← Акыда

Акыда · id 9991

مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية

عثمان ضميرية

Полный текст (383 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نواقض لا إله إلا الله: ألمحنا فيما سبق إلى أن الشهادتين تعبِّران عن التوحيد، وهما عنوان على دخول المرء في الإسلام، وتترتب عليهما آثارهما في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا عصمة دم المرء وماله وعرضه، وفي الآخرة هما سبب لدخول الجنة والنجاة من النار إذا ختم له بهما. قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ . ولكن قد يطرأ على هذه الشهادة ما يبطلها وينقضها، وعندئذ يبطل مفعولها، فلا تترتب عليها تلك الآثار السابقة، فيكون المرء مرتدا عن الإسلام، أو يكون كافرا كفرا أصليا, إن وجدت النواقض ابتداء. ونواقض الإسلام والإيمان التي تُوقِع في الردة، أو تتحقق بها الردة، كثيرة، ويمكن أن تكون بأحد طرق ثلاثة: بالفعل أو الامتناع عن الفعل، وبالقول، وبالاعتقاد. وتفصيل هذا وبيانه في كتب الفقه الإسلامي في "باب الردة"١. ونجتزئ هنا ببيان أهم هذه النواقض حتى يحذرها المسلم؛ لتسلم له عقيدته، وليسلم له إيمانه. وسيأتي مزيد بيان لبعض الجوانب من الانحراف عن التوحيد، في فقرة لاحقة -إن شاء الله تعالى- وحسبنا هنا هذه النواقض العشرة التي يذكرها العلماء: ١- الشرك في عباة الله تعالى، بأي لون من ألوان الشرك الأكبر، الذي يخرج صاحبه من دائرة التوحيد ويخلّده في النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ

стр. 247

بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] . ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ [المائدة: ٧٢] . ٢- الكفر الأكبر الذي يخلّد صاحبه في النار؛ ويكون ذلك بإنكار الربوبية أو إنكار شيء من خصائصها، أو بإنكار الشريعة أو النبوة، أو ما علم من الدين بالضرورة، من مسائل الاعتقاد أو العبادات أو الحلال أو الحرام، من الفرائض أو السنن أو المباحات، أو بإنكار ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله، أو أن يجعل لأحد من الخلق شيئا من خصائص الربوبية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] . ٣- الاستكبار عن عبادة الله تعالى أو استنكافها، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٢، ١٧٣] .

стр. 248

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] . ٤- اتخاذ الوسطاء والشفعاء بين العبد وربه، فيدعوهم مع الله أو من دون الله، أو يسألهم الشفاعة، أو يتوكل عليهم. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] . ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] . ٥- عدم تكفير المشركين والكفار، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذهبهم؛ لأن في ذلك رضى بالكفر، وشكا فيما جاء به الرسول ﷺ وهذا الشك جعله الله تعالى كفرا، فقال حاكيا عن الكفار ومبينا حالهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] . ٦- اعتقاد أن هديا غير هدي نبينا محمد ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه أو أفضل أو أكمل، أو أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الإسلام، وكذلك اعتقاد أن أحدا يجوز له أن يحكم بغير شرع الله، أو أن يحكم بشيء من القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر لأنفسهم بمعزل عن دين الله وشرعه، أو أن يحلل ويحرم من تلقاء نفسه؛ لأن في ذلك ادعاء لخاصية من خصائص الألوهية, وإنكارا لخبر الله تعالى بإكمال الدين وإتمام النعمة. قال الله تعالى:

стр. 249

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] . ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . ويدخل في هذا أيضا: اعتقاد أن أحدا من المكلفين يسعه الخروج عن الدين والشريعة الإسلامية, أو الهدي النبوي. ٧- ومما يتصل بذلك: تكذيب الرسول ﷺ في شيء مما جاء به من عند الله تعالى مما قل أو كثر؛ لأن في ذلك تكذيبا لله تعالى الذي أرسله. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥، ٢٦] . وكذلك بُغْض الرسول ﷺ أو بغض شيء مما جاء به، حتى ولو كان يعمل به ويلتزمه، فإن البغض والكراهية له كفر بالله تعالى, وكفر بالرسول ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] . ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر الذي يناقض الإيمان. ٨- الاستهزاء بالله تعالى، أو برسوله ﷺ ، أو بكتابه الكريم، أو بالدين, أو بشعيرة من شعائره، أو الاستهزاء بالثواب والعقاب, أو الاستهزاء بالمؤمنين بسبب إيمانهم. قال الله تعالى عمن استهزأ بأصحاب رسول الله ﷺ من القرّاء ﵃:

стр. 250

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] . ٩- موالاة المشركين ومناصرتهم ومودتهم ومعاونتهم على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] . ١٠- الإعراض عن دين الله تعالى، فلا يتعلّمه ولا يعمل به، إذ لا يمكن العمل به إلا بأن يعلمه، ولا معنى للعلم إلا العمل والالتزام، حتى يحقق بذلك مقتضى الإيمان١. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] . هذا، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل المازح والجادّ والخائف، إلا المكره الذي رفع عنه الإثم٢، فقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . ثم إن هذه النواقض التي ذكرناها يمكن أن يرجع بعض منها إلى بعض، فتكون في العدد أقل مما ذكرنا، وقد يفصل فيها أكثر من هذا. وحسبنا في هذا المدخل أن ألممنا بها إلمامة سريعة تومئ إلى ما وراءها, وللتفصيل مجال آخر. ونسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا وإيماننا.

стр. 251

ثانيا: العبادة وانواعها مفهوم العبادة وأنواعها: غاية وجود الإنسان: عندما ينظر المرء حوله يجد كل شيء في هذا الكون قد خلقه الله تعالى لحكمة كبرى وغاية يسعى إليها، وإلا كان وجوده عبثا، وقد تنزه الله عن العبث والباطل، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [سورة ص: ٢٧] . والمؤمن يناجي ربه تعالى قائلا, عندما يتفكر في خلق السموات والأرض: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . [آل عمران: ١٩١] . والإنسان ليس بدعا بين هذه المخلوقات، فلا بد أن يحدد الغاية التي أُوجد من أجلها، وهو يسعى لها؛ كي تستقيم حياته من خلالها ويعرف سر وجوده: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] . ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥] . وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم أنه أخذ العهد على بني آدم أن يعترفوا له بالربوبية؛ ليخضعوا له بالعبادة، فقال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .

стр. 252

وكانت الكلمة التي تتكرر على لسان كل رسول لقومه عندما يدعوهم، هي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] . وغدت العبادة غاية الوجود الإنساني كله، بل إن الجن كذلك غايتهم هي عبادة الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٨٥] . وبهذا النفي في أول الآية الكريمة والاستثناء في آخرها يحصر الله تعالى مهمة الإنس والجن ويقصرها على وظيفة واحدة, ومسئولية واحدة هي عبادة الله تعالى وحده، فليس لهم وراء ذلك وظيفة أو غاية، وما ينبغي أن يكون! فكيف يستطيع الإنسان أن يكون دائما في عبادة الله تعالى، فلا تنقضي لحظة من لحظات حياته -بعد التكليف- إلا وهو في عبادة؟ وكيف يستطيع أن يقوم بهذا التكليف الرباني؟ مفهوم صحيح شامل للعبادة من خلال النصوص: هنا نجد أنفسنا أمام فهم صحيح للعبادة كما أرادها الله تعالى، لا تقتصر على ركعات خاشعة يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، ولا على أيام من العام يصومها المسلم طاعة لله سبحانه، ولا على جزء من المال يدفعه زكاة يطهر بها نفسه وماله، ولا على حج البيت الحرام عند الاستطاعة. فإن هذه العبادات كلها لا تستغرق من حياة الإنسان إلا جزءا يسيرا، فهل يترك سائر أيام حياته وساعاتها دون عبادة, فيخالف -عندئذ- أمر الله تعالى، وهو سبحانه لم يخلقه إلا للعبادة؟

стр. 253

إن المسلم يستطيع أن يجعل حياته كلها في الساعات الأربع والعشرين في اليوم والليلة عبادة لله تعالى وحده، إذ إن الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة. فالزارع والصانع والتاجر، والطبيب والمهندس والعامل، والموظف، والمعلم والتلميذ ... وغيرهم من أصحاب الأعمال تعتبر أعمالهم عبادة إذا قصد بها كل منهم نفع عباد الله، والاستغناء عن الحاجة إلى الناس، وإعالة العيال؛ تحقيقا لأمر الله وخضوعا له، والتزاما وتحقيقا لمقاصد الشريعة التي أنزلها الله تعالى لمصالح الناس، وليقوموا جميعا بالحق والقسط. والقرآن الكريم، كتاب الله الخالد، لم يقصر وصف الصلاح -عندما أمرنا بالعمل الصالح- على العبادات المخصوصة, وهي أركان الإسلام وشعائره ومبانيه الأساسية، بل جعله شاملا لأعمال أخرى، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠, ١٢١] ... والآيات في ذلك كثيرة تعز على الحصر. وفي الحديث الشريف يعدِّد النبي أنواعا من الطاعات، ويبين أجرها فيقول: "يصبح على كل سُلَامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" ١.

стр. 254

وقال ﵊: "لا تحقرنّ من المعروف شيئا, ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" ١. وقال أيضا: "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" ٢. وقال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة, فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٣. وكل هذه الأعمال أبواب من الخير ينال المؤمن عليها الأجر, فهي صدقات، والصدقة عبادة يتقرب بها المرء إلى الله تعالى. وأكثر من هذا وأدل قوله ﵊: "وفي بُضع أحدكم صدقة" -أي: في جماعه لزوجته- قالوا: يا رسول الله, أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟! قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام, أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" ٤. معنى العبادة: وبعد، فما أصدق وما أجمل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يتحدث عن العبادة وفروعها, حيث يقول:

стр. 255

"العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك ... كله من العبادة". وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضى بقضائه والتوكل عليه, والرجاء لرحمته والخوف من عذابه ... هي من العبادة لله. وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له، التي خلق لها الخلق فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. شمول العبادة لكل جوانب الحياة: وعن هذا المعنى الواسع والمفهوم الشامل للعبادة في الإسلام، بما يشمل الشعائر والمعاملات وغيرها، يتحدث الأستاذ سيد قطب ﵀ فيقول: إن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و"معاملات" مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة "الفقه". ومع أنه كان المقصود به -في أول الأمر- مجرد التقسيم "الفني"، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثارا سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها. إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة "العبادة" إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات". بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط، الذي يتناوله "فقه المعاملات"! وهو انحراف

стр. 256

بالتصور الإسلامي لا شك فيه. فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي. ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة, أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف. والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة، أولا وأخيرا. وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم، ونظام الاقتصاد، والتشريعات الجنائية، والتشريعات المدنية، وتشريعات الأسرة ... وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج ... ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى "العبادة" في حياة الإنسان ... والنشاط الإنساني لا يكون متصفا بهذا الوصف، محققا لهذه الغاية -التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني- إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني؛ فيتم بذلك إفراد الله -سبحانه- بالألوهية؛ والاعتراف له وحده بالعبودية.. وإلا فهو خروج عن العبادة؛ لأنه خروج عن العبودية, أي: خروج من غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله، أي: خروج عن دين الله! وأنواع النشاط التي أطلق عليها "الفقهاء" اسم "العبادات", وخصوصا بهذه الصفة -على غير مفهوم التصور الإسلامي- حين تراجع مواضعها في القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها، وهي أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم "المعاملات" ... إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ومرتبطة في المنهج التوجيهي باعتبار هذه كتلك شطرا من منهج "العبادة" التي هي غاية الوجود الإنساني، وتحقيقا لمعنى

стр. 257

العبودية، ومعنى إفراد الله -سبحانه- بالألوهية. إن ذلك التقسيم -مع مرور الزمن- جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدوا نشاط "العبادات" -وفق أحكام الإسلام- بينما هم يزاولون كل نشاط "المعاملات" وفق منهج آخر, لا يتلقونه من الله، ولكن من إله آخر! هو الذي يشرع لهم في شئون الحياة ما لم يأذن به الله! وهذا وهم كبير. فالإسلام وحدة لا تنفصم، وكل من يفصمه إلى شطرين -على هذا النحو- فإنما يخرج من هذه الوحدة, أو بتعبير آخر: يخرج من هذا الدين.. وهذه هي الحقيقة الكبيرة، التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه؛ ويريد في الوقت ذاته، أن يحقق غاية وجوده الإنساني. إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني -وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة، يقوم عليها بناء الحياة كله- بل إن أهميتها تتجلى كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق. فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله؛ وحين يصبح كل نشاط فيها -صغر أم كبر- جزءا من هذه العبادة، أو كل العبادة، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه، وهو إفراد الله -سبحانه- بالألوهية، والإقرار له وحده بالعبودية ... هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه؛ ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه. وهو المقام الذي بلغه رسول الله ﷺ في أعلى حالاته التي ارتقى إليها: حالة تلقي الوحي من الله، وحالة الإسراء والمعراج أيضا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] . ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى

стр. 258

الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ١ [الإسراء: ١] . ويتحدث الأستاذ المهتدي محمد أسد "ليوبولدفايس سابقا" في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" حديثا دقيقا عن الفرق بين التصور الإسلامي والتصورات الأخرى في هذا الشأن؛ وعن أثر ذلك التصور في الشعور بجدية الحياة وأهمية كل حركة فيها، باعتباره الوسيلة الوحيدة لبلوغ الإنسان أقصى درجات الكمال الإنساني في هذه الحياة الدنيا. فيقول في فصل بعنوان: "سبيل الإسلام": "يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في كل دين آخر٢.. إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلاة والصيام مثلا، ولكنها تتناول "كل" حياة الإنسان العملية أيضا. وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم "عبادة الله" فيلزمنا حينئذ، ضرورة، أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية، متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها -حتى تلك التي تظهر تافهة- على أنها عبادات؛ وأن نأتيها بوعي، وعلى أنها تؤلف جزءا من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه الله.. تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مَثَل أعلى بعيد. ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع؟ ". "إن موقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل. إنه يعلمنا أولا أن عبادة الله الدائمة، والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها، هي معنى الحياة نفسها. ويعلمنا ثانيا أن بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلا ما دمنا نقسم حياتنا

стр. 259

قسمين اثنين: حياتنا الروحية، وحياتنا المادية ... يجب أن تقترن هاتان الحياتان في وعينا وفي أعمالنا، لتكون "كلا" واحدا متسقا.. إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى في سعينا للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في حياتنا". "هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه, هي فرق آخر بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة. ذلك أن الإسلام -على أنه تعليم- لا يكتفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة فيما بين المرء وخالقه فقط. ولكن يعرض أيضا -بمثل هذا التوكيد على الأقل- للصلات الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية.. إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صَدَفَة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة, التي هي إيجابية تامة في نفسها. والله تعالى واحد لا في ذاته فحسب, بل في الغاية إليه أيضا ... من أجل ذلك كان خلقه وحدة، ربما في جوهره، إلا أنه وحدة في الغاية منه بكل تأكيد". "وعبادة الله في أوسع معانيها -كما شرحنا آنفا- تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية.. هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال، في إطار حياته الدنيوية الفردية, ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام -وحده- يعلن أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا ... إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات "الجسدية"، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من "تناسخ الأرواح" على مراتب متدرجة -كما هي الحال في الهندوكية- ولا هو يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية من العالم.. كلا إن الإسلام يؤكد على إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية، وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوي في حياته هو"١.

стр. 260

أنواع العبادة: ومن هذا الشمول للعبادة نخلص إلى أن الله تعالى جعل العبادة أنواعا، وذلك بحسب جهتها، إن كانت ترجع للاعتقاد أو النطق أو البدن أو المال، وكلها ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى، وهي خمسة أنواع: ١- عبادات اعتقادية: وهذه أساسها أن تعتقد أن الله هو الرب الواحد الأحد، الذي ينفرد بالخلق والأمر، وبيده الضر والنفع، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا معبود بحق غيره. والدلائل على ذلك من كتاب الله تعالى كثير تعز على الحصر، وقد سبق بعضها. ومن ذلك أيضا: الاعتقاد والتصديق بما أخبر الله تعالى عنه من الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، والقضاء والقدر، في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . [البقرة: ١٧٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ . [النساء: ١٣٦]

стр. 261

وذكر الله تعالى الإيمان بالقضاء والقدر في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] . ٢- عبادات قلبية: وهي الأعمال القلبية التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله تعالى وحده، فمنها: المحبة، التي لا تصلح إلا لله تعالى وحده١، فيحب الله تعالى ويحب عباده الذين يحبونه سبحانه، ويحب دينه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] . ومنها التوكل: وهو الاعتماد على الله تعالى والاستسلام له وتفويض الأمر إليه, مع الأخذ بالأسباب، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] . ومنها: الخشية والخوف من إصابة مكروه أو ضُرّ، فلا يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته، وإن لم يباشره، وهو خوف السر٢، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ

стр. 262

يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] . ومنها: الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله، فمن يدعو الأموات أو غيرهم راجيا حصول مطلوبه من جهتهم، يقع في شرك أكبر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] . ومنها الإنابة والتوبة، فينبغي على المؤمن أن يقبل على الله وأن يتوب إليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] . وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] . ٣- عبادات لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها، لم يحقن دمه ولا ماله. فقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا, واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها, وحسابهم على الله" ١. ومن نطق بكلمة التوحيد ولم يعتقدها بقلبه حقن ماله ودمه، وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين. ومنها: الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، سواء كان طلبا للشفاعة أو غيرها من المطالب. قال الله تعالى:

стр. 263

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] . ومنها: الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، حيث قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] . ... إلخ. ٤- عبادات بدنية: كالصلاة والركوع والسجود؛ قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧] . ومنها: الطواف بالبيت، حيث لا يجوز الطواف إلا به: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] . وسائر أنواع العبادات البدنية كالصوم والحج، والآيات في هذا كثيرة. ومنها: الجهاد في سبيل الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] . والآيات والأحاديث في ذلك توحي بأهمية هذه الفريضة ومكانتها١.

стр. 264

٥- عبادات مالية: كإخراج جزء من المال؛ امتثالا لما أمر الله تعالى به، وهي الزكاة. ومما يدخل في العبادة المالية أيضا: النذر، قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] . هذا، ولم نستقص الأمثلة لكل ما يدخل تحت هذه الأنواع الخمسة، فحسبنا هذه الإشارات السريعة، التي تومئ إلى ما وراءها من أمثلة١. فيا أيها المسلم: هذه هي سبيل النجاة، وطريق الفوز، فتمسك بها واحذر الشيطان ووسوسته، وحذارِ أن تستهين بأمر مما سبق فتحسبه هينا, وهو عند الله عظيم.

стр. 265

أركان العبادة وأصولها: وهذه العبادة التي أمر الله تعالى بها، ووصف بها صفوة خلقه، فأضافهم إلى نفسه تكريما وتشريفا فهم "عباد الرحمن" يخضعون له خضوعا مطلقا، ويتذللون بين يديه؛ حبا له، ورجاء لما عنده من الثواب، وخوفا من العقاب. هذه العبادة تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، فمن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له؛ كما يحب الرجل ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم من كل شيء, بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله سبحانه وتعالى١. ومن هنا كانت العبادة تقوم على أركان ثلاثة؛ هي: المحبة, والرجاء، والخوف. ١- أما المحبة لله تعالى: فهي أصل دين الإسلام، وهي التي تحدد صلة العبد بربه ﵎، "وهي نعمة لا يدركها إلا من ذاقها. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما وفضلا غامرا جزيلا، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه ... هو إنعام هائل عظيم وفضل غامر جزيل.

стр. 266

والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب. فهو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور جميل"١. وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة بهذه المعاني، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] . ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] . وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٢. وحب الله تعالى ليس مجرد دعوى باللسان، ولا هياما بالوجدان، إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله ﷺ والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة، وإن الإيمان ليس كلمات تقال ولا مشاعر تجيش، ولكنه طاعة الله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول٣، قال الله تعالى:

стр. 267

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] . يقول الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١ ولهذا قال: "إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِب, إنما الشأن أن تُحَب. وقال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢. هذا، والأحاديث النبوية الكثيرة فيها إشارات لشروط هذه المحبة ومقتضياتها وأثرها ... ولكن بقي أن نشير هنا -تأكيدا لما سبق- إلى أن هذه المحبة ليست هي المحبة الطبيعية للشيء، ولا محبة الرحمة والإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ولا محبة الإلف والأُنس كمحبة الإخوة لبعضهم أو لمن يجمعهم عمل واحد أو صناعة واحدة ... وإنما هي المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله تعالى، ومتى أحب العبد بها غيره كانت شركا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة، وإيثاره -سبحانه- على غيره. فهذه المحبة لا يجوز تعلقها أصلا بغير الله، وهي التي سوّى المشركون بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها، حيث قال الله تعالى عنهم:

стр. 268

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ١ [البقرة: ١٦٥] . فعندما يتعلق قلب الإنسان بحب غير الله تعالى هذا اللون من الحب، يكون قد وقع في الشرك، كمن يحب الأصنام والطواغيت، والهوى والشهوة والقيم المادية والاجتماعية, فيخضع لها ويتخذها آلهة مع الله أو من دون الله. ٢- الرجاء: ومحبة العبد لله تعالى تحمله على أن يرجو ما عند الله تعالى في الدار الآخرة من الأجر والثواب والرحمة، والاستبشار بجود الرب ﵎، وفضله، والثقة به، فهو عندئذ يبذل الجهد ويقوم بالطاعة على نور من الله، يرجو ثوابه, أو يتوب إليه من ذنب، فهو يرجو مغفرته وعفوه، ويطمع في مزيد إحسانه، دون أن يوقعه ذلك في شيء من الأمن من مكر الله وعقوبته: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] . وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فكل محب راجٍ خائفٌ بالضرورة؛ فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه. ويترقى في هذا الرجاء صُعُدا، فيرتقي من رجاء يبعث على الاجتهاد بالعبادة لما يؤمله من ثواب، إلى رجاء يبلغ فيه موقفا تصفو فيه الهمة بترك ما تستلذّه النفس وتميل إليه، بلزوم الأحكام الدينية، ثم يتطلع إلى رجاء لقاء الخالق سبحانه٢. قال تعالى:

стр. 269

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] . ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] . وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاث، يقول: "لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه" ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي" ٢. وهذا الرجاء له أثره في نفس المؤمن, حيث يتطلع لما عند الله تعالى من ثواب، وما ادّخره الله لعباده المؤمنين من ألوان النعيم الحسي والمعنوي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٣، ٢٤] . وآيات النعيم في القرآن الكريم كثيرة, تجمع بين لونَي النعيم، وتسمو بروح الإنسان وهمته؛ ليسعى إليها بالطاعة والالتزام.

стр. 270

٣- الخوف: ويوازن الإسلام بين الخوف والرجاء، فلا يطغى جانب منهما على الآخر١، فكما أن المسلم يعبد ربه ﵎؛ حبا له ورجاء لثوابه وطمعا في جنته، فإنه كذلك يعبده خوفا من عقابه وحذرا من ناره، دون أن يدفعه هذا الخوف إلى شيء من اليأس والقنوط: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] . والمسلم لا يخاف من غير الله تعالى أن يصيبه بما يشاء من مصيبة أو مرض أو فقر أو قتل أو نحو ذلك، بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة لمن يخاف منه بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه أصلا بغير الله تعالى؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه فهو مشرك. قال الله تعالى: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١] . ثم تتوارد الآيات الكريمة تنزع عوامل الخوف من الخَلْق على الرزق، أو الخوف من الأذى أو النتائج المجهولة٢ ...

стр. 271

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] . ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] . ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] . وكذلك يخاف المؤمن وعيد الله الذي توعد به العصاة، فيكون ذلك الخوف طريقا إلى الجنة ونعيمها: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] . ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وإذا كان النعيم معنويا وماديا، فإن العقاب -كذلك- وما نخاف منه أو ما يخوفنا الله تعالى به من العذاب يشمل النوعين كذلك: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩-٢٢] . بين الخوف والرجاء: ونختم هذه الفقرة بكلمات للعلَّامة ابن قيم الجوزية ﵀ في أركان العبادة ومكانة الخوف والرجاء والتوازن بينهما بعامة, مع تغليب أحدهما أحيانا حسب حال الإنسان، حيث يقول:

стр. 272

"القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر. ولكن السلف استحبّوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف ... وقال بعض السلف: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغَلَبَة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه"١. وهذا المعنى هو ما أشار إليه الحديث الشريف: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة؛ فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" ٢.

стр. 273

دعوة الرسل إلى توحيد العبادة ... دعوة الرسل ﵈ إلى توحيد العبادة: بعث الله تعالى جميع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- يدعون العباد إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، فلم يبعثهم للدعوة إلى مجرد الإيمان بالله وأنه خالقهم، إذ هم مقرّون بذلك تناسقا مع الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها. ولم تكن قضية وجود الله في يوم من الأيام هي القضية التي يقف الناس عندها، إلا في فترات قليلة ولظروف خاصة عند بعض الأوروبيين الذين عُرف عنهم الإلحاد, وحاولوا أن يجدوا له فلسفة خاصة؛ تبريرا لانحرافهم وفساد فطرتهم. ولذلك حكى الله تعالى عن الأقوام السابقين تعجّبهم من دعوة الأنبياء إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] . أي: لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا؟ فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنه لا يُعبد, بل أقروا بأنه يُعبد، وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه واتخذوا معه أندادا، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: "لبيك لا شريك لك, إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". وكان النبي ﷺ يسمعهم عند قولهم: "لا شريك لك" ويقول:

стр. 274

"قد أفردوه ﷻ ، لو تركوا قولهم: إلا شريكا هو لك" ١. فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به. قال تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] . ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤] . ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] . فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله تعالى، ولم يعبدوا الأنداد بالخضوع لهم والتقرب بالنذور لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى, وتشفع لهم. فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل, وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده. وهذا هو توحيد العبادة؛ وقد كانوا مقرّين بتوحيد الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده والرازق وحده. ومن هنا نعرف أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل -عليهم الصلاة والسلام- هو توحيد العبادة؛ ولذا تقول لهم الرسل: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ , ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ... وأمر الله عباده أن يقولوا: "إياك نعبد", ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلا كان كاذبا، منهيا عن أن يقول هذه الكلمة؛ إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها دون كل أحد، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾

стр. 275

و ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ كما عرف من لغة العرب أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلا الله، ولا تعبدوا غيره, ولا تتقوا غيره. فإفراد الله تعالى بالعبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له. والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده، وجميع أنواع العبادات لا تكون إلا لله تعالى وحده١.

стр. 276

الانحراف عن التوحيد: تمهيد: ألمحنا في أكثر من موضع: أن الله تعالى قد خلق الإنسان على فطرة التوحيد والإسلام متهيئا لقبول الدين، فلو ترك على فطرته لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين هو دين الفطرة السليمة، وإنما يعدل عنه من يعدل عنه إلى غيره لآفة النشوء والتقليد، فلو سلم من هذه الآفات لم يعتقد غيره١. فهذه الفطرة قد تنحرف عن الخط المستقيم, وعن الهدي الرباني، عندما تتضافر جملة من عوامل الانحراف, ويأخذ هذا الانحراف صورا ثلاثا هي: الشرك، والكفر، والنفاق. وسنقف لكل واحد من هذه الانحرافات فقرة نوضح فيها معناه وأنواعه؛ لنخلص بعد ذلك إلى الفرق بينها ونسبة كل منها إلى الآخر. أولا: الشرك تعريفه في اللغة: "الشين والراء والكاف؛ أصلان, أحدهما يدل على مقارنة وخلاف انفراد ... وهو أن يكون الشيء بين اثنين، لا ينفرد به أحدهما. يقال: شاركت فلانا في الشيء؛ إذا صرت شريكه. وأشركت فلانا؛ إذا جعلته شريكا لك"٢.

стр. 277

وقال الحرالي: "الشرك: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس معه أمره"١. وقال الجوهري: "الشرك: الكفر. وقد أشرك فلان بالله، فهو مشرك ومشركيّ بمعنى واحد"٢. وقال ابن منظور: "أشرك بالله: جعل له شريكا في ملكه -تعالى الله عن ذلك- والشرك: أن يجعل لله شريكا في ربوبيته -تعالى الله عن الشركاء والأنداد- والاسم الشرك. وإنما دخلت التاء في قوله: "لا تشرك بالله" لأن معناه: لا تعدل به غيره فتجعله شريكا له ... ومن عدل به شيئا من خلقه فهو كافر مشرك؛ لأن الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا نديد"٣. وفي الاصطلاح الشرعي: يطلق لفظ الشرك على نوعين؛ أحدهما إثبات شريك لله تعالى وهو الشرك الأكبر. والثاني: مراعاة غير الله في بعض الأمور، وهو الشرك الأصغر٤. أ- الشرك الأكبر: وهو أن يتخذ مع الله تعالى، أو من دونه، إلها آخر، يعبده بنوع من أنواع العبادة، فيسوي بين الله تعالى وبين الأنداد. وهذا أعظم الشرك والظلم، ولا يغفره الله لصاحبه إن مات عليه؛ لأنه يناقض أصل التوحيد، ويخرج صاحبه عن الملة ويحبط عمله ويخلّده في النار٥.

стр. 278

وأصل هذا الشرك ومنشؤه: هو تسوية غير الله بالله تعالى، أو هو تشبيه غير الله بالله في صفة من الصفات التي يختص بها، من صفات العظمة والكمال، مما لم يعهد في جنس الإنسان. وذلك أن الذي يعبد كائنا ما فيدعوه من دون الله -أو مع الله- لا يفعل ذلك إلا لاعتقاده أن عنده صفة يستحق من أجلها الدعاء، فهو يسمع دعاءه ويستجيب له. ومن يطلب الشفاعة من غير الله تعالى؛ يعتقد أن الشافع يملك شيئا مع الله؛ فلذلك يطلب منه، وكأنه -كذلك- يشبِّه الله تعالى بالمخلوقات، حيث يرى أن بعض أموره في الدنيا تقضى بوساطة من صاحب مكانة، فيظن أن الله تعالى كذلك يحتاج إلى وساطة, . ومن يخاف كائنا من الكائنات، إنما يخاف منه لاعتقاده أنه يقدر على أن يجلب له نفعا أو يدفع عنه ضرا, وهذا مما اختص الله تعالى به. ومن يتخذ حكم أحد من البشر شرعا وقانونا، ويتلقى أوامره ونواهيه شريعة واجبة الاتباع، إنما يفعل ذلك لاعتقاده أن هذا الحاكم له سلطة الأمر والنهي الواجبة الاتباع, كسلطة الله تعالى على خلقه ... وهكذا١. ولئن كان الشرك في القديم -غالبا- يتخذ صورة واحدة, وهي الخضوع للأصنام أو الطواف حولها، والسجود لها، والذبح عندها.. فإن عبادة الأصنام ليست إلا لونا واحدا من ألوان الشرك وأنواعه، فمنهم من كان يحلل ويحرم من تلقاء نفسه، أو يزعم أن له سلطة التحليل والتحريم، فيمنع أنواعا من التصرفات أو

стр. 279

المآكل أو غيرها، ومنهم من كان يعبد الجن، ومنهم من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الكواكب والنجوم، كما حكى الله تعالى عنهم في مواضع من كتابه الكريم١. ولئن كانت الأصنام -فيما سبق من عصور الجاهلية- تظهر بصورة مادية محسة، يتخذونها من خشب أو ذهب أو فضة على صورة إنسان، وقد تتخذ من حجر فتسمى عندئذ وثنا٢، لئن كان كذلك، فإن الأصنام قد تظهر في عصور أخرى بصور عديدة ومظاهر شتى؛ قد تكون مذهبا من المذاهب الفكرية الجاهلية كالديمقراطية أو الوطنية أو القومية ... وقد تكون مذهبا اقتصاديا كالرأسمالية والاشتراكية ... وقد تكون أهواء وشهوات يخضع لها الناس، فلا يهوون شيئا إلا عبدوه٣، وقد حكى الله تعالى ذلك عن أقوام فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] . ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] . ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . وقد تكون الأصنام مجموعة من القيم الاجتماعية, أو القيم المادية التي تسيطر على الناس فيخضعون لها، ويتحركون بحركتها، فتكون لهم دينا ومذهبا:

стр. 280

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] . ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] . "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس, وإذا شيك فلا انتقش" ١. ونجد لهذه الأصنام من القيم المادية مُثُلا كثيرة في الحياة الأوروبية المعاصرة -ومن ورائها في حياة من تشبه بهم المسلمين- نشير إليها بمقتطفات عن المستشرق الأوروبي "ليوبولدفايس" من مفكري الحضارة الغربية، وممن عاش في ظلها، ثم أدركته هداية الله فأسلم وتسمى باسم "محمد أسد"، يقول في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق": "إن الاتجاه الديني مبنيّ دائما على الاعتقاد بأن هناك قانونا أدبيا مطلقا شاملا، وأننا نحن البشر مجبرون على أن نخضع أنفسنا لمقتضياته. ولكن المدنية الغربية الحديثة لا تقر الحاجة إلى خضوع ما إلا لمقتضيات اقتصادية أو اجتماعية أو قومية. إن معبودها الحقيقي ليس من نوع روحاني، ولكن الرفاهية، وإن فلسفتها الحقيقية المعاصرة إنما تجد قوة التعبير عن نفسها من طريق الرغبة في القوة، وكلا هذين موروث عن المدنية الرومانية القديمة". " ... وهكذا أصبح المال إلها جديدا في الغرب يعبد من دون الله، وقامت في

стр. 281

عواصم أوروبا أسواق المال والبورصة، مثل ريجنت ستريت في لندن ووول ستريت في نيويورك. ثم جعل كهان هذا الإله الجديد يستغلون الناس بكل سبيل, يجمعون من شعوب الأرض دريهماتهم القليلة ليخزنوها ملايين في صناديقهم الحديدية. ولما زاد شَرَههم إلى المال أخذوا يثيرون الحروب بين الأمم ثم يبيعون المتحاربين كلهم سلاحا، لا يهمهم من مات، ولا يهمهم من قتل، ولا من خربت أرضه ودياره، ولا من جاع أو عطش أو عري أو ظل جاهلا، ما داموا يجمعون المال في صناديقهم ليزيدوا به نفوذهم السياسي والعسكري في العالم، ثم ليستخدموا هذا النفوذ من جديد في سبيل قناطير جديدة من الأموال، وهكذا دواليك". "إن الأوروبي العادي -سواء كان ديمقراطيا أم فاشيا, رأسماليا أم بلشفيا، صانعا أم مفكرا- يعرف دينا إيجابيا واحدا هو التعبد للرقي المادي، أي: الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر". "إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء. وأما كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران ... "١. أنواع الشرك الأكبر: وفيما يلي إيجاز لبعض أنواع الشرك الأكبر: ١- شرك الدعاء: ومعنى الدعاء: سؤال العبد ربه ﵎ العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية

стр. 282

واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله وإضافة الجود والكرم إليه؛ ولذلك قال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ١. ومعناه: أنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة، بل هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه٢. والدعاء يشمل دعاء العبادة والثناء، ودعاء المسألة والطلب؛ ويراد بهما في القرآن الكريم هذا تارة، وهذا تارة، ويراد بهما مجموعهما، وهما متلازمان. فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر، إذ الذي يدعى لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر. ودعاء العبادة والثناء: هو ما يقصد به العبد ثناء على الله تعالى بما هو أهله, تذللا له، وانكسارا بين يديه, . ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة متضمّن لدعاء العبادة، وهما متلازمان لا بد من اجتماعهما، ولا يكفي أحدهما عن الآخر٣. فإذا توجه الإنسان بواحد من هذين النوعين لأحد غير الله تعالى، كأن يدعو

стр. 283

ميتا أو غائبا، أو أن يقول للميت أو الغائب: ادع الله لي ... فهذا كله لون من ألوان الشرك، حتى ولو كان ينطق بالشهادتين ويصلي ويصوم، إذ شرط الإسلام -مع التلفظ بالشهادتين- أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله، فما أتى بهما حقيقة، فمجرد التلفظ لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما١. ولهذا تواردت الآيات القرآنية الكريمة في النهي عن دعاء غير الله تعالى، كقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٦، ١٠٧] . ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] . أما الله تعالى وحده فهو الذي يستجيب الدعاء؛ ولذا فهو وحده الذي يستحق الدعاء والثناء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] . ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] . والإنسان بفطرته، حتى ولو كان من أكثر الناس كفرا وإلحادا، لا يملك في وقت الشدة والاضطرار إلا أن يرفع يديه للسماء ويدعو: يا رب:

стр. 284

﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] . ٢- شرك العبادة والتقرب: والصورة الواضحة الجلية لهذا النوع من الشرك هي ما كان معروفا من عبادة الأصنام والأوثان وإعطائها بعض خصائص الألوهية؛ ولذلك كانوا يطوفون حولها ويتمسَّحون بها، ويذبحون لها وينذرون، كي تقربهم إلى الله تعالى مكانة ومنزلة، وكأنهم يعتقدون أن الله تعالى بحاجة إلى هذه الواسطة، يستمدون بها من الله رزقا أو عطاء أو شفاعة أو قضاء حاجة من الحاجات: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] . "فهؤلاء كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السموات والأرض، ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق بالعبادة، وفي إخلاص الدين كله لله بلا شريك، وإنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه, ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها، ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة -وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة- ليست عبادة لها في ذاتها، وإنما هي زلفى وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا. وهو انحراف عن الفطرة واستقامتها إلى هذا التعقيد والتخريف, فلا الملائكة بنات الله، ولا الأصنام تماثيل الملائكة، ولا الله يرضى بهذا الانحراف، ولا هم يقبل فيهم شفاعة، ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق.

стр. 285

.. وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء والمشايخ حول الأضرحة تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة -أو تماثيل الملائكة- تقربا إلى الله بزعمهم، وطلبا للشفاعة عنده ... وهم يكذبون على الله بأن هذه العبادة تشفع لهم عنده. وهم يكفرون بهذه العبادة, ويخالفون فيها عن أمر الله الواضح الصريح"١. ونرى صورة أخرى لذلك عند أولئك الذين يخشون -في دخيلة أنفسهم- غضبة الذين يعظمونهم من ولاة وشيوخ وعظماء، ولا يخشون غضبة الله، والذين يعتقدون فيمن يعظمونهم أنهم أقرب ضرا ونفعا من الله، سواء كانوا ملوكا وعلماء ورؤساء٢! ٣- شرك الشفاعة: وهذا اللون من الشرك نتيجة لازمة لشرك التقرب، فالذي يعبد الأصنام والأولياء إنما يفعل هذا -كذلك- كي تشفع له عند الله تعالى في التجاوز عن الذنوب والجرائم٣، وفي تحقيق الآمال والوصول إلى الرغبات؛ ظنا منه أن الأصنام أو الأولياء أو غيرهم يملك هذه الشفاعة, ويستحق أن تستجاب شفاعته وطلبه من الله تعالى! ومن يفعل ذلك فما قدر الله حق قدره؛ لأنه غنيّ عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ومحتاج لا يملك نفعا ولا ضرا. ولذلك كان هذا العمل شركا, تعالى الله عنه:
следующие страницы →