التثبت في الرواية:
تدل الآثار الواردة عن الصحابة بأنهم كانوا يشيرون بقلة الرواية عن رسول الله ﷺ خشية الوقوع في الكذب أو الخطأ، لكثرة ما روى، وإدارك كل واحد من الصحابة ما لم يدركه الآخر، وقد أدى بهم هذا إلى التحري فيما يروى، والتثبت من صحته؛ حتى كان أبو بكر وعمر يطلبان ممن روى حديثا أن يأتي بشاهد يشهد له، ولعل من بواعث هذا كذلك أنهم كانوا يخشون من كثرة الرواية أن تصدهم عن القرآن الكريم:
أ- روى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ قال: ومن مراسيل ابن أبي مليكة: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا؛ فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه".
ب- وروي عن قرظة بن كعب قال: "خرجنا نريد العراق؛ فمشى معنا عمر إلى حراء، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا؛ فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، امضوا وأنا شريككم"؛ فلما قدم قرظة، قالوا: "حدثنا؛ فقال، نهانا عمر". وروي ذلك الدارمي في سننه.
جـ- وعرف عن ابن مسعود أنه كان يقل الرواية؛ فروي عن أبي عمر الشيباني قال: كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول: قال رسول الله ﷺ ، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ أخذته الرعدة وقال: "هكذا" أو "نحو ذا" أو "قريب من ذا".
стр. 247
د- وروى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ، كما رواه أبو داوود والترمذي قال: روى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث؛ فقال لها: ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس؛ فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس، فقال: هل معك أحد؟ وشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر ﵁.
هـ- وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا؛ فقالوا: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه، فأتيته فاستأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت إني أتيت فسلمت على بابك ثلاثا، فلم يردوا علي، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" قال عمر: لتأتيني على هذه بالبينة، فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم؛ فقام أبو سعيد معه فشهد له فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك ولكنه الحديث عن رسول الله ﷺ .
و وروي عن المغيرة بن شعبة أن عمر استشارهم في إملاص المرأة يعني السقط، فقال المغيرة: قضى فيها رسول الله ﷺ بغرة، فقال له: إن كنت صادقا فأت بواحد يعلم ذلك، قال: فشهد محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ قضى به رواه أحمد وأبو داوود النسائي وابن ماجه
стр. 248
الاجتهاد في هذا الدور:
أحكام الفقه الإسلامي من حيث مصادرها أربعة أنواع:
١- أحكام مصادرها نصوص قطعية الثبوت والدلالة.
٢- أحكام مصادرها نصوص ظنية الثبوت والدلالة.
٣- أحكام مصادرها الإجماع.
٤ أحكام لم يدل عليها نص ولم ينعقد عليها إجماع.
أما النوع الأول فلا مجال للاجتهاد فيه.
وإنما يكون الاجتهاد في سائر الأنواع ما لم ينعقد الإجماع.
وقد كان الاجتهاد في هذا الدور لدى الصحابة المسلك الذي يلجئون إليه عندما يعوزهم النص في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، بالمشاورة التي تصل بهم إلى الإجماع، أو القياس الذي كان يسمى بالرأي، والأمثلة التي ذكرناها من قبل عما اتفق عليه الصحابة في بعض القضايا الكوفة قال له: انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله ﷺ ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك.
وكان للصحابة العذر كل العذر في هذا الاجتهاد، لكثرة ما تشعبت إليه المسائل، وما استحدثه الناس من قضايا، ولعلهم فهموا من إذن رسول الله ﷺ لهم بالاجتهاد في حياته، ومن حديث معاد أن الاجتهاد حيث لا يوجد النص أمر مشروع، وفي كتاب عمر إلى أبي موسى" ثم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيها ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق".
وقد أخذ الصحابة في كثير من المسائل بالقياس الصحيح: فجعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة قياسا على ما نص الله عليه من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١
стр. 249
وقدموا الصديق في الخلافة وقالوا: رضيه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ فقاسموا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة.
وأخذ الصحابة في الفرائض بالعول وإدخال النقص على جميع ذوي الفروض، قياسا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم، وقد قال النبي ﷺ للغرماء: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". وهذا من أحسن القياس.
وقاسوا حد الشرب على حد القذف، وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الناس في حد الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها واجترءوا عليها؛ فقال له علي ﵁: إن السكران إذا ذكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين ولم ينفرد على بهذا القياس، بل وافقه عليه الصحابة. والحديث أخرجه مالك في الموطأ مفصلا، ووصله النسائي والطحاوي وتكلم فيه بعض الحفاظ.
ومن مسائل اجتهاد الصحابة بالرأي عند عدم النص ما يأتي:
١- روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي "أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل في إملاص المرأة وهو لا يعلم قضاء رسول الله ﷺ فيه؛ فقال: أذكر الله امرءا سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة قال: كنت بين جارتين لي يعني ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال عمر: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا" وعبر عن الضرتين بالجارتين للمجاورة بينهما، والمسطح: عود من أعواد الخباء والفسطاط، وفسرت الغرة في بعض الروايات بالعبد أو الأمة؛ وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتا، فإن سقط حيا ثم مات فيه الدية كاملة. فأنت ترى في عبارة عمر: "إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا" أنه لو لم يجد قضاء قضي به رسول الله ﷺ لاجتهد برأيه.
стр. 250
٢- واجتهد عبد الله بن مسعود في المفوضة؛ فقد روى أصحاب السنن "أنه أتى عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا؛ فمات قبل أن يدخل بها، فأتوا ابن مسعود فقال: التمسوا فعلكم أن تجدوا في ذلك أثرا، فأتوا ابن مسعود فقالوا: قد التمسنا فلم نجد؛ فقال ابن مسعود: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، أرى لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في امرأة منا يقال لها بروع بنت وأشق بمثل ما قلت، ففرح عبد الله بن مسعود ﵁ بموافقة قضاء رسول الله ﷺ ".
و"بروع" كجدول؛ فقد أفتى ابن مسعود برأيه بعد أن أعياه الوصول إلى النص، وفرح بتوفيق الله إياه حين وجد النص وفق ما رأي.
٣- وروى البيهقي في السنن الكبرى، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن عكرمة أنه قال: "أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين؛ فقال زيد: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال، قال عكرمة: فأتيت ابن عباس فأخبرته فقال: ارجع إليه فقل له: أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ وكان ابن عباس يقول: للأم الثلث كاملا؛ فقال له زيد: "إنما أقول برأيي وتقول برأيك ولا أفضل أما على أب". وفي هذا الحديث مندوحة للاختلاف في الرأي عند عدم النص.
٤- وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم، وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين "أن عمر بن الخطاب ﵁ لقي رجلا فقال له: ما صنعت؟ فقال الرجل: قضى علي وزيد بيننا بكذا في خصومة هي كذا؛ فقال عمر: لو كنت أنا الذي يقضي فيها لقضيت فيها بكذا خلاف هذا القضاء الذي قضى به علي وزيد فقال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة رسول الله لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي، والرأي مشترك.
стр. 251
فلم ينقض ما قال علي وزيد: ولم ينقض عمر رأي علي وزيد حيث لا نص عنده من كتاب أو سنة يستند إليه ولكنه اجتهاد نه كاجتهادهما، والاجتهاد لا ينقض بمثله.
٥- وكان موقف عمر بن الخطاب ﵁ من طاعون الشام وعزمه على الرجوع فيما أجاب به أبا عبيدة مستندا إلى الرأي حيث لا نص؛ ولكنه بعد أن بلغه النص الموافق لرأيه حمد الله تعالى.
روى البخاري أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع في أرض الشام، فاستشار الناس في الرجوع، فلما عزم على الرجوع بالناس إلى المدينة، قال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديا له غدوتان، إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن غربت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان مغيبا في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، قال: فحمد الله عمر ثم انصرف...." وهذا هو ما يعرف اليوم بالحجر الصحي في الطب الوقائي.
ورواه مسلم بشيء من التفصيل حيث استشار المهاجرين فاختلفوا ثم استشار الأنصار فاختلفوا، ثم استشار مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فلم يختلف عليه رجلان، وقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.
٦- وحين قتل غلاما امرأة أبيه وخليلها باليمين، وأرسل إلى عمر بن الخطاب في شأن ذلك، تردد عمر في الأمر، حتى قال له علي: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوا وهذا عضوا أكنت
стр. 252
قاطعهم؟ قال: نعم؛ فأرسل عمر إلى عامله: أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم.
أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "قتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به".
وأورد الصنعاني في سبل السرم عند شرحه لهذا الحديث، ما أخرجه الطحاوي والبيهقي عن ابن وهب قال: حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حليمة الصنعاني حدثه عن أبيه: "أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاما يقال له أصيل؛ فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام، الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها، فقتلوه، ثم قطعوا أعضاءه وجعلوه في عيبة وعاء من أدم وطرحوه في ركيبة - بئر لم تطو- في ناحية القرية، ليس فيها ماء، ثم كشف الأمر: فأخذ خليلها فاعترف، ثم اعترف الباقون؛ فكتب علي -وهو يومئذ أمير- بشأنهم إلى عمر ﵁؛ فكتب عمر بقتلهم جميعا، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين".
وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد، قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا".
وقد وافق عمر في هذا الحكم عليًا والمغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقتادة، وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي.
وخالف في ذلك ابن الزبير؛ فقضى بالدية، وهذا قول الزهري، وابن سيرين وربيعة الرأي، وداوود، وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد.
وإنما نشأ الخلاف لعدم ورود نص في ذلك؛ حيث لم يحدث في زمن النبي
стр. 253
صلى الله عليه وسلم أن قتل جماعة واحدا، ولم يؤثر عن رسول الله ﷺ في ذلك قضاء؛ فلما كانت الحادثة زمن عمر اجتهد فيها الرأي حيث لا نص، ووافقه كثير من الصحابة على ذلك.
٧- وفي الجد مع الإخوة، عرضت هذه المسألة للصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ ولم يكن له فيها قضاء؛ فاعملوا فيها رأيهم، واختلفت أنظارهم.
فرأى أبو بكر وابن عباس وابن الزبير، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وعائشة وعبادة بن الصامت، وجمع من الصحابة - وهو رأي عمر في أول الأمر ثم رجع عنه أن الجد أولى من الإخوة؛ فإذا وجد معهم حجبهم، فلا يبقى لواحد منهم حظ في الميراث؛ لأنه أقرب إلى الميت منهم، لأنه أب، فيحجب الإخوة كما يحجبهم الأب، ولقد سماه القرآن الكريم أبا في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم﴾ ١.
ورأي عمر وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، ﵃، أن الإخوة والجد كليهما يرث؛ لأنهما يتساويان في درجة القرب؛ إذ كلاهما يدلي إلى الميت عن طريق الأب.
وضرب زيد بن ثابت لذلك مثلا قياسيا؛ فشبه الجد بساق الشجرة وأصلها، والأب بعض منها، والإخوة بفرعين تفرعا عن ذلك الغصن، وأحد الغصنين أقرب إلى الآخر منه إلى الشجرة؛ ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص الآخر ما كان يمتصه المقطوع، ولم يرجع إلى الساق.
وحين سأل عمر عليا عن هذا ضرب مثلا آخر، فشبه الجد بالنهر الكبير، والأب بالخليج المأخوذ منه، والميت وإخوته بالساقيتين الممتدتين من الخليج،
стр. 254
والساقية إلى الساقية أقرب منها إلى النهر ألا ترى إذا سدت إحداهما أخذت الأخرى ماءها ولم يرجع إلى النهر١.
فكان زيد يجعله أخا حتى يبلغ ثلاثة، هو ثالثهم؛ فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث، وكان على يجعله أخا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم، ويعطيه السدس؛ فإن زادوا على ستة أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم.
وقد انتصر ابن القيم في إعلام الموقعين لما ذهب إليه أبو بكر ومن معه وساق أدلة ذلك٢.
فهذه الأمثلة وغيرها تدل على أن الصحابة ﵃، مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقة وبينوا لهم سبيله.
стр. 255
التوفيق بين ذم الرأي والعمل به:
أمرنا الله تعالى بطاعته، وطاعة رسوله في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
وتكرار الأمر بالطاعة لرسول الله ﷺ يدل على أن طاعة الرسول تجب استقلالا، من غير عرض ما أمر به على الكتاب؛ بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء أكان ما أمر به في الكتاب، أو لم يكن فيه؛ فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر الله بطاعة أولى الأمر استقلالا؛ بل حذف الفعل.
стр. 256
وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول؛ فمن أمر منهم بما جاء عن الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ذلك فلا سمع له ولا طاعة، وقد صح أن النبي ﷺ قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ١ وقال: "إنما الطاعة في المعروف" ٢.
وقد تضمنت الآية احتمال التنازع بين المؤمنين في بعض الأحكام وأوجبت الرد عند التنازع إلى الله والرسول، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، والأمر بالرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة يدل على أنهما يشتملان على حكم كل شيء لأن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين، ولو لم يكن ما في كتاب الله وسنة رسوله كافيا لبيان حكم ما تنازعوا فيه، لما أمروا بالرد إليه، وهذا يجعل مرد الحلال والحرام إلى الله والرسول، أما ما يراه المجتهد فهو حكم باجتهاده، ولذا نهى النبي ﷺ في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك".
واجتهاد الصحابة الذي ذكرناه آنفا لا يعنى القول بالرأي المجرد؛ فإنه قد أثر عنهم ذم ذلك فأثر عن أبي بكر ﵁ أنه قال: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم". وكان إذا اجتهد قال: هذا رأي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وأستغفر الله.
وأثر عن عمر نحو ذلك، وأنه قال: "إياكم والرأي".
стр. 257
وروي عن عبد الله بن مسعود قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام؛ ولكن فقهاءكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاء، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم".
وقال في المفوضة١: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء.
ومثل هذا روى عن عثمان، وقال على بن أبي طالب: "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه".
وأتيى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها، فكتبوها، ثم قالوا: لوأخبرنا، فأتوه فأخبروه، فقال: "أعذروا لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما اجتهدت لكم برأيي.
وإذا كان قد أثر عن الصحابة ذلك في ذم الرأي، فالمراد بالرأي المذموم الرأي الباطل بأنواعه، كالرأي المخالف للنص، أو الكلام في الدين بالخرص والظن، من غير تبصر بالنصوص وتفهم لها، لاستنباط الأحكام منها، أو الرأي الذي يتضمن تعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة، أو الذي يميل مع الهوى فيما يستحدث من بدع، أو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان، وردا لفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها إلى أصولها، والنظر في عللها، أو ما يكون من باب الاشتغال بالمعضلات والأغلوطات، وقد قال ﷺ : إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال" رواه البخاري ومسلم.
أما الرأي الذي يكون عن نظر في الأدلة والاجتهاد في فهمها؛ فهو الذي كان من الصحابة وقال فيه ابن القيم: "إنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجوب الصواب بما تتعارض فيه الإمارات، وهو الرأي المحمود، فإن كان عن صحابة رسول الله ﷺ فهو حري بأن يكون مقبولا.
стр. 258
وقد نقل ابن القيم عن الشافعي قوله: "وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل، ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأههم بما آتاهم من ذلك ببلوغ منازل الصديقين والشهداء والصاحلين أدوا إلينا سنة رسول الله ﷺ عاما وخاصا، وعزما وإرشادا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وروع وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا".
تلك هي منزلة الصحابة عند الشافعي فيما يروي عنهم من رأي، وقد كان أحدهم يري الرأي فينزل القرآن بموافقته، كما رأي عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم؛ فنزل القرآن بموافقته، ورأي أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزل القرآن بمواقته، وقال لنساء النبي ﷺ لما اجتمعن في الغيرة علين: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَات﴾ ١. فنزل القرآن بموافقته. ولما توفى عبد الله بن أبي قام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: "يا رسول الله ... إنه منافق" فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله عليه ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ٢.
وعلى هذا ينتفي التعارض بين ما روى عن الصحابة من ذم للرأي، وما اجتهدوا فيه برأيهم؛ فالرأي الذي ذموه هو الرأي المجرد الذي لا دليل عليه؛ بل هو خرص وتخمين، على نحو ما ذكرنا من قبل، أما الرأي الذي هو بصيرة القلب، أو الرأي الذي يستند غلى استدلال واستنباط يفسر النصوص، ويبين درجة وجه الدلالة منها، فهذا أو ذاك هو ما أخذ به الصحابة، وهو الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء من عباده.
стр. 259
فقهاء الصحابة
مدخل
...
فقهاء الصحابة:
إذا كان أهل الحديث يخصون الصحابي بمن صحب الرسول ﷺ قليلا أو كثيرا، ويرون عنه، فإن فقهاء الصحابة هم الذين طالت صحبتهم لرسول الله ﷺ على طريق التتبع والأخذ منه وعرفوا بالفقه والنظر، وهم الذين حفظت عنهم الفتوى، وكانوا يسمون بالقراء؛ بل ظل هذا لقب أهل الفتيا فترة طويلة في صدر الإسلام، يقول ابن خلدون: "ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم؛ وإنما كان ذلك مختصا للحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمة، وسائر دلالته مما تلقوه عن النبي أو ممن سمعه منهم من عليتهم، وكانوا يسمون لذلك القراء، أي الذين يقرءون الكتاب، لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئًا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ. وبقي الأمر كذلك صدر الملة، ثم عظمت أمصار الإسلام، وذهبت الأمية من العرب، بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط وكمل الفقه، وأصبح صناعة وعلما".
وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ مائة ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة، وجعل منهم المكثرين والمقلين:
أما المكثرون فسبعة وهم:
عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.
قال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم.
стр. 260
ومن المتوسطين: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وعثمان بن عفان، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعرى، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير.
ومن المقلين: أبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، والنعمان بن بشير، وأبي ابن كعب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وصفية، وحفصة، وأم حبيبة، وآخرون.
وهذه تراجم مختصر لعدد من الفقهاء المكثرين في هذا ال دور:
стр. 261
عمر:
هو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، كان له شرفف السفارة في قريش، واحترف التجارة ومارسها طوال حياته قبل أن يتولى خلافة المسلمين، ويتفرغ لمصالحهم.
أسلم في السنة السادسة من البعثة، والمسلمون -إذ ذاك- بضعة وثلاثون أو بضعة وأربعون، يستخفون بإسلامهم لقلتهم واضطهاد قريش لهم، ويجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي؛ فكان إسلام عمر كسبا كبيرا لهم، ودعما لدعوة الحق، وإعزازا لدين الله، فقد عرف عمر بقوة الشكيمة، وشدة البأس، وعزة الجانب والشجاعة في الحق.
وذكر أهل السير أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام".
فاستجاب الله دعاءه وأسلم عمر، وقال فيما قاله لرسول الله: علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل، والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان؛ فخرج إلى الكعبة على رأس صف من المسلمين، وخرج حمزة على رأس صف آخر، ففي ذلك في عضد قريش، وأصابها الغم والكآبة، ولهذا سمى الفاروق؛ لأنه اظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل.
قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر؛ فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا، فصلينا، فما زال يناضل عن المسلمين، وينافح عن رسول الله حتى أذن لهم بالهجرة، فهاجروا مستخفين، إلا عمر، فإنه لشدة بأسه على قريش هاجر على ملأ منهم.
وروي عن علي ﵁ أنه قال: "ما علمت أن أحدا من المهاجرين
стр. 262
هاجر إلا متخفيا إلا عمر بن الخطاب؛ فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى، ثم خرج على القول فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تشكله أمه، وييتم ولده، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد من المشركين".
وشخصية عمر شخصية متعددة الجوانب، وأهم جوانبها التي تتصل بموضوعنا عبقريته في حصافة الرأي وبعد النظر، ودقة الفهم؛ فقد كان رأيه الصائب سهما من سهام الحق، يقع على المرمى فيصيب الحجة، وحسبك دليلا على ذلك موافقته التي سبقت الإشارة إليها؛ فقد روى الثقات أن عمر بن الخطاب قال: وافقت ربي في ثلاث -أو وافقني ربي- في ثلاث: قلت يا رسول الله ... لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ ١، وقلت يا رسول الله ... يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت: إن انتهين أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن، حتى أتت إحدى نسائه فقالت: يا عمر ... أما في رسول الله ما يعظ النساء حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ ٢ الآية.
رواه البخاري، وروى قريبا منه مسلم.
وروي أن الرسول ﷺ استشار أصحابه في أسرى بدر فأشار عمر بضرب أعناقهم وأشار أبو بكر بالعفو والفداء، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ ٣. الآيات.
وعن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعا رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فلما وقت قلت: أعلى عدو الله.
стр. 263
عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟! أعدد أيامه ورسوله الله ﷺ يبتسم، حتى إذا أكثرت قال: "يا عمر، أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ١ فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها" ثم صلى عليه رسول الله ﷺ ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه فعجبت له ولجرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه﴾ ٢، فما صلى رسول الله ﷺ على منافق بعد حتى قبضه الله ، روى ذلك أصحاب السنن وجاء عند البخاري ومسلم.
ولعمر ﵁ أوليات كثيرة في اجتهاده، روى البيهقي قال: أخرج عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن مسعود بن الحكم الشقفي قال: "قضى عمر ﵁ في امرأة تركت زوجها وأمها والأب، جعل الثلث بينهم سواء، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ... إنك لم تشرك بينهم ما قضينا اليوم، وهذه المسألة هي المعروفة في الميراث، بالمشركة أو المشتركة كما ذكرنا من قبل.
وكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء كتاب فريد في بابه، يجمع كثيرا من قواعد الأصول والفقه واستنباط الأحكام، ويدل على أصالة رأي ودقة فهم، وحسن بصيرة، وقد شرحه العلامة ابن القيم في كتابه "أعلام الموقعين" شرحا مستفيضا، واستخلص منه علما غزيرا، ويطول بنا الحديث لو تطرقنا إلى سيرة عمر ﵁، ووقفنا على فضائله ومزاياه، وقد لقي ربه
стр. 264
مقتولا قتل الشهداء؛ بيد أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وترك الأمر شورى بين الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: علي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، والزبير، وكانت وفاته سنة ٢٣ هجرية بعد عشر سنوات ونصف أمضاها في الخلافة.
стр. 265
علي بن أبي طالب:
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الحسن، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، وتربى في حجر النبي ﷺ ، وكان أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم، ولم يفارق رسول الله، وشهد معه المشاهد كلها، إلا غزوة تبوك، وقال له بسبب تأخيره بالمدينة "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي" وزوجه بنته فاطمة، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما آخى النبي صلى الله عليه بين أصحابه قال له: "أنت حي".
ومناقب على كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقد علل العلماء كثرة ما أثر من مناقبه بما كان من بغض بني أمية له؛ فحرص كل من لديه علم بمنقبه له من الصحابة على أن يثبتها، بيانا لرفعة شأنه، وعلو منزلته، وإن كان الرافضة قد ولدوا له مناقب موضوعة هو في غنى عنها، وتتبع النسائي ما خص بعلي من دون الصحابة؛ فجمع من ذلك شيئا كثيرا بأسانيد، أكثرها جيد لا بأس به.
واشتهر على بالفروسية، والشجاعة والإقدام، وفي يوم خيبر قال ﷺ : "لأدفعن الراية غدًا إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه"؛ فلما أصبح رسول الله ﷺ غدوا كلهم يرجو كل واحد منهم أن يعطاها، فقال رسول الله ﷺ : "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأتى به فبصق في عينه، فدعا له، فبرأ
стр. 266
فأعطاه الراية، قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم. ولما دفع رسول الله ﷺ الراية لعلي أسرع، فجعلوا يقولون له: أرفق، حتى انتهى إلى الحصن، فاجتذب بابه، فألقاه على الأرض، ثم اجتمع عليه سبعون رجلا حتى أعادوه. ولبس ثوب رسول الله ﷺ ليلة الهجرة، وقد قصد المشركون قتل رسول الله وأحاطوا ببيته؛ فلما أصبحوا رأوا عليا، وذلك منتهى ما تكون عليه رباطة الجأش، والتضحية في سبيل الله وافتداء نبيه.
وكان على أحد رجال الشورى الذين نص عليهم عمر في الخلافة فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطا امتنع من بعضها؛ فعدل عنه إلى عثمان فقبلها، فولاه وسلم على وبايع عثمان، فلما قتل عثمان بايعه الناس، ثم كان من قيام جماعة من الصحابة: طلحة، والزبير، وعائشة في طلب دم عثمان، وكانت موقعة الجمل، ثم موقعة صفين، حيث قام معاوية في أهل الشام يطالب بدم عثمان، وكان رأي على أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعى به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة، وكان من خالفه يقول له: تتبعهم واقتلهم؛ فيرى أن القصاص بغير دعوى ولا إقامة بينة لا يتجه، وكل من الفريقين مجتهد، بينما اعتزل ذلك كله فريق من الصحابة ولم يدخلوا في شيء من القتال.
وبرز علي بن أبي طالب في العلم والفقه، وتصدى للفتيا بعد النبي ﷺ وكان عمر يتعود من معضلة ليس لها أبو الحسن، وكان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وكان على يقول: سلوني، سلوني عن كتاب الله تعالى؛ فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار.
وقد انتشرت أحكام على وفتاواه، ولكن الشيعة أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه؛ ولذلك فإن أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفسواه إلا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني، وشريح، وأبي وائل ونحوهم، وكان ﵁ يشكو عدم
стр. 267
حملة العلم الذي أودعه كما قال: إن ههنا علما لو أصبت له حملة.
وقتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وقد كانت بيعته بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فتكون مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر.
стр. 268
عبد الله بن مسعود:
هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي حليف بني زهرة، وقد ينسب إلى أمه؛ فيقال ابن أم عبد، جاء ابن مسعود من هذيل إلى مكة، بعد وفاة أبيه يطلب الكسب، فاشتغل برعي الغنم لعقبة بن أبي معيط، والتقى به رجلان، كلمه أحدهما كلاما عذبا، ورأى منه ما سره، ثم أدرك أنهما رسول الله ﷺ مع صاحبه أبي بكر؛ فإذا به يأتي إلى عقبة ويترك له أغنامه، وينصرف باحثا عن النبي ﷺ حتى يجده، ويسأله أن يعلمه من الكلام الذي سمعه منه فيخبره ﵊ بدعوته؛ فيدخل فيها ويسلم، ويقول له الرسول ﷺ "إنك غلام معلم" ويصبح سادس المسلمين، يقول ابن مسعود: لقد رأيتني سادس ستة، ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وكان أول من جهر بالقرآن وأسمعه قريشا، إذا اجتمع يومًا أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فهل من رجل يسمعهم؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا؛ فقالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال دعوني، فإن الله سيمنعني، فإذا ابن مسعود حتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها؛ فقام عند المقام ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ رافعا بها صوته، ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ثم استقبلهم يقرؤها، فتأملوه قائلين: ماذا يقول ابن أم عبد؟ إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو ماض في قراءته، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم عاد إلى أصحابه مصابا في وجهه.
стр. 269
وجسده؛ فقالوا له: هذا الذي خشيناه عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الآن، ولئن شئتم لأعاودنهم بمثلها غدا، قالوا له:. حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون.
وهاجر ابن مسعود الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وإذا كان أبو جهل قد ضربه في البيت الحرام عندما قرآن القرآن؛ فلقد كان الإجهاز على أبي جهل في بدر بيد ابن مسعود، وقال له وقد أعلى صدره، ها قد أخزاك الله يا عدو الله، فقال: ها أنت ذا يا راعي الغنم؟ لقد ارتقيت مرتقى صعبا.
وكان ابن مسعود يلزم رسول الله ﷺ لا يكاد يفارقه، وهو صاحب نعليه وسواكه وطهوره، وعن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ ، وقيل لحذيفة: حدثنا بأقرب الناس من رسول الله ﷺ هديا ودلا١ نلقاه فنأخذ عنه، ونسمع منه؛ فقال: كان أقرب الناس هديا ودلا وسمتا برسول الله ﷺ ابن مسعود ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفى، أخرجه البخاري والترمذي، والمحفوظون: الذين حفظهم الله من تخريف أو تحريف في قول أو فعل.
وكان لهذه الصحبة أثرها في علم ابن مسعود وفقهه، يقول ﵁:
والله ما نزل في القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تمتطي إليه الإبل أعلم مني بكتاب الله لأتيته، وما أنا بخيركم.
وكان يقول: أخذت من في رسول الله ﷺ سعبين سورة. روى ذلك البخاري ومسلم والنسائي.
стр. 270
وقال زيد بن وهب: كنت جالسا عند عمر فأقبل عبد الله فدنا منه؛ فأكب عليه، وكلمه بشيء، ثم انصرف، فقال عمر: كنيف١ مليء علما. وقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ ٢. قال: هو عبد الله بن مسعود.
وقال عقبة بن عمرو: ما أرى أحدا أعلم بما أنزل الله على محمد ﷺ من عبد الله؛ فقال أبو موسى: إن تقل ذلك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل.
وقال النبي ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن غضا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". وقال: "لو كنت مؤمرًا أحدا دون شورى المسلمين لأمرت ابن أم عبد" أخرجه الترمذي.
وشهد ابن مسعود فتوح الشام، وسيره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمارا أميرا، وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد فاقتدوا بهما، ثم أمره عثمان على الكوفة وعزله بعد ذلك، وأمره بالرجوع إلى المدينة، فلم يمتنع، وقال: إن له على حق الطاقة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن، ثم مات بالمدينة على الصحيح سنة اثنتين وثلاثين.
стр. 271
زيد بن ثابت:
هو أبو سعيد زيد بن ثابت بن الضحاك النجاري الأنصاري، استصغره رسول الله ﷺ يوم بدر، وأولى مشاهده: الخندق، وقيل شهد أحدا، وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أولا مع عمارة بن حزم، فأخذها النبي ﷺ منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله.... بلغك عني شيء؟ قال: لا، ولكن القرآن مقدم، وهو الذي تولى
стр. 272
قسم غنائم اليرموك وكان زيد يكتب الوحي لرسول الله ﷺ . ويكتب له الرسائل، روى عنه أنه قال: أتى بي النبي ﷺ مقدمة المدينة، فقيل هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حذفته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له.
وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، وقال له أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وكان زيد من علماء الصحابة الأجلاء، يؤمه الناس في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض.
عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب فأمسك ابن عباس الركاب؛ فقال: تنح يا ابن عم رسول الله، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء، وروي أن النبي ﷺ قال: "أفرضكم زيد"، ومات ﵁ سنة خمس وأربعين على إحدى الروايات، وهو قول الأكثر.
وقال أبو هريرة حين مات: "اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا" ولما مات رثاه حسان بقوله:
فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمعاني بعد زين بن ثابت
стр. 273
عبد الله بن عمر:
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل، القرشي العدوي، ولد سنة ثلاث من البعثة، أو دون ذلك، وأسلم مع أبيه وهاجر، وعرض على النبي ﷺ ببدر فاستصغره، ثم بأحد فاستصغره كذلك، ثم بالخندق فأجازه، وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة كما ثبت في الصحيح.
стр. 274
وكان ابن عمر يتحفظ ما سمع من رسول الله ﷺ ، ويسأل من حضر إذا غاب عن قوله وفعله، وكان يتبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، وكان يعترض براحلته في الطريق الذي رأي رسول الله ﷺ عرض ناقته، وكان لا يترك الحج، وإذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله ﷺ ، وهو أحد المكثرين من الحديث.
وعرف ابن عمر بالزهد والتوى والصلاح والنسك، ولما قال له رسول الله ﷺ : "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"، كان لا ينام من الليل إلا قليلا.
وعن نافع أن ابن عمر كان يحيى الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا، فيقول: لا، فيعاود، فإذا قال: نعم، قعد يستغفر الله حتى يصبح، وقال ابن مسعود: إن أملك شباب قريش لنفسه في الدنيا عبد الله بن عمر.
ومع ذكاء ابن عمر ودقة فهمه، إلا أنه وجه عنايته لحفظ الآثار والتدقيق في نقلها، وحمله الورع على ألا يكثر من الفتوى.
قال الشعبي فيه: كان جيد الحديث، ولم يكن جيد الفقه.
وقال ابن الأثير: كان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقي لدينه في الفتوى، وكل ما تأخذه به نفسه، حتى أنه ترك المنازعة في الخلافة، مع كثرة ميل أهل الشام إليه، ومحبتهم له، ولم يقاتل في شيء من الفتن، ولم يشهد مع على شيئا من حروبه.
وتوفي ﵁ بمكة بعد الحج سنة ثلاث وسبعين عن أربعة وثمانين عاما.
стр. 275
عائشة:
هي عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشي التيمي خليفة رسول الله ﷺ ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس، وتزوجها صلى رسول الله ﷺ وهي بنت ست أو سبع، ودخل بها وهي بنت تسع، في شوال من السنة الأولى للهجرة وفي الصحيح عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقبض وأنا بنت ثماني عشرة سنة، ولم ينكح رسول الله ﷺ بكرا غيرها، وذكرت عائشة من فضائلها ذلك، وقالت: وأنزل الله براءتي من السماء، وكان ينزل على رسول الله الوحي وهو معي، وكنت اغتسل أنا وهو من إناء واحد، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، وقبض بين سحري ونحري في بيتي، وكنت أحب نسائه إليه.
وعائشة من أفضل النساء علما ومنزلة.
عن مسروق قال: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة.
وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة.
وعن أبي موسى قال: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علما، وعائشة بهذا مثل حي للمرأة المسلمة التي تنشد الفضل والكرامة وعلو المنزلة.
قال الزهري: لو جمع إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان
стр. 276
علم عائشة أفضل.
وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وماتت عائشة سنة ثمان وخمسين لسبع عشرة خلت من رمضان ودفنت بالبقيع.
стр. 277
الفصل الثالث: عصر صغار الصحابة وكبار التابعين
الحالة السياسية
...
عصر صغار الصحابة وكبار التابعين:
من ولاية معاوية إلى أوائل القرن الثاني الهجري
الحالة السياسية في هذا العهد:
اجتمعت لمعاوية أقطار البلاد الإسلامية كلها، بعد أن صالحه الحسن بن علي ﵀، ولقب بأمير المؤمنين في العام الحادي والأربعين، وسمي هذا العام بـ "عام الجماعة".
ولا يعنى هذا الاجتماع استقرار الأمر وهدوء الحال من كل وجه، فإن المناوأة لمعاوية والحكم الأموي ظلت قائمة، من الخوارج تارة، وهم الذين ينقمون على عثمان وعلى ومعاوية جميعا، وينكرون سياسة الملك الدنيوي، ومن الشيعة أخرى، وهم الذين يرون الخلافة حقا لعلي وأهل بيته خاصة.
فإذا أضفنا إلى هذا أن سياسة حكم بني أمية واجهت في كثير من الفترات سخطا متزايدا، وخروجا على سلطانها في بعض الجهات، أدركنا العقبات التي اعترضت الولاة في هذا العهد.
ولقد كان معاوية صاحب حنكة سياسية خففت من حدة الخصومة بينه وبين أعدائه؛ إلا أن بيعته ليزيد أثارت كثيرا من السخط لدى أهل الورع والتقوى، كما كان لواقعة كربلاء ومقتل الحسين رد فعل كذلك، وزاد الطين بلة استقلال عبد الله بن الزبير، واعتصامه بمكه، مما جعل الأمر أشد تأزما وحرجا.
فلما جاء عبد الملك بن مروان أخذ في كتب هذه النزعات بقوة وحزم، كي يستتب له الأمر واعتمد في جمع كلمة الناس عليه على رجل مستبد، يعشق إذلال النفوس بالقهر والعسف، ذلك هو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي أحمد.
стр. 278
كثيرا من الثورات، وحاصر مكة، وانتهك حرمتها وقتل عبد الله بن الزبير سنة ثلاث وسبعين للهجرة.
ولئن كان عهد الوليد بن عبد الملك من أزهى عصور بني أمية؛ حيث ازدهر بالفتوحات الإسلامية شرقا وغربا، فقد جاء بعده أخوه سليمان؛ فأساء للقواد الفاتحين، ثم أعقبه عمر بن عبد العزيز "التقي الزاهد" فحاول رد المظالم وإقامة العدل، واتجه بسياسة الحكم إلى إعادة سيرة الخلفاء الراشدين، ولكن الأمر ساء من بعده في عهد يزيد بن عبد الملك، ثم في عهد أخيه هشام، وبدأ الضعف يدب إلى أوصال الدولة الأموية، وقامت الدعوة السرية لبني العباس.
ومن هذا العرض السريع وتتبع الأحداث التي وراءه أخذ كثير من الباحثين المؤرخين على بني أمية أمورا:
أولا- أن نزعة الحكم في عهد الأمويين بدأت باتجاه عنصري يثير في النفس عوامل العصبية ونظام الملك، فعندما قرأ مروان بن الحكم عامل معاوية على المدينة كتاب معاوية لأخذ البيعة ليزيد في مسجد المدينة هاج القوم وماجوا، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: "ما الخيار أردتم لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية: كلما مات هرقل قام هرقل" وقام الحسن بن علي فأنكر ذلك، وفعل مثله عبد الله بن الزبير.
ثانيا- أنها جنحت إلى سياسة الملك التي تهتم بتقوية نفوذها، واستقرار الأمر لها دون التزام لسيرة الخلفاء الراشدين اعتصاما بالدين ووقوفا عند حدوده.
ثالثا- أنها عاملت بعض الصحابة وشيوخ التابعين بعنف وشدة كمعاملة الحجاج لسعيد بن جبير، وموقفه من عبد الله بن الزبير، ومعاملة أمير المدينة هشام ابن إسماعيل لسعيد بن المسيب.
رابعا- أن الحكم الأموي استباح أشياء من الأمور المشتبهات في الإسلام وغلب جانب الرأي فيما يجد من مسائل النزاع وأمور المعاملات:
стр. 279
"أ" فاستلحق معاوية زيادا، ورغب به عن أبيه عبيد الرومي، وقبل زياد هذا الاستلحاق والله تعالى يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١.
ويقول ﷺ : "من ادعى لغير أبيه فليتبوأ مقعده من النار". رواه البخاري ومسلم.
وروى عن ابن حرملة قال: ما سمعت سعيد بن المسيب سب أحدا من الأئمة قط، إلا أني سمعته يقول: قاتل الله فلانا، كان أول من غير قضاء رسول الله وقد قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" يعنى بذلك استلحاق معاوية لزياد بن أبيه.
وقد تولى القاضي أبو بكر بن العربي الجواب عن هذه التهمة بما فيه الكفاية في كتابه "العواصم من القواصم" وبين أنه لا يعرف لزياد أب قبل دعوى معاوية على التحقيق، وله نسب بعبيد الثقفي بالحضانة، وقد استعمله عمر على بعض صدقات البصرة، وهو صحابي المولد، وما قيل من أن أبا سفيان اعترف به وأنه أتى أمه سمية في الجاهلية فأتت به ولم تكن سمية لأبي سفيان وإنما كانت للحارث بن كلدة طبيب العرب وهبها إليه كسرى، فهذا الكلام فيه مقال. وأما استلحق معاوية زيادا فلأنه سمع ذلك من أبيه، وقد اختلف العلماء فيما إذا استلحق الأخ أخا يقول: هو ابن أبي، ولم يكن له منازع فقال مالك: يرث ولا يثبت النسب، وقال الشافعي في أحد القولين: يثبت النسب. وقد كان زياد مجهول الأب، ويسمى زياد ابن أبيه، فالمسألة إذن اجتهاد من معاوية.
ب- واستباح بنو أمية التي حرمها الله، والمدينة التي حرمها رسوله، حيث استباح يزيد بن معاوية المدينة وانتهبها ثلاثة، وثنى عبد الملك بن مروان.
стр. 280
فأذن للحجاج في أن يستبيح مكة واستباحها الحجاج، ففعل فيها الأفاعيل، كل ذلك لتخضع البلاد المقدسة لبني أبي سفيان ولبني مروان من بعدهم.
وشبهة ذلك عنده في استباحة الحرم أن الحرم لا يجير عاصيا كما صح عن رسول الله ﷺ .
ج- وغلب جانب الرأي في المعاملات، روى عطاء بن يسار أن معاوية باع مرة سفاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: "سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل ذلك" فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسا، فقال أبو الدرداء: "من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه.. لا أسكنك أرضا". رواه مالك في الموطأ، والنسائي في السنن، وأصله عند مسلم، وأن الذي نهى معاوية عبادة بن الصامت؛ وإنما رأى معاوية ذلك إما لأنه حمل النهي على المسبوك الذي به التعامل وقيم المتلفات، أو كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس فيما روى عنه أول الأمر.
وينبغي الإشارة هنا إلى ما رواه أهل السنن عن رسول الله ﷺ : "يكون الخلافة ثلاثين سنة، ثم تصير ملكا". وهو الحديث الذي استند إليه العلماء في تقرير خلاة الخلفاء الراشدين الأربعة؛ فقد كانت وفاة رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وعلى رأس ثلاثين سنة بعد ذلك كان إصلاح الحسن بن على بين فئتين من المؤمنين بنزوله عن الأمر لمعاوية سنة إحدى وأربعين في شهر جمادي الأولى، وسمي "عام الجماعة" لإجماع الناس على معاوية وهو أول الملوك.
وكان هذا الإصلاح مصداقا لما رواه البخاري وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال للحسن: "إن ابني هذا سيد. وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
وفي الحديث الذي رواه مسلم "ستكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض". وعهد بني أمية هو الذي يصدق فيه القول بأنه ملك ورحمة، وأولهم معاوية.
стр. 281
ولا شك أن معاوية صحابي له فضل الصحبة التي وردت في الأحاديث الصحيحة، بل كان من كتاب الوحي، فلا يجوز لأحد أن ينال منه، وإن كان الصحابة ليسوا على درجة سواء في الفضل، وقد استعمله عمر ﵁ على الشام بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان قبل أن يستعمله عثمان.
واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة. فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول المولك، كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء في الحديث.
ولكنه سن سنة سيئة في حمل الناس على بيعة يزيد، وجرى على ذلك أمر بني أمية في القهر والغلبة إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز.
أما يزيد بن معاوية فقد غلا فيه بعضهم فجعله إماما عادلا هاديا مهديا، وغلا آخرون في ذمه فاتهموه بالكفر والزندقة.
والحق أن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان ﵁ ولم يدرك النبي ﷺ ، ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء، ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح، ولا كان كذلك كافرا ولا زنديقا؛ وإنما تولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم. وجرت في إمارته أمور عظيمة:
أحدها: مقتل الحسين ﵁، حيث حاربه بجيوشه، وحين طلب الحسين منهم أن يجيء إلى يزيد أبوا إلا أن يقتلوه وأصر عبيد الله بن زياد على قتله؛ فكان قتله، كما كان قتل عثمان ﵁ قبله من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة.
الأمر الثاني: استباحته للمدينة، فإن أهل المدينة نقضوا بيعته، وأخرجوا نوابه فبعث إليهم جيشا، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثا، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثا يقتلون وينهبون، وينتهكون الأعراض، وأوقعوا بأهل المدينة في الحرة، ثم أرسل جيشا إلى مكة المكرمة فحاصروها، وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره.
الأمر الثالث: أنه لم يكن محمود السيرة من كل وجه، فقد ذكرت بعض
стр. 282
الروايات عنه أشتهر بالمعازف وشرب الخمر، واتخاذ القيان١ وقال فيه ابن كثير: "وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات، وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات".
стр. 283
أثر الخلافات السياسية في الفقه الإسلامي
مدخل
...
أثر الخلافات السياسية في الفقه الإسلامي:
أشرنا من قبل إلى أن المسلمين قد انقسموا إلى أحزاب ثلاثة: الشيعة، والخوارج، والجماعة. وكانت أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين، وتشعبت فيها آراؤهم، ولم يكن أصل الخلاف عليها وليد فتنة عثمان، ولكنه يمتد إلى بذرته الأولى منذ شعر المسلمون عند وفاة رسول الله ﷺ بضرورة التفكير فيمن يخلفه، وأسرع الأنصار قبل دفنه إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة، ليبتوا في الأمر، وأدركهم أبو بكر وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، وفي هذه السقيفة رأي الأنصار أنهم أولى بالخلافة، ورأى المهاجرون أن تكون الخلافة فيهم. ولم يلبث الأمر حتى تمت البيعة لأبي بكر، ثم تكونت نواة رأي ثالث، وهو أن تكون الخلافة في بيت النبي ﷺ ، وفي علي خاصة لقرابته، وسبقه، وجهاده وفضله، وعمله، أما رأي الأنصار فقد خمد بعد اقتناع وتسليم، وسكنت النظرية القائلة بأولوية على في عهد أبي بكر وعمر، لما كان عليه الخليفتان من عدل وإنصاف وبعد عن معاني العصبية؛ فلما كانت خلافة عثمان ﵁ واستعان بالأمويين أثارت عصبيتهم تبرما يجنح إلى على، وبقتل عثمان ومبايعة علي ﵁ تحققت نظرية القائلين بحق علي في الخلافة؛ ولكن النزاع الذي تشب بينه وبين معاوية، وانتهى بقصة التحكيم، ثم سيطرة معاوية أدى إلى الانقسام الثلاثي الذي ذكرناه آنفا.
ولم يكن شر هذا الانقسام إلى: شيعة، وخوارج، وجماعة، قاصرا على الضرر المادي في حياتهم؛ بل نشأ شيء آخر ليس أقل من ذلك خطرا، وهو اختلاف المسلمين في الرأي، وتفرقهم في الدين نفسه فجعل بعضهم يكفر بعضا، ويسيء الظن فيه، وقامت الحياة بينهم على السيف أحيانا في ثورات متلاحقة، قابلها
стр. 284
الأمويون بالعنف والاستبداد حتى أصبح منطق القوة أصلاً من أصول الحكم في بعض الفترات.
وهكذا أصبح لدى كل فريق من الفرق الثلاث فقهه في الأصول والفروع، ويجد بنا الوقوف عند فرقتين، هما: الخوارج، والشيعة لما لهما من آراء أفسدت الحياة العقلية. على المسلمين وأثرت في الفقه الإسلامي أبلغ تأثير.
стр. 285
١- الخوارج:
الخوارج من أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها وحماسا لآرائها، وغلوا في عبادتها، وتضحية في سبيل عقيدتها، أخلصوا لباطلهم إخلاصًا معدوم النظير، كان أكثرهم من العرب الخلص الذين ألفوا الخشونة وشظف العيش، فتطرفوا في آرائهم المنحرفة، وجادلوا خصومهم بفصاحة بيان، وطلاقة لسان، وأخذوهم بعنف وقسوة.
ويرى الخوارج أن عليا أخطأ في التحكيم؛ لأنه يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق؟ وليس الأمر كذلك، فإنهم حاربوا وهم مؤمنون أن الحق في جانبهم، وقالوا: "لا حكم إلا الله" فسرت هذه الجملة إلى من يعتنق هذا الرأي، وأصبحت شعارا لهم.
وقد طلبوا من على أن يحكم على نفسه بالخطأ ... بل بالكفر لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فأبى على ذلك؛ لأنه لم يشرك بالله شيئا منذ آمن، وكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، فاستمروا على عنادهم ومضايقتهم له؛ فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: "لا حكم إلا الله" ولما يئسوا من رجوعه إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم وخطب خطيبهم يقول:
أما بعد.... فإنه ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول الحق، وإن من١ وضر؛ فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيام رضوان الله والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين هذه البدع المضلة.