← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9995

تاريخ التشريع الإسلامي

مناع القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٦- وشرع في السنة الثامنة كذلك حد السرقة، ونزل قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ،﴾ ١. وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم- عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجتريء عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله ﷺ ، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أمامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، فقال: "أتشفع في حد من حدود الله ؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأنثى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، إني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها، قالت عائشة: فحسنت توبتها وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ". وورد في السنة حد الردة: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي: ٧- وكانت مشروعية اللعان في السنة التاسعة لحديث عويمر العجلاني المتفق عليه، حيث قال: يا رسول الله: أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه إبتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ ٢ فتلاها عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من

стр. 177

عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدينا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدا بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غذب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما. وفي رواية "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ يقول: "البينة وإلا حد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبريء ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ قال ابن حجر في الفتح: وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينها بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما معا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا.... ولا مانع من أن يتعدد القصص ويتحد النزول.... ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: "فنزل جبريل" وفي قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك". خامسا - في الجهاد والسير "العلاقات الدولية": ١- شرع الإذن بالقتال عقب هجرة رسول الله ﷺ في السنة الأولى، وذلك بنزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ

стр. 178

عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١ روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قالك "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا بينهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن القوم، فأنزل الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ وهي أول أية نزلت في القتال". ٢- ثم كان أمر المسلمين بقتال من قاتلهم حماية للدعوة، ودفاعا عن حوزة الدين، والنهي عن القتال في الحرم إلا إذا قاتل المشركون فيه، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين﴾ ٢. ٣- وكانت سرية عبد الله بن جحش في السنة الثانية من الهجرة كما روى ابن أبي حاتم وأصحاب السير، حيث بعث رسول الله سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا، فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم" فلما قرأ الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ثم أخبر أصحابه بما فيه فمضى ومضى معه أصحابه، وفي الطريق أصل اثنان منهم بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتأخرا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل طعاما وتجارة. فيها عمرو بن الحضرمي وآخرون فقتلوا ابن الحضرمي وأسروا أسيرين واستولوا على العير ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادي. وأقبل عبد الله.

стр. 179

ابن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين على رسول الله ﷺ ، فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ ٤- وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها نزلت سورة الأنفال. "أ" فكان في السنة الثانية أحكام النفل والغنائم وتخميسها بنزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،﴾ ٣. ب- وكان في السنة الثانية في بدر كذلك بداية التشريع في حكم الأسرى قبل أن يشتد ساعد المسلمين، إذا استشار رسول الله ﷺ صحابته في أسرى بدر، فاشار عمر ﵁ بقتلهم، وأشار أبو بكر ﵁ بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم، وأخذ رسول الله ﷺ برأي أبي بكر، فنزلت الآيات: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤. كما نزل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ٥.

стр. 180

ج- وفرض الله على المسلمين أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، روى البخاري عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١ ثقل على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية٢ فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتجوزوا عنهم". ٥- ولما قدم النبي ﷺ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وهم اليهود. وقسم حاربوه ونصبوا له العدواة وهم المشركون. وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل أظهروا أنهم معه، وأبطنوا العدواة له، وهؤلاء هم المنافقون. فعامل رسول الله ﷺ كا طئافة من هؤلاء بما أمره به ربه ﵎. فصالح يهود المدينة وكتب بينهم وبينه كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع، وبنى النضيرن وبني قريظة. "أ" وكان بنو قينقاع أول من نقض العهد من اليهود بعد انتصار المسلمين في بدر، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين، فتوجه إليهم رسول الله ﷺ على رأس جند الله في نصف شوال من السنة الثانية.

стр. 181

للهجرة، وحاصرهم خمس عشرة ليلة، إلى هلال ذي القعدة، وكلم حليفهم عبد الله بن أبي رسول الله ﷺ فيهم، ثم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، وأخرجوا من المدينة فخرجوا إلى أذرعات بالشام، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١. ب- ثم نقض العهد بنو النضير في السنة الرابعة من الهجرة، حين خرج إليهم رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه ليعينوه في دية القتيلين اللذين قتلهما عمرو من أمية الضمري من بني عامر، للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك الرجلين القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم، ثم تأمروا على إلقاء صخرة عليه وهو يستند إلى جدار من بيوتهم، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فأخبرهم بما همت يهود به، وبعث إليهم رسول الله ﷺ أن أخرجوا من المدينة، وأمهلهم عشرا. فأبو وتحصنوا بحصونهم. فنهض إلى رسول الله ﷺ مع صحابته وحاصرهم، وقطع نخيلهم وحرق، وقذف الله في قلوبهم الرعب حتى سألوه أن يجيلهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، وكان الرجل منهم يهدم بيته ويحمل على ظهر بعيره بابه، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وفيهم نزلت سورة الحشر، وكانت مشروعية قسمة الفيء ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآيات٢. جـ- ولما خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة الخندق جاء حيي

стр. 182

ابن أخطب رئيس بني النضير إلى بني قريظة في ديارهم سنة خمس من الهجرة، وظل يحرضهم على قتال رسول الله ﷺ مع قريش وغطفان حتى استجابوا له، ونقضوا العهد. فما كاد ينتهي من غزوة الأحزاب حتى جاءه الوحي بالمسير إلى بني قريظة، فقال لصحابته: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فذهب رسول الله ﷺ مع صحابته، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ أن أرسل إلينا أبا لبابة ابن عبد المنذر نستشيره وكانوا حلفاء الأوس فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محم؟ قال: نعم: وأشار بيده إلى حلقه يقول إنه الذبح قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانها حتى عرفت أني خنت الله ورسوله ﷺ ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمدة وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، فتاب الله عليه، ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فقامت إليه الأوس، فقالوا: يا رسول الله.. قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم فقال ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ، قالوا: قد رضينا: فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فأركب حمارا، وجاء إلى رسول الله ﷺ فجعل الأوس يقولون له: يا سعد ... أجمل إلى مواليك فأحسن فيهم، فإن رسول الله ﷺ قد حكمك فيهم، لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرد عليهم شيئا، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لوة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعض من كان معه من قومه إلى المدينة، فنعى إليهم رجال بني قريظة قبل أن يصل سعد إليهم، فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى سيدكم" فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وأما الأنصار، وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها رسول الله ﷺ ، فقاموا إليه، فلما أنزلوه قالوا: يا سعد.... إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟

стр. 183

قالوا: نعم، قال: وعلى من ههنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبي الذراري والنساء، فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ١. كما أنزل الله فيمن نقض العهد ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ، فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٢. ٦- ثم كان نزول سورة براءة سنة تسع من الهجرة، وفيها الإعلام بانتهاء كل قوم إلى عهدهم، وقتال المشركين حيث وجدوا، وضرب الجزية على أهل الكتاب ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٣.

стр. 184

الفصل الثاني: الفقه في عصر الخلفاء الراشدين الفقه ... الفقه في عصر الخلفاء الراشدين: من سنة ١١هـ إلى سنة ٤٠ هـ. الفقه: الفاء والقاف والهاء أصل واحد يدل على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فقهت الحديث أفقهه، وكل علم بشيء فهو فقه، ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام فقيهن وإذا كان الفقه في الأصل بمعنى العلم بالشيء والفهم له، فقد غلب على العلم بالشريعة لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، حتى صار ذلك عرفا خاصا، فلا يطلق الفقه إلا على الفهم في الدين. وما من شيء يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال سواء أكان من أنواع العفود أم من التصرفات الأخرى في العبادات أو المعاملات أو الجرائم إلا وله في الشريعة الإسلامية حكم بينته نصوص الكتب والسنة، أو أقامت الشريعة له أمارات ودلائل يستنبط منها المجتهدون الحكم. ومجموع هذه الأحكام هو الذي يسمى بالفقه، فالفقه: هو مجموع الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية، وموضوع علم الفقه، هو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من الأحكام الشرعية. والحديث عن الفقه الإسلامي وتاريخه حديث عن الضوابط التي ترسى عليها البشرية دعائم نهضتها في صلة الإنسان بربه، وفي صلته بأبناء مجتمعه، وفي صلة

стр. 185

الأمة الإسلامية، بغيرها من أمم الدينا، وتلك هي الجوانب الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية في الإسلام، وهي المعيار الذي يقاس به موقف الأمة الإسلامية من شريعة ربها في التزامها بهذه الشريعة واعتصامها بحبلها وإقامة حياتها على أسسها. ولم تعد الشريعة الإسلامية موضع جدل في صلاحتها لكل زمان ومكان ووفائها بحاجات البشرية في كل عصر، حتى لدى أولئك الذين أثاروا في وجهها التهم، وأشاعوا قصورها وأغروا العالم الإسلامي بأن يستبدل بها القوانين الوضعية ونجحوا في ذلك بمعظم ديار الإسلام فإن المؤتمرات الدولية للقانون المقارن التي تعقد من حين لآخر قد فاءت إلى رشدها واعترفت بأن الفقه الإسلامي معين ثر له كيانه المستقبل المميز، وأنه مصدر قانوني أصيل. ولا نسوق هذا شاهدا ندعم به أصالة الفقه الإسلامي الذي يستعلى بذاته عن هذه الاعتبارات، إنما نسوقه دليلا على تخبط الحياة البشرية التي تلهث وراء القوانين الوضعية فلا تجد ما يروي ظمأها، ويلبي حاجتها وتشعر بالقصور في كل حين. ويكفي أن الله أكمل لنا بهذه الشريعة الدين، وأتم النعمة، وارتضى لنا الإسلام دينا، فأنزل على رسوله ﷺ قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى ببضعة وثمانين يوما في يوم عرفة بحجة الوداع هذه الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ١. وقد سبق أن ذكرنا فيما مضى أن عصر التشريع ينتهي بوفاة رسول الله ﷺ ، وهو الذي سميناه بعصر التشريع أما ما تلا ذلك فهو من باب الفقه، في الشريعة، وفي بداية حديثنا عن الدور الفقهي الأول يحسن بنا أن

стр. 186

نلم بالحالة السياسية لما لها من أثر في الحياة الفقهية.

стр. 187

الحالة السياسية: جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ تحدث ذات يوم على المنبر إلى أصحابه فقال: "إن عبدا قد خيره الله بين زهرة الدنيا وما عنده، فاختار ما عند الله". وفهم أبو بكر ما يقصد بهذه العبارة فقال: "بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا". ولم يدرك الصحابة حقيقة مغزاها إلا حين اختار الله رسوله للرفيق الأعلى ... ولم يلبث النبي ﷺ بعد ذلك الحديث حتى أحس بالوجع، فكان يُمَرَّضَ في بيت عائشة، ويخرج إلى الصلاة، فلما ثقل عليه المرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس. وتوفى النبي ﷺ وارتاب المسلمون حين نبئوا بوفاته، وماج بعضهم في بعض، وكان عمر أشدهم شكا، ولكن أبا بكر ﵁ تلا عليهم الآيسة الكريمة من سورة آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ،﴾ ١، فثاب المسلمون إلى صوابهم، وذكروا قول الله لنبيه ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٢. لم يكد النبي ﷺ يفارق أصحابه حتى ظهر بينهم خلال أوشك أن يكون عظيم الخطر على وحدتهم، حيث اختلفوا فيمن يخلف النبي ﷺ في سياستهم وتدبير شئونهم. أما الأنصار فظنوا أن الأمر ينبغي أن يكون فيهم، آووا النبي ﷺ

стр. 188

وسلم والذين هاجروا، وخاضوا المعارك في سبيل الله، فاجتمعوا بالفعل، وأزمعوا أن يبايعوا رجلا منهم بالخلافة، ورشحوا سعد بن عبادة زعيم الخزرج. ولكن الأمر انتهى إلى زعماء المهاجرين، فأسرع أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة ابن الجراح إلى الأنصار، ودار بينهم شيء من الجدال، وخطب فيهم أبو بكر وقال لهم: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. وأقنعهم بالأمر حتى سمحت نفوسهم، وكرهوا أن يأخذوا الخلافة أجرا على ما أبلوا في دين الله من البلاء، ثم أسرع عمر إلى بيعة أبي بكر، فتبعه الأنصار، وبايع بعد ذلك سائر المسلمين في المدينة، واستقام الأمر لأبي بكر. ولكن أبا بكر ﵁ واجه خلافا كاد شره أن يستطير ويصبح خطرا على الإسلام، لولا أن الله كتب لهذا الحفظ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١. فألقى في قلب أبي بكر اليقين، فثبت لهذا الخلاف أروع ثبات، وصمم على حسمه مهما كلفه من عناء. واجه أبو بكر قوما امتنعوا عن الزكاة، وقالوا: نقيم الصلاة ولا نؤتى الزكاة، فأبى إلا أن يؤدوا إليه ما كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ ، إذ لا فرق بين الصلاة والزكاة، وقال كلمته المأثورة: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدنه لرسول الله ﷺ لقاتلهم عليه ما استمسك السيف بيدي". وواجه قوما آخرين ظهر منهم كذابون ادعوا لأنفسهم النبوة، وتلوا على قومهم كلاما زعموا أنه وحي من الله، ظهر الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة في بني حنيفة باليمامة، وطلحة في بني أسد، وظهرت سجاح في أحياء من

стр. 189

جاء عمر ﵁ بعد أبي بكر، وواصلت جيوش المسلمين زحفها، ففتحت بلاد فارس، والشام ومصر، من بلاد الروم، وكثرت الغنائم، وواجه عمر مشكلات جديدة في إرسال الجيوش، وإمدادها، وتنظيم الجند، وحكم البلاد التي تفتح بحكم الله، وكلما أمعن المسلمون في الغزو وأبعدوا في الأرض كلما كثرت المشكلات. وقد وفق عمر إلى حل هذه المشكلات وتدبير أمور الدولة في حكم الأقطار البعيدة عنه والقريبة منه توفيقا معدوم النظير، وظلت حياة المسلمين مستقيمة في حياة عمر استقامتها في حياة أبي بكر، كلاهما ساس الناس كما كان النبي ﷺ يسوسهم أثناء حياته، والتزم عمر القرآن وسيرة النبي ﷺ ، وسيرة أبي بكر، ومشورة الصحابة، في حل ما عرض له من المشكلات التي نشأت عن الفتوح، واتساع الدولة، وانتشار الجيوش، وكثرة الغنائم والفيء وتنظيم أمور الأرض التي ظهر عليها المسلمون في البلاد المفتوحة، فكان كلما عرضت له مشكلة التمس حلها في كتاب الله، فإن لم يجد ففي سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجد ففي سيرة أبي بكر، فإن لم يجد دعا أولى الرأي من المهاجرين والأنصار، فشاورهم حتى يجد الحل للمشكلة، أو المشكلات التي عرضت له. وولى أمور المسلمين بعد عمر عثمان ﵁، فاستقامت له الأمور أعواما. ومضت جيوش المسلمين في الفتح شرقا وغربا، ولكن كرم خلقه، ولين طبعه، ورقة عاطفته - لكن ذلك- أغرى قوما من قريش عامة، ومن بني أمية رهطه خاصة في الحصول على مظاهر الغنى والجاه من ورائه، حتى طمعوا فيه، واستأثروا بكثير من أمره، فلم يلبث أن ضعفت مقاومته للطامعين، وفشت قالة السوء، وانتشرت الفتنة في الأقاليم والأمصار، وحضر الجنود من البصرة، والكوفة، ومصر، يضجون بالشكوى إلى أن انتهت ثائرتهم بقتل الخليفة في وضح النهار.

стр. 190

وبمقتل عثمان تفتحت أبواب الفتنة على مصاريعها حيث أقبل الناس على على ﵁ فبايعوه، واتخذ الكوفة عاصمة الخلافة، وأبي معاوية في الشام أن يؤمن لهذه البيعة. وذهب فريق من الصحابة مغاضبين إلى البصرة، على رأسهم أم المؤمنين عائشنة بنت أبي بكر، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ثم كانت موقعة الجمل، وتبعتها موقعة صفين، وقصة التحكيم فيها برفع المصاحف على الأسنة من قبل جيش معاوية، دعوة لعلي وأصحابه إلى كتاب الله يحتكمون إليه، وكانت الهدنة بين الفريقين، إلا أن عاقبتها كانت فرقة واختلافا. فقد رضيت كثرة جيش على بالهدنة، وفرضت على على أن يقبل اختيار أبي موسى الأشعري حكما واختيار معاوية عمرو بن العاص، وأبت قلة من جيش على هذه الهدنة، وأعلنوا أن علينا وأصحابه الذين قبلوا الهدنة قد كفروا، لأنهم حالفوا عن أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١ ولما كان على قد عرض الصلح على معاوية وأصحابه فرفضوه، ثم كانت الحرب فقد كان من الواجب المضي فيها حتى يقضي الله أمره، ولكن عليا وأصحابه قبلوا التحكيم فيما رأي الخوارج، فحكموا الرجال في دين الله والله وحده أحكم الحاكمين، وما كان ينبغي أن يضع السيوف حتى يفيء معاوية وأهل الشام إلى أمر الله. ثم عظم أمر الخوارج، فأئتمر نفر منهم بقتل ثلاثة زعموا أنهم ملأوا الأرض شرا وهم: على، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ولم يبلغ أربه من هؤلاء الثلاثة إلا صاحب على: عبد الرحمن بن ملجم، قتلهه في المسجد غيلة.

стр. 191

ثم اجتمع أمر جمهور المسلمين بعد ذلك على معاوية بن أبي سفيان، وبهذا انتهى عصر الخلفاء الراشدين وقد افترق المسلمون ثلاث فرق: الأولى: جمهور المسلمين، وهم الذين رضوا بإمرة معاوية. الثانية: الشيعة، وهم الذين والوا عليا وظلوا على حبه. الثالثة: الخوارج، وهم الذين نقموا على على ومعاوية معا. وكان لهذه الفرق الثلاث أثر في الفقه الإسلامي يظهر في الدور الآتي:

стр. 192

مصادر الفقه في هذا العصر: اقتضت الحاجة إلى حل ما جد من مشكلات بعد الفتح الإسلامي في عصر الصحابة إلى اتساع دائرة الفقة، ولم يكن بد من أن يكون النظر لحل أي مشكلة جديدة في كتاب الله تعالى، لأنه أساس الدين، ووحي الله وكلامه المبين، فإذا لم يجدوا في القرآن كان النظر في سنة رسول الله ﷺ لأنها بيان للتنزيل، فإذا وردت أقضية لا يرون فيها نصا من كتاب الله أو سنة رسوله لجئوا إلى استشارة أهل الرأي من فقهاء الصحابة، فإذا اجتمع رأيهم على شيء كان القضاء به، وذلك هو ما يسمى بالإجماع. وإذا كان رسول الله ﷺ قد أذن لصحابته في الاجتهاد أو أشار إليه، كما في حديث معاذ، فقدوجه الصحابة قضاتهم هذه الوجه كذلك إذا لم يجدوا الحكم في الكتابة والسنة. وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شريح: "إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله، فاقض بما سن فيه رسول الله ﷺ ، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن فيه رسول الله ﷺ فاقض بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولم يتكلم فيه

стр. 193

أحد قبلك، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيرا لك"١ وكانت طريقة أبي بكر وعمر على المنوال. قال أبو عبيد في كتاب القضاء: عن ميمون بن مهران "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﷺ ، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس. هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضي به، وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضي فيه بقضاء، فإذا كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإ لا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضي به" رواه البغوي والدارمي. وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: "رأيت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، وقاله رسوله ﷺ قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، ولم يقله رسول الله ﷺ ، وقاله أبو بكر أو عمر قال به، وإلا اجتهد رأيه"٢. وعن عبد الله بن مسعود، قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء فليقض فيه بما في كتاب الله ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض فيه بما قضى به رسول الله ﷺ ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله ولم يقض فيه رسول الله ﷺ ، فليقض بما قضى به الصالحون،

стр. 194

ولا يقل لي إني خائف، وإني أرى، فإن الحرام بين، والحلال بين وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك"١ وبذلك كانت مصادر الفقه في هذا العصر أربعة: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس.

стр. 195

جمع القرآن أولا: جمعه في عهد أبي بكر ... جمع القرآن: سبق أن تكلمنا عن جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ ، وقد جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان. أولا: جمعه في عهد أبي بكر قام أبو بكر بأمر المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، وواجهته أحداث جسام في ارتداد جمهرة العرب، فجهز الجيوش، وأوفدها لحروب المرتدين، وكانت غزوة أهل اليمامة تضم عددا كبيرا من الصحابة القراء، استشهد منهم الجم الغفير، فهال ذلك عمر بن الخطاب، ودخل على أبي بكر ﵁، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من هذه المقالة، وكبر عليه أن يفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ، وقد توفى والقرآن محفوظ في الصدور، ومكتوب في اللخاف والأكتاف ونحوهما، ولم يكن جمع على هيئة كتاب واحد، حيث لم تدع الحاجة إلى ذلك لوجوده ﷺ بين أظهرهم، ورجوعهم إليه في كل ما اختلفوا فيه، وظل عمر يراود أبا بكر حتى شرح الله صدره لهذا الأمر، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، لمكانته في القراءة والكتابة والحفظ والفهم والعقل، واقتص عليه قول عمر، فنفر زيد من ذلك كما نفر أبو بكر من قبل، وتراجعا حتى طابت نفس زيد للكتابة، وبدأ زيد بن ثابت مهمته الشاقة، معتمدا على المحفوظ في صدور القراء، والمكتوب لدى الصحابة، وبقيت.

стр. 196

تلك الصحف عند أبي بكر ﵁ حتى توفى، ثم صارت بعده غلى عمر، وظلت عنده حتى مات، ثم كانت عند حفصة بنته صدرا من ولاية عثمان حتى طلبها عثمان من حفصة. وبهذا يتبين فضل أبي بكر وعمر وزيد ومن أعانهم على جمع القرآن، فإنهم بذلك قد حفظوا لنا أصل الدين كما حفظوه بالجهاد في سبيل الله- وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثاني.

стр. 197

ثانيا: جمع عثمان القرآن، وكتابة المصاحف، وإرسالها إلى الأمصار ثبت أن القرآن نزل على سبعة أحرف، كما روى عن ابن عباس، أن النبي ﷺ ، قال: "أقرأني جبريل "القرآن" على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف"راه البخاري. وأذن ﷺ لكل من أصحابه أن يقرأ بما أخذ عنه من تلك الأحرف، تيسيرا لهم، وتخفيفا عنهم، ولم يكن بينهم من الاختلاف ما يدعو إلى المنع من ذلك، لقلته، واجتماع الصحابة وقلة عددهم بالنسبة لمن بعدهم، ولوجود الرسول ﷺ بين أظهرهم، ورجوعهم إليه فيما اختلفوا فيه، ولم تدع الحاجة في عهد أبي بكر وعمر لأكثر من جمع القرآن من غير ترتيب بين سورة، ولا إلزام للناس أن يقرأوا بحرف واحد من السبعة. وفي عهد عثمان اتسعت الفتوحات الإسلامية، وتفرق القراء في الأمصار. ووأخذ أهل كل مصر عمن وفد إليهم قراءته. ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها، فكانوا إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو، عجب بعضهم من وجوه هذا الاختلاف، وقد يقنع بأنها جميعا مسندة إلى رسول الله ﷺ ، ولكن هذا لا يحول دون تسرب الشك للناشئة التي لم تدرك الرسول ﷺ ، فيدور الكلام حول فصيحها وأفصحها، وذلك يؤدي إلى الملاحاة إن استفاض أمره، ثم إلى اللجاج والتأثيم، وتلك فتنة لا بد لها من علاج.

стр. 198

فلما كانت غزوة "أرمينية" وغزوة "أذربيجان" من أهل العراق، كان فيمن غزاها "حذيفة بن اليمان" فرأى اختلافا كثيرا في وجوه القراء، مع إلف كل لقراءته، ووقوفه عندها، ومما رأه من المخالفة حينئذ فزع إلى عثمان ﵁، وأخبره بما رأي، وكان عثمان قد نمى إليه أن شيئا من ذلك الخلاف يحدث ممن يقرئون الصبية، فينشأ هؤلاء وبينهم من الاختلاف ما بينهم، فأكبر الصحابة هذا الأمر مخالفة أن ينجم منه التحريف والتبديل، وأجمعوا أمرهم أن ينسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، ويجمعوا الناس عليها بالقراءات الثابتة، فأرسل عثمان إلى حفصة، فأرسلت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام القرشين، فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف، وأن يكتب ما اختلف فيه زيد مع رهط القرشيين الثلاثة بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم. كتبت المصاحف على القراءات المتواترة، ورد عثمان الصحف إلى حفصة، وبعث إلى كل أفق بمصحف من المصاحف، واحتبس بالمدينة واحدا هو مصحفه الذي يسمى "الإمام" حيث جاء في بعض الروايات: "يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما". وأمر أن يحرق ما عدا ذلك من صحيفة أو صحف. وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الاختلاف، وحصن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان، وكانت هذه المصاحف سبعة عدد الآفاق التي أرسل إليها: مكة، والشام، والبصرة، والكوفة، واليمن والبحرين، والمدينة. ويمتاز مصحف عثمان بالترتيب المعروف في السور اليوم، وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثالث، وكان سنة ٢٥ هجرية.

стр. 199

الفتوحات الإسلامية ومقتضياتها: أخذ الفتح الإسلامي يبسط نفوذه في عهد الخلفاء الراشدين على الأقطار المجاورة للجزيرة العربية، ودخل تحت لواء الإسلام من أصحاب الحضارات القديمة ناس من الفرس والروم، لهم من العقائد والتقاليد والأنظمة، ما يتنافى - كله أو جله مع العقيدة الإسلامية وشريعتها الغراء، وطبيعة هذا الفتح تستوجب ثل المسئولية، وعظيم التبعية على المسلمين الفاتحين، وتستدعي من الخلفاء أن يواجهوا هذا بتنظيم الجيوش وإمدادها، وتولية الولاة على البلاد المفتوحة، وإدارة شئونها. وباتساع الفتوحات الإسلامية تتجدد مشكلات الناس، وتجد أقضية لم تكن معهودة من قبل، وليس لها نص في كتاب أو سنة، وإذا كانت مدارك الصحابة، ودرجاتهم في الفهم متفاوتة، فذلك من شأنه أن يوقع الاختلاف فيما بينهم، وهكذا كان موقفهم من القضايا الجديدة، فمنها ما اتفقوا فيه على رأي ومنها ما اختلفوا فيه.

стр. 200

أهم القضايا التي اتفق عليها الصحابة: ١- كانت القضية الأولى التي واجهها الصحابة إثر وفاة الرسول ﷺ : قضية الخلافة التي أشرنا إليها في صدر هذا البحث، حيث كان الخلاف بين المهاجرين والأنصار، وأراد الأنصار هذا الأمر لأنفسهم، واختاروا سعد بن عبادة من قبلهم، ولكن مبادة أبي بكر وعمر، وأبي عبيدة في الذهاب إلى الأنصار، حسمت هذا الخلاف بعد مجادلة وتفاهم، وتمت البيعة لأبي بكر الذي استخلفه الرسول ﷺ للصلاة بالناس قبل وفاته، ولم يشذ عن هذه البيعة أحد سوى ما ذكره المؤرخون عن سعد بن عبادة الأنصاري. لقد ذكر ابن كثير في البدايةوالنهاية قصى سقيفة بن ساعدة وروى ما جاء عن ذلك في كتب السنة وروى البخاري في فضائل الصحابة، عن عائشة.

стр. 201

رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله صلى الله وسلم، مات، وأبو بكر بالسنح١ قال إسماعيل٢ك تعنى بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك ٣. وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله، فقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر، جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٥ قال: فنشج الناس يبكون، قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنى قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارا٦ وأعربهم أحسابا، فبايعوا عمر بن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله

стр. 202

صلى الله عليه وسلم فأخذ عمر بيده وبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة ١ فقال عمر: قتله الله" وذكرت الروايات أنه لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد، كانت بيعة العامة ٢- وكانت القضية الثانية التي واجهها الصحابة هي "امتناع جماعة من العرب عن أداء الزكاة" فعزم أبو بكر أمره على قتالهم، ولم يكن من رأي عمر باديء الأمر قتال هؤلاء، لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فظل أبو بكر يراجعه حتى شرح الله صدره للقتال، واتفق الصحابة عليه. فعن أبي هريرة قال: لما توفى رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: "كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على؟ فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدري لما شرح له صدر أبي بكر ﵁، فعرفت أنه الحق". رواه الجماعة إلا ابن ماجه.

стр. 203

٣- وأرادت فاطمة أن ترث رسول الله ﷺ ، فردها أبو بكر وتم الاتفاق على أنه لاحق لأحد من الورثة في ذلك، فقد روى البخاري في كتاب فضائل الصحابة عن عائشة: "أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ فيما أفاء الله على رسوله ﷺ ، تطلب صدقة النبي ﷺ التي بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث: ما تركناه فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل وإني والله لا أعز١ شيئا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ ، ولأعملن فيها بما بما عمل فيها رسول الله ﷺ . وفي الحديث المتفق عليه "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة". فكان هذا مخصصا لآية الميارث وزال الخلاف. ٤- واختلفوا في موضع دفنه ﷺ ، ثم اتفقوا على أن يدفن موضع فراشه حيث قبض ﷺ ، عندما روى لهم أبو بكر الصديق أنه لا يدفن نبي إلا حيث يموت. جاء في كتاب الجنائز من موطأ مالك: أن مالكا بلغه أن رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحدا، فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفى فيه" قال الحافظ ابن عبد البر: صحيح من وجوه مختلفة. وفي كتاب الجنائز من جامع الترمذي حديث عائشة لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله

стр. 204

عليه وسلم شيئا ما نسيته، قال: "ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه في موضع فراشه. وفي كتاب الجنائز من سنن أبن ماجه عن ابن عباس: لما اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون: يدفن في مسجده وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر: "إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض". ٥- ومن القضايا التي اتفقوا عليها كذلك "جمع القرآن" فقد توفى رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن قد جمع في مصحف واحد، وليس هناك من كتاب أو سنة ما يدل على جمعه، ولكن عمر رأي ضرورة ذلك بعد موقعة اليمامة كما ذكرنا من قبل، وظل يراجع أبا بكر حتى اقتنع بذلك، وصار هذا إجماعا من الصحابة١. ٦- وشاور عمر في تدوين الدواوين، وكان قد اتبع رأي أبي بكر في التسوية بين الناس في الأعطية، فلما جاء فتح العراق رأي التفضيل فيما بينهم بقدر بلاء الرجل وجهاده، واستشار في ذلك فأقره الصحابة. يقول عمر: "ما من أحد إلا له في هذا المال، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله ﷺ ، والرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته". ويذكر المؤرخون أن عمر أراد آخر حياته أن يرجع إلى المساواة كما صنع أبو بكر، ومات قبل أن يفعل ذلك.

стр. 205

جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، باب فرض الأعطية من الفيء ومن يبدأ به فيها، عن محمد بن عجلان، قال: لما دون لنا عمر الديوان قال: بمن نبدأ؟ قالوا: بنفسك فابدأ، قال: لا، إن رسول الله ﷺ إمامنا، فبرهطه نبدأ، ثم بالأقرب فالأقرب. وذكر القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج، في فصل "كيف كان فرض عمر لأصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم" أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يقسم العطاء بين الناس بالسوية، على الصغير والكبير، والحر والمملوك والذكر والأنثى، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: يا خليفة رسول الله: إن قسمت هذا المال فوسيت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فصلت أهل السوابق والفضل بفضلهم؟ فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما كان عمر بن الخطاب ﵁، وجاءت الفتوح، فضل، وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه، ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا خمسة آلاف، ولمن لم يشهد بدرا أربعة آلاف، وفرض لمن كان إسلامة كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا دون ذلك، أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق، وساق أبو يوسف الروايات التفصيلية الواردة في ذلك، ثم ذكر رواية محمد بن السائب عن زيد١ عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "والله الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله ﷺ ، فالرجل وتلاده في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو

стр. 206

مكانه قبل أن يحمر وجهه - يعني في طلبه - قال: ولما رأي المال قد كثر، قال: لئن عشت إلى هذه الليلة من قابل لألحقن أخرى الناس بأولاهم حتى يكونوا في العطاء سواء، قال: فتوفى ﵀ قبل ذلك. ودلت الروايات على أنه فرض لأزوج النبي ﷺ لكل واحدة اثنا عشر ألف درهم في السنة، ومثلها لعمه العباس، وثلاثة آلاف لأبناء المهاجرين والأنصار، فرتب العطاء حسب السبق والبلاء والحاجة.

стр. 207

أهم القضايا التي اختلفوا فيها: ١- الغنائم: تدخل الأرض في البلاد المفتوحة عنوة في عموم الغنيمة التي قال الله فيها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١ ويقضي هذا أن تقسم الأرض المفتوحة قسم الغنائم، فيكون أربعة أخماسها للغزاة، والخمس للمصالح العامة المذكورة في الآية. ولما فتحت الفتوحات في زمن عمر سأله الصحابة قسمة الأرص التي فتحت عنوة بين الغانمين، ولكن عمر رأي مستقبل المسلمين في هذه البلاد، وما تحتاجه من نفقات في إدارتها، وتنظيم شئونها، وتحقيق مصالح الناس فيها، يستدعى التفكير في إبقاء هذه الأرض دون أن تقسم، حتى يبقى لمن يجيء بعد الغانمين شيء، وذلك بوقفها على مصالح المسلمين، لهذا رأي عمر ترك الأرض لأهلها على أن يوضع عليهم ما يحتملون من خراج، تكون منه أعطيات للمسلمين، وما يحتاجون إليه من نفقات للجند والقضاة، والعمال، وسد حاجة المعوزين من

стр. 208

اليتامي والمساكين، ووافق عمر على رأيه جماعة من الصحابة، منهم عثمان، وعلى، ومعاذ بن جبل، وطلحة، وخالفه آخرون منهم: عبد الرحمن بن عوف، وعمار بن ياسر، وبلال، ورأوا أن تخمس الأرض، ويقسم أربعة أخماسها على الغزاة، والخمس لمن ذكروا في كتاب الله تمسكا بآية الغنيمة. وقد حاول بعض الفقهاء تبرير فعل عمر كما رواه أبو يوسف في الخراج، وذلك لقول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ١، ونقل عن عمر أنه قال في هذه الآية: "فكيف أقسم لكم وأدع من يأتي بغير قسم، فأجمع على تركه، وجمع خراجه وإقراره في أيدي أهله، ووضع الخراج على أيديهم والجزية على رؤوسهم. وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، الروايات الواردة في ذلك ٢، وقال: وجدنا الآثار عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرضين بثلاثة أحكام: أرض أسلم عليها أهلها، فهي لهم ملك أيمانهم، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره٣، وأرض افتتحت صلحا على خرج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه. وأرض أخذت عنوة فهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة فتخمس وتقسم، فيكون أربعة أخماسها خططا بين الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس الباقي لمن سمى الله ﵎، وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام، إن رأي أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها، كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، فذلك له، وإن رأي أن يجعلها فيئا فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا كما صنع عمر بالسواد.

стр. 209

وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول. لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر" رواه البخاري. وهذا يعني أن ترك عمر قسمة السواد كان باجتهاد منه. وقال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هذا عين المال، ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه. فكان حكم عمر في السواد وغيره أن جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا، ولم يخمسه. وهذا الرأي الذي أشار به عليه علي بن أبي طالب ﵁، ومعاذ بن جبل ﵀. وبهذا أخذ الإمام مالك فقد ذهب إلى أن الأرض المفتوحة لا تقسم، بل تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات ان المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض. وحكى هذا القول ابن القيم عن جمهور الصحابة ورجحه، وقال: إنه الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين. فالخيار في أرض العنوة إلى الإمام، إن شاء جعلها غنيمة فخمس وقسم، وإن شاء جعلها فيئا عاما للمسلمين ولم يخمس ولم يقسم. قال أبو عبيد: وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء، إلا أن الذي اختاره من ذلك يكون النظر فيه إلى الإمام، كما قال سفيان، وذلك أن الوجهين جميعا داخلان فيه، وليس فعل النبي ﷺ براد لفعل عمر، ولكنه ﷺ اتبع آية من كتاب الله ﵎ فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئا، قال اللن ﵎:

стр. 210

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ ١. فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي ﷺ ، وقال الله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٢. فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، وإلى هذه الآية ذهب على ومعاذ حين أشاروا عليه بما أشارا، فيما نرى. والله أعلم. والذي أورده أبو يوسف في الخراج في "فصل الفيء والخراج" يوضح هذا المعنى الأخير الذي أورده أبو عبيد في تأويل عمر لآية الفيء. فقد روى أبو يوسف عن محمد بن إسحاق عن الزهري أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار الناس في السواد - أي أرض العراق - حين افتتح، فرأى عامتهم أن يقسم. وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك، وكان رأي عمر ﵁ أن يتركه ولا يقسمه، فقال: اللهم اكفني بلالا وأصحابه، ومكثوا في ذلك يومين أو ثلاثة أو دون ذلك. ثم قال عمر ﵁: إني قد وجدت حجة.

стр. 211

قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،﴾ ١ حتى فرغ من شأن بني النضير، فهذه عامة في القرى كلها، ثم قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ،﴾ ٢ ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون﴾ ٣ ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤ فهذا فيما بلغنا والله أعلم للأنصار خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ،﴾ ٥ فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم. فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعا، فكيف نقسم لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم؟ فأجمع على تركه وجمع خراجه. قال أبو يوسف: والذي رأي عمر ﵁ من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقا من الله كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عمود النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا.

стр. 212

على الناس من الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة، والله أعلم بالخير حيث كان. ونقل أبو عبيد رأيا آخر، وهو أن عمر ﵁ إنما فعل ذلك برضا من الذين افتتحوا الأرض حيث استطاب نفوسهم، فإن الأرض حق الغانمين بنص الآية، فلولا أن عمر استطاب نفوسهم لما وسعه أن يحرمهم حقهم.

стр. 213

٢- حد الخمر: كان العمل قبل خلافة عمر في عقوبة شارب الخمر على الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، دون حد مقدر، حيث لم يفرض الرسول ﷺ في الخمر حدا، ولم يسن سنة، فلما جاء عمر استشار الناس بعد أن كثر شرب الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. روى عن السائب بن زيدأنه قال: "كنا نؤتي بالشارب في عهد رسول الله ﷺ وفي إمره أبي بكر، وصدرا من إمرة عمر، فتقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمره عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين". رواه البخاري وأحمد. وعن علي ﵁ أنه قال: "ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه". متفق عليه. فلما كان عهد عمر ورأي الناس قد انهمكوا في الخمر، واستخفوا العقوبة، استشار الصحابة كعادته في ذلك، فأشار عليه بعضهم بالجلد ثمانين لأنه أخف الحدود، وهو حد القذف فأمر به عمر.

стр. 214

عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. متفق عليه، واللفظ لمسلم. قال ابن دقيق العيد: وفيه دليل على المشاورة في الأحكام والقول فيها بالاجتهاد، وقيل: إن الذي أشار بالثمانين هو على بن أبي طالب ﵁، وقد يستدل به من يرى الحكم بالقياس أو الاستحسان. وأخرج مالك في الموطأ أن عمر استشار الناسفي الخمر فقال له على بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين. قال ابن حجر وهذا حديث معضل. وقد وصله النسائي والطحاوي - وأنكره ابن حزم وفي معناه نكارة، لأنه قال: إذا هذي افترى، والهاذي لا يعد قوله فرية، لأنه لا عمد له، ولا فرية إلا عن عمد، والثابت الصحيح أن الذي أشار بالجلد ثمانين عبد الرحمن بن عوف كما في الحديث المتفق عليه. وذكرت بعض الروايات سبب استشارة عمر، أخرج أبو داود والنسائي: "أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر، إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم، فأجمعوا على أن يضرب ثمانين". وحكاية الإجماع هذه عن الحاضرين، لم تثبت فإن الخلاف كان قائما في حد الخمر ولا زالهذا الخلاف بين الفقهاء كذلك، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة للإجماع عليه في عهد عمر، وذهب أحمد في رواية والشافعي في المشهور عنه وداود إلى أنه أربعون لأنها التي كانت في زمن الرسول ﷺ وزمن أبي بكر،

стр. 215

ودعوى اجماع الصحابة غير مسلمة فقد جلد على الوليد بن عقبة أربعين، وكأنه عدل عن إجتهاده السابق.
следующие страницы →