ولا شك أن معاوية صحابي له فضل الصحبة التي وردت في الأحاديث الصحيحة، بل كان من كتاب الوحي، فلا يجوز لأحد أن ينال منه، وإن كان الصحابة ليسوا على درجة سواء في الفضل، وقد استعمله عمر ﵁ على الشام بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان قبل أن يستعمله عثمان.
واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة. فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول المولك، كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء في الحديث.
ولكنه سن سنة سيئة في حمل الناس على بيعة يزيد، وجرى على ذلك أمر بني أمية في القهر والغلبة إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز.
أما يزيد بن معاوية فقد غلا فيه بعضهم فجعله إماما عادلا هاديا مهديا، وغلا آخرون في ذمه فاتهموه بالكفر والزندقة.
والحق أن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان ﵁ ولم يدرك النبي ﷺ ، ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء، ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح، ولا كان كذلك كافرا ولا زنديقا؛ وإنما تولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم. وجرت في إمارته أمور عظيمة:
أحدها: مقتل الحسين ﵁، حيث حاربه بجيوشه، وحين طلب الحسين منهم أن يجيء إلى يزيد أبوا إلا أن يقتلوه وأصر عبيد الله بن زياد على قتله؛ فكان قتله، كما كان قتل عثمان ﵁ قبله من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة.
الأمر الثاني: استباحته للمدينة، فإن أهل المدينة نقضوا بيعته، وأخرجوا نوابه فبعث إليهم جيشا، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثا، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثا يقتلون وينهبون، وينتهكون الأعراض، وأوقعوا بأهل المدينة في الحرة، ثم أرسل جيشا إلى مكة المكرمة فحاصروها، وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره.
الأمر الثالث: أنه لم يكن محمود السيرة من كل وجه، فقد ذكرت بعض
стр. 282
الروايات عنه أشتهر بالمعازف وشرب الخمر، واتخاذ القيان١ وقال فيه ابن كثير: "وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات، وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات".
стр. 283
أثر الخلافات السياسية في الفقه الإسلامي
مدخل
...
أثر الخلافات السياسية في الفقه الإسلامي:
أشرنا من قبل إلى أن المسلمين قد انقسموا إلى أحزاب ثلاثة: الشيعة، والخوارج، والجماعة. وكانت أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين، وتشعبت فيها آراؤهم، ولم يكن أصل الخلاف عليها وليد فتنة عثمان، ولكنه يمتد إلى بذرته الأولى منذ شعر المسلمون عند وفاة رسول الله ﷺ بضرورة التفكير فيمن يخلفه، وأسرع الأنصار قبل دفنه إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة، ليبتوا في الأمر، وأدركهم أبو بكر وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، وفي هذه السقيفة رأي الأنصار أنهم أولى بالخلافة، ورأى المهاجرون أن تكون الخلافة فيهم. ولم يلبث الأمر حتى تمت البيعة لأبي بكر، ثم تكونت نواة رأي ثالث، وهو أن تكون الخلافة في بيت النبي ﷺ ، وفي علي خاصة لقرابته، وسبقه، وجهاده وفضله، وعمله، أما رأي الأنصار فقد خمد بعد اقتناع وتسليم، وسكنت النظرية القائلة بأولوية على في عهد أبي بكر وعمر، لما كان عليه الخليفتان من عدل وإنصاف وبعد عن معاني العصبية؛ فلما كانت خلافة عثمان ﵁ واستعان بالأمويين أثارت عصبيتهم تبرما يجنح إلى على، وبقتل عثمان ومبايعة علي ﵁ تحققت نظرية القائلين بحق علي في الخلافة؛ ولكن النزاع الذي تشب بينه وبين معاوية، وانتهى بقصة التحكيم، ثم سيطرة معاوية أدى إلى الانقسام الثلاثي الذي ذكرناه آنفا.
ولم يكن شر هذا الانقسام إلى: شيعة، وخوارج، وجماعة، قاصرا على الضرر المادي في حياتهم؛ بل نشأ شيء آخر ليس أقل من ذلك خطرا، وهو اختلاف المسلمين في الرأي، وتفرقهم في الدين نفسه فجعل بعضهم يكفر بعضا، ويسيء الظن فيه، وقامت الحياة بينهم على السيف أحيانا في ثورات متلاحقة، قابلها
стр. 284
الأمويون بالعنف والاستبداد حتى أصبح منطق القوة أصلاً من أصول الحكم في بعض الفترات.
وهكذا أصبح لدى كل فريق من الفرق الثلاث فقهه في الأصول والفروع، ويجد بنا الوقوف عند فرقتين، هما: الخوارج، والشيعة لما لهما من آراء أفسدت الحياة العقلية. على المسلمين وأثرت في الفقه الإسلامي أبلغ تأثير.
стр. 285
١- الخوارج:
الخوارج من أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها وحماسا لآرائها، وغلوا في عبادتها، وتضحية في سبيل عقيدتها، أخلصوا لباطلهم إخلاصًا معدوم النظير، كان أكثرهم من العرب الخلص الذين ألفوا الخشونة وشظف العيش، فتطرفوا في آرائهم المنحرفة، وجادلوا خصومهم بفصاحة بيان، وطلاقة لسان، وأخذوهم بعنف وقسوة.
ويرى الخوارج أن عليا أخطأ في التحكيم؛ لأنه يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق؟ وليس الأمر كذلك، فإنهم حاربوا وهم مؤمنون أن الحق في جانبهم، وقالوا: "لا حكم إلا الله" فسرت هذه الجملة إلى من يعتنق هذا الرأي، وأصبحت شعارا لهم.
وقد طلبوا من على أن يحكم على نفسه بالخطأ ... بل بالكفر لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فأبى على ذلك؛ لأنه لم يشرك بالله شيئا منذ آمن، وكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، فاستمروا على عنادهم ومضايقتهم له؛ فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: "لا حكم إلا الله" ولما يئسوا من رجوعه إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم وخطب خطيبهم يقول:
أما بعد.... فإنه ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول الحق، وإن من١ وضر؛ فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيام رضوان الله والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين هذه البدع المضلة.
стр. 286
ثم خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تسمى "حروراء" وسموا حينئذ "بالحرورية" نسبة إلى هذه القرية، كما سموا "بالمحكمة"؛ لأنهم يقولون: "لا حكم إلا الله". وأمروا عليهم رجلا اسمه عبد الله بن وهب الراسبي.
أما تسميتهم بالخوارج؛ فلأنهم خرجوا على وصحبه، وقد يجعل بعضهم هذا الاشتقاق من الخروج في سبيل الله أخذا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١، وسموا كذلك "الشراة" أي الذين باعوا أنفسهم لله، من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾ ٢. وقد حاربهم على ﵁ وهزمهم، وقتل منهم كثيرا في وقعة "النهروان" فأمعنوا في عدائه، وكادوا له حتى دبروا مؤامرة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي.
وظل الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يهددونها ويحاربونها في جرأة وشجاعة، وكبدوها خسائر فادحة في معارك متواصلة، ويجدر بنا الإشارة إلى أنهم كانوا قسمين:
أحدهما: بالعراق وما حوله، وكان أهم مركز لهم "البطائح" بالقرب من البصرة، وقد استولوا على كرمان وبلاد فارس، وهددوا البصرة، وهؤلاء هم الذين حاربهم المهلب بن أبي صفرة، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق، وقطرى بن الفجاءة.
ثانيهما: بجزيرة العرب، وقد استولوا على اليمامة، وحضرموت، والطائف، ومن أشهر أمرائهم أبو طالوت، ونجدة بن عامر.
واستمرت حروب الخوارج طوال عهد الدولة الأموية، ثم ضعف شأنهم في عهد الدولة العباسية.
стр. 287
آراؤهم:
ومن أشهر آراء الخوارج ما يأتي:
أ- رأيهم في الخلافة:
أ- يقول الخوارج بصحة خلافة أبي بكر وعمر، لصحة انتخابهما، وبصحة خلافة عثمان في صدرها الأول؛ فلما حاد عن سيرة أبي بكر وعمر وجب عزل عزله، وبصحة خلافة على إلى أن قبل التحكيم.
ب- ويقولون بكفر على لما قبل التحكيم، وبكفر معاوية، وأبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ويطعنون في أصحاب الجمل: طلحة، والزبير، وعائشة.
جـ- ويرون أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، ولا يشترط أن يكون الخليفة قرشيا، خلافة لنظرية الشيغة القائلة بانحصار الخلافة في بيت النبي، ولكثير من أهل السنة القائلين بأن الخلافة في قريش، وإذا تم اختيار الخليفة صار رئيسا للمسلمين، ولا يصح أن يتنازل أو يحكم، ويجب أن يخضع خضوعا تاما لأمر الله، وإلا وجب عزله؛ فإن لم يقبل وجب قتله.
ب- رأيهم في الإيمان والعمل:
أ- يرى الخوارج أن العمل بأوامر الدين كلها جزء من الإيمان، كالصلاة، والصوم، والزكاة، والصدق، والعدل، وليس الإيمان الاعتقاد وحده، أو الاعتقاد مع الإقرار باللسان.
ب- وإذا كان العمل بأوامر الدين جزء من الإيمان -وهو كذلك عند أهل السنة والجماعة- فإنهم يرون أن من لم يعمل بأوامر الدين، أو يرتكب الكبائر يكون كافرا.
فقالوا بتكفير أهل الذنوب، ولم يفرقوا بين ذنب وذنب، بل اعتبروا الخطأ في الرأي ذنبا، ولذا كفروا عليا ﵁ بالتحكيم، واستدلوا على ذلك بظواهر.
стр. 288
كثير من النصوص: منها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ ١ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢ وقوله ﷺ في الصحيحين: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وفي الصحيحين كذلك: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، وغير ذلك من النصوص.
وهذه النصوص عند أهل السنة والجماعة، لا يراد بها الكفر الذي يخرج من الملة، ولا نفي حقيقة الإيمان، إنما يراد بها نفي كماله.
وقد اختلف الخوارج على أنفسهم، وأصبحوا فرقا شتى، لكل فرقة آراؤها، ولكنهم يشتركون إجمالا في النظريتين السابقتين: نظرية الخلافة، ونظرية الإيمان والعمل.
ومنهم من كان يرى أنه لا حاجة بالأمة إلى إمام وعلى الناس أن يعملوا بكتاب الله من أنفسهم، ولهذا روي عن علي ﵁.. أنه لما سمعهم يقولون: لا حكم إلا لله، قال: "كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: "لا إمرة إلا لله"، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمع فيها الكافر، ويبلغ الله منها الأجل، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر".
وقد قال ابن أبي الحديد: إن الخوارج كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك، ويذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإمام، ثم رجعوا عن ذلك لما أمروا عليهم عبد الله ابن وهب الراسبي.
أشهر فرقهم:
وذكر بعض الباحثين أن فرق الخوارج بلغت نحو العشرين، كل فرقة تخالف الأخرى في بعض تعاليمها، ومن أشهر فرقهم:
стр. 289
١- الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق من بني حنيفة، وكان من أكبر فقهائهم، وقد كفر جمع المسلمين من عداهم، واستباح قتل النساء والأطفال وأهل الذمة، وحرم التقية؛ لأن الله يقول: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ١ واستحل الغدر بمن خالفه، وأشهر من تولي إمارة الأزارقة بعد نافع، قطري بن الفجاءة المازني التميمي الذي قاتله المهلب بن أبي صفرة قتالا مريرا حتى هزمه بأرض فارس.
٢- النجدات: أتباع نجدة بن عامر، من بني حنيفة كذلك، ويرى أن الدين أمران: أحدهما: معرفة الله ومعرفة رسوله وتحريم دماء المسلمين وتحريم غصب أموالهم والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع، والجهل به لا يعذر فيه.
والثاني: ما سوى ذلك -فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلام والحرام.
بايعه خوارج اليمامة سنة ٦٦ هـ وغزا بهم البحرين وعمان واليمن والطائف؛ لكنه لم يبسط نفوذه إلا في البحرين.
خالف النجدات عامة الخوارج، فقالوا بالتقية، أي أن يظهر الخارجي أنه جماعي حقنا لدمه، ولا يستحلون قتل الأطفال، وأهل الذمة.
٣- الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض التميمي، وكانوا أقل غلوا في الحكم على مخالفيهم، ونزعتهم أميل إلى المسالمة، فهم أبعد الخوارج عن الشطط، يرون أن مخالفيهم كفار نعمة، لا كفار في الاعتقاد، فتجوز شهادتهم، ومناكحتهم، والتوارث معهم، ولذا بقي لهم فقه جيد، ولهم أتباع في ساحل عمان وزنجبار.
٤- الصفرية: أتباع زياد بن الأصفر، وهم لا يختلفون كثيرا في تعاليمهم عن الأزارقة وإن كانوا أقل تطرفا منهم، وأشهد من غيرهم، فلا يكفرون بالذنوب كلها، إنما يكفرون بالذنوب التي فيها حد، ولا يحكون بقتل أطفال مخالفيهم، ولا
стр. 290
يرون كفرهم وتخليدهم في النار خلافا للأزارقة، وقد انتشروا في الموصل وأرض الجزيرة.
وأكثر الذين اعتنقوا مبدأ الخوارج كانوا عربا بدوا، انضم إليهم قليل من الموالي.
ومن أخص صفات الخوارج تشددهم في العبادة وإخلاصهم لعقيدتهم وشجاعتهم النادرة، وعروبتهم الخالصة، وأدبهم الرفيع شعرا ونثرا.
فقه الخوارج:
١- لقد كان من آثار اهتمام الخوارج بالناحية العملية وتشددهم في سلوك المسلم أنهم ترفعوا في مقاييسهم الفقهية بأمور العبادات؛ فاعتبروا المعاني الأخلاقية والروحية بإزاء العمل البدني؛ ففي طهارة البدن للصلاة مثلا، يرون أن الطهارة إنما تكون بطهارة اللسان من الكذب والقول الباطل، الذي يوقع الناس في الأذى، وعلى هذا جعلوا من مبطلات الوضوء: الوشاية، والعدواة، والبغضاء بين الناس، والقول الفاحش، أي أنهم راعوا مع الطهارة البدنية، الطهارة المعنوية.
٢- ومن فرق الخوارج من غلا في أخذ الأحكام من مصادر الشريعة، واعتبر القرآن وحده المصدر الحقيقي، ولم يعترف بغيره، وقد نجم عن هذا مخالفتهم لإجماع المسلمين في بعض المسائل، محتجين بأن القرآن يبطلها.
أ- قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ رجم، ورجم الأئمة بعده، والله تعالى يقول في الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١، والرجم إتلاف للنفس لا يتبعض؛ فكيف يكون على الإماء نصفه؟ والمحصنات ذوات الأزواج وفي هذا دليل على أن المحصنة حدها الجلد، وهو الذي ورد في القرآن لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢.
ب- وقالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: "لا وصية لوارث"، والله يقول: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن
стр. 291
ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين١ والولدان وارثان على كل حال لا يحجبهما أحد عن الميراث؛ فهذه الرواية في الوصية خلاف كتاب الله .
جـ وقالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"، وأنه قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" والله يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ ٢ إلى آخر الآية:..... ولم يذكر الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، ولم يحرم من الرضاع إلا الأم المرضعة، والأخت بالرضاع، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٣ فدخلت المرأة على عمتها وخالتها، وكل رضاع سوى الأم والأخت فيما أحله الله تعالى.
د- وقالوا: إنكم ترون أن حد القذف يثبت على على من يقذف المحصنين من الرجال ونحن نقول: إن حد القذف لا يثبت إلا على من يقذف محصنة بالزنا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٤ فذكر رمي المحصنات ولم يذكر رمي المحصنين.
وقد ذكر ابن قتيبة هذه المسائل وغيرها نقلا عن الخوارج في كتابه "تأويل مختلف الحديث"٥ ورد عليها، ولهذه النزعة أثر عند بعض الناس في عصرنا الحاضر الذين يرون الاكتفاء بالقرآن وحده.
стр. 292
الشيعة
مدخل
...
٢- الشيعة:
بدأت نواة التشيع لدى هؤلاء الذين يرون أن الخلافة ميراث أدبي وأولى
الناس بإرث النبي ﷺ من قرابته، أولاهم بالإرث الأدبي، أي الخلافة، وأولى قرابته العباس عمه وعلى ابن عمه، وعلى أولى، كما ذكرنا من العباس لسبقه وعلمه وجهاده وزواجه من فاطمة، ولم يرد عن طريق صحيح ما يدل على أن رسول الله ﷺ عين عليا للخلافة ونص عليه.
ويروي البخاري عن ابن عباس "أن عليا ﵁ خرج من عند النبي ﷺ في وجعه الذي توفي فيه؛ فقال الناس: يا أبا الحسن ... كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده العباس ﵁ وقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سيتوفي من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا نسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمناه، وإن كان في غيرنا كلمناه، فأوصى بنا، فقال على ﵁: أما والله لئن سألناه فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها".
ومع أن عليا بايع أبا بكر ﵁، ثم بايع عمر وعثمان من بعد فإن النظرة إلى على ومكانته كانت تشير إلى أنه جدير بالخلافة وأنه أحق بها. وقد تأخرت بيعته لأبي بكر ستة أشهر إلى أن توفيت زوجه فاطمة التي كانت ترى أن أبا بكر منعها ميراث أبيها، كما تأخر نفر من الصحابة كانوا يرون أحقية على بالخلافة، ذكر منهم: العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان، والمقداد بن الأسود. والزبير، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبو ذر؛ ولكنهم جميعا بايعوا بعد ذلك.
هذه هي الفكرة التي تطورت وقيل في أصحابها شيعة علي، وأصبحت ذات نظريات خاصة في الإمامة، ولكن شيئا من هذه النظريات لم يوجد في عهد الخلاة الراشدة؛ وإنما وجد ذلك في دعاوي الشيعة الكثيرة بعد على ﵁ في الإمامة وغيرها، وقال فيها ابن خلدون في مقدمته حكاية عنهم: "إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل
стр. 293
يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وإن عليا ﵁ هو الذي عينه صلوات الله عليه، بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة؛ بل أكثرها موضوع، أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة"١
وقد أدت هذه الفكرة لدى الشيعة إلى أمور:
١- أدت إلى القول بأن عليا أفضل الخلق بعد النبي ﷺ ، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأكثرهم خصائص، ومزايا، ومناقب، وأنه معصوم، وكذلك من بعده من الأئمة، وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه فإنه عدو لله، وخالد في النار مع الكفار والمنافقين وليس بينه وبين النبي ﷺ إلا النبوة.
٢- وأدت إلى الغلو في حب على حتى ألهوه، فمنهم من قال كما ذكر الشهرستاني:
"حل في على جزء إلهي، واتحد بجسده فيه، وبه كان يعلم الغيب؛ إذ أخبر عن الملاحم، وصح الخبر، وبه كان يحارب الكفار، وله النصرة، والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوة ملكوتية، قالوا: وربما يظهر على في بعض الأزمان"٢.
وقد تضمن هذا النص فكرة الحلول التي وجدت عند النصارى أيضا، وفكرة الرجعة التي تطورت عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة وأن الإمام المختفي سيعود، ويملأ الأرض عدلا، ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر.
ولعل من أكبر العوامل التي ساعدت على هذه الفكرة، أن أكثر شيعة على
стр. 294
كانوا في العراق، من عناصر مختلفة وفي العراق، من قديم مذاهب مختلفة عربية، ومنها ما فيه الزعم بعقيدة الحلول.
أما المسلمون العرب فهم أبعد الناس عن هذا الزعم، وتلك المذاهب، وقد عرفوا عقيدة الفطرة في الإسلام القائمة على وحدانية الله وتنزهه، وقد قال الله في القرآن على لسان رسوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١، فكيف بغيره من الناس؟
وللشيعة فرق شتى، أهمها: الزيدية، والإمامية:
١- فالزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى السنة، فهم لا يرون الإمامة بالنص، ولا يذهبون مذهب الغلاة في الحلول، ويجيزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، ولذا قالوا بصحة إمامة أبي بكر وعمر، ولا يزال سوادهم الأعظم في اليمن حتى الآن، والإمام زيد إمام فقيه، وله في الفقه كتاب "المجموع".
٢- والإمامية: وهم الذين قالوا بأن محمدا ﷺ نص على خلافة على، وقد اغتصبها أبو بكر وعمر، وجعلوا الاعتراف بالإمام جزءا من الإيمان، ويختلفون اختلافا كثيرا في الأئمة وتسلسلهم لاختلاف فرقهم، ويقولون بعودة إمام منتظر، ومن أشهر فرقهم، الإسماعيلية، والإثنا عشرية، ولكل فرقة مذهبها الذي يختلف عن غيرها، وقد كان للتشيع أثره في الفقه الإسلامي.
فإن الشيعة لا يعتدون في الأخذ إلا من علمائهم، ولا يفسرون النصوص إلا وفق مبادئهم، ولا يأخذون بالإجماع؛ حيث لا اعتبار لأقوال غيرهم، ولا يقولون بالقياس لأنه رأي، والدين لا يؤخذ بالرأين وإنما يؤخذ عن الله ورسوله وأئمتهم المعصومين، وقد نشأ من ثمار ذلك مخالفتهم لأهل السنة والجماعة في كثير من الأصول والفروع.
стр. 295
أ- فقد قالوا بإمامة على وخلافته نصًا ووصاية وأنها لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وليست الإمامة قصية مصلحة، تناط باختيار العامة؛ بل هي ركن الدين الذي لا يجوز للرسول ﷺ إهماله وإغفاله، وتفويضه إلى العامة، وقالوا بوجوب عصمة الإمام عن المعصية، والظلم، والخطأ، والنسيان.
ويرى الإسماعيلية أن التوحيد نفي الصفات عن الله؛ لأنك إذا أثبت الصفات فلا توحيد، وأن القرآن له ظاهر وباطن، وأن أولياءهم وأوتوا علم الباطن، وأن الشعائر الدينية لا تلزم إلا العامة، أما الخاصة فغير مطالبين بها.
ب- وهو يقولون بجواز نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وإنه لم ينسخ، مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ١، والجمهور على أن الآية في النكاح الشرعي المعهود، والمراد بالاستمتاع: التمتع الكامل بالدخول بالزوجة من نكاح مشروع، والمراد بالأجور: ما يجب للزوجة من المهر كاملا إذا استمتع بها الزوج، وتسمية المهر أجرا لا تدل على أنه أجر المتعة؛ فقد سمى المهر أجرا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ ٣ أي مهورهن. وأما قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وسعيد بن جبير "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى" فليست بقرآن عند مشترطي التواتر ولا سنة لأجل روايتها قرآنا، فتكون من قبيل التفسير للآية وليس بحجة.
ونكاح المتعة كان جائزا في صدر الإسلام رخصة لحالة الغربة في السفر، ثم نسخ عام الفتح، وأجمع الصحابة على ذلك، وما روى عن
стр. 296
ابن عباس من إباحته؛ فقد روي عنه أنه رجع عنه.
جـ- ولا يجيزون أن يتزوج المسلم بالكتابية الظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ ١ والآية محمولة عند الجمهور على غير الكتابيات لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢.
د- ويخالفون في مسائل كثيرة بالميراث؛ فلا يورثون النساء إلا من المال المنقول، دون الأرض أو العقار، ويجعلون المال كله للقريب ذي الفرض، ويمنعون العاصب مما زاد عن الفرض؛ ففي بنت وأخ مثلا، يجعلون المال كله للبنت ويحرمون الأخ، ويقدمون ابن العم الشقيق على العم لأب، وهذا مبني على عقيدتهم في الخلافة، وإن عليا وذريته مقدمون على العباس وذريته، فعلى ابن عم شقيق والعباس عم لأب. وفاطمة وأولادها مقدمون على غيرهم من العصبات، ويرون أن الأنبياء يورثون.
هـ- ويقولون إن الطلاق لا يقع إلا أمام شاهدين، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٣ وقال جمهور الفقهاء: إن الطلاق يقع من غير حاجة إلى إشهاد فحضور الشهود شرط في صحة الزواج، وليس شرطا في إنهائه، ولم يؤثر عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته لاشتراط الشهود لوقوع الطلاق، فتصح الفرقة وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك، وإنما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة احتياطا من التجاحد وذلك على سبيل الاستحباب. لأن كلا منهما حق للزوج؛ فجاز بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيه إلى رضا غيره.
وإذا كان الخوارج قد غلبت عليهم الصراحة لطبيعتهم البدوية، فحاربوا
стр. 297
بني أمية جهارا، فإن الشيعة قد لجأ أكثرهم إلى العمل سرا، ويعرف هذا بالتقية، أي: المداراة، بأن يتظاهر الشخص بعقيدة أو عمل لا يعتقد بصحته، محافظا على نفسه، أو عرضه، أو ماله؛ بل قال بعضهم: يجب إظهار الكفر لأدني مخافة أو طمع، وإنه لا إيمان لمن لا تقية له.
стр. 298
تفرق العلماء في الأمصار:
بدأت الفتوحات الإسلامية تتسع في عهد عمر بن الخطاب، وظلت موجة المد الإسلامي في المشرق والمغرب، تشق طريقها من بعده وكان لا بد للعرب والمسلمين الفاتحين أن يؤهلوا أنفسهم لحكم البلاد التي فتحوها بالعلم والمعرفة، ولا بد للدين دخلوا في الإسلام من غير العرب أن يتعلموا العربية لدينهم ولدنياهم، فاستتبع الفتح الإسلامي حركة علمية في البلاد المفتوحة، وقد ذكرنا من قبل تفاوت الصحابة في درجاتهم العلمية، وأن عددا منهم ليس بالقليل، كانت له مكانه علمية مرموقة، وقد عدت بضعة من الصحابة هم الطبقة الأولى في العلم، وعد عشرون من الطبقة الثانية، وعد نحو مائة وعشرين من الطبقة الثالثة، وهؤلاء وأولئك تفرقوا في أنحاء الدولة الإسلامية بعد الفتح، ووزعوا على الأمصار أحيانا قصدا إلى تعليمهم؛ فأرسل رسول الله ﷺ بعضهم إلى اليمن، وإلى البحرين، وكان عمر بن الخطاب يميل إلى استبقاء كبار فقهاء الصحابة بالمدينة، للاستعانة بهم في الفتيا عند عرض المشكلات، والحيلولة بينهم وبين الاشتغال بالحياة الدنيا ومظاهر الحكم، ولكنه مع ذلك أرسل بعض الصحابة معلمين في الأمصار، بعد أن اتسعت الفتوحات.
عن سالم بن عبد الله قال: كنا مع ابن عمر يوم مات زيد بن ثابت؛ فقلت: مات عالم الناس اليوم، فقال ابن عمر: يرحمه الله اليوم؛ فقد كان عالم الناس وحبرهم فرقهم عمر في البلدان.
وعن عمر بن الخطاب أنه قال حين خرج معاذ بن جبل إلى الشام: لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكر ﵀ أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى على وقال: رجل أراد جهادا.
стр. 299
يريد الشهادة فلا أحبسه، فقلت: والله إن الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه.
وكتب عمر إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم بعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وآثرتكم به على نفسي، فخذوا عنه، فقدم الكوفة ونزلها، وابتنى بها دارا إلى جانب المسجد.
وبعد عهد عمر كثر انتشار الصحابة في البلاد المفتوحة، وقد أنشأ هؤلاء الصحابة العلماء الذين تفرقوا في الأمصار حركة علمية في كل مصر نزلوا فيه، ولدى كل واحد منهم من العلم ما قد لا يكون لدى الآخر، وكونوا مدارس منهجية في تعليمهم، وكان لهم تلاميذ ينقلون عنهم العلم، فتخرج عليهم التابعون، وتأثرت البلاد التي نزلوا فيها بشخصياتهم، ونهجوا في العلم مناهجهم.
ومن الطبيعي أن تزدهر هذه الحركات العلمية في المدن خاصة؛ لأنها أكثر ناسا وأوفر عمرانا.
مكة:
خلف رسول الله صلى الله عليه في مكة بعد فتحها معاذا يفقه أهلها، ويعلمهم الحلال والحرام ويقرئهم القرآن، وهو من أفضل فقهاء الأنصار، علما وخلقا، واعتبر معلم مكة في عهده.
ولما كان الخلاف بين عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير، ذهب ابن عباس إلى مكة وعلم بها؛ فكان يجلس في البيت الحرام، ويعلم التفسير، والحديث، والفقه والأدب، وأشهر من تخرج على يديه من التابعين مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس بن كيسان، وثلاثتهم من الموالي، وقد عد الذهبي وابن سعد طاووسا من علماء اليمن، وعده ابن القيم من فقهاء مكة ومفتيها، لأن هذا كان آخر أمره.
المدينة:
كانت المدينة دار الهجرة ومركز الخلافة، ومقر كبار الصحابة، فكانت أكثر علما وأوفر شهرة.
стр. 300
وأشهر من تفرغ فيها للحياة العلمية، وكثر أصحابه وتلاميذه: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب.
وتخرج على يد علماء المدينة من الصحابة كثير من التابعين، وأشهرهم: سعيد ابن المسيب، وعروة بن الزبير بن العوام، ثم كان ابن شهاب الزهري القرشي الذي أخذ عن كبار التابعين فحفظ فقه علماء المدينة وحديثهم.
الكوفة:
نزل الكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ الكثير، وكان أشهرهم في العلم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، إلا أن تأثير ابن مسعود كان أكثر علميا فيها؛ حيث بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة يعلمهم، فأخذ عنه كثير من الكوفيين، وتكونت في الكوفة حركة علمية كبيرة، وكان أشهر تلاميذه الذين تلقوا عنه أكثر علمهم: علقمة، والأسود، ومسروق، وشريح، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير.
البصرة:
كذلك نزل في البصرة عدد كبير من الصحابة، أشهرهم في العلم: أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك.
ومن أشهر من خرجته مدرسة البصرة: أبو الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وكلاهما من أبناء الموالي.
الشام:
روي أن يزيد بن أبي سفيان كتب إلى عمر: قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن، فأرسل معاذا، وعبادة، وأبا الدرداء، فقضى معاذ آخر حياته بالشام معلما، وانتهت إقامته إلى فلسطين، وتولى عبادة بن الصامت إمرة حمص، واستقر أبو الدرداء في دمشق، وتخرج على يدهم جميعا كثير من التابعين، كأبي إدريس الخولاني، ثم مكحول الدمشقي، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، ثم كان إمام أهل الشام عبد الرحمن الأوزاعي.
стр. 301
مصر:
يعتبر عبد الله بن عمرو بن العاص أشهر الصحابة الذين نزلوا بمصر، وعلموا بها، وكان من أكثر الناس حديثا عن رسول الله ﷺ ، فقام بحركة علمية في مصر، وأخذ عنه كثير من أهلها، واشتهر من بعده يزيد بن حبيب أستاذ الليث بن سعد.
اليمن:
وعرف من فقهاء اليمن من التابعين: مطرف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همام، وهشام بن يوسف.
стр. 302
رواية الحديث:
توفي رسول الله ﷺ ، والقرآن الكريم محفوظ في الصدور، ومكتوب في الرقاع والأكتاف، والحجارة وغيرها.
أما السنة فلم يكن شأنها كذلك؛ لأنها لم تدون كما دون القرآن لأسباب أشرنا إلى بعضها من قبل، أهمها: الخوف من اختلاط بعض أقوال الرسول ﷺ بالقرآن، وما ورد من النهي عن كتابة شيء غيره، وهذا لا ينفي أن يكون قد كتب على عهد رسول الله ﷺ شيء من السنة. كما ذكرنا من قبل عن الصحف التي كتبها بعض الصحابة.
ولكن رسول الله ﷺ أوصى صحابته بتبليغ السنة إلى من وراءهم، مع التثبت فيما يروون.
أخرج أبو داوود والترمذي، من رواية زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، ورواها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع".
وقد امتثل الصحابة هذا وبلغوا أمانة الرسول ﷺ إلى أمته، خصوصا وقد تفرقوا في الأمصار، وأصبحوا فيها معلمين، ونتلمذ عليهم التابعون، ورحل إليهم من رحل على بعد الشقة، وعناء السفر للأخذ عنهم.
стр. 303
بيد أن الصحابة كانوا متفاوتين في التحديث عن رسول الله ﷺ قلة وكثرة؛ فمن المقلين: الزبير وزيد بن أرقم، وعمران بن حصين، ولعل ذلك كان لحذرهم من الوقوع في الكذب من غير قصد، ولذلك روى أن أنس بن مالك كان يتبع الحديث عن النبي ﷺ بقوله: "أو كما قال".
ومن المكثرين: أبو هريرة، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر وأنس بن مالك.
فلأبي هريرة كما يذكر بعض الباحثين "٥٣٧٤" حديثا. ولعائشة "٢٢١٠". ولعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ما يقرب من مسند عائشة، ولكل من جابر ابن عبد الله، وعبد الله بن عباس أزيد من "١٥٠٠" ونرى بعض الصحابة لم يرد عنه إلا القليل النادر، ومما ساعد هؤلاء المكثرين في الحديث طوال حياتهم بعد النبي ﷺ وطول صحبتهم وكثرة من أخذ عنهم.
وقد اجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم، ورحلوا في طلبه.
أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد والطبرانين والبيهقي واللفظ له عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ لم أسمعه منه، فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام؛ فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيته فقلت له: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه؛ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس غرلا بهما" قلنا: وما البهم؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم نداء يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة. وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى أقصها منه، حتى اللطمة، قلنا: كيف؟ وإنما نأتي الله غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات".
стр. 304
وبمثل هذا الاهتمام والارتحال لطلب السنةابتدأت رواية الحديث تأخذ في السعة والانتشار، واتجهت الأنظار إلى الصحابة ﵃، وحرص التابعون على لقياهم ونقل ما في صدورهم من علم قبل أن ينتقلوا إلى الرفيق الأعلى، ولم يشك أحد في الأخذ عن الصحابة، ولم يكن قد دس على حديث رسول الله ﷺ ، حتى وقعت الفتنة وظهرت الطوائف، وبدأ التحول في حياة المسلمين الدينية تبعا للتحول في حياتهم السياسية.
стр. 305
بدء الوضع في الحديث:
أدى انقسام المسلمين إلى طوائف بعد الفتنة إلى أن يؤيد كل فريق موقفه بالقرآن والسنة. فأول بعض هذه الطوائف القرآن على غير حقيقته، وحملوا نصوص السنة ما لا تحتمله، فإذا عز عليهم التأويل نسبوا إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله تأييدا لدعواهم، لا سيما في فضل أئمتهم، وقد ذكروا أن أول بادرة في ذلك كانت من الشيعة ولم يقع شيء من ذلك في عهد الرسول ﷺ ، ولم يصدر عن أحد من الصحابة، فهم محل الثقة، وما كان بينهم من خلاف كان اجتهادها في الدين، وكل منهم يطلب الحق وينشده، وإنما نشأ الوضع من الخلافات السياسية في عهد التابعين.
وأهم بواعثه ترجع إلى ما يأتي:
١- الخلافات السياسية:
فقد كانت سببا أصيلا في الكذب على رسول الله ﷺ .
سئل مائل عن الرافضة، فقال لا تكلمهم، ولا ترو عنهم؛ فإنهم يكذبون.
ويقول شريك بن عبد الله القاضي، وقد كان معروفا بالتشيع مع الاعتدال فيه: أحمل عن كل من لقيت، إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينا. وبذلك كان الرافضة أكثر الفرق كذبا.
قال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا.
стр. 306
وقد بين ابن تيمية ذلك في منهاج السنة.
ومن أمثلة الوضع لدى الرافضة: "من أراد أن ينظر إلى أدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي".
و"أنا ميزان العلم، وعلى كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة منا عمود توزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا".
و"حب على حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة" فهذه الأخبار ونظائرها تفوح منها رائحة الكذب بصورة ظاهرة.
أما المتعصبون من جهلة أهل السنة فقد ندر ما أثر عنهم من الدس في الأخبار مثل: "ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على ورقة منها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان، ذو النورين"، "الأمناء الثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية".
وذكر العلماء أن أقل الفرق الإسلامية كذبا هي فرق الخوارج، لما كانوا عليه من تقوى ولأنهم يكفرون مرتكب الكبيرة، ونسبوا إليهم: "إذا أتاكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله؛ فإن وافق كتاب الله فأنا قلته". ولكن بعض الباحثين ينفي عنهم تهمة الوضع إذ لا دليل يعتمد عليه في ذلك.
قال أبو داوود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج.
وقال ابن تيمية: ليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج.
وقال: ليسوا ممن يتعمدون الكذب، بل هم معروفون بالصدق، حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث.
٢- الزندقة:
أظل الإسلام بلواء دعوته ودولته كثيرا من البلاد، ودخلت في حوزته عروش وإمارات وزعامات لها ماض في الحكم وتراث في الفلسفة، وربما عز على بعض
стр. 307
هذه النفوس أن تظل العقيدة الإسلامية صافية المنبع، سائغة الشراب لحقد دفين، أو كراهية للإسلام وأهله، فعمدت إلى الانتقام من هذا الدين ورجاله بالعمل على إفساد عقائده، وتشويه محاسنه، وتفريق صفوف أتباعه وجنوده، فكان الدس في السنة من أوسع ميادين الإفساد لدينهم فصاغوا أحاديث طابعها السخف والسخرية كقولهم: "خلق الله الملائكة من شعر ذراعيه وصدره" وقولهم: "إن الله لما خلق الحروف سجدت الباء ووقفت الألف" ومن أشهر هؤلاء الزنادقة الوضاعين: عبد الكريم بن أبي العوجاء وقد قتله محمد بن سليمان بن على والي البصرة، واعترف عند قتله بأنه وضع مئات الأحاديث، وبيان بن سمعان، قتله خالد بن عبد الله القسري، ومحمد بن سعيد المصلوب، قتله أبو جعفر المنصور.
٣- عصبية الجنس أو الإمام أو البلد:
وضع الشعوبيون١ حديث: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالعربية، وإذا رضي أنزل الوحي بالفارسية" فقابلهم جهلة العرب بالمثل فقالوا: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزل الوحي بالعربية".
ووضع المتعصبون لأبي حنيفة: "سيكون رجل من أمتي يقال له أبو حنيفة النعمان هو سراج أمتي" والمتحاملون على الشافعي: "سيكون من أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" وكذلك الشأن فيما وضعوه عن فضائل بعض البلدان والقبائل.
٤ التساهل في باب الفضائل والترغيب والترهيب:
سلك بعض من تصدوا للوعظ إلى ابتكار قصص مكذوب للتأثير على عواطف الناس وإحراز إعجابهم، ونسبوا ذلك إلى النبي ﷺ .
ومن أمثلة هذا: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان".
وفي كتب الأخلاق والتصوف كثير من هذا الباب.
стр. 308
وقد ذكر ابن قتيبة عند الكلام على الوجوه التي دخل منها الفساد على الحديث، الوجه الثاني: القصاص، فإنهم يميلون وجه العوام إليهم، ويشيدون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث ومن شأن العوام والقعود عند القاص ما كان حديثه عديبا خارجا عن نظر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلب، فإذا ذكر الجنة قال: "فيها الحوراء من مسك أو زعفران وعجيزتها ميل في ميل ويبوئ الله وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء فيها سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة، فلا يزال هكذا في السبعين ألفا لا يتحول عنها وللسيوطي كتاب "تحذير الخواص وليس من أكاذيب القصاص" حققه الشيخ محمد الضباغ ونشره المكتب الإسلامي ومن هذا القباني ابن أبي كثير من أحاديث فضائل القرآن سورة سورة، وقد اعترف نوح ابن أبي مريم بوضع مثل هذا، واعتذر لذلك بأنه رأي الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق.
ومن هؤلاء الوضاعين "غلام خليل" الذي كان زاهدا، فزين له الشيطان وضع أحاديث عن فضائل الأذكار والأوراد حتى قيل له هذه الأحاديث التي تحدث بها من الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقق بها قلبه.
стр. 309
جهود العلماء لصيانة السنة ومقاومة حركة الوضع
...
جهود العلماء لصيانة السنة:
بذل العلماء وشعوب العامة. صحيح ومقاومة حركة الوضع:
عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة كثيرة من الجهود، لتمييز صحيح الأحاديث وسلكوا أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، يحق لأمتنا أن تفاخر به الأمم جميعا، ونستطيع أن نلخص أهم خطواتهم لتحقيق ذلك في الأمور الآتية:
١- التحري في إسناد الحديث: فقد أخذ علماء الصحابة والتابعين بعد أن وقعت الفتنة، وظهرت الفرق، يتحرون في نقل الأحاديث، ولا يقبلون منها إلا ما عرفوا طريقها ورواتها واطمأنوا إلى ثقتهم وعدالتهم وقد نقل مسلم في
стр. 310
الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
ويقول ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ويقول ابن المبارك كذلك: بيننا وبين القوم: "القوائم" يعني الإسناد.
ولهذا كثرت رحلات التابعين، بل ورحلات صغار الصحابة من مصر إلى مصر ليسمعوا الأحاديث الثابتة من الرواة الثقات.
يقول سعيد بن المسيب: إني كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
وحدث الشعبي مرة بحديث عن النبي ﷺ ثم قال لمن حدث به: خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة.
٢- نقد الرواة: فقد تتبع العلماء الرواة ودرسوا حياتهم، وتاريخهم، وسيرتهم، لمعرفة حالهم من صدق أو كذب، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ووضعوا لذلك قواعد ساروا عليها لبيان من يؤخذ منه ومن لا يؤخذ، وعدل هؤلاء النقاد الصحابة ولم ينسبوا لأحد منهم كذبا.
قال الغزالي في المستصفى: والهذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالتهم أي الصحابة معلومة بتعديل الله إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم، فلا حاجة لهم إلى التعديل، ثم ذكر مزاعم آخرين فقال: وقد زعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثم تغيرت الحال وسفكت الدماء، فلا بد من البحث.
ومن أهم من لا يؤخذ حديثهم الذين يعرف عنهم الكذب، ولو في أحاديث السناس وأصحاب البدع والأهواء، إذا كانت بدعهم مكفرة أو استحلوا الكذب، والزنادقة، والفساق.
стр. 311
٣- وضع أمارات للدلالة على أن الحديث موضوع، كمخالفته لصريح القرآن، أو فساد معناه، وهذا ما يعرف في مصطلح الحديث بـ "الجرح والتعديل".
стр. 312
الجرح والتعديل:
نشأ من ثمار هذه الجهود المباركة علم "الجرح والتعديل وهو علم يبحث فيه عن أحوال الرواة وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم، أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان، وهو من أجل العلوم الإسلامية التي امتازت بها أمتنا.
وقد ابتدأ الكلام عن الرواة توثيقا وتوهينا منذ عصر صغار الصحابة، كابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، ثم من التابعين: سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن سيرين، ثم تتابع الأمر بعد ذلك فيمن نظر في الرجال للوقوف على أحوال الرواة، كشعبة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان. وهكذا من الطبقات التي تلتهم.
والذي يمعن النظر في هذا العلم وما ألف فيه من كتب يقف على الجهد المشكور الذي بذله علماؤنا في نقد الأحاديث لمعرفة الصحيح والحسن والضعيف.
بل إنهم وضعوا كذلك قواعد لمعرفة الموضوع، وعلاماته في السند وفي المتن.
ومن أهم علامات الوضع في السند: أن يكون راويه كذابا معروفا بالكذب، ولا يرويه ثقة غيره، أو أن يعترف واضعه بالوضع، أو يروى الراوي عن شيخ لم يثبت لقياه له، أو ولد بعد وفاته.
ومن أهم علامات الوضع في المتن.
أ- ركاكة اللفظ، وضعف بالأسلوب. قال ابن دقيق العيد: كثيرا ما يحكمون بذلك- أي بالوضع- باعتبار أمور ترجع إلى المروي.
وحاصله أنهم لكثرة ممارستهم لألفاظ الحديث، حصلت لهم هيئة نفسانية، وملكة قوية يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي وما لا
стр. 313
ب فساد المعنى: بأن يكون الحديث مخالفا لبدهيات المعقول، من غير أن يمكن تأويله، أو مخالفا للقواعد العامة في الأخلاق، أو مشتملا على سخافات يصلت عنها العقلاء، أو مخالفا لصريح القرآن، أو لحقائق التاريخ المعروفة من عصر النبي ﷺ .
جـ- موافقة الحديث لمذهب الراوي، كرواية الرافضي حديثا في فضل أهل البيت.
د- اشتمال الحديث على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغه بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
وقد أشبع الدكتور مصطفى السباعي هذا البحث، فليرجع إليه من شاء في كتابه: "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي".
стр. 314
تدوين الحديث وأثره:
انقضى عهد الصحابة دون أن يدون من الحديث إلا النزر اليسير؛ حيث كان الاعتماد فيه على الرواية، حتى لا يلتبس القرآن الذي كتبوه بالسنة، إلا أن التفكير في كتابة الحديث قد عرض لعمر ﵁، ولكنه عدل عن ذلك كما تدل بعض الروايات.
فقد أخرج البيهقي عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له؛ فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني -والله- لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا.
ويتبين من هذه الرواية أن عمر خشى من كتابة الحديث أن ينصرف الناس عن كتاب الله، وهو أساس الدين، كما انصرت الأمم السابقة، أو يلتبس بالقرآن.
فلما كانت الفتنة وانتشر الكذب، وبدأ الوضع في الحديث، نفر العلماء
стр. 315
للذب عن حياض السنة وصيانتها واستلزم هذا التفكير في تدوين الحديث حفظا له من الضياع، وخوفا عليه من الزيادة أو النقص.
وأول من فكر في جمع الحديث وتدوينه كما تذكر الروايات، عمر بن عبد العزيز ﵁ من التابعين، فإنه كتب إلى عامله وقاضيه على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء.
ولم يكتف عمر بن عبد العزيز بالكتابة إلى ابن حزم، فقد روى أنه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه.
ومع هذا فإن الجهد الأكبر في تدوين الحديث يرجع إلى الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الذي ذكر مسلم أن له تسعين حديثا لا يرويها غيره، وقال فيه كثير من علماء عصره: لولا الزهري لضاع كثير من السنة.
ولم يكن تدوين الحديث في هذ العصر مبوبا على أبواب العلم كما صنع البخاري ومسلم وغيرهما من رجال الحديث؛ ولكنه كان جمعا للأحاديث من غير تبويب، ثم شاع التدوين بعد الزهري على أنماط مختلفة كان أكثرها يجمع حديث رسول الله ﷺ مختلطا بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، إلى أن قام أئمة الحديث بتآليفهم العظيمة على طريقة المسانيد، ثم على طريقة التبويب.
قال ابن حجر: وأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح المتوفى سنة ١٦٠هـ. وسعيد ابن أبي عروبة المتوفى "سنة ١٥٦هـ" إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة، وصنف الإمام مالك الموطأ بالمدينة، وعبد الملك بن جريح بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة١. ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف، كل على حسب ما سنح له
стр. 316
وانتهى إلى علمه. ولن نتعرض لوصف هذه التصانيف لأنها ألفت بعد هذا العهد الذي نتحدث عنه.
وكان لتدوين الحديث أكبر الأثر في اتساع دائرة الحركة العلمية للفقه الإسلامي؛ حيث كان سببا في رحلة العلماء للرواية، وطوافهم بالبلدان، يأخذ بعضهم عن بعض فتبادلوا الآراء العلمية، ووقف علماء كل مصر على ما عند الآخرين.
ثم إن السنة جاءت مبينة للقرآن، واشتملت على أحكام لم تأت في كتاب الله ؛ فكان الاستناد إليها في الأحكام الفقهية أكبر عون للعلماء على استنباط حكم ما يجد من أحداث، وما يعرض للناس من أقضيات؛ ولا سيما أن تدوين الحديث كان أسبق من تدوين الفقه.
وكان لجهود أئمة الحديث وعلمائه في العصور المختلفة أثر كبير في الذب عن السنة والذود عن حياضها وتمييز الصحيح من السقيم فيها. وألف كثير منهم العديد من الكتب في الكشف عن الأحاديث الواهية، أو في تخريج أحاديث بعض الكتب وبيان درجتها أو في الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
ومنهم من أفراد الموضوعات بالتأليف أو عنى بالأمارات الدالة على الوضع، وقد تناولنا المؤلفات في ذلك عند الكلام عن السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي.
وتواجه السنة اليوم هجمات شرسة من ذوي النفوس المريضة الذين يهدفون من وراء ذلك إلى توهين الثقة في الأحكام الشرعية وحجية السنة، ولم تقتصر هذه الهجمات على المستشرقين الذين ينفثون سمومهم بأساليب شتى؛ بل بلغ السيل الزبي في هجمات أدعياء العلم تارة وذوي الرئاسة القسرية في دنيا العرب تارة أخرى من الجهلاء الأغبياء.
وقد ورد الدكتور مصطفى السباعي في كتابه "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" على شبه أولئك جميعا ردا علميا مستفيضا سواء أكان هذا فيما يتصل بما كتبه "أبو رية" في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" ومطاعنه في أبي هريرة. أو كان متصلا بشبه المستشرقين ...
стр. 317
ونشر العالم الفضل الشيخ محمد نصيف وجيه "جده" رسالة بعنوان "دفاع عن السنة" تضمنت ثلاث مقالات بأقلام الأساتذة: الشيخ أبو الحسن الندوي - والشيخ يحيى المعلمي والدكتور مصطفى السباعي.
стр. 318
نشأة أهل الرأي وأهل الحديث:
عرفنا من قبل أن تفرق الصحابة في الأمصار أحدث حركة علمية في كل مصر تفاوتت في منهجها بتفاوت هؤلاء الصحابة، وتأثر تلاميذهم بهم، وقد تمايز في هذا التفاوت منهجان:
أحدهما: منهج "أهل الرأي" أو مدرسة الكوفة بالعراق.
والثاني: منهج "أهل الحديث" أو مدرسة المدينة بالحجاز.
стр. 319
مذهب أهل الرأي في العراق:
ربما كان عمر بن الخطاب أكثر الصحابة فقها للنص، واجتهادا في فهمه، وإقداما على إبداء الرأي فيه، والمشكلات التي اعترضت الصحابة واجتهدوا فيها، تعطي لعمر بن الخطاب ﵁ هذه الميزة في أكثر من موضع، وإن كان قد حرص على استشارة الصحابة والتريث في الأمور.
فعن الشعبي قال: كانت القضية ترفع إلى عمر بن الخطاب ﵁، فربما تأمل في ذلك شهرا، ويستشير أصحابه، واليوم يفصل في المجلس مائة قضية.
وسار عبد الله بن مسعود ﵁ على طريقة عمر، وتأثر به آرائه، وروى عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. وجاء في "أعلام الموقعين" أن ابن مسعود كان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذهبه، وأنه قال: "لو أن الناس سلكوا واديا وشعبا، وسلك عمرا واديا وشعبا، لسلكت وادي عمر وشعبه".
وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر لقنت عبد الله.
стр. 320
وهذا يدل على أن ابن مسعود نهج منهج عمر في التفكير والاستنباط والرأي، حيث لا نص، وإن خالفه في مسائل كثيرة لم يتابعه فيها، لاجتهاده الخاص بما يرى أنه الحق.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، فإذا ختلفا كان قول عبد الله أعجب، لأنه كان ألطف.
وقد عرفت من قبل أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل عبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة ليعلمهم، وكانت حركته واسعة، ونهج تلاميذه من بعده نهجه، فاعتبرت مدرسة ابن مسعود بالعراق نواة لمدرسة الرأي، حتى نسب إليها بعض التابعين فقيل "ربيعة الرأي".
ويرجع انتشار مدرسة الرأي في العراق إلى الأمور الآتية:
١- تأثرهم بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، الذي كان ينحى منحى عمر بن الخطاب، وأستاذ الكوفة -كما عرفنا- واطلاعهم على أقضية علي بن أبي طالب واجتهاداته مدة خلافته بينهم.
٢- كان الحديث في العراق قليلا إذا قيس إلى ما لدى أهل الحجاز، موطن الرسول ﷺ وكبار الصحابة؛ فإن عدد الصحابة الذين وفدوا على العراق كان قليلا بالنسبة إلى الصحابة الذي ظلوا في الحجاز.
٣- والعراق متاخم للفرس، واتصل بالحضارة الفارسية اتصالا وثيقا؛ وذلك من شأنه أن يحدث كثيرا من المسائل الجزئية، والمشاكل المتعددة التي تحتاج إلى إعمال الرأي وكثرة القياس، روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "إني لأسمع الحديث الواحد فأقيس عليه مائة شيء"١.
٤- وكان العراق موطن الشيعة والخوارج، وعلى أرضه دارت الفتنة، ثم شاع الوضع في الحديث تأييدا للمذاهب السياسية، وهذا جعل علماءه في مدرسته.