ابن شهاب الزهري:
هو أبو بكر "محمد بن عبيد الله" بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، من بني زهرة نسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة وهي قبيلة كبيرة من قريش، ومنها آمنة أم الرسول ﷺ .
أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة.
رأي عشرة من الصحابة:
روى عن جماعة من الأئمة، منهم مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري.
стр. 352
تفرغ ابن شهاب للعلم وحرص عليه؛ فكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل أمر من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد على من ثلاث ضرائر.
وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه.
وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال ابن شهاب. قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب.
وتوفي ﵀ سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
стр. 353
" الباقر" محمد بن علي بن الحسين:
هو أبو جعفر "محمد بن زيد العابدين علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، الملقب بـ "الباقر".
ولد بالمدينة سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قتل جده الحسين ﵁ ثلاث سنوات.
وهو أحد الأئمة الاثنا عشر من اعتقاد الإمامية، ووالد جعفر الصادق. وكان عالما، سيدا، كبيرا؛ وإنما قيل له الباقر: لأنه تبقر في العلم: أي توسع، والتبقر: التوسع، وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبى على الأجيل
стр. 354
وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة بـ "الحميمة"، "بلد من أرض السراة في أطراف الشام" ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع.
стр. 355
مجاهد بن جبر:
هو مجاهد بن جبر المكي "أبو الحجاج المخزومي" المقرئ، مولى السائب ابن أبي السائب، وروي عن علي، وسعد بن أبي وقاس، والعبادلة الأربعة، ورافع ابن خديج، وعائشة، وأم سلمة، وأبي هريرة، وسراقة بن مالك، وعبد الله بن السائب المخزومي، وخلق كثير.
وروى عنه عطاء، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وقتادة وسليمان الأحول، وسليمان الأعمش، وعبد الله بن كثير القارئ وآخرون.
وكان مولده سنة "٢١ هجرية" إحدى وعشرين في خلافة عمر.
ومجاهد في رأي المفسرين: من طبقة التابعين، حتى قيل: إنه كان أعلمهم بالتفسير، وقد أخذ تفسيره عن ابن عباس ثلاثين مرة.
وعنه أيضا قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه، واسأله عنها، فيم نزلت؟ وكيف كانت؟
وقال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. قال ابن تيمية: ولهذا يعتمد على تفسيره: الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم.
وقال أبو حاتم: مجاهد لم يسمع عن عائشة، حديثه عنها مرسل، وقال: مجاهد عن سعد، ومعاوية، وكعب بن عجرة، مرسل. وقال أبو نعيم: قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلى من مرسلات عطاء.
وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد.
стр. 356
وقال ابن سعد: كان ثقة، فقيها، عالما، كثير الحديث.
وقال ابن حبان: كان فقيها، ورعا عابدا متقنا.
وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال: قرأ عليه ابن عبد الله بن كثير.
ومات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة. وقال يحيى القطان. مات سنة "١٠٤ هجرية" أربع ومائة.
стр. 357
عكرمة مولى ابن عباس:
هو أبو عبد الله "عكرمة بن عبد الله"، مولى عبد الله بن عباس ﵄، أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الخير العنبري؛ فوهبه لابن عباس حين ولى البصرة لعلي بن أبي طالب ﵁. واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنة، وسماه بأسماء العرب.
حدث عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والحسين بن علي، وعائشة ﵃ أجمعين.
وروى عنه الزهري، وعمرو بن دينار الشعبي وغيرهم.
ومات مولاه "ابن عباس" وعكرمة على الرق ولم يعتقه؛ فباعه ولده على بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة مولاه عليا فقال له: ما خير لك؟ بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فاستقاله، فأقاله فأعتقه.
وكان عكرمة كثير الطواف والجولان في البلاد، دخل خراسان وأصفهان ومصر وغيرهما من البلاد وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها. وروي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس.
стр. 358
وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحدأ أعلم منك؟ قال: عكرمة.
وقد تكلم الناس فيه بأنه كان يرى رأي الخوارج.
توفي سنة سبع ومائة، وعمره ثمانون سنة، وكان موته بالمدينة المنورة على الراجح.
стр. 359
عطاء بن أبي رباح:
هو أبو محمد "عطاء بن أبي رباح" أسلم وقيل سالم بن صفوان - مولى بني فهد المكي، كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة، وزهادها.
سمع جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وخلقا كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم.
وروي عن عمرو بن دينار والزهري، وقتادة، ومالك بن دينار، والأعمش، والأوزاعي، وخلق كثير رحمهم الله تعالى.
قيل: إنه كان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، مفلل الشعر ثم عمي.
قال سليمان بن رفيع: دخلت المسجد الحرام والناس مجتمعون على رجل فاطلعت فإذا عطاء بن أبي رباح جالس كأنه غراب أسود.
وإلى عطاء ومجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما.
قال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء.
وقال إبراهيم بن عمر بن كيسان: أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحا يصيح، لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح.
وتوفي سنة خمس عشرة ومائة وعاش مائة سنة.
стр. 360
علقمة بن قيس النخعي:
هو علقمة بن قيس النخعي الفقيه الكبير، عم الأسود بن يزيد، خال إبراهيم النخعي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وأخذ القرآن عرضا عن ابن مسعود وسمع من علم وعمر، وأبي الدرداء وعائشة.
وأخذ عنه إبراهيم بن يزيد النخعي، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما، وكان حسن الصوت بالقرآن.
وروي عنه أنه قال: كنت رجلا قد أعطاني الله حسن صوت القرآن، وكان ابن مسعود يستقرئني ويقول لي: اقرأ فداك أبي وأمي، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن حسن الأصوات يزين القرآن". وكان أشبه الناس هديا، وسمتا، ودلا بابن مسعود.
مات سنة اثنتين وستين ومائة للهجرة.
стр. 361
إبراهيم بن يزيد النخعي:
هو أبو عمران "إبراهيم بن يزيد" بن الأسود بن عمرو بن ربيعة، الفقيه الكوفي النخعي، والنخع قبيلة كبيرة من مذجح باليمن.
وأمه مليكة بنت زيد بن قيس النخعية، أخت الأسود بن يزيد النخعي؛ فهو خاله ﵁، وإبراهيم تابعي. رأي عائشة ﵂، ودخل عليها، ولم يثبت له منها سماع. وهو أحد الأئمة المشاهير، وروى عن خاليه الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد ومسروق وعلقمة، وشريح وجماعته. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وحماد بن سليمان، وغيرهم.
كان رجلا فقيها صالحا، عالما، قليل التكلف، وكان مفتى أهل الكوفة.
مات سنة ست وتسعين، وله تسع وأربعون سنة.
стр. 362
الحسن البصري:
هو أبو سعيد "الحسن بن أبي الحسن" يسار البصري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة، وكان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري من سبي ميسان وهو صقع بالعراق بالقرب من البصرة، كما كانت أمه مولاه لأم سلمه زوج النبي ﷺ ، وربما غابت في حاجة فيبكي، فتعطيه أم سلمة ﵂ ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمهن ونشأ بوادي القرى، وعاش بالبصرة وسكنها.
وكان الحسن البصري من سادات التابعين وكبرائهم، جمع كل فن، من علم، وزهد، وورع، وعبادة، وأكثر كلامه حكم وبلاغة. قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري.
وقد امتاز الحسن بقوة العارضة، والوقوف عند محارم الله، والجهر بكلمة الحق. ولما ولى عمر بن هبيرة الفزاري بالعراق وأضيفت إليه خراسان؛ وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك - استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين والشعبي، وذلك في سنة ثلاث ومائة، فقال لهم:
إن يزيد خليفة الله، استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أمره، فأقلده ما يقلده من ذلك الأمر، فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية؛ فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصر إلى ضيق قبر، ثم لا ينجيك إلا عملك.
стр. 363
يا ابن هبيرة، إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله وعباد الله بسلطان الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأجازهم ابن هبيرة، وأضعف جائزة الحسن.
توفي الحسن البصري سنة عشر ومائة، وهو إمام زمانه علما وعملا.
стр. 364
محمد بن سيرين:
هو أبو بكر "محمد بن سيرين" كان أبوه عبدا لأنس بن مالك ﵁، ثم كاتبه علي أربعين ألف درهم، وأدى المكاتبة، وكان من سبي ميسان.
روى محمد عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك ﵃.
وروى عنه قتادة بن دعامة، وخالد الحذاء، وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة.
وابن سيرين أحد فقهاء أهل البصرة كان عالما، ورعا تقيا، صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر الأمر.
وكان الشعبي يقول: عليكم بذلك الرجل الأصم- يعني ابن سيرين؛ لأنه كان في أذنه صمم، وكان له اليد الأولى في تعبير الرؤيا.
وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وتوفي سنة عشر ومائة بالبصرة بعد الحسن البصري بمائة يوم، ﵂.
стр. 365
عمر بن عبد العزيز:
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي "أبو حفص المدني، ثم الدمشقي" أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
روى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعروة بن الزبير، وأبي بكر الحارث بن هشام وغيرهم.
وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من شيوخه وأبناء عبد الله وعبد العزيز، وأبو بكر ابن عمرو بن حزم، والزهري وغيرهم.
ولد سنة ثلاث وستين، وكان ثقة مأمونا، له فقه، وعلم، وورع.
قال أنس: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتي يعني عمر.
وقال محمد بن علي بن الحسين: لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده.
وتولى الخلافة فكان إماما، عادلا أعاد إلى الناس سيرة جده عمر بن الخطاب.
قال مالك بن أنس: كان سعيد بن المسيب لا يأتي أحدا من الأمراء غيره.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قام على المنبر فقال: يا أيها الناس ... إن كرهتموني لم أقم عليكم، فقالوا: رضينا. ورد المظالم إلى أهلها، وأغنى الفقراء، حتى قيل لم يكن يوجد المحتاج.
стр. 366
وقال البخاري: قال مالك وابن عيينة: عمر بن عبد العزيز إمام، وهو الذي وضع اللبنة الأولى في تدوين الحديث كما مر، ومناقبه وفضائله كثيرة جدا. وتوفي ﵁ سنة إحدى وقيل اثنتين ومائة.
стр. 367
طاوس بن كيسان:
هو أبو عبد الرحمن "طاوس بن كيسان" الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، وطاوس أحد الأعلام التابعين، سمع ابن عباس، وأبا هريرة ﵄، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار، وكان فقيها، جليل القدر، نبيه الذكر.
قال أبو عيينة: قلت لعبد الله بن يزيد مع من تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء وأصحابه: قلت: وطاوس؟ قال: أي هات، ذلك يدخل مع الخواص، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا قط مثل طاوس.
ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاوس: إن أردت أن يكون عملك خيرا كله، فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة.
وروي أن أمير المؤمنين "أبا جعفر المنصور" استدعى ابن طاوس المذكور، ومالك بن أنس ﵄، فلما دخلا عليه، أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاوس، وقال له: حدثني عن أبيك؛ فقال: حدثني أبي: أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك جعفر ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي خوفا أن يصيبني دمه، ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة -ثلاث مرات- فلم يفعل؛ فقال له: لم لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون قد شاركتك فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال: ذلك ما كنا نبغ، قال مالك: فلا زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
وتوفي طاوس حاجا بمكة قبل التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وذلك في سنة ست ومائة ﵁.
стр. 368
دراسة موجزة للأئمة الأربعة وأصول مذاهبهم:
أبو حنيفة:
التعريف بعصره:
يجدر بنا قبل أن نترجم لأبي حنيفة ونذكر أصول مذهبه، أن نتعرف على عصره والعوامل التي أحاطت به، وكان لها أثرها في حياته.
ولقد كانت ولادة أبي حنيفة في زهرة شباب دولة بني أمية، في عهد عبد الملك بن مروان، وأدرك في بداية حياته ولاية الحجاج الثقفي على العراق، وشاهد ما كان عليه من قسوة وما اختاره لنفسه في معاملة خصوم الأمويين السياسيين من عنف وشدة، كما أدرك في شبابه خلافة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز، وعاصر ضعف الدولة الأموية، وشهد مصرعها، وامتد به الأجل إلى أن نجحت الدعوة لبني العباس، ولم تدركه الوفاة إلا في أيام المنصور عام ١٥٠ هجرية.
وقد بلغت الدولة الإسلامية في عصر أبي حنيفة أوج عظمتها، وامتد سلطانها من المحيط الأطلسي غربا إلى الصين شرفا، واستولت على جزء غير قليل من أوروبا بفتح الأندلس، وهي تضم تحت لوائها شتاتا من الأجناس المختلفة التي دخلت في الإسلام بعد فتح بلادها، فكان منهم: الفارسي، والروي، والتركي، والهندي، والمصري.
وباتساع رقعة الدولة، وتباعد أقاليمها، واختلاف أجناس أبنائها، وتعدد ثقافتهم، تزداد مطالبها، وتحتاج إلى أسس وطيدة شاملة تبنى عليها قواعد السلطة، وتقيم دعئم الحكم وتحدد علاقتها في السلم والحرب. وهذا كله يحتاج إلى جهد علمي من الفقهاء لاستنباط الأحكام، وسد حاجات البلاد في الفتيا والقضاء.
стр. 369
وقد كان للفرق الدينية نشاطها في عصر أبي حنيفة، وكثر حولها الجدل، وبدأ تدوين العلم، وظهرت حركة الترجمة، فسوى التفكير اليوناني مع مزيج من التفكير الفارسي إلى البلاد الإسلامية، وتفاعل هذا التفكير بمنهجه العقلي مع المنهج النقلي لدى المسلمين، فأثر هذا في التفكير الإسلامي، وأخذ البحث الفقهي يتجه نحو الكشف عن العلل في الأحكام الشرعية، ويفرض المسائل، ويستعمل القياس؛ حيث لا يجد نصا في كتاب أو سنة.
وإذا عرفنا أن العراق كانت أهم مركز للنشاط العلمي، ورث الحضارات القديمة، وانسابت إليه فلسفتها وعلومها، واتخذه العباسيون عاصمة لهم، فازدهرت فيه الحركة العلمية، وعرفنا إزاء هذا أن العراق كان مهد مدرسة أهل الرأي، وكبار شيوخها، أمثالك علقمة بن قيس النخعي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وحماد ابن أبي سليمان الأشعري.
إذا عرفنا هذا كله، وأن حياة أبي حنيفة كانت في العراق؛ فإننا ندرك أنه استمد من من هذه العوامل كلها منهج تفكيره.
стр. 370
مكانة الفقهاء:
ولا يفوتنا أن نشير إلى مكانة العلماء، ومنزلة الفقهاء، في عصر أبي حنيفة؛ فقد كانت الدولة آنذاك إسلامية، تقوم على دين الله، وترسى دعائم حكمها على شريعته، ولا تكتسب الدولة هذه الصفة إلا باحترام علمائها، ولذا احتفظ الفقهاء بشخصياتهم، وكانت لهم من الولادة مواقف تشهد بشجاعتهم في الحق، وقوة شكيمتهم في إنكار المنكر.
فقد أبي سعيد بن المسيب أن يبايع الوليد وسليمان ابنا عبد الملك بن مروان بولاية العهد، حتى أمر الخليفة بعرضه على السيف، وجلده خمسين جلدة، والتشهير به في أسواق المدينة، ومنع الناس من مجالسته، ولما طلب الخليفة وده بأن يزوج.
стр. 371
ابنته لولى عهده ابن رفض ذلك وآثر عليه أبا وداعة أحد مريديه الفقراء.
وهذا سعيد بن جبير يرى أن عبد الرحمن بن محمد الأشعث على حق في خروجه على عبد الملك بن مروان فيعينه، مما حملة الحجاج عامل عبد الملك على قتله.
ونال أبا حنيفة من الأذى ما ناله كذلك، واتهم لدى العباسيين بميله إلى أحد العلويين الخارجين عليهم وهو إبراهيم بن عبد الله.
стр. 372
غلبة الموالي على الفقه والعلم:
ومن مظاهر عصر أبي حنيفة غلبة الموالي على العلم عامة، والفقه خاصة، فإن إدراك العلم صناعة وفن، والموالي أقرب إلى إدراك هذا بحكم بيئتهم؛ بينما العرب على فطرتهم وربما كانت مسارعة الموالي إلى ذلك تطلعا منهم إلى إحراز فضيلة العلم، حتى ينالوا بهذا شرفا يرفع مكانتهم، ورغبة في أن يسهموا بنصيب وافر في حضارة الإسلام.
جاء في العقد الفريد: أن ابن أبي ليلى قال: قال عيسى بن موسى، وكان ديانا شديد العصبية "من الأمراء العباسيين" من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: ثم من؟ قلت محمد بن سيرين. قال: فما هما؟ قلت: موليان. قلت: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موال. قال: فمن فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر، ونابع بن أبي نجيح، قال: فمن هؤلاء؟ قلت: موال، فتغير لونه، ثم قال: فمن أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأي، وابن أبي الزناد. قال: فما كانا؟ قلت: من الموالي، فأريد وجهه، ثم قال: فمن فقيه اليمن؟ قلت: طاوس، وابنه وابن منبه. قال: فمن هؤلاء؟ قلت من الموالي، فانتفخت أوداجه، وانتصب قاعدا، وقال: فمن كان فقيه
стр. 373
خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني. قال: فمن كان عطاء هذا؟ قلت: مولى، فازداد تربدا، واسود اسودادا، حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول. قال: فمن كان مكحول هذا؟ قلت: مولى فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ فوالله لولا خوفي لقلت: الحكم بن عتبة، وحماد بن أبي سليمان، ولكني رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم النخعي، والشعبي، قال: فما كانا؟ قلت: عربيان. فقال: الله أكبر، وسكن جأشه.
هذا وقد نما الفقه في عصر أبي حنيفة وازدهر، لا سيما عندما اتخذ العباسيون بغداد مقرا لملكهم، وتركزت فيها الحضارة الإسلامية، ونشطت الحركة العلمية، وامتزج أخلاط من أمم مختلفة كالفرس والروم، وقرب الخلفاء العباسيون إليهم الفقهاء، ليقوم حكمهم على أسس من الدين وشريعته.
стр. 374
مولد أبي حنيفة ونشأته "٨٠-١٥٠ه ـ"
...
مولى أبي حنيفة ونشأته "٨٠- ١٥٠هـ":
ولد أبو حنيفة عام ٨٠هـ على الأصح، وتوفي عام ١٥٠هـ "واسمه النعمان بن ثابت بن زوطي"١ من أصل فارسي كوفي. وولد ثابت على الإسلام، وأدرك على بن أبي طالب وهو صغير. أما أبو حنيفة فمن أتباع التابعين وأدرك زمن أربعة من الصحابة وهم: أنس بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي في المدينة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة بمكة.
واختلفوا ألقى واحدا منهم أم لا؟ فذكر الذهبي نقلا عن الخطيب في تاريخ بغداد أنه لقي أنس بن مالك، وادعى بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لقي عددا من الصحابة فيكون تابعيا. ولكن هذا لم يتحقق ثبوته. والراجح أنه لم يلق أحدا من الصحابة.
ونشأ تاجرا يتجر في الخز بالكوفة، وهي آنذاك زاخرة بالعلماء والفقهاء، فما
стр. 375
لبث أبو حنيفة حتى مال إلى مجالسهم والأخذ عنهم، وأقبل على الفقه بعد أن ألم بطرف من العلوم الإسلامية، وما زال ينهل من معينه حتى صار إمام أهل الرأي.
وعرف أبو حنيفة بكثرة اجتهاده وأخذه بالقياس، متأثرا في ذلك بشيوخه الذين أخذ عنهم؛ فقد كان شيخه حماد بن أبي سليمان، الذي انتهت إليه في عصره رياسة الفقه في العراق، فتتلمذ على إبراهيم النخعي أحد شيوخ مدرسة الرأي.
ولا يعني هذا أن أبا حنيفة لم يأخذ العلم عن أحد آخر سوى حماد؛ فقد أخذ عن عطاء ابن أبي رباح، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس، ونافع مولى ابن عمر، وأخذ عن المبرزين في الفقه من أئمة الشيعة، كالإمام زيد بن علي، والإمام جعفر الصادق.
روى أن أبا حنيفة دخل يوما على المنصور وعنده عيسى بن موسى فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم، فقال له: يا نعمان.. عمن أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله بن عباس، فقال له الخليفة: استوثقت لنفسك.
وتطلع أبو حنيفة في حياة شيخه حماد أن يجلس محدثا في المسجد مجلس الرياسة، وواتته الفرصة لتخلفه فترة من الزمن، فجلس- كما روى عن نفسه- مجلس شيخه وعرضت عليه مسائل قرابة ستين، وأجاب عنها، وكتب أجوبتها، فلما عاد حماد عرض إجابتها عليه، قال: فوافقني في أربعين، وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي ألا أفارقه حتى يموت؛ فلم أفارقه حتى مات.
وما كاد شيخه حماد يموت سنة ١١٩هـ حتى رأي تلاميذه من أصحاب أبي حنيفة أنه وحده هو الذي يستحق أن يجلس مكان شيخه.
стр. 376
محنته وأخلاقه:
وكان أبو حنيفة جريئا في الحق، شأن علماء عصره، فأصابه من جراء ذلك البلاء.
أراد منه عامل مروان على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، أن يلي له قضاء الكوفة؛ فأبى فضربه مائة وعشرة أسواط في كل يوم عشرة، وهو على الامتناع؛ فلما رأى تصميمه على الرفض خلى سبيله.
وأشخص الخليفة أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، وأراده على أن يلي القضاء، فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة ألا يفعل؛ فقال له حاجب الخليفة، ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبي أن يلي، فأمر به إلى الحبس. هكذا كان بلاؤه في دولة العباسيين كبلائه في دولة الأمويين.
وقد ذكرت كتب المناقب كثيرا من أخلاق أبي حنيفة الحميدة، وما كان عليه من ورع، وفطنة وذكاء، ومواساة لإخوانه، وصلابته في الحق.
بلغ من خوفه الله تعالى، أنه قام ليلة بهذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ،﴾ ١ يرددها ويبكي ويتضرع.
ودخل الخوارج يوما مسجد الكوفة، وأبو حنيفة وأصحابه جلوس، فقال أبو حنيفة لأصحابه: لا تبرحوا فجاءوا حتى وقفوا عليهم، فقالوا لهم: ما أنتم؟ فقال أبو حنيفة: نحن مستجيرون، فقال أمير الخوارج: دعوهم وأبلغوهم مأمنهم.
стр. 377
أصول مذهبه:
١- القرآن الكريم:
جاء في تاريخ بغداد ما روي عن أبي حنيفة أن قال: آخذ بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ ؛ فإن لم أجد في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله ﷺ أخذت بقول أصحابه.. آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، وهذا الكلام يدل على أنه يأخذ بالكتاب ثم بالسنة. وأبو حنيفة يجعل قراءة الآحاد إذا كانت مشهورة حجة، فاشترط التتابع في الصوم بكفارة اليمين لقراءة ابن مسعود؛ "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" لأنها خبر مشهور، والزيادة عنده تثبت بالخبر المشهور. ولئن كان المروي عنده أن القرآن هو النظم والمعنى على الصحيح؛ فإنه لم يجعل النظم ركنا لازما في الصلاة، فمن أصل أبي حنيفة: أن القراءة بالفارسية كالقراءة بالعربية يتأدى بها فرض القراءة في الصلاة، وجمهور العلماء يرفض ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١.
٢- التشدد في قبول الحديث:
كان أبو حنيفة يتحرى عن رجال الحديث، ويتثبت من صحة روايتهم؛ فقد لا يقبل الخبر عن رسول الله صلى الله وسلم إلا إذا رواه جماعة عن جماعة، أو اتفق فقهاء الأمصار على العمل به؛ فأصبح مشهورا، وبهذا تضيق دائرة العمل بالحديث.
وقد نقل الشافعي في "الأم" عن أبي يوسف ما يوضح خطته وخطة أبي حنيفه شيخه في ذلك.
قال أبو يوسف: فعليك من الحديث مما تعرفه العامة، وإياك والشاذ منه، فإنه
стр. 378
حدثنا ابن أبي كريمة عن أبي جعفر أن رسول الله دعا اليهود فحدثوه؛ حتى كذبوا على عيسى، فصعد النبي ﷺ المنبر، فخطب الناس فقال: "إن الحديث سيفشوا على، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو مني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني".
٣- التوسع في القياس:
وحيث ضاقت دائرة الأخذ بالحديث كان التوسع في الأخذ بالقياس، وهكذا كان أبو حنيفة يعمل رأيه في المسألة، ويجتهد في استنباط حكمها دون أن يتقيد بقول سابق للصحابة أو التابعين، ما لم يتبين له صحة نقل عن رسول الله ﷺ ، فقد روى عنه أنه قال في النص الآنف الذكر: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله ﷺ ، والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات؛ فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، فلي أن اجتهد كما اجتهدوا".
٤- الاستحسان:
يعتبر الاستحسان من أصول الأدلة في مذهب أبي حنيفة، وإن بالغ في الأخذ به بعض العلماء الأحناف، فقالوا: إن المجتهد له أن يستحسن بعقله، إلا أن المتأخرين منهم على أن الاستحسان عبارة عن دليل يقابل القياس الجلي الذي تسبق إليه الأفهام، ومن أمثلة ذلك:
نص فقهاء الحنفية على أن الواقف إذا وقف أرضا زراعية يدخل حق المسيل وحق الشرب وحق المرور في الوقف تبعا بدون ذكرها استحسانا.
والقياس أنها لا تدخل إلا بالنص عليها كالبيع، ووجه الاستحسان: أن المقصود من الوقف انتفاع الموقوف عليهم ولا يكون الانتفاع بالأرض الزراعية إلا
стр. 379
بالشرب والمسيل والطريق؛ فتدخل في الوقف بدون ذكرها لأن المقصود لا يتحقق إلا بها كالإجارة.
فالقياس الظاهر إلحاق الوقف في هذا البيع، لأن كلا منها إخراج ملك من مالكه، والقياس الخفي إلحاق الوقف في هذا بالإجارة؛ لأن كلا منهما مقصود به الانتفاع، فكما يدخل المسيل والشرب والطريق في إجارة الأطيان بدون ذكرها، تدخل في وقف الأطيان بدون ذكرها١.
٥- الحيل الشرعية:
ينسب كثير من الباحثين إلى فقه أبي حنيفة الحيل الشرعية، وأنها كانت بابا وساعا من أبواب الفقه في مذهبه، وقد تكلم ابن القيم عن الحيل في كتابه "أعلام الموقعين" وشنع على من توسع فيها، وقال: "إن المتأخرين أحدثوا حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم.
واعتبر هؤلاء الباحثون من أصول أبي حنيفة باب الحيل، ويسمونه "المخارج من المضايق" وفي القاموس وشرحه، الاحتيال والتحول، والتحيل، الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف. وقال صاحب المصباح: الحيلة: الحذق في تدبير الأمور، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، وأصلها الواو؛ وإنما قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها. وقال ابن القيم في "أعلام الموقعين": إن مباشرة الأسباب حيلة على حصول مسبباتها، فالأكل والشرب واللبس والسفر حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيل على حصول المعقود عليه، والأسباب المحرمة كلها حيل على حصول مقاصدها منها.
وقد غلب إطلاق الحيلة على ما يكون من الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى
стр. 380
حصول العرض بحيث لا يتفطن لها إلا بنوع من الذكاء وبعد النظر، والحيلة بهذا المعنى لا تحمد على الإطلاق، ولا تذم على الإطلاق، بل تتبع في ذلك الطرق المسلوكة إليها، والمقاصد التي تراد بها.
فالطرق والوسائل الخفية التي تستحل بها المحارم، وتسقط بها الواجبات ظاهرا. وكل حيلة تتضمن إسقاط حق الله تعالى أو لآدمي فهي من الحيل المذمومة شرعا، وهذا هو الذي عناه جمهور الفقهاء والمحدثين بالذم.
والحيل عند فقهاء الحنفية تطلق على المخارج من المضايق بوجه شرعي، جاء في شرح الأشباه والنظائر للحموي: الحيل: جمع حيلة، وهي وجودة النظر، والمراد بها هنا ما يكون مخلصا شرعيا لمن ابتلي بحادثة دينية، ولكون المخلص من ذلك لا يدرك إلا بالحذق وجودة النظر أطلق عليه لفظ الحيلة.
وما دامت الوسائل مشروعة، وتؤدي إلى مقاصد مشروعة، فإن ذلك يكون جائزا.
وجمهور الفقهاء ولا سيما المالكية والحنابلة لا يسوعون الحيل بأي صورة من الصور لأنهم يقولون بسد الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة.
وقد أورد القائلون بجواز الحيل شبها ردها المخالفون لهم القائلون بتحريمها ومن هذه الشبه:
١- أن نبي الله أيوب ﵇ حلف ليضربن امرأته مائة ضربة لسبب من الأسباب استدعى ذلك، ثم أذن الله تعالى أن يتحلل من يمينه بحيلة، وهي أن يأخذ ضغثا فيه مائة عود يضربها به ضربة واحدة، كما قال تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ ١؛ فهذه حيلة يقاس عليها غيرها.
وقد أجيب عن هذا: بأن موجب هذا اليمن لغة الضرب مجموعا أو مفرقا، فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق ولا يكون حيلة، إنما الحيلة
стр. 381
أن يصرف اللفظ عن موجبه على الإطلاق، ومن ناحية أخرى فلعل امرأة أيوب كانت معذورة فيما أخطأت فيه حين حلف أيوب هذه اليمين. وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورا خفف عنه، بأن يجمع له مائة شمراخ فيضرب بها ضربة واحدة،؛ فقد روى أحمد وغيره هذا عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة فيما حكاه عن أبيه عن رسول الله ﷺ ، ثم إن هذا شرع من قبلنا فلا يكون حجة علينا إذا خالف شرعنا.
٢- ومن هذه الشبه ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول ﷺ استعمل رجلا على خبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا"؟ ، فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا". والجمع: نوع من تمر خيبر رديء، والجنيب، نوع جيد.
فقالوا: إنه يستدل بالحديث على جواز بيع العينة وعلى سائر العقود التي ظاهرها البيع، وباطنها الربا.
وأحيب عن هذا: بأن التحيل على استباحة الربا لو كان مشروعا لم يكن في تحريم الربا حكمة إلا تضييع الزمان بلا فائدة؛ فإن كل إنسان يستطيع بهذا أن يستحل ما حرم الله من أنواع الربا بأدنى الحيل وأقربها، ففي ربا الفضل يمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويسمى ما شاء من الثمن، ثم يقول: اشتريت منك هذا "للذي هو من جنسه" بذلك الثمن الذي سماه، وفي ربا النسيئة يمكنه أن يقول: بعتك هذه السلعة بألف إلى سنة مثلا، ثم يقول: ابتعتها منك بخمسمائة حالة، وهكذا ينقض المحتال من أيسر الطرق ما أحكم الله في كتابه وعلى لسان رسول الله ﷺ ثم ينسب ذلك كله إلى شريعة الله ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم﴾ ١.
стр. 382
والنبي ﷺ إنما أمر الرجل في الحديث ببيع مطلق وشراء مطلق؛ فقال: "بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" والمطلق في لسان الشارع إنما يصدق على الصور التي أحلها لا على الصور التي حرمها. وبيع العينة ومنا في معناه قد حرمه الشارع؛ فلا يمكن أن يصدق على البيوع المحرمة، ما يجيء على لسان الشارع من بيع مطلق أو شراء مطلق.
وكتاب الحيل الذي وردت فيه الحيل غير المشروعة التي يتوصل بها إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال نسبه الخطيب البغدادي في الجزء الثالث عشر من تاريخ بغداد" لأبي حنيفة عندما ترجم له. ولكن المحققين من العلماء يبرئون أبا حنيفة من الكتاب ومما ورد فيه، كما نسب القول بالحيل إلى أبي يوسف وإلى محمد بن الحسن.
وأكثر ما ينسب إلى أبي حنيفة من ذلك ما أفتى به في مسائل تتعلق بالأيمان عامة، وبالطلاق خاصة، ليس فيها تحايل على إبطال الحق؛ ولكنها استنباط فقهي للخروج من مأزق، كأن يحلف الرجل ليقربن امرأته نهارا في رمضان، فيفتيه أبو حنيفة أن يسافر بها نهارا في رمضان، ويحلف آخر وقد رأى امرأته على السلم فيقول: أنت طالق ثلاثا إن صعدت، وطالق ثلاثا إن نزلت، فيفتيه أبو حنيفة أن تقف المرأة على السلم ولا تصعد ولا تنزل ويحتال جماعة يحملون السلم بالمرأة فيضعونه على الأرض ... وهكذا.
ومنه ما يكون من باب التسبب، أي أن يحدث المكلف سببا يؤدي إلى تغيير الحكم، كما لو دخل رمضان فأنشأ السفر ليأكل، أو كان له مال فوهبه قبل الحول تخلصا من الزكاة.
ولا شك أن أي حيلة تؤدي إلى استحلال الحرام، أو تحريم الحلال فهي خداع وباطل. وقد قال النبي ﷺ : "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها، أي أذابوها- فباعوها- وأكلوا ثمنها". متفق عليه.
стр. 383
أما ما يقصد به أخذ حق أو دفع باطل بطريق محرم، أو مباح تفضي إليه بخفاء فهذا لا بأس به، وقد ذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين"، أمثلة لذلك، مثل: أن يكون له على رجل حق فيجحده، ولا بينة له، ويقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان به ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق، ومثل أن يكون له على رجل دين وله عنده وديعة، فيجحد الوديعة فيجحد هو الدين، أو بالعكس، ويحلف ما له عندي حق، أو ما أودعني شيئا. ومثل أن تستأجر منه أرضا أو بستانا أو دارا سنين، ثم لا يأمن إذا صلحت الأرض أو البستان أو الدار أن يفسخ المؤجر العقد بنوع من أنواع المكر والغدر، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يسمى لكل سنة أجرا معلوما، ويجعل أجرة السنين المتأخرة معظم الأجرة وأقلها للسنين الأولى، فلا يسهل عليه المكر بعد ذلك، وإذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء دون الفوات، فالحيلة أن يحرم إحراما مطلقا ولا يعينه فإن اتسع له الوقت جعله حجا، وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة ولا يلزمه غيرها، وهكذا.
стр. 384
أبوحنيفة ورفض السنة:
أشرنا من قبل في منهج أبي حنيفة إلى أنه كان يتشدد في الحديث فيقبل المتواتر والمشهور ولكنه يتوقف في خبر الآحاد، إذا لم يكن مشهورا، ويشترط فيه شروطا مما أدى إلى اتهامه بقلة بضاعته في السنة، ورده لكثير من أخبار الآحاد الصحيحة إذا خالف مضمونها أصلا من الأصول.
قال عياض في أبي حنيفة: هو ممن سلم لهم حسن الاعتبار، وتدقيق النظر والقياس، وجودة الفقه والإمامة فيه، لكن ليس له إمامة في الحديث، ولا استقلال بعلمه، ولا يدعيه ولا يدعى له، ولذلك لا يوجدي له في أكثر المصنفات الحديثية ذكر، ولا أخرج له أهل الصحيحين منه ولو حرفا....
وقد ناقش بعض الباحثين هذه الدعوى، وأثبت أن النسائي أخرج له في السنن، وأن الترمذي أخرج له في الشمائل، وقال ابن خلدون في المقدمة: وحاشاه أن يكون جاهلا بالسنة، وكيف يتصور جهله بها مع إمامته المسلمة في
стр. 385
الفقه؟ وكيف يأخذه عنه جمهور من الأمة؟ وإنما الذي نفاه عياض: الإمامة والتبرز فيه حتى يكون مثل مالك وابن حنبل مثلا.
وقد حمل بعض الباحثين على أبي حنيفة لهذا المنهج، ونسبوا إليه أنه كان يرد الأحاديث الصحيحة، وأورد الخطيب البغدادي ذلك.
يروي أبو إسحاق الفزاري أنه كان يأتي أبا حنيفة فيسأله عن الفيء من الغزو فسأله عن مسألة فأجاب فيها، فقال له: إنه يروي فيها عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال: دعنا من هذا.
ويذكر أبو صالح الفراء أنه سمع يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث أو أكثر؛ فقلت له: يا أبا محمد ... تعرفها؟ قال: نعم، قلت: أخبرني بشيء منها. فقال: قال رسول الله ﷺ : "للفرس سهمان وللرجل سهم" قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن، وكان النبي يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر. وقال أبو حنيفة: القرعة حرام.
ورد أبو حنيفة حديث المصراة المتفق عليها "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر" وفي رواية: "وصاعا من طعام". ولمسلم "فهو بالخيار ثلاثة أيام" واستدل الحنفية في رده بأعذار، قالوا: إن مضمونه مخالف لما هو أقوى منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه﴾ ١ فإنه يحتم الضمان بالمثل، وقوله ﷺ : "الخراج بالضمان"، فلا يكون اللبن مضمونا حيث كانت المصراة تحت ضمان المشتري، وقالوا: إن الحديث خالف قياس الأصول؛ فأوجب الرد من غير عيب ولا شرط، وقدر الخيار بثلاثة أيام؛ وإنما يتقيد بالثلاثة خيار الشرط، وأوجب البدل مع قيام المبدل، وقدر بالتمر والطعام والمتلفات إنما تضمن بالمثل أو القيمة واللبن مثلي، وجعل الضمان بالقيمة، ويؤدي إلى الربا إذا كان ثمن المصراة بالتمر حيث يزيد صاعا منه.
стр. 386
ودافع عن أبي حنيفة كثير من العلماء واستدلوا بقوله عن نفسه: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ لم نحل عنه إلى غيره، وأخذنا به، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.
ويقول زفر تلميذ أبي حنيفة في هذا: "لا تلتفتوا إلى كلام المخالفين؛ فإن أبا حنيفة وأصحابنا لم يقولوا في مسألة إلا من الكتاب والسنة والأقاويل الصحيحة، ثم قاسوا بعد عليها"، ويقول أبو يوسف أكبر أصحابه: "ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الحديث ومواضع النكت التي فيه من الفقه من أبي حنيفة، وكان أبصر بالحديث الصحيح مني".
ويقول ابن خلدون عنه:
"والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل، وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي، وقلت من أجلها روايته؛ فقل حديثه، لا أنه ترك رواية الحديث، فحاشاه من ذلك.
ويدل على أنه كان من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه، واعتماده ردا وقبولا، فلا تأخذك ريبة في ذلك، فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم، والتماس المخارج الصحيحة لهم، والله أعلم بما في حقائق الأمور".
ويذكر ابن عبد البر أنه قيل لأبي حنيفة: "المحرم لا يجد الإزار، يلبس السراويل؟ قال: لا، ولكن يلبس الإزار! قيل له: ليس له إزار! قال: يبيع السراويل، ويشتري بها إزارا، قيل له: فإن النبي ﷺ خطب وقال: المحرم يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، فقال أبو حنيفة: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله ﷺ شيء فأفتى به، وينتهي كل امرئ إلى ما سمع، وقد صح عندنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا يلبس السراويل، فننتهي إلى ما سمعناه"، قيل له: أتخالف النبي ﷺ فقال: "لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ ، به أكرمنا وبه استنقذنا".
стр. 387
والذي يراه المحققون وذكره محمد يوسف موسى: أنه ليس لباحث منصف أن يرمي أبا حنيفة بأنه كان يترك عامدا بعض ما صح عنده من الحديث والآثار، ليأخذ بالرأي والقياس، حاشاه أن يكون فعل شيئا من ذلك، وإلا لما كان مؤمنا حقا برسول الله، وما جاء عنه؛ بله أن يكون إماما من أئمة الشريعة الإسلامية الخالدين.
стр. 388
أثره الفقهي وانتشار مذهبه:
ينسب إلى أبي حنيفة الفقه الأكبر، وأنه حوى ستين ألف مسألة أو أكثر، ولم تصح هذه النسبة؛ وإنما قيل: إنه من تأليف أصحابه، وقد نسب إليه في العقيدة كذلك: الفقه الأكبر، وطبع في حيدرآباد الدكن بالهند سنة ١٣٢١هـ، وهو عقيدة سلفية لا تتجاوز عدة صفحات ولم تصح نسبته إليه.
وينسب إلى أبي حنيفة مسند في الحديث، قال ابن حجر العسقلاني في كتاب "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة": أما مسند أبي حنيفة فليس من جمعه. والموجود من حديث أبي حنيفة إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه ويوجد في تصانيف محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى، وذكر صاحب كشف الظنون مسند الإمام الأعظم وذكر رواته، وأن الذي اعتنى بجمع مسانيده هو أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي المتوفي سنة ١٦٥هـ، وقد طبع هذا المسند في مصر سنة ١٣٢٦هـ بما ينفي الدعوى القائلة: إن أبا حنيفة لم يصح عنده أو لم يبن مذهبه إلا على سبعة عشر حديثا.
ومما لا شك فيه أن أبا حنيفة ترك من بعده أثراها كبيرا، حتى قال الشافعي: إن الناس كلهم عيال عليه في في الفقه، وقد اشتهر من حملة فقهه، رجلان، أبو يوسف قاضي القضاة، ومحمد بن الحسن الشيباني، ولهذين الصاحبين فضل كبير على مذهبه في العمل على نشره وإذاعته؛ فكتب أبي يوسف هي التي حفظت أقوال أبي حنيفة التي نقلها عنه، ومن ذلك:
стр. 389
١- الآثار: الذي هو مسند الإمام، مع إضافة أبي يوسف من مروياته في بعض المواضع.
٢ الخراج.
٣ اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى.
يقول الخطيب البغدادي في أبي يوسف: هو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، وأول من وضع الكتب في أصول. الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض.
وتعتبر مؤلفات محمد بن الحسن المراجع الأصلية لمذهب أبي حنيفة، وقد اهتم بها الفقهاء فيما بعد شرحا وتعليقا، ومن أهمها:
١- الجامع الكبير.
٢ والجامع الصغير.
٣ السير الكبير.
٤ السير الصغير.
٥ الزيادات.
ومن أشهر تلاميذ أبي حنيفة كذلك: زفر بن الهذيل، الذي كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي ومهر في القياس.
وذكر ابن خلدون مجال انتشار مذهب أبي حنيفة فقال:
وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق، ومسلمة الهند والصين، وما وراء النهر، وبلاد العجم كلها، لما ان مذهبه أحفى بالعراق ودار السلام أي بغداد وكان تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس؛ فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية، وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاءوا منها بعلم مستطرف، وأنظار غريبة.
стр. 390
ولما حكم العثمانيون حصروا القضاء في المذهب الحنفي، لأنه مذهبهم، فساعد هذا على انتشار المذهب وتعلمه في عامة الأقطار الإسلامية.
ولم يزل الأمر كذلك إلى اليوم في كثير من البلاد، بيد أنه قد أخذ الاقتباس من المذاهب الأخرى في الأحوال الشخصية، والوقف، والمواريث، والوصايا، وهي المسائل التي بقي القضاء فيها على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية دون سواها في تلك البلاد.