← Акыда

Акыда · id 9991

مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية

عثمان ضميرية

Полный текст (383 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المناقشات رسم القرآن الكريم الصورة الصحيحة الصادقة للتوحيد. ثم ذكر الله لعباده المؤمنين طريق العبادة الصحيحة، التي ينبغي أن يكون المسلم عليها أو يقوم بها، ووجّه نظره إلى التفكر فيما بثّه سبحانه من آيات, ودلائل تقوده إلى الخضوع لله سبحانه. ثم ذكر في كتابه ما أعدّه لعباده المؤمنين من صور النعيم والثواب في الجنة لمن يحقق هذا التوحيد، وبالمقابل رسم صورة قاتمة للعذاب المهين الأليم لكل من يخالف هذا التوحيد. ولعلنا لا نستطيع في هذا المقام أكثر من الإشارة إلى هذا الذي ألمحنا إليه عن طريقة القرآن الكريم في بيان هذا التوحيد، وللتفصيل مكان آخر غير هذا. تحقيق هذا التوحيد: وأما تحقيق هذا التوحيد، فإنه يكون بالتوجه لله تعالى وحده، وإفراده بكل أنواع العبادة، والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، فينبغي أن يتجه بالعبادة كلها له وحده سبحانه، سواء كانت عبادة اعتقادية أو قلبية أو بدنية أو مالية، وأن تُخلَص كلها لله . وسيأتي الكلام على هذه الأنواع عند التفصيلات عن توحيد الألوهية، بمشيئة الله تعالى.

стр. 212

توحيد الأسماء والصفات: عجيب أمر هذا الإنسان! يتحدث عن الحكمة ويتشدَّق بها، ولكنه يبتعد عنها في واقعه وفكره، فقد قالوا: إن الحكمة هي وضع الأمور في مواضعها، وإن أول ما ينبغي أن يتبادر إلى الذهن في هذا المجال: أن الله قد أعطى الإنسان ووهبه جملة من المواهب والملكات والإمكانيات، وزوّده بأدوات العلم والمعرفة؛ لتساعده على تحقيق وظيفته وغايته في هذه الحياة، كما أراد الله . وكل أداة أو وسيلة ينبغي أن تستخدم فيما أُعدت له، وإلا فإن من يفعل غير ذلك يكون قد سَفِهَ نفسه وعقله. أرأيت إنسانا يستخدم عينه ليتعرف بها على رائحة شيء ما؟ أو يستخدم أنفه ليبصر ما أمامه من موجودات..؟ إنك لو رأيت من يفعل ذلك لحسبته مجنونا، وكذلك فإن لكل أداة من أدوات العلم والمعرفة مجالا تعمل فيه وطاقة محدودة لها تتناسب معها ومع قيمتها. للعقل دور محدود: ولذلك يخطئ كثير من الناس عندما يريدون أن يجعلوا عقولهم حَكَما في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع العقل أن يعمل فيه أو يفكر؛ لأنه لو فعل ذلك لن يصل إلى شيء؛ لأنه لم يخلق لهذا الذي أقحمه صاحبه فيه، وما هو بقادر على أن يصل إلى ما يريد. فلو راح الإنسان يتعرف على عالم الغيب؛ بحقيقته وموجوداته وطبيعته ... فهل تراه يصل إلى شيء من العلم بعقله, مجردا عن الوحي؟

стр. 213

لو راح يفكر في ذات الله ليتعرف عليها أو يحيط بها، فهل يصل إلى الحق؟ إن العقل أعجز من أن يستطيع ذلك كله أو بعضه، وكل من حاول هذا ضرب في بيداء التيه والضياع، وضل عن سواء الطريق، ولم يعد إلا بالحيرة والخيبة والندم١. وقد تكفل ، فعرّفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى، عن طريق وحيه المنزل, ثم عن طريق رسله -عليهم الصلاة والسلام- لأنهم أعلم الخلق بالله ؛ ولذلك قال الله عن نبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] . ويبقى دور العقل هنا أن يتلقى النصوص الشرعية من الوحي؛ ليفهم ما تتضمنه هذه النصوص من معاني أسماء الرب سبحانه وصفاته. وبكلمة واحدة: "نحن قد نعرف الله عقلا، ولكننا لا نعرف صفاته إلا وحيا"٢.

стр. 214

وإذا كان الرب أعلم بنفسه من خلقه وأصدق قيلا، ومنهجه أهدى سبيلا، وكان رسوله المبلغ عنه كذلك أعلم به، وبما يجب له، وبما يمتنع عليه، من كل أحد، وهو أقدر الناس على بيان ذلك، وأحرصهم على هداية الخلق إليه، فلا يجوز التعويل -إذن- في إثبات الصفات والأسماء لله ، أو نفي ما يُنفى، على غير الكتاب والسنة. فالأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته، هي: كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه، فلا تثبت أسماء الله تعالى وصفاته بغيرهما. الإيمان بالأسماء والصفات: وعلى هذا, فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده. وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه. وأما معناه، فيفصَّل فيه، فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول، وأن أريد به باطل لا يليق بالله وجب رده١. فإن الله لم يكلفنا، ولم يتركنا في معرفة شيء من أسمائه الحسنى وصفاته العظمى إلى شيء وراء ما دل عليه الكتاب والسنة، فمن رجع في شيء من ذلك إلى قضية عقل أو استحسان برأي أو إلهام أو كشف، أو غير ذلك، فقد قال على الله تعالى بغير علم، وضل عن سواء السبيل.

стр. 215

طريقة إثبات الأسماء والصفات: ولذلك يؤمن المؤمن بكل ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل. وقد بين الله تعالى أن له أسماء حسنى، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] . كما بين أن له صفات عليا, فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] . وكل ما ثبت عن الله تعالى من الأسماء والصفات، فإنه لا يماثل فيه شيئا من خلقه، ولا يماثله شيء، فقد قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وقال أيضا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] . وقال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] . اتفاق في الاسم, لا في المسمَّى: وحتى لو اتفقت الصفات في أسمائها، فإن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين، فالاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتفاق في المسميات، فقد سمى الله تعالى نفسه حيا، عليما، قديرا، رءوفا، رحيما، عزيزا، حكيما، سميعا،

стр. 216

بصيرا، ملكا، مؤمنا، جبارا، متكبرا، وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] . وكقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥] ... إلخ.. ومعلوم أنه لا يماثل السميعُ السميعَ، ولا الحيُّ الحيَّ. وصفات الله تعالى هي على ما يليق بجلاله وعظمته، فليس لأحد أن ينفي صفة منها بحجة أنه ينزه الله تعالى؛ لأنه -بزعمه- لو أثبت هذه الصفة لكان مشبها له بالمخلوقين، مع أنه يثبت له صفة أخرى غيرها، ولا يقول: إن هذه الصفة لله تشبه صفة المخلوقين، فالله سبحانه أخبر عن نفسه بصفات مدح فيها نفسه، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] . فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات, الدالة على الكمال والجلال؟ القول في الصفات كالقول في الذات: فاذكر -أيها المسلم- أن القول في صفات الله تعالى كالقول في ذات الله ، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات. وإذا كانت نصوص الصفات في ظاهرها معلومة لنا باعتبار المعنى، فهي غير معلومة لنا باعتبار الكيفية التي هي عليها.

стр. 217

القول في بعض الصفات كالقول في بعض: وإذا عرفنا ذلك, فإننا ينبغي أن نعرف أصلا آخر وهو أن: القول في بعض الصفات كالقول في بعضٍ، فكما أننا يجب أن نؤمن بأن الله عليم, حكيم، حي، قادر.. إلخ وهذه كلها صفات حقيقية، كذلك نؤمن بمحبة الله ورضاه، وغضبه وكراهته، حقيقة لا مجازا، فكما أن حياة الله تعالى لا تشبه حياة المخلوقين، وكما أن علم الله لا يشبه علم المخلوقين، فكذلك غضب الله ورضاه ... كل هذا لا يشبه غضب المخلوقين ورضاهم، فينبغي الإيمان بالصفات كلها على ما يليق بالله . والمؤمن أعقل من أن يتورَّط فيما ليس من شأنه، وأن يتعمق في بحث الكيفية. فينبغي أن يقطع الأمل في معرفة الكيفية. وما أصدق ما قال الإمام مالك بن أنس ﵀ حين سُئل عن الاستواء، فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"١! الخلاصة: فالوصية -أيها المسلم- أن تنزه الله تعالى عن مشابهة صفات المخلوقين، وأن تثبت لله تعالى من الأسماء ما سمى به نفسه، وأن تؤمن بما وصف به نفسه من الصفات، أو وصفه به رسوله ﷺ ، وأن تعلم أنك لن تحيط به سبحانه علما. قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .

стр. 218

إن لله تسعة وتسعين اسما: وبعد هذه اللمحات الموجزة السريعة عن توحيد الأسماء والصفات، نشير إلى الحديث الذي يخبر فيه النبي ﷺ عن عدد الأسماء الحسنى ويبشِّر من يحصيها بدخول الجنة، فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" ١. والحديث يتضمن مسألتين: أولاهما: أن لله تعالى أسماء حسنى، بلغت الغاية من الحسن والكمال، وأن من أحصى منها تسعة وتسعين اسما دخل الجنة. وليس المراد بالحديث حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد, وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء؛ لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني وأظهرها، وذلك أن الصيغة ليست من صيغ الحصر والقصر، وجملة قوله ﵇: "إن لله تسعة وتسعين اسما" جملة واحدة، أو قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الكلام في خبر "إن" في قوله: "من أحصاها دخل الجنة"، فالمراد: الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء. فهو بمنزلة قولك: إن لفلان ألف درهم أعدها للصدقة. وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، وإنما دلالته: أن الذي أعده فلان من الدراهم للصدقة ألف درهم.

стр. 219

والذي يدل على صحة هذا الفهم لمعنى الحديث, أمور: أ- حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه ... " ١. فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه فعرفه عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه, فلم يطلع عليه أحد من خلقه. وهذا يدل على عدم الحصر بالتسعة والتسعين. وبهذا المعنى جاءت أحاديث أخرى كحديث الشفاعة: "فيفتح عليّ من محامده بما لا أحسنه الآن" ٢ وحديث: "لا أُحصي ثناء عليك, أنت كما أثنيت على نفسك" ٣. ب- أن الروايات التي جاء فيها إحصاء الأسماء التسعة والتسعين متعددة، وفي

стр. 220

بعضها أسماء ليست في الأخرى, وعدتها تسعة وتسعون، فإذا ضمت الأسماء في كل رواية إلى ما زاد عليها في الروايات الأخرى, فإنها تزيد عن تسعة وتسعين اسما. جـ- أن أكثر هذه الأسماء التي وردت في الروايات صفات لله تعالى، وصفات الله لا تتناهى. والمسألة الثانية هي: إحصاء هذه الأسماء، وفي معنى الإحصاء المراد أوجه أربعة: أحدها: أنه بمعنى العد، يريد: أنه يعدها ليستوفيها حفظا فيدعو بها ربه، كقوله سبحانه: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . والوجه الثاني: أن يكون الإحصاء بمعنى الطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] . والوجه الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة, فيكون معناه أن من عرفها وعقل معانيها وآمن بها, دخل الجنة. والوجه الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه, فيستوفي هذه الأسماء كلها في أثناء التلاوة. فكأنه قال: من حفظ القرآن, وقرأه فقد استحق دخول الجنة. ولعل هذه الوجوه كلها مجتمعة هي المرادة بالإحصاء، فكأنها مراتب؛ المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها، والمرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها، والمرتبة الثالثة: دعاؤه بها، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وهو مرتبتان: إحدهما: دعاء ثناء وعبادة، والثانية: دعاء طلب ومسألة.

стр. 221

فلا يثنى عليه سبحانه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكذلك لا يسأل إلا بها، فيسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب, فيكون السائل متوسلا إليه سبحانه بذلك الاسم, ومتعبدا له به١. وعندئذ يكون المؤمن قد تعرف على الله تعالى معرفة صادقة من خلال معرفته للأسماء والصفات التي أخبرنا الله تعالى بها؛ كي نؤمن بها وكي نتعرف على الله من خلالها، وندعوه بها، ليكون لها أثرها في السلوك الفردي والاجتماعي، فعندما نتعرف على الله الخالق والرازق، لا نطلب الرزق إلا منه، وعندما نتعرف على الله العليم الحكيم نسلِّم له الأمر كله، وعندما نعرف أنه متفرد بالخلق والأمر, فإننا نخضع لأمره وحكمه، وعندما نتعرف عليه سميعا بصيرا تمتلئ نفوسنا تقوى وخشية له سبحانه ... وأما ما وراء ذلك من أبحاث الفلاسفة والمتكلمين عن الصفات وعلاقتها بالذات وكيفية قيامها بها ... إلخ هذا كله مما لا طائل تحته ولا فائدة ترجى منه، بل هو مزلّة أقدام ومضلّة أفهام، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى أن يثبتنا على الحق والهداية.

стр. 222

جوانب من توحيد الألوهية أولًا: شهادة أن لا إله إلا الله مدخل ... جوانب من توحيد الألوهية: اولًا: معنى شهادة أن لا إله إلا الله الإسلام يقوم على عقيدة التوحيد: يقوم الإسلام على عقيدة التوحيد النقية الصافية، التي تمثلها هذه الشهادة، التي شهد الله تعالى بها لنفسه، كما شهد له بها الملائكة وأولو العلم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . وهذه الشهادة ذات شقين عظيمين١؛ يمثل أولهما الخضوع لله تعالى والعبودية له، ويمثل الثاني هذا الخضوع، ويرسم المنهج الذي يسلكه المؤمن في عبادته لله , باتباع ما أنزل الله تعالى على رسوله ... هذه الشهادة هي: شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، وهي عنوان دخول لمرء في دين الإسلام، وهي -بمقتضياتها وتوابعها ومستلزماتها- مفتاح الجنة في الآخرة، وهي عصمة لدم المرء وعِرْضه وماله في الدنيا. أهمية الشهادتين, وفضلهما: هذه الكلمة التي تنطلق بها ملايين الألسنة في كل صباح ومساء، تعلن الخضوع لله تعالى، وتعلن -على رءوس الأشهاد- الوفاء بالعهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم, مذ كانوا ذرية في ظهور آبائهم.

стр. 223

هذه الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وخُلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، ولأجلها نُصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام بها سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، فهي منشأ الخلق والأمر، والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خُلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على جميع العباد، فهي كلمة السلام، وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فجواب الأولى: بتحقيق "لا إله إلا الله" معرفة وإقرارا وعملا. وجواب الثانية: بتحقيق "أن محمدا رسول الله" معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة١. ولما كانت هذه الشهادة، وهذه الكلمة، بهذه المثابة والمكانة، فمن الواجب أن نقف عندها لنتعرف على مدلولها الحقيقي، كما ترشد إليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وعلى مقتضياتها وشروطها ونواقضها. وسنفرد -إن شاء الله تعالى- على كل جانب من هذه الجوانب كلمة موجزة، تنبئ عن الفكرة الرئيسة فيها، وتقف معلما على طريق التوحيد الذي تدل عليه وترشد إليه ...

стр. 224

شهادة أن لا إله إلا الله: تمثل شهادة "أن لا إله إلا الله" الشق الأول من القاعدة التي يقوم عليها بناء هذا الدين، وقد أبدأ القرآن الكريم وأعاد في بيان حقيقة الألوهية، التي يجب أن يفرد الله تعالى بها، على لسان كل رسول من الرسل، عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١١، ١٢] . فالإله هو الذي تسكن إليه النفوس، وتستجير به، وتتّجه إليه لشدة شوقها، فتعبده وتخضع له. فالذي يتخذ كائنا ما وليا نصيرا وكاشفا عن السوء، وقاضيا لحاجته، ومستجيبا لدعائه، وقادرا على أن ينفعه ويضره، كل ذلك -بالمعاني الخارجة عن نطاق السنن الطبيعية التي أوجدها الله سبحانه- يكون السبب لاعتقاده ذلك: ظنه أن له نوعا من أنواع السلطة على نظام هذا العالم. وكذلك: كل من يخاف أحدا ويتقيه، ويرى أن سخطه يجر عليه الضرر، ومرضاته تجلب له المنفعة، لا يكون مصدر اعتقاده ذلك وعمله إلا ما يكون في ذهنه

стр. 225

من تصور أن له نوعا من السلطة على هذا الكون. ثم إن الذي يدعو غير الله، ويفزع إليه في حاجاته، بعد إيمانه بالله العلي الأعلى، لا يبعثه على ذلك إلا اعتقاده فيه أن له شركا في ناحية من نواحي السلطة "حكم الله" والألوهية. وعلى غرار ذلك: من يتخذ حكم أحد من دون الله قانونا، ويتلقى أوامره ونواهيه شريعة متبعة، فإنه أيضا يعترف بسلطته القاهرة. فخلاصة القول: إن أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة "حكم الله" سواء كان يعتقدها الناس من حيث إن حكمها على هذا العالم حكم مهيمن على قوانين الطبيعة، أو من حيث إن الإنسان في حياته الدنيا مطيع لأمرها، وتابع لإرشادها، وأن أمرها -في حد ذاته- واجب الطاعة والإذعان١. دعوة إلى توحيد العبودية والألوهية: ولئن كان الجاهليون في كل عصر من عصورهم -إلا في عصر فسدت فيه الفطرة فارتكست, وارتدت إلى أسفل سافلين- يشهدون لله تعالى بالهيمنة على شئون العالم في الخلق والملك والإحياء والإماتة، وفي الرزق، وفي تصريف أمور الكون وتدبير ما فيه.. على حد ما اعترف به كفار مكة الذين واجههم رسول الله ﷺ ، الذين حكى الله عنهم ذلك فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ، اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ

стр. 226

بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١-٦٣] . ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] . لئن اعترف الجاهليون بذلك كله ... إن الدعوة ينبغي أن توجه إليهم لإفراد الله بالعبادة؛ ليتحقق عندئذ التوحيد بأجلى معانيه، وعندئذ تكون البشرية على الدين الحق. "ولذلك لم يَدْعُها النبي ﷺ إلى الاعتقاد بوجود الله، ولكن دعاها إلى توحيد الله ... دعاها إلى الاعتقاد بأن الله -وحده- هو الإله والرب والقيوم، دعاها إلى عبادة الله وحده والتقدم إليه بالشعائر، ودعاها إلى التحاكم إلى شريعة الله وحده والدينونة له بالعبودية، وكانت هذه الدعوة، بمضموناتها هذه كاملة، هي معنى شهادة أن لا إله إلا الله، التي هي الإسلام"١. مقتضيات توحيد الألوهية: ومن مقتضيات هذا التوحيد: إفراد الله بخصائص الألوهية في تصريف حياة البشر، كإفراده سبحانه بخصائص الألوهية في اعتقادهم وتصورهم، وفي ضمائرهم وشعائرهم على السواء:

стр. 227

أ- وكما أن المسلم يعتقد ألا إله إلا الله، وألا معبود بحق إلا الله، وألا خالق إلا الله، وألا رازق إلا الله، وألا نافع ولا ضار إلا الله، وألا متصرف في شأنه -وفي شأن الكون كله- إلا الله ... فيتوجه لله وحده بالشعائر التعبدية، ويتوجه لله -وحده- بالطلب والرجاء، ويتوجه لله -وحده- بالخشية والتقوى ... ب- كذلك يعتقد المسلم أن لا حاكم إلا الله، وأن لا مشرِّع إلا الله، وأن لا منظم لحياة البشر إلا الله، سواء في علاقاتهم وارتباطاتهم بالكون وبالأحياء وببني الإنسان. فيتلقى من الله -وحده- التوجيه والتشريع، ومنهج الحياة، ونظام المعيشة، وقواعد الارتباطات، وميزان القيم والاعتبارات.. سواء.. فالتوجه إلى الله تعالى -وحده- بالشعائر التعبدية، والطلب والرجاء والخشية، كالتلقي من الله وحده في التشريع والتوجيه ... كلاهما من مقتضيات التوحيد، كما هو في التصور الإسلامي، وكلاهما يصور المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في ضمير المسلم، وفي حياته على السواء١. شرك الطاعة والاتباع: ومن هنا كانت عبادة غير الله تعالى، بتقديم الشعائر التعبدية لغير الله؛ شركا، وطاعة غير الله شركا، واتباع منهج غير منهج الله شركا، وكان التحليل والتحريم بغير إذن من الله شركا، حذر الله تعالى منه، وبين عاقبته، ثم دعا إلى التوحيد الخالص: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا

стр. 228

تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٥، ٣٦] . فالذين أشركوا, وأقروا على أنفسهم بذلك، إنما وقعوا في الشرك بأمرين: عبدوا آلهة من دون الله، وحرموا من دون الله ما لم يأذن به الله. وهنا نستطيع أن نصوغ المعادلة التالية أخذا من منطوق الآية الكريمة: عبادة غير الله تعالى بتقديم الشعائر التعبدية = شرك. التحليل والتحريم من دون الله, أو اتباع الأولياء من دون الله = شرك. التحليل والتحريم من دون الله = عبادة لغير الله١. وهكذا. مفهوم شامل للتوحيد: يقول الأستاذ سيد قطب، ﵀: "وتوحيد الله ... وبالتعبير الاصطلاحي الفقهي.. شهادة أن لا إله إلا الله, وهي التي يدخل بها الإنسان في الإسلام، ويكتسب بها هذه الصفة، ويعصم بها

стр. 229

دمه وماله في الإسلام, تعني هذه المعاني والمدلولات كلها مجتمعة -وقد سبق بيانها- ولا توجد شرعا إلا بعد توافر هذه المعاني والمدلولات مجتمعة.. تعني: إفراد الله سبحانه بالألوهية، وذلك بالاعتقاد في ألوهيته وحده، وبالتوجه إليه بالشعائر التعبدية وحده، وبالاعتراف له بحق الحاكمية في تنظيم الحياة البشرية بشريعته وحده.. وهذه المعاني والمدلولات كل منها كالآخر في إنشاء شهادة "أن لا إله إلا الله" وجعلها قائمة ابتداء، تدخل قائلها في الإسلام، وتعطيه صفة المسلم، وتعصم دمه وماله بالإسلام. فلا توجد هذه الشهادة ابتداء، ولا تعتبر قائمة شرعا، إلا حين يشهد الشاهد بهذه المدلولات والمعاني مجتمعة. فإن شهد ببعضها دون بعض، أو تصور أن شهادة أن لا إله إلا الله تعني بعضها دون بعض، فإن شهادة أن لا إله إلا الله، الصادرة منه، لا تعتبر قائمة؛ لأنها لا تقوم أصلا إلا باجتماع هذه المدلولات وقصدها من القائل في شهادته، والإقرار بها، والتعامل على أساسها ... "١. أمران يوضحان التوحيد: وتتضح هذه المعاني بأمرين: "الأول": أن تعرف أن الكفار، الذين قاتلهم رسول الله, وقتلهم, وأباح أموالهم، واستحل نساءهم، كانوا مقرين لله سبحانه بتوحيد الربوبية، وهو أنه: لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يدبر الأمور إلا الله وحده، وهذه مسألة عظيمة مهمة، وهي: أن تعرف أن الكفار شاهدون بهذا كله ومقرّون به، ومع هذا

стр. 230

لم يُدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم ولا أموالهم، وكانوا أيضا يتصدقون ويحجون ويعتمرون، ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرمات خوفا من الله . ولكن "الأمر الثاني" هو الذي كفَّرهم، وأحل دماءهم وأموالهم، وهو: أنهم لم يشهدوا لله تعالى بتوحيد الألوهية، وهو أنه: لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، لا لِمَلَك مقرب ولا نبي مرسل، فمن استغاث بغير الله فقد كفر، ومن ذبح لغيره فقد كفر, ومن نذر لغيره فقد كفر ... وأشباه ذلك. وتمام هذا: أن تعرف أن المشركين, الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون الصالحين مثل: عيسى وعزير والملائكة وغيرهم من الأولياء, فكفروا بهذا مع إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق, المحيي المميت، المدبر. إذا عرفت هذا, عرفت معنى "لا إله إلا الله" وعرفت أن من دعا نبيا أو استغاث به أو بملك أو ولي من أولياء الله فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم١. نفي وإثبات: وكلمة التوحيد هذه، تقوم على قطبين اثنين: أحدهما موجب والآخر

стр. 231

سالب١, أي: هي نفي وإثبات، تنفي أربعة أمور، وتثبت أربعة أمور: تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب. وتثبت لله تعالى: القصد، والتعظيم، والمحبة، والخوف، والرجاء٢. شهادة أن محمدا رسول الله: كانت تلكم بعض الإلماعات إلى الشطر الأول من كلمة التوحيد، وهنا لا بد من إلماعة أخرى إلى الشطر الثاني من هذه الكلمة العظيمة، التي يقوم عليها الإسلام، وهو "شهادة أن محمدا رسول الله". إذ لا تتم شهادة "أن لا إله إلا الله" إلا بشهادة "أن محمدا رسول الله" إذ لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ولا طريق إلى معرفة ما يحبه ويكرهه إلا من جهة محمد ﷺ المبلغ عن الله ما يحبه ويكرهه، باتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسول الله ﷺ ، وتصديقه ومتابعته؛ ولهذا قرن الله تعالى بين محبته ومحبة رسوله في مواضع كثيرة٣، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ

стр. 232

وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] . كما قرن طاعته بطاعة رسوله في مواضع كثيرة أيضا، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] . ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] . وقال ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار" ١. مفهوم شهادة "أن محمدا رسول الله": فمفهوم شهادة "أن محمدا رسول الله": أنه هو الرسول المعتمد لتبليغ هذه الرسالة، وهو المبلغ عن ربه, الذي تنبغي طاعته مع طاعة الله. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وأنه ﷺ هو التطبيق العملي الحي لرسالة الله، فهو القدوة في كل عمل وتصرف، وهو قائد الجماعة المسلمة ومربّيها وأستاذها ومعلمها، والنور الذي تستضيء به في الظلمات٢. منهج حياة: ونختم هذه الكلمة الموجزة عن معنى "لا إله إلا الله" ومكانتها ومقتضياتها بما

стр. 233

قاله الأستاذ سيد قطب ﵀ في "معالم في الطريق" بعنوان: "لا إله إلا الله منهج حياة". العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة "أن لا إله إلا الله"، والتلقي عن رسول الله ﷺ في كيفية هذه العبودية هو شطرها الثاني، المتمثل في شهادة: "أن محمدا رسول الله". والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها؛ لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، إنما هو مقتضى لها؛ فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكذلك الصلاة, والزكاة، والصيام، والحج، ثم الحدود والتعازير، والحل والحرمة، والمعاملات والتشريعات، والتوجيهات الإسلامية.. إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها: هو ما بلغه لنا رسول الله ﷺ عن ربه. والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعا؛ لأنه بغير تمثّل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون مسلما. ومن ثم تصبح شهادة "أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها، فلا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة، كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة، أو قامت على قاعدة أخرى معها، أو عدة قواعد أجنبية عنها: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠] . ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .

стр. 234

شروط كلمة التوحيد: إن كلمة التوحيد التي سبق الحديث عن معناها، جعلها الله تعالى عنوان الدخول في الإسلام، وثمن الجنة ومفتاحها، كما جعلها سبب النجاة من النار ومغفرة الذنوب. وتواردت أحاديث النبي ﷺ في هذه المعاني: ١- فمنها ما جعل الإتيان بالشهادتين سببا لدخول الجنة، وعدم احتجاب قائلها عنها، فإن النار لا يخلَّد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يُحجَب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار: فعن عباة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" ١. وفي رواية: "أدخله الله الجنة, من أي أبواب الجنة الثمانية شاء". وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا هريرة, اذهب بنعليَّ هاتين -وأعطاه نعليه- فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه، فبشِّرْه بالجنة" ٢.

стр. 235

وعنه أيضا، قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكّ، فيحجب عن الجنة" ١. وفي رواية له أيضا: "إلا دخل الجنة". وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله, دخل الجنة" ٢. وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك, إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلاثا, ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر٣. ومعنى هذا الحديث: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه لا يعذَّب عليهما مع التوحيد٤، ففي "مسند البزار" عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه" ٥. ٢- ومن الأحاديث ما جاء بيانا لتحريم دخول النار على من أتى

стр. 236

بالشهادتين، وهذا كقوله ﵊ في حديث معاذ ﵁: $"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه, إلا حرّمه الله على النار"١. وفي حديث عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" ٢ إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة٣. شرط النجاة: وقد يصاب بعض الناس بالغفلة عن حقيقة التوحيد وشرط النجاة، ويغترّ بكلمة يديرها على لسانه، دون أن يفقه معناها، يظنها مفتاحا للجنة، بمجرد نطقها باللسان، غافلا عن شروطها التي ينبغي أن تتحقق، ومقتضياتها التي ينبغي أن يعمل بها؛ لتكون مفتاحا صالحا لفتح أبواب الجنة الثمانية. وشهادة التوحيد هذه، سبب دخول الجنة, والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع من الموانع؛ وهذا قول الحسن البصري ووهب بن منبه، رحمهما الله. فقد قيل للحسن البصري ﵀: إن أناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله

стр. 237

دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، منذ سبعين سنة، فقال الحسن: نعم العُدَّة، لكن لـ "لا إله إلا الله" شروطا، فإياك وقذف المحصنة! وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يفتح لك١. ويدل على صحة هذا القول: أ- أن النبي ﷺ رتّب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص: فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله, أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" ٢. وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله, دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه. فقال النبي ﷺ : "من سَرَّه أن ينظر إلى

стр. 238

رجل من أهل الجنة, فلينظر إلى هذا" ١. ب- وقد تواردت مع ذلك آيات وأحاديث تبين توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك الأحاديث السابقة مفسِّرة مبيِّنة، وينبغي أن يؤخذ بالبيان وبالمبيَّن معا، ولا يجوز إعمال بعض النصوص والأدلة وإهمال سائرها٢. جـ- ومن القواعد المقررة: أن المطلق يحمل على المقيد، فإذا جاءت نصوص مطلقة، وجاءت نصوص أخرى متحدة معها في الحكم والسبب، فإنه يحمل النص المطلق على المقيد. والأحاديث التي جاءت تبين أن دخول الجنة وتحريم النار معلق على شهادة "أن لا إله إلا الله"، هذه الأحاديث المطلقة جاءت أحاديث أخرى تقيدها، ففي بعضها: "من قال: لا إله إلا الله مخلصا ... "، وفي بعضها: "مستيقنا بها قلبه ... "، وفي بعضها: "يصدق لسانه ... " , وفي بعضها: "يقولها حقا من قلبه ... " ... إلخ. وكذلك علقت الأحاديث دخول الجنة على: "العلم بمعنى لا إله إلا الله" ونصوص أخرى تبين الثبات على هذه الكلمة، ونصوص أخرى تدل على وجوب الخضوع لمدلولها ... إلخ. ومما سبق كله استنبط العلماء -رحمهم الله تعالى- شروطا لا بد من توافرها، مع انتفاء الموانع، حتى تكون كلمة "لا إله إلا الله" مفتاحا للجنة، وهذه الشروط هي أسنان المفتاح، ولا بد من أخذها مجتمعة، فإن شرطا منها لا يُغني عن سائر الشروط.

стр. 239

إشارات إلى شروط لا إله إلا الله: ولعل هذه الشروط تكون واضحة من الإشارات التي سنشير إليها في هذه العجالة، فاحرص عليها -أيها المسلم- وتحقق بها؛ لئلا تقف أمام باب الجنة فترد؛ لأنه لا يفتح لك! ١- إن لكل شيء حقيقة، ولكل كلمة معنى، فينبغي أولا: أن تعلم معنى كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" علما منافيا للجهل بها، في النفي والإثبات، فهي تنفي الألوهية عن غير الله تعالى وتُثبتها له سبحانه، فلا معبود بحق إلا الله، وقد سبق ذلك وافيا في بيان "كلمة التوحيد". ومن الأدلة على هذا الشرط, قول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] . ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] . وأخرج مسلم عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله, دخل الجنة". ويكتمل هذا الشرط بما يليه، وهو الشرط الثاني: ٢- اليقين المنافي للشك: ومعنى ذلك أن تستيقن يقينا جازما بمدلول كلمة التوحيد؛ لأنها لا تقبل شكا، ولا ظنا، ولا ترددا, ولا ارتيابا، بل ينبغي أن تقوم على اليقين القاطع الجازم. فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين:

стр. 240

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون﴾ [الحجرات: ١٥] . فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين, بل لا بد من استيقان القلب، والبعد عن الشك، فإن لم يحصل هذا اليقين فهو النفاق، والمنافقون هم الذين ارتابت قلوبهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] . وقد سبق آنفا حديثان في ذلك عن أبي هريرة ﵁ وفيهما: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاك فيهما, إلا دخل الجنة" وفي رواية: "فيحجب عن الجنة" ... "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله, مستيقنا بها قلبه ... ". ٣- وإذا علمت، وتيقنت، فينبغي أن يكون لهذا العلم اليقيني أثره، فيتحقق الشرط الثالث، وهو: القبول لما اقتضته هذه الكلمة، بالقلب واللسان: فمن رد دعوة التوحيد ولم يقبلها كان كافرا، سواء كان ذلك الرد بسبب الكِبْر أو العناد أو الحسد، وقد قال الله عن الكفار الذين ردوها استكبارا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] . أما المؤمنون الذين قبلوا هذه الكلمة, وعملوا بمقتضاها فلهم النجاة عند الله تعالى؛ وعدا منه، لا يخلف الله وعده: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣] .

стр. 241

﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وحتى ميول الإنسان وما يهواه، ينبغي أن تكون من وراء ما جاء به الرسول ﷺ وتابعة له: $"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"١, وهذا هو تمام الانقياد وغايته! ٥- الشرط الخامس: الصدق في قول كلمة التوحيد، صدقا منافيا للكذب والنفاق، حيث يجب أن يواطئ قلبه لسانه ويوافقه، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، ولكن لم يطابق هذا القول ما في قلوبهم، فصار قولهم كذبا ونفاقا مخالفا للإيمان، ونزلوا في الدرك الأسفل من النار: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] . ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨-١٠] . ... في آيات كثيرة, وسور بمجملها في القرآن الكريم تتحدث عنهم. وفي الصحيحين: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله.. صدقا من قلبه, إلا حرمه الله على النار"٢ فاشترط الصدق من القلب، كما اشترطه في قوله لضمام بن

стр. 242

ثعلبة: "إن صدق ليدخلن الجنة" ١. ٦- المحبة، وهي الشرط السادس، فيحب المؤمن هذه الكلمة، ويحب العمل بمقتضاها، ويحب أهلها العاملين بها، وإلا لم يتحقق الإيمان، ولم تكتب له النجاة، ومن أحب شيئا من دون الله فقد جعله لله ندا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] . وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه. وهذه كلها شروط في المحبة لا تتحقق إلا بها٢، وهي مؤشر على حب الله للعبد بعد ذلك٣. ومتى استقرت هذه الكلمة في النفس والقلب، فإنه لا يعدلها شيء، ولا يفضل عليها، فإن حبها يملأ القلب فلا يتسع لغيرها، وعندئذ يجد حلاوة الإيمان: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار" ٤. وحتى لو تحققت تلك الشروط السابقة كلها، ولكنها فقدت الروح فيها،

стр. 243

وفقدت سبب القبول عند الله، فإنها لا تنفع صاحبها ما لم يحقق سبب ذلك القبول، وهو الشرط السابع: ٧- الإخلاص، ومعناه: صدق التوجه إلى الله تعالى، وتصفية العمل بصالح النية، عن كل شائبة من شوائب الشرك وألوانه. وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، تؤكد هذا الشرط، وتجعله سببا لقبول الأعمال عند الله تعالى. قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] . ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] . وفي حديث عتبان بن مالك, عن النبي ﷺ : "إن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله " ١. والآيات والأحاديث في الإخلاص كثيرة جدا، فهو سبب القبول عند الله ، فلا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه, وموافقا لشرعه. ٨- ومع هذه الشروط مجتمعة، لا بد من الإقامة على هذه الكلمة؛ ليختم للعبد بها ختاما حسنا، فإنما الأعمال بالخواتيم، ففي حديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: $"إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة". وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند الشيخين: " ... فوالذي لا إله

стр. 244

غيره, إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها". وقد أمر الله تعالى بالإقامة على الإسلام والتوحيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . وقد جاءت الأحاديث الشريفة تبين هذا المعنى: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات يشرك بالله شيئا, دخل النار" وقلت أنا: "من مات لا يشرك بالله شيئا, دخل الجنة"١. وفي حديث أبي ذر: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله, ثم مات على ذلك, إلا دخل الجنة" ٢. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله, دخل الجنة". وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله, وجبت له الجنة". قال البيهقي: في هذين الحديثين شَرَطَ الوفاة على الإيمان, حتى يستحق دخول الجنان بوعد الله تعالى.

стр. 245

فاحرص -أيها المسلم- على كلمة التوحيد بشروطها تلك، واحذر من كل ما ينافيها، فإن ما ينافيها ويوقع في الشرك قد يكون أخفى من دبيب النمل١. وتلك الشروط السابقة، قد جمعها بعض العلماء في نَسَق واحد، فقال الشيخ حافظ الحكمي، ﵀: العلم واليقين والقبول ... والانقياد فادرِ ما أقول والصدق والإخلاص والمحبة ... وفقك الله لما أحبّه وقال ابن القيم ﵀ في قصيدته النونية، مشيرا إلى أسنان هذا المفتاح الذي تفتح به أبواب الجنة، وهي العمل بشرائع الإسلام، وتحقيق تلك الشروط السابقة قال: هذا، وفتح الباب ليس بممكن ... إلا بمفتاح على أسنان مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو ... حيد، تلك شهادة الإيمان أسنانه الأعمال، وهي شرائع الـ ... ـإسلام، والمفتاح بالأسنان لا تُلغِيَنْ هذا المثال فكم به ... من حل إشكال لذي العرفان!

стр. 246

نواقض لا إله إلا الله: ألمحنا فيما سبق إلى أن الشهادتين تعبِّران عن التوحيد، وهما عنوان على دخول المرء في الإسلام، وتترتب عليهما آثارهما في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا عصمة دم المرء وماله وعرضه، وفي الآخرة هما سبب لدخول الجنة والنجاة من النار إذا ختم له بهما. قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ . ولكن قد يطرأ على هذه الشهادة ما يبطلها وينقضها، وعندئذ يبطل مفعولها، فلا تترتب عليها تلك الآثار السابقة، فيكون المرء مرتدا عن الإسلام، أو يكون كافرا كفرا أصليا, إن وجدت النواقض ابتداء. ونواقض الإسلام والإيمان التي تُوقِع في الردة، أو تتحقق بها الردة، كثيرة، ويمكن أن تكون بأحد طرق ثلاثة: بالفعل أو الامتناع عن الفعل، وبالقول، وبالاعتقاد. وتفصيل هذا وبيانه في كتب الفقه الإسلامي في "باب الردة"١. ونجتزئ هنا ببيان أهم هذه النواقض حتى يحذرها المسلم؛ لتسلم له عقيدته، وليسلم له إيمانه. وسيأتي مزيد بيان لبعض الجوانب من الانحراف عن التوحيد، في فقرة لاحقة -إن شاء الله تعالى- وحسبنا هنا هذه النواقض العشرة التي يذكرها العلماء: ١- الشرك في عباة الله تعالى، بأي لون من ألوان الشرك الأكبر، الذي يخرج صاحبه من دائرة التوحيد ويخلّده في النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ

стр. 247

بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] . ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ [المائدة: ٧٢] . ٢- الكفر الأكبر الذي يخلّد صاحبه في النار؛ ويكون ذلك بإنكار الربوبية أو إنكار شيء من خصائصها، أو بإنكار الشريعة أو النبوة، أو ما علم من الدين بالضرورة، من مسائل الاعتقاد أو العبادات أو الحلال أو الحرام، من الفرائض أو السنن أو المباحات، أو بإنكار ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله، أو أن يجعل لأحد من الخلق شيئا من خصائص الربوبية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] . ٣- الاستكبار عن عبادة الله تعالى أو استنكافها، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٢، ١٧٣] .

стр. 248

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] . ٤- اتخاذ الوسطاء والشفعاء بين العبد وربه، فيدعوهم مع الله أو من دون الله، أو يسألهم الشفاعة، أو يتوكل عليهم. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] . ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] . ٥- عدم تكفير المشركين والكفار، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذهبهم؛ لأن في ذلك رضى بالكفر، وشكا فيما جاء به الرسول ﷺ وهذا الشك جعله الله تعالى كفرا، فقال حاكيا عن الكفار ومبينا حالهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] . ٦- اعتقاد أن هديا غير هدي نبينا محمد ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه أو أفضل أو أكمل، أو أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الإسلام، وكذلك اعتقاد أن أحدا يجوز له أن يحكم بغير شرع الله، أو أن يحكم بشيء من القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر لأنفسهم بمعزل عن دين الله وشرعه، أو أن يحلل ويحرم من تلقاء نفسه؛ لأن في ذلك ادعاء لخاصية من خصائص الألوهية, وإنكارا لخبر الله تعالى بإكمال الدين وإتمام النعمة. قال الله تعالى:

стр. 249

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] . ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . ويدخل في هذا أيضا: اعتقاد أن أحدا من المكلفين يسعه الخروج عن الدين والشريعة الإسلامية, أو الهدي النبوي. ٧- ومما يتصل بذلك: تكذيب الرسول ﷺ في شيء مما جاء به من عند الله تعالى مما قل أو كثر؛ لأن في ذلك تكذيبا لله تعالى الذي أرسله. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥، ٢٦] . وكذلك بُغْض الرسول ﷺ أو بغض شيء مما جاء به، حتى ولو كان يعمل به ويلتزمه، فإن البغض والكراهية له كفر بالله تعالى, وكفر بالرسول ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] . ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر الذي يناقض الإيمان. ٨- الاستهزاء بالله تعالى، أو برسوله ﷺ ، أو بكتابه الكريم، أو بالدين, أو بشعيرة من شعائره، أو الاستهزاء بالثواب والعقاب, أو الاستهزاء بالمؤمنين بسبب إيمانهم. قال الله تعالى عمن استهزأ بأصحاب رسول الله ﷺ من القرّاء ﵃:

стр. 250

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] . ٩- موالاة المشركين ومناصرتهم ومودتهم ومعاونتهم على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] . ١٠- الإعراض عن دين الله تعالى، فلا يتعلّمه ولا يعمل به، إذ لا يمكن العمل به إلا بأن يعلمه، ولا معنى للعلم إلا العمل والالتزام، حتى يحقق بذلك مقتضى الإيمان١. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] . هذا، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل المازح والجادّ والخائف، إلا المكره الذي رفع عنه الإثم٢، فقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . ثم إن هذه النواقض التي ذكرناها يمكن أن يرجع بعض منها إلى بعض، فتكون في العدد أقل مما ذكرنا، وقد يفصل فيها أكثر من هذا. وحسبنا في هذا المدخل أن ألممنا بها إلمامة سريعة تومئ إلى ما وراءها, وللتفصيل مجال آخر. ونسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا وإيماننا.
следующие страницы →