← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9992

تناسق الدرر في تناسب السور = أسرار ترتيب القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (199 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سورة الواقعة: أقول: هذه السورة متآخية مع سورة الرحمن في أن كلًّا منهما في وصف القيامة، والجنة والنار، وانظر إلى اتصال قوله هنا: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ١ بقوله هناك: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ "الرحمن: ٣٧"؛ ولهذا اقتصر في الرحمن على ذكر انشقاق السماء، وفي الواقعة على ذكر رجّ الأرض١، فكأن السورتين لتلازمهما واتحادهما سورة واحدة. ولهذا عكس في الترتيب، فذكر في أول هذه السورة ما ذكره في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك، كما أشرت إليه في سورة آل عمران مع سورة البقرة. فافتتح [في سورة] ٢ الرحمن بذكر القرآن، ثم ذكر الشمس والقمر، ثم ذكر النبات، ثم خلق الإنسان، والجان من مارج من نار٣، ثم صفة [يوم] ٤ القيامة، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة. وابتدأ هذه بذكر القيامة ثم صفة الجنة، ثم صفة النار، ثم خلق الإنسان، ثم النبات، ثم الماء، ثم النار، ثم [ذكر] ٥ النجوم، ولم يذكرها في الرحمن، كما لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم ذكر القرآن. فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك، وكردِّ العَجُز على الصَّدْر.

стр. 142

سورة الحديد: قال بعضهم: وجه اتصالها بالواقعة: أنها بدأت١ بذكر التسبيح، وتلك خُتمت بالأمر به٢. قلت: وتمامه: أن أول الحديد واقع موقع العلة للأمر به، وكأنه قيل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ "الواقعة: ٩٦"؛ لأنه ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ "١".

стр. 143

سورة المجادَلة: أقول: لما كان في مطلع الحديد ذكر صفاته الجليلة؛ ومنها: الظاهر والباطن، وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ "الحديد: "٤" افتتح هذه بذكر أنه سمع قول المجادِلة التي شكت إليه ﷺ ؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ حين نزلت: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي ناحية البيت لا أعرف ما تقول"١. وذكر بعد ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "٧"، وهو تفصيل لإجمال قوله٢: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ٣﴾ "الحديد: ٤". وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين الحديد والحشر، مع تآخيهما في الافتتاح بـ ﴿سَبَّحَ﴾ ٤.

стр. 144

سورة الحشر: [أقول:] ١ آخر سورة المجادلة نزل فيمن قتل أقرباؤه من الصحابة يوم بدر٢، وأول الحشر نازل٣ في غزوة بني النضير٤، وهي عقبها، وذلك نوع من المناسبة والربط٥. وفي آخر تلك: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ "المجادلة: ٢١"، وفي أول هذه: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ "٢". وفي آخر تلك ذكر من حاد الله ورسوله٦، وفي أول هذه ذكر من شاق الله ورسوله٧.

стр. 145

سورة الممتحنة والصف ... سورة الممتحنة: أقول: لما كانت سورة الحشر في المعاهَدين من أهل الكتاب عقبت بهذه؛ لاشتمالها على ذكر المعاهَدين من المشركين؛ لأنها نزلت في صلح الحديبية١. ولما ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضًا ثم موالاة الذين [نافقوا الكفار] ٢ من أهل الكتاب، افتتح هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء؛ لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر ذلك وبسطه إلى أن ختم به، فكانت في غاية الاتصال؛ ولذلك فصل بها بين الحشر والصف، مع تآخيهما في الافتتاح بـ ﴿سَبَّحَ﴾ ٣. سورة الصف: أقول: في سورة الممتحنة ذكر الجهاد في سبيل الله، وبسطه في هذه السورة أبلغ بسط٤.

стр. 146

سورة الجمعة: أقول: ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما ذكر في سورة الصف حال موسى مع قومه، وأذاهم له، ناعيًا عليهم ذلك١، وذكر في هذه السورة حال الرسول ﷺ وفضل أمته؛ تشريفًا لهم؛ ليظهر فضل ما بين الأمتين؛ ولذا لم يعرض فيها لذكر اليهود. وأيضًا لما ذكر٢ هناك قول عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ "الصف: ٦"، قال هنا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ "٢" إشارة إلى أنه الذي بشر به عيسى، وهذا وجه حسن في الربط. وأيضًا لما ختم تلك السورة بالأمر بالجهاد وسماه تجارة، ختم هذه بالأمر بالجمعة، وأخبر أنها خير من التجارة الدنيوية. وأيضًا فتلك سورة الصف، والصفوف تشرع في موضعين: القتال، والصلاة، فناسب تعقيب سورة صف القتال بسورة صلاة تستلزم الصف ضرورة، وهي الجمعة؛ لأن الجماعة شرط فيها دون سائر الصلوات. فهذه وجوه أربعة فتح الله بها.

стр. 147

سورة المنافقون: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ذكر فيها أضدادهم، وهم المنافقون؛ ولهذا أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة يحرض بها المؤمنين، وبسورة المنافقين يفزع بها المنافقين١. وتمام المناسبة: أن السورة التي بعدها فيها ذكر المشركين، والسورة التي قبل الجمعة فيها ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى٢، والتي قبلها وهي الممتحنة فيها ذكر المعاهَدين من المشركين٣، والتي قبلها وهي الحشر فيها المعاهدين من أهل الكتاب٤؛ فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد وقوتلوا. وبذلك اتضحت المناسبة في ترتيب هذه السور الست هكذا؛ لاشتمالها على أصناف الأمم، وفي الفصل بين المسبحات بغيرها٥؛ لأن إيلاء سورة المعاهدين من أهل الكتاب بسورة المعاهدين من المشركين أنسب من ترك ذلك٦، وإيلاء سورة المؤمنين بسورة المنافقين أنسب من غيره. فظهر بذلك أن الفصل بين المسبحات التي هي نظائر لحكمة دقيقة من لدن حكيم خبير، فلله الحمد على ما فهم وألهم. هذا وقد ورد عن ابن عباس في ترتيب النزول: أن سورة التغابن نزلت عقب الجمعة٧، وتقدم نزول سورة "المنافقون" فما فصل بينهما إلا لحكمة، والله أعلم.

стр. 148

سورة التغابن: أقول: لما وقع في آخر سورة المنافقون: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ "المنافقون: ١٠" الآية، عقب بسورة التغابن؛ لأنه قيل في معناه: إن الإنسان يأتي يوم القيامة، وقد جمع مالًا، ولم يعمل فيه خيرًا، فأخذه وارثه بسهولة، من غير مشقة في جمعه، فأنفقه في وجوه الخير، فالجامع محاسَب معذَّب مع تعبه في جمعه، والوارث منعَّم مثاب، مع سهولة وصوله إليه، وذلك هو التغابن١. فارتباطه بآخر السورة المذكورة في غاية الوضوح؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ "١٦". وأيضًا ففي آخر تلك: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ "المنافقون: ٩"، وفي هذه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ "١٥"، وهذه الجملة كالتعليل لتلك الجملة؛ ولذا ذكرت على ترتيبها٢. وقال بعضهم: لما كانت سورة المنافقون رأس ثلاث وستين سورة، أشير فيها إلى وفاة النبي ﷺ بقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ "المنافقون: ١١"، وأنه٣ مات على رأس ثلاث وستين سنة، وعقبها بالتغابن؛ ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم٤.

стр. 149

سورة الطلاق والتحريم ... سورة الطلاق: أقول: لما وقع في [آخر] ١ سورة التغابن: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ "التغابن: ١٤"، وكانت عداوة الأزواج تفضي إلى الطلاق، وعداوة الأولاد قد تفضي إلى القسوة، وترك الإنفاق عليهم، فعقبت٢ ذلك بسورة فيها ذكر أحكام الطلاق، والإنفاق على الأولاد والمطلقات بسببهم. سورة التحريم: أقول: هذه السورة متآخية مع التي قبلها في الافتتاح٣ بخطاب النبي ﷺ وتلك مشتملة على طلاق النساء، وهذه على تحريم الإيلاء، وبينهما من المناسبة ما لا يخفى. ولما كانت تلك في خصام نساء الأمة، ذكر في هذه خصومة نساء النبي ﷺ إعظامًا لمنصبهن أن يذكرن مع سائر النسوة، فأفردن بسورة خاصة؛ ولهذا ختمت بذكر امرأتين في الجنة: آسية امرأة فرعون، ومريم بنة عمران٤.

стр. 150

سورة تبارك: أقول: ظهر لي بعد الْجُهْد: أنه لما ذكر آخر التحريم امرأتي نوح ولوط الكافرتين، وامرأة فرعون المؤمنة، افتتحت هذه السورة بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ "٢" مرادًا بهما الكفر والإيمان في أحد الأقوال١؛ للإشارة إلى أن الجميع بخلقه وقدرته؛ ولهذا كفرت امرأتا نوح ولوط، ولم ينفعهما اتصالهما بهذين النبيين الكريمين، وآمنت امرأة فرعون، ولم يضرها اتصالها بهذا الجبار العنيد، لما سبق في كل من القضاء والقدر. [ثم ظهر لي] ٢ وجه آخر: وهو أن [أول] ٣ "تبارك" متصل بقوله في آخر الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ "الطلاق: ١٢"، فزاد ذلك بسطًا في هذه الآية: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ "٣-٥"، وإنما فصلت بسورة التحريم؛ لأنها كالتتمة لسورة الطلاق٤.

стр. 151

سورة ن والحاقة ... سورة ن: أقول: لما ذكر سبحانه في آخر [سورة] ١ تبارك التهديد بتغوير الماء٢، استظهر عليه في هذه السورة بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليه٣ وهم نائمون، فأصبحوا لم يجدوا له أثرًا، حتى ظنوا أنهم ضلوا الطريق٤، وإذا كان هذا في الثمار وهي أجرام كثيفة، فالماء الذي هو لطيف رقيق أقرب إلى الإذهاب؛ ولهذا قال: ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ "١٩، ٢٠"، وقال هناك: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ "الملك: ٣٠" إشارة إلى أنه يسري عليه في ليلة كما أسري٥ على الثمرة في ليلة. سورة الحاقة: أقول: لما وقع في "ن" ذكر يوم القيامة مجملًا في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ "القلم: ٤٢" الآية، شرح ذلك في هذه السورة نبأ٦ هذا اليوم، وشأنه العظيم٧.

стр. 152

سورة سأل ونوح ... سورة سأل: أقول: هذه السورة كالتتمة لسورة الحاقة في بقية وصف يوم القيامة والنار١. و [قد] ٢ قال ابن عباس: إنها نزلت عقب سورة الحاقة٣، وذلك أيضًا من وجوه المناسبة في الوضع. سورة نوح: أقول: أكثر ما ظهر [لي] ٤ في وجه اتصالها بما قبلها بعد طول الفكر: أنه سبحانه لما قال في "سأل": ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ "المعارج: ٤٠، ٤١" عقبه بقصة قوم نوح، المشتملة على إغراقهم٥ عن آخرهم؛ بحيث لم يبقَ منهم ديار٦ وبدل خيرًا منهم [فوقعت موقع الاستدلال والاستظهار لتلك الدعوى، كما وقعت قصة أصحاب الجنة في سورة "ن" موقع الاستدلال والاستظهار] ٧ لما ختم به تبارك. هذا مع تآخي مطلع السورتين في ذكر العذاب الموعد به الكافرين٨.

стр. 153

سورة الجن والمزمل ... سورة الجن: أقول: قد فكرت مدة في وجه اتصالها بما قبلها، فلم يظهر لي سوى أنه [سبحانه] ١ قال في سورة نوح: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ "نوح: ١٠، ١١"، وقال في هذه السورة [لكفار مكة] ٢: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ "١٦"، وهذا وجه بيِّن في الارتباط٣. سورة المزمل: أقول: لا يخفى وجه اتصال أولها: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ "٢" بقوله في آخر تلك: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ "الجن: ١٩"، وبقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ "الجن: ١٨"٤.

стр. 154

سورة المدثر والقيامة ... سورة المدثر: أقول: هده متآخية مع السورة التي قبلها في الافتتاح بخطاب النبي ﷺ وصدر كليهما نازل في قصة واحدة. وقد ذكر عن ابن عباس في ترتيب نزول السور: أن المدثر نزلت عقب المزمل [كذا] ١ أخرجه ابن الضريس، وأخرجه غيره عن جابر بن زيد٢. سورة القيامة: أقول: لما قال سبحانه في آخر المدثر: ﴿كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ "المدثر: ٥٣" بعد ذكر الجنة والنار، وكان عدم خوفهم إياها لإنكارهم البعث، ذكر في هذه السورة الدليل على البعث [من أوجه] ٣، ووصف يوم القيامة، وأهواله، وأحواله، ثم ذكر من قبل ذلك [من خروج الروح من البدن ثم ما قبل ذلك] ٤ من مبدأ الخلق، فذكرت الأحوال [الثلاثة] ٥ في هذه السورة على عكس ما هي في الواقع.

стр. 155

سورة الإنسان: أقول: وجه اتصالها بسورة القيامة في غاية الوضوح؛ فإنه تعالى ذكر في آخر تلك مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم ذكر مثل ذلك في مطلع هذه السورة، مفتتحًا بخلق آدم أبي البشر. ولما ذكر هناك خلقه [من نطفة] ١ منهما، قال هنا: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ "القيامة: ٣٩"، ولما ذكر هناك خلقه منهما، قال هنا: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ "٢"، فعلق به غير ما علق بالأول، ثم رتب عليه هداية السبيل، وتقسيمه إلى شاكر وكفور، ثم أخذ في جزاء كل. ووجه آخر هو: أنه لما وصف حال يوم القيامة في تلك السورة، ولم يصف فيها حال النار والجنة؛ بل ذكرهما على سبيل الإجمال، فصلهما في هذه السورة، وأطنب في وصف الجنة٢، وذلك كله شرح لقوله تعالى هناك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ "القيامة: ٢٢"، وقوله هنا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ "١٤"، شرح لقوله هناك: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ "القيامة: ٢٥". وقد ذكر هناك: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ "القيامة: ٢٠، ٢١"، وذكر هنا في هذه السورة: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ "٢٧"، وهذا من وجوه المناسبة٣.

стр. 156

سورة المراسلات ... سورة المرسلات: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما أخبر في خاتمتها أنه ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ "الإنسان: ٣١"، افتتح هذه بالقسم على أن ما يوعدون واقع، فكان ذلك تحقيقًا لما وعد به هناك المؤمنين، وأوعد الظالمين. ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ "٨" إلى آخره. ويحتمل أن تكون الإشارة بما توعدون١ إلى جميع ما تضمنته السورة من وعيد للكافرين، ووعد للأبرار٢.

стр. 157

سورة عم: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: تناسبها معها في الجمل؛ ففي المرسلات١: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ "المرسلات: ١٦، ١٧"، ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ "المرسلات: ٢٠"، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ "المرسلات: ٢٥" إلى آخره، وفي عم: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ "٦" إلى آخره، فذلك نظير تناسب جمل: ألم نشرح، والضحى، بقوله في الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ "الضحى: ٦" إلى آخره، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك﴾ "الشرح: ١" مع اشتراك هده السورة والأربع قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار، ما عدا المدثر في الاشتمال على وصف يوم القيامة وأهواله، وعلى ذكر بدء الخلق، وإقامة الدليل على البعث. وأيضًا في سورة المرسلات: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ "المرسلات: ١٢-١٤"، وفي هذه السورة: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ "١٧، ١٨" إلى آخره، فكأن هذه السورة شرح يوم الفصل المجمل ذكره في السورة التي قبلها٢.

стр. 158

سورة النازعات وعبس والتكوير ... [سورة النازعات: ورد عن ابن عباس ﵄: أنها عقب سورة عم، وأولها يشبه أن يكون قسمًا لتحقيق ما في آخر عم، أو ما تضمنته كلها على حد ما تقدم في ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ مع ﴿هَلْ أَتَى﴾ ، ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ مع ﴿ق﴾ ] ١. سورة عبس: أقول: وجه وضعها عقب النازعات مع تآخيهما في المقطع؛ لقوله هناك: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ "النازعات: ٣٤"، وقوله هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ "٣٣"، وهما من أسماء يوم القيامة٢. سورة التكوير: أقول: لما ذكر في [آخر] ٣ عبس: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ "عبس: ٣٣، ٣٤" الآيات، ذكر يوم القيامة كأنه رأي عين [شرح حاله في هذه السورة والتي بعدها؛ ولهذا ورد] ٤ في لحديث: "من سره أن ينظر يوم القيامة كأنه رأي عين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ "١" و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ "الانفطار: ١" و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ١ "الانشقاق: ٥ ".

стр. 159

سورة الانفطار والمطففين ... سورة الانفطار: أقول: قد عرف مما ذكرت وجه وضعها هنا، مع زيادة تآخيهما في المقطع١. سورة المطففين: أقول: الفصل بهذه السورة بين الانفطار والانشقاق التي هي نظيرتها من خمسة أوجه: الافتتاح بـ ﴿إِذَا السَّمَاءُ﴾ "الانفطار، الانشقاق"، والتخلص بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَان﴾ "الانفطار، الانشقاق: ٦"، وشرح حال يوم القيامة؛ ولهذا ضمت بالحديث السابق، والتناسب في المقدار، وكونها مكية. وهذه السورة مدنية [وأطول منهما] ٢، ومفتتحها ومخلَصها غير ما لهما٣ لنكتة [لطيفة] ٤ ألهمنيها الله، وذلك أن السور الأربع لما كانت في صفة حال يوم القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه. فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار، يقع٥ في

стр. 160

صدر يوم القيامة، ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل، ومقاساة العرق والأهوال، فذكره في هذه السورة بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "٦"؛ ولهذا ورد في الحديث: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" ١. ثم بعد ذلك تحصل الشفاعة العظمى، فتنشر الكتب، فأَخْذٌ باليمين، وأَخْذٌ بالشمال، وأخذ من وراء الظهر، ثم بعد ذلك يقع الحساب. هكذا وردت بهذا الترتيب الأحاديث، فناسب تأخير سورة الانشقاق التي فيها إتيان الكتب والحساب٢، عن السورة التي قبلها، والتي فيها ذكر الموقف عن التي فيها مبادئ يوم القيامة. ووجه آخر وهو: أنه ﷻ لما قال في الانفطار: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ "الانفطار: ١٠، ١١"، وذلك في الدنيا، ذكر في هذه السورة حال ما يكتبه الحافظان، وهو: كتاب مرقوم جعل٣ في عليين، أو في سجين، وذلك أيضًا في الدنيا؛ لكنه عقَّب بالكتابة، إما في يومه، أو بعد الموت في البرزخ كما في الآثار، فهذه حالة ثانية للكتاب٤ ذكرت في السورة الثانية. وله حالة ثالثة متأخرة عنها٥؛ وهي أخذ صاحبه باليمين أو غيرها، وذلك يوم القيامة، فناسب تأخير السورة التي فيها ذلك، عن

стр. 161

السورة التي فيها الحالة الثانية، وهي الانشقاق، فلله الحمد على ما مَنَّ بالفهم لأسرار كتابه١. ثم رأيت الإمام فخر الدين قال في سورة المطففين أيضًا: اتصال أولها بآخر ما قبلها ظاهر؛ لأنه تعالى بيَّن هناك أن يوم القيامة من صفته [أنه] ٢ ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ "الانفطار: ١٩" وذلك يقتضي تهديدًا عظيمًا للعصاة؛ فلهذا أتبعه بقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ "١١" الآيات٣.

стр. 162

سورة الانشقاق والبروج والطارق ... سورة الانشقاق: قد استوفى الكلام فيها في سورة المطففين. سورة البروج والطارق: أقول: هما متآخيتان فقرنتا، وقدمت الأولى لطولها، وذكرا بعد الانشقاق للمؤاخاة في الافتتاح بذكر السماء؛ ولهذا ورد في الحديث ذكر السماوات مرادًا بها السور الأربع١، كما قيل: المسبحات.

стр. 163

سورة الأعلى والغاشية ... سورة الأعلى: أقول: في سورة الطارق ذكر خلق [النبات] والإنسان في قوله: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ ١ "الطارق: ١٢"، [وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِق﴾ إلى ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ "الطارق: ٥-٨"، وذكره في هذه السورة في قوله: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ "٢"، وقوله في النبات: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ "٤، ٥"، وقصة النبات في هذه السورة أبسط، كما أن قصة الإنسان هناك أبسط، نعم، ما في هذه السورة أعم من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات. سورة الغاشية: أقول: لما أشار سبحانه في سورة الأعلى بقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ "الأعلى: ١٠-١٧" إلى المؤمن والكافر، والنار والجنة إجمالًا، فصل ذلك في هذه السورة، فبسط صفة النار والجنة مستندة إلى أهل كل منهما، على نمط ما هنالك؛ ولذا قال [هنا] : ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ "٣" في مقابل: ﴿الْأَشْقَى﴾ "الأعلى: ١١" [هناك] ، وقال [هنا] : ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَة﴾ "٤" إلى ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوع﴾ "٧" في مقابلة ﴿يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ "الأعلى: ١٢" [هناك] ، ولما قال [هناك] في الآخرة: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ "الأعلى: ١٧" بسط [هنا] صفة أكثر من صفة النار؛ تحقيقًا لمعنى الخيرية.

стр. 164

سورة الفجر والبلد ... سورة الفجر: أقول: لم يظهر لي في١ وجه ارتباطها سوى أن أولها كالإقسام على صحة ما ختم به السورة التي قبلها، من قوله ﷻ : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ "الغاشية: ٢٥، ٢٦"، وعلى ما تضمنه من الوعد والوعيد، كما أن أول الذاريات قسم على تحقيق ما في "ق"، وأول المرسلات قسم على تحقيق ما في [ ﴿هَلْ أَتَى﴾ وأول ﴿وَالنَّازِعَات﴾ قسم على تحقيق ما في] ٢ "عم". هذا مع أن جملة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ "٦" هنا، مشابهة لجملة ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ﴾ "الغاشية: ١٧" هناك٣. سورة البلد: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما ذم فيها من أحب المال، وأكل٤ التراث، ولم يحض على طعام المسكين، ذكر في هذه السورة الخصال التي تطلب من صاحب المال، من فك الرقبة، والإطعام في يوم ذي مسغبة٥.

стр. 165

سورة الشمس والليل والضحى: أقول: هذه الثلاثة حسنة التناسق جدًّا؛ لما في مطالعها من المناسبة؛ لما بين الشمس والليل٣ والضحى من الملابسة، ومنها سورة الفجر؛ لكن فصلت بسورة البلد لنكتة أهم، كما فصل بين الانفطار والانشقاق، وبين المسبحات؛ لأن مراعاة التناسب بالأسماء والفواتح وترتيب النزول، إنما يكون حيث لا يعارضها ما هو أقوى وآكد في المناسبة. ثم إن سورة الشمس ظاهرة الاتصال بسورة البلد، فإنه سبحانه لما ختمها بذكر أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، أراد الفريقين في سورة الشمس على سبيل الفَذْلَكَة٤، فقوله: [في الشمس] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ "٩" هم أصحاب الميمنة في سورة البلد، وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ "١٠" [في الشمس] ، هم أصحاب المشأمة في سورة

стр. 166

البلد، فكانت هذه السورة فَذْلَكَة تفصيل تلك السورة؛ ولهذا قال الإمام: المقصود من هذه السورة: الترغيب في الطاعات، والتحذير من المعاصي. ونزيد في سورة الليل: أنها تفصيل إجمال سورة الشمس، فقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ "الليل: ٥" وما بعدها، تفصيل ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ "الشمس: ٩"، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ "الليل: ٨" الآيات، تفصيل قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ "الشمس: ١٠". ونزيد في سورة الضحى: أنها متصلة بسورة الليل من وجهين، فإن فيها: ﴿وإن لنا للآخرة والأولى﴾ "الليل: ١٣"، وفي الضحى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ "٤"، وفي الليل: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ "الليل: ٢١"، وفي الضحى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ "٥". ولما كانت سورة الضحى نازلة في شأنه ﷺ افتتحت بالضحى، الذي هو نور، ولما كانت سورة الليل [نازلة في بخيل في قصة طويلة، افتتحت بالليل الذي هو ظلمة. قال الإمام: سورة الليل] ١ سورة أبي بكر، يعني: ما عدا قصة البخيل٢، وكانت سورة الضحى سورة محمد، عقب بها، ولم يجعل بينهما واسطة ليعلم ألا واسطة بين محمد وأبي بكر.

стр. 167

سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ : أقول: هي شديدة الاتصال بسورة الضحى؛ لتناسبهما في الجمل؛ ولهذا ذهب بعض السلف إلى أنهما سورة واحدة بلا بسملة بينهما١. قال الإمام: والذي دعاهم إلى ذلك هو: أن قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ كالعطف على ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ "الضحى: ٦" [في الضحى] ٢. قلت: وفي حديث الإسراء أن الله تعالى قال: "يا محمد، ألم أجدك يتيمًا فأويت، وضالًّا فهديت، وعائلًا فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت" الحديث، أخرجه ابن أبي حاتم٣، وفي هذا أَوْفَى دليل على اتصال السورتين معنى.

стр. 168

سورة التين: أقول: لما تقدم في سورة الشمس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ "الشمس: ٧" فصل في هذه السورة بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ "٤، ٥" إلى آخره. وأخرت هذه السورة لتقدم ما هو أنسب بالتقديم من السور الثلاث١ واتصالها بسورة البلد لقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ "٣"، وأخرت لتقدم ما هو أولى بالمناسبة مع سورة الفجر٢. لطيفة: نقل الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري٣ في "لطائف المنن" عن الشيخ أبي العباس المرسي٤ قال: قرأت مرة: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ إلى أن انتهيت إلى قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ "٤، ٥" ففكرت في معنى هذه الآية، فألهمني الله أن معناها٥: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم رُوحًا وعقلًا، ثم رددناه أسفل سافلين نفسًا وهوًى٦. قلت: فظهر من هذه المناسبة وضعها بعد ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ، فإن تلك أخبر فيها عن شرح صدر النبي ﷺ وذلك يستدعي كمال عقله ورُوحِه، فكلاهما في القلب الذي محله الصدر، وعن

стр. 169

تبرئته١ من الوِزْر الذي ينشأ عن٢ النفس والهوى، وهو معصوم منهما، وعن رفع الذكر؛ حيث نزه مقامه عن كل وصم٣. فلما كانت هذه السورة في هذا العلَم الفرد من الإنسان، أعقبها بسورة مشتملة على بقية الأناسي، وذكر ما خامرهم من٤ متابعة النفس والهوى.

стр. 170

سورة العلق والقدر ... سورة العلق: أقول: لما تقدم في سورة التين بيان خلق الإنسان في أحسن تقويم، بيَّن هنا أنه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ "٢" وذلك ظاهر الاتصال، فالأول بيان العلة الصورية، وهذا بيان العلة المادية١. سورة القدر: قال الخطابي٢: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ على القرآن، ووضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكناية في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ "١" الإشارة إلى قوله: ﴿اقْرَأْ﴾ "العلق: ١". قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا بديع جدًّا٣.

стр. 171

سورة لم يكن: أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لما قبلها؛ كأنه لما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ "القدر: ١" قيل: لِمَ أنزل؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، وهو رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة، وذلك هو المنزَّل. وقد ثبتت الأحاديث بأنه كان في هذه السورة قرآن نُسخ رسمه وهو: "إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديًا لابتغى إليه الثاني، ولو أن له الثاني لابتغى إليه الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"١. وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها؛ حيث ذكر هناك إنزال القرآن، وهنا إنزال المال، وتكون السورتان تعليلًا٢ لما تضمنته سورة اقرأ؛ لأن [في] ٣ أولها ذكر العلم، وفي أثنائها ذكر المال، فكأنه قيل: إنا لم ننزل المال للطغيان والاستطالة والفخر؛ بل ليُستعان به على تقوانا، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة٤.

стр. 172

سورة الزلزلة: أقول: لما ذكر في آخر "لم يكن" أن جزاء الكافرين جهنم، وجزاء المؤمنين جنات، فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟ فقيل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ "١" أي: [حين] تكون١ زلزلة الأرض، إلى آخره. هكذا ظهر لي، ثم لما راجعت تفسير الإمام الرازي، ورأيته ذكر نحوه فحمدت٢ الله كثيرًا، وعبارته: ذكروا في مناسبة هذه السورة لما قبلها وجوهًا؛ منها: أنه تعالى لما قال: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ "البينة: ٨"، فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك يا رب؟ فقال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ "١". ومنها: أنه لما ذكر فيها وعيد الكافرين، ووعد المؤمنين، أراد أن يزيد في وعيد الكافرين فقال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ ونظيره: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ٣ ثم ذكر ما للطائفتين فقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ٤ إلى آخره، ثم جمع بينهما هنا في آخر السورة بذكر الذرة من٥ الخير والشر. انتهى٦.

стр. 173

سورة العاديات والقارعة ... سورة العاديات: أقول: لا يخفى ما بين قوله في الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ "الزلزلة: ٢"، وقوله في هذه السورة: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ "٩" من المناسبة والعَلاقة١. سورة القارعة: قال الإمام: لما ختم الله سبحانه السورة السابقة بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ "١١" فكأنه قيل: وما ذاك؟ فقال: هي القارعة، قال: وتقديره: ستأتيك القارعة على ما أخبرت عنه في قولي٢: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ ٣ "٩".

стр. 174

سورة التكاثر والفيل ... سورة التكاثر ١: أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لخاتمة ما قبلها؛ كأنه لما قال هناك: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ "القارعة: ٩" قيل: لِمَ ذلك؟ فقال: لأنكم ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ "١" فاشتغلتم بدنياكم [عن دينكم] ٢، وملأتم موازينكم بالحطام، فخفت موازينكم بالآثام؛ ولهذا عقَّبها بسورة والعصر، المشتملة على أن الإنسان في خسر، بيان لخسارة تجارة الدنيا، وربح٣ تجارة الآخرة؛ ولهذا عقَّبها بسورة الهمزة، المتوعَّد فيها مَن ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ "الهمزة: ٢، ٣"، فانظر إلى تلاحم هذه السور الأربع، وحسن اتساقها٤. سورة الفيل: [أقول:] ٥ ظهر لي في وجه اتصالها بعد الفكرة: أنه تعالى لما ذكر حال الهمزة اللمزة، الذي جمع مالًا وعدَّده، وتعزز بماله وتقوَّى، عقَّب ذلك بذكر قصة أصحاب الفيل، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وعتوًّا، وقد جعل كيدهم في تضليل، وأهلكهم بأصغر الطير وأضعفه، وجعلهم كعصف مأكول، ولم يغنِ عنهم مالُهم ولا عددُهم٦ ولا شوكتُهم ولا فِيلُهُمْ شيئًا. فمن كان قصارى تعززه وتقويه بالمال، وهمز٧ الناس بلسانه، أقرب إلى الهلاك، وأدنى إلى الذلة والمهانة.

стр. 175

سورة قريش والماعون ... سورة قريش: هي شديدة الاتصال بما قبلها؛ لتعلق الجار والمجرور في أولها بالفعل في آخر تلك؛ ولهذا كانتا في مصحف أبي سورة واحدة١. سورة الماعون ٢: أقول: لما ذكر [الله] ٣ تعالى في سورة قريش: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ "قريش: ٤"، ذكر هنا ذم من لم يحض على طعام المسكين. ولما قال هناك: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ "قريش: ٣" ذكر٤ هنا من سَهَا عن صلاته٥.

стр. 176

سورة الكوثر والكافرون ... سورة الكوثر: قال الإمام فخر الدين: هي كالمقابلة للتي قبلها؛ لأن السابقة وصف الله سبحانه فيها المنافقين بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، وذكر في هذه السورة في مقابلة البخل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ "١" أي: الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة ﴿فَصَلِّ﴾ "٢" أي: دُم عليها، وفي مقابلة الرياء: ﴿لِرَبِّكَ﴾ "٢" أي: لرضاه، لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون: ﴿وَانْحَرْ﴾ "٢" وأراد به: التصدق بلحوم الأضاحي، قال: فاعتبر هذه المناسبة العجيبة١. سورة الكافرون: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ "الكوثر: ٢" أمره أن يخاطب الكافرين بأنه لا يعبد إلا ربه، ولا يعبد ما يعبدون، وبالغ في ذلك فكرر، وانفصل منهم على أن لهم دينهم وله دينه.

стр. 177

سورة النصر: أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه [لما] ١ قال في آخر ما قبلها: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ "الكافرون: ٦" فكان فيه إشعار بأنه خلص له دينه، وسلم من شوائب الكدر٢ والمخالفين، فعقَّب ببيان وقت ذلك، وهو مجيء الفتح والنصر، فإن الناس حين٣ دخلوا في دين الله أفواجًا، فقد تم٤ الأمر وذهب الكفر٥، وخلص دين الإسلام ممن كان يناوئه؛ ولذلك كانت السورة إشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم٦. وقال الإمام فخر الدين: كأنه تعالى يقول: لما أمرتك في السورة المتقدمة بمجاهدة جميع الكفار، بالتبري منهم، وإبطال دينهم، جزيتك على ذلك بالنصر والفتح، وتكثير الأتباع٧. قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما أعطاه [الله] ٨ الكوثر؛ وهو: الخير الكثير، ناسب تحميله مشقاته وتكاليفه، فعقَّبها بمجاهدة الكفار، والتبري منهم، فلما امتثل ذلك أعقبه بالبشارة بالنصر والفتح، وإقبال الناس أفواجًا إلى دينه، وأشار إلى دنو أجله، فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال. توقع زوالًا إذا قيل تم٩

стр. 178

سورة تبت: قال الإمام: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ "الكافرون: ٦"، فكأنه قيل: إلهي، وما جزائي؟ فقال الله له: النصر والفتح، فقال: وما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ "١" الآيات. وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر معللًا١ بقوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ ، ويكون الوعيد راجعًا إلى قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ على حد قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ "آل عمران: ١٠٦". قال: فتأمل في هذه المجانسة الحافلة٢ بين هذه السور، مع أن سورة النصر من أواخر ما نزل بالمدينة٣، والكافرون وتبت من أوائل ما نزل بمكة٤؛ ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله، وبأمره. قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ "الكافرون: ٦" كأنه قيل: يا إلهي، ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح، فقيل: وما ثواب العاصي؟ قال: الخسارة في الدنيا، والعقاب في العقبى، كما دلت عليه سورة تبت٥.

стр. 179

سورة الإخلاص: قال بعضهم: وضعت هاهنا للوزان في اللفظ بين فواصلها ومقطع سورة تبت. وأقول: ظهر لي هنا غير الوزان في اللفظ: أن هذه السورة متصلة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في المعنى؛ ولهذا قيل: من أسمائها أيضًا الإخلاص، وقد قالوا: إنها اشتملت على التوحيد، وهذه أيضًا مشتملة عليه؛ ولهذا قرن بينهما في القراءة في الفجر، والطواف، والضحى، وسنة المغرب، وصبح المسافر، ومغرب ليلة الجمعة١. وذلك أنه لما نفى عبادة ما يعبدون، صرح هنا بلازم ذلك، وهو أن معبوده أحد٢، وأقام الدليل عليه بأنه صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ولا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، وليس في معبوداتهم ما هو كذلك. وإنما فصل بين النظيرتين بالسورتين٣ لما تقدم من الحكمة، وكأن إيلاءها سورة تبت ورد عليه بخصوصه.

стр. 180

سورة الفلق والناس: قال: أقول: هاتان السورتان نزلتا١ معًا -كما في الدلائل للبيهقي- فلذلك قُرنتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ ، وعقب بهما سورة الإخلاص؛ لأن الثلاثة سميت في الحديث بالمعوذات وبالقواقل٢. وقدمت الفلق على الناس -وإن كانت أقصر منها- لمناسبة مقطعها في الوزان لفواصل الإخلاص مع مقطع تبت٣. وهذا آخر ما مَنَّ الله به عليَّ من استخراج مناسبات ترتيب السور، وكله من مستنبطاتي، ولم أعثر فيه على شيء لغيري إلا النزر اليسير الذي صرحت بعزوي له، فلله الحمد على ما ألهم، والشكر على ما مَنَّ به وأنعم، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. ثم رأيت الإمام فخر الدين ذكر في تفسيره٤ كلامًا لطيفًا في
следующие страницы →