قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،﴾ ١ حتى فرغ من شأن بني النضير، فهذه عامة في القرى كلها، ثم قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ،﴾ ٢ ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون﴾ ٣ ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤ فهذا فيما بلغنا والله أعلم للأنصار خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ،﴾ ٥ فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم. فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعا، فكيف نقسم لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم؟ فأجمع على تركه وجمع خراجه.
قال أبو يوسف: والذي رأي عمر ﵁ من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقا من الله كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عمود النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا.
стр. 212
على الناس من الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة، والله أعلم بالخير حيث كان.
ونقل أبو عبيد رأيا آخر، وهو أن عمر ﵁ إنما فعل ذلك برضا من الذين افتتحوا الأرض حيث استطاب نفوسهم، فإن الأرض حق الغانمين بنص الآية، فلولا أن عمر استطاب نفوسهم لما وسعه أن يحرمهم حقهم.
стр. 213
٢- حد الخمر:
كان العمل قبل خلافة عمر في عقوبة شارب الخمر على الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، دون حد مقدر، حيث لم يفرض الرسول ﷺ في الخمر حدا، ولم يسن سنة، فلما جاء عمر استشار الناس بعد أن كثر شرب الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر.
روى عن السائب بن زيدأنه قال: "كنا نؤتي بالشارب في عهد رسول الله ﷺ وفي إمره أبي بكر، وصدرا من إمرة عمر، فتقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمره عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين". رواه البخاري وأحمد.
وعن علي ﵁ أنه قال: "ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه". متفق عليه.
فلما كان عهد عمر ورأي الناس قد انهمكوا في الخمر، واستخفوا العقوبة، استشار الصحابة كعادته في ذلك، فأشار عليه بعضهم بالجلد ثمانين لأنه أخف الحدود، وهو حد القذف فأمر به عمر.
стр. 214
عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قال ابن دقيق العيد: وفيه دليل على المشاورة في الأحكام والقول فيها بالاجتهاد، وقيل: إن الذي أشار بالثمانين هو على بن أبي طالب ﵁، وقد يستدل به من يرى الحكم بالقياس أو الاستحسان.
وأخرج مالك في الموطأ أن عمر استشار الناسفي الخمر فقال له على بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين. قال ابن حجر وهذا حديث معضل. وقد وصله النسائي والطحاوي - وأنكره ابن حزم وفي معناه نكارة، لأنه قال: إذا هذي افترى، والهاذي لا يعد قوله فرية، لأنه لا عمد له، ولا فرية إلا عن عمد، والثابت الصحيح أن الذي أشار بالجلد ثمانين عبد الرحمن بن عوف كما في الحديث المتفق عليه.
وذكرت بعض الروايات سبب استشارة عمر، أخرج أبو داود والنسائي: "أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر، إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم، فأجمعوا على أن يضرب ثمانين".
وحكاية الإجماع هذه عن الحاضرين، لم تثبت فإن الخلاف كان قائما في حد الخمر ولا زالهذا الخلاف بين الفقهاء كذلك، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة للإجماع عليه في عهد عمر، وذهب أحمد في رواية والشافعي في المشهور عنه وداود إلى أنه أربعون لأنها التي كانت في زمن الرسول ﷺ وزمن أبي بكر،
стр. 215
ودعوى اجماع الصحابة غير مسلمة فقد جلد على الوليد بن عقبة أربعين، وكأنه عدل عن إجتهاده السابق.
стр. 216
٣- ربا الفضل:
حرم الله الربا في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، والربا الذي كان معلوما في الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، وهذا الذي يسمى بالربا الجلي، أو ربا الديون، أو ربا النسيئة، ولا خلاف فيه.
واختلفوا في ربا الفضل.
فذهب ابن عباس إلى أن الربا المحرم هو ربا النسيئة، وأن ربا الفضل جائز لا حرمة فيه، ووافقه على ذلك بعض الصحابة ذكر منهم أسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير.
قال ابن قدامة في المغني: وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحكى عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة لقوله ﵊: "لا ربا إلا في النسيئة" رواه البخاري. وفي رواية لمسلم "إنما الربا في النسيئة" ثم قال: والمشهور من ذلك قول ابن عباس. ثم إنه رجع إلى قول الجماعة.
стр. 217
وفي حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: "أن رسول الله ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". وفي رواية أبي سعيد الخدري "فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".
والثابت الذي لا مجال للجدل فيه إجماع التابعين على تحريم ربا الفضل، وهذا الإجماع يرفع قول ابن عباس وغيره.
стр. 218
٤- الطلاق الثلاث:
وأمضى عمر بن الخطاب الطلاق الثلاث على خلاف ما كان عليه الأمر قلبه روى مسلم في صحيحه عن طاوس عن ابن عباس، أنه قال:
كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر - طلاق الثلاث - واحدة فقال عمر بن الخطاب: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم" فأمضاه عليهم".
وفي رواية: أن أبا الصهباء قال لابن عباس، هات من هناتك١، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ أبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأمضاه وأجازه عليهم.
فعمل عمر كما ترى، كان بناء على سد الذرائع، لأن الناس قد تتابعوا فيما حرم الله عليهم، فاستحقوا العقوبة على ذلك، فعوقبوا بلزومه، فإن سنة الطلاق مرة بعد أخرى حيث يتاح للزوجين فرصة التراضي والوفاق.
стр. 219
ولم يتفق الصحابة على ذلك بل وافق عمر معظم الصحابة وخالفه آخرون منهم على وأبو موسى وابن عباس والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف.
وفي هذا اختلاف مشهور عند العلماء على مذاهب:
المذهب الأول: إذا طلق الرجل زوجه ثلاثا بلفظ واحد وقعت ثلاثا دخل بها أو لا.
المذهب الثاني: إذا طلق الرجل زوجه ثلاثا بلفظ واحد وقعت واحدة دخل بها أو لا.
المذهب الثالث: إذا طلق الرجل زوجه ثلاثا بلفظ واحد فإنه يقع في المدخول بها ثلاثا وفي غير المدخول بها واحدة.
المذهب الرابع: عدم وقوع الطلاق مطلقا لأن إيقاع الطلاق على ذلك الوجه بدعة محرمة.
стр. 220
٥- صلاة التراويح:
ومما ينسب إلى عمر جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان.
وقد جاء قيام رمضان عن النبي ﷺ ، وصلى رسول الله بصحابته جماعة، ثم ترك ذلك مخافة أن تجب عليهم.
وقد صلاها الناس فرادي في زمن الرسول ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، فخرج عمر ليلة فرأى الناس أوزاعا يصلون في المسجد، فقال: لو جمعتهم على إمام، فأمر أبي بن كعب فصلى بهم، ثم خرج ليلة أخرى فرآهم مجتمعين على أبي بن كعب فسر بهم.
كما ينسب إليه زيادة النفل في رمضان أو غيره على إحدى عشرة ركعة إلى عشرين ركعة أو أكثر، وهذا أمر لم يتم الاتفاق عليه.
стр. 221
ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضي صلاة الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال: "أما بعد فإنه لم يخف على شأنكم الليلة، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها".
وفي رواية لمسلم: "وذلك في رمضان" وفي رواية البخاري: "فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك".
وروى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاريء أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله" ١
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة. وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأقسام الخمسة".
ولمالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال: "كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة".
стр. 222
وأخرج البخاري وغيره عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا".
وقد استنبط عمر من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في الليالي الثلاث مشروعية التجمع لصلاة التراويح، وإنما كره الرسول ﷺ ذلك لهم خشية أن تفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ حصل الأمن من ذلك، وترجح لدى عمر التجمع، لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد انشطة لكثير من المصلين.
وإلى قول عمر جنح الجمهور وعن مالك في إحدى الروايتين وأبي يوسف وبعض الشافعية: الصلاة في البيوت أفضل عملا بعموم قوله ﷺ فيما رواه مسلم "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
стр. 223
٦- الطلاق عند اختلاف الزوجين في الحرية والرق:
واختلفوا في الطلاق عند اختلا الزوجين في الحرية والرق، فأفتى عثمان ابن عفان، وزيد بن ثابت وعمر وابن عباس: بأن الحرة تكون زوجة للعبد تحرم الحرمة المؤبدة بطلقتين، واعتبر الطلاق بالزوج، لأنه الموقع للطلاق، وهو الذي بيده عصمة النكاح، فاعتبروا الطلاق بالرجل، وخالفهم على وابن مسعود فقالا: لا تحرم إلا بثلاث تطليقات: أما الأمة تكون زوجة للحر فتحرم بطلقتين، فاعتبروا الطلاق بالزوجة، لأنها هي التي وقع عليها الطلاق.
стр. 224
٧- عدة الحامل المتوفى عنها زوجها:
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٢؛ فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : ذكر الله في المطلقات أن عدة الحوال أن يضعن حملهن، وذكر في المتوفى عنها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، فعلى الحامل المتوفي عنها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، وأن تضع حملها حتى تأتي بالعدتين معا؛ فهي تعتد بآخر الأجلين، إذ لم يكن وضع الحمل إنقضاء للعدة نصا إلا في الطلاق، وروي هذا عن علي وابن عباس وأبي السنابل، يقول غيرهم: إذا وضعت ذات بطنها فقد حلت.
وروى البخاري والنسائي عن ابن مسعود أنه قال: من شاء باهلته، إن سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة النساء الطولي -يعنى البقرة- ومآله تخصيص آية البقرة بآية الطلاق.
روى الجماعة إلا أبا داود وابن ماجه عن أم سلمة: "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها، فتوفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل ابن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين. فمكثت قريبا من عشر ليال ثم نفست، ثم جاءت النبي ﷺ فقال: "أنكحي".
وجاء في رواية أخرى للجماعة إلا الترمذي في معناه من رواية سبيعة قال: "فأتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي".
стр. 225
٨- وقت وقوع الطلاق في الإيلاء:
قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
فقال كثير من الصحابة إذا مضت أربعة أشهر وقف المولى؛ فإما أن يفيء وإما أن يطلق، وهذا مذهب ابن عمر رواه البخاري، وقال: ويذكر عن عثمان، وأبي الدرداء، وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، وروي عن غيرهم من الصحابة: عزمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعلي.
عن ابن عمر قال: "إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق، يعني المولى" أخرجه البخاري وقال: ويذكر ذلك عن عثمان وعلى وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، وقال أحمد بن حنبل في رواية أبي طالب، قال عمر وعثمان وعلي وابن عمر: يوقف المولى بعد الأربعة فإما أن يفي وإما أن يطلق".
وأخرج الطبري عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت، أنها إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ طلقت طلقة بائنة، وروي عن ابن عباس مثل ذلك.
стр. 226
٩- النفقة والسكنى للمبتوتة:
أفتى عمر بن الخطاب بأن المبتوتة لها النفقة ولها السكنى ولما بلغه حديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى بعد الطقة الثالثة، قال: "لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت".
стр. 227
وكتاب الله قوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة﴾ ١. وأفتى غيره بألا نفقه لها ولا سكنى، احتجاجا بحديث فاطمة بنت قيس، وقد جاء فيه، إن زوجها طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له؛ فقال: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى". فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك.
وأفتى آخرون بألا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملا لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢.
وتحقيق هذه المسألة، أنه إذا طلق الرجل زوجه؛ فإما أن يكون الطلاق رجعيا أو بائنا، فإن كان الطلاق رجعيا كان لها النفقة والسكنى بلا خلاف؛ لأن ملك النكاح قائم، وإن كان الطلاق بائنا وكانت حاملا فلها النفقة إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾ ، واختلفوا إذا كانت مبتوتة غير حامل.
والثابت أنه ما كان للمطلقة المبتوتة نفقة ولا سكنى لا في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد أبي بكر، لحديث فاطمة بنت قيس، روى مسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن فاطمة بنت قيس ﵂: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب؛ فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة". وفي رواية "لا نفقة لك ولا سكنى" وفي رواية: "فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة".
ولكن عمر ﵁ فهم من عموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، لا
стр. 228
تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنّ﴾ ٢. فهم عمر من هاتين الآيتين أن لا فرق بين رجعية ومبتوتة، فجعل للمبتوتة النفقة السكنى، ولما بلغه أن فاطمة بنت قيس تحدث أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، قال: "لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِن﴾ ٣.
وما جاء في بعض الروايات من زيادة "وسنة نبينا" غير صحيح، فإن السنة الثابتة في حديث فاطمة أن النبي ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، ووافق عمر على ذلك بعض الصحابة كعائشة وابن مسعود وابن عمر، وخالفه آخرون.
وبرأي عمر أخذ أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي: لها السكنى دون النفقة، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن أبي ليلى لا نفقة لها ولا سكني لأن الآية لا تتناول المطلقة البائنة.
стр. 229
١٠- ميراث الجد مع الإخوة:
واختلفوا في الجد، فقال زيد بن ثابت وهو المروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود: يورث معه الإخوة على اختلاف بينهم في كيفية التوريث، وقال أبو بكر، وروي عن عائشة، وابن الزبير، وابن عباس، وعمران بن حصين، وعبد الله ابن عقبة، أنهم جعلوه أبا، وأسقطوا الإخوة معه.
стр. 230
١١- ميراث الأخوات مع البنات:
وروى عن معاذ بن جبل، وابن مسعود، وعمر، وعلي، وزيد وجمهور من الصحابة أن الأخوات لأبوين، أو لأب عصبة مع البنات، وإن لم يكن معهم أخ، لهن ما فضل وليست لهن معهن فريضة مسماة.
وروي عن ابن عباس أنه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة؛ فقال في بنت وأخت، للبنت النصف ولا شيء للأخت، فقيل له: إن عمر قضى بخلا ذلك جعل للأخت النصف، فقال: ابن عباس: أنتم أعلم أم الله؟ يريد قول الله سبحانه ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ١
فإنما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.
كما اختلفوا في الكلالة ومسائل أخرى من الميراث وغيره.
стр. 231
١٢- المشركة:
لهذه المسألة عند القائلين بالتشريك أربعة أركان:
١- أن يكون فيها زوج.
٢- أن يكون فيها أم أو جدة.
٣ أن يكون فيها اثنان أو أكثر من أولاد الأم.
٤ أن يكون فيها عصبة أشقاء أي إخوة من الأب والأم.
فقد رفعت هذه القضية أول الأمر إلى عمر فقضى فيها على الأصل المشهور من قبله، وهو سقوط العاصب إذا استغرقت الفروض التركة، ثم رفعت إليه قضية مثلها في العام التالي فشرك بين الإخوة للأم والإخوة للأب والأم، جعل الثلث بينهم سواء؛ فلما سئل عن قضائه الأول قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. ووافقه على ذلك: زيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وابن مسعود
стр. 232
وغيرهم، وهو مذهب مالك والشافعي، وخالفه علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري، ورواية عن ابن عباس، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد.
стр. 233
١٣- العول في الميراث:
هو ازدحام فروض لا يتسع لها المال، أي زيادة في السهام، ونقصان في الأنصبة؛ ذلك أن جميع الفرائض لا تخرج عن ثلاثة أمور.
١- عادة: وهي التي تستوي فيها السهام مع الأنصبة، وتستغرق جميع المال بغير زيادة.
٢- قاصرة: وهي نقصان من الأسهم وزيادة في الأنصبة.
٣ عائلة: وهي أن تزيد الأسهم وتنقص الأنصبة، فهي عكس الأولى، أي القاصرة.
وأول مسألة عائلة هي: زوج وأختان، وذلك أنه في عهد عمر ﵁، ماتت امرأة عن زوج وأختين، فرفع أمرهم إلى عمر، فالتبس عليه الأمر ثم اجتهد وحكم بالعول.
وقيل: إن أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر هي: زوج وأخت وأم. ولم يؤثر أنه وجد عول في عهد رسول الله ﷺ أو في عهد أبي بكر؛ وإنما حدث هذا لأول مرة في عهد عمر. فجمع الصحابة ﵃، وقال: فلم فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه، فأشيروا علي؛ فأشار عليه العباس ﵁ بالعول.
روى الزهري عن ابن عباس أنه قال: أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب، لما التوت عليه، ودافع بعضها بعضا، قال: والله ما أدري أيكم قدم الله.
стр. 234
وأيكم أخر؟ وكان امرءا ورعا؛ فقال: ما أجد شيئا هو أوسع لي سوى أن أقسم المال عليكم بالحصص، وأدخل على كل ذي حق ما دخل عليه من عول الفريضة.
وقد وافق عمر ﵁ على رأيه هذا جمهور الصحابة، علي، والعباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ولم يظهر الخلاف إلا ابن عباس ﵄؛ فإنه رأي أن بعض الفرائض أقوى من بعض، فبعضها لا يحجب ولا يقبل السقوط أبدا، وبعضها يقبل السقوط، ولا شك أن الفرائض التي لا تقبل السقوط أقوى؛ فهي جديرة بأن تأخذ حقها كاملا وتقدم على الأضعف، وما بقي يقسم على بقية الورثة، ولا نحتاج إلى العول.
وروي أن ابن عباس لم يظهر رأيه هذا إلا بعد وفاة عمر.
стр. 235
أسباب الاختلاف في الفتوى:
من نصوص الشريعة الإسلامية ما هو ظني الثبوت والدلالة، أو ظني الدلالة قطعي الثبوت، وهذه وتلك هي التي تكون مجالا للاجتهاد حتى يستنبط الحكم منها بوجه وجوه الدلالة اللغوية في ضوء قواعد الشريعة العامة ونصوصها القطعية.
ويجد الناس من الأقضية ما لم يرد فيه نص أو ما لا يطلع المجتهد على ما ورد فيه ولم يقع الاتفاق على حكمه، وهذا كذلك يعمل فيه المجتهد رأيه ليتعرف على حكمه.
وحيث تتفاوت العقول والأفهام، وتختل وجوه الدلالة؛ فإنه لا يتأتى الاتفاق إنما يكون الاختلاف، ومن فضل الله على هذه الأمة أن حفظ لها دينها في أصول العقيدة والعبادة، وقواعد الشريعة بما ورد من نصوص قطعية الثبوت والدلالة لا مجال للاختلاف فيها؛ وإنما كان الاختلاف في الفرعيات.
стр. 236
ومن العلماء من يرى أن مثل هذا الاختلاف في مسائل الفروع أمر لا بأس به؛ بل هو من محاسن الشريعة؛ فهذا أمر محمود يدل على يسر الشريعة وسعة أحكامها، مما أكسب الفقه الإسلامي جدة وحيوية، وأيد هؤلاء ما ذهبوا إليه بنصين.
النص الأول: ما روي من طريق سلام بن سليم قال: حدثنا الحارث بن عضين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا أن النبي ﷺ قال: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهو حديث موضوع رواه ابن عبد العبر في "جامع بيان العلم" ورواه ابن حزم في "الأحكام" وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجة، لأن الحارث بن عضين مجهول، وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن عضين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليم يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك.
النص الثاني: "اختلاف أمتي رحمة" وهذا النص لا أصل له، ولم يقف له المحدثون على سند، حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: "ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا".
- ومن العلماء من يذم الاختلاف وأيد هذا بأدلة كثيرة، من الكتاب والسنة، وقد تناول ابن حزم هذا بالبيان١؛ فذكر أن الاختلاف لا يسوغ البتة ولا يجوز؛ فإن الفرض علينا إتباع ما جاء به القرآن، وما صح عن رسول الله ﷺ ، وقد غلط قوم؛ فقالوا: الاختلاف رحمة، وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ٢.
стр. 237
وأمر تعالى بالاعتصام بحبله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١، ونهى عن التفرق والاختلاف ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢؛ فإن الاختلاف يوهن شأن الأمة، ويذهب بهيبتنا، ويعصف بكيانها ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ٣. وفي هذا جاء قول رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا". رواه مسلم. وبين ﷺ ما يؤدي إليه الاختلاف من هلاك الأمم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم".
والحق أن الاختلاف في الفروع لا مندوحة عنه، وأن مثل هذا الاختلاف لا يكون مذموما ما دام مستندا إلى وجه الاستدلال، وليس هناك دليل أرجح؛ إنما يذم الاختلاف الذي يذكيه الهوى، ويؤججه التعصب، فيعمى أصحابه عن الدليل، ويحول بينهم وبين الرضوخ للحق عند تعارض الأدلة ومعرفة الراجح منها. وإذا تم الاتفاق فإنه يكون نعمة ورحمة.
وقد ألف العلماء قديما وحديثا في اختلاف الفقهاء وبينوا أسبابه، وذكروا أمثلته وما يجوز فيه الاختلاف وما لا يجوز، ومن ذلك: "تخريج الفروع على الأصول للإمام شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفي سنة ٦٥٦هـ "٤"، و"رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لشيخ الإسلام ابن تيمية "ت ٧٢٨ هـ" و"التمهيد" في تخريج الفروع على الأصول للإمام جمال الدين أبي محمد عبد الرحيم بن الحسين الإسنوي المتوفى سنة ٧٧٢هـ٥ الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف"
стр. 238
لولي الله ابن أحمد الدهلوي، و"ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين" للشيخ عبد الجليل عيسى. و"أسباب اختلاف الفقهاء" للأستاذ على الخفيف و"أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء" للدكتور مصطفى الخن و"أسباب اختلاف الفقهاء" للدكتور عبد الله التركي.
وترجع أسباب هذا الاختلاف إلى أمور منها:
١- تفاوت الصحابة في فهم ما أجمل من القرآن، ومن أمثلة ذلك:
أ- تردد اللفظ بين معنيين؛ وذلك مثل كلمة "قرء" الواردة في قوله تعالى بيانا لعدة المطلقات ذوات الحيض ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ ١ فإنها مشتركة بين الحيض والطهر، وثبت ورودها في كلام العرب لهما على حد سواء؛ فقالت عائشة: القروء: الأطهار، وقال بمثل قولها زيد بن ثابت وابن عمر وغيرهما، وبه قال مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وقال عمر، وابن مسعود، ونفر من الصحابة، المراد بها الحيض؛ فلا يحلوا المطلقة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.
قال ابن القيم في زاد المعاد، وهذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل ﵃. وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد.
وهذا هو الذي يعرف بالمشترك اللفظي، وهو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر، كالعين؛ فإنه وضع للباصرة، ووضع للجارية، ووضع للذهب، ووضع لذات الشيء، ولغير ذلك من المعاني، وكالجون فإنه وضع للأبيض، ووضع للأسود، وكالقارء فإنه يطلق على الطهر ويطلق على الحيض.
ب- احتمال الترتيب لوجهين كما في آية الإيلاء فإنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢،
стр. 239
يحتمل أن يكون مرتبا على ما قبله ترتيب المفصل على المجمل؛ فتكون الفاء للترتيب الذكري، فيكون الفيء في المدة، فإذا انقضت بدون فيء فيها وقع الطلاق بمضيها، ويحتمل أن تكون الفاء للترتيب الحقيقي. فتكون المطالبة بالفيء أو الطلاق عقب مضي الأجل المضروب.
جـ- ما يوهم ظاهره التعارض بين حكمين، لتردده بينهما، كعدة الحامل المتوفى عنها زوجها؛ فإنها مترددة بين أن تشملها آية معتدة الوفاة التي تتربص أربعة أشهر وعشرا، وآية معتدة الطلاق التي جعلت عدة الحامل وضع الحمل.
ومن ذلك: الخلاف في الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ فقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُم﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ٢؛ فالآية الأولى بعمومها تحرم الجمع بين الأختين مطلقا، بعقد النكاح أو بملك اليمين، والآية الثانية بعموم الاستثناء فيها تجيز الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ فكان التعارض بين عموم الآيتين، وفي هذا وقع الاختلاف.
فذهب جمهور الصحابة إلى تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين وقالوا: إن آية النساء ناسخة لعموم الاستثناء الوارد في آية "المؤمنون".
وتوقف بعضهم في ذلك، أو قال بالجواز، فروي عن عثمان وابن عباس أنهما أباحا ذلك وقالا: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. وقال الشعبي: سئل على عن ذلك فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية؛ فالحرام أولى.
روى الإمام مالك عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأمنع ذلك.
стр. 240
وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية.
ومن ذلك التزوج بالكتابيات؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِن﴾ ١.
وقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٢؛ فالآية الأولى بعمومها تحرم على المسلمين نكاح المشركات، والآية الثانية تحل نكاح الكتابيات فاختلفوا في نكاح الكتابيات.
ذهب جمهور الصحابة إلى جواز نكاح الكتابيات، استنادا إلى آية المائدة وجعلوا آية البقرة في المشركات غير الكتابيات؛ ذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ لا يخلو من أحد معنيين: إما أن يكون إطلاقه مقتضيا لدخول الكتابيات فيه، أو مقصورا على عبدة الأوثان غير الكتابيات؛ فإن كان إطلاق اللفظ يتناول الجميع فإن قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يخصه وإن كان مقصورا، على عبدة الأوثان حيث فصل المشركون عن أهل الكتاب في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ٣ وهذا ينفي التعارض وقد تزوج جماعة من الصحابة نساء اليهود والنصارى ولم يروا بذلك بأسا.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز نكاح الكتابيات استنادا لآية البقرة، وهو رأي ابن عمر؛ فقد كان لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِن﴾ ٤.
وعن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عمر: إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب أفننكح نساءهم، ونأكل طعامهم؟ قال: فقرأ على آية التحليل وآية
стр. 241
التحريم، قال: قلت: إني أقرأ ما تقرأ أفتنكح نساءهم ونأكل طعامهم؟ قال: فأعاد على آية التحليل وآية التحريم، قال الجصاص: وهذا يعني أنه توقف.
٢- تفاوتهم في السماع من رسول الله ﷺ والتحري في الأخذ بالسنة، والاجتهاد في فهمها، ولذل أمثلة كثيرة منها:
أ- أن يكون الصحابي قد سمع حكما أو فتوى من الرسول ﷺ ، ولم يسمع الآخر ذلك الحديث؛ فيجتهد برأيه، وقد يوافق اجتهاده الحديث، وقد يخالفه؛ فكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وجهله عمر، وكان حكم الجدة عند المغيرة ومحمد بن مسلمة، وجهله أبو بكر وعمر، وكان حكم أخذ الجزية من المجوس عند عبد الرحمن بن عوف وجهله جمهور من الصحابة.
إنه لما سئل أبو بكر ﵁ عن ميراث الجدة قال: "مالك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ من شيء، ولكن أسأل الناس، فسألهم؛ فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة ﵄، فشهدا أن النبي ﷺ أعطاها السدس، وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين ﵁ أيضا. كما رواه أبو داود والترمذي من حديث قبيصة بن ذؤيب مرسلا وله طرق مرسلة منها حديث عمران بن حصين.
وكذلك عمر ﵁ لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى الأشعري ﵁، واستشهد بالأنصار. رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري. ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" رواه البخاري وأحمد, وأبو داود والترمذي والشافعي.
وقضى عمر كذلك في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها، وقد كان عند أبي موسى وابن عباس -وهما دونه بكثير في العلم- بأن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه سواء، يعني الإبهام والخنصر". رواه البخاري وأبو داوود
стр. 242
والنسائي وابن ماجه، ولم يكن ذلك عيبا في حق عمر حيث لم يبلغه الحديث.
ب- أن يبلغه الحكم، أو الحديث ولكنه يقع في نفسه أنه راوي الخبر قد وهم، كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس.
جـ- أن يرى الصحابة الرسول ﷺ فعل فعلا فيحمله بعضهم على القربة، ويحمله بعضهم على أنه كان على وجه الاتفاق أو لسبب زال فلا يكون مطلوبا لأمته، كالرمل في الطواف، فذهب ابن عباس إلى أن الرسول فعله لسبب وهو قول المشركين عن المسلمين: أوهنتهم حمى يثرب، فذهب بذهاب سببه، وليس بسنة. وقال غيره: إنه سنة.
ومن ذلك التحصيب في الحج وهو النزول في الأبطح بعد النفر من "منى".
قال ابن القيم في زاد الميعاد: وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنة أو منزل اتفاق؟ على قولين:
فقالت طائفة هو من سنن الحج، فإن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال حين أراد أن ينفر من منى "نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر"، يعني بذلك المحصب؛ وذلك أن قريشا وبني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب، ألا يناكحوهم ولا يكون بينهم وبينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ فقصد النبي ﷺ إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته ﷺ أن يقيم شعائر التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي صلى الله عليه وسم أن يبني مسجد الطائف موضع اللات والعزي- قالوا: وفي صحيح مسلم عن ابن عمر "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه" وفي رواية لمسلم عنه: أنه كان يرى التحصيب سنة.
وقال البخاري عن ابن عمر: "كان يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء،
стр. 243
ويهجع ويذكر أن رسول الله ﷺ فعل ذلك"، وذهب آخرون منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة وإنما هو نزل اتفاق؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس، "ليس المحصب بشيء، وإنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه".
وفي صحيح مسلم عن أبي رافع: لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بمن معنى بالأبطح ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل؛ فأنزله الله بتوفيقه تصديقا لقول رسوله: "نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة" وتنفيذا لما عزم عليه، وموافقة منه لرسوله ﷺ .
وأخرج الستة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة عن عائشة قالت: إنما نزل رسول الله ﷺ بالمحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة؛ فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله.
أو تختلف وجهة نظرهم في فعل الرسول كما حصل في حجه؛ فذهب بعضهم إلى أنه كان قارنا، وبعضهم إلى أنه كان متمتعا، وبعضهم إلى أنه كان مفردا.
د- أن يجتهد أحدهم حين لا يجد نصا، ثم يظهر النص بخلاف ما رأى.
أخرج مسلم أن ابن عمر: كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فسمعت عائشة بذلك فقالت: "عجبا لابن عمر، كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات".
وسئل أبو موسى الأشعري عن ابنه، وابنة ابن، وأخت؛ فقال: "للابنة النصف، وللأخت النصف، وأما ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى رسول الله ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، وقد رجع أبو موسى لفتوى ابن مسعود، وقال لما أخبر.
стр. 244
بها: لا تسألوني ما دام هذا الخبر فيكم. والحديث رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي:
هـ- أن يجتهد بعضهم في التوفيق بين القرآن والسنة لمعنى معتبر كالمشركة في الميراث فقد جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ١ ولا خلاف بين العلماء في أن هذه الآية في ولد الأم. وجاء في الحديث المتفق عليه "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فللأولى رجل ذكر"؛ فلما رأى عمر في المشركة أن الإخوة الأشقاء لا يبقى لهم شيء وقد اجتمعوا مع ولد الأم وقرابتهم أقوى جعل الأشقاء شركاء لولد الأم؛ إذ إن أدنى أحوال الأقوى أن يشارك الأضعف، ولما قال له زيد بن ثابت: هب أن أباهم كان حمارا، أو قال أحدهم: هب أن أبانا كان حجرا في اليم، رأي عمر أن التشريك بينهم في الثلث هو العدل يقسم بينهم بالسوية ذكورهم كإناثهم وسميت هذه الفريضة بالمشركة، أو المشتركة، أو الحمارية، أو الحجرية، أو اليمية.
٣ تفاوتهم في الاجتهاد حيث لا نص:
ومن ذلك مسائل في الميراث منها الغراوية، وتتكون من زوج وأب وأم، أو من زوجة وأم وأب؛ فلها صورتان، وتلقبان بالغراويتين -لشهرتهما كالكوكب الأغر، وبالغريمتين، لأن كلا من الزوجين كالغريم صاحب الدين، وبالعمريتين، لأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان أول من قضى فيها للأم بثلث الباقي، وبالغريبتين لغرابتهما بين مسائل الفرائض. روى البيهقي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان عمر ﵁ إذا سلك بنا طريقا وجدناه سهلا، وإنه أتى في امرأة وأبوين فجعل للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي.
стр. 245
لقد فرض الله للأم مع عدم الفرع الوارث والعدد من الإخوة الثلث، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ١. ولم توضح الآية حكم ما إذا وجد مع الأبوين أحد الزوجين، ولم يأت عن رسول الله ﷺ شيء في ذلك، ولم يحدث هذا في عهد أبي بكر؛ فلما حدث في عهد عمر، اجتهد في المسألة، ورأى أنه لو أعطى في الصورة الأولى الزوج النصف والأم الثلث لم يبق للأب غير السدس، وهذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ ٢ ولو أعطى في الصورة الثانية الزوجة الربع والأم الثلث والأب الباقي؛ فإنه لا يفضلها إلا بواحد من اثني عشر، وهذا لا يحقق معنى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ فرأى أن يقسم التركة بعد الزوج أو الزوجة بين الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين، ووافقه على هذا عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وغيرهم، وهو ما أخذ به الأئمة الأربعة.
وخالفهم ابن عباس ﵄، ورأي أن للأم ثلث التركة مطلقا؛ سواء أكانت مع الزوج أو الزوجة تمسكا بظاهر الآية، وبالحديث المتفق عليه "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر".
ووافق ابن سيرين الجمهور إذا كان مع الأبوين زوج حتى لا يأخذ الأب في هذه الحالة أقل من الأم، ووافق ابن عباس إذا كان مع الأبوين زوجة لأن الأب في هذه الحالة سيأخذ أكثر من الأم.
وليس فيما ذهب إليه عمر ومن وافقه ما يتعارض مع النصوص؛ وإنما تفسر الآية ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ على أن المراد ورثه أبواه خاصة، أو أن لها ثلث ما ورثاه سواء أكان جميع المال أو بعضه.
стр. 246
التثبت في الرواية:
تدل الآثار الواردة عن الصحابة بأنهم كانوا يشيرون بقلة الرواية عن رسول الله ﷺ خشية الوقوع في الكذب أو الخطأ، لكثرة ما روى، وإدارك كل واحد من الصحابة ما لم يدركه الآخر، وقد أدى بهم هذا إلى التحري فيما يروى، والتثبت من صحته؛ حتى كان أبو بكر وعمر يطلبان ممن روى حديثا أن يأتي بشاهد يشهد له، ولعل من بواعث هذا كذلك أنهم كانوا يخشون من كثرة الرواية أن تصدهم عن القرآن الكريم:
أ- روى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ قال: ومن مراسيل ابن أبي مليكة: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا؛ فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه".
ب- وروي عن قرظة بن كعب قال: "خرجنا نريد العراق؛ فمشى معنا عمر إلى حراء، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا؛ فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، امضوا وأنا شريككم"؛ فلما قدم قرظة، قالوا: "حدثنا؛ فقال، نهانا عمر". وروي ذلك الدارمي في سننه.
جـ- وعرف عن ابن مسعود أنه كان يقل الرواية؛ فروي عن أبي عمر الشيباني قال: كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول: قال رسول الله ﷺ ، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ أخذته الرعدة وقال: "هكذا" أو "نحو ذا" أو "قريب من ذا".
стр. 247
د- وروى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ، كما رواه أبو داوود والترمذي قال: روى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث؛ فقال لها: ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس؛ فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس، فقال: هل معك أحد؟ وشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر ﵁.
هـ- وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا؛ فقالوا: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه، فأتيته فاستأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت إني أتيت فسلمت على بابك ثلاثا، فلم يردوا علي، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" قال عمر: لتأتيني على هذه بالبينة، فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم؛ فقام أبو سعيد معه فشهد له فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك ولكنه الحديث عن رسول الله ﷺ .
و وروي عن المغيرة بن شعبة أن عمر استشارهم في إملاص المرأة يعني السقط، فقال المغيرة: قضى فيها رسول الله ﷺ بغرة، فقال له: إن كنت صادقا فأت بواحد يعلم ذلك، قال: فشهد محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ قضى به رواه أحمد وأبو داوود النسائي وابن ماجه
стр. 248
الاجتهاد في هذا الدور:
أحكام الفقه الإسلامي من حيث مصادرها أربعة أنواع:
١- أحكام مصادرها نصوص قطعية الثبوت والدلالة.
٢- أحكام مصادرها نصوص ظنية الثبوت والدلالة.
٣- أحكام مصادرها الإجماع.
٤ أحكام لم يدل عليها نص ولم ينعقد عليها إجماع.
أما النوع الأول فلا مجال للاجتهاد فيه.
وإنما يكون الاجتهاد في سائر الأنواع ما لم ينعقد الإجماع.
وقد كان الاجتهاد في هذا الدور لدى الصحابة المسلك الذي يلجئون إليه عندما يعوزهم النص في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، بالمشاورة التي تصل بهم إلى الإجماع، أو القياس الذي كان يسمى بالرأي، والأمثلة التي ذكرناها من قبل عما اتفق عليه الصحابة في بعض القضايا الكوفة قال له: انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله ﷺ ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك.
وكان للصحابة العذر كل العذر في هذا الاجتهاد، لكثرة ما تشعبت إليه المسائل، وما استحدثه الناس من قضايا، ولعلهم فهموا من إذن رسول الله ﷺ لهم بالاجتهاد في حياته، ومن حديث معاد أن الاجتهاد حيث لا يوجد النص أمر مشروع، وفي كتاب عمر إلى أبي موسى" ثم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيها ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق".
وقد أخذ الصحابة في كثير من المسائل بالقياس الصحيح: فجعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة قياسا على ما نص الله عليه من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١
стр. 249
وقدموا الصديق في الخلافة وقالوا: رضيه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ فقاسموا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة.
وأخذ الصحابة في الفرائض بالعول وإدخال النقص على جميع ذوي الفروض، قياسا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم، وقد قال النبي ﷺ للغرماء: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". وهذا من أحسن القياس.
وقاسوا حد الشرب على حد القذف، وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الناس في حد الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها واجترءوا عليها؛ فقال له علي ﵁: إن السكران إذا ذكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين ولم ينفرد على بهذا القياس، بل وافقه عليه الصحابة. والحديث أخرجه مالك في الموطأ مفصلا، ووصله النسائي والطحاوي وتكلم فيه بعض الحفاظ.
ومن مسائل اجتهاد الصحابة بالرأي عند عدم النص ما يأتي:
١- روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي "أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل في إملاص المرأة وهو لا يعلم قضاء رسول الله ﷺ فيه؛ فقال: أذكر الله امرءا سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة قال: كنت بين جارتين لي يعني ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال عمر: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا" وعبر عن الضرتين بالجارتين للمجاورة بينهما، والمسطح: عود من أعواد الخباء والفسطاط، وفسرت الغرة في بعض الروايات بالعبد أو الأمة؛ وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتا، فإن سقط حيا ثم مات فيه الدية كاملة. فأنت ترى في عبارة عمر: "إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا" أنه لو لم يجد قضاء قضي به رسول الله ﷺ لاجتهد برأيه.
стр. 250
٢- واجتهد عبد الله بن مسعود في المفوضة؛ فقد روى أصحاب السنن "أنه أتى عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا؛ فمات قبل أن يدخل بها، فأتوا ابن مسعود فقال: التمسوا فعلكم أن تجدوا في ذلك أثرا، فأتوا ابن مسعود فقالوا: قد التمسنا فلم نجد؛ فقال ابن مسعود: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، أرى لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في امرأة منا يقال لها بروع بنت وأشق بمثل ما قلت، ففرح عبد الله بن مسعود ﵁ بموافقة قضاء رسول الله ﷺ ".
و"بروع" كجدول؛ فقد أفتى ابن مسعود برأيه بعد أن أعياه الوصول إلى النص، وفرح بتوفيق الله إياه حين وجد النص وفق ما رأي.
٣- وروى البيهقي في السنن الكبرى، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن عكرمة أنه قال: "أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين؛ فقال زيد: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال، قال عكرمة: فأتيت ابن عباس فأخبرته فقال: ارجع إليه فقل له: أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ وكان ابن عباس يقول: للأم الثلث كاملا؛ فقال له زيد: "إنما أقول برأيي وتقول برأيك ولا أفضل أما على أب". وفي هذا الحديث مندوحة للاختلاف في الرأي عند عدم النص.
٤- وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم، وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين "أن عمر بن الخطاب ﵁ لقي رجلا فقال له: ما صنعت؟ فقال الرجل: قضى علي وزيد بيننا بكذا في خصومة هي كذا؛ فقال عمر: لو كنت أنا الذي يقضي فيها لقضيت فيها بكذا خلاف هذا القضاء الذي قضى به علي وزيد فقال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة رسول الله لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي، والرأي مشترك.