أهم ما أبطله القرآن والسنة في أحكام الجاهلية
...
أهم ما أبطله القرآن والسنة من أحكام الجاهلية:
جاء التشريع الإسلامي، وللعرب عقائد ومعاملات، وعرف وعادات، فما كان منها صالحا أقره وهذبه، كالقسامة، والديات، وبعض المكرمات، وما كان منها ضارا مفسدا نهى عنه وحرمه وأبطله، ومن أهم ما أبطله ما يأتي:
١- العقائد الوثنية، ومظاهر الشركن بما في ذلك إسنادهم الإهلاك إلى الدهر، وكفرهم بآيات الله ولقائه، والبعث بعد الموت، واعتقادهم أن الملائكة بنات الله، وتخصيص أنعام وحرث لآلهتهم، وما زعموه في البحيرة والسائبة، والوصيلة والحامي.
٢- الأعمال القبيحة، كقتل الأولاد خشية الإملاق، ووأد البنات مخافة العار.
٣- أنكحة الجاهلية: كان يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة فيصيبونها، فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع، فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم: قد غرفتم الذي كان من أمركم، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل.
وكان الرجل يقول لامرأته إذا ظهرت من طمثها: أرسلي غلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
وإذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإنا شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجها، فهم أحق بها من أهلها.
٤- نظام التبني: الذي ظل فترة في صدر الإسلام حتى نزل قوله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ ١.
٥- الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وإن كانت الخمر قد حرمت بالتدريج.
٦- تعالى بعض القبائل على بعض في القصاص والديات، فيجعلون جراحاتهم
стр. 142
ودياتهم ضعف جراحات الخصوم ودياتهم، وربما زادوا على ذلك وأعنتوا، فطلبوا العدد بالواحد، أو طلبوا غير القاتل أو قتلوا الحر بالعبد، إلى أن نزلت آية القصاص.
٧- وكان الظهار طلاقا، حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت ثعلبة فذهبت تشتكي إلى رسول الله ﷺ ، وظلت تراجعه حتى أنزل الله صدر سورة المجادلة.
٨- وكان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة أشهر، فإن نكحها كفر عن يمينه، وإن مضت قبل أن ينكحها خيره. السلطان: إما أن يفيء، وإما أن يعزم فيطلق.
٩- وكانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون "الحمس" وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ١.
١٠- وكانوا يستحلون الربا أضعافا مضاعفة، يكون لأحدهم دين على الآخر، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي، فإن لم يقض زاده هذا في المال، وزاده هذا في الأجل حتى نزل تحريم الربا٢.
стр. 143
تاريخ تشريع بعض الأحكام:
سبق أن أشرنا إلى أن التشريع المكي جاء بالأصول والقواعد التي بني عليها التشريع المدني، وأن المدني جاء بتفصيل الأحكام المبنية على المكي - وإليك تاريخ تشريع بعض هذه الأحكام:
أولا - في العبادات:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ ١ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ ٢ فذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة كله كانت مفروضة، ثم نزل التخفيف بعد ستة عشر شهرا، بما جاء في آخر السورة ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ....﴾ بفرض قيام بعض الليل.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: أن فرض قيام الليل كان على رسول الله ﷺ خاصة وأنه ﷺ مكث على هذه الحال عشر سنين، يقوم الليل كما أمره الله، وكان طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله تعالى عليه بعد عشر سنين، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ فخفف الله عنهم بعد عشر سنين، ثم نسخ ذلك بما فرضه الله ليلة الإسراء والمعراج من الصلوات الخمس.
стр. 144
وقيل: كان رسول الله ﷺ يصلي في أول البعثة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وعلى هاتين الصلاتين تحمل الآيات المكية التي ورد فيها ذكر الصلاة، كآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ ١.
وقد اتفق العلماء على أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء والمعراج قبل الهجرة بسنة، وأنها كانت خمسين، ثم خففت وصارت خمسا، كما روى في حديث الإسراء والمعراج.
وصح عن عائشة ﵂: أن الصلوات الخمس فرضت ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر.
٢- أما أوقات الصلوات الخمس فقد جاءت مجملة في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ٢ وجاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم. ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين بقرق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى في المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إلى جبريل وقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين " [رواه أبو داوود وابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث حسن، وأصله في الصحيحين] .
стр. 145
٣- وأصل مشروعية الطهارة كان بمكة وفي سورة المدثر - وهي أول سورة نزلت بعد "أقرأ" ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ ١ والتطهير لفظ عام يتناول الطهارة الحسية والطهارة المعنوية كما ذكر المفسرون، وهذا أصل في طهارة الثوب والبدن والمكان، وفي القرآن الكريم المكي ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢ وثبت عند أهل السير قصة إسلام عمر، وأن أخته منعته من مس الصحيفة حتى اغتسل، وهذا أصل في الغسل لموجبه، وجماع هذه النصوص يدل على وجوب إزالة النجاسة.
أما الوضوء فكان قريبا لفرض الصلاة، إذ لا يتأتي صلاة بدون وضوء. فيكون فرض الوضوء قبل الهجرة عقب فرض الصلاة وذهب ابن حزم أن الوضوء لم يشرع إلا بالمدينة محتجا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ... ﴾ ٣ فإنه الآية مدنية لذكر التيمم فيها.
وذهب بعضهم إلى أن الوضوء قبل الهجرة كان مندوبا ثم فرض بالمدينة، وبهذا بمكن الجمع بين الرأيين.
٤- وفرضت صلاة الجمعة قبل الهجرة، فإنه بعد أن كانت بيعة العقبة وبايع القوم رسول الله ﷺ ، بعث معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقريء بالمدينة. وكان نزوله على أسعد بن زرارة كان يصلي بهم. واستأذن النبي ﷺ في صلاة الجمعة فأذن له. فأقامها في المدينة قبل الهجرة، وأخرج الطبراني أن أول من جمع بالمدينة مصعب بن عمير.
стр. 146
وأخرج أبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي أن أول من جمع بهم أسعد بن زرارة.
وجمع الحافظ ابن حجر الروايتين بأن أسعد كان أميرا ومصعبا كان إماما.
أما آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١فهي مدنية، وقد نزلت بعد فرضية الجمعة لتأكيد ما أثبتته السنة بالقرآن، والتنصيص على ترك البيع وقتها.
قال ابن كثير في تفسيره، وإنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها. وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي ابتدئء الخليقة، كما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليه فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد".
وعلى هذا فتسمية يوم الجمعة إسلامية، وقيل سماه بها كعب بن لؤي في الجاهلية.
٥- ومشروعية الخطبة كانت في السنة الأولى من الهجرة، كما روى ابن إسحاق، وأورد أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ ، وأنه قام فيهم
стр. 147
فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد: أيها الناس قدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس راع، ثم ليقولن له ربه وليس ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه.... " قال إبن إسحاق: ثم خطب رسول الله ﷺ الناس مرة أخرى، فقال: "إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له....".
وقيل: كان هذا في في المسجد النبوي لأول بنائه، وقيل بقباء، ومن ذلك الحين شرعت الخطب في الإسلام.
٦- كما شرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وهو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلوات للإعلام بوقتها، فإنهم كانوا يتحينون وقت الصلاة فيجتمعون لها، فلما كثروا شاورا النبي ﷺ أصحابه فيما يتخذ للإعلام بدخول الوقت، فأشار بعضهم باتخاذ الناقوس كالنصارى، وبعضهم بالبوق كاليهود، وبعضهم بإيقاد النار، فرأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الخزرجي رؤياه التي قصها على رسول الله ﷺ ، فقال: هذا رؤيا حق، فأمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. ورأي عمر مثل رؤيا عبد الله كذلك.
والأصل في مشروعية الأذان ما رواه ابن إسحاق بسنده، عن عبد الله بن زيد، وأخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح: قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به الجمع الناس للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله. .. أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلين فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي
стр. 148
على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعدي، ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها رؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك: فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب منك فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطابس ﵁ وهو في بيته فخرج يجر رداءه، فقال: يا رسول الله.... والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأي، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد".
٧- وشرعت صلاة العيدين في السنة الثانية من الهجرة، حيث قدم النبي ﷺ المدينة كما روى أبوداد والنسائي ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: "أبد لكم الله تعالى بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى" وتبع ذلك مشروعية الأضحية، وفيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث جابر قال: صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه فقال: "بسم الله والله أكبر. اللهم إن هذا عني وعن من لم يضح من أمتي" وروى أحمد عن أبي رافع: "أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سيمنين أقرنين أملحين. فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدينة، ثم يقول: اللهم هذا عن أمتى جميعا، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتي بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحى، قد كفاه الله المؤنة برسول الله ﷺ والغرم".
٨- وفي السنة الثانية الهجرة كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فقد صح أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وكان يكثري النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
стр. 149
السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١ وكانت أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، وقد ارتاب من ذلك اليهود وأهل النفاق وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ؟ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب﴾ ٢. وأنزل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ٣.
٩- وكانت بداية مشروعية الصيام عقب الهجرة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسم المدينة فصام يوم عاشوراء قبل أن يفرض صيام رضمان فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدين’ فرأي اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، نجي الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، وقال: "أنا أحق بموسى منكم" فصامسه وأمر بصيامه.
وفي رواية فقال لهم: "ما هذا اليوم الذي تصومون؟ " قالوا: هذا يوم عظيم أنجي الله فيه موسى وقومه، وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه.
ثم فرض صيام شهر رمضان في العام الثاني من الهجرة وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٤.
стр. 150
فلما فرض رمضان قال رسول الله ﷺ : "إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه" أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر.
١٠- وشرعت زكاة الفطر على الأبدان في السنة الثانية من الهجرة قبل أن تفرض زكاة الأموال. لما رواه النسائي عن قيس بن سعد بن عبادة ﵄ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله".
واختلفوا في حكمها:
فذهب الجمهور إلى أنها فرض لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين".
وقال الحنفية بالوجوب دون الفرضية بناء على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب، إذ لا يوجد دليل قاطع تثبت به الفرضية.
وقال أشهب من المالكية، وابن اللبان من الشافعية، وأهل الظاهر: إنها سنة مؤكدة.
١١- واختلفوا في الوقت الذي فرضت فيه زكاة الأموال:
فذهب أكثر العلماء إلى أن ذلك كان بعد الهجرة.
وقال ابن خزيمة: إنها فرضت قبل الهجرة.
واختلف الأولون:
فقال النووي: إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة، وعليه أكثر العلماء.
وقال ابن الأثير: إنها فرضت في التاسعة، قال ابن حجر في الفتح: وفيه نظر، لأنها ذكرت في حديث ضمام بن ثعلبة المتفق عليه، وقدوم ضمام كان سنة خمس، وفي عدة أحاديث، وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة.
стр. 151
ولعل مراد ابن الأثير من أنها في التاسعة أن رسول الله ﷺ بعث العمال لقبضها في هذه السنة، فهو الذي تأخر إلى التاسعة.
وحديث ضمام بن ثعلبة في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: "نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد ... أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدقن قال: من خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا الزكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسك الله أمرك بهذا؟ قال نعم: قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك الله آمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق: قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق لا أريد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنة" وهذا اللفظ لمسلم.... والرجل الذي جاء من أهل البادية اسمه ضمام بن ثعلبة كما جاء مسمى في رواية البخاري وغيره، ففي رواية البخاري: "فقال الرجل: آمنت بما جئت به" وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر".
١٢- واختلفوا في قصر الصلاة في السفر:
فذهب جماعة إلى أن قصر الصلاة هو الأصل، ثم زيد في صلاة الحضر، فصارت أربعا عدا صلاة الفجر لطول القراءة فيها، والمغرب لكونها وترا للنهار، وأقرت صلاة السفر على ما كانت عليه، وفي حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها: "فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".
стр. 152
وذهب آخرون إلى أن قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف شرعا معا في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، وقد نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ١.
وذهب أكثر أهل السير إلى أن غزوة ذات الرقاع "٢" كانت بعد بني النضير وقيل خيبر، وقبل الخندق سنة أربع. وذكر بعضهم أنها كانت بعد بني قريطة والخندق سنة خمس.
١٣- وشرع التيمم في السنة الرابعة من الهجرة لفاقد الماء حقيقة أو حكما بدلا عن الغسل والوضوء، وذلك في غزوة المريسيع، حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها، أخرج البخاري وغيره عن عائشة قالت: "خرجنا مع الرسول ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقدي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر. وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؟ قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته".
стр. 153
والمراد بآية التيمم الآية التي في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ١ أما آية المائدة فإنها متأخرة النزول، لأن المائدة من أواخر ما نزل.
١٤- وكانت العمرة، كما كان الحج، مشروعين منذ شرعة إبراهيم ﵇، وأول عمرة اعتمرها برسول الله ﷺ بعد الهجرة كانت عمرة الحديبية سنة ست، حيث صده المشركون عن البيت، فنحر البدن، وحلق هو وأصحابه رؤوسهم، وحلوا من إحرامهم، ورجع من عامه إلى المدينة.
ثم كانت عمرة القضية في العام المقبل سنة سبع، فدخل مكة وأقام بها ثلاثا، ثم خرج بعد إكمال عمرته.
واختلف، هل كانت قضاء للعمرة التي صد عنها في العام الماضي أو عمرة مستأنفة؟ على قولين للعلماء: أحدهما أنها قضاء، والثاني أنها ليست بقضاء.
احتج الأولون بأنها سميت عمرة القضاء، وهذا الاسم تابع للحكم.
واحتج الآخرون بأنها المقاضاة، لأن رسول الله ﷺ قاضي أهل مكة عليها، وليست من قضي يقضي قضاء، والذين صدا عن البيت كانوا ألفا وأربعمائة، وهؤلاء كلهم لم يكونوا معه في عمرة القضية، ولو كانت قضاء لم يتخلف منهم أحد، ولم يأمر رسول الله ﷺ من كان معه بالقضاء. ثم كانت عمرته الثالثة من الجعرانة سنة ثمان لما خرج إلى حنين، ثم رجع إلى مكة، فإنه اعتمر من الجعرانة داخلا إليها.
стр. 154
ثم كانت عمرته ﷺ الرابعة التي قرنها مع حجته، فإنه كان قارنا في أصح الأقوال، وذلك سنة عشر.
واختلفوا في مشروعية الحج في الإسلام:
فقيل: شرع في السنة السادسة عام الحديبية حين نزلت الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ ١ ولقد نزلت بالحديبية سنة ست.
وأجيب عن ذلك بأن الآية ليس فيها ابتداء فرض الحجن وإنما فيها الأمر بإتمامه إذا شرع فيه، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.
وقيل: شرع الحج في السنة الرابعة، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٢ نزل عام الوفود، وهو العام الرابع من الهجرة، وقد نزل صدر سورة آل عمران في وفد نجران.
وقيل: شرع الحج في أواخر سنة تسع، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر على الحج، وأمره أن يؤذن في الناس: ألا لا يحج بعد العام مشرك. ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁، بعلي ﵁، وأمره أن يؤذن بصدر سورة براءة، لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكان ذلك توطئة لحج رسول الله ﷺ في السنة العاشرة حتى لا يقترن حجة بشائبة من شوائب الشرك.
وقيل: شرع الحج في السنة العاشرة فبادر رسول الله ﷺ إلى الحج، وما كان له أن يؤخر الحج بعد فرضه.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: اختلفوا في وقت ابتداء فرضه: فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل بعدها، ثم اختلف في سنته، فالجمهور على أنها سنة ست، لأنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيده قراءه علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي
стр. 155
بلفظ: "وأقيموا" أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج، وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس، وهذا يدل إن ثبت - على تقدمه على سنة خمس أو وقوعه فيها".
ورجع ابن القيم في زاد المعاد أن يكون فرض الحج سنة تسع أو عشر.
أما أحكام المحصر فقد كانت في السنة السادسة عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ والوصول إلى البيت، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ١.
كما كانت حرم مكة في السنة الثامنة عند الفتح:
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها. ولا يختلي خلاه" فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: "إلا الإذخر".
١٥- وشرع وجوب ستر العورة في السنة التاسعة، فقد روى مسلم وغيره عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة وتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله.
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ ٢.
стр. 156
وصح أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس١ والحمس قريش وما ولدت، وكان سائر العرب يطوفون بالبيت عراة لاعتقادهم أن ثيابهم مدنسة، وأن ثياب قريش طاهرة، فإذا لم يعطهم الحمس ثيابا طافوا عراة، حتى نزلت الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وأذن مؤذن رسول الله ﷺ : "ألا يطوف بالبيت عريان" كما منع المشركون من دخول مكة بنزول سورة براءة.
١٦- وشرعت صلاة الكسوف في السنة العاشرة يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ : عن المغيرة بن شعبة قال: انكسفت الشمش على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فادعو الله وصلوا، حتى ينكشف" [متفق عليه] .
وفي رواية بلفظ: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته. ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة" ثم صلى بهم جماعة صلاة الكسوف على الكيفية المذكورة في كتب السنة، وإنما قالوا: إنها كسفت لموت إبراهيم لأنها كسفت في غير يوم كسوفها المعتاد، فإن كسوفها كما قال أبو داوود كان في اليوم العاشر أو الرابع من شهر ربيع الأول، والمعتاد أن يكون كسوفها في الرابع عشر، فلذا قالوا: إنما هو لأجل هذا الخطب العظيم، فرد عليهم ﷺ ذلك. وأخبرهم أن كسو الشمس وخسوف القمر علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته، وعلى تخويف عباده من بأسه وسطوته: قال تعالى ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ٢.
стр. 157
وقوله: "لحياته" مع أنهم لم يدعوا ذلك لبيان أنه لا فرق بين الأمرين، فكما أنهم لا يقولون بكسوفهما لحياة أحد كذلك لا يكسفان لموته.
ثانيا- في المعاملات:
١- كان تحريم التطفيف في الكيل والوزن من أول ما نزل في المعاملات بعد هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة: أخرج النسائي وابن ماجه عن طريق على بن الحسين بن واقد متصلا عن ابن عباس قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا أنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾ ١ فحسنوا الكيل بعد ذلك" والتطفيف: البخس في المكيال والميزان إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم، وبهذا فسره الحق ﵎: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ٢.
٢- وشرع للحاكم العادل في السنة الرابعة من الهجرة أن يقطع بعض الأفراد من الأرض الميتة والمعادن والمياه ما دامت هناك مصلحة، أما أن يقطعهم محاباة لهم بغير حق ولا مصلحة - كما يفعل بعض الحكام اليوم - فإنه جور لا يجوز.
وقد دلت الآثار على أن رسول الله ﷺ أقطع أقواما، وأن الخلفاء من بعده أقطعوا، ورأي رسول الله ﷺ الصلاح فيما فعل من ذلك، إذ كان فيه تأليف على الإسلام، وعمارة للأرض، وكذلك الخلفاء إنما أقطعوا من رأوا أن له غناء في الإسلام، ونكاية للعدو، ورأوا أن الأفضل ما فعلوا.
أخرج أبو داود عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه فقال: أعطوه من حيث بلغ السوط"٣.
стр. 158
وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه الرسول ﷺ على رأسي، وهو مني على ثلثي فرسخ".
قال في سبل السلام: وأخرجه أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر وفيه أن الإقطاع كان من أموال بني النضير.
وإنما يقطع الحاكم من أجل المصلحة، فإذا لم تتحقق بأن لم يعمرها من أقطع له ولم يستثمرها فإنها تنزع منه إن تركها ثلاث سنين كما جاءت بذلك الآثار.
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ أقطع لأناس من مزينة أو جهينة - أرضا فلم يعمروها فجاء قوم فعمروها، فخاصمهم الجهينون - أو المزينون - إلى عمر بن الخطاب فقال: لو كانت مني أو من أبي بكر لرددتها، ولكنها قطيعة من رسول الله ﷺ ، ثم قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها".
٣- وكانت مشروعية الوقف في السنة السابعة من الهجرة بعد أن قسم رسول الله ﷺ غنيمة خيبر، واصاب عمر بن الخطاب ﵁ سهما منها، فاستشار عمر رسول الله ﷺ في سهمه، فأشار عليه بحبسه في سبيل الله.
أخرج ابن أبي شيبة" أن أول حبس في الإسلام صدقة عمر".
وعن ابن عمر ﵄ قال: "أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله ... إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". فتصدق بها عمر، وأنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول مالا" [متفق عليه] .
стр. 159
٤- وشرعت المساقاة والمزارعة في السنة السابعة حين عامل رسول الله ﷺ يهود خيبر.
عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" [متفق عليه] وفي رواية لهما: فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله ﷺ : "نقركم بها على ذلك ما شئنا" فقروا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ ولمسلم: "أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولهم شطر ثمنها".
والجمهور على جواز المساقاة والمزارعة خلافا للحنفية، ووافقهم أبو يوسف ومحمد ابن الحسن: قال ابن القيم في زاد المعاد: في قصة خيبر دليل على حواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع، فإنه ﷺ عامل أهل خيبر على ذلك. واستمر على ذلك إلى حين وفاته ولم ينسخ البتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء، فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين، فإنه ﷺ دفع إليهم الأرض على أن يعتملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا، فدل هذا على أن هديه عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هديه ﷺ وهدى الخلفاء الراشدين من بعده، وكما أنه هو المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة المال في المضاربة، والبذر يجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في المضاربة لا شتراط عوده إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة، فعلم أن القياس الصحيح هو الموافق لهدى رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين".
٥- وكان تحريم بيع الخمر والميتةوالخنزير والأصنام في السنة الثامنة من الهجرة حيث فتحت مكة.
стр. 160
روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه".
٦- وشرعت أكثر أحكام العقود والمعاملات في السنة العاشرة من الهجرة، فنزلت سورة المائدة -وهي من أواخر ما نزل- وجاء في صدرها الأمر بالوفاء بالعقود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ١ وقد نزل قبل ذلك النهي عن أكل أموال الناس بالباطل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وشرع تحريم الربا بعد غزوة خيبر التي كانت في المحرم سنة سبع، ثم نزل في القرآن الكريم تحريم الربا المضاعف، ثم نزل حل البيع وتحريم الربا القليل منه والكثير في سورة البقرة. ولما كانت حجة الوداع وضع رسول الله ﷺ ربا الجاهلية تحت قدميه. وأكد حرمة الدماء والأموال والأعراض.
روى مسلم في صحيحه عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت فضالة ابن عبيد الأنصاري يقول: "أتى رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب وزنا بوزن".
стр. 161
وروى مسلم كذلك عن فضالة بن عبيد قال: "كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن". ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.
ثم نزلت الآيات الأخيرة من سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢ ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،﴾ ٣.
وفي حجة الوداع خطب رسول الله ﷺ الناس بعرفة كما جاء في رواية أبي داود وغيره فقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم إياس ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله".
ثالثا - في شئون الأسرة "الأحوال الشخصية":
١- نزل القرآن المكي بحفظ الفروج، وأبطل رسول الله ﷺ أنكحة الجاهلية، ورغب الإسلام في الزواج، ونهى عن التبتل، وفي أوائل العهد المدني شرعت أحكام النكاح، وجاء كثير منها في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا، وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ٤.
стр. 162
٢- وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة. فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، يرث المهاجري الأنصاري، والأنصاري المهاجري، ونزل في السنة الثانية من الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١ فكانت ولاية نصرة وإرث. ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٢ فكان الإرث بين ذوي الأرحام.
وفي السنة الثالثة بعد غزوة أحد نزلت آيات الفرائض.
روى أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم عن جابر قال: "جاءت امرأة سعد بن الربيع الأنصاري فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد، وإن عمهما أخذ مالهما، قال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك".
وآية الميراث هي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم﴾ ٣.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: "كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ٤.
نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم﴾ ٤ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له".
стр. 163
وقوله: "موالي" أي أولياء ورثة، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُم﴾ المراد مولى اليمين وهو الحليف.
وروى البخاري عن ابن عباس كذلك: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع".
والمراد يقول ابن عباس: "كان المال للولد" ما كان عليه العرب في الجاهلية، فإنهم كانوا لا يورثون البنات، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ١.
٣- وشرع الله الطلاق والرجع والخلع والعدة في السنة الثالثة من الهجرة، حيث نزلت سورة الطلاق، وأيات الطلاق والعدة في سورة البقرة، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة عن أنس قال: "طلق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ ٢ فيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة".
ورواه ابن جرير عن قتادة مرسلا.
وأخرج أبو داوود والنسائي وابن ماجه وأحد "أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها" وليس فيه أن ذلك كان سبب نزول أول الطلاق.
وعن ابن عمر رضي الله الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" [متفق عليه] .
стр. 164
وعن ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: "يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعيب عليه في خلق ولادين، ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : أقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" [رواه البخاري] .
٤- وشرع الاستئذان والحجاب باديء ذي بدء في السنة الخامسة بآية الحجاب الخاصة بزوجات رسول الله ﷺ في سورة الأحزاب، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت ذلك في الصحيحين.
عن عمر ﵁ أنه قال: "وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ ١ وقلت: يا رسول الله.... إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرت نساءك أن يحتجبن، فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ٢ فنزلت كذلك.
وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ... يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب".
والمراد بآية الحجاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ٣.
قال ابن كثير: وكانت وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه
стр. 165
وسلم بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي العقدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما.
روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: فلما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأي ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ١ الآية
ورواه مسلم والنسائي من طرق آخرآ
ثم نزل في السنة نفسها آيات الاستئذان والحجاب التي في سورة النور:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ... وَمَا تَكْتُمُون﴾ ٢
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... ﴾ ٣ الآيتان.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ... ﴾ ٤.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٥.
٥- وشرع الإيلاء في السنة الخامسة من الهجرة كذلك حيث نزل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ
стр. 166
غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١ فأبطل الله بهذا ما كان عليه أهل الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، إذا كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته سنة وسنتين، وأنظر المولى أربعة أشهر، فإما أن يفيء أو يطلق.
عن ابن عباس ﵄ قال: "كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله أربعة أشهر فإن آلى أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء" [أخرجه البيهقي والطبراني] .
٦- وكان الظهار طلاقا في الجاهلية، وتحريما للزوجة، حتى شرع الظهار في السنة السادسة من الهجرة، ونزل صدر سورة المجادلة.
أخرج أحمد والنسائي، وابن ماجه وابن أبي حاتم، وابن جرير - واللفظ لابن أبي حاتم - عن عائشة قالت: "تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفي على بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله ... أكل مالي، وأفنى شبابي، ونشرت له بطنى، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكوك إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الأية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٢ قالت: وزوجها أوس بن الصامت".
وأخرج الإمام أحمد، عن خويلة بنت ثعلبة قالت: "في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة قالت: كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت، فدخل على يوما فراجعته بشيء، فغضب، فقال: أنت على كظهر أمي، قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل على فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلى وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني، قالت: ثم خرجت
стр. 167
إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابان ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله ﷺ ، فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: يا خويلة: ابن عمك شيك كبير، فاتقى الله فيه، قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في قرآن، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لي: يا خويلة.... قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا، ثم قرأ على ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ِوَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ١ قالت: فقال لي رسول الله ﷺ : مريه فليعتق رقبة، قالت: فقلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: فليصم شهرين متتابعين، قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير ما له من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله ﷺ : فإنا سعنينه بفرق من تمر، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بفرق آخر، قال: قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه. ثم استوصى بابن عمك خيرا، قالت: ففعلت".
ورواه أبو داوود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين، وعنده خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقد تصغر فيقال خويلة، قال ابن كثير في تفسيره: ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب، والله أعلم.
٧- وكان نكاح المتعة ويسمى الزواج المؤقت - مباحا لضرورة الغزو والسفر، ثم نهى عنه في غزوة خيبر، ثم أبيح، ثم نهى عنه في غزوة الفتح، ثم أبيح في غزوة أوطاس بعدها ثلاثة أيام ثم منع، وكان ذلك سنة ثمان.
عن ابن مسعود قال: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة
стр. 168
بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ١ الآية" [متفق عليه] .
وعن علي ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر" وفي رواية: "نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية" [متفق عليهما]
وعن سلمة بن الأكوع قال: "رخص لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أو طاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها" [رواه أحمد ومسلم] .
وعن سبرة الجهني "أنه غزا مع النبي ﷺ فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشرة، فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء" وذكر الحديث إلى أن قال: "فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا" [رواهن أحمد ومسلم]
وفي لفظ عن سبرة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم تخرج منها حتى نهانا عنها" [رواه مسلم] .
وفي رواية عنه: "أن رسول الله ﷺ في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة".
وما حكى عن ابن عباس أو غيره من إباحة المتعة فإنه معارض بالرجوع عن ذلك، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض، قال الشوكاني: وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع. وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد.
стр. 169
٨- وكانت الوصية واجبة بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ١ ثم نسخ ذلك، واختلفوا في الناسخ، فقيل: آية الفرائض: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن....﴾ إلى قوله تعالى: ﴿.... وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم﴾ ٢ وقيل: حديث: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" [رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وصححه الترمذي] وقيل: دل الإجماع على ذلك وإن لم يتعين دليله.
وقيل: الآية مخصوصة وليست منسوخة، لأن الأقربين أعم من أن يكونوا وارثين أم لا؟ فكانت الوصية واجبة لجميعهم، وخص منها الوارث بآية الفرائض وبالسنة الصحيحة، وبقي حق من لا يرث من الأقربين من الوصية على حاله.
وفي السنة العاشرة منعت الوصية بأكثر من الثلث في قصة سعد بن أبي وقاص عندما مرض في مكة بحجة الوداع.
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله: إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال، لا قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير أو كبير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" [متفق عليه] وكان هذا في مكة، في حجة الوداع.
٩- وروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ...
стр. 170
الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١
وقد نزلت بسبب جابر، قال جابر بن عبد الله: "مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشين، فأغمى على، فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صب على من وضوئه، فأفقت، فقلت: يا رسول الله.. كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد على شيئا حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [رواه مسلم] وتسمى آية الصيف، لأنها نزلت في زمن الصيف.
روى ابن ماجه عن عمر قال: "إني والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة، وقد سألت رسول الله ﷺ عنها، فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري - ثم قال: يا عمر ... ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء"
وهذه الآية في الإخوة أو الأخوات الأشقاء أو لأب عند عدم الأشقاء، وقد نزل قبلها في الإخوة لأم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ٢.
رابعا- في الجنايات:
١- كانت مشروعية الرجم في الزنا عند الإحصان في السنة الرابعة من الهجرة بما جاء في قضية اليهودي واليهودية اللذين زنيا فرجمهما النبي ﷺ .
عن ابن عمر: "أن اليهود أتوا النبي ﷺ برجل وامرأة منهم قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم، فقالوا: تسخم وجوهمها ويخزيان٣ قال:
стр. 171
كذبتم، إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا بالتوراة، وجاءوا بقاريء لهم، فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي تلوح، فقال: أو قالوا -: يا محمد.... إن فيها الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، قال: فلقد رأيته يجئنا عليها١ يقيها الحجارة بنفسه" [متفق عليه] .
روى أحمد ومسلم من حديث جابر "أن رسول الله ﷺ رجم رجلا من أسلم، ورجلا من اليهود وامرأة".
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ٢ الآيات.
والأحاديث تدل على أن حد الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم، ولا يشترط في الإحصان الموجب للرجم الإسلام، وهو مذهب الجمهور.
وقد أجاب من اشترط الإسلام عن هذه الأحاديث بأنه ﷺ إنما أمضي حكم التوراة على أهلها، ولم يحكم عليهم بحكم الإسلام، وقد كان ذلك عند مقدمة المدينة، وكان إذ ذاك مأمورا باتباع حكم التوراة، ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ٣.
стр. 172
قال الشوكاني: ولا يخفي ما في هذا الجواب من التعسف، ونصب مثله ي مقابلة أحاديث الباب من الغرائب، وكونه ﷺ فعل ذلك عند مقدمة المدينة لا ينافي ثبوت الشرعية، فإن هذا حكم شرعه الله لأهل الكتاب وقرره رسول الله ﷺ ، ولا طريق لنا إلى ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذه الطريق، ولم يتعقب ذلك في شرعنا ما يبطله، ولا سيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزل الله، ومنهي عن اتباع أهوائهم كما صرح بذلك القرآن، وقد أتوه ﷺ يسألونه عن الحكم، ولم يأتوه ليعرفهم شرعهم فحكم بينهم بشرعه، ونبههم على أن ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه، ولا يجوز أن يقال: إنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد بقوله: "فإني أحكم بينكم بالتوراة" كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة - إلزامهم الحجة، وأما الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُم﴾ فغاية ما فيه أن الله شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين، وهو مخرج على الغالب كما في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين، مع أن كثيرا منها يستوي فيه الكافر والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء الكفار خارجات والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء الكفار خارجات عن ذلك الحكم، فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث ابن عمر المذكور في البابن فإنه مصرح بأنه ﷺ رجم اليهودية مع اليهودي
وكان حكم الزنا في ابتداء الإسلام الحبس بالنسبة إلى المرأة، والإيذاء بالنسبة إلى الرجل، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ١ ثم نسخ ذلك برجم الثيب وجلد البكر.
أخرج مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "كان نبي الله.
стр. 173
صلى الله عليه وسلم إذا أنزلت عليه كرب لذلك وتربد وجهه، قال: فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك فلما سرى عنه قال: خذو عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكرش جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" وأخرجه كذلك أحمد وأبو داود والترمذي.
وقال تعالى: في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١
قال النووي في شرح مسلم: أما قوله ﷺ "فقد جعل الله لهن سبيلا" فأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا،﴾ فبين النبي ﷺ أن هذا هو ذلك السبيل، واختلف العلماء في هذه الآية، فقيل: هي محكمة، وهذا الحديث مفسر لها، وقيل: منسوخة بالآية التي في أول سورة النور، وقيل: إن آية النور في البكرين، وهذه الآية في الثيبين، وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيب ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولون بالرجم.
وأما قوله ﵊: "البكر بالبكر" والثيب بالثيب" فليس هو على سبيل الاشتراط، بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم ثيب، وحد الثيبس الرجم سواء زنى بثيب أم بكر، فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب.
واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل، سواء جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما أم لا، والمراد بالثيب من جامع في دهره مرة في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر. والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في هذا كله المسلم والكافر، والرشيد والمحجور عليه لسفه.
стр. 174
٢ وفي السنة الرابعة كذلك شرع حد القذف في أعقاب حديث الإفك، ونزل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١
٣- وكان تحريم الخمر على مراحل حتى نزل تحريمها القطعي في المرحلة الأخيرة:
وتحريم الميسر والأنصاب والأزلام في السنة السادسة من الهجرة، كما في حديث سعد بن أبي وقاص، قال: وضع رجل من الأنصار طعاما فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور فضرب به أنف سعد ففزره٢، وكانت أنف سعد مفزوزة، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٣.
٤- وشرع حد الحرابة في السنة السادسة أو السابعة:
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: "أن نفرا من عكل وعرينة ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك، فقال: "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلي، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلسم، فبعث في آثارهم، فادركوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا" وعند البخاري، قال أبو قلابة: "فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم.
стр. 175
وحاربوا الله ورسوله" وفي رواية لمسلم عن أنس قال: "إنما سمل رسول الله ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة" وفي رواية "وصلبهم" قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ،﴾ ١.
ثم نهى رسول الله ﷺ عن المثلة بعد ذلك.
٥- وكانت مشروعية القصاص في النفس والأطراف في السنة الثامنة من الهجرة، وأبطل الإسلام ما كان في الجاهلية من تفاوت بين الأشخاص في القصاص، لتفاوتهم حسبا ونسبا، وأمر الله بالعدل والمساواة.
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٢ قال: يعني إذا كان عمدا الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا بالحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ٢.
وفي آية المائدة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
стр. 176
٦- وشرع في السنة الثامنة كذلك حد السرقة، ونزل قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ،﴾ ١.
وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم- عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجتريء عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله ﷺ ، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أمامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، فقال: "أتشفع في حد من حدود الله ؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأنثى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، إني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها، قالت عائشة: فحسنت توبتها وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ".
وورد في السنة حد الردة: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي:
٧- وكانت مشروعية اللعان في السنة التاسعة لحديث عويمر العجلاني المتفق عليه، حيث قال: يا رسول الله: أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه إبتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ ٢ فتلاها عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من
стр. 177
عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدينا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدا بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غذب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما.
وفي رواية "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ يقول: "البينة وإلا حد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبريء ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾
قال ابن حجر في الفتح: وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينها بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما معا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا.... ولا مانع من أن يتعدد القصص ويتحد النزول.... ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: "فنزل جبريل" وفي قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك".
خامسا - في الجهاد والسير "العلاقات الدولية":
١- شرع الإذن بالقتال عقب هجرة رسول الله ﷺ في السنة الأولى، وذلك بنزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
стр. 178
عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١
روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قالك "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا بينهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن القوم، فأنزل الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ وهي أول أية نزلت في القتال".
٢- ثم كان أمر المسلمين بقتال من قاتلهم حماية للدعوة، ودفاعا عن حوزة الدين، والنهي عن القتال في الحرم إلا إذا قاتل المشركون فيه، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين﴾ ٢.
٣- وكانت سرية عبد الله بن جحش في السنة الثانية من الهجرة كما روى ابن أبي حاتم وأصحاب السير، حيث بعث رسول الله سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا، فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم" فلما قرأ الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ثم أخبر أصحابه بما فيه فمضى ومضى معه أصحابه، وفي الطريق أصل اثنان منهم بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتأخرا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل طعاما وتجارة. فيها عمرو بن الحضرمي وآخرون فقتلوا ابن الحضرمي وأسروا أسيرين واستولوا على العير ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادي. وأقبل عبد الله.
стр. 179
ابن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين على رسول الله ﷺ ، فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١
٤- وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها نزلت سورة الأنفال.
"أ" فكان في السنة الثانية أحكام النفل والغنائم وتخميسها بنزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،﴾ ٣.
ب- وكان في السنة الثانية في بدر كذلك بداية التشريع في حكم الأسرى قبل أن يشتد ساعد المسلمين، إذا استشار رسول الله ﷺ صحابته في أسرى بدر، فاشار عمر ﵁ بقتلهم، وأشار أبو بكر ﵁ بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم، وأخذ رسول الله ﷺ برأي أبي بكر، فنزلت الآيات: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤.
كما نزل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ٥.
стр. 180
ج- وفرض الله على المسلمين أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، روى البخاري عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١
ثقل على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية٢ فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتجوزوا عنهم".
٥- ولما قدم النبي ﷺ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:
قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وهم اليهود.
وقسم حاربوه ونصبوا له العدواة وهم المشركون.
وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل أظهروا أنهم معه، وأبطنوا العدواة له، وهؤلاء هم المنافقون.
فعامل رسول الله ﷺ كا طئافة من هؤلاء بما أمره به ربه ﵎.
فصالح يهود المدينة وكتب بينهم وبينه كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع، وبنى النضيرن وبني قريظة.
"أ" وكان بنو قينقاع أول من نقض العهد من اليهود بعد انتصار المسلمين في بدر، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين، فتوجه إليهم رسول الله ﷺ على رأس جند الله في نصف شوال من السنة الثانية.