← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9995

تاريخ التشريع الإسلامي

مناع القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ودافع عن أبي حنيفة كثير من العلماء واستدلوا بقوله عن نفسه: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ لم نحل عنه إلى غيره، وأخذنا به، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم. ويقول زفر تلميذ أبي حنيفة في هذا: "لا تلتفتوا إلى كلام المخالفين؛ فإن أبا حنيفة وأصحابنا لم يقولوا في مسألة إلا من الكتاب والسنة والأقاويل الصحيحة، ثم قاسوا بعد عليها"، ويقول أبو يوسف أكبر أصحابه: "ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الحديث ومواضع النكت التي فيه من الفقه من أبي حنيفة، وكان أبصر بالحديث الصحيح مني". ويقول ابن خلدون عنه: "والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل، وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي، وقلت من أجلها روايته؛ فقل حديثه، لا أنه ترك رواية الحديث، فحاشاه من ذلك. ويدل على أنه كان من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه، واعتماده ردا وقبولا، فلا تأخذك ريبة في ذلك، فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم، والتماس المخارج الصحيحة لهم، والله أعلم بما في حقائق الأمور". ويذكر ابن عبد البر أنه قيل لأبي حنيفة: "المحرم لا يجد الإزار، يلبس السراويل؟ قال: لا، ولكن يلبس الإزار! قيل له: ليس له إزار! قال: يبيع السراويل، ويشتري بها إزارا، قيل له: فإن النبي ﷺ خطب وقال: المحرم يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، فقال أبو حنيفة: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله ﷺ شيء فأفتى به، وينتهي كل امرئ إلى ما سمع، وقد صح عندنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا يلبس السراويل، فننتهي إلى ما سمعناه"، قيل له: أتخالف النبي ﷺ فقال: "لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ ، به أكرمنا وبه استنقذنا".

стр. 387

والذي يراه المحققون وذكره محمد يوسف موسى: أنه ليس لباحث منصف أن يرمي أبا حنيفة بأنه كان يترك عامدا بعض ما صح عنده من الحديث والآثار، ليأخذ بالرأي والقياس، حاشاه أن يكون فعل شيئا من ذلك، وإلا لما كان مؤمنا حقا برسول الله، وما جاء عنه؛ بله أن يكون إماما من أئمة الشريعة الإسلامية الخالدين.

стр. 388

أثره الفقهي وانتشار مذهبه: ينسب إلى أبي حنيفة الفقه الأكبر، وأنه حوى ستين ألف مسألة أو أكثر، ولم تصح هذه النسبة؛ وإنما قيل: إنه من تأليف أصحابه، وقد نسب إليه في العقيدة كذلك: الفقه الأكبر، وطبع في حيدرآباد الدكن بالهند سنة ١٣٢١هـ، وهو عقيدة سلفية لا تتجاوز عدة صفحات ولم تصح نسبته إليه. وينسب إلى أبي حنيفة مسند في الحديث، قال ابن حجر العسقلاني في كتاب "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة": أما مسند أبي حنيفة فليس من جمعه. والموجود من حديث أبي حنيفة إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه ويوجد في تصانيف محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى، وذكر صاحب كشف الظنون مسند الإمام الأعظم وذكر رواته، وأن الذي اعتنى بجمع مسانيده هو أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي المتوفي سنة ١٦٥هـ، وقد طبع هذا المسند في مصر سنة ١٣٢٦هـ بما ينفي الدعوى القائلة: إن أبا حنيفة لم يصح عنده أو لم يبن مذهبه إلا على سبعة عشر حديثا. ومما لا شك فيه أن أبا حنيفة ترك من بعده أثراها كبيرا، حتى قال الشافعي: إن الناس كلهم عيال عليه في في الفقه، وقد اشتهر من حملة فقهه، رجلان، أبو يوسف قاضي القضاة، ومحمد بن الحسن الشيباني، ولهذين الصاحبين فضل كبير على مذهبه في العمل على نشره وإذاعته؛ فكتب أبي يوسف هي التي حفظت أقوال أبي حنيفة التي نقلها عنه، ومن ذلك:

стр. 389

١- الآثار: الذي هو مسند الإمام، مع إضافة أبي يوسف من مروياته في بعض المواضع. ٢ الخراج. ٣ اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى. يقول الخطيب البغدادي في أبي يوسف: هو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، وأول من وضع الكتب في أصول. الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. وتعتبر مؤلفات محمد بن الحسن المراجع الأصلية لمذهب أبي حنيفة، وقد اهتم بها الفقهاء فيما بعد شرحا وتعليقا، ومن أهمها: ١- الجامع الكبير. ٢ والجامع الصغير. ٣ السير الكبير. ٤ السير الصغير. ٥ الزيادات. ومن أشهر تلاميذ أبي حنيفة كذلك: زفر بن الهذيل، الذي كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي ومهر في القياس. وذكر ابن خلدون مجال انتشار مذهب أبي حنيفة فقال: وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق، ومسلمة الهند والصين، وما وراء النهر، وبلاد العجم كلها، لما ان مذهبه أحفى بالعراق ودار السلام أي بغداد وكان تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس؛ فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية، وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاءوا منها بعلم مستطرف، وأنظار غريبة.

стр. 390

ولما حكم العثمانيون حصروا القضاء في المذهب الحنفي، لأنه مذهبهم، فساعد هذا على انتشار المذهب وتعلمه في عامة الأقطار الإسلامية. ولم يزل الأمر كذلك إلى اليوم في كثير من البلاد، بيد أنه قد أخذ الاقتباس من المذاهب الأخرى في الأحوال الشخصية، والوقف، والمواريث، والوصايا، وهي المسائل التي بقي القضاء فيها على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية دون سواها في تلك البلاد.

стр. 391

الإمام مالك: عصره: يشبه عصر مالك عهد أبي حنيفة، إلا أنه أدرك من الدولة العباسية حظا أوفر؛ فقد كانت ولادته في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي، وكانت وفاته في عهد الرشيد العباسي؛ فعاصر دولة بني مروان في عنفوان شبابها، وشاهد تداعي الدولة الأموية، وقيام دولة بني العباس على أنقاضها، ورأى موقف المهدي من الزنادقة في العراق، واستنصاره بالعلماء للقضاء على عقيدتهم، وأدرك الحضارة العباسية في أوج عظمتها. وقد امتزجت في مبادئها الإسلامية الحضارات الفارسية، والهندية، والرومانية. وتمثل حياته في العهد الأموي فترة تكوين عقله وتفكيره وآرائه خلال أربعين سنة، وتمثل حياته بعد أن بلغ أشده في العهد العباسي فترة إنتاجه، والاستفادة من علمه، وتبادل ثمرات الفكرات مع الصحاب وتكوين التلاميذ. ومع أن الإمام مالكا أدرك الدولة الأموية في عهد استقرارها بعد أن خمدت جذوة الفتن، إلا أن أنباء هذه الفتن قد تناقلت إليه، ورأي أثر الخوارج السيء في تسورهم المدينة وإزعاجهم أمن الناس، وإراقتهم للدماء بقيادة أبي حمزة فزاده ذلك نفورا منهم، وبغض إلى نفسه كل خروج على الحكام؛ ولذا كان يرى إصلاح الرعية أصلا لإصلاح الحكام. ونزع بطبيعته الهادئة إلى حياة الاستقرار، ولم يقف من بني أمية موقف بعض العلماء الآخرين الذين أنكروا عليهم جانبا من أعمالهم. وربما سخط مالك في بداية الحكم العباسي الوقائع الدامية، ثم عاد إليه هدوءه بعد استقرار الأمور، ولكنه وجد في بني العباس الذين حرصوا على الاتصال بالعلماء رغبة في الاتصال به والاستماع لنصحه.

стр. 392

ولا يفوتنا التنويه باتساع رقعة الدولة الإسلامية في هذا العصر من الأندلس غربا إلى السند شرقا بمدنها العامرة الزاخرة بالحركة العلمية والنشاط التجاري والنهضة الزراعية والصناعية، ولهذا أثره الكبير في حيوية الفقه وازدهاره، لتفاعل الحضارات المختلفة من أجناس متباينة الأرمة صهرها الإسلام في بوتقته؛ فكثرت الأحداث، وتفرعت المسائل، واستنبط العلماء لكل مسألة حكما. والمدينة، وهي دار الهجرة التي أقام بها مالك كانت تستقبل العديد من وفود المسلمين الذين يقدمون لزيارة مسجدها من حين لآخر. واتسم عصر مالك كذلك بالحركة الفكرية التي نجمت من اتصال الفكر الإسلامي بالفلسفة اليونانية والفارسية والهندية إثر حركة الترجمة على النحو الذي بسطناه في الحديث عن عصر أبي حنيفة؛ مما أدى إلى منازعات فكرية حول عقائد متباينة، وآراء متناحرة؛ إلا أن أبا حنيفة كان بالعراق موطن هذا التناحر، فتأثر بها تأثيرا مباشرًا؛ بينما كان مالك بالمدينة التي عاشت بمنأى عن هذه المنازعات الفكرية، ولم يرج في سوقها مذاهبها، بل راج فيها علم الكتاب والسنة؛ فكان تأثيرها على مالك سلبيا. وفي المدينة كانت المدرسة الفقهية الأولى المعروفة بمدرسة الفقهاء السبعة، وعلى يد تلاميذ هذه المدرسة تلقى مالك العلم، وهم يؤثرون الرواية ويرون فيها عصمة من الفتن، ولا يأخذون بالرأي إلا اضطرارا، وعلى النقيض من هذا، كان أساتذة أبي حنيفة من شيوخ مدرسة أهل الرأي في العراق الذين يفرضون مسائل غير واقعية ويضعون لها أحكاما بآرائهم. ومع هذا كان للرأي في فقه مالك حظ لتبادل المعارف في عصره. ومحمد الصاحب الثاني لأبي حنية أخذ الحديث عن الثوري، ولازمه مالك ثلاث سنوات وأخذ عنه، وكان مالك معنيا بمعرفة آراء أبي حنيفة في المسائل المختلفة.

стр. 393

وقد استطاع مالك في جو المدينة الهادئ أن يصون نفسه عن موجة أهل الأهواء العارمة التي كادت تشغل أذهان المسلمين عن حقيقة الدين، كالشيعة والخوارج والقدرية، والجهمية، والمرجئة.

стр. 394

حياة مالك "٩٣- ١٧٩ه ـ": إختلف العلماء في السنة التي ولد فيها مالك، وأشهر هذه الآراء أنه ولد في سنة ٩٣هـ "ثلاث وتسعين". وكانت ولادته بالمدينة، وهي مهد العلم الزاخر بآثار رسول الله ﷺ ، والصحابة والتابعين، ولها مكانتها في نفوس المسلمين؛ فحفظ مالك لها هذه المكانة في نفسه، وأثر هذا في فقهه، فاعتبر عمل أهلها أصلا من أصول استنباطه. وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي من قبيلة ذي أصبح اليمنية؛ فهو عرف الأصل، وادعى محمد بن إسحاق صاحب السيرة أنه كان من موالي بني تميم، وليس الأمر كذلك؛ وإنما كان بين جد مالك، وبين عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن تميم حلف، لا ولاء، والحلف قد يكون بين العرب الأحرار، والولاء لا يكون إلا بين عربي ومولى؛ فقد قدم جده الأعلى أبو عامر إلى المدينة في حياة النبي ﷺ بعد غزوة بدر، وسكنها، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وشهد المغازي كلها خلا بدرا، وارتبط ببني تميم بالمصاهرة، ثم ارتبط بهم بعد ذلك برابطة الحلف والتناصر، وابنه مالك كنيته "أبو أنس"من كبار التابعين، وهذه أصح الروايات في نسبه. نشأ مالك في بيت علم، بمدينة علم، بدار الهجرة، موئل السنة ومرجع العلماء، وموطن الفتاوي المأثورة؛ فحفظ القرآن الكريم في صدر حياته، ثم اتجه إلى حفظ الحديث، وجالس العلماء ناشئا صغيرا، ولازم أحد هؤلاء العلماء في عصره، وهو "عبد الرحمن بن هرمز". يروي عنه أنه قال: كان لي أخ في سن ابن شهاب؛ فألقى أبي يوما علينا مسألة، فأصاب أخى وأخطأت؛ فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم،

стр. 395

فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين، لم أخلطه بغيره، وكنت أجعل في كمي تمرا، وأناوله صبيانه، وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ؛ فقولوا مشغول، وقال ابن هرمز يوما لجاريته: من بالباب؟ فلم تر إلا مالكا، فرجعت فقالت: ما ثم إلا ذاك الأشقر؛ فقال: ادعيه فذلك عالم الناس. وبهذا يتبين أن ابن هرمز أثر في مالك تأثيرا بليغا في هذه الفترة التي لم يخلطه بغيره، ثم وجد في نافع مولى ابن عمر بغيته؛ فجالسه وأخذ عنه علما كثيرا. وأخذ مالك عن ابن شهاب الزهري، بعد أن نال قسطا كبيرا من العلم، وصار ضابطا، حافظا أخذ منه الحديث كما أخذ الفقه عن ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، الذي كان يعترف لمالك بالفضل ويجلس معه في التلقي. وروي عن مالك أنه قال: قدم علينا الزهري فأيتناه ومعنا ربيعة؛ فحدثنا نيفا وأربعين حديثا، ثم أتيناه في الغد؛ فقال: انظروا كتابا حتى أحدثكم، أرأيتم ما حدثتكم به أمس؟ قال له ربيعة: ههنا من يرد عليك ما حدثت به أمس. قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر. قال: هات؛ فحدثته بأربعين حديثا. منها فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري. كما أخذ عن يحيى بن سعيد الأنصاري من بني النجار، قاضي المدينة الذي أخذ عن الفقهاء السبعة وكان حجة في الفقه. وحين اكتملت لمالك دراسة الحديث والأثر والفقه اتخذ له مجلسا في المسجد النبوي للدرس والإفتاء فقصد طلاب الفقه والفتوى، وكان موضع ثقتهم، وبالغ أصحاب المناقب؛ فذكروا أن مالكا كان آنذاك في سن السابعة عشرة، مع أن الروايات تدل على أنه لم يجلس للفتيا إلا بعد أن استشار عددا كبيرا من شيوخه، وقد سبق أن عرفنا أنه لازم ابن هرمز سبع سنين؛ مما يدل على أن جلوسه للإفتاء كان في سن النضج لا في سن السابعة عشرة، وإن كنا لا ندري في أي سن على وجه التحديد.

стр. 396

وكانت معيشته معيشة زهد وكفاف؛ فإن أخاه النضر، كان يتجر في البز، ولعله كان يشاركه في تجارته. وهكذا تكون حياة المنقطعين للعلم. وعرف مالك في درسه بالوقار والسكينة، والابتعاد عن لغو الكلام. وكان يقول: حق على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية. ويقول: من آداب العالم إلا يضحك إلا تبسما. ولذا قال الواقدي في مجلس درسه: كان مجلسه مجلس وقار وعلم، وكان رجلا مهيبا نبيلا، ليس في مجله شيء من المراء واللغط، ولا رفع الصوت، وإذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يقل له: من أين هذا؟ وكانت الوفود التي تفد إلى المدينة لزيارة المسجد تتزاحم عند بابه لتستفتيه؛ فكان يأذن لكل جماعة بعدجماعة لكثرتهم. واتفق العلماء على أن مالكا كان إماما في الحديث وأن روايته موثوق بها. وقال بعضهم: أصبح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ثم مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، ثم مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

стр. 397

محنته: يذكر المؤرخون أن مالكا نزلت به محنة ضرب فيها بالسياط، ومدى يده حتى انخلعت كتفاه سنة ١٤٦هـ وإن اختلفوا في سببها. وأرجح ما قيل في ذلك أنه كان يحدث بحديث "ليس على مستنكره طلاق"؛ وذلك في وقت خروج محمد بن عبد الله بن الحسن "النفس الزكية" بالمدينة١ وأن المنصور نهاه عن أن يحدث بهذا الحديث فأبى، واستغل الخارجون ذلك

стр. 398

الحديث، وكاد من كاد لمالك حتى ضربه جعفر بن سليمان والي المدينة، فسخط أهل المدينة على بني العباس وولاتهم، فطلبه أبو جعفر المنصور، واعتذر إليه بأنه لا علم له بذلك، وأكرم وفادته. وفضل مالك في العلم لا ينكر، قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الحديث الذين يقتدي بهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. ووازن بين الثوري والأوزاعي ومالك فقال: الثوري إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما. وله مساجلات مع العلماء أشهرها ما كان بينه وبين الليث بن سعد. وذكر بعض العلماء أن رسول الله ﷺ بشر به؛ وذلك في حديث الترمذي: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة". رواه الترمذي في العلم، وقال: حديث حسن. قال عبد الرزاق: كما رواه الترمذي: إنه مالك بن أنس، وقال ابن جريج كذلك: إنه مالك بن أنس، والحديث يشمل بعمومه مالك بن أنس وغيره ولم يؤثر عن مالك أنه رحل إلى طلب العلم كما كان يصنع العلماء، ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان يعتقد كما أعتقد غيره من العلماء أن العلم علم أهل المدينة.

стр. 399

رسالة مالك إلى الليث بن سعد: "من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد، سلام الله عليكم؛ فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافنا وإياكم من كل مكروه". واعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة، مخالفة لما عليه الناس عندنا! وببلدانا الذي نحن فيه، وأنت في أمانتك وفضلك، ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه:

стр. 400

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه﴾ ٢ فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها تنزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام؛ إذ رسول الله ﷺ بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، يأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله، واختار له ما عنده، صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته. ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده بما نزل إليهم، فما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم، وحداثة، وحداثة عهدهم وإن خالفهم مخالف، أو قال امرؤ: غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله وعمل بغيره. ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل، ويتبعون تلك السنة؛ فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به، لم أر لأحد خلافه، للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضي عليه من مضى منا لم يكونوا فيه من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من يجيزه لهم. فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك لنفسك، واعلم أني أرجو ألا يكون قد دعاني إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله وحده، والنظر لك والضن بك فأنزل كتابي منزلته؛ فإنك إن تعلمت تعلم أني لم آلك نصحا، وفقنا الله لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر، وعلى كل حال، والسلام عليك ورحمة الله". وقد ورد عليه الليث بن سعد في رسالة طويلة، أثنى عليه فيها، ثم بين له تفرق السحابة في الأمصار، وأنهم اختلفوا في الفتيا، كما اختلف التابعون ومن بعدهم، وذكر له كثيرا من الأمثلة الدالة على ذلك مما فيه مخالفة لأهل المدينة.

стр. 401

الموطأ: كان مالك أول من عرف بالتدوين والتأليف في الإسلام، لأن كتابه "الموطأ" أقدم مؤلف معروف وإن كان ينسب إليه غيره. قال القاضي عياض: وله تأليف غير الموطأ مروية عنه أكثرها بأسانيد صحيحة في غير فن من العلم؛ لكن لم يشتهر عنه غير الموطأ، وسائر تأليفه إنما رواها عنه من كتب بها إليه أو آحاد من أصحابه، ولم يروها الكافة، وأشهرها رسالته إلى ابن وهب في القدر والرد على القدرية، ثم ذكر منها ما نسب إليه في حساب النجوم، وما نسب إليه في تفسير غريب القرآن، ورسالته إلى هارون الرشيد في الآداب والمواعظ. والذي صحت نسبته لدى العلماء من غير تلك، هو "الموطأ" الذي ذاع وانتشر، وتناقلته الأجيال، وهو أول تدوين مأثور في الحديث والفقه، وإن كانت فكرة التدوين قد وجدت من قبل. قال مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن: "أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزك: أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة أو حديث أو نحو هذا فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء". ولكن أول تأليف جامع حفظته الأجيال هو الموطأ. ويذكر أهل السير أن جمع مالك للموطأ كان بناء على طلب أبي جعفر المنصور إذ قال له: اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا؛ فقال له مالك: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد فأفتى كل في عصره بما رأى، وإن لأهل هذا البلد -أي مكة- قولا، ولأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا، قد تعدوا فيه طورهم، فقال: أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفا ولا عدلا١؛ وإنما العلم أهل المدينة، فضع للناس العلم، فقال له مالك: إن

стр. 402

أهل العراق لا يرضون علمنا؛ فقال له أبو جعفر: يضرب عليه عامتهم بالسيف، ويقطع عليه ظهورهم بالسياط. ولعل أبا جعفر رغب في توحيد الأقضية بكل الأمصار، فطلب من مالك ذلك، في الوقت الذي توافرت فيه الدواعي عند مالك نفسه لتدوين العلم تحقيقا لقصد طلابه في جمع علم المدينة بصورة أكمل، فجاء طلب الخليفة متفقا مع تلك الدواعي. أخذ مالك وقتا طويلا في تدوين الموطأ، ولم يتم التدوين في الرواية المشهورة إلا في سنة ١٥٩هـ بعد أن توفي المنصور، وكان رأي المهدي كرأي أبيه، ثم كان رأي الرشيد كذلك، أن تنشر نسخ الموطأ في جميع الأمصار ليسير القضاء عليه في الأحكام. ولكن مالكا كان يمانع في ذلك لتفرق العلماء في الأمصار، ولدى كل واحد علم كما ذكرنا. والموطأ كتاب حديث وسنة وفقه، ومنهج مالك في تدوينه أن يذكر الأحاديث في الموضوع الفقهي الذي اجتهد فيه، ثم يذكر عمل أهل المدينة المجمع عليه، ثم يذكر رأي من التقى بهم من التابعين وأهل الفقه، ثم يذكر الرأي المشهور بالمدينة، فإن لم يكن شيء من ذلك بين يديه في المسألة، اجتهد رأيه على ضوء ما يعلم من الأحاديث والفتاوى والأقضية. والذي يتصفح الموطأ يجد هذا النهج واضحا فيه. وقد روى الموطأ عدد كبير، والمتداول الآن روايتان، إحداهما رواية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، والثانية رواية يحيى بن يحيى الليثي البربري الأندلسي المتوفى سنة ٢٣٤هـ وهو من تلاميذ مالك، رحل إليه من الأندلس، ثم عاد إليها ونشر مذهب مالك هناك. ورواية محمد بن الحسن طبعت في الهند، وهي أقل في أبوابها وأحاديثها من رواية يحيى. ورواية يحيى أكثر تداولا في مصر وبلاد المغرب.

стр. 403

المدونة: سئل مالك عن مسائل كثيرة فأجاب عنها ودونها تلاميذه، وهذا ما يعرف بالمدونة، وأول من كتب ذلك أسد بن الفرات، قاضي القيروان وفاتح صقلية المتوفى سنة ٢١٣هـ. سمع الموطأ على مالك، ولما أثكر عليه السؤال أوصاه بالرحيل إلى العراق؛ فارتحل إليها، ودون أسئلة أخذها عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وفقيه العراق، ثم سأل عنها عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك عند عودته في مروره بمصر فأجابه على رأي مالك، فكتب ذلك، وجاء بما كتب إلي القيروان؛ فكتبها عنه سحنون، وكانت تسمى "الأسدية" ثم جاء بها سحنون إلى ابن القاسم سنة ١٨٨هـ فعرضها عليه، وأصلح فيها مسائل، ورجع بها إلى القيروان، وقد رتب سحنون أكثر مسائل المدونة، واحتج في بعض المواضع بالآثار من روايته من موطأ ابن وهب وغيره، وبقيت منها بقية لم يتم فيها سحنون هذا العمل، وتعتبر المدونة أساس الفقه عند أتباع مالك وتبلغ مسائلها ستا وثلاثين ألف مسألة، وقد طبعت في مصر سنة ١٣٢٣هـ بمطبعة السعادة في ستة عشر جزءا في ثماني مجلدات، وذلك تحت اسم "المدونة الكبرى" رواية سحنون، وهو: أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون، ولي قضاء القيروان، وانتهت إليه رئاسة العلم بالمغرب، وصنف كتاب "المدونة" ولد سنة ١٦٠هـ، وتوفي سنة ٢٤٠هـ.

стр. 404

أصول مذهبه: عمد تلاميذ مالك إلى كتابة "الموطأ" واستخرجوا منه ما يصح أن يكون أصولا لاستنباطك الفروع ويمكن إيجازها فيما يأتي: ١- القرآن الكريم: كان مالك يرى أن القرآن قد اشتمل على كليات الشريعة، وأنه عمدة الدين، وآية الرسالة، ولم تكن نظرته إليه كنظرة الجدليين؛ فلم يخض فيما خاض فيه المتكلمون من أنه لفظ ومعنى، أو معنى فقط، وهو عنده اللفظ والمعنى، كما

стр. 405

هو إجماع من يعتد بهم من المسلمين، وروي أنه كان يقول: إن من يقول بأن القرآن مخلوق فهو زنديق يجب قتله، ولذا لم يعتبر الترجمة قرآنا يتلي تجوز به الصلاة؛ بل هي تفسير أو وجه من وجوه المعنى المعقول، وهو يأخذ بنص القرآن، وظاهره ومفهومه، ويعتبر العلة التي يأتي التنبيه عليها. ٢- السنة: ومالك من أئمة الحديث، كما أنه إمام في الفقه، ورجال الحديث يشهدون له بذلك، وهو يعتبرون سنده في بعض أحاديثه أصح الأسانيد، ويسميها المحدثون بالسلسلة الذهبية. ومع أن مالكا يشدد في قبول الرواية؛ إلا أنه كان يقبل المرسل من الأحاديث، ما دام رجاله ثقات، وفي موطئه كثير من المرسلات، ومن منقطع الإسناد ومن البلاغات التي يقول فيها مالك: بلغني أن رسول الله ﷺ قال كذا، وهذا يدل على أنه لم يلتزم الإسناد المتصل في أحاديثه كلها، وكان يكفيه أن يطمئن إلى صحة الحديث. وقد اختلفوا في تقديم القياس على خبر الواحد، والمشهور في ذلك أنه كان يقدم خبر الواحد على القياس. ٣- عمل أهل المدينة: ذهب مالك إلى أن المدينة هي دار الهجرة، وبها تنزل القرآن، وأقام رسول الله ﷺ ، وأقام صحابته، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل، وبما كان من بيان رسول الله ﷺ للوحين وهذه ميزات ليست لغيرهم، وعلى هذا فالحق لا يخرج عما يذهبون إليه؛ فيكون عملهم حجة، يقدم على القياس، وعلى خبر الواحد، وفي كتاب الإمام مالك إلى الليث بن سعد: "إن الناس تبع لأهل المدينة، التي إليها كانت الهجرة، وبها تنزل القرآن". ٤- قول الصحابي: ويرى مالك في مذهبه أنه إذا لم يرد حديث صحيح في المسألة عن النبي

стр. 406

صلى الله عليه وسلم، فإن قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف، يكون حجة، وقد ضمن الموطأ العديد من أقوال الصحابة والتابعين، فالصحابة أعلم بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، لأنهم حضروا التنزيل، وسمعوا كلام رسول الله ﷺ ؛ فقولهم أولى بالآخذ يخص به العام ويترك لأجله القياس. ولكن مالكًا يقدم عمل أهل المدينة على قول الصحابي؛ فقد روى في الموطأن أن عمر بن الخطاب "قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد فسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء؛ فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا". فعمر يجيز للإمام إذا شاء أن ينزل من على المنبر إذا قرأ السجدة ليسجد، ويعلق مالك عليه بقوله: "ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد"، وحين تتعدد أقوال الصحابة في المسألة الواحدة فإن مالكا يختار منها ما يتفق مع عمل أهل المدينة يروى أن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطى صلاة الظهر" وإن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى: صلاة الصبح: ثم يقول مالك: "وقول علي وابن عباس أحب ما سمعت إلى في ذلك" ... كما رى عن عدد من الصحابة أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. ٥- المصالح المرسلة: والعمل بالمصالح المرسلة أساس من الأسس التي اعتمد عليها مالك في مذهبه، وهي: جلب منفعة، أو دفع مضرة لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين؛ لأن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، ضرورية كانت أم خارجية، أم تحسينية، والضرورية، هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا في الضروريات الخمس الثابتة في الملل جميعا وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل. والحاجية: هي التي تؤدي إلى رفع الضيق، والحرج، والمشقة، والتحسينية هي المتعلقة بمكارم الأخلاق، وكون هذه المعاني مقصودة عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة، مما يدل على مقاصد الشرع؛ ولذا ذهب مالك إلى أن هذه المصلحة تكون حجة.

стр. 407

واعتبر بعض الباحثين القول بالمصلحة من خصوصيات مذهب مالك، وذكر الشاطبي في الاعتصام" أن مالكا يذهب إلى اعتبارها ويكثر من بناء الأحكام عليها. ومن أمثلة عمل مالك بالمصالح المرسلة، ما قاله في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه، حيث قال: إنه يتصدق به على المساكين قل أو كثرة، ويقول الشاطبي، إنه يماثل إراقة عمر للبن المغشوش بالماء، ووجه ذلك التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نص يشهد له؛ لكن من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة. ومن ذلك إجازة بيعة المفضول مع وجود الأفضل إذا خيف اضطراب أمور الناس، وعدم إقامة مصالحهم إذا لم يبايعس المفضول عندئذ. ٦- القياس: حيث لا يوجد نص من كتاب أو سنة، أو قول صحابي، أو إجماع من أهل المدينة؛ فإن مالكا كان يجتهد، ويستعمل القياس في اجتهاده، فقد جاء في "الموطأ": سئل مالك عن الحائض تطهر فلا تجد ماء هل تتيمم؟ قال: نعم، لتتيمم، فإن مثلها مثل الجنب إذا لم يجد ماء تيمم". فمالك هنا يقيس الحائض حين تطهر على الجنب في التيمم عند فقد الماء الذي ثبت بالنص القرآني في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ١، ولهذه المسألة نظائر في القياس عند مالك. ٧- سد الذرائع: الذرائع، جمع ذريعة وعرفها القرافي في "الفروق" بأنها: هي الوسيلة إلى الشيء، وعرفها الشاطبي في "الموافقات" بأنها: التذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، وعامة ما ورد في معناها يؤول إلى: ما كان ظاهره الإباحة، ويتوصل به إلى فعل محظور، والمراد بسد الذريعة، الحيلولة دونها، والمنع فيها، لأن ما يؤدي إلى المفسدة -وإن كان مباحا- يكون مفسدة، فيجب الامتناع عنه، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 408

وقد أكثر مالك إكثارا شديدا من العمل بسد الذرائع حتى اعتبر بعض العلماء العمل بها من خصوصيات مذهبه، يقول الشاطبي في "الاعتصام": وكان مالك ﵀ شديد المبالغة في سد الذرائع. ومن أمثلة عمل مالك بسد الذرائع أنه أفتى لمن رأى هلال شوال وحده ألا يفطر لئلا يكون ذريعة إلى إفطار الفساق محتجين بما احتج به. ولما هم أبو جعفر المنصور بأن يبني البيت وفق ما رواه ابن الزبير على قواعد إبراهيم شاور مالكا في ذلك، فقال له مالك: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره؛ فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه لما ذكر من أنها تصير سنة متبعة. وثبت فيما رواه مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر" ولكن الإمام مالكا كره صيامها متصلة برمضان متوالية مخافة اعتقاد وجوبها، فليحق الناس برمضان ما ليس من رمضان. وهناك مسائل كثيرة في تطبيقات مالك وأصحابه لسد الذرائع، يدركها من يتصفح الموطأ والمدونة الكبرى.

стр. 409

نمو مذهب مالك وانتشاره: كان تلاميذ مالك من الكثرة بمكان؛ حيث كانت المدينة مقصدا للزائرين، يلتقي فيها طلاب العلم من كافة الأقطار الإسلامية، وقد ذكر ابن عبد البر عددا من تلاميذه، منهم: عبد الله بن وهب، الذي لازم مالكا عشرين سنة، ونشر فقهه في مصر. عبد الرحمن بن القاسم، وهو من أصحاب مالك الذين كان لهم أثر بالغ في تدوين مذهبه.

стр. 410

أشهب بن عبد العزيز، القيسي العامري، الذي صحب مالكا وتفقه عليه، وكان نظيرا لابن القاسم، وله مدونة روى فيها فقه مالك، تسمى "مدونة أشهب" وهي غير مدونة سحنون. أسد بن الفرات بن سنان، الذي نشأ بتونس، ثم وصل إلى المشرق، فسمع من مالك موطأه وغيره. عبد الملك بن الماجشون، قربه مالك، وقيل: إنه كتب موطأ قبل مالك.

стр. 411

وممن نشر المذهب عن هؤلاء: سحنون الذي راسل مالكا، وسمع من ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وابن الماجشون، تزود من العلم بمصر، ثم عاد إلى المغرب، وصنف المدونة المشهورة في فقه مالك، وتلى الموطأ في كتب المذهب المعتمدة، وهي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحاة، كما يقول فيها ابن رشد. وعبد الملك بن حبيب وهو من الأندلس، تعلم بها، ثم رحل في طلب العلم، وأخذ عن كثير من أصحاب مالك، وعاد بعد ذلك إلى الأندلس فقيها محدثا. وعبد الله بن عبد الحكم، ولد بمصر، وسمع من مالك الموطأ، وروي عن أكثر تلاميذه، ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب. وذكر القاضي عياض في كتاب "المدارك": البلاد التي انتشر فيها المذهب المالكي فقال: "غلب مذهب مالك على: الحجاز، والبصرة، ومصر، وما والاها من بلاد إفريقية، والأندلس، وصقلية، والمغرب الأقصى، إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورا كثيرا، وضعف بها بعد أربعمائة سنة، وظهر بنيسابور، وكان بها وبغيرها أئمة ومدرسون".

стр. 412

الإمام الشافعي حياته ... الإمام الشافعي: يمثل فقه الشافعي نمو الفقه الإسلامي، الذي يجمع بين فقه أهل الرأي وفقه أهل الحديث؛ فإليه يرجع الفضل في وضع موازين القياس، وإليه يرجع الفصل في محاولة ضبط طرق فهم الكتاب والسنة بما وضعه من مباديء الاستنباط بأصول الفقه، وقواعد التخريج. ذلك أن الإمام الشافعي تخرج على مالك إمام دار الهجرة، وشيخ مدرسة أهل الحجاز في عصره، واتصل كذلك بمحمد بن الحسن، ودرس فقه أهل العراق؛ فجمع بهذا بين المنهجين الواضحين في الفقه الإسلامي. حياته "١٥٠- ٢٠٤هـ": يرى أكثر الرواة أن الشافعي ولد بغزة سنة ١٥٠هـ، أي في السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة، من أب قرشي مطلبي؛ فهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان، بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، فهو يلتقي مع النبي ﷺ في عبد مناف. والمطلب الذي ينتهي إليه الشافعي هو أحد أولاد عبد مناف الأربعة، المطلب، وهاشم، وعبد شمس، ونوفل، ولم يفارق بنو المطلب بني هاشم في الجاهلية ولا في الإسلام. ولقد نشأ الشافعي يتيما، فقيرا، فظهرت ألمعيته في وقت مبكر، وحفظ القرآن الكريم، واتجه إلى استحفاظ أحاديث رسول الله ﷺ بالاستماع، والكتابة، والتدوين، والحفظ منذ نعومة أظافره. وحرص على فصاحته في العربية، فأقام بالبادية، ولازم هذيلا.

стр. 413

ونقل الفخر الرازي وغيره في مناقب الشافعي قول: "إنني خرجت من مكة فلازمت هذيلا بالبادية، أتعلم كلامها، وآخذ طبيعتها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة، جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار" حتى قال الأصمعي فيه: "صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس". وتعلم أثناء إقامته في البادية الرماية، وأثر عنه أنه كان يجيدها، وبهذا يكون قد استكمل تربيته، في الذين، واللغة، وأعمال الفروسية.

стр. 414

طلبه العلم وولايته: وبدأ يطلب العلم على الفقهاء والمحدثين في مكة، ثم تطلعت نفسه إلى الإمام مالك الذي بلغ شأوا بعيدا في الفقه والحديث، بعد أن قرأ له الموطأ، وتفقه عليه، ولازمه إلى أن مات سنة ١٧٩هـ، ولم تمنعه ملازمته لمالك من السفر والقيام برحلات علمية في البلاد الإسلامية وزيارته لأمه بمكة. وصادف حين مات مالك ﵁ أن قدم إلى الحجاز والي اليمن، وأشار عليه بعض القرشيين أن يصحبه الشافعي، فأخذه معه؛ فعمل له بنجران، وفي هذا العمل ظهرت مواهب الشافعي، واتضح ذكاؤه، فأقام العدل ونشر لواءه، ولم يجد أهل نجران إلى نفسه سبيلا إلى المصانعة، والتملق. ولما اشتد بأس الشافعي في ولايته بنجران، كاد له والي اليمن، واتهم الشافعي لدى الرشيد العباسي بأنه مع العلوية، في بضعة نفر، أحضرهم الرشيد، ومعهم الشافعي. ويذكر الرواة أن الرشيد قتلهم ولم ينج منهم سواه لقوة حجته، ودفاع محمد بن الحسن عنه. وكانت هذه المحنة سنة ١٨٤هـ والشافعي آنذاك في الرابعة والثلاثين من عمره وحولته من الولاية إلى دراسة العلم وخدمته.

стр. 415

نزل الإمام الشافعي بغداد عند محمد بن الحسن، فأخذ فقه العراقيين عنه، وقرأ كتبه فاجتمع له بذلك فقه الحجاز وفقه العراق، أي الفقه الذي يغلب عليه النقل، والفقه الذي يغلب عليه العقل. وقد قال ابن حجر في ذلك "انتهت رياسة النقل والفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن". ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه؛ فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار. ومع أن الشافعي أقام في بغداد ولازمه محمد بن الحسن، ونقل عنه حتى قال: "حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير ليس عليه إلا سماعي منه" إلا أنه كان يعتبر نفسه من صحابة مالك، ومن فقهاء مذهبه، وحملة موطئه، يدافع عن فقه الحجازتين وطريقتهم، ويناظر أصحاب ابن الحسن في ذلك؛ بل إنه ناظر محمدا نفسه في مسألة الشاهد واليمين. عاد الشافعي من العراق إلى مكة فأخذ يلقي دروسه في الحرم المكي، ويلتقي بكبار العلماء في موسم الحج، كما التقي به أحمد بن حنبل، وظل في إلقاء دروسه بمكة مدة طويلة، ذكر الرواة أنها بلغت تسع سنين، ظهرت فيها شخصيته في نضجه الفكري، ومنهجه العلمي، ومذهبه الفقهي، ورأى من خلال تشعب الآراء واختلاف الأفكار ضرورة وضع مقاييس ثابتة، ومعايير صحيحة، يعرف بها الحق من الباطل؛ فأكب على الكتاب الكريم، يدرسه ويتعرف على دلالته وأحكامه، وعلى السنة النبوية يعرف صحيحها من سقيمها، وطرق الاستدلال بها، ومقامها من القرآن، وكيف تكون ضوابط الاجتهاد لاستخراج الأحكام إذا لم يكن كتاب ولا سنة. وعندما انتهى إلى وضع أصول للاستنباط ينبغي أن يعرفها الفقهاء. سافر إلى بغداد للمرة الثانية سنة ١٩٥هـ يحمل إليها قواعده وأصوله وضوابطه، فانهال عليه

стр. 416

العلماء، والمتفقهون، وأهل الرأي جميعا، وذكروا أنه في هذه المقدمة ألف كتاب "الرسالة" الذي وضع به أساس علم الفقه. قال الرازي: "واعلم أن الشافعي ﵁ قد صنف كتاب الرسالة وهو ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير". وتذكر بعض الروايات أن عبد الرحمن بن مهدي التمس أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن والسنة والإجماع والقياس؛ فوضع الشافعي كتاب "الرسالة"، وعلى هذا فإنه يحتمل أن يكون ألفها وهو بمكة وأرسلها إلى ابن مهدي في العراق. ولم يطب المقام للشافعي ببغداد -لغلبة العنصر الفارسي- في عهد المأمون، وما كان من تقريبه المعتزلة، وميله إلى مناهج بحثهم. ودعاه آنذاك إلى مصر القرشي الهاشمي "العباس بن عبد الله" ابن العباس بن موسى بن عبد الله بن عباس، فاستجاب لدعوته ورحل إلى مصر، فنشر بها علمه وآراءه وفقهه حتى مات في آخر رجب سنة ٢٠٤هـ وقد بلغ من العمر أربعة وخمسين عاما. ومما تجدر الإشارة إليه أن الشافعي كان يجل مالكا، وما كان يعبر عنه إلا بالأستاذ، ولكنه حين رأي غلو أصحابه فيه، وتعصبهم لبعض آرائه، ألف كتبا سماه "خلف مالك" تردد في إعلانه وفاء لأستاذه، ثم استخار الله فنشره إحقاقا للحق.

стр. 417

" علم الشافعي ومصادره ": تؤكد الروايات التي رويت عن شيوخ الشافعي وقرنائه وتلاميذه أنه كان علما بين العماء لا يجاري في علمه. يقول فيه أحمد بن حنبل: "يروي عن النبي ﷺ أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها فكان عمر

стр. 418

ابن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى". ويقول داود بن على الظاهري: "للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف تسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وحفظ الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف". ويقول محمد بن عبد الحكم أحد تلاميذه بمصر: "لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس ﵀؛ فكان صاحب سنة وأثر وفضل وخير، مع لسان فصيح بليغ، وعقل صحيح رصين". ونتاج الشافعي، وما تركه من آثار يشهد له بذلك؛ فقد أوتى علم العربية، وعلم الكتاب، وفقه الحديث، وضبط قواعد السنة. وبرز في فقه الرأي والقياس، وكان يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. قال الربيع بن سليمان: "وكان الشافعي ﵀، يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا، وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار". وقد أرجع الشيخ أبو زهرة هذا النبوغ إلى عناصر: أولها - مواهبه: آتى الله الشافعي حظا من المواهب يجعله في الذروة الأولى من قادة الفكر، وزعماء الآراء، كان قوي المدارك، حاضر البديهة، عميق الفكر، بعيد الفهم، يعتمد على الضوابط العامة، والقواعد الكلية في معرفة الجزئيات والفروع، وكان

стр. 419

قوي البيان، واضح التعبير، نافذ البصيرة قوى الفراسة، صافي النفس، طاهر القلب، مخلصا في الله. ثانيها- شيوخه: أخذ الشافعي الفقه والحديث عن شيوخ عصره على اختلاف مناهجهم، من شيوخ مكة والمدينة واليمن والعراق، فتلقى فقه مالك عليه، وتلقى فقه الأوزاعي عن صاحبه عمر بن أبي سلمة، وتلقى فقه الليث بن سعد فقه مصر عن صاحبه يحيى بن حسان، ثم تلقى فقه أبي حنيفة وأصحابه على محمد بن الحسن، فاجتمع الكلية التي قدمها للناس في بيان رائع وقول محكم. ثالثها- دراساته الخاصة وتجاربه: فقد رحل الشافعي في طلب الحديث والفقه، رحل إلى مالك ولازمه، ثم رحل إلى اليمن عاملا في بعض أعمال ولايتها "نجران" ثم رحل إلى العراق ومصر، ومن شأن هذه الرحلات أن تكسبه خبرات في إدراك معاملات الناس وعاداتهم وأعرافهم، وأن تفتق ذهنه وتنمي مداركه وأن تقف به على المناهج الفقهية المختلفة ليدرسها دراسة الناقد الفاحص، دون أن يتقيد بمذهب أو نحلة أو طائفة، وهكذا كان الشافعي. رابعها- عصر الشافعي: ولد الشافعي وعاش في عصر استقرار الدولة العباسية، وتمكين سلطانها، وازدهار الحياة الإسلامية فيها، حيث كانت المدن الإسلامية تموج بنشاط العلماء، واقتباسهم من الفلسفة اليونانية، وآداب الفرس، وعلم الهند، في حركة الترجمة التي تولاها الخلفاء العباسيون بالتنمية والتشجيع، وكان لها أثرها في الفكر الإسلامي. ونشأ في غضون ذلك الزنادقة الذين كادوا للإسلام، ودبروا الأمر لإفساد الجماعة الإسلامية، مما حمل فريقا من العلماء على رد أباطيلهم والذود عن حمى

стр. 420

الإسلام. عن طريق ما اقتبسوه من الفلسفة مما لم يكن مألوفا في الاستدلال عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهؤلاء هم المعتزلة الذين تورطوا بعد ذلك في إثارة مسائل فلسفية، خالفوا فيها طريقة السلف الصالح في الاستدلال للعقائد، وطريقة المحدثين والفقهاء، الذين يأخذون العقيدة من الكتاب والسنة، ولا يستعملون فيها الأقسية العقلية. وكره الشافعي تعاليم المعتزلة وأساليهم، واستنكر الاشتغال بطريقتهم، ولكنه استفاد قوة في طرائق الجدل الفقهي لإثبات الحجة، وإلزام الخصم. وقد دون جانب كبير من الفقه في عصر الشافعي، وكثرت المناظرات الفقهية بين العلماء في مسائل الخلاف، فأثر هذا عليه، وانتفع به في وضع أصول الفقه، وخرج من ذلك بالمبادئ الأصولية التي توارثتها الأجيال من بعده، كما خرج بالثروة العلمية العظيمة التي قدمها للناس في فقهه.

стр. 421

آراؤه وفقهه: تعرض الشيخ أبو زهرة إلى بيان آراء الشافعي في الفقه وأصوله، وما يتصل بذلك من العلوم الآخرى.

стр. 422

رأيه في علمي الكلام والإمامة ... رأيه في علمي الكلام والإمام: كان من الطبيعي أن يكره الشافعي الفقيه المحدث طريقة علم الكلام، الذي أقام دعائمه المعتزلة على طريقة تخالف طريقة السلف الصالح في فهم العقائد من الدين الكريم، وهو الذي يؤثر الاتباع على الابتداع؛ لا سيما وأن المعتزلة أثاروا مسائل فلسفية شائكة. لذا أثر عن الشافعي النهي عن الاشتغال بعلم الكلام؛ فقد كان يقول: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل منكسين، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام".

стр. 423

ولا يعني هذا أن الشافعي لم يطرق أبواب علم الكلام؛ فإنه تكلم في التوحيد على مذهب السلف، فكان يقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأن الله يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١. وكان يعتقد رؤية الله يوم القيامة، ويستدل عليها من القرآن بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢، ويقول: لما حجب عن الكفار في السخط دل على أنه لا يحجب عن الأولياء في الرضا، وكان يقول: "الإيمان تصديق وعمل، فهو يزيد وينقص بزيادة العمل ونقصه". ويعتقد الشافعي أن الإمامة لا بد منها، ويعمل تحت ظلها المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويقاتل بها العدو، وتؤمن بها السبل، ويؤخذ بها للضعيف من القوى، حتى يستريح بر، ويسرتاح من فاجر". كما قال علي بن أبي طالب ﵁. ويرى أن الإمامة في قريش، وأن مدارها على اجتماع الناس على الإمام؛ سواء أكان الاجتماع سابقا على إقامتة خليفة، كما في حال الانتخاب والبيعة، أم لاحقا لتصيبه خليفة كحال المتغلب. وكان يرتب الراشدين من السابقين على أزمانهم فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. ومع هذا كان يحب آل النبي ﷺ ، ولا يبالي أن يرمي بأنه رافضي إذا اتهم بانضمامه للعلويين الذين خرجوا على أمر الرشيد.

стр. 424

فقه الشافعي: كان الشافعي يعد من أصحاب مالك، يدافع عن آرائه، ويناهض أهل الرأي دفاعا عن فقه أهل المدينة، إلى أن أقام ببغداد في رحلته الأولى إليها سنة ١٨٤هـ بعد وفاة أبي يوسف بسنتين، ودرس على محمد بن الحسن كتبه، وجادل أهل الرأي وناظرهم، فخرج من ذلك بمزيج من فقه أهل العراق وأهل المدينة، واتجه اتجاها فقهيا جديدا متميزا، في ثلاثة أدوار من حياته: ١- أقام بمكة بعد مغادرته بغداد في رحلته الأولى إليها، وهي أخصب مدة في حياته العلمية، واتخذ له حلقة في المسجد الحرام، واتجه تفكيره إلى البحث في الكليات، يدارس تلاميذه طرائق الاستنباط ووسائله، ويوازن بين المصادر الفقهية ويتعرض للفروع بمقدار ما يوضح نظرياته. ومن الراجح أن الرسالة التي كتبها إلى عبد الرحمن بن مهدي كانت ثمرة هذا الدور؛ حيث كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع فيه فنون الأخبار، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. ٢- وقدم الشافعي بغداد سنة ١٩٥هـ ونشر أصوله في حلقات درسه. وتذكر بعض الروايات أنه قدم بغداد مرة ثالثة سنة ١٩٨هـ. قال أبو ثور: لما قدم علينا الشافعي، دخلنا عليه، فكان يقول: إن الله تعالى قد يذكر العام ويريد به الخاص، ويذكر الخاص ويريد به العام، وكنا لا نعرف هذه الأشياء؛ فسألنا عنها فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُم﴾ ١ والمراد أبو سفيان، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٢ فهذا خاص، والمراد عام، وهذا كلام في الأصول ما كانوا يعلمون به قبل الشافعي. وأخذ الشافعي في هذه المرحلة يستعرض آراء الفقهاء، ويرجح على مقتضى هذه الأصول، ويختار من بينها ما هو أقرب لها، ويخرج عنها جميعا برأي جديد إن لم يجد واحدا منها ينطبق على أصوله.

стр. 425

٣- وانتقل الشافعي إلى مصر سنة ١٩٩هـ. وقد تكامل نموه، ونضجت آراؤه، ورأي في مصر ما لم يكن قد رآه من قبل؛ فأخذ يدرس آراءه السابقة على ضوء تجاربه اللاحقة في البلد الذي نزل فيه، فأعاد كتابة رسالته في الأصول، وعدل فيها، كما عدل في آرائه في الفروع، وكان له بذلك: قديم قد رجع عنه، وجديد قد اهتدى إليه. وفي كل دور من هذه الأدوار الثلاثة التي بيناها كان للشافعي تلاميذ تلقوا عنه ونقلوا فقهه؛ فمن أصحابه بمكة أبو بكر الحميدي، وأبو بكر محمد بن إدريس، وأبو الوليد موسى بن أبي الجارود، ومن أصحابه ببغداد أبو علي الحسن الصباح الزعفراني، وأبو علي الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو ثور الكلبي، كما أخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وإن لم يعرفا بالتبعية له في مذهبه. ومن أصحابه بمصر: حرملة بن يحيى بن حرملة، وأبو يعقوب بن يحيى البويطي، وأبو إبراهيم اسماعيل بن يحيى المزني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان بن داوود الجيزي "أبو محمد". وعلى يد هؤلاء رويت كتب الشافعي.
следующие страницы →