← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9995

تاريخ التشريع الإسلامي

مناع القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١- "تهذيب الكمال" للمزي ٢- "تهذيب التهذيب" للذهبي ٣- "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني. ٤- "تقريب التهذيب" لابن حجر كذلك. ٥- "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" للخزرجي. ٥- المصنفات في الثقات خاصة - وأشهرها: "كتاب الثقات" لمحمد بن أحمد بن حبان البستي. ٦- المصنات في الضعفاء خاصة - وأشهرها: "أ" الضعفاء الكبير للبخاري. ب- "الضعفاء الصغير للبخاري كذلك. جـ- "الضعفاء والمتروكون" للنسائي. د- "كتاب الضعفاء" لأبي جعفر محمد بن عمرو العقيلي. هـ- "معرفة المجروحين من المحدثين" لأبي حاتم محمد بن أحمد بن حبان البستي. و "الكامل في ضعفاء الرجال" لأبي أحمد بن عبد بن عدي الجرجاني. ز- "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" للذهبي. ح- "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني.

стр. 107

بدء كتابة السنة في عهد الرسول ﷺ ... بداية كتابة السنة في عهد الرسول ﷺ : من المعروف أن العرب قبل الإسلام لم يعرفوا الكتابة والقراءة، ولكن مكة بمركزها التجاري شهدت بعض الكتابين والقارئين قبيل البعثة، وإن ذهبت بعض الأخبار إلى أنه لم يكن بها سوى بعضة عشر رجلا يقرأون ويكتبون، كما وجد في المدينة قلة تكتب وتقرأ كذلك، وهذا هو ما يقصد غالبا عند وصف العرب بالأميين. وتدل الأخبار على أن الكاتبين في مكة كانوا أكثر عددا منهم في المدين’ يشهد لذلك أن رسول الله ﷺ أذن لأسرى بدر "المكيين" بأن يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان "المدينة" الكتابة والقراءة. وأن كتبة الوحي الذين بلغ عددهم بين يدي رسول الله ﷺ أربعين رجلا كان أكثرهم من المكيين، ذكر أسماؤهم صاحب التراتيب الإدارية، بل ذكر البلاذري في فتوح البلدان عددا من النساء الكاتبات منهن أم المؤمنين حفصة، وأم كلثوم بنت عقبة، والشفاء بنت عبد الله القرشية، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد، بين أن المسلمين ما كادوا يستقرون في المدينة حتى بدلت الحال غير الحال، فكثر فيهم الكاتبون منذ أمر النبي ﷺ عبد الله بن سعيد بن العاص أن يعلم الكتابة بالمدينة، وكان كاتبا محسنا كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب. وذكر ابن سعد أن أصحاب البيعة من الأنصار كتبوا إلى رسول الله ﷺ وهو في مكة: إبعث إلينا رجلا يفقهنا في الدين، ويقرئنا القرآن، فبعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير فكان يقرئهم القرآن ويعلمهم.

стр. 108

ومن المعروف كذلك أن الصحابة كانوا يعولون في حفظ الحديث على الاستظهار في الصدور، لا على الكتابة في السطور لانضرافهم إلى تلقي القرآن الكريم، وانشغالهم بجمعه وكتابته، والخوف من التباس السنة بالقرآن إذا كتب الحديث، وقد نهى رسول الله ﷺ في باديء الأمر عن كتابة الحديث، وقال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فيلمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، وشطره الأخير في البخاري. وهذا الحديث هو الذي صح عن رسول الله ﷺ في النهي عن كتابة السنة، وقال النووي في شرحه، قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم - ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الوارد في النهي: فقيل: "هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: "اكتبوا لأبي شاة" وحديث صحيفة على ﵁، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر ﵁ أنسا ﵁ حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث. وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل: إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القاريء في صحيفة واحدة. وحين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثير، وأمن اختلاطه بسواه، أذن رسول الله

стр. 109

صلى الله عليه وسلم لبعض صحابتهس إذن خاصاس في كتابة الحديث، ليساعدهم ذلك على زيادة الضبط إن خيف نسيانهم، ولم يوثق بحفظهم ولعله خص بهذا الإذن من كان أشد ضبطا وحفظا، وبهذا ينتفي ما قيل من تعارض بين النصوص الواردة في النهي عن كتابة الحديث والإذن في ذلك، وقد اتفقت الكلمة بعد الصدر الأول على جواز كتابة الحديث. قال ابن الصلاح: "ثم إنه زال الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة". ويستفاد من بعض الآثار أن الرسول ﷺ أذن بكتابة الحديث في آخر حياته إذنا عاما، بعد أن أمن اختلاط السنة بالقرآن، فإنه قيل وفاته أراد أن يكتب للمسلمين كتابا لا يضلوا بعده ولم ير بأسا في ذلك كما سبق في حديث عمر. روى الترمذي أن سعد بن عبادة الأنصاري كان يملك صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسننه، وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروى من هذه الصحيفة. ويروى البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرأون عليه ما جمعه بخطه. ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي "الصحيفة الصادقة" التي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص من رسول الله ﷺ ، وقد ذكر أهل السير أنها اشتملت على ألف حديث، وأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب كل شيء سمعه من رسول الله، فهناه بعض الصحابة، لأنه بشر يتكلم في الرضا والغضب، فأمسك عن الكتابة، ثم استفتى رسول الله قائلا: أأكتب كل ما أسمع؟ ... قال: نعم، قال: في الرضا والضغب؟ قال: نعم فإني

стр. 110

لا أقول في ذلك إلا حقا" وروى ذلك الإمام أحمد في مسنده. وكان ابن عمرو يعظم أمر هذه الصحيفة ويقول: ما يرغبني في الحياة إلا حصلتان: الصادقة والوهط، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله، وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها، وقد روى هذا البزار في سننه وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله. وهذه الصحيفة هي ما جاء بسند عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد. ولا بد أنه اشتغل بكتابة غيرها، فقد قال أبو هريرة. "ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب". وحسبنا هذا الحديث الذي أورده البخاري في باب العلم دليلا على ذلك. وعرف عن ابن عباس أنه كتب الكثير من سنة الرسول ﷺ وسيرته في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم، وكان تلميذه سعيد بن جبير يكتب عنه ما يلمي عليه، وظلت صحيفة ابن عباس معروف متداولة وتعاقب الناس على الرواية منها، والاستشهاد بها في كتب التفاسير، وإن لم تنقل هذه الصحيفة. وقد جمع أبو هريرة صحفا كثيرة مما كتبه الصحابة "تلفت غالبا" وروى عنه تلميذه همام بن منبه صحيفة منها، ثم نسبت إليه، فقيل صحيفة همام، وهي في الحقيقة صحيفة أبي هريرة لهمام، وكان لهذه الصحيفة أهمية خاصة في تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودونها همام عن أبي هريرة، وسماها صاحب كشف الظنون بالصحيفة الصحيحة، وهي برمقتها في مسند أحمد، وجاءت متفرقة بأبواب مختلفة في البخاري وغيره. وذكر العلماء نرا من الصحابة الذين كتبوا الحديث سوى هؤلاء. وهذه الأخبار في مجموعها تدل على بدء كتابة السنة في عهد رسول الله صلى

стр. 111

الله عليه وسلم وإن لم تكن كتابة جمع وتدوين. ثبت في الصحيحين أنه لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام رسول الله ﷺ فخطب خطبه، فقام أبو شاة - رجل من اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة". وروى البخاري عن أبي جحيفة قال: "قلت لعلي" هي عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر". وروى أحمد عن أبي الطفيل: سئل على ﵁، هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء فقال: ما خصنا إلا ما كان من قراب سيفي هذا. فأخرج صحيفة كتب فيها: لعن الله من ذبح لغير الله. وروى أحمد كذلك عن طارق بن شهاب: "رأيت عليا على المنبر يخطب، فسمعته يقول: والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة، فيها فرائض الصدقة". كما روي عن الحارث بن سويد: قيل لعلي ﵁: إن رسولكم كان يخصكم بشيء دون الناس عامة.... فأخرج صحيفة فيها شيء من أسنان الإبل. وذكر ابن حجر في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب، أن رسول الله ﷺ استعمل عمرو بن حزم الأنصاري على نجران. وكتب له كتابا فيه أحكام الطهارة والصلاة والغنيمة والصدقة، وكتاب الجراح والديات وغير ذلك. وذكر أصحابس التراجم أن أنس بن مالك ﵁ كان كاتبا وأن مدوناته كانت تحمل في مخال، وقد بعثه أبو بكر ﵁ إلى البحرين ساعيا وكتب له كتاب الصدقة ونصب الزكاة. وقد ذكر الخطيب البغدادي في تقييد العلم الخلاف في الكتاب ونقل نصوص المنع، ونصوص الإباحة من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، والآثار الواردة عن التابعين وأتباع التابعين، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ذلك.

стр. 112

إجتهاد الرسول ﷺ : ارتكزت دعوة رسولنا ﷺ على توحيد الله، والبراءة من الشرك حتى يستقيم أمر البشرية على عبادة الله وحده، وتلك هي دعوة الرسل في موكب النبوة الذي أضاء للإنسانية جوانب حياتها، ومن شان هذه الدعوة أن تربي المؤمنين بها على الانقياد لما جاء عن الله أمرا ونهيا، وأن تبني الشخصية المؤمنة بناء سويا يهتدي بهدى الله، ويتأسى برسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١. ويتضح من النصوص والوقائع في حياة الرسول ﷺ أن شخصيته ذات جانبين: أحدهما: الجانب البشري، وهذا الجانب يجوز عليه ﷺ فيه ما يجوز على غيره، والآخر: الجانب الذي يتميز به عن عامة البشر، وهو ما يتصل فيه بربه جلت عظمته من حيث إنه رسول كلف بتبليغ رسالة الله إلى الناس كافة. وحرص رسولنا ﷺ على تأكيد بشريته، وإن كان الوحي يتنزل عليه. ففي القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢. وحذر ﷺ من غلو الناس فيه، روى البخاري عن عمر ابن الخطاب ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول:

стр. 113

"لا تطروني" كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" ولم ينس هذا المعنى وهو يعالج سكرات الموت، روى مسلم عن جندب ابن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". وفي رواية البخاري عن عائشة وابن عباس قالا: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا. وقد اتفق العلماء على أن الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله في تبليغ رسالاته، بخلاف غيرهم فإنهم غير معصومين. أما العصمة في غير ما يتعلق بالتبليغ، فقد اختلف الناس فيها: ١- فذهب بعضهم إلى أنهم معصومون من الذنوب، لأن التأسي بهم مشروع. ولأن الذنوب تنافى كمالهم، وأولوا النصوص الدالة على وقوع الذنوب منهم تأويلا فاسدا. وأجيب عما ذكروه بأن التأسي بهم مشروع فيما أقروه عليه دون ما نهوا عنه. وأن منافاة الذنوب للكمال إنما تكون مع البقاء عليها لا مع التوبة منها، فإن التوبة النصوح التي يقبلها الله تعالى ترفع صاحبها إلى أعظم مما كان عليه. ٢- وذهب جمهور العلماء إلى أنه قد يقع منهم الذنوب، ولكنهم معصومون من الإقرار عليها، لأنهم يبادرون إلى التوبة، والاستغفار، واستدلوا على ذلك بما جاء في القرآن الكريم من النصوص الكثيرة. فقد قال تعالى في آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ١ ثم قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٢

стр. 114

وقال تعالى في نوح: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ١ ثم قال على لسان نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢. وقال في يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. وقال في إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٤. وقال في موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ٥. وقال في داود: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٦. وقال في نبينا ﷺ : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٧. وتناول العلماء بالبحث موضوع اجتهاد رسول الله ﷺ : ١- فذهب نفر منهم إلى أنه لا يجوز له الاجتهاد لإمكان استطلاع الحكم بالوحي. ٢- وذهب جمهورهم إلى أنه يجوز له الاجتهاد، وأنه يخطيء في اجتهاده ويصيب، ولكنه لا يقر على خطأ. وهذا هو الذي تضافرت النصوص عليه في صور مختلفة. أ- روى البخاري عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون

стр. 115

قبلته قبل البيت" وفي رواية: "وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة" فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ١ فتوجه إلى الكعبة. ووجه الدلالة أنه ﵊ رأي باجتهاده أحقية البيت الحرام بالتوجه إلى الصلاة، وبدأ اجتهاده في صورة رغبة وأمنية، فحققها له الله ، وبذلك أصبح ما رآه بالاجتهاد مشروعا مقرا عليه من ربه. ب- واستأذن بعض المنافقين النبي ﷺ في التخلف عن غزوة تبوك فأذن لهم، دون أن يتبين أعذارهم، وعاتبه الله على إذنه لهم بذلك في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢. ووجه الدلالة أن العفو هو التجاوز عن الذنب والتقصير، وترك المؤاخذة، والمراد به هنا الإذن للمنافقين، وقد كان الإذن المعاتب عليه هنا إجتهادا منه ﷺ فيما لا نص فيه من الوحي، فدل هذا على أنه جائز في حق الأنبياء، وليسوا معصومبين من الخطأ فيه. جـ- وروى البخاري وغيره عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد لما جرح وكسرت رباعيته، ورأي تمثيل الكفار بعمه حمزة سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٣. ووجه الدلالة أنه ﷺ عندما دعا عليهم، وطلب من الله أن يلعنهم، كان ذلك عن اجتهاد منه، لكن لم يقره الله على اجتهاده فيما أوحى به إليه في الآية.

стр. 116

د وفي حديث حرمة مكة عنبد البخاري لما قال ﷺ : "لا يعضد شوكها" قال العباس: يا رسول الله ... إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال ﷺ : "إلا ذخر". ووجه الدلالة أن رسول الله ﷺ حرم باجتهاده في صيغة العموم قطع الإذخر، ثم عدل عن تحريمه إلى إباحته عندما ثبتت له الحاجة إليه فيما ذكره ابن عباس له. هـ- وروى ابن أبي شيبسة والترمذي وحسنه، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: "لما كان يوم بدر جيء بالأساري، فقال أبو بكر: يا رسول الله.... قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ... كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس - وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك، فدخل رسول الله ﷺ ولم يرد عليهم شيئا، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ برأي عمر. فخرج رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ﵇ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ ومثلك يا عمر كمثل موسى ﵇ إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ومثلك يا عمر كمثل نوح ﵇ إذ قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ " ٣ ثم قال ﷺ : "أنتم عالة فلا ينفلتن أحد من الأسرى إلا بفداء أو ضرب عنق" فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيم﴾ ٤.

стр. 117

ويروى أحمد ومسلم من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: "لما أسر الأسارى يعني يوم بد قال رسول الله ﷺ لأبي وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى"؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا بان الخطاب"؟ فقال: لا والله، لا أرى الذي رأي أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الك وصناديدها، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله ... أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال ﷺ : "أبكي للذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، وقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة" - لشجرة قريبية منه ﷺ فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآيتين. ووجه الدلالة - أن رسول الله ﷺ استشار الصحابة في أسرى بدر، واجتهد في أخذه برأي أبي بكر، ولم يكن ذلك الاجتهاد موافقا للصواب، فنزلت آيات العتاب. و واخرج الترمذي والحاكم وابن حبان عن عائشة في نزول صدر سورة عبس قالت: "نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، قال: يا رسول الله أرشدني، وعند النبي ﷺ ناس من وجوه المشركين منهم: أبو جهل، وعتبة ابن ربيعة، وغيرهما، فجعل النبي ﷺ يعرض عن ابن أم مكتوم ويقبل على غيره، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ ١.

стр. 118

ووجه الدلالة أن رسول الله ﷺ اجتهد في الإعراض عن الأعمى عندما جاءه وهو مشغول بدعوة أكابر قريش إلى الإسلام، وقد لاحت له بارقة رجاء في إيمانهم بتحدثهم معه فعلم ﷺ أن إقباله على الأعمى قد ينفرهم ويقطع عليه طريق دعوته، فقد كان يرجو بإيمانهم انتشار الإسلام في جميع العرب، ولم يكن يعلم حينئذ أن سنة الله في البشر أن يكون أول من يتبع الأنبياء والمصلحين فقراء الأمم وأوساطهم، دون الأكابر المجرمين المترفين الذين يرون في اتباع غيرهم ضعة بذهاب بأسهم، فعاتبه الله على ذلك. ز- وأخرج البخاري أنه في غزوة "خبير" لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم - يعني خيبر - أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون"؟ قالوا: على لحم، قال: "أي لحم"؟ قالوا: الحمر الإنسية، فقال النبي ﷺ : "أهريقوها واكسروها" فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها، قال: "أو ذاك". ووجه الدلالة أن رسول الله ﷺ أخذهم أولا بالأشد منعا لهم من أكلها اجتهادا منه، فلما سلموا بالحكم وأشار بعض صحابته بالاكتفاء بغسيل القدور بدلا من تكسيرها وتفويت منفعتها رخض لهم في غسلها وعدل عن اجتهاده الأول. ذلك هو أصح ما ورد من وقائع دالة على اجتهاد رسول الله ﷺ ، والخلاف في المسألة مبسوط في علم الأصول، وللشيخ عبد الجليل عيسى مؤلف خاص في اجتهاد الرسول ﷺ نشرته دار البيان بالكويت. وينبغي أن نذكر هنا أن تصرفات الرسول ﷺ منها ما هو تشريعن ومنها ما ليس بتشريع.

стр. 119

١- فهناك أمور سبيلها التجربة والدربة في الحياة، والخبرة بأحوالها فيما اعتاده الناس - كشئون الزراعة والطب، فهذه يجتهد فيها الرسول ﷺ اجتهاد غيره، ويخطيء ويصيب، وليست شرعا، ولذا قال في تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" بعد أن نصح لهم بعدم تلقيحه اجتهادا منه، ثم تبين له خلاف ذلك، حيث لم يكن لديه معرفة بالزراعة والفلاحة. ففي الصحيحين: "أن رسول الله ﷺ مر بقوم يلقحون النخل، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح" فخرج شيصا، فمر بهم فقال: "ما لنخلكم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم". وفي بعض الروايات أنه قال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر". ٢- وهناك أمور أخرى سبيلها التدبير الإنساني اعتمادا على الظروف الخاصة، كتوزيع الجيوش في المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف في الموقعة، واختيار أماكن النزول، وطرق الكر والفر، فهذه كذلك ليست شرعا يتعلق به طلب الفعل أو الترك، ولكنها من الشئون البشرية التي لا يكون مسلك الرسول ﷺ فيها تشريعا ولا مصدر تشريع. ومن ذلك ما رواه ابن كثير وابن الأثير وابن إسحاق من أن رسول الله ﷺ نزل في غزوة "بدر" على أدنى ماء من مياه "بدر" إلى المدينة، فأتاه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح فقال: يا رسول الله ... أرأيت هذا المنزل؟ أهو منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ﵊: "بل هو الرأي والمكيدة"، فقال: يا رسول الله ... ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا، فتملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال له: "لقد أشرت بالرأي" وفعل كما قال.

стр. 120

ومن ثم هذا القبيل إقراره ﷺ كتابة شروط الصلح مع قائدي "غطفان" يوم الخندق. روى ابن كثير في تاريخه قال ابن إسحاق: لما اشتد البلاء على الناس بالحصار الذي مكث نحو شهر، بعث ﷺ إلى عيينه بن حصن، والحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلثا ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، فلما أراد ﷺ أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - فذكر لهما ذلك. فقالا: يا رسول الله ... أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال ﷺ : "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمرما" فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله ... قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال ﷺ : "أنت وذاك" فتناول سعد الصحيفة فما ما فيها من الكتابة، ثم قال: ليجهدوا أنفسهم. ٣- أ- أما ما يصدر عن رسول الله ﷺ على وجع التبليغ في شأن من شئون العقائد أو العبادات أو الحلال والحرام أو الأخلاق أو ما يتصل بذلك من أمور الدين ووظائف الرسالة. ب- أو ما يصدر عنه ﷺ من شئون الرئاسة العامة والقضاء، كقسمة الغنائم وعقد المعاهدات، والفصل في الخصومات فهذا وذاك يكون تشريعا، وهو الذي يرى فيه جمهور المحققين أن رسول الله ﷺ يجوز له الاجتهاد فيه حيث لا نص، ولكنه لا يقر على خطأ، وهو الذي استشهدنا عليه بالنصوص والوقائع الآنفة الذكر التي تدل على اجتهاد الرسول ﷺ فيما لا نص فيه.

стр. 121

تلقي الصحابة عن رسول الله ﷺ : كانت حياة رسول الله ﷺ مع صحابته، تمثل الديمقراطية التي يتنغنى بها الناس، وتداعب أحلامهم في هذا العصر، فلم يكن بينه وبين أصحابه حجاب يمنعه عنهم أو يمنعهم عنه، فهو يخالطهم في المسجد، والسوق، والمنزل، والسر والحضر، وهم حريصون على لقائه وصحبته وملازمته للاقتباس منه، والاهتداء بهديه، والتأسي بسيرته، وبلغ تنافسهم في ذلك إلى أنهم كانوا يتناوبون في ملازمة مجلسه، فعن عمر قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد١ وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك". رواه البخاري في كتاب العلم. وحيثما حدث لأحدهم من الأمر ما لا يعرف أسرع في السفر إلى رسول الله ﷺ وقطع المسافات الواسعة ليستفتي. روى البخاري عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجته، فركب من فوره وكان بمكه قاصدا المدينة، حتى بلغ رسول الله ﷺ فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتها، فقال له النبي ﷺ : "كيف وقد قيل" ففارق: زوجته لوقته، فتزوجت بغيره. ولم يكن الصحابة جميعا على مبلغ واحد من العلم بأحوال الرسول ﷺ ، لتفاوت أحوالهم، وظروف حياتهم، وأماكن إقامتهم، ولم يكن للرسول ﷺ مجلس خاص للتعليم يجلس إليه فيه الصحابة، بل كانت.

стр. 122

حياته كلها منارة للعلم، وإن تخولهم بالموعظة من وقت لآخر فضلا عن أيام الجمعة والعيدين. روى البخاري عن ابن مسعود، قالك "كان رسول الله ﷺ يتخولنا الموعظة تلو الموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا". وقد أشار مسروق إلى تفاوت الصحابة في تلقيهم عن رسول الله ﷺ حيث يقول: "لقد جالست أصحاب محمد ﷺ فوجدتهم كالأخاذ "الغدير" فالأخاذ يروي الرجل، والأخاذ يروي العشرة، والأخاذ يروي المائة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم". ومن الطبيعي أن يكون أكثر الصحابة علما بسنة رسول الله ﷺ من سبقوا إلى الإسلام، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود. ومن كان أكثر ملازمة له وكتابة عنه كما سبق آنفا. أما فيما يتعلق بالأمور المتصلة بالجنس وما يختص بالمرأة، فقد كان الرجال يسألون تارة رسول الله ﷺ وتارة يرسل أحدهم امرأته لتسأل زوجاته لعلمهن بأحوال رسول الله ﷺ العائلية، وقد تسأل النساء رسول الله ﷺ ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هناك ما يمنع النبي ﷺ من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي، أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه، كما جاء أن امرأة سألت النبي ﷺ كيف تتطهر من الحيض؟ فقال لها "خذي فرصة ممسكة فتوضيء بها" فقالت: يا رسول الله.... كيف أتوضأ بها؟ فأعاد كلامه السابق فلم تفهم، فأشار إلى عائشة أن تفهمها ما يريد، فأهمتها المراد، وهو أن تأخذ قطعة قطن نظيفة فتضعها في مكان الدم، فإذا خرجت بيضاء كان ذلك علامة طهرها. والحديث في البخاري وغيره.

стр. 123

حفظ القرآن في الصحف والصدور: يعبر العلماء عن هذا الموضوع بجمع القرآن. وجمع القرآن يستعمل تارة بمعنى الحفظ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه﴾ ١ ويستعمل تارة بمعنى كتابته كله مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط، وكل سورة في صحيفة على حدة، أو مرتبس الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعا. وقد رتب إحداها بعد الأخرى. أ- أما جمع القرآن - بمعنى حفظه واستظهاره - فقد كان رسول الله ﷺ أول الحفاظ له بهذا المعنى، وتيسر لعدد من أصحابه ذلك، هم جماعة القراء، وتدل الأخبار على أن عددهم لم يكن قليلا حيث روى أنه قتل يوم بئر معونة سبعون من حفظة القرآن الكريم٢، وأنه اشتهر من بين هؤلاء: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل "مولى أبي حذيفة" ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد "ابن السكن" وأبو الدرداء، وقد ورد في البخاري ذكر هؤلاء: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب". وعن معاذ قال: "سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله؟ فقال: أربعة كلهم من الأنصار، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي". وفي رواية أخرى عن أنس، قال: "مات النبي ﷺ

стр. 124

وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد ابن ثابتن وأبو زيد". وذكر ابن حجر في الإصابة عند ترجمته لسعيد بن عبيد، أنه كان يلقب بالقاريء. وأورد السيوطي كثيرا من القراء بأسمائهم، فعد من المهاجرين، الخلفاء الأربعة، وطلحة وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالما، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، ابن عباس وابن عمرو بن العاص، وابن عمر وابن الزبير" وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. ومن الأنصار: عبادة ابن الصامت، معاذ "الذي يكنى أبا حليمة"، ومجمع ابن جارية، وفضالة بن عبيد، وسلمة بن مخلد. وقد اشتهر بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري. وقرأ على هؤلاء بعض الصحابة، وأخذ عنهم خلق كثير من التابعين، وكان الاعتماد آنذاك في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، فالأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها. والحفظ في الصدور خصيصة شرف امتن الله بها على هذه الأمة. ب- وأما جمع القرآن بمعنى كتابته وهو المعنى الثاني الذي يراد بالجمع، فإن حديثنا هنا يقتصر على جمع القرآن كتابة في عهد رسول الله ﷺ ويسمونه بالجمع الأول. اتخذ رسول الله ﷺ كتابا للوحي، منهم: الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب وخالد بن

стр. 125

الوليد، وثابت بن قيس، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، كما كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، دون أن يأمرهم النبي ﷺ ، حتى تظاهر الكتابة جمع القرآن في الصدور، فيحفظونه في العسب، واللخاف، والكرانيف، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع. أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت، قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع "والعسب" جمع عسب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون ويكتبون في الطرف العريض، و "اللحاف": جمع لحفة" وهي صفائح الحجارة، و "الكرانيف": جمع كرنفة وهي: أصول السعف الغلاظ، والرقاع" جمع رقعة، وقد تكون من جلد أوورق، والأقناب": جمع قنب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه. وكان جبريل يعارض رسول الله ﷺ بالقرآن كل سنة من ليالي رمضان، ويعارض الصحابة رسولهم: حفظا وكتابة، ولم تكن هذه الكتابة مجتمعة في مصحف عام، بل عند هذا ما ليس عند ذاك من الآيات والسور، وكان كل ما يكتب يوضع في بيت رسول الله ﷺ ، وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه. وقد نقل العلماء أن نفرا منهم: على بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود قد جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله ﷺ ، إلا أن زيد بن ثابت كان عرضه متأخرا عن الجميع. وقبض رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب على الترتيب الذي هو عليه الآن في مصاحفنا، وبتوقيف.

стр. 126

جبريل إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا. ولم يجمع في مصحف عام حيث كان الوحي ينزل تباعا، فيحفظه القراء، ويكتبه الكتبة، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد.

стр. 127

إجتهاد الصحابة في عهد رسول الله ﷺ : لقد أقر رسول الله ﷺ معاذا على الاجتهاد فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله، فعن أناس من أصحاب معاذ عن معاد: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن، قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ " قال: أقضى بما في كتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله ﷺ ؟ قال: أجتهد رأيي لا آلوا. قال: وضرب ﵊ صدري، ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، إلى ما يرى رسول الله" ﷺ . وأصحاب معاذ وإن لم يسموا، فإنهم من أفاضل المسلمين وخيارهم، وشهرتهم بالعلم والدين والفضل، بالمحل الذي لا يخفي، ولا يعرف منهم متهم، وقد جاء ما ينفي الجهالة في رواية عبادة بن أنس عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل مثل: "لا وصية لوارث" هو الطهور ماؤه الحل ميتته" "الداية على العاقلة" وإن كانت هذه الأحاديث لم تثبت من جهة الإسناد. وقد نقل أهل العلم هذا الحديث، واحتجوا به على جواز اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله ﷺ فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة. ووردت حوادث تدل على أنهم كانوا يجتهدون في زمن النبي صلى الله عليه

стр. 128

وسلم في كثير من الأحكام ولم يعنفهم منها ما كانت في غيبته ومنها ما كان في حضرته: ١- ما كان في غيبته: هناك حوادث كثيرة اجتهد الصحابة فيها بغيبة رسول الله ﷺ نذكر منها ما يلي: أ- قال لهم رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" وذلك في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق حين أدركتهم الصلاة، وقال: لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض والتعجيل بالمسير، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظةن فصلوها ليلا، ونظروا إلى اللفظ. قال ابن القيم تعليقا على هذا في إعلام الموقعين: وهؤلاء سلف أهلف الظاهر، وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس. ب- ولما كان على ﵁ باليمين أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كل واحد منهم: هو ابني، فجعل على ﵁ يخيرهم واحدا واحدا، أترضى أن يكون الولد لهذا؟ فأبوا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، فأقرع بينهم، فجعل الولد للذي خرجت له القرعة، وجعل عليه للرجلين الآخرين ثلثي الدية، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء على ﵁، روى ذلك الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه. وقد اعتبر على في هذا الحكم أنه بالنسبة للقارع بمنزلة الإتلاف للآخرين كما أتل رقيقا بينه وبين شريكين له، فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحر بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم.

стр. 129

جـ- ومسألة الزبية مشهورة عن على كذلك: روى أن قوما من أهل اليمن حفورا زبية للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، وتدافعوا حولها، فهوى واحد، فجذب ثانيا، فجذب الثاني الثالثن ثم جذب الثالث رابعا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى على كرم الله وجه فقال: للأول ربع الدية، لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية، لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث نصف الدية، لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع كمال الدية، ثم جعل الدية على عاقلة من ازدحموا على رأس الزبية. فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "هو كما قال". رواه أحمد والبزار والبيهقي من حديث حنش بن المعتمر عن علي. قال الشوكاني في نيل الأوطار: "وقد استدل بهذا القضاء الذي قضى به أمير المؤمنين وقرره رسول الله ﷺ على أن دية المتجاذبين في البئر تكون على الصفة المذكورة، فيؤخذ من قوم الجماعة الذين ازدحموا على البئر وتدافعوا ذلك المقدار، ثم يقسم على تلك الصفة، فيعطي الأول من المتردين ربع الدية، ويهدر من دمه ثلاثة أرباع لأنه هلك بفعل المتزاحمين وبفعل نفسه، وهو جذبه لمن بجنبه، فكأن موته وقع بمجموع الازدحام ووقوع الثلاثة الأنفار عليه، ونزل الازدحام منزلة سبب واحد من الأسباب التي كان بها موته، ووقوع الثلاثةي عليه منزلة ثلاثة أسباب، فهدر من ديته ثلاثة أرباع، واستحق الثاني ثلث الدية لأنه هلك بمجموع الجذب المتسبب عن الازدحام ووقوع الاثنين عليه، ونزل الازدحام منزلة سبب واحد، ووقوع الاثنين عليه منزلة سببين، فهدر من دمه الثلثان، لأن وقوع الاثنين عليه كان بسببه، واستحق الثالث نصف الدية لأنه هلك بمجموع الجذب ممن تحته المتسبب عن الازدحام، وبوقوع من فوقه عليه، هو واحد، وسقط نصف ديته، ولزم نصفها، والرابع كان هلاكه.

стр. 130

بمجرد الجذب له فقط فكان مستحقا للدية كلها". وكانت الدية على عاقلة المتزاحمين دون عاقلة الجاذبين لأن الجاذب لم ييباشر الإهلاك، وإنما كان سببا إليه، أما الحاضرون، فكان تزاحمهم سببا! وهذا التسبب منهم أقوى من تسبب الجاذب، لأن الجاذب ألجيء إلى جذب من يليه. د- وخرج رجلان من الصحابة في سفر فحضرت، وليس معهما ماء، فيتيمما صعيدا طيبا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء للصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك" وقال للذي توضأ وأعاد "لك الأجر مرتين" رواه النسائي وأبو داود وغيرهما، فقد صوب الرسول الله ﷺ هذين الصحابين في اجتهادهما، وبين ما لك واحد منهما من أجر. هـ- وعن عمار قال: "أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد وصليت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما يكفيك هكذا" وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه". رواه البخاري ومسلم. و إقراره ﷺ من رقي بالفاتحة على أخذ الأجر. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: "انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عندهم بعض الشيء؟ فأتوهم فقالوا: إن سيدنا لدغ، فهل عند أحدكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم.

стр. 131

ولكن لا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يقرأ عليه "الحمد لله رب العالمين" فكأنما أنشط "١" من ‘قال، فانطلق يمشي وما به علة، فأوفوهم جعلهم، فقال بعضهم: أقسموا، فقال الذي رقي: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ ، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا، فذكروا ذلك له ﷺ ، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما، وضحك ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: في رواية: أنهم أعطوهم ثلاثين شاة، وكان عدد الركب ثلاثين رجلا وقوله: "الحمد لله": أي فاتحة الكتاب. وقوله: "وما يدريك" زاد في رواية، فقلت: يا رسول الله: شيء ألقي في روعي. قال الحافظ: وهو ظاهر من أنه لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرقي بالفاتحة، أي فيكون قد فعل ذلك اجتهادا منه. ٢- ما كان في حضرته: وهناك حوادث أخرى اجتهد الصحابة فيها بحضرته ﷺ نذكر منها ما يلي: أ- اجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم فيهم باجتهاده في حضرة النبي ﷺ ، وصوبة النبي ﷺ في حكمة، فعن أبي سعيد الخدري أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد ابن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتاه على

стр. 132

حمار، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى سيدكم -أو خيركم-" فقعد عند النبي ﷺ فقال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، ونسبي ذراريهم، فقال: لقد حكمت بما حكم به الملك" وفي لفظ: "قضيت بحكم الله ". رواه البخاري ومسلم وفي رواية "لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبمع سموات". وقد استدل الخطيبس البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه بهذا الحديث على جواز الاجتهاد بالرأي، لاجتهاد سعد بالرأي في بني قريظة، وإقرا النبي ﷺ له، كما استدل به ابن القيم في إعلام الموقعين. ب- وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: "جاء رسول الله ﷺ خصمان يحتكمان، فقال لعمرو، اقض بينهما يا عمرو، فقال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال: وإن كان، قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: إن أنت فضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنه". جـ- وفي حديث أم عطية الأنصارية ﵂ الذي يرويه الجماعة، قالت: "دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه - يعني إزاره.

стр. 133

فقد جعل النبي ﷺ بقوله: "إن رأيتن" الأمر فيه إلى اجتهادهن ورأيهن في زيادة عدد الغسلات. د- وروى البخاري ومسلم عن أبي قتادة، قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولةن قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى آتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه، وأقبل على فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال: مثل ذلك، فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة. فقمت، فقال رسول الله ﷺ : ما لك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه. وقال أبو بكر الصديق: لا ها الله١ إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، قال رسول الله ﷺ : "صدق، فأعطه إياه، فأعطاني". قال النووي: "وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق في إفتائه بحضرة النبي ﷺ ، واستدلاله لذلك. وتصديق النبي ﷺ في ذلك. وفيه منقبة ظاهرة.

стр. 134

لأبي قتادة فإنه سماه أسدا من أسد الله تعالى، يقاتل عن الله وعن رسوله، وصدقه النبي ﷺ . ومما تجدر الإشارة إليه أن اجتهاد الرسول الله ﷺ في هذا العهد، أو إذنه لصحابته في الاجتهاد، أو إقراره لهم على اجتهادهم، كان من باب النظر في التطبيق بالجزئيات ولا يعتبر هذا مصدرا من مصادر التشريع، حيث كان اجتهاده ﷺ عند الحاجة، وتأخر نزول الوحي، فلا يلبث الوحي أن ينزل فيقره على اجتهاده، أو يبين له وجه الخطأ فيه، فيكون المصدر في المآل هو الوحي. وكان اجتهاد الصحابة بحضرته إقرارا منه لهم.... وكذلك كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول ﷺ حيث لا يتمكنون من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إما أن يقرهم الرسول على ما رأوا، وإما أن يبين لهم خطأهم، فيرجع التشريع إلى السنة ببيان الرسول لهم. فهذه الحوادث ونظائرها رجع الحكم فيها إلى الوحي من الكتاب والسنة. وبذلك يتضح أن الاجتهاد ليس من مصادر التشريع في هذا العصر، ويكون مصدر التشريع في عهد النبوة قاصرا على الكتاب والسنة لا غير. وإنما كان اجتهاد الصحابة في قضايا جزئية معينة، لا في أحكام عامة، فإن هذا لم يقع من أحد من الصحابة ألبتة في حضوره ﷺ .

стр. 135

خصائص التشريع في القرآن والسنة: ١- المعروف والمنكر: تهدف الشريعة الإسلامية إلى تأسيس الحياة الإنسانية على المعروف، وتجنبها للمنكر، وتقوم دعوتها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمعروف، هو: الخير الذي يوافق ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ١ وعرف في الشرع حسنه. والمنكر، هو: الذي ينافي هذه الفطرة، وعرف بالشرع قبحه. ولا تكتفي الشريعة الإسلامية ببيان المعروف وتعداد أنواعه، ولكنها ترسم للإنسانية، منهاج الحياة المتكامل على وجه ينمي فيها المكارم والفضائل، ويبعث فيها روح الخير، ويساعدها على النماء والرقي، ويجب إليها فعل المعروف بكافة صوره. كما لا تكتفي بالنهي عن المنكر وبيان الرذائل، وإنما توضح مضارها، وتحذر من اقترافها حتى يصير المجتمع المسلم مجتمعاس فاضلا نظيفا. والمعروف درجات: فمنه: الواجب الذي ورد بصيغة ملزمة تفرض القيام به، لأهميته في صلاح الفرد وصلاح المجتمع. ومنه: المندوب الذي ترغب الشريعة فيه لاستكمال الخير وتنميته. ومنه: المباح، الذي لا يتعلق بتركه محظور، ولا يترتب على فعله أثر ظاهر في التقوى، ولا يقتصر هذا على ما أذن الشرع فيه، بل يتناول ما لا يخالف أمرا من أمور الشريعة، فدائرته أعم وأوسع. وكذلك الشأن في المنكر، ليس على درجةواحدة.

стр. 136

فمنه: المحرم الذي يجب اجتنابه، وورد، النهي عنه لما يترتب عليه من شر يفسد الحياة الفردية والحياة الجماعية. ومنه المكروه الذي يكون دون ذلك، فما يخل بواجب الصلاح، ويحول دون وصول الناس إلى مراتب الرقي في التقرب إلى الله والدرجات العلا في الحياة الآخرة. وهذه الأنواع هي المعروفة في الاصطلاح بأقسام الحكم التكليفي. ولها أدلتها من الكتاب والسنة. ٢- شمول الشريعة: وهذه الأحكام التكليف في المعروف والمنكر، جاءت شاملة لشعب الحياة كلها، في العقيدة وما يتصل بها من عالم الغيب. وفي العبادات وكيفيتها وتفصيلها. وفي المعاملات اللازمة لحياة الجماعة في تبادل المنافع. وفي حياة الأسرة منذ تكوين نواتها الأولى في بناء الحياة الزوجية، وما يتلو ذلك من عشرة ولد. وفي شئون الحكم وأسسه وتبعاته، وواجبات كل من الراعي والرعية. وفي القضايا المالية والاقتصادية والإدارية. وفي حالات الحرب والسلم، والعلاقات بالأمم الأجنبية. وفي الحياة الخاصة للفرد بالأكل والشرب واللباس والكلام ونحو ذلك. فما من ناحية من هذه النواحي إلا وتناولتها الشريعة الإسلامية في القرآن والحديث بالنص أو الفحوي، وأوضحت فيها الخير من الشر، والطيب من الخبيث، والصحيح من الفاسد، في صورة كاملة لنظام الحياة في الإسلام الذي يجب أن يقوم على فعل الحسنات وتنميتها، وتجنب السيئات والعمل على استئصالها

стр. 137

٣- الشريعة كل لا يقبل التجزئة: وهذا المنهج التشريعي لفروع الحياة الإنسانية بكافة صورها، يمثل وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة، هذه الوحدة هي التي تسمي "إسلاما" فلا يجوز أن يأخذ الناس بعض هذه الشريعة دون بعض، لأن جوانبها المختلفة هي التي تكون بمجموعها "دين الله" والأخذ بجزء دون آخر يخل بهذه الشريعة، ويشوه حقيقتها، والمجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام، وتعمل بجانب منه وتترك جوانب أخرى، لا يتحمل الإسلام أوزارها ومفاسدهان فالإسلام: عقيدة وعبادة، وخلق وتشريع ومنهج حياة. أرأيت شجرة باسقة مورقة مثمرة، يتفيأ الناس ظلالها، ويأكلون من ثمارها ويستروحون عبير أزهارها؟ إنها شجرة مكتملة الخصائص تؤدي نفعها لخير الإنسانية. فشريعة الإسلام تلك الشجرة، والعقيدة جذورها، والعبادات ساقها، والمعاملات أفنانها، والأخلاق أوراقها، والأخوة والعزة والجنة قطوفها، فإذا أتيت إلى هذه الشجرة وأسقطت ثمارها وأوراقها، ولم يبق إلا جذورها، بل أتيت على هذه الجذور بالتحريف والتأويل، فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول: إن هذه هي الشجرة الباسقة المثمرة المورقة؟ ٤- نصوص الشريعة الإسلامية وكفايتها بحاجة البشرية: ونصوص الشريعة الإسلامية في الكتاب والسنة، منها القطعي، ومنها المحتمل: أ- أما القطعي: فهو الأحكام الصريحة القطعية الواردة في القرآن والسنة الصحيحة. وهذه الأحكام بينت أصول الحلال والحرام، وتناولت القواعد العامة التي تبني عليها الحياة الإنسانية في الإسلامن وهي تقرر الأمور الثابتة في الشريعة التي لا يختلف حكمها باختلاف الزمان والمكان.

стр. 138

ب- وأما المحتمل، فهو عامة ما ورد في الكتاب والسنة: أمرا ونهيا وإرشادا، مما يحتمل معناه أكثر من وجه. وهذا الجانب في الشريعة الإسلامية هو مجال الاجتهاد الذي تتفاوت فيه الأفهام، وكان التربة الخصبة للأئمة المجتهدين. وإذا أضفنا إليه القواعد الكلية والمباديء العامة في الشريعة الإسلامية، أدركنا مدى نمو هذه الشريعة وتلبيتها لحاجة المجتمع وتطوراته، وحلها لمشكلاته ومعضلاته، وصلاحها لقيام مدنية فاضلة مؤمنة بكل عصر ومصر.

стр. 139

جملة الأحكام التي جاء بها القرآن والسنة: يمكن إجمال الأحكام الواردة بالقرآن والسنة في الأبواب الآتية: ١- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرن والقدر خيره وشره، وما يتبع ذلك من الإيمان بالغيب والبعث والحشر والحساب والجزاء، والجنة والنار، ويسمى هذا بالعقائد. ٢- الأحكام المتعلقة بصلة العبد بربه في عبادته لله وحده، وتشمل: الصلاة والزكاة، والصومن والحج، وما يتعلق بها من شروط وأركان وواجبات، ومندوبات وتسمى العبادات. ٣- الأحكام المتعلقة بنظام الأسرة، وحياة البيت، وتتناول: النكاح، والصداق، والخلع، والطلاق، وحقوق الحياة الزوجية، والرضاع، والنفقات، والمواريث، ولواحق هذا كله، ويسميها الناس اليوم: الأحوال الشخصية. ٤- الأحكام المتعلقة بتعامل الناس بعضهم مع بعض، ومعاوضاتهم المالية، كالبيع، والربا، والسلم، والقرض، والرهن، والكفالة، والوكالة،

стр. 140

والشركة، والمزرعة، والإجارة، والغصب، والشفعة، ومباديء الإسلام في النظام الاقتصادي، وإحياء الموات وتسمى"المعاملات". ٥- الأحكام المتعلقة بنظام الحكم وسياسة الوالي مع الرعية، وحقوق كل وواجباته، كالإمامة والوزارة، والولاية، والقضاء، ونحو ذلك، وتسمى "الأحكام السلطانية" أو "السياسة الشرعية". ٦- الأحكام المتعلقة بمؤاخذة المجرمين، وتتناول: القصاص، والديات، والحدود، والتعزيرات، وتسمى "العقوبات". ٧- الأحكام المتعلقة بصلة الدولة الإسلامية بغيرها في: السلم، والحرب، والأمان، والهدنة، والقتال، والغنائم، وهي المعروفة في الإسلام بباب "الجهاد والسير" وتسمى في اصطلاح القانون: الحقوق الدولية. ٨ - الأحكام المتعلقة بالطعام والشراب واللباس، وما أحل الإسلام من ذلك وما نهى عنه، والأصل في ذلك أنه من المباحثات. ٩- الآداب الاجتماعية والفضائل الأخلاقية، كآداب المناجاة، وآداب المجلس، والزيارة، والسلام، والاستئذان، والأكل، والشرب، والحث على مكارم الأخلاق، كالتواضع، والحلمن والصبر، والصدق، والحياء، والتعاون، والأمانة، وحقوق الجار، وإكرام الضيف، وتراحم المسلمين، والنهي عن الرذائل. وهذا يسمى "الأخلاق".

стр. 141

أهم ما أبطله القرآن والسنة في أحكام الجاهلية ... أهم ما أبطله القرآن والسنة من أحكام الجاهلية: جاء التشريع الإسلامي، وللعرب عقائد ومعاملات، وعرف وعادات، فما كان منها صالحا أقره وهذبه، كالقسامة، والديات، وبعض المكرمات، وما كان منها ضارا مفسدا نهى عنه وحرمه وأبطله، ومن أهم ما أبطله ما يأتي: ١- العقائد الوثنية، ومظاهر الشركن بما في ذلك إسنادهم الإهلاك إلى الدهر، وكفرهم بآيات الله ولقائه، والبعث بعد الموت، واعتقادهم أن الملائكة بنات الله، وتخصيص أنعام وحرث لآلهتهم، وما زعموه في البحيرة والسائبة، والوصيلة والحامي. ٢- الأعمال القبيحة، كقتل الأولاد خشية الإملاق، ووأد البنات مخافة العار. ٣- أنكحة الجاهلية: كان يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة فيصيبونها، فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع، فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم: قد غرفتم الذي كان من أمركم، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل. وكان الرجل يقول لامرأته إذا ظهرت من طمثها: أرسلي غلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. وإذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإنا شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجها، فهم أحق بها من أهلها. ٤- نظام التبني: الذي ظل فترة في صدر الإسلام حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ ١. ٥- الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وإن كانت الخمر قد حرمت بالتدريج. ٦- تعالى بعض القبائل على بعض في القصاص والديات، فيجعلون جراحاتهم

стр. 142

ودياتهم ضعف جراحات الخصوم ودياتهم، وربما زادوا على ذلك وأعنتوا، فطلبوا العدد بالواحد، أو طلبوا غير القاتل أو قتلوا الحر بالعبد، إلى أن نزلت آية القصاص. ٧- وكان الظهار طلاقا، حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت ثعلبة فذهبت تشتكي إلى رسول الله ﷺ ، وظلت تراجعه حتى أنزل الله صدر سورة المجادلة. ٨- وكان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة أشهر، فإن نكحها كفر عن يمينه، وإن مضت قبل أن ينكحها خيره. السلطان: إما أن يفيء، وإما أن يعزم فيطلق. ٩- وكانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون "الحمس" وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ١. ١٠- وكانوا يستحلون الربا أضعافا مضاعفة، يكون لأحدهم دين على الآخر، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي، فإن لم يقض زاده هذا في المال، وزاده هذا في الأجل حتى نزل تحريم الربا٢.

стр. 143

تاريخ تشريع بعض الأحكام: سبق أن أشرنا إلى أن التشريع المكي جاء بالأصول والقواعد التي بني عليها التشريع المدني، وأن المدني جاء بتفصيل الأحكام المبنية على المكي - وإليك تاريخ تشريع بعض هذه الأحكام: أولا - في العبادات: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ ١ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ ٢ فذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة كله كانت مفروضة، ثم نزل التخفيف بعد ستة عشر شهرا، بما جاء في آخر السورة ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ....﴾ بفرض قيام بعض الليل. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: أن فرض قيام الليل كان على رسول الله ﷺ خاصة وأنه ﷺ مكث على هذه الحال عشر سنين، يقوم الليل كما أمره الله، وكان طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله تعالى عليه بعد عشر سنين، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ فخفف الله عنهم بعد عشر سنين، ثم نسخ ذلك بما فرضه الله ليلة الإسراء والمعراج من الصلوات الخمس.

стр. 144

وقيل: كان رسول الله ﷺ يصلي في أول البعثة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وعلى هاتين الصلاتين تحمل الآيات المكية التي ورد فيها ذكر الصلاة، كآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ ١. وقد اتفق العلماء على أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء والمعراج قبل الهجرة بسنة، وأنها كانت خمسين، ثم خففت وصارت خمسا، كما روى في حديث الإسراء والمعراج. وصح عن عائشة ﵂: أن الصلوات الخمس فرضت ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر. ٢- أما أوقات الصلوات الخمس فقد جاءت مجملة في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ٢ وجاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم. ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين بقرق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى في المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إلى جبريل وقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين " [رواه أبو داوود وابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث حسن، وأصله في الصحيحين] .

стр. 145

٣- وأصل مشروعية الطهارة كان بمكة وفي سورة المدثر - وهي أول سورة نزلت بعد "أقرأ" ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ ١ والتطهير لفظ عام يتناول الطهارة الحسية والطهارة المعنوية كما ذكر المفسرون، وهذا أصل في طهارة الثوب والبدن والمكان، وفي القرآن الكريم المكي ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢ وثبت عند أهل السير قصة إسلام عمر، وأن أخته منعته من مس الصحيفة حتى اغتسل، وهذا أصل في الغسل لموجبه، وجماع هذه النصوص يدل على وجوب إزالة النجاسة. أما الوضوء فكان قريبا لفرض الصلاة، إذ لا يتأتي صلاة بدون وضوء. فيكون فرض الوضوء قبل الهجرة عقب فرض الصلاة وذهب ابن حزم أن الوضوء لم يشرع إلا بالمدينة محتجا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ... ﴾ ٣ فإنه الآية مدنية لذكر التيمم فيها. وذهب بعضهم إلى أن الوضوء قبل الهجرة كان مندوبا ثم فرض بالمدينة، وبهذا بمكن الجمع بين الرأيين. ٤- وفرضت صلاة الجمعة قبل الهجرة، فإنه بعد أن كانت بيعة العقبة وبايع القوم رسول الله ﷺ ، بعث معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقريء بالمدينة. وكان نزوله على أسعد بن زرارة كان يصلي بهم. واستأذن النبي ﷺ في صلاة الجمعة فأذن له. فأقامها في المدينة قبل الهجرة، وأخرج الطبراني أن أول من جمع بالمدينة مصعب بن عمير.
следующие страницы →