← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9995

تاريخ التشريع الإسلامي

مناع القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وانتهى إلى علمه. ولن نتعرض لوصف هذه التصانيف لأنها ألفت بعد هذا العهد الذي نتحدث عنه. وكان لتدوين الحديث أكبر الأثر في اتساع دائرة الحركة العلمية للفقه الإسلامي؛ حيث كان سببا في رحلة العلماء للرواية، وطوافهم بالبلدان، يأخذ بعضهم عن بعض فتبادلوا الآراء العلمية، ووقف علماء كل مصر على ما عند الآخرين. ثم إن السنة جاءت مبينة للقرآن، واشتملت على أحكام لم تأت في كتاب الله ؛ فكان الاستناد إليها في الأحكام الفقهية أكبر عون للعلماء على استنباط حكم ما يجد من أحداث، وما يعرض للناس من أقضيات؛ ولا سيما أن تدوين الحديث كان أسبق من تدوين الفقه. وكان لجهود أئمة الحديث وعلمائه في العصور المختلفة أثر كبير في الذب عن السنة والذود عن حياضها وتمييز الصحيح من السقيم فيها. وألف كثير منهم العديد من الكتب في الكشف عن الأحاديث الواهية، أو في تخريج أحاديث بعض الكتب وبيان درجتها أو في الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ومنهم من أفراد الموضوعات بالتأليف أو عنى بالأمارات الدالة على الوضع، وقد تناولنا المؤلفات في ذلك عند الكلام عن السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. وتواجه السنة اليوم هجمات شرسة من ذوي النفوس المريضة الذين يهدفون من وراء ذلك إلى توهين الثقة في الأحكام الشرعية وحجية السنة، ولم تقتصر هذه الهجمات على المستشرقين الذين ينفثون سمومهم بأساليب شتى؛ بل بلغ السيل الزبي في هجمات أدعياء العلم تارة وذوي الرئاسة القسرية في دنيا العرب تارة أخرى من الجهلاء الأغبياء. وقد ورد الدكتور مصطفى السباعي في كتابه "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" على شبه أولئك جميعا ردا علميا مستفيضا سواء أكان هذا فيما يتصل بما كتبه "أبو رية" في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" ومطاعنه في أبي هريرة. أو كان متصلا بشبه المستشرقين ...

стр. 317

ونشر العالم الفضل الشيخ محمد نصيف وجيه "جده" رسالة بعنوان "دفاع عن السنة" تضمنت ثلاث مقالات بأقلام الأساتذة: الشيخ أبو الحسن الندوي - والشيخ يحيى المعلمي والدكتور مصطفى السباعي.

стр. 318

نشأة أهل الرأي وأهل الحديث: عرفنا من قبل أن تفرق الصحابة في الأمصار أحدث حركة علمية في كل مصر تفاوتت في منهجها بتفاوت هؤلاء الصحابة، وتأثر تلاميذهم بهم، وقد تمايز في هذا التفاوت منهجان: أحدهما: منهج "أهل الرأي" أو مدرسة الكوفة بالعراق. والثاني: منهج "أهل الحديث" أو مدرسة المدينة بالحجاز.

стр. 319

مذهب أهل الرأي في العراق: ربما كان عمر بن الخطاب أكثر الصحابة فقها للنص، واجتهادا في فهمه، وإقداما على إبداء الرأي فيه، والمشكلات التي اعترضت الصحابة واجتهدوا فيها، تعطي لعمر بن الخطاب ﵁ هذه الميزة في أكثر من موضع، وإن كان قد حرص على استشارة الصحابة والتريث في الأمور. فعن الشعبي قال: كانت القضية ترفع إلى عمر بن الخطاب ﵁، فربما تأمل في ذلك شهرا، ويستشير أصحابه، واليوم يفصل في المجلس مائة قضية. وسار عبد الله بن مسعود ﵁ على طريقة عمر، وتأثر به آرائه، وروى عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. وجاء في "أعلام الموقعين" أن ابن مسعود كان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذهبه، وأنه قال: "لو أن الناس سلكوا واديا وشعبا، وسلك عمرا واديا وشعبا، لسلكت وادي عمر وشعبه". وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر لقنت عبد الله.

стр. 320

وهذا يدل على أن ابن مسعود نهج منهج عمر في التفكير والاستنباط والرأي، حيث لا نص، وإن خالفه في مسائل كثيرة لم يتابعه فيها، لاجتهاده الخاص بما يرى أنه الحق. وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، فإذا ختلفا كان قول عبد الله أعجب، لأنه كان ألطف. وقد عرفت من قبل أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل عبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة ليعلمهم، وكانت حركته واسعة، ونهج تلاميذه من بعده نهجه، فاعتبرت مدرسة ابن مسعود بالعراق نواة لمدرسة الرأي، حتى نسب إليها بعض التابعين فقيل "ربيعة الرأي". ويرجع انتشار مدرسة الرأي في العراق إلى الأمور الآتية: ١- تأثرهم بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، الذي كان ينحى منحى عمر بن الخطاب، وأستاذ الكوفة -كما عرفنا- واطلاعهم على أقضية علي بن أبي طالب واجتهاداته مدة خلافته بينهم. ٢- كان الحديث في العراق قليلا إذا قيس إلى ما لدى أهل الحجاز، موطن الرسول ﷺ وكبار الصحابة؛ فإن عدد الصحابة الذين وفدوا على العراق كان قليلا بالنسبة إلى الصحابة الذي ظلوا في الحجاز. ٣- والعراق متاخم للفرس، واتصل بالحضارة الفارسية اتصالا وثيقا؛ وذلك من شأنه أن يحدث كثيرا من المسائل الجزئية، والمشاكل المتعددة التي تحتاج إلى إعمال الرأي وكثرة القياس، روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "إني لأسمع الحديث الواحد فأقيس عليه مائة شيء"١. ٤- وكان العراق موطن الشيعة والخوارج، وعلى أرضه دارت الفتنة، ثم شاع الوضع في الحديث تأييدا للمذاهب السياسية، وهذا جعل علماءه في مدرسته.

стр. 321

يقلون من رواية الحديث، ويتحفظون فيها، تحرزا من الوقوع في الأحاديث الموضوعة؛ فكانت الأحاديث التي يعول عليها لديهم قليلة، وهذا يدعوهم عند النظر في المسائل إلى القول بالرأي حيث لا نص.

стр. 322

مميزات مدرسة أهل الرأي: ١- كثرة تفريعهم الفروع لكثرة ما يعرض لهم من الحوادث، نظرًا لتحضرهم وقد ساقهم هذا إلى فرض المسائل قبل أن تقع؛ فأكثروا من" أرأيت لو كان كذا"؟ فيسألون عن المسألة ويبدون فيها حكما، ثم يفرعونها بقولهم: "أرأيت لو كان كذا"؟ ويقلبونها على سائر وجوهها، الممكنة وغير الممكنة أحيانا، حتى سماهم أهل الحديث "الأرأيتيون" وتميز منهجهم بالبقه الافتراضي. وقال سعيد بن المسيب لربيعة الرأي، وقد اعترض عليه في مسألة: "أعراقي أنت"؟. وقدم على مالك بن أنس أسد بن الفرات، قال أسد: وكان أصحاب مالك يهابونه في السؤال؛ فكنت أسأله عن المسألة؛ فإذا أجاب يقولون: قل له فإن كان كذا؟ فأقول له؛ فضاق على يوما، فقال: هذه سليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق. ٢- قلة روايتهم للحديث، واشتراطهم فيه شروطا لا يسلم معها إلا القليل، وانتهاجهم نهج عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود فيما روي عنهما من التثبت في الرواية وعدم الإكثار في التحديث عن رسول الله ﷺ ، فكانوا يتهيبون من الرواية عن الرسول ﷺ ولا يتهيبون من الرأي.

стр. 323

مذهب أهل الحديث في الحجاز: كان للمدينة منزلة خاصة باعتبارها دار الهجرة، التي نزل فيها التشريع، وشهدت ما كان من رسول الله ﷺ قولا أو فعلا. وعاش فيها

стр. 324

الخلفاء الراشدون؛ فأصبحت مهد السنة، ومنبع الحديث، وملتقى الصحابة، وهذا يجعل أهلها أثبت الناس بالفقه، وأشدهم تمسكا بالرواية، ووقوفا عند الآثار. ومدرسة المدينة فوق هذا تستقي منهجها من شيوخها الأوائل الذين في مقدمتهم زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ﵃ جميعا، وقد عرف ابن عمر بحرصه الشديد على تتبع آثار الرسول ﷺ ، والاعتزاز به، وتأثر بهذا المنهج تلاميذه الذين حملوا لواء العلم بهذه المدرسة، وفي مقدمتهم: سعيد ابن المسيب الذي أكب على جمع الآثار، وفتاوى الصحابة، وحفظ كثيرا منها، وقيل فيه: إنه أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفقههم في رأيه، وعن ميمون ابن مهران قال: أتيت المدينة؛ فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى سعيد فسألته. ومن هذه المدرسة: الشعبي الذي يقول: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ﷺ ، فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه، في الحش١. ومذهب مدرسة أهل الحديث: أنهم إذا سئلوا عن شيء، فإن عرفوا فيه آية أو حديثا أفتوا، وإلا توقفوا. روي عن رجل سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: لم أسمع في هذا شيئا؛ فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك، قال: لا، ثم أعاد عليه فقال، إني أرضي برأيك؛ فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك. وترجع أسباب وقوف أهل الحجاز عند النصوص إلى الأمور الآتية:

стр. 325

١- تأثر مدرستهم بالمنهج الذي التزمه علماؤهم كما ذكرنا في حرصهم على الأحاديث والآثار، وتجنبهم الأخذ بالرأي، وإعمال القياس، إلا إذا كانت هناك ضرورة ملجئة وربما امتنعوا عن الإفتاء في المسألة التي لا يوجد لها دليل من كتاب أو سنة أو أثر. ٢- ما لديهم من ثروة كبيرة لدى الصحابة الذين استوطن أكثرهم الحجاز عامة والمدينة خاصة، من أحاديث وآثار تفي بحاجتهم في الاستدلال، وتغنيهم عن إعمال الرأي. ٣- يسر الحياة لدى أهل الحجاز، وقلة مشاكلهم؛ حيث كانوا على الفطرة الأولى بمنأى عما تحدثه المدينة الفارسية أو اليونانية من تفريع للمسائل، وكان الناس يعيشون على الحالة التي كانوا يعيشون عليها في عهد رسول الله ﷺ ، وليس هناك من الحوادث المستجدة سوى القليل النادر. ٤- بعدهم عن مواطن الفتنة، وبواعث النزاع بالنسبة لما كان عليه الأمر في العراق؛ فقد سلموا من بدعة الخوارج والتشيع وأهل الأهواء وظل تراث الحديث والأثر محفوظا لديهم، لا تشوبه ريبة، ولا يتطرق إليه تهمة الوضع. ومن مميزات هذه المدرسة: ١- كراهيتهم لكثرة السؤال. وفرض المسائل، وتشعب القضايا؛ فالحكم ينبني على قضية واقعية، لا على قضية مفترضة، والنص يدل على الحكم، فلا يبحث عن علل الأحكام وربط الحكم بها وجودا وعدما. ٢- الاعتداد بالحديث والوقوف عند الآثار؛ فالعلم هو علم الكتاب والسنة والآثر. والعناية بحفظ ذلك عناية بأصل التشريع ومصادر الفقه، والواجب الديني يفرض صيانة هذا التراث. وكان بين أهل الرأي وأهل الحديث، منافسة شديدة، وعاب كل فريق منهم طريقة الآخر، وإن كان من بين الحجازيين من يميل إلى الرأي، كربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك. أخرج مالك في الموطأ عن ربيعة، قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: ففي

стр. 326

إصبعين؟ قال: عشرون، فقلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ قال ربيعة: بل عالم مستثبت، أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة، يشير بهذا إلى ما أخرجه النسائي عن النبي ﷺ فإن "عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها"، ومع ورود النص لا مجال للعقل، ولذلك عاب سعيد على ربيعة، ما يعيبه على العراقيين يومئذ من تحكيم العقل في النصوص.

стр. 327

الفقهاء السبعة: وقد اشتهر من مدرسة الحجاز الفقهاء السبعة: قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وكان بالمدينة من التابعين: ابن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهؤلاء هم الفقهاء، وقد نظم القائل فقال: إذا قيل في العلم سبعة أبحر. روايتهم ليست عن العلم خارجة فقل هم: عبيد الله، عروة، قاسم سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة. وعن هؤلاء السبعة انتشر فقه أهل المدينة، وعلى يدهم تخرج من جاء بعدهم من الفقهاء، وتعتبر مدرسة الفقهاء السبعة المدرسة الفقهية الأولى في هذا العصر، حتى سمي باسمهم، فقيل: "عصر الفقهاء السبعة". وكان علمهم الفقهي أساسا لمنهج الفقه الإسلامي في البحث والنظر. وقد وقع خلاف في تعيين الفقهاء السبعة، قال السيوطي تعليقا على كتاب تقريب النواوي بعد أن ذكر النووي أن الفقهاء السبعة هم: ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، قال: هكذا عدهم أكثر علماء أهل الحجاز.

стр. 328

وجعل ابن المبارك سالم بن عبد الله بن عمر بدل أبي سلمة، وجعل أبو الزناد بدل سالم وأبي سلمة أبا بكر بن عبد الرحمن.

стр. 329

من مسائل الخلاف في هذا العهد: وترجع أكثر مسائل الخلاف في هذا العهد إلى الخلاف بين مدرستي "المدينة والكوفة" أو "أهل الحجاز، وأهل الرأي"؛ لاختلاف وجهة نظر كل منهما عن الأخرى في الفقه. ومن ذلك: ١- القراءة خلف الإمام: فالرأي الغالب لدى مدرسة أهل الحجاز القراءة مع الإمام فيما أسر، وعدم القراءة فيما يجهر فيه. عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقرأ خلف الإمام فيما لا يجهز فيه الإمام بالقراءة؛ بينما يرى أغلب أهل الرأي عدم القراءة خلف الإمام فيما جهر وفيما أسر على السوء. وروي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم وسعيد بن جبير في القراءة خلف الإمام قال: اجتمعا ألا يقرأ خلف الإمام في المغرب والعشاء والفجر، قال إبراهيم: ولا في الظهر والعصر. وأثر عن نفر منهم: ينبغي ألا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات. وأهل الحجاز في هذا يقفون عند الأحاديث والآثار التي تدل على قراءة الفاتحة خلف الإمام، كحديث: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن" ١ وحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق عليه. أما حديث "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" الذي يحتج به الكوفيون؛ فهو حديث ضعيف عند جميع الحفاظ، لا يصلح للاحتجاج به.

стр. 330

وأهل الرأي في ذلك على منهجهم أيضا، لأنهم جميعا أهل الحجاز وأهل الرأي لا يختلفون في أن الرجل يأتي الإمام، وهو راكع يكبر معه، ويعتد بتلك الركعة، وإن لم يقرأ فيها شيئا؛ فلما أجزأه ذلك في حال خوفه فوات الركعة احتمل أن يكون أجزأه ذلك لمكان الضرورة، واحتمل أن يكون إنما أجزأه ذلك، لأن القراءة خلف الإمام ليست عليه فرضا. قال أهل الرأي: فاعتبرنا ذلك. ٢- صفة الجلوسس في الصلاة: فأهل الحجاز في الرأي الغالب يرون الجلوس على الورك اليسرى. عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس، فنصب رجله اليمنى وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدميه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. أما أهل الكوفة فيرون رأيا آخر، وهو أن يفرش قدمه اليسرى على الأرض ويجلس عليها. عن المغيرة عن إبراهيم أنه كان يستحب إذا جلس الرجل في الصلاة. أن يفرش قدمه اليسرى على الأرض، ثم يجلس عليها وقد نشأ رأي آخر يوفق بين الرأيين، بأن يكون الجلوس على رأي أهل الكوفة، والثاني على مثل رأي أهل الحجاز. ٣- القضاء باليمين مع الشاهد: فجمهور أهل الحجاز يرون القضاء بالشاهد واليمين في الأموال؛ لأن هذا قد ثبت عندهم في الحديث، لما رواه مالك أنه بلغه أنه أبا سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن ياسر سئلا: هل يقضي باليمين مع الشاهد؟ قالا: نعم، وقال الشافعي: أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، وذلك خاص بالأموال.

стр. 331

وجمهور أهل الرأي يذهبون إلى أنه لا يقضي إلا برجلين، أو رجل وامرأتين، ولا يقضي بشاهد ويمين في شيء من الأشياء تمسكا بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ١. وهناك مسائل خلافية أخرى بين المدرستين، تدرك في الفقه، مثل استئناف الصلاة، والوضوء من الدم السائل، والمسح على الخفين، والجمع بين الصلاتين للمطر، وأداء الصلاة في أوقات النهي وغير ذلك.

стр. 332

الفصل الرابع: مشاهير المفتين في هذا العصر أشهر المفتين في هذا العصر عبد الله بن عباس ... الفصل الرابع: مشاهير المفتين في هذا العصر مشاهير المفتين في هذا العصر: أشهر المفتين في هذا العصر: وقد اشتهر من المفتين في هذا العصر عدد كثير، بكل مدرسة، في كل مصر من الأمصار، نذكر منهم ما يلي: عبد الله بن عباس: هو عبد الله بن العباس القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ . أمه أم الفضل "لبابة" بنت الحارث الهلالية. ولد وبنو هاشم بالشعب، قبل الهجرة بثلاث، وقيل بخمس، والأول أثبت. قال الواقدي: لا خلاف عند أئمتنا أنه ولد بالشعب حين حصرت قريش بني هشام وأنه كان له عند موت النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة، وكان أبيض طويلا وسيما جسيما. روي أن عليا ولاه البصرة. وكان على الميسرة يوم صفين، واستخلف أبا الأسود على الصلاة، وزيادا على الخراج، ولم يزل ابن عباس على البصرة حتى قتل على؛ فاستخلف على البصرة عبد الله بن الحارث، ومضى إلى الحجاز. ودعا له رسول الله ﷺ فقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" فاستجاب الله دعاه. وروى من دعاء الرسول ﷺ له: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب". وعكف ابن عباس على العلم: رواية، ودراسة، وتعليما، حتى برز، وأثمر، وتوارثت الأمة علمه الغزير.

стр. 333

روى الدارمي عن ابن عباس، قال: لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصال: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم اليوم كثير، قال واعجبا لك، أترى الناس يفتقرون إليك، قال: فتركت ذلك وأقبلت أسأل؛ فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل، فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يابن عم رسول الله ما جاء بك، هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني. وعن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: أما إن ابن عباس لو أدرك أسنانا ما عاشره منا أحد. وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. ولما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل من ابن عباس خلفا. وسئل ابن عمر عن آية فقال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله؛ فإنه أعلم من بقي بما أنزل الله تعالى على محمد [ ﷺ ] . وكان ابن عباس كثير المعارف، يؤمه الناس للتفسير، والحديث، والفقه، والشعر. عن عطاء قال: ما رأيت قط من مجلس ابن عباس: أكثر فقها، وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع. وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه. وعن ميمون بن مهران قال: لو أتيت ابن عباس بصحيفة فيها ستون حديثا.

стр. 334

لرجعت ولم تسأله عنها وسمعتها، يسأله الناس فيكفونك. ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية: "مات رباني هذه الأمة". وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس، وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: "قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها". وقال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال طاووس: أدركت نحوا من خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكر ابن عباس شيئا فخالفوه، لم يزل بهم حتى يقررهم، يعني أنه كان واسع الرواية قوي الحجة. وقال الأعماش: "كان ابن عباس إذا رأيته قلت أجمل الناس؛ فإذا تكلم قلت أفصح الناس، فإذا حدث قلت أعلم الناس". وتوفي ﵁ سنة ثمان وستين على الصحيح بالطائف.

стр. 335

سعيد بن المسيب: هو أبو محمد "سعيد بن المسيب" بن حزمة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، والمسيب بفتح الياء المثناة من تحتها مشددة. وروي عنه أنه كان يقول: بكسر الياء، ويقول: سيب الله من سيب أبي. كان سيد التابعين من الطراز الأول، وجمع بين الحديث، والفقه، والزهد، والعبادة، والورع، لقي جماعة من الصحابة ﵃، وسمع منهم، ودخل على أزواج النبي ﷺ وأخذ عنهن، وأكثر روايته "المسند" عن

стр. 336

أبي هريرة ﵁، وكان زوج ابنته. وسئل الزهري ومكحول: من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب. وقال عنه عبد الله بن عمر ﵄: لو رأى هذه رسول الله ﷺ لسره. وكان سعيد صاحب نسك وعبادة، حج أربعين حجة، وكان أسبق الناس إلى الصلاة الجماعة في المسجد. قال عن نفسه: "ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة". وكان يقول: "ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها مثل معصية الله". وعرف ابن المسيب بعفة النفس، والجرأة في الحق، أراد عبد الملك بن مروان أن يستميله إليه، فما استطاع ودعي إلى نيف وثلاثين ألفا ليأخذها، فقال: "لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان حتى ألقى الله، فيحكم بيني وبينهم". وله موقف من زواج ابنته من أروع المواقف، كتب عنه الرافعي بعنوان "قصة زواج وفلسفة مهر" وخلاصته: أن عبد الملك بن مروان خطب بنت سعيد لابنه الوليد حين ولاه العهد؛ فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه في يوم بارد وصب عليه الماء، ومع تأبيه من زواج ابنته لابن أمير المؤمنين وولى عهده، فإنه زوجها لطالب علم فقير ضعيف الحال. قال أبو وداعة: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها، قال: ثم أردت أن أقوم؛ فقال: هلا أحدثت امرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: إن أنا فعلت

стр. 337

تفعل؟ قلت: نعم، قال: ثم حمد الله، وصلى على النبي ﷺ ، وزوجني على درهمين، أو قال على ثلاثة، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فعدت إلى منزلي، وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين، وصليت المغرب، وكنت صائما؛ فقدمت عشاي لأفطر، وكان خبزا وزيتا، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد؛ ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ فإنه لم يرمنذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد ... هلا أرسلت إلى فأتيتك؟ قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلا عزبا قد تزوجت، فكرهت أن تبيت الله وحدك، وهذه امرأتك؛ فإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها إلى الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح، فناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: زوجني سعيد بن المسيب اليوم ابنته، وقد جاء بها على غفلة، وها هي في الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي؛ فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام، فأقامات ثلاثا، ثم دخلت بها؛ فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكث شهرا لا يأتيني ولا آتيه، ثم أتيته بعد شهر وهو في حلقته، فسلمت عليه، فرد علي، ولم يكلمني حتى انقضى من في المسجد؛ فلما لم يبق غيري قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: هو على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي". وقد أبى سعيد بن المسيب أن يخالف ضميره في أحقية الولاية وأهليتها، وامتنع عن البيعة للوليد وسليمان، وعرض رقبته للسيف دون أن تلين له قناة قال يحيى بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيل وإلى المدينة، إلى عبد الله بن مروان، إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان، إلا سعيد بن

стр. 338

المسيب؛ فكتب أن اعرضه على السيف، فإن مضى فاجلده خمسين جلدة، وطف به في أسواق المدينة. فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، على سعيد بن المسيب، وقالوا: جئناك في أمر، قد قدم كتب عبد الملك: إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالا ثلاثا، فأعطنا إحداهن، فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب، فلا تقل: لا، ولا نعم، قال: يقول الناس، بايع سعيد بن المسيب!! ما أنا بفاعل. وكان إذا قال لا، لم يستطيعوا أن يقولوا نعم. قالوا: فتجلس في بيتك، ولا تخرج إلى الصلاة أياما؛ فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك، قال: فأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة، حي على الصلاة!! ما أنا بفاعل. قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره؛ فإنه يرسل إلى مجلسك، فإن لم يجدك، أمسك عنك، قال: أفرقا١ من مخلوق! ما أنا بمتقدم شبرا ولا متأخر. فخرجوا، وخرج إلى صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه؛ فلما صلى الوالي بعث إليه، فأتى به، فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا، إن لم تبايع ضربنا عنقك. قال: نهى رسول الله ﷺ ، عن بيعتين؛ فلما رآه لم يجب أخرج إلى السدة، فمدت عنقه، وسلت السيوف، فلما رآه قد مضى، أمر به فجرد فإذا عليه تبان٢ شعر، فقال: لو علمت أني لا أقتل ما اشتهرت بهذا التبان فضربه خمسين سوطا، ثم طاف به أسواق المدينة؛ فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر، قال: إن هذه الوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة، ومنعوا الناس أن يجالسوه فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد، يقول له: قم من عندي، كراهية أن يضرب بسببه.

стр. 339

وكان يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة، إلا بإنكار من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم. وكان ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وتوفي سنة ثلاث وتسعين للهجرة على الراجح.

стр. 340

عروة بن الزبير: هو أبو عبد الله "عروة بن الزبير" بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي. وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وأبوه الزبير بن العوام أحد الصحابة العشرة المشهود لهم بالجنة. وهو ابن صفية عمة النبي ﷺ وأم عروة المذكور "أسماء بنت أبي بكر الصديق" ﵁. وهي ذات النطاقين، وإحدى عجائزة الجنة. وعروة شقيق أخيه عبد الله بن الزبير؛ بخلاف أخيهما مصعب؛ فإنه لم يكن من أمهما، وقد ورث عنه الرواية في حروف القرآن، وسمع خالته عائشة أم المؤمنين ﵂. روى عنه ابن شهاب الزهري وغيره. وكان عالما صالحان وأصابته الأكلة في رجله، وهو بالشام عند الوليد بن عبد المطلب قطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه؛ فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت، حتى كويت فشم رائحة الكي، هكذا قال ابن قتيبة في كتاب "المعارف" ولم يترك ورده هذه الليلة، ويقال إنه مات ولده محمد في تلك السفرة، دخل دار دواب عبد الملك، فضربته دابة، فخر ميتا؛ فلما عاد إلى المدينة قال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ١.

стр. 341

وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين. وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال له: "والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرب في السعين وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء، من علمك ورأيك، نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين بحسابك". وكان يقرأ القرآن كل يوم نظرا في المصحف، ويقول به الليل، ولما دعي الجزار لقطع رجله، قال له: نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألما، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافيته، قالوا: فنسقيك المرقد١، قال: ما أحب أن أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه ودخل عليه قوم أنكرهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: يمسكونك فإن الألم ربما عزب معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي. ولما بلغ السكين العظم وضع عليها المنشار فقطعت وهو يهلل ويكبر، وحسمت بالزيت، ثم أخذ ما قطع من رجله في يده وقلبه وقال: "أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت به إلى حرام، أو قال "معصيته". ولما قدم المدينة قال: "اللهم إنه كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدا وبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت". ولما قتل أخوه عبد الله، قدم عروة على عبد الملك بن مروان، فقال له يوما: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله؛ فقال له: هو بين السيوف، ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا أحضرت السيوف ميزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها؛ فلما حضرت أخذ منها سيفا مفلل الحد، فقال: هذا سيف أخي، فقال عبد الملك:

стр. 342

كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا، فقال: كيف عرفته؟ قال: يقول النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وعروة هو الذي احتفر بئر عروة بالمدينة، وهي منسوبة إليه، وليس بالمدينة بئر أعذب من مائها. ولد سنة ٢٢ اثنين وعشرين، وقيل: ست وعشرين للهجرة، وتوفي في قرية له بقرب المدينة يقال لها "فرع" بضم الفاء وسكون الراء، وهي من ناحية الربذة، بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخيل ومياه، وذلك سنة ثلاث وتسعين، وقيل أربع وتسعين، ودفن هناك. وكان عبد الملك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى عروة بن الزبير.

стр. 343

عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: هو أبو عبد الله وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الفقيه، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، من أعلام التابعين، وهو ولد ابن أخي عبد الله بن مسعود الصحابي ﵁. وعبيد الله من أشراف قريش، وقد انتهت الرياسة في الجاهلية إلى أحد أجداده "صبح بن كاهل". وهذيل قبيلة كبيرة، وأكثر أهل وادي نخلة المجاور لمكة -حرسها الله تعالى- هذليون. وقد لقي عبيد الله خلقا كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم، وسمع من ابن عباس وأبي هريرة وأم المؤمنين عائشة، وروي عنه أبو الزناد والزهري وغيرهما،

стр. 344

وقال الزهري: أدركت أربعة بحور، فذكر فيهم عبيد الله المذكور. وقال: سمعت من العلم شيئا كثيرا فظننت أني قد اكتفيت، حتى لقيت عبيد الله؛ فإذا كأني ليس في يدي شيء. وقال عمر بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إلى من الدنيا وما فيها. وقال: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا يا أمير المؤمنين: تقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك؟ فقال: أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه، وبنصيحته، وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف، إن في المحادثة تلقيحا للعقل، وترويحا للقلب، وتسريحا للهم، وتنقيحا للأدب. وكان عالما، ناسكا، أثر عنه قليل من الشعر، وهو القائل من الرجز: لا بد للمصدور أن ينفثا وتوفي سنة اثنتين ومائة على الراجح بالمدينة ﵁.

стр. 345

سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: هو أبو عمرو "سالم بن عبد الله" بن عمر بن الخطاب العدوي. ولما قدم سبي فارس على عمر كان فيه بنات يزدجر فقومن فأخذهن على فأعطى واحدة لابن عمر؛ فولدت له سالما، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم. وهو أحد فقهاء المدينة، كان من سادات التابعين، وعلمائهم، وثقاتهم. روى عن أبيه وغيره. وروى عنه الزهري، ونافع. وعرف سالم بالزهد والتقشف.

стр. 346

قال سالم: دخلت على الوليد بن عبد الملك فقال: ما أحسن جسمك، فما طعامك؟ قلت: الكعك، والزيت. قال: وتشتهيه؟ قلت: أدعه حتى أشتهيه، فإذا اشتهيته أكلته. وكان يقول: إياكم ومداومة اللحم، فإن له ضراوة كضراوة الشراب، وكان يلبس الصوف ويعمل بيديه، ويعالج أعماله ومصالحه بنفسه. ولما دخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فرأى سالما قال له: سلني حوائجك. فقال: والله لا سألت في بيت الله غير الله. وكان بليغ النصح، كتب إليه عمر بن عبد العزيز: أن اكتب لي بشيء من رسائل عمر بن الخطاب. وكتب إليه: يا عمر: اذكر الملوك الذين تفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذاتهم بها، وتفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها، وصاروا جيفا في الأرض تحت آكامها، لو كانت إلى جنب مساكن لنا لتأذينا بريحهم. وتوفي في آخر ذي الحجة سنة ست ومائة، حيث حج هشام بن عبد الملك في تلك السنة وقدم المدينة فوافق موت سالم؛ فصلى عليه بالبقيع لكثرة الناس.

стр. 347

سليمان بن يسار: هو أبو أيوب "سليمان بن يسار" مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان عالما ثقة، عابدا، ورعا، حجة. قال الحسن بن محمد: سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب، ولم يقل أعلم ولا أفقه. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة ﵃.

стр. 348

وروى عنه الزهري وجماعة من الأكابر. وكان المستفتي إذا أتى سعيد بن المسيب يقول له: اذهب إلى سليمان بن يسار فإنه من بقي اليوم. وقال قتادة: قدمت المدينة فسألت: من أعلم أهلها بالطلاق؟ فقالوا: سليمان بن يسار. وتوفي سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة رحمة الله تعالى.

стр. 349

القاسم بن محمد بن أبي بكر: هو أبو محمد "القاسم بن محمد" بن أبي بكر الصديق ﵁. كان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان أفضل أهل زمانه. وروى عن جماعة من الصحابة ﵃. وروى عنه جماعة من كبار التابعين. قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحدا نفضله على القاسم بن محمد. وقال مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة. ووالدة القاسم هي بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وكان ابن خالة لزين العابدين علي بن الحسين، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وتوفي سنة إحدى أو اثنتين ومائة بقديد، وهو نزل بين مكة والمدينة، وكان عمره سبعين سنة.

стр. 350

نافع مولى ابن عمر: هو أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر ﵃. كان ديلميا، وأصابه مولاه عبد الله عن عمر في غزاته، وهو من كبار التابعين، سمع مولاه وأبا سعيد الخدري. وروى عنه الزهري، وأيوب السخياتي، ومالك بن أنس ﵃. ونافع من الثقات الأفاضل الذين اشتهروا بجميع الحديث والأخذ عنهم، ومعظم أحاديث ابن عمر رواها عنه نافع. قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد غيره. وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر "سلسلة الذهب"، لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة. وتوفي نافع سنة سبع عشرة ومائة ﵁.

стр. 351

ابن شهاب الزهري: هو أبو بكر "محمد بن عبيد الله" بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، من بني زهرة نسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة وهي قبيلة كبيرة من قريش، ومنها آمنة أم الرسول ﷺ . أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة. رأي عشرة من الصحابة: روى عن جماعة من الأئمة، منهم مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري.

стр. 352

تفرغ ابن شهاب للعلم وحرص عليه؛ فكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل أمر من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد على من ثلاث ضرائر. وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال ابن شهاب. قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب. وتوفي ﵀ سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.

стр. 353

" الباقر" محمد بن علي بن الحسين: هو أبو جعفر "محمد بن زيد العابدين علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، الملقب بـ "الباقر". ولد بالمدينة سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قتل جده الحسين ﵁ ثلاث سنوات. وهو أحد الأئمة الاثنا عشر من اعتقاد الإمامية، ووالد جعفر الصادق. وكان عالما، سيدا، كبيرا؛ وإنما قيل له الباقر: لأنه تبقر في العلم: أي توسع، والتبقر: التوسع، وفيه يقول الشاعر: يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبى على الأجيل

стр. 354

وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة بـ "الحميمة"، "بلد من أرض السراة في أطراف الشام" ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع.

стр. 355

مجاهد بن جبر: هو مجاهد بن جبر المكي "أبو الحجاج المخزومي" المقرئ، مولى السائب ابن أبي السائب، وروي عن علي، وسعد بن أبي وقاس، والعبادلة الأربعة، ورافع ابن خديج، وعائشة، وأم سلمة، وأبي هريرة، وسراقة بن مالك، وعبد الله بن السائب المخزومي، وخلق كثير. وروى عنه عطاء، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وقتادة وسليمان الأحول، وسليمان الأعمش، وعبد الله بن كثير القارئ وآخرون. وكان مولده سنة "٢١ هجرية" إحدى وعشرين في خلافة عمر. ومجاهد في رأي المفسرين: من طبقة التابعين، حتى قيل: إنه كان أعلمهم بالتفسير، وقد أخذ تفسيره عن ابن عباس ثلاثين مرة. وعنه أيضا قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه، واسأله عنها، فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ وقال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. قال ابن تيمية: ولهذا يعتمد على تفسيره: الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم. وقال أبو حاتم: مجاهد لم يسمع عن عائشة، حديثه عنها مرسل، وقال: مجاهد عن سعد، ومعاوية، وكعب بن عجرة، مرسل. وقال أبو نعيم: قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلى من مرسلات عطاء. وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد.
следующие страницы →