آراؤه وفقهه:
تعرض الشيخ أبو زهرة إلى بيان آراء الشافعي في الفقه وأصوله، وما يتصل بذلك من العلوم الآخرى.
стр. 422
رأيه في علمي الكلام والإمامة
...
رأيه في علمي الكلام والإمام:
كان من الطبيعي أن يكره الشافعي الفقيه المحدث طريقة علم الكلام، الذي أقام دعائمه المعتزلة على طريقة تخالف طريقة السلف الصالح في فهم العقائد من الدين الكريم، وهو الذي يؤثر الاتباع على الابتداع؛ لا سيما وأن المعتزلة أثاروا مسائل فلسفية شائكة.
لذا أثر عن الشافعي النهي عن الاشتغال بعلم الكلام؛ فقد كان يقول: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل منكسين، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام".
стр. 423
ولا يعني هذا أن الشافعي لم يطرق أبواب علم الكلام؛ فإنه تكلم في التوحيد على مذهب السلف، فكان يقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأن الله يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١.
وكان يعتقد رؤية الله يوم القيامة، ويستدل عليها من القرآن بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢، ويقول: لما حجب عن الكفار في السخط دل على أنه لا يحجب عن الأولياء في الرضا، وكان يقول: "الإيمان تصديق وعمل، فهو يزيد وينقص بزيادة العمل ونقصه".
ويعتقد الشافعي أن الإمامة لا بد منها، ويعمل تحت ظلها المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويقاتل بها العدو، وتؤمن بها السبل، ويؤخذ بها للضعيف من القوى، حتى يستريح بر، ويسرتاح من فاجر". كما قال علي بن أبي طالب ﵁.
ويرى أن الإمامة في قريش، وأن مدارها على اجتماع الناس على الإمام؛ سواء أكان الاجتماع سابقا على إقامتة خليفة، كما في حال الانتخاب والبيعة، أم لاحقا لتصيبه خليفة كحال المتغلب.
وكان يرتب الراشدين من السابقين على أزمانهم فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
ومع هذا كان يحب آل النبي ﷺ ، ولا يبالي أن يرمي بأنه رافضي إذا اتهم بانضمامه للعلويين الذين خرجوا على أمر الرشيد.
стр. 424
فقه الشافعي:
كان الشافعي يعد من أصحاب مالك، يدافع عن آرائه، ويناهض أهل الرأي
دفاعا عن فقه أهل المدينة، إلى أن أقام ببغداد في رحلته الأولى إليها سنة ١٨٤هـ بعد وفاة أبي يوسف بسنتين، ودرس على محمد بن الحسن كتبه، وجادل أهل الرأي وناظرهم، فخرج من ذلك بمزيج من فقه أهل العراق وأهل المدينة، واتجه اتجاها فقهيا جديدا متميزا، في ثلاثة أدوار من حياته:
١- أقام بمكة بعد مغادرته بغداد في رحلته الأولى إليها، وهي أخصب مدة في حياته العلمية، واتخذ له حلقة في المسجد الحرام، واتجه تفكيره إلى البحث في الكليات، يدارس تلاميذه طرائق الاستنباط ووسائله، ويوازن بين المصادر الفقهية ويتعرض للفروع بمقدار ما يوضح نظرياته.
ومن الراجح أن الرسالة التي كتبها إلى عبد الرحمن بن مهدي كانت ثمرة هذا الدور؛ حيث كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع فيه فنون الأخبار، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة.
٢- وقدم الشافعي بغداد سنة ١٩٥هـ ونشر أصوله في حلقات درسه. وتذكر بعض الروايات أنه قدم بغداد مرة ثالثة سنة ١٩٨هـ.
قال أبو ثور: لما قدم علينا الشافعي، دخلنا عليه، فكان يقول: إن الله تعالى قد يذكر العام ويريد به الخاص، ويذكر الخاص ويريد به العام، وكنا لا نعرف هذه الأشياء؛ فسألنا عنها فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُم﴾ ١ والمراد أبو سفيان، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٢ فهذا خاص، والمراد عام، وهذا كلام في الأصول ما كانوا يعلمون به قبل الشافعي.
وأخذ الشافعي في هذه المرحلة يستعرض آراء الفقهاء، ويرجح على مقتضى هذه الأصول، ويختار من بينها ما هو أقرب لها، ويخرج عنها جميعا برأي جديد إن لم يجد واحدا منها ينطبق على أصوله.
стр. 425
٣- وانتقل الشافعي إلى مصر سنة ١٩٩هـ. وقد تكامل نموه، ونضجت آراؤه، ورأي في مصر ما لم يكن قد رآه من قبل؛ فأخذ يدرس آراءه السابقة على ضوء تجاربه اللاحقة في البلد الذي نزل فيه، فأعاد كتابة رسالته في الأصول، وعدل فيها، كما عدل في آرائه في الفروع، وكان له بذلك: قديم قد رجع عنه، وجديد قد اهتدى إليه.
وفي كل دور من هذه الأدوار الثلاثة التي بيناها كان للشافعي تلاميذ تلقوا عنه ونقلوا فقهه؛ فمن أصحابه بمكة أبو بكر الحميدي، وأبو بكر محمد بن إدريس، وأبو الوليد موسى بن أبي الجارود، ومن أصحابه ببغداد أبو علي الحسن الصباح الزعفراني، وأبو علي الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو ثور الكلبي، كما أخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وإن لم يعرفا بالتبعية له في مذهبه.
ومن أصحابه بمصر: حرملة بن يحيى بن حرملة، وأبو يعقوب بن يحيى البويطي، وأبو إبراهيم اسماعيل بن يحيى المزني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان بن داوود الجيزي "أبو محمد".
وعلى يد هؤلاء رويت كتب الشافعي.
стр. 426
" كتاب "الأم ":
ومن أهم الكتب التي كتبها الشافعي أو أملاها كتاب "الأم" قال فيه الشيخ أبو زهرة: وقد أجمع العلماء على صدق ما جاء في "الأم" من آراء منسوبة للشافعي؛ فهذه الحجة الأولى في مذهبه. والنقل الأول الصحيح لآرائه في الجديد.
وكتاب "الأم" يقع في ثمانية أجزاء، وقد نشرته مكتبة الكليات الأزهرية في أربع مجلدات، وأشرف على طبعه محمد زهري النجار من علماء الأزهر.
стр. 427
ألف الشافعي كتاب "الأم" بعد أن استقر به المقام في مصر بالقاهرة، وهو مرتب حسب أبواب الفقه؛ فقد بدأ بعد البسملة بعنوان "الطهارة" وجاء في مطلعه "أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي ﵀ قال: قال الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ١ الآية، قال الشافعي: فكان بينا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما كان بالماء، ثم أبان في هذه الآية أن الغسل بالماء٢. وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن الماء ما خلق الله ﵎ مما لا صنعة فيه للآدميين.
وذكر الماء عاما؛ فكان ماء السماء، وماء الأنهار، والآبار، والقلات٣، والبحار، العذب من جميعه والأجاج سواء من أنه يطهر من توضأ، واغتسل منه، وظاهر القرآن يدل على أن كل ما طاهر، ماء بحر وغيره، وقد روى فيه، عن النبي ﷺ حديث يوافق ظاهر القرآن في إسناده من لا أعرفه٤. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة -رجل من آل ابن الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة، وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء؛ فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي ﷺ : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
ويتضح من هذا النص أن الشافعي يورد كلامه مستندا إلى الدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ مع بيان فقهه في الدليل، وبيان درجة الحديث؛ فهو فقيه أصولي محدث.
стр. 428
على هذا النمط كان تأليف كتاب "الأم" ومطلع هذا النص يدل على أن الربيع بن سليمان هو الذي روى الأم" عن الشافعي.
ويتكرر مثل هذا في عامة النصوص المروية؛ حيث جمع الربيع بعض كتب الشافعي، وسماه بهذا الاسم، بعد أن سمع منه هذه الكنية، وما فاته سماعه نبيه، وما وجده بخط الشافعي ولم يسمعه بينه أيضا، وقد اختصر كتاب "الأم" إسماعيل بن يحيى المزني وطبع المختصر ملحقا بكتاب "الأم" في الطبعة الأنفة الذكر.
стр. 429
كتاب "الرسالة ":
وكتاب "الرسالة" الذي أحرز فيه الشافعي قصب السبق في وضع علم أصول الفقه هو الكتاب الثاني للشافعي الذي يتضمن قواعد مذهبه؛ حتى قال فخر الدين الرازي فيه: "اعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض".
وقال صاحب كشف الظنون، وأول من صنف فيه - أي في علم أصول الفقه الإمام الشافعي، ذكره الإسنوي في التمهيد، وحكى الإجماع فيه.
وقال فيها عبد الرحمن بن مهدي: "لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلام رجل عاقل، فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له".
وقد حقق "الرسالة" أحمد محمد شاكر عن أصل بخط الربيع بن سليمان كتبه في حياة الشافعي، ولم يدخله في كتاب "الأم".
ويروى الشيخ أحمد شاكر أن: كتاب "الرسالة" ألفه الشافعي مرتين، ولذلك يعده العلماء في فهرسه مؤلفاته كتابين: الرسالة القديمة، والرسالة الجديدة.
أما الرسالة القديمة فالراجح عند الشيخ شاكر أنه ألفها في مكة، إذا كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة،
стр. 430
فوضع له كتاب "الرسالة"، كما روى ذلك الخطيب بإسناده في تاريخ بغداد، وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا ذاك في بغداد.
ولكن الفخر الرازي يقول في كتاب "مناقب الشافعي": "اعلم أن الشافعي ﵁، صنف كتاب الرسالة ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنبف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير".
قال الشيخ أحمد شاكر: أياما كان فقد ذهبت الرسالة القديمة، وليس في أيدي الناس الآن إلا الرسالة الجديدة، وهي هذا الكتاب.... والظاهر عندي أنه أعاد تأليف كتاب "الرسالة" بعد تأليفه أكثر كتبه التي في "الأم" لأنه يشير كثيرا في الرسالة إلى مواضع مما كتب هناك. والراجع أنه أملي كتاب "الرسالة على الربيع إملاء".
والشافعي لم يسم "الرسالة" بهذا الاسم؛ إنما يسميها "الكتاب"، أو يقول: "كتابي" أو "كتابنا".... ويظهر أنه سميت "الرسالة" في عصره بسبب إرساله إياها لعبد الرحمن بن مهدي. وقد غلبت عليها هذه التسمية. وكتاب "الرسالة" أول كتاب ألف في "أصول الفقه" بل هو أول كتاب ألف في "أصول الحديث".... وقال بدر الدين الزركشي في كتابه "البحر المحيط" في الأصول -وهو لا يزال مخطوطا حتى الآن: "الشافعي أول من صنف في أصول الفقه، صنف فيه كتاب الرسالة، وكتاب أحكام القرآن، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب جماع العلم وكتاب القياس".
وقد عني أئمة العلماء السابقين بشرح هذا الكتاب كما ظهر لنا من تراجم بعضهم، ومن كتاب "كشف الظنون".
١- أبو بكر الصيرفي محمد بن عبد الله، كان يقال: إنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، مات سنة ٣٣٠هـ، ذكر شرحه في كشف الظنون، وطبقات الشافعية، والزركشي في خطبة البحر.
стр. 431
٢- أبو الوليد النيسابوري الإمام الكبير حسان بن محمد أحمد بن هارون القرشي الأموي شيخ الحاكم، مات سنة ٣٤٩هـ وذكره الزركشي وكشف الظنون.
٣- القفال الكبير الشاشي محمد بن علي بن إسماعيل، مات سنة ٣٦٥هـ، ذكره الزركشي، وكشف الظنون، والطبقات.
٤- أبو بكر الجوزقي النيسابوري، الإمام الحافظ محمد بن عبد الله الشيباني مات سنة ٣٨٨هـ، ذكره كشف الظنون.
٥- أبو محمد الجويني الإمام عبد الله بن يوسف والد إمام الحرمين، مات سنة ٤٣٨هـ، ذكره الزركشي، وكشف الظنون.
стр. 432
أصول مذهبه:
أوجز الشافعي أدلة الأحكام لديه في كتاب "الأم" فقال: "العلم طبقات شتى، الأولى، الكتاب، والسنة - إذا ثبتت، ثم الثانية: الإجماع فيها ليس فيه كتاب ولا سنة والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﷺ قولا، ولا نعلم له مخالفا منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﷺ في ذلك، والخامسة: القياس على بعض الطبقات.
ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان؛ وإنما يؤخذ العلم من أعلى".
١- الكتاب والسنة:
فالشافعي يعتبر الكتاب والسنة المصدر الوحيد لهذه الشريعة، ويقرن السنة بالكتاب، كأنهما في مرتبة واحدة، لأن الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، أي إن الكتاب والسنة كلاهما عن الله، وإن
стр. 433
تفرقت طرقهما وأسبابهما، ولأن السنة علم الأخذ بها من كتاب الله؛ فهي به ملحقة، حيث فرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، فمن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته. كما أن السنة تعاون الكتاب في تبيين ما اشتمل عليه من أحكام.
والقرآن الكريم- كما أوضح الشافعي في الرسالة هو المصدر العام لهذا الدين. و"ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها".
وألفاظ العموم في القرآن تنقسم عنده إلى أقسام ثلاثة:
أ- ما هو عام يراد به العموم الذي لا خصوص فيه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ١.
ب- ما هو عام ظاهر يراد به العام، ويدخله الخصوص، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ٢؛ ففي القرية الظالم أهلها خصوص، لأن كل أهل القرية لم يكن ظالما، قد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا فيها مكثورين، وكانوا فيها أقل.
جـ- ما هو عام الظاهر إلا أنه يراد به كله الخصوص مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣، فإذا كان من مع رسول الله ﷺ ناسا غير من جمع لهم من الناس، وكان المخبرون لهم ناسا غير من جمع
стр. 434
لهم وغير من معه ممن جمع عليه، وكان الجامعون لهم ناسا فالدلالة بينة مما وصفت من أنهم إنما جمع لهم بعض الناس دون بعض، والعلم يحيط أنه لم يجمع لهم الناس كلهم، ولم يخبرهم ولم يكونوا هم الناس كلهم. ولكنه لما كان اسم "الناس" يقع على ثلاثة نفر، وعلى جميع الناس، وعلى من بين جميعهم وثلاثة منهم، كان صحيحا في لسان العرب أن يقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاس﴾ وإنما الذين قالوا لهم ذلك أربعة نفر ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم﴾ يعنون المنصرفين عن أحد؛ وإنما هم جماعة غير كثير من الناس، الجامعون منهم غير المجموع لهم، والمخبرون للمجموع لهم غير الطائفتين، والأكثر من الناس في بلدانهم غير الجامعين ولا المجموع لهم ولا المخبرين"١.
ويخصص القرآن بالقرآن، ويخصص بالسنة، لأن الله أوجب اتباع نبيه وطاعته في كتابه؛ فكل اتباع للنبي ﷺ والانتهاء إلى حكمه. "فمن قبل عن رسول الله ﷺ فبفرض الله قبل".
وتصدى الشافعي للرد على طوائف ثلاث أنكرت حجية السنة، الطائفة الأولى: التي أنكرت حجية السنة كلها، والطائفة الثانية: التي أنكرت حجية ما زاد على القرآن منها، والطائفة الثالثة: التي أنكرت حجية أخبار الآحاد. ويستشهد على ذلك كله بالأدلة الصحيحة، في منطق مقنع، واضح، ومناظرة جدلية تتسم بالأصالة، وقوة البرهان، ونصاعة البيان.
стр. 435
٢- الإجماع:
ويجعل الشافعي حجية الإجماع بعد الكتاب والسنة، وقبل القياس. والإجماع عنده أن يجتمع علماء العصر على أمر فيكون إجماعهم حجة، ويعتبر إجماع الصحابة من الدرجة الأولى لأنه يكون دليلا على أنهم سمعوا من رسول الله ﷺ فيما اجتمعوا عليه، وإن كان ذلك عن اجتهاد منهم. ولا يكون الإجماع في نظر الشافعي إلا من علماء المسلمين في كل الأمصار، ولذا رد قول شيخه مالك في اعتباره إجماع أهل المدينة.
يقول الشافعي في الرسالة: "لست أقول -ولا أحد من أهل العلم- هذا مجتمع عليه إلا لما لا تلقي عالما أبدا إلا قاله لك وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه ذلك".
ويستدل على حجية الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١ وبما ثبت عن رسول الله ﷺ من أمره بلزوم الجماعة يقول: "إن أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة ليس له إلا معنى واحدا، لأنه إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان؛ فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدا من قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يكون فيها غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله".
стр. 436
ومع إحلال الشافعي لشيخه الإمام مالك؛ فإنه رد عليه في إجماع أهل المدينة، وأنكر أن يكون ما قاله فيه مالك اجتمع عليه أهل المدينة مصدرا تشريعيا ملزما واجب الاتباع. بل ينكر أن يكون ما قال فيه مالك ذلك قد حدث فيه اتفاق من أهل المدينة كلهم عليه" وأجد من المدينة من أهل العلم كثيرا يقولون بخلافه، وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقول "المجتمع عليه" ويقول: إنه لا ينبغي أن تقولوا: اجتمع الناس إلا لما حدث فيه اتفاق بين العلماء جميعا، أو لم يعرف فيه خلاف على الأقل ... لا تدعوا الإجماع أبدا إلا فيما لا يوجد بالمدينة فيه اختلاف، وهو لا يوجد بالمدينة إلا وجد بجميع البلدان عند أهل العلم متفقين فيه، لم يخالف أهل البلدان أهل المدينة إلا ما اختلف فيه أهل المدينة بينهم".
٣- قول الصحابي:
ويرى الشافعي أن قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون خيرا لنا من رأينا لأنفسنا وإذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في مسألة فإنه يأخذ من قول بعضهم ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنة، ولا يتجاوز أقوالهم إلى غيرها.
والشافعي يرى أن الصحابة لا يجمعون كلهم إلا على ما هو قطعي الدلالة مما علموه كلهم من الدين بالضرورة، ومما لا يسع مسلما أن يخالفه.
ويقول عند اختلاف أقوال الصحابة: "نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح من القياس".
٤- القياس:
وتأتي مرتبة القياس بعد ذلك عند الشافعي على خلاف ما ذهب إليه.
стр. 437
أبو حنيفة من تقديم القياس، حتى على خبر الآحاد، ويمنع الاجتهاد بالرأي إذا لم يكن نص من كتاب أو سنة يقيس عليه؛ فالقول بغير خبر ولا قياس على الخبر غير معتبر، وهذا معنى قوله: "إذا أمر النبي ﷺ بالاجتهاد لا يكون إلا على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلا بدلائل والدلائل، هي: القياس".
وانتقد الشافعي القول بالاستحسان الذي يراه الأحناف وأبطله، ويقول في كتاب "إبطال الاستحسان" ما نصه: "كل ما وضعت مع أنا ذاكر من حكم الله ثم حكم رسول الله ﷺ ، ثم حكم جماعة المسلمين دليل على أنه لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكما أو مفتيا أن يحكم، ولا أن يفتي إلا من جهة خير لازم وذلك: الكتاب ثم السنة، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه، أو قياس على بعض هذا، ولا يفتي بالاستحسان إذا لم يكن الاستحسان واجبا، ولا في واحدة من هذه المعاني".
وبين أن الاستحسان لا ضباط له، ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل؛ فلو جاز لكل مفت أو حاكم أو مجتهد أن يستحسن فيما لا نص فيه، لكان الأمر فرطا، ولاختلفت الأحكام في النازلة الواحدة على حسب استحسان كل مفت.
стр. 438
انتشار مذهبه:
ذكر ابن خلدون في المقدمة ابتداء مذهب الشافعي وانتشاره فقال:
"أما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر من سواها، وقد انتشر مذهبه بالعراق، وخراسان، وما وراء النهر، وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم، ثم درس كله بدروس المشرق وأقطاره، وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي لما نزل على ابن عبد الحكم بمصر، أخذ عنه جماعة من بني
стр. 439
عبد الحكم، وأشهب، وابن القاسم، وأبو المواز، وغيرهم، ثم الحارث بن مسكين وبنوه، ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة، وتداول فيها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يدي صلاح الدين يوسف بن أيوب، ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام، فعاد إلى أحسن ما كان ونفق سوقه، واشتهر منهم محيي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الأيوبية بالشام، وعز الدين بن عبد السلام أيضا، ثم ابن الرفعة بمصر، وتقي الدين بن دقيق العيد، ثم تقي الدين السبكي بعدهما، إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد، وهو سراج الدين البلقيني؛ فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر، وكبير العلماء بها، بل أكبر العلماء من أهل العصر".
ومن هذا النص يتضح أن مذهب الشافعي انتشر في العراق، وبلاد فارس، وما وراء النهر، وانتشر في الشام، ولكن انتشاره كان أقوى في مصر.
ولم يكن لمذهب الشافعي حظ في بلاد المغرب والأندلس، حيث كانت الغلبة هناك للمذهب المالكي.
стр. 440
الإمام أحمد:
عصره:
كانت حياة أحمد في عصر استقرت فيه الأمور للدولة العباسية، بعد أن قلمت أظافر خصومها من:الخوارج، والعلويين على السواء. إلا أن بوادر التنافس بين العباسيين أنفسهم، قد بدأت تطل في فتنة الأمين والمأمون، التي انتهت بغلبة المأمون معتمدا على جيش فارس، ومنذ ذلك الحين أخذ الضعف يتسرب إلى الدولة باعتماد الخلفاء في سلطانهم على الأعاجم، فإذا كان المأمون قد اعتمد على الفرس، قد اعتمد المعتصم على الترك من بعده، الذين أخذ نفوذهم يقوي حتى استبدوا بالأمر، واعتدوا على الخلفاء، وهتكوا حماهم، ثم انقسمت الدولة بعد ذلك انقساما شديدا.
وقد أدرك أحمد جانبا من هذا كله، فلم يحرض على فتنة، ولم ينتقد خليفة، وانصرف إلى حياته العلمية، ولكن حكم المأمون قد قارنه نفوذ علمي للمعتزلة؛ فلم يلتزم أحمد الصمت أمام بدعهم، وهو يرى انحرافهم في العقائد عن منهج السلف الصالح، بل حذر منهم، ونهى الناس عن مجالستهم.
وفي الوقت الذي ظهر يه الزنادقة الذين يريدون نقض الحكم الإسلامين وإحياء الحكم الفارسي، وكان المعتزلة في مقدمة من تصدي لهم، وسلكوا في جدالهم مسلك الفلاسفة في تفكيرهم، في هذا الوقت كان المحدثون والفقهاء يحتذون حذو الصحابة والتابعين في الاستدلال على العقائد، والوقوف عند فهم نصوص الكتاب والسنة، ولكن المأمون ومن وليه من الحكام أرادوا حمل العلماء على بعض آراء المعتزلة، مما أدى إلى وقوعهم في خصومة مع الفقهاء المحدثين.
وقد نضج الفقه في عصر أحمد، واستقامت طرائقه، والتقت فيه ثمرات جهود فقهاء الأمصار جميعا من: عراقيين، وشاميين، وحجازين، ووجد أحمد ثروة فقهية
стр. 441
عظيمة خلفها السابقون من المجتهدين، فيما دون من كتب في مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، واتصل بنفسه بالشافعي، فاستثمر هذا الفقه فيما لديه من علوم السنة، وتميز بمنهجه الفقهي الذي يغلب عليه طابع السنة فإن دراسة السنة في عهده قد نضجت كذلك، وعنى العلماء بها دراية ورواية، واهتم أحمد بتحصيلها، وأكب على دراستها؛ فكان إماما في الحديث والفقه، وفي مسنده خير شاهد على إمامته في الحديث.
وفي عصر أحمد اشتد الاحتكاك الفكري وكثر الجدل بين الفقهاء من جانب، وبينهم وبين علماء الكلام من المعتزلة والجهمية والمرجئة من جانب آخر، وكذلك بين قول أهل الكلام أنفسهم ولم يكن أحمد بعيدا عن هذا، فاتجه إلى تحصيل السنة، والتعرف على فتاوى الصحابة، وكبار التابعين، ونفر من الجدل والمجادلين، وإن كان موقفه من القول بخلق القرآن يشهد بعظم فضله.
стр. 442
حياة أحمد "١٦٤- ٢٤١ه ـ":
ولد أحمد ﵁ في شهر ربيع الأول سنة ١٦٤هـ، وكانت وفاته في نفس الشهر سنة ٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين، وهو عربي الأصل، شيباني في نسبه لأبيه وأمه، وشيبان قبيلة من ربيعة، عدنانية، اشتهرت بالإباء، والهمة، والصبر كانت منازلها بالبصرة وباديتها.
وأبوه محمد بن حنبل، وجده حنبل بن هلال، وقد نشأت أسرته بالبصرة إلا أن جده قد انتقل إلى خراسان، وكان واليا على "سرخس" في العهد الأموي، ثم انضم إلى صفوف الدعوة العباسية، وأوذي في ذلك، وانتقلت الأسرة بعد هذا إلى بغداد حيث كانت ولادة أحمد.
مات أبوه على الأرجح وهو طفل، فقامت أمه على تربيته مستعينة في نفقتها بما تركه أبوه من عقار ببغداد، فساعد ذلك النسب الرفيع وهذا اليتم في نشأته.
стр. 443
على سمو نفسه، وذكائه، وعلو همته، ونمو مواهبه، وتعرفه على أحوال مجتمعه.
وكانت بغداد التي نشأ فيها أحمد حاضرة العالم الإسلامي، ومهدا للعلوم المختلفة الشرعية، واللغوية، والعقلية، تموج بأنواع المعارف والفنون، وتزخر بالمشارب المختلفة، والأفكار المتباينة، وقد اختارت أسرة أحمد له منذ صباه، أن يتجه لخدمة الدين، فحفظ القرآن وتزود من علوم العربية، وظهرت ألمعيته وعرف بين أقرانه ورفاقه بالتقوى والاستقامة، وحسن الخلق، ولما شب عن الطوق وجد أمامه في بغداد منهجين لطلب الشريعة، أحدهما: منهج الفقه، والآخر: منهج الحديث، فراد طريق الفقهاء باديء ذي بدء على مذهب أهل الرأي، وأخذ عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ثم مال من بعد إلى طريق المحدثين، وانصرف إلى الحديث، وإن لم ينقطع انقطاعا كاملا عن الفقه.
قال الخلال في تاريخ الحافظ الذهبي: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها، ثم لم يلتفت إليها.
وقد أخذ الحديث عن علماء في الأمصار كلها في العراق، والشام، والحجاز، ومسنده على أنه جمع الحديث جمعا متناسبا من هذه الأمصار، وبدأ من ذلك بالأخذ عن شيوخ الحديث في بغداد، ثم رحل إلى البصرة، والكوفة، والحجاز، واليمن، منذ سنة ١٨٦هـ وهكذا يبدأ الناشئ علمه بالتلقي عن أهل بلده، فلازم في بغداد إماما من أئمة الحديث، هو: هشيم بن بشير "أبي حازم الواسطي" المتوفى سنة ١٨٣هـ، روى عنه ابنه صالح، كما في "المناقب" لابن الجوزي فقال: كتبت عن هشيم سنة تسع وسبعين، ولزمناه إلى سنة ثمانين، وإحدى وثمانين، واثنتين وثمانين، ومات في سنة ثلاث وثمانين، كتبنا عنه كتاب الحج: نحوا من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب القضاء وكتبا صغارا، وسأله ابنه صالح بعد ذلك القول: يكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر.
وبعد موت هشيم، تلقى أحمد الحديث من سائر شيوخ بغداد، حتى بلغ العشرين عاما، ثم بدأ في رحلاته المتوالية لتلقي الحديث من رجاله شفاها، فرحل
стр. 444
إلى البصرة خمس مرات، وإلى الحجاز مثلها، إلتقى مثلها، التقى في الأولى منها بالشافعي وأخذ عنه سنة ١٨٧هـ، ثم التقى به بعد ذلك في بغداد حين نضج ووعى فقهه وأصوله.
ورغب مع صاحبه يحيى بن معين في الحج سنة ١٩٨هـ، والذهاب إلى عبد الرزاق بن همام بصنعاء في اليمن، فوجداه في مكة، ولكن أحمد لم يكتف بهذا اللقاء وسافر إلى صنعاء مع بعد الشقة وانقطاع النفقة، وأخذ عن عبد الرزاق هناك.
وعني أحمد بتدوين ما يسمع من أحاديث وآثار، ولم يكتف بالحفظ، وكان يحمل في رحلاته حقائب كتبه على ظهره، وإلا يحدث إلا من كتاب خشية أن ينسى، تورعا منه وتقوى، مع أنه كان جيد الحفظ قوى الذاكرة.
وقد ذكر الحافظ الذهبي من شيوخه سوى من ذكرنا: سفيان بن عيينة، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، والقاضي أبا يوسف، وعبد الرحمن بن مهدي.
стр. 445
جلوسه للتحديث والفتوى:
ولما اكتمل نضج أحمد، واستوثق من علمه بعد رحلاته العلمية الطوال الشاقة جلس للتحديث والفتيا.
وقد قال ابن الجوزي: إن أحمد لم ينصب نفسه للحديث والفتوى إلا بعد أن بلغ الأربعين، ويحكى في ذلك أن بعض معاصريه جاء يطلب إليه الحديث سنة ٢٠٣هـ "ثلاث ومائتين" فأبى أن يحدثه، فذهب إلى عبد الرزاق بن همام باليمن، ثم عاد إلى بغداد سنة ٢٠٤هـ "أربع ومائتين" فرأي أحمد قد حدث واستوى الناس عليه، ولعله راعى في ذلك أن هذه السن هي سن النضج والبلاغ، وقد بعث الرسول ﷺ في الأربعين، ثم قام بتبليغ الرسالة، وربما كان هذا هو وقت جلوسه للدرس والإفتاء بعد أن اجتمع الناس
стр. 446
عليه، وكان من قبل يفتي للضرورة دون أن يتخذ لنفسه مجلسا يقصده طلاب العلم للأخذ عنه، فلما ذاع ذكره في الآفاق الإسلامية، وقصده الناس للسؤال عن الحديث والفقه، جلس للدرس والإفتاء في المسجد الجامع ببغداد، وكثر الازدحام عليه حتى ذكر بعض الرواة أن عدة من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف مما يدل على مدى ما وصلت إليه مكانته.
والذي جاء في "تاريخ الذهبي" و"المناقب" لابن الجوزي، يدل على أن مجلسه تميز بالوقار والسكينة، وأنه كان يسأل عن الأحاديث المروية في الموضوع، فيتحرى النقل من كتبه غالبا دون أن يعتمد على الحفظ وحده، وأنه كان يرى أن علم الدين هو علم الكتاب والسنة، فلا يسمح بتدوين فتاواه الفقهية، ويعتبر تدوين آراء الناس في الدين من البدع.
стр. 447
محنته:
دعا المأمون الفقهاء والمحدثين إلى القول بخلق القرآن كما يقول أصحابه من المعتزلة، وأراد أن يحمل أحمد على أن يقول مقالته في خلق القرآن، فأبي أن يواقه، وكان ذلك سببا في إيذائه في عصر المأمون، وتوالى هذا الإيذاء بوصية منه في عصر المعتصم والواثق.
والذي يروى أن أول من قال إن القرآن مخلوق هو "الجعد بن درهم" في العصر الأموي، فقتله "خالد بن عبد الله القسري" يوم الأضحى بالكوفة،، وقد أتى به مشدودا في الوثائق عند صلاة العيد، فصلى خالد وخطب، ثم قال في آخر خطبته: "اذهبوا وضحوا بضحاياكم تقبل، فإني أريد أن أضحى بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى تكليما، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول علوا كبيرا"، ثم نزل وقتله.
وقال مثل ذلك القول: "الجهم بن صفوان" ولما جاء المعتزلة ونفوا صفات
стр. 448
المعاني، أنكروا أن يكون الله متكلما، وقالوا: إن الله يخلق الكلام كما يخلق كل شيء، فكانت دعواهم أن القرآن مخلوق لله، واشتد خوض المعتزلة في ذلك، حتى جاء المأمون واتخذ حاشية منهم، وقربهم حيث كان تلميذا لأبي الهذيل من رؤوس المعتزلة.
وقد طلب المأمون من نائبه في بغداد "إسحاق بن إبراهيم" استدعاء الفقهاء والمحدثين ليحملهم على أن يقولوا إن القرآن مخلوق، فأحضرهم ومنهم أحمد بن حنبل، وأنذرهم بالعقوبة الشديدة ولكن الله ربط على قلوب قلة منهم، آثروا الباقية على الفانية، فأصروا على موقفهم وإبائهم، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل، الذي ظل صابرا حتى النهاية، يكبل بالحديد ويحبس ويؤذى حتى مات المأمون ولكن موته لم ينه المحنة بل ابتدأت في دور أقسى وأشد لأنه أوصى أخاه المعتصم بهذه المقالة من بعده، فسيق أحمد مصفدا إليه، بعد أن ولى الخلافة، وضرب بالسياط المرة بعد المرة، إلى أن يغمى عليه، واستمر حبسه نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، ثم أطلق سراحه، وعاد إلى بيته وقد أثخنته الجراح، ولما استجم مما ألم به واصل درسه بالمسجد حتى مات المعتصم، وجاء الواثق، فأشار عليه "أحمد ابن أبي دؤاد" زعيم القول بخلق القرآن حينئذ الذي كان يسمى أمثال أحمد حشو الأمة، بألا يضرب أحمد كما فعل المعتصم، لأن هذا زاده منزلة عند الناس، وأن يكتفي بمنعه من الاجتماع والخروج للدرس، فانقطع أحمد عند الدراسة مدة تزيد عن خمس سنوات إلى أن مات الواثق سنة ٢٣٢هـ "اثنتين وثلاثين ومائتين"، ثم عاد إلى الدرس مكرما عزيزا.
وكان أحمد يرفض عطاء الخلفاء، عرض عليه المتوكل مالا كثيرا بعد انتهاء محنته، وألح في العرض فأصر أحمد على الامتناع، وأن أكره على أخذ شيء فإنه كان يوزعه على الفقراء والمحتاجين، ورضي أحمد طوال حياته بعيشة الكفاف زاهدا تقيا.
стр. 449
المسند:
خلف أحمد وراءه للأمة الإسلامية كتابه "المسند" الذي جمع فيه ما رواه من أحاديث دونها بأسانيدها، وبدأ في تلقيها وهو في السادسة عشرة من عمره، سنة ١٨٠هـ؛ غير أنه كان يكره كتابة غير السنة.
روي أن عبد الله قال: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب؟ وقد عملت المسند؟ فقال له: عملت هذا الكتاب إماما إذا اختلف الناس في سنة رسول الله ﷺ رجعوا إليه.
وقد استمر أحمد في جمع مسنده هذا عن الثقات الذين رحل إليهم مدى حياته، وكان في أوراق متفرقة، فلما أحس بدنو الأجل جمع بنيه وخاصته وأملى عليهم ما كتب مجموعا وإن لم يكن مرتبا.
والمسند المتداول اليوم هو رواية عبد الله بن أحمد، الذي ورث عن والده حب الحديث، وحسن العناية به، وقرر العلماء أنه كان أروى الناس عن أبيه.
وروى عنه مسند أبيه الثقات الأثبات من بعده حتى حفظته الأجيال.
وعبد الله هو الذي رتب المسند بالوضع الذي نراه الآن، فروى مسند كل صحابي على حده.
ولا شك أن أحمد كان يتحرى الأخذ عن الثقات، ولكن العلماء اختلفوا في مدى قوة أحاديث المسند، وإن اتفقوا على أن فيه: الصحيح، والحسن، والغريب.
وقد قال ابن تيمية: ليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره، يكون حجة عنده؛ بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في المسند ألا يروي عن المعروف بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، ثم بين أن الضعيف أو الموضوع، إنما هو من زيادات ابنه عبد الله.
стр. 450
وخالف العراقي ابن تيمية، وذهب إلى أن في المسند أحاديث ضعيفة كثيرة، وأحاديث موضوعة قليلة.
وقد رد ابن حجر على شيخه في كتابه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد".
والذي عليه المحققون من العلماء: أن مسند أحمد ليس فيه الموضوع، وإن كان فيه الضعيف، وفرق بين الضعيف والموضوع، فالضعيف لم تتوفر فيه شروط الرواية الصحيحة، أما الموضوع فهو الذي قام الدليل على الكذب فيه.
وقد قام الشيخ أحمد شاكر بتخريج أحاديث المسند، وضبط فهارسه، فجعل فيه فهارس للأعلام، وفهارس للصحابة مرتبة على حروف المعجم.
وقال الشيخ أحمد البنا والد الداعية الشهيد حسن البنا بترتيب المسند وفق الأبواب الفقهية، فيسر مهمة البحث فيه، والتوصل إلى المطلوب منه، ونشره بعنوان: "الفتح الرباني على مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" مع شرح مختصر.
стр. 451
أصول مذهبه:
أخص ما تميز به مذهب أحمد أنه يقوم على فقه السنة، ولذا فإنه يعد من كبار المحدثين، وفقد ذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" أن فتاوى أحمد بن حنبل مبنية على خمس أصول، نتناولها فيما يلي:
١- النصوص:
كان أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه، ولا يلتفت إلى ما خالفه كائنا من كان، ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا.
وهذا يفسر لنا عنايته بجمع النصوص حتى اجتمع له منها ما لم يجتمع لغيره.
وتدل مناظرته في مسألة القول بخلق القرآن، وفي الرد على الزنادقة، والجهمية دلالة واضحة على ذلك، فقد كان يطالبهم بالنصوص، ويقول ائتوني
стр. 452
بكتبا أو سنة حتى نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
والنصوص عند أحمد وافية بأكثر أحكام أفعال العباد، يستوي في ذلك نصوص القرآن ونصوص السنة، فقدجاءت نصوص القرآن بالقواعد العامة التي تتناول كثيرا من الفروع والمسائل، وأوتى رسول الله ﷺ جوامع الكلم، فكان يتكلم بالكلمة الجامعة التي تتضمن المعاني الكثيرة وتشمل ما يحصى من المسائل، فإذا فهمت معاني النصوص في الكتاب والسنة، تبين أنها شاملة لعامة أفعال العباد.
ونصوص الكتاب والسنة في مرتبة واحدة عند أحمد، فإن حجية السنة ثابتة بالكتاب كما أن السنة بيان للكتاب، وهذا وذاك يجعل نصوص السنة الصحيحه، بمنزلة نصوص القرآن في الاستدلال.
وحيث وجد النص عند أحمد فإنه لا يلتفت لمن خالفه، ولو كانت المخالفة من بعض الصحابة، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في "المبتوتة" لحديث فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها البتة، فقد أفتى عمر بأن المبتوتة لها النفقة ولها السكنى، وقد قال رسول الله ﷺ لفاطمة: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى" ولم يلتفت إلى قول عمر في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ. حيث ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ أمر من لم يسق الهدى بعد الطواف والسعي أن يتحلل وأن يجعلها عمرة. ولم يلتفت إلى قول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن على: أن عدة المتوفي عنها الحامل أقصى الأجلين. لصحة حديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام فأفتاها رسول الله ﷺ بأنها قد حلت حين وضعت حملها. ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
ففضل الصحابة والتابعين عند أحمد لا يسوغ تقديم آرائهم على نصوص
стр. 453
رسول الله ﷺ فهو المعصوم، وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلا رسول الله ﷺ : "من عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" ١، فكان الأخذ بالنص، وإهدار ما خالفه من أوضح قواعد الإمام أحمد وأصول مذهبه في فتاواه.
٢- فتاوي الصحابة:
جعل ابن القيم الأصل الثاني من أصول الإمام أحمد ما أفتى به الصحابة. فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها.
والمعروف أن فتوى الصحابي من الأدلة المختلفة فيها عند الأصوليين والإمام أحمد يرى أن ما أفتى به الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون حجة؛ ذلك لأنه يعتبر من باب الإجماع السكوتي، ولكن أحمد يتورع عن أن يسمى هذا إجماع، فيقول: لا أعلم شيئا يدفعه، أو يقول: لا أعلم فيه اختلافا أو نحو ذلك.
وقول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه يكون بمنزلة الحديث المرفوع، أما إذا كان للرأي فيه مجال فلا يخلو من أمرين:
أ- أن يشيع وينتشر بين الصحابة ولا يظهر خلافه. فظاهر كلام أحمد أنه دليل مقطوع به، يجب اتباعه، وتحرم مخالفته، ولم يسمه إجماعا، بل أثر عنه قوله: "من أدعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا". ولذا نسبوا إليه إنكار الإجماع، وحمل هذا الإنكار على أنه إنكار للإجماع العام النطقي، لا الإجماع السكوتي. أو إجماع ما بعد الصحابة، أو بعدهم. وبعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخير.
ب- أن لا يشيع ولا ينتشر بين سائر الصحابة، ولا يعرف له مخالف؛ فإن دل
стр. 454
عليه بالقياس وجب العمل به، قال أبو البركات في "المسودة"١: إذا قال الصحابي قولا ولم ينقل عن صحابي خلافه، وهو ما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة. نص عليه أحمد في مواضع وقدمه على القياس".
وهذا هو الذي أثر عن أحمد في كلامه، يقول: "ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ ، إذا وجدت في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة، أو عن التابعين، فإذا وجدت عن رسول الله ﷺ ، لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله ﷺ فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين؛ فإذا لم أجد عن الخلفاء، فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر بالأكابر، فإذا لم أجد فعن التابعين، وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث بعمل له ثواب إلا عملت به، رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة". ويقول: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم، وترك البدع".
وقال الشيخ أبو زهرة: "ولذلك كانت أقوال الصحابة وفتاواهم حجة عنده أي عند أحمد - تلى حجة أحاديث الرسول ﷺ الصحيحة، وتتقدم على المرسل من الأحاديث، والضعيف من الأخبار، وقد اتفق العلماء الذين نقلوا فقهه على ذلك، ولم يختلفوا فيه، فكلهم مجمع على أنه كان يأخذ بفتوى الصحابة، ولا يجتهد برأيه ما وجد في موضع الفتوى أثرا منقولا عن صحابي.
٣ الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا:
قال ابن القيم: الأصل الثالث من أصول أي أصول أحمد -إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم؛ فإن لم يتبين له مواقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول.
стр. 455
ويتضح من هذا أن المراد بالاختيار من أقوال الصحابة، أن يختار أقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة، وهذا يقتضي النظر فيها، والرجوع إلى النصوص حتى يختار أقربها إلى دلالة النص. قال أبو يعلى: إذا اختلف الصحابة في المسألة على قولين ولم ينكر بعضهم على بعض لم يجز لمنهو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم من غير دلالة على صحة قول الصحابي.
وفي أصول مذهب الإمام للدكتور عبد الله التركي رواية أخرى بهذا المعنى: "إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة"١.
ويدل كلام ابن القيم في موضع آخر على أن التراجع في الاختيار من أقوال الصحابة لا يقف عند أقربها من الكتاب والسنة؛ بل قد يكون الترجيح يكون صاحب القول المختار أعلم من غيره كما إذا كان من الخلفاء الراشدين أو من المشهورين بالفتيا، كابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس.
فإذا لم يجد الإمام ما يرجح اختيار أحد أقوال الصحابة، حكى الأقوال المنقولة عنهم، ولم يقطع بقول منها:
٤- الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف:
الأصل الرابع من أصول الإمام أحمد هو الأخذ بالحديث المرسل، والأخذ بالحديث الضعيف.
وإذا كان الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين هو: ما سقط منه الصحابي، كان يقول التابعي: "قال رسول الله ﷺ ... " بخلاف المنقطع والمعضل؛ فإن المرسل في اصطلاح الأصوليين هو: قول العدل الثقة: "قال
стр. 456
رسول الله ﷺ ... " صحابيا كان أو غيره فيشمل المنقطع والمعضل.
ومراسيل الصحابة مقبولة عند جمهور العلماء أما مرسل غير الصحابي فقد اختلف العلماء في قبوله والاحتجاج به على أقوال: هل يقبل مطلقا؟ أو لا يقبل مطلقا؟ أو يقبل من أئمة النقل؟ أو يقبل من العصور الثلاثة دون غيرهم؟
ويرى أحمد قبول المراسيل مطلقا، يستوي في هذا مرسل الصحابي، ومرسل غير الصحابي، وهذه هي الرواية الراجحة عنه، ويقدم الحديث المرسل على القياس؛ ولكنه يقدم عليه قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف.
يقول أبو زهرة وهو يعرض رأي أحمد في المرسل: "ولكننا ونحن نقرر هذا نجد من الحق أن نقول: إن أحمد ﵁ اعتبر المرسل من قبيل الأخبار الضعيفة التي يكون الأصل ردها وعدم قبولها، ولذلك قدم عليه فتوى الصحابة. وهو لا يقدم هذه الفتوى على حديث صحيح فقط. فتقديمها عليه دليل على أنه يعتبره ضعيفا لا صحيحا، وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل الحديث الضعيف، لا من قبيل الحديث الصحيح؛ وإنما أفتى به في حالة الضرورة لأنه لا يريد أن يفتي في الدين بشيء من عنده وعنده أثر يستأنس به؛ فهو يأخذ به ما دام ليس له إمام من الصحابة يفتي بفتواه".
ويرى الإمام أحمد في المشهور عنه أنه يعمل بالحديث الضعيف فإنه يقبله ويقدمه على القياس ولكنه لا يجعله في مرتبة الصحيح، بل يشترط أن لا يوجد في الباب غيره، وتكون مرتبته عنده بعد فتوى الصحابي. ومما أثر عنه في ذلك قوله: "الحديث الضعيف أحب إلى من الرأي" وذكر ابن الجوزي أن أحمد كان يقدم الحديث الضعيف على القياس، وعن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة؟ فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي.
стр. 457
ويشترط في الحديث الضعيف عند أحمد حتى يقبل ويعمل به أن لا يكون باطلا ولا منكرا ولا في سنده متهم، فيكون قريبا من الحسن. قال ابن القيم: وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم؛ بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى: صحيح، وحسن، وضعيف، بل إلى صحيح، وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعا على خلافة، كان العمل به عنده أولى من القياس.
٥- القياس:
إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة، أو قول واحد فيهم ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس، فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
وذكر القاضي أبو يعلى: أن القياس العقلي يجب القول به، والعمل عليه، وأن الإمام أحمد احتج بدلائل العقول في مواضع، وقال في مسألة القياس الشرعي يجوز التعبد به وإثبات الأحكام الشرعية من جهة العقل والشرع، وقال: لا يستغنى أحد عن القياس، وعلى الحاكم والإمام يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس، ويقيس ويشبه كما كتب عمر إلى شريح: أن قس الأمور.
ومن استعمالات الإمام أحمد للقياس أنه صح تحريم ربا الفضل فيما روى عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد؛ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد". "رواه أحمد ومسلم، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد ﵁ بنحوه".
стр. 458
وأجمع العلماء على جريان الربا في الأعيان الستة، ثم اختلفوا هل هو لمعنى فيها أو لأعيانها؟ وهل عرف ذلك المعنى أو لا؟
فذهب الجمهور إلى معرفة ذلك وتعديها إلى غير الستة، ثم اختلفوا في علة الربا: والمشهور عند الإمام أحمد -وهو المختار عند عامة أصحابه- أن علة الربا في النقدين كونه موزون جنس، وفي الأعيان الباقية كونه مكيل جنس.
وعلى هذا يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوما كان أوغيره، كالحبوب والأشنان والقطن والكتان والحديث والنحاس، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات، ويقول الإمام أحمد: "لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا قياسا على الذهب والفضة".
وقال الشيخ أبو زهرة: "والحنالة جميعا يقررون أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بالقياس ويؤيدون كلامهم بعبارة وردت عنه وبالفروع المأثورة عنه فإنها توميء بطريقة استنباطها، إلى أنه لم يكن من نفاة القياس، بل من مثبتيه.
стр. 459
نقل علمه وانتشار مذهبه:
نشر علم أحمد عدد كثير، منهم:
١- أكبر أولاده "صالح" الذي تلقى عن أبيه وعن غيره من معاصريه، وقال فيه أبو بكر الخلال: إنه راوي الفقه الحنبلي.
٢- وعبد الله بن أحمد بن حنبل الذي ذكرنا عنه آنفا عنايته برواية الحديث عامة، ومسند أبيه خاصة.
٣- وأحمد بن محمد بن هاني أبو بكر الأثرم من أصحاب أحمد، روى عنه مسائل في الفقه وأحاديث كثيرة.
٤- وعبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، وقد صحب أحمد فترة طويلة، ونقل عنه.
стр. 460
٥- وأحمد بن محمد بن الحجاج "أبو بكر المروذي" أخص أصحاب أحمد، وهو الذي روى كتاب "الورع" عنه، وكان أحمد يثق في عقله وورعه.
ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون "أبو بكر الخلال" الذي صحب أبا بكر المروذي إلى أن مات، وجمع فقه أحمد في الجامع الكبير.
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وكان أحمد ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه، جدا؛ فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا، ومن الله علينا بأكثرها لم يفتنا منها إلا القليل، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير، فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاواه ومسائله، وحدث بها قرنا بعد قرن، فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى أن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد، والمقلدين لغيره يعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقها من النصوص وفتاوي الصحابة.