← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9992

تناسق الدرر في تناسب السور = أسرار ترتيب القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (199 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سورة طه: أقول: روينا عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن طه نزلت بعد سورة مريم، بعد ذكر سورة أصحاب الكهف، وذلك وحده كافٍ في مناسبة الوضع، مع التآخي بالافتتاح١ بالحروف المقطعة. وظهر لي وجه آخر؛ وهو: أنه لما ذكر في سورة مريم قصص عدة من الأنبياء؛ وهم: زكريا، ويحيى، وعيسى، الثلاثة مبسوطة وإبراهيم، وهي بين البسط والإيجاز، وموسى، وهي موجزة بجملة٢ أشار إلى بقية النبيين في الآية الأخيرة إجمالًا٣. وذكر في هذه السورة شرح قصة موسى التي أجملها هناك، فاستوعبها غاية الاستيعاب، وبسطها أبلغ بسط٤، ثم أشار إلى تفصيل قصة آدم، الذي وقع [في مريم] ٥ مجرد اسمه هناك٦، ثم أورد في سورة الأنبياء بقية قصص من لم يذكر في مريم؛ كنوح ولوط، وداود، وسليمان، وأيوب، وذي الكفل، وذي النون، وأشير إلى قصة من ذكرت قصته

стр. 107

إشارة وجيزة؛ كموسى، وهارون، وإسماعيل، وزكريا، ومريم؛ لتكون السورتان كالمتقابلتين. وبسطت فيها قصة إبراهيم البسط التام فيما يتعلق به مع قومه، ولم تذكر حاله مع أبيه إلا إشارة١ كما أنه في سورة مريم ذكر حاله مع قومه إشارة ومع أبيه مبسوطًا٢. فانظر إلى عجيب هذا الأسلوب، وبديع هذا الترتيب.

стр. 108

سورة الأنبياء: قدمت ما فيها مستوفًى١، وظهر لي في اتصالها بآخر طه: أنه سبحانه لما قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ "طه: ١٣٥"، وقال قبله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ "طه: ١٢٩". قال في مطلع هذه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ "١" إشارة إلى قرب الأجل، ودنو الأمل المنتظر٢. وفيه أيضًا مناسبة لقوله هناك: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ "طه: ١٣١" الآية. فإن قرب الساعة يقتضي الإعراض عن هذه٣ الحياة الدنيا؛ لدنوها من الزوال والفناء؛ ولهذا ورد في الحديث: أنها لما نزلت قيل لبعض الصحابة: هلا سألت النبي ﷺ عنها؟ فقال: "نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا"٤.

стр. 109

سورة الحج: أقول: وجه اتصالها بسورة الأنبياء: أنه ختمها بوصف الساعة في قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "الأنبياء: ٩٧"، وافتتح هذه بذلك، فقال: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ "١، ٢".

стр. 110

سورة المؤمنون ١: أقول: وجه اتصالها بسورة الحج: أنه لما ختمها بقوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "الحج: ٧٧"، وكان ذلك مجملًا، فصَّله في فاتحة هذه السورة، فذكر خصال الخير التي من فعلها فقد أفلح، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ "١، ٢" الآيات. ولما ذكر [في] ٢ أول الحج قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ "الحج: ٥" الآية. زاده هنا بيانًا [وإطنابًا] ٣ في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ "١٢، ١٣" الآيتان. فكل جملة أُوجِزَت هناك في القصة٤ أطنب فيها هنا.

стр. 111

سورة النور: أقول: وجه اتصالها بسورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ : أنه لما قال [فيها] ١: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ "المؤمنون: ٥"، ذكر في هذه أحكام من لم يحفظ فرجه، من الزانية والزاني، وما اتصل بذلك من شأن القذف، وقصة الإفك، والأمر بغض البصر٢، وأمر فيها بالنكاح حفظًا للفروج، وأمر من لم يقدر على النكاح بالاستعفاف، وحفظ فرجه، ونهى عن إكراه الفتيات على الزنا٣. ولا ارتباط أحسن من هذا الارتباط، ولا تناسق أبدع من هذا النسق.

стр. 112

سورة الفرقان: ظهر لي بفضل الله بعدما أفكرت مدة١: أن نسبة هذه السورة لسورة النور، كنسبة سورة الأنعام إلى المائدة؛ من حيث أن النور قد ختمت بقوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ "النور: ٦٤"، كما ختمت بقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ "المائدة: ١٢٠". وكانت جملة النور أخصر من المائدة، ثم فصلت هذه الجملة في سورة الفرقان فافتتحت بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ "٢"، كما افتتحت الأنعام بمثل٢ ذلك٣. وكان قوله عقبه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ "٣" إلى آخره، نظير قوله هناك: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ "الأنعام: ١". ثم ذكر في خلال هذه السورة جملة من المخلوقات؛ كمد الظل، والليل، والنوم، والنهار، والرياح، والماء، والأنعام، والأناسي، ومرج البحرين، والإنسان، والنسب، والصهر، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، والاستواء على العرش، وبروج السماء، والسراج، والقمر، إلى غير ذلك، مما هو تفصيل لجملة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي

стр. 113

ال سَّ مَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١ "النور: ٦٤"، كما فصل آخر المائدة في الأنعام بمثل ذلك٢، وكان البسط في الأنعام أكثر لطولها. ثم أشار في هذه السورة إلى القرون المكذوبة وإهلاكهم٣، كما أشار في الأنعام إلى ذلك٤، ثم أوضح٥ هذه الإشارة في السورة التي تليها -وهي الشعراء- بالبسط التام، والتفصيل البالغ٦، كما أوضح تلك الإشارة التي في الأنعام وفصَّلها في سورة الأعراف التى تليها٧. فكانت هاتان السورتان في المثاني، نظير تينك السورتين [الأنعام والأعراف] في الطوال، واتصالهما بآخر النور، نظير اتصال تلك بآخر المائدة، المشتملة على فصل القضاء٨. ثم ظهر لي لطيفة أخرى؛ وهي: أنه إذا وقعت سورة مكية بعد سورة مدنية، افتتح أولها بالثناء على الله؛ كالأنعام بعد المائدة،

стр. 114

والإسراء بعد النحل، وهذه بعد النور، وسبأ بعد الأحزاب، والحديد بعد الواقعة، وتبارك بعد التحريم١؛ لما في ذلك من الإشارة إلى نوع استقلال، وإلى الانتقال من نوع إلى نوع.

стр. 115

سورة الشعراء: أقول: وجه اتصالها بسورة الفرقان أنه تعالى لما أشار فيها إلى قصص مجملة بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا، فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا، وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا، وَعَادًا وَثَمُودَا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ "الفرقان: ٣٥-٣٨" شرح هذه القصص، وفصَّلها أبلغ تفصيل في السورة١ التي تليها؛ ولذلك رتبت على ترتيب ذكرها في الآيات المذكورة فبدئ بقصة موسى٢، ولو رتبت على الواقع لأخرت كما في الأعراف. فانظر إلى هذا السر اللطيف الذي مَنَّ الله بإلهامه. ولما كان في الآيات المذكورة إشارة إلى قرون بين ذلك كثيرة٣، زاد في الشعراء تفصيلًا لذلك قصة قوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب٤. ولما ختم الفرقان بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ "الفرقان: ٦٣"، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ "الفرقان: ٧٢"

стр. 116

ختم هذه السورة بذكر الشعراء الذين هم بخلاف ذلك، واستثنى منهم مَن سلك سبيل أولئك، وبيَّن ما يمدح من الشعر، و [ما] ١ يدخل في القول٢ "سلامًا"، وما يذم منه، ويدخل في اللغو٣.

стр. 117

سورة النمل: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنها كالتتمة لها، في ذكر بقية القرون، فزاد سبحانه فيها ذكر سليمان وداود، وبسط فيها قصة لوط أبسط مما هي في١ الشعراء٢. وقد روينا عن ابن عباس، وجابر بن زيد، في ترتيب [نزول] ٣ السور: أن الشعراء نزلت ثم طس٤، ثم القصص، وذلك كافٍ في٥ ترتيبها في المصحف هكذا. وأيضًا فقد وقع فيها: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ "٧" إلى آخره، وذلك تفصيل قوله في الشعراء: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ "الشعراء: ٢١".

стр. 118

سورة القصص: أقول: ظهر لي بعد الفكرة: أنه سبحانه لما حكى في الشعراء قول فرعون لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ "الشعراء: ١٨، ١٩" إلى قول موسى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ "الشعراء: ٢١"، ثم حكى١ في طس النمل قول موسى لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ "النمل: ٧" إلى آخره، الذي هو في الوقوع بعد الفرار، ولما كان [الأمران] ٢ على سبيل الإشارة والإجمال، بسط في هذه السورة ما أوجزه في السورتين، وفصل ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما. فبدأ بشرح تربية فرعون له، مصدرًا بسبب ذلك: من علو فرعون، وذبح أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عند ولادته في اليم خوفًا عليه من الذبح، وبسط القصة في تربيته، وما وقع فيها إلى كبره، إلى السبب الذي من أجله قتل القبطي، وهى الفعلة التي فعل، إلى الهم بذلك عليه، والموجب لفراره إلى مدين٣، إلى ما وقع له [فيها] ٤ مع شعيب، وتزوجه بابنته، إلى أن سار بأهله، وآنس من جانب الطور نارًا فقال لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ "٢٩" إلى ما وقع له فيها من المناجاة لربه، وبعثه إياه رسولًا، وما استتبع ذلك، إلى آخر القصة. فكانت السورة شارحة لما أجمل في السورتين معًا على الترتيب٥. وبذلك عرف وجه الحكمة في تقدم "طس" على هذه، وتأخيرها عن الشعراء، فلله الحمد على ما ألهم.

стр. 119

سورة العنكبوت: أقول: ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما أخبر في أول السورة السابقة عن فرعون أنه: ﴿عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ "القصص: ٤" افتتح هذه السورة بذكر المؤمنين الذين فتنهم الكفار وعذبوهم على الإيمان بعذاب دون ما عذب به قوم فرعون بني إسرائيل؛ تسلية لهم بما وقع لمن قبلهم، وحثًّا لهم على الصبر؛ ولذلك قال هنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ "٣"، وهذه أيضًا من حِكَم تأخير القصص عن١ "طس". وأيضًا فلما كان في خاتمة القصص الإشارة إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم٢، وفي خاتمة هذه الإشارة إلى هجرة المؤمنين بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ "٥٦" ناسب تتاليهما.

стр. 120

سورة الروم: أقول: ظهر لي في اتصالها بما قبلها: أنها ختمت بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ "العنكبوت: ٦٩"، وافتتحت١ هذه بوعد من غلب من أهل الكتاب بالغلبة والنصر، وفرح المؤمنين بذلك، وأن الدولة لأهل الجهاد فيه، ولا يضرهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة٢. هذا مع تآخيها بما قبلها في المطلع، فإن كلا منهما افتتح بـ ﴿الم﴾ غير معقب بذكر القرآن، وهو خلاف القاعدة الخاصة في المفتتح٣ بالحروف المقطعة؛ فإنها كلها عقبت بذكر الكتاب أو وصفه، إلا هاتين السورتين وسورة القلم؛ لنكتة بينتها في "أسرار التنزيل"٤.

стр. 121

سورة لقمان: أقول: ظهر لى في اتصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح بـ ﴿الم﴾ : أن قوله تعالى هنا: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ "٣، ٤" متعلق بقوله في آخر سورة الروم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ "الروم: ٥٦" الآية، فهذا عين إيقانهم بالآخرة، وهم المحسنون الموقنون بما ذكر١. وأيضًا ففي كلتا السورتين جملة من الآيات٢ وبدء الخلق٣. وذكر في الروم: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ "الروم: ١٥"، وقد فسر بالسماع٤، وفي لقمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ "٦" وقد فُسر بالغناء وآلات الملاهي٥.

стр. 122

سورة السجدة: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة١ التي ذكرت في خاتمة لقمان. فقوله هنا: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ "٥"، شرح لقوله هناك: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ "لقمان: ٣٤"؛ ولذلك عقب هنا بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ "٦". وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ "٢٧"، شرح قوله٢: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ "لقمان: ٣٤". وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ "٧" الآيات، شرح لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] . وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ "السجدة: ٥" و ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ "السجدة: ١٣"، شرح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ "لقمان: ٣٤". وقوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ "١٠، ١١"، شرح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ "لقمان: ٣٤"، فلله الحمد على ما ألهم.

стр. 123

سورة الأحزاب: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: تشابه مطلع هذه ومقطع تلك؛ فإن تلك ختمت بأمر النبي ﷺ بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم١، [ومطلع هذه الأمر بتقوى الله، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، فصارت كالتتمة لما ختمت به تلك، حتى كأنهما سورة واحدة] ٢.

стр. 124

سورة سبأ: أقول: ظهر لى وجه اتصالها بما قبلها: وهو أن تلك لما ختمت بقوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ "الأحزاب: ٧٣" افتتحت هذه بأن له ما في السماوات وما في الأرض١، وهذا الوصف لائق بذلك الحكم؛ فإن الملك العام والقدرة التامة يقتضيان ذلك. وخاتمة سورة٢ الأحزاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ "الأحزاب: ٧٣"، وفاصلة الآية الثانية من مطلع سبأ: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ "٢".

стр. 125

سورة فاطر: أقول: مناسبة وضعها بعد سبأ تآخيهما في الافتتاح بالحمد، مع تناسبهما في المقدار. وقال بعضهم: افتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب لختام ما قبلها، من قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ "سبأ: ٥٤"، كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "الأنعام: ٤٥"، فهو نظير اتصال أول الأنعام بفصل القضاء المختتم به المائدة١.

стр. 126

سورة يس: أقول: ظهر لي وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما ذكر في سورة فاطر قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ "فاطر: ٣٧" وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ "فاطر: ٤٢"، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم١، وقد أعرضوا عنه وكذبوه، فافتتح هذه السورة بالإقسام على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم؛ لينذر قومًا ما أنذر آباؤهم، وهذا وجه بيِّن. وفي فاطر: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ "فاطر: ١٣"، وفي يس: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ "٣٨، ٣٩"، وذلك أبسط وأوضح. وفي فاطر: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ "فاطر: ١٢"، وفي يس: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ، وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ "يس: ٤١-٤٣" فزاد القصة بسطًا.

стр. 127

سورة الصفافات ... سورة الصافات: أقول: هذه السورة بعد "يس" كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد الفرقان، في تفصيل أحوال القرون المشار إلى إهلاكهم١، كما أن تينك٢ السورتين تفصيل لمثل ذلك كما تقدم.

стр. 128

سورة ص: أقول: هذه السورة بعد الصافات كطس بعد الشعراء، وكطه والأنبياء بعد مريم، وكيوسف بعد هود، في كونها متممة لها بذكر من بقي من الأنبياء، ممن لم يذكروا فيها؛ فإنه سبحانه ذكر في الصافات: نوحًا، وإبراهيم، والذبيح، وموسى، وهارون، ولوطًا، وإلياس، ويونس، وذكر هنا: داود، وسليمان، وأيوب، وأشار إلي بقية من ذكر، فهي بعدها أشبه شيء بالأنبياء وطس بعد مريم والشعراء١.

стр. 129

سورة الزمر: [أقول] ١: لا يخفى وجه اتصال أولها بآخر "ص"؛ حيث قال في "ص": ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِين﴾ "ص: ٨٧"، ثم قال هنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ "١"، فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل، وهذا تلاؤم٢ شديد؛ بحيث إنه لو أسقطت٣ البسملة لالتأمت الآيتان٤ كالآية الواحدة. وقد ذكر الله تعالى في آخر "ص" قصة خلق آدم٥، وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه [منه] ٦، وخلق الناس كلهم منه، وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقًا من بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميتون، ثم ذكر وفاة النوم والموت، ثم ذكر القيامة، والحساب، والجزاء، والنار، والجنة٧، وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "٧٥". فذكر أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد، متصلًا بخلق آدم المذكور في السورة التي قبلها.

стр. 130

سورة غافر: أقول: وجه إيلاء الحواميم السبع١ سورة الزمر: تآخي المطالع في الافتتاح بتنزيل الكتاب، وفي مصحف أُبي بن كعب أول الزمر ﴿حم﴾ ٢، وذلك مناسبة جليلة٣. ثم إن الحواميم ترتبت لاشتراكها في الافتتاح بـ ﴿جم﴾ ، وبذكر الكتاب بعد حم، وأنها مكية؛ بل ورد في الحديث أنها نزلت جملة٤ [واحدة] ٥. وفيها شبه من ترتيب ذوات ﴿الر﴾ الست٦. فانظر ثانية الحواميم وهي فصلت، كيف شابهت ثانية ذوات ﴿الر﴾ هود في تغيير الأسلوب في وصف الكتاب، وأن في هود: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ "هود: ١"، وفي فصلت: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ "فصلت: ٣"، وفي سائر ذوات ﴿الر﴾ ٧ ﴿تِلْكَ آيَاتُ

стр. 131

الْكِتَابِ﴾ ١ "الحجر: ١"، وفي سائر الحواميم: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ "غافر: ٢" أو ﴿وَالْكِتَابِ﴾ ٢ "الدخان: ٢". وروينا عن جابر بن زيد، وابن عباس في ترتيب نزول السور: أن الحواميم نزلت عقب الزمر، وأنها نزلت متتاليات كترتيبها في المصحف: المؤمن، ثم السجدة، ثم الشورى، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ولم يتخللها نزول غيرها٣، وذلك٤ مناسبة جلية واضحة في وضعها هكذا. ثم ظهر لي لطيفة أخرى؛ وهي: أنه في كل ربع من أرباع القرآن توالت سبع سور مفتتحة بالحروف المقطعة. فهذه [السور] ٥ السبع مصدرة بـ ﴿حم﴾ ، وسبع في الربع الذي قبله [متوالية و] ٦ ذوات ﴿الر﴾ ٧ الست متوالية، و ﴿المص﴾ الأعراف؛ فإنها متصلة بيونس على ما تقدمت الإشارة إليه، وافتتح أول القرآن بسورتين من ذلك، وأول النصف الثاني بسورتين٨. وقال الكرماني في "العجائب"٩: ترتيب الحواميم السبع لما بينها

стр. 132

من المشاكل الذي خصت به؛ وهو: أن كل سورة منها استفتحت بالكتاب أو وصفه، مع تفاوت المقادير في الطول والقصر، وتشاكل الكلام في النظام. انتهى. قلت: وانظر إلى مناسبة ترتيبها؛ فإن مطلع غافر مناسب لمطلع الزمر، ومطلع فصلت التي هي ثانية الحواميم مناسب لمطلع هود التي هي ثانية ذوات ﴿الر﴾ ١، ومطلع الزخرف مؤاخٍ لمطلع الدخان، وكذا مطلع الجاثية لمطلع الأحقاف٢.

стр. 133

سورة القتال: [أقول:] ٣ لا يخفى وجه ارتباط أولها بقوله في آخر الأحقاف: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ "الأحقاف: ٣٥"، واتصاله وتلاحمه وبحيث إنه لو أسقطت البسملة منه لكان متصلًا اتصالًا واحدًا لا تنافر فيه كالآية الواحدة، آخذًا بعضه بعنق بعض٤.

стр. 134

سورة الفتح: [أقول:] ١ لا يخفى وجه حُسن وضعها هنا؛ لأن الفتح بمعنى النصر، مرتَّب على القتال، وقد ورد في الحديث: أنها [نزلت] ١ مبينة لما يفعل به وبالمؤمنين، بعد إبهامه في قوله تعالى في الأحقاف: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٢ "الأحقاف: ٩"، فكانت متصلة بسورة الأحقاف من هذه الجملة٣.

стр. 135

سورة الحجرات: [أقول:] ١ لا يخفى تآخي هاتين السورتين [الفتح والحجرات] مع ما قبلهما؛ لكونهما مدنيتين، ومشتملتين على أحكام، فتلك فيها قتال الكفار، وهذه فيها قتال البغاة٢، وتلك خُتمت بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا٣، وتلك تضمنت تشريفًا له ﷺ خصوصًا مطلعها، وهذه أيضًا في مطلعها أنواع من التشريف له صلى الله عليه وسلم٤.

стр. 136

سورة الذاريات: أقول: لما ختمت "ق" بذكر البعث، واشتملت على ذكر الجزاء، والجنة، والنار، وغير ذلك من أحوال القيامة، افتتح هذه السورة بالإقسام على أن ما توعدون من ذلك لصادق١، وأن الدين -وهو الجزاء- لواقع. ونظير ذلك: افتتاح المرسلات بذلك، بعد ذكر الوعد والوعيد والجزاء في سورة الإنسان٢.

стр. 137

سورة الطور: أقول: وجه وضعها بعد الذاريات: تشابههما في المطلع والمقطع؛ فإن في مطلع كل منهما صفة حال المتقين بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ "الذاريات: ١٥، الطور: ١٧" الآيات، وفي مقطع كل منهما صفة حال الكفار، بقوله في تلك: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "الذرايات:٦٠"، وفي هذه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "٤٢"١.

стр. 138

سورة النجم: أقول: وجه وضعها بعد الطور: أنها شديدة المناسبة لها؛ فإن الطور خُتمت بقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ "الطور: ٤٩"، وافتتحت هذه بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ "١". ووجه آخر: [وهو] ٢ أن الطور ذكر فيها ذرية المؤمنين، وأنهم تبع لآبائهم٣، وهذه فيها ذكر ذرية اليهود٤ في قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ "٣٢" الآية، فقد أخرج ابن أبي حاتم، وبن المنذر، والواحدي بأسانيدهم عن ثابت بن الحارث الأنصاري، قال: كانت اليهود تقول: إذا هلك صبي صغير هو: صديق، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: $"كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد"، وأنزل الله عند ذلك ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية] ٥. ولما قال هناك في المؤمنين: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ "الطور: ٢١" أي: ما نقصنا الآباء بما أعطينا البنين، مع نفعهم بما عمل آباؤهم، قال هنا في صفة الكفار أو بني الكفار: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ "٣٩" خلاف ما ذكر في المؤمنين الصغار. وهذا وجه بيِّن بديع في المناسبة، من وادي التضاد.

стр. 139

سورة القمر ١: أقول: لا يخفى ما في توالي هاتين السورتين من حُسْن التناسق [والتناسب] ٢ في التسمية؛ لما بين النجم والقمر من الملابسة، ونظيره توالي الشمس والليل والضحى، وقبلها سورة الفجر٣. ووجه آخر وهو: أن هذه السورة بعد النجم كالأعراف بعد الأنعام [وكالشعراء بعد الفرقان] ٤، وكالصافات بعد يس، في أنها تفصيل لأحوال الأمم المشار إلى إهلاكهم في قوله هناك: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ "النجم: ٥٠-٥٣"٥.

стр. 140

سورة الرحمن: أقول: لما قال في آخر القمر: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ "القمر: ٤٦"، ثم وصف حال المجرمين في سقر، وحال المتقين في جنات ونهر، فصَّل هذا الإجمال في هذه السورة أتم تفصيل، على الترتيب الوارد في الإجمال. فبدأ بوصف مرارة الساعة، والإشارة إلى إذهابها١، ثم وصف النار وأهلها٢، والجنة وأهلها٣؛ ولذا قال [ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ ٤١، فلم يقل: "الكافرون" أو نحوه؛ لاتصاله بقوله هناك: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ "القمر: ٤٧"، ثم وصف الجنة وأهلها، وكذا قال] ٤ فيهم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "٤٦"، وذلك هو عين التقوى٥، ولم يقل: [و] ٦ لمن آمن وأطاع، أو نحوه؛ لتتوافق الألفاظ في التفصيل والمفصل. وعرف بذلك أن هذه السورة بأسرها شرح لآخر السورة التي قبلها، فلله الحمد على ما ألهم وفهَّم٧.

стр. 141

سورة الواقعة: أقول: هذه السورة متآخية مع سورة الرحمن في أن كلًّا منهما في وصف القيامة، والجنة والنار، وانظر إلى اتصال قوله هنا: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ١ بقوله هناك: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ "الرحمن: ٣٧"؛ ولهذا اقتصر في الرحمن على ذكر انشقاق السماء، وفي الواقعة على ذكر رجّ الأرض١، فكأن السورتين لتلازمهما واتحادهما سورة واحدة. ولهذا عكس في الترتيب، فذكر في أول هذه السورة ما ذكره في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك، كما أشرت إليه في سورة آل عمران مع سورة البقرة. فافتتح [في سورة] ٢ الرحمن بذكر القرآن، ثم ذكر الشمس والقمر، ثم ذكر النبات، ثم خلق الإنسان، والجان من مارج من نار٣، ثم صفة [يوم] ٤ القيامة، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة. وابتدأ هذه بذكر القيامة ثم صفة الجنة، ثم صفة النار، ثم خلق الإنسان، ثم النبات، ثم الماء، ثم النار، ثم [ذكر] ٥ النجوم، ولم يذكرها في الرحمن، كما لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم ذكر القرآن. فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك، وكردِّ العَجُز على الصَّدْر.

стр. 142

سورة الحديد: قال بعضهم: وجه اتصالها بالواقعة: أنها بدأت١ بذكر التسبيح، وتلك خُتمت بالأمر به٢. قلت: وتمامه: أن أول الحديد واقع موقع العلة للأمر به، وكأنه قيل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ "الواقعة: ٩٦"؛ لأنه ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ "١".

стр. 143

سورة المجادَلة: أقول: لما كان في مطلع الحديد ذكر صفاته الجليلة؛ ومنها: الظاهر والباطن، وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ "الحديد: "٤" افتتح هذه بذكر أنه سمع قول المجادِلة التي شكت إليه ﷺ ؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ حين نزلت: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي ناحية البيت لا أعرف ما تقول"١. وذكر بعد ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "٧"، وهو تفصيل لإجمال قوله٢: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ٣﴾ "الحديد: ٤". وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين الحديد والحشر، مع تآخيهما في الافتتاح بـ ﴿سَبَّحَ﴾ ٤.

стр. 144

سورة الحشر: [أقول:] ١ آخر سورة المجادلة نزل فيمن قتل أقرباؤه من الصحابة يوم بدر٢، وأول الحشر نازل٣ في غزوة بني النضير٤، وهي عقبها، وذلك نوع من المناسبة والربط٥. وفي آخر تلك: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ "المجادلة: ٢١"، وفي أول هذه: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ "٢". وفي آخر تلك ذكر من حاد الله ورسوله٦، وفي أول هذه ذكر من شاق الله ورسوله٧.

стр. 145

سورة الممتحنة والصف ... سورة الممتحنة: أقول: لما كانت سورة الحشر في المعاهَدين من أهل الكتاب عقبت بهذه؛ لاشتمالها على ذكر المعاهَدين من المشركين؛ لأنها نزلت في صلح الحديبية١. ولما ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضًا ثم موالاة الذين [نافقوا الكفار] ٢ من أهل الكتاب، افتتح هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء؛ لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر ذلك وبسطه إلى أن ختم به، فكانت في غاية الاتصال؛ ولذلك فصل بها بين الحشر والصف، مع تآخيهما في الافتتاح بـ ﴿سَبَّحَ﴾ ٣. سورة الصف: أقول: في سورة الممتحنة ذكر الجهاد في سبيل الله، وبسطه في هذه السورة أبلغ بسط٤.
следующие страницы →