آياته، أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم وسبي نسائهم وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة! وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة
стр. 203
الذي هو معنى: "لا إله إلا الله"١.
وحتى أولئك الذين عبدوا الأصنام، واتخذوها آلهة من دون الله تعالى، لم يعتقدوا أن الأصنام مشاركة لله في الخلق، وإنما اعتقدوا أنها تماثيل قوم صالحين, من الأنبياء والصالحين، فهم يتوسلون بها إلى الله كما حصل لقوم نوح، الذين عبدوا ودا وسواعا ...
﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
فإن هذه الأسماء أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم ... ثم صارت هذه الأصنام بعينها مع غيرها، معبودة عند العرب الذين قالوا:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
وحتى أولئك الذين اعتقدوا بإلهين اثنين، كالثنوية مثلا، الذين قالوا بإله للنور وإله للظلمة، أو إله للخير وإله للشر، لم يكونوا يعتقدون تساوي هذه الآلهة، فإله النور عندهم خير من إله الظلمة، وهذا ليس مثل ذاك.
ولا أظن عاقلا يوقن في قرارة نفسه بأن هناك خالقا أو مدبرا لهذا الكون غير الله سبحانه، أو أن هذا الكون لم يخلقه الله سبحانه؛ فإن الوحدة والتناسق في نظام هذا الكون دليل على وجود الله تعالى ووحدانيته٢.
стр. 204
وفي كل شيء له آية:
ولذلك جاءت الآية القرآنية الكريمة توجّه أنظارنا إلى هذا الكون وتناسقه؛ لتبين لنا أن وراء هذا كله قدرة الله وإرادته:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٥٩-٦٤] .
وقال الله تعالى:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
ومن نور هذه المشكاة جاء حديث النبي ودعاؤه الذي يقول فيه: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" "أخرجه البخاري".
стр. 205
إطلاقات كلمة "رب":
وتوحيد الربوبية لا يتنافى مع ما جاء من تسمية المالك للشيء المتصرف فيه: ربا له، كأن نقول: فلان رب الدار، أو: رب البيت.. فإن هذا يعني أنه هو صاحب هذا الشيء الذي جعل الله تعالى له حق التملك والتصرف في ذلك الشيء المملوك، وهو يصلحه وينمِّيه ويتعهده ويقوم برعايته، ولا يتنافى ذلك مع أن الله هو رب كل شيء ومليكه. فهو إطلاق بمعنى خاص، لا بأس به في الشرع ولا العقل.
الإلحاد جهالة وسفاهة:
وإذا كان من البداهة والفطرة أن يقر الإنسان بوجود الله ووحدانيته -على ما أسلفنا- لأن كل الأدلة تدل على ذلك، فإنه من السخافة والضلالة والجهالة أن يغمض الإنسان عينه أو يجعل عليها غشاوة لئلا تبصر الحق وتهتدي إليه، أو أن يلغي عقله ويطمس على بصيرته ويخالف فطرته، فينكر وجود الله سبحانه، وينسب الخلق إلى ما أسماه بعضهم: الطبيعة أو التفاعل الذاتي أو المصادفة ... كما يفعل الملحدون وأضرابهم من السفهاء١.
صور من الإخلال بتوحيد الربوبية:
ولئن اضمحلَّت تلك الموجة الإلحادية -التي اتسعت دائرتها في أوروبا لظروف خاصة- فإننا لا نزال نجد في كثير من بقاع المسلمين صورا وألوانا من الإخلال بتوحيد الربوبية؛ نجده عند أولئك الذين يزعمون أو يظنون أن أحدا من البشر، كالأقطاب والأبدال.. عند الصوفية، لهم نوع من القدرة والتصرف في هذا الكون، أو أن هذا
стр. 206
الكون يُحفَظ بهم! أو أن الأولياء في قبورهم يستطيعون أن ينفعوا أحدا بشيء، كالشفاء من المرض، أو تيسير حاجة ما من حاجات الناس؛ ولذلك تراهم يطوفون حول قبورهم، ويدعونهم من دون الله أو مع الله، ويستغيثون بهم ويستجيرون، ويقدمون لهم النذور والقرابين..!!
ولا يبعد عن هؤلاء أولئك الذين يخضعون خضوعا تاما لأشياخ الطرق الصوفية, ويكونون بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل!! فإنهم وإن كانوا يقولون: إن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون المتصرف فيه، فواقع حالهم يشير إلى أنهم لم يَقْدِروا الله حق قدره، وأنهم يعظمون هؤلاء الأموات أو المشايخ أكثر مما يعظمون الله تعالى!
فلْنحذر الوقوع في أي شائبة من شوائب الشرك، ولْنحافظ على هذه العقيدة نقية صافية، وليكن الله تعالى دائما -وحده- وجهتنا ومعبودنا، ولنقل مع أبي الأنبياء خليل الرحمن، إبراهيم ﵊:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
стр. 207
توحيد الألوهية:
ألا له الخلق والأمر:
﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
ما أعظم قدرة الله ! وما أجلى حكمته في هذا الخلق!
إن هذا الوجود كله, اتجهت إليه إرادة الله تعالى فأوجدته, وأودعه الله سبحانه قوانينه التي بها يتحرك، والتي تتناسق حركة أجزائه فيما بينها كما تتناسق حركته الكلية سواء بسواء:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وإذا كان الخلق كله لله ، فينبغي -بداهة- أن يكون الأمر كله لله أيضا، فإن الذي يخلق هو الذي يأمر:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وبهذا يترتب توحيد الألوهية على توحيد الربوبية، كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية١.
وقد ألمحنا -فيما سبق- لمحات حول توحيد الربوبية، فلْنتابع -على بركة الله تعالى وبتوفيق منه سبحانه- حديثا حول توحيد الألوهية، ويقال له أيضا: توحيد العبودية، وتوحيد الإرادة، وتوحيد القصد والطلب، وتوحيد العمل أيضا،
стр. 208
أو يقال: هو توحيد الله بأفعال المكلفين.
تعريف توحيد الألوهية "العبودية":
وتوحيد العبودية هو: إفراد الله بالعبادة، بمعنى: أن يُعبَد الله وحده، ولا يُشرَك معه في عبادته أحد من خلقه؛ لأنه وحده المستحق لأن يعبد، وهو مبني على إخلاص العمل كله والتوجه به لله وحده دون سواه، سواء كان هذا العمل من أعمال القلوب أو من أعمال الجوارح.
دعوة القرآن إليه:
وهذا النوع من التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] .
وأساس ذلك أن تعلم أن هناك ألوهية وعبودية، فالله هو الرب القوي القادر، الغني الواسع، العزيز الحكيم, الرازق المحيي المميت.. المتفرد بكل صفات الكمال، وهو الإله الحاكم المشرِّع، الذي ينبغي أن يتوجه إليه جميع الخلق بالعبادة، وأما الإنسان، فهو مخلوق لله سبحانه، وهو عاجز ضعيف، رغم كل ما منحه الله تعالى من المواهب والمَلَكات، وهو خاضع عابد بطبعه، إن لم يكن عابدا لله تعالى فإنه سيعبد غير الله, ويقع في عبودية غير الله تعالى، فهو إن لم يكن عبدا لله كان عبدا لغير الله. فالصلة بين العبد وربه ﵎ هي صلة العبودية بالربوبية، وتحقيق ذلك يكون بالتوجه إلى الله تعالى وحده بالأعمال والقصد، وهو توحيد الألوهية كما سبق بيانه١.
стр. 209
أهمية هذا التوحيد، ودعوة الرسل إليه:
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، وجميع رسل الله تعالى -عليهم الصلاة والسلام- جاءوا إلى أممهم بالدعوة إلى هذا التوحيد١.
فقال الله تعالى, مخبرا عن نوح ﵇:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٥، ٢٦] .
وقال عن هود ﵇:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] .
وتكررت هذه الكلمة، وهذه الدعوة، على لسان صالح وشعيب وسائر الأنبياء، والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم ذكره الله تعالى قاعدة عامة في دعوة كل الرسل، فقال :
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
стр. 210
ثم أمر الله تعالى نبينا محمدا ﷺ بهذا، فقال:
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١١، ١٢] .
وقال :
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] .
وعندما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله"، وفي رواية: "أن يوحِّدوا الله" ١.
ولأهمية هذا النوع من التوحيد، ولأنه هو لبّ دعوة الرسل, ولأن نزاع المشركين إنما كان في هذا النوع؛ لهذا كله كانت العناية به في القرآن الكريم، فما من سورة من سوره إلا وقد جاء فيها الحديث عن هذا التوحيد, نصا أو دلالة.
منهج القرآن:
وقد سلك القرآن الكريم في بيان حقيقة هذا التوحيد ولوازمه ومقتضياته مسالك شتى:
فهو قد أمر به مباشرة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وكما سيأتي أيضا.
ثم ناقش شُبُهات المشركين وردّ عليهم ما ادعوه من الأسباب التي أوقعتهم في الشرك, وبيّن حقيقة الشرك الذي وقع فيه المشركون، وأنه هو شرك العبادة أو شرك الطاعة والاتباع، والتحليل والتحريم من دون الله تعالى ... ومن خلال هذه
стр. 211
المناقشات رسم القرآن الكريم الصورة الصحيحة الصادقة للتوحيد.
ثم ذكر الله لعباده المؤمنين طريق العبادة الصحيحة، التي ينبغي أن يكون المسلم عليها أو يقوم بها، ووجّه نظره إلى التفكر فيما بثّه سبحانه من آيات, ودلائل تقوده إلى الخضوع لله سبحانه.
ثم ذكر في كتابه ما أعدّه لعباده المؤمنين من صور النعيم والثواب في الجنة لمن يحقق هذا التوحيد، وبالمقابل رسم صورة قاتمة للعذاب المهين الأليم لكل من يخالف هذا التوحيد.
ولعلنا لا نستطيع في هذا المقام أكثر من الإشارة إلى هذا الذي ألمحنا إليه عن طريقة القرآن الكريم في بيان هذا التوحيد، وللتفصيل مكان آخر غير هذا.
تحقيق هذا التوحيد:
وأما تحقيق هذا التوحيد، فإنه يكون بالتوجه لله تعالى وحده، وإفراده بكل أنواع العبادة، والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، فينبغي أن يتجه بالعبادة كلها له وحده سبحانه، سواء كانت عبادة اعتقادية أو قلبية أو بدنية أو مالية، وأن تُخلَص كلها لله . وسيأتي الكلام على هذه الأنواع عند التفصيلات عن توحيد الألوهية، بمشيئة الله تعالى.
стр. 212
توحيد الأسماء والصفات:
عجيب أمر هذا الإنسان!
يتحدث عن الحكمة ويتشدَّق بها، ولكنه يبتعد عنها في واقعه وفكره، فقد قالوا: إن الحكمة هي وضع الأمور في مواضعها، وإن أول ما ينبغي أن يتبادر إلى الذهن في هذا المجال: أن الله قد أعطى الإنسان ووهبه جملة من المواهب والملكات والإمكانيات، وزوّده بأدوات العلم والمعرفة؛ لتساعده على تحقيق وظيفته وغايته في هذه الحياة، كما أراد الله . وكل أداة أو وسيلة ينبغي أن تستخدم فيما أُعدت له، وإلا فإن من يفعل غير ذلك يكون قد سَفِهَ نفسه وعقله.
أرأيت إنسانا يستخدم عينه ليتعرف بها على رائحة شيء ما؟ أو يستخدم أنفه ليبصر ما أمامه من موجودات..؟
إنك لو رأيت من يفعل ذلك لحسبته مجنونا، وكذلك فإن لكل أداة من أدوات العلم والمعرفة مجالا تعمل فيه وطاقة محدودة لها تتناسب معها ومع قيمتها.
للعقل دور محدود:
ولذلك يخطئ كثير من الناس عندما يريدون أن يجعلوا عقولهم حَكَما في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع العقل أن يعمل فيه أو يفكر؛ لأنه لو فعل ذلك لن يصل إلى شيء؛ لأنه لم يخلق لهذا الذي أقحمه صاحبه فيه، وما هو بقادر على أن يصل إلى ما يريد.
فلو راح الإنسان يتعرف على عالم الغيب؛ بحقيقته وموجوداته وطبيعته ... فهل تراه يصل إلى شيء من العلم بعقله, مجردا عن الوحي؟
стр. 213
لو راح يفكر في ذات الله ليتعرف عليها أو يحيط بها، فهل يصل إلى الحق؟
إن العقل أعجز من أن يستطيع ذلك كله أو بعضه، وكل من حاول هذا ضرب في بيداء التيه والضياع، وضل عن سواء الطريق، ولم يعد إلا بالحيرة والخيبة والندم١.
وقد تكفل ، فعرّفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى، عن طريق وحيه المنزل, ثم عن طريق رسله -عليهم الصلاة والسلام- لأنهم أعلم الخلق بالله ؛ ولذلك قال الله عن نبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
ويبقى دور العقل هنا أن يتلقى النصوص الشرعية من الوحي؛ ليفهم ما تتضمنه هذه النصوص من معاني أسماء الرب سبحانه وصفاته.
وبكلمة واحدة: "نحن قد نعرف الله عقلا، ولكننا لا نعرف صفاته إلا وحيا"٢.
стр. 214
وإذا كان الرب أعلم بنفسه من خلقه وأصدق قيلا، ومنهجه أهدى سبيلا، وكان رسوله المبلغ عنه كذلك أعلم به، وبما يجب له، وبما يمتنع عليه، من كل أحد، وهو أقدر الناس على بيان ذلك، وأحرصهم على هداية الخلق إليه، فلا يجوز التعويل -إذن- في إثبات الصفات والأسماء لله ، أو نفي ما يُنفى، على غير الكتاب والسنة.
فالأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته، هي: كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه، فلا تثبت أسماء الله تعالى وصفاته بغيرهما.
الإيمان بالأسماء والصفات:
وعلى هذا, فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده. وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.
وأما معناه، فيفصَّل فيه، فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول، وأن أريد به باطل لا يليق بالله وجب رده١.
فإن الله لم يكلفنا، ولم يتركنا في معرفة شيء من أسمائه الحسنى وصفاته العظمى إلى شيء وراء ما دل عليه الكتاب والسنة، فمن رجع في شيء من ذلك إلى قضية عقل أو استحسان برأي أو إلهام أو كشف، أو غير ذلك، فقد قال على الله تعالى بغير علم، وضل عن سواء السبيل.
стр. 215
طريقة إثبات الأسماء والصفات:
ولذلك يؤمن المؤمن بكل ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل.
وقد بين الله تعالى أن له أسماء حسنى، فقال:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
كما بين أن له صفات عليا, فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] .
وكل ما ثبت عن الله تعالى من الأسماء والصفات، فإنه لا يماثل فيه شيئا من خلقه، ولا يماثله شيء، فقد قال الله :
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقال أيضا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] .
وقال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] .
اتفاق في الاسم, لا في المسمَّى:
وحتى لو اتفقت الصفات في أسمائها، فإن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين، فالاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتفاق في المسميات، فقد سمى الله تعالى نفسه حيا، عليما، قديرا، رءوفا، رحيما، عزيزا، حكيما، سميعا،