رسول الله ﷺ ... " صحابيا كان أو غيره فيشمل المنقطع والمعضل.
ومراسيل الصحابة مقبولة عند جمهور العلماء أما مرسل غير الصحابي فقد اختلف العلماء في قبوله والاحتجاج به على أقوال: هل يقبل مطلقا؟ أو لا يقبل مطلقا؟ أو يقبل من أئمة النقل؟ أو يقبل من العصور الثلاثة دون غيرهم؟
ويرى أحمد قبول المراسيل مطلقا، يستوي في هذا مرسل الصحابي، ومرسل غير الصحابي، وهذه هي الرواية الراجحة عنه، ويقدم الحديث المرسل على القياس؛ ولكنه يقدم عليه قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف.
يقول أبو زهرة وهو يعرض رأي أحمد في المرسل: "ولكننا ونحن نقرر هذا نجد من الحق أن نقول: إن أحمد ﵁ اعتبر المرسل من قبيل الأخبار الضعيفة التي يكون الأصل ردها وعدم قبولها، ولذلك قدم عليه فتوى الصحابة. وهو لا يقدم هذه الفتوى على حديث صحيح فقط. فتقديمها عليه دليل على أنه يعتبره ضعيفا لا صحيحا، وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل الحديث الضعيف، لا من قبيل الحديث الصحيح؛ وإنما أفتى به في حالة الضرورة لأنه لا يريد أن يفتي في الدين بشيء من عنده وعنده أثر يستأنس به؛ فهو يأخذ به ما دام ليس له إمام من الصحابة يفتي بفتواه".
ويرى الإمام أحمد في المشهور عنه أنه يعمل بالحديث الضعيف فإنه يقبله ويقدمه على القياس ولكنه لا يجعله في مرتبة الصحيح، بل يشترط أن لا يوجد في الباب غيره، وتكون مرتبته عنده بعد فتوى الصحابي. ومما أثر عنه في ذلك قوله: "الحديث الضعيف أحب إلى من الرأي" وذكر ابن الجوزي أن أحمد كان يقدم الحديث الضعيف على القياس، وعن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة؟ فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي.
стр. 457
ويشترط في الحديث الضعيف عند أحمد حتى يقبل ويعمل به أن لا يكون باطلا ولا منكرا ولا في سنده متهم، فيكون قريبا من الحسن. قال ابن القيم: وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم؛ بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى: صحيح، وحسن، وضعيف، بل إلى صحيح، وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعا على خلافة، كان العمل به عنده أولى من القياس.
٥- القياس:
إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة، أو قول واحد فيهم ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس، فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
وذكر القاضي أبو يعلى: أن القياس العقلي يجب القول به، والعمل عليه، وأن الإمام أحمد احتج بدلائل العقول في مواضع، وقال في مسألة القياس الشرعي يجوز التعبد به وإثبات الأحكام الشرعية من جهة العقل والشرع، وقال: لا يستغنى أحد عن القياس، وعلى الحاكم والإمام يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس، ويقيس ويشبه كما كتب عمر إلى شريح: أن قس الأمور.
ومن استعمالات الإمام أحمد للقياس أنه صح تحريم ربا الفضل فيما روى عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد؛ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد". "رواه أحمد ومسلم، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد ﵁ بنحوه".
стр. 458
وأجمع العلماء على جريان الربا في الأعيان الستة، ثم اختلفوا هل هو لمعنى فيها أو لأعيانها؟ وهل عرف ذلك المعنى أو لا؟
فذهب الجمهور إلى معرفة ذلك وتعديها إلى غير الستة، ثم اختلفوا في علة الربا: والمشهور عند الإمام أحمد -وهو المختار عند عامة أصحابه- أن علة الربا في النقدين كونه موزون جنس، وفي الأعيان الباقية كونه مكيل جنس.
وعلى هذا يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوما كان أوغيره، كالحبوب والأشنان والقطن والكتان والحديث والنحاس، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات، ويقول الإمام أحمد: "لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا قياسا على الذهب والفضة".
وقال الشيخ أبو زهرة: "والحنالة جميعا يقررون أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بالقياس ويؤيدون كلامهم بعبارة وردت عنه وبالفروع المأثورة عنه فإنها توميء بطريقة استنباطها، إلى أنه لم يكن من نفاة القياس، بل من مثبتيه.
стр. 459
نقل علمه وانتشار مذهبه:
نشر علم أحمد عدد كثير، منهم:
١- أكبر أولاده "صالح" الذي تلقى عن أبيه وعن غيره من معاصريه، وقال فيه أبو بكر الخلال: إنه راوي الفقه الحنبلي.
٢- وعبد الله بن أحمد بن حنبل الذي ذكرنا عنه آنفا عنايته برواية الحديث عامة، ومسند أبيه خاصة.
٣- وأحمد بن محمد بن هاني أبو بكر الأثرم من أصحاب أحمد، روى عنه مسائل في الفقه وأحاديث كثيرة.
٤- وعبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، وقد صحب أحمد فترة طويلة، ونقل عنه.
стр. 460
٥- وأحمد بن محمد بن الحجاج "أبو بكر المروذي" أخص أصحاب أحمد، وهو الذي روى كتاب "الورع" عنه، وكان أحمد يثق في عقله وورعه.
ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون "أبو بكر الخلال" الذي صحب أبا بكر المروذي إلى أن مات، وجمع فقه أحمد في الجامع الكبير.
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وكان أحمد ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه، جدا؛ فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا، ومن الله علينا بأكثرها لم يفتنا منها إلا القليل، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير، فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاواه ومسائله، وحدث بها قرنا بعد قرن، فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى أن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد، والمقلدين لغيره يعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقها من النصوص وفتاوي الصحابة.
стр. 461
تعدد الروايات في مذهب أحمد:
تكثر الروايات عن أحمد في المسألة الواحدة بنسبة تفوق سائر الأئمة، وإذا كان مجال الاجتهاد يؤدي إلى هذا، لأن المجتهد قد يعدل عن رأيه، فيأتي من ينقل عنه ويروي القولين في الموضوع الواحد.
فقد أشار ابن القيم إلى سبب آخر يرجع إلى منهج أحمد نفسه؛ فإنه كان يروى أقوال الصحابة أحيانا. وقد يختار منها، وربما جاء الذين أخذوا عنه واستنبطوا من موقفه قولا آخر، وذكروا الأقوال جميعا، وبهذا تختلف الأقوال المنسوبة إلى أحمد. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين". إذا اختلفت الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتابة والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم؛ فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.
وقد بذل رجال من شيوخ المذهب بعد ذلك جهدا مشكورا في تصحيح الروايات أو ترجيحها على غيرها، أو التوفيق بينها ما كان التوفيق ممكنا.
стр. 462
ويرى الباحثون أن مذهب أحمد لم ينتشر في البلاد الإسلامية انتشار غيره مع كثرة علمائه، وعلل ابن خلدون ذلك بقوله: "وأما أحمد بن حنبل فقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدته الرواية، وللأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث".
ولم يسلم الشيخ أبو زهرة بهذا التعليل الذي ذكره ابن خلدون، لما ثبت في المذهب من فتح باب الاجتهاد، وإن أرجع هذا إلى عوامل أخرى منها: أنه كان آخر المذاهب الأربعة وجودا، وأن أتباعه لا يحبون الولاية والقضاء.
والمعروف أن مذهب أحمد اليوم هو المذهب السائد في "نجد" خاصة، وفي المملكة العربية السعودية عامة، وهي الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها؛ سواء في ذلك الأحوال الشخصية، والمعاملات المالية، والقصاص والحدود وقد أكسب هذا مذهب أحمد انتشارا وقوة.
стр. 463
الفصل الخامس: الفقه الإسلامي بين واقعه المعاصر ومحاولات التجديد فيه
الواقع التأليفي
...
الفقه الإسلامي: بين واقعه المعاصر ومحاولات التجديد فيه
الواقع التأليفي:
شهد الفقه الإسلامي عصر ازدهار وتقدم في حياة أئمته الذين قامت مدراسهم في أمصار الأمة الإسلامية بالقرنين الثاني والثالث، الذين اشتهر منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم، ثم تلاميذهم من بعدهم. وكان التأليف في هذه الفترة استنباطا للحكم من أدلته المستمدة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وسائر الأدلة التبعية المختلف فيها، وكان أسلوب الكتابة سهلا ميسرا لا تعقيد فيه، فالعبارة واضحة، والحكم صريح، وأبواب الاجتهاد مفتوحة في الاجتهاد المطلق، ثم في الاجتهاد المذهبي، وطرائق الاستدلال بينة، وقلما توجد التفريعات الفرضية البعيدة الاحتمال، ثم خلف ذلك الرعيل تلاميذ آخرون قصر جهدهم عن الإنتاج المبتكر فسلكوا في التأليف طرقا ملتوية شاقة، بعدت عن الطريقة السهلة التي عرف بها المتقدمون، فاستهواهم الولع بالإيجاز تارة والتطويل أخرى، ثم الإغراق في الإيجاز مرة ثانية، مع ما في ذلك من تكلف وتعقيد، يجعل القارئ يسير في مسالك متعرجة، ومنعطفات شائكة، ومتاهات غامضة.
يبتديء المؤلف بوضع كتاب موجز، يدعى "متنا" ثم يشرحه تلميذه من بعده، وقد يشرح الشرح السابق، ثم تكون الحواشي والتقريرات والهوامش ويكون بعد هذا اختصار الشروح الكبيرة إلى متوسطة وصغيرة، واختصار المتون كذلك في عبارة مكثفة، أو نظمها شعرا يجمع إلى الركة الإيجاز المخل، ثم يشرح هذا النظم ويخشى ويختصر....
стр. 464
وورث العصر الحاضر هذه المؤلفات بما احتوته من علم زاخر، وكنوز فقهية ثمينة لا يصبر على دراستها والرجوع إليها إلا الجهابذة المتفرغون المتخصصون.
وليس الأمر قاصرا على وعورة مسلك هذه الكتب؛ وإنما جاوزه إلى التعصب المذهبي، والوقوف عند رأي المذهب بإغلاق باب الاجتهاد والغلو في شروط المجتهد.
ولم ينج من هذه الظاهرة سوى القلة النادرة من المصلحين المجددين، الذين عولوا على مقاصد الشريعة، وقواعدها العامة، وأدلتها الكلية، ونهجوا خطة المتقدمين في التأليف، وفي مقدمة هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه يعتبر نقطة تحول كبيرة في تاريخ الفقه الإسلامي؛ حيث اعتمد في اختياراته الفقهيه على النظر في الأدلة، والأخذ بالأقوى من آراء الفقهاء السابقين، واستخرج أحكاما للقضايا الجديدة في عصره.
ورث العصر الحاضر ذلك التراث الفقهي القديم بما له وما عليه، في الوقت الذي تطورت فيه أساليب التأليف، وشملت التجديد في كل مادة من المواد، وأحس الناس بالحاجة إلى التجديد في أنماط التأليف الفقهي، فلجئوا تارة إلى الإخراج والتحقيق، وأخرى إلى البحث الموضوعي المقارن مع المذاهب، أو مع المذاهب والقوانين الوصعية، وكان للرسائل الجامعية في الماجستير والدكتوراه" أثرها الطيب في ذلك، وإن كان أثرا محدودا.
стр. 465
الواقع الدراسي:
كانت الدراسات الإسلامية في العصور الأولى أساسا للتعليم، فهي المحور الذي تدور عليه العلوم كلها، وأول ما يتلقى الدارس إنما يتلقى هذه الدراسات في القرآن الكريم، والحديث الشريف، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، وأصوله، مع ما يستوجبه ذلك من دراسة اللغة العربية بعلومها، ثم تكون دراسة العلوم الأخرى المعاصرة.
стр. 466
وكانت الغاية من الدراسات الإسلامية هي استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية فيما يجد للناس من حوادث، وما يعرض لهم من مشكلات، والفقه الإسلامي بمصادره هو الأصل الذي يحكم سلوك الأفراد وتصرفاتهم، وحياة الجماعة، ونظام الحكم، وشئون الاقتصاد، والسياسة.
ولكن الضعف السياسي الذي لحق الأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة بعد نجاح آمر أعدائها عليها، وتمزيق شمله، وما تبع ذلك من تخلف فكري وغزو ثقافي ...
لكن هذا وذاك أتاح الفرصة لأعداء الإسلام في إشاعة اتهامه بالقصور، وعجزه عن تلبية حاجات العصر، ولا سيما أن الدراسات الفقهية ظلت جامدة متخلفة، فنشأ جيل من أبناء الأمة أرضع لبان الفكر الغربي، واستهواه الاستغراب في ديار الإسلام؛ فأراد استبدال دراسةالحقوق القانونية الغربية بدراسة الفقه الإسلامي، وكان له ما أراد وساعد على ذلك غياب الإسلام عن مجال الحكم كما سيأتي في الفقرة التالية.
لقد تسرب هذا الدخيل في بلادنا عن طريق الدراسة بما يسمى: "بكليات الحقوق" أو "معاهد الحقوق". والدراسة في هذه الكليات: لحمتها وسداها: الحقوق الغربية، وما يتفرع عنها من قوانين وضعية؛ حيث لا يدرس الفقه الإسلامي إلا في مادة واحدة تتعلق بأحكام الأسرة، تعرف "بالأحوال الشخصية".
وهكذا وقع الازدواج في الدراسات الفقهية؛ حيث توجد "كليات الشريعة" في معظم البلاد الإسلامية لدراسة الفقه الإسلامي ومصادره في جميع مجالات الحياة، وتوجد كذلك "كليات الحقوق" لدراسة الحقوق الغربية وقوانينها الوضعية، وزاحمت هذه تلك، وتوشك أن تضيق عليها الخناق، لتطمس معالم الدراسات الفقهية، كما هو معهود لدينا في بعض البلاد.
стр. 467
الواقع التطبيقي:
الإسلام هو شريعة الله الخالدة، وقد تناولت الشريعة الإسلامية شئون الحياة كلها، عقيدة وعبادة، واجتماعا واقتصادا، وسياسة، وحكما، وحددت النصوص الشرعية أصول الأحكام في الأحوال الشخصية، والمعاملات، والعقوبات، واستمد فقهاء الإسلام من هذه الأصول من الكتاب والسنة -الأحكام الجزئية التي تتجدد بتجدد الأحداث في كل عصر، وظلت أحكام هذه الشريعة الغراء تبسط نفوذها على أمة الإسلام في عصور التاريخ المختلفة. وإن ذكرت بعض المصادر توقف العمل بالأحكام الشرعية عندما دخل هولاكو بغداد ولم يقبل أحد من حكام المسلمين التهاون في حكم من الأحكام لأن تحكيم الشريعة الإسلامية من أصول الإيمان بهذا الدين ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا،﴾ ١. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الفَاسِقُونَ﴾ ٢ ... في آيات متتاليات.
فلما كثر احتكاك المسلمين بالغرب، وتأثر بعض المسلمين بالثقافة الغربية، وضعفت الدولة العثمانية، تسرب الفكر الغربي إلى ديار الإسلام، وبدأ التهاون في التزام أحكام الشريعة، ثم كان استبدال القوانين الوضعين بها مرحلة مرحلة.
وأول عدوان على أحكام هذه الشريعة كان عدوانا على أحكام الجنايات والحدود -أي ما يسمى بالعقوبات- وذلك يشمل: القصاص في النفس وما دونها، وحدود الزنا، والقذف، والسرقة، والشرب، والردة والبغي، والحرابة؛ وذلك حين أحدثت الخلافة العثمانية قانون الجزاء العثماني، سنة ١٨٤٠م وهو ترجمة لقانون الجزاء الفرنسي، مع شيء من التعديل، فسرى هذا القانون على عامة البلاد الإسلامية، وبذلك تعطل جانب من جوانب الفقه الإسلامي في مجال التطبيق.
стр. 468
وانحسر عن أنحاء العالم الإسلامي لولا ما خص الله به الجزيرة العربية من الاستمساك بالشريعة الإسلامية.
أما أحكام العلاقات المدنية: كالبيوع والإجارة، والضمان، والكفالة، والخوالة، والرهن، والأمانات، والودائع، والهبة، والغصب، والإتلاف، والحجر، والشفعة، والشركات، وما يتبع ذلك؛ فقد ظلت الدولة العثمانية تطبق فيه الفقه الإسلامي على المذهب الحنفي وإن كانت قد نظمت ذلك فيما يسمى "مجلة الأحكام الشرعية" وأخذت البلاد التابعة للدولة العثمانية بأحكام المجلة.
أما مصر التي كانت قد انفصلت عن الخلافة العثمانية؛ فقد استنكف حاكمها الخديوي إسماعيل باشا عن تطبيق المجلة الشرعية، وترجم القانون المدني الفرنسي الأول "قانون نابليون" وطبقة في بلاده، وكان هذا بداية التقنين الوضعي في أحكام المعاملات، وما كان الشعب المصري المسلم ليقبل هذا بسهولة، لولا أن الخديوي استخدم بعض العلماء١ في الكتابة عن ذلك، لبيان أن هذا القانون مستمد من مذهب الإمام مالك.
والحق أن هذه تكأة باطلة، يحاول أصحابها أن يعطوا القانون الوضعي صفة شرعية؛ فإن الحضارة الغربية- وإن كانت قد تأثرت بالحضارة الإسلامية إلا أنها كيفتها بما يتفق مع فلسفتها عن الحياة ومفاهيمها العامة، التي تختلف عن فلسفة الإسلام ومفاهيمه؛ فلا يقال: إن القانون الوضعي مستمد من الفقه الإسلامي، فهو غربي الفكرة والروح، والفقه الإسلامي في أصالته غني عن أن تنسب إليه هذا اللقيط، والتوافق في بعض الأحكام لا يعنى أن هذا هو فقه الإسلام.
وحين زحف الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي بعد أن مزق باقي أوصالهن زحفت معه القوانين الوضعية، وسادت أحكام القانون المدني الغربي، حتى في تركيا التي انسلخ قادتها من حضارة الإسلام، وتقمصوا الحضارة الغربية.
стр. 469
واستمر العمل بأحكام الفقه الإسلامي في المعاملات بالجزيرة العربية والأفغان.
فحسب، إلى وقتنا الحاضر لولا ما أصاب أفغانستان من غزو شيوعي، يوشك أن يدحره الجهاد الإسلامي ويرده على أعقابه خاسرا.
أما أحكام نظام الأسرة التي تسمى: "الأحوال الشخصية" فقد ظلت ولا تزال -في أنحاء العالم الإسلامي مأخوذة من الفقه الإسلامي، وظلت لها محاكمها الشرعية الخاصة حتى في البلاد التي سادت فيها القوانين الوضعية، ولم يحدث مساس بها، سوى ما كان من إدماجها مع المحاكم العادية في مصر، وإن بقيت لها دوائرها الخاصة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه البقية البقية الباقية من جانب الفقه الإسلامي التطبيقي، يحاول بعض الناس العدوان عليها، فيما يتعلق بتعدد الزوجات، وأحكام الطلاق، والتفاوت بين الذكر والأنثى في الميراث. وأحرزت هذه المحاولات العدوانية شيئا من النجاح في بعض البلاد.
стр. 470
يقظة الشعور الإسلامي، ومحاولات التجديد في الفقه:
كان تطبيق القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية، بلاء مستطيرا، لم تقابله الشعوب المسلمة بالانقياد، بل قبلته كرها، وهي تشعر بأن هذا انحراف عن دين الله، وخروج عن شريعته، وما فتئت تعبر عن سخطها لهذا الوضع ورغبتها الأكيدة في تحكيم الشريعة الإسلامية من وقت لآخر، وقد ظهر هذا في صور مختلفة كالحركات الإصلاحية، والجهود الجماعية والفردية لتنظيم الفقه والدعوة إلى مجتمع فقهي وإلى موسوعة فقه إسلامية.
стр. 471
الحركات الإصلاحية
...
الحركة الإصلاحية:
قامت حركات إسلامية عديدة في البلاد الإسلامية، قام بها رجال مصلحون، وتركزت الدعوة فيها على المطالبة بالعودة إلى الإسلام في عقيدته الصافية، وشريعته السمحة، واستنفار الهمة لإعادة مجد الإسلام من جديد، ونبذ مظاهر الشرك والعبودية، ولو كان هذا في شرك الأحياء وعبوديتهم.
وقد اختلفت هذه الحركات في طابعها العام، إلا أن روحها كانت تنبثق من ذلك الشعور الآنف الذكر. مع تركيز كل واحدة منها على ناحية خاصة، كالعقيدة أو السلوك أو الحرية السياسية، أو تحكيم الإسلام في شئون الحياة كلها، وفي طليعة هذه الحركات: حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحركات جمال الدين الأفغاني، وحركة الشهيد حسن البنا أي: "الإخوان المسلمين".
وقد اهتمت حركة الإخوان المسلمين ولا تزال بالدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية اهتماما بالغا، وجددت المفاهيم الإسلامية الصحيحة لهذا الدين وشموله لشعب الحياة كلها: عقيدة، وعبادة، وخلقا، وقضاء، وكان صمودها أمام تيار التغريب والحكم بغير ما أنزل الله، مصدر محن لها حتى الآن، وعلى نمط هذه الحركات، قامت حركة الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان بقيادة أمير الجماعة أبو الأعلى المودودي ﵀.
стр. 472
الجهود العامة والجهود الفردية في صياغة الفقه:
وعندما تسرب القانون الوضعي إلى العالم الإسلامي، أحس المخلصون في ديار الإسلام بالحاجة إلى تنظيم الفقه والتجديد في صياغته؛ فإن الترتيب الفني في القانون الوضعي يجعل العثور على الحكم سهلا ميسورا، في فقرات موجزة، وترقيم مرتب، وفهرس مفصل، فلماذا لا ينظم الفقه الإسلامي كذلك؟ وبدأت محاولات هذا التنظيم لصياغة الفقه منذ فترة طويلة.
стр. 473
" مجلة "الأحكام العدلية ":
أحسست الدولة العثمانية بخطر القوانين الوضعية الذي يهددهم في عرضه.
الجذاب، وتنسيقه المحكم، فشكلت لجنة من فقهائها البارزين، وعهدت إليهم بتنظيم أحكام العلاقات المدنية في الفقه الإسلامي، على المذهب الحنفي، واستمر عمل هذه اللجنة سبع سنوات؛ حيث صدر هذا التنظيم باسم "المجلة" سنة ١٢٩٣هـ وسميت بذلك: لأنها كانت تصدر أبوابا متتابعة، فأشبهت في صدورها المجلات، وأهم ما تناولته المجلة:
١- مقدمة في تعريف علم الفقه وتقسيمه وفي بيان القواعد الفقهية.
٢- أبواب المعاملات المختلفة لكل منها كتاب، وفي مقدمة كل باب منها تكون الاصطلاحات الفقهية المتعلقة به.
٣ اشتملت على ستة عشر كتابا.
٤- رتيت أحكامها في صورة مواد مختصرة، يقتصر الحكم فيها على رأي واحد.
٥- بلغ مجموع موادها "١٨٥١ مادة".
٦- صدرت الإرادة السنية بتطبيقها من ٢٦ شعبان سنة ١٢٩٣هـ.
٧- العلماء الذين اشتركوا في صياغتها ثمانية.
وتعتبر "المجلة" أول تنظيم تشريعي كان استمداده من الفقه الإسلامي خالصا.
- مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان:
وقام الفقيه "محمد قدري باشا" بصياغة ثلاثة كتب على المذهب الحنفي كذلك؛ إحداها في الأحوال الشخصية وثانيها: في الوقف، وثالثها: في أحكام المعاملات، وسمى هذا "مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان" جعله على أحكام عامة، وأخرى خاصة، وعرضه في مواد بلغت "١٠٤٥ مادة".
стр. 474
مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان
...
الجذاب، وتنسيقه المحكم، فشكلت لجنة من فقهائها البارزين، وعهدت إليهم بتنظيم أحكام العلاقات المدنية في الفقه الإسلامي، على المذهب الحنفي، واستمر عمل هذه اللجنة سبع سنوات؛ حيث صدر هذا التنظيم باسم "المجلة" سنة ١٢٩٣هـ وسميت بذلك: لأنها كانت تصدر أبوابا متتابعة، فأشبهت في صدورها المجلات، وأهم ما تناولته المجلة:
١- مقدمة في تعريف علم الفقه وتقسيمه وفي بيان القواعد الفقهية.
٢- أبواب المعاملات المختلفة لكل منها كتاب، وفي مقدمة كل باب منها تكون الاصطلاحات الفقهية المتعلقة به.
٣ اشتملت على ستة عشر كتابا.
٤- رتيت أحكامها في صورة مواد مختصرة، يقتصر الحكم فيها على رأي واحد.
٥- بلغ مجموع موادها "١٨٥١ مادة".
٦- صدرت الإرادة السنية بتطبيقها من ٢٦ شعبان سنة ١٢٩٣هـ.
٧- العلماء الذين اشتركوا في صياغتها ثمانية.
وتعتبر "المجلة" أول تنظيم تشريعي كان استمداده من الفقه الإسلامي خالصا.
стр. 475
التشريع الجنائي في الإسلام:
وقام الأستاد "عبد القادر عودة" أحد رجالات الإخوان المسلمين الذين استشهدوا وكان يشتغل بالقضاء، قام بإخراج كتاب: التشريع الجنائي الإسلامي وهو كتاب في جزئين الأول: في القسم العام: والآخر: في القسم الخاص، وصاغه في مواد كذلك، اشتملت على أحكام: الجنايات والحدود والتعزيرات، وقد قارن فيها بين المذاهب الفقهية الإسلامية، والقوانين الوضعية، وبلغت مواده "٦٨٩ مادة".
وهناك جهود فردية أخرى.
стр. 476
إنشاء مجمع فقهي:
ودعا كثير من العلماء إلى إنشاء مجمع فقهي على نسق المجامع العلمية الأخرى، تحقيقا للهدف العام الذي يشعر المسلمون بالحاجة إليه في تجديد الفقه الإسلامي وتطوره، وحتى يكون هذا المجمع وسيلة للاستنارة برأي الجماعة في الاستنباط يغني عن الاجتهاد الفردي، وفي مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة ١٣٨٤هـ قدم الشيخ "مصطفى الزرقا" اقتراحا بذلك جاء فيه:
"إذا أريد إعادة الحيوية لفقه الشريعة بالاجتهاد الواجب استمراره شرعا والذي هو السبيل الوحيد لمواجهة المشكلات الزمنية الكثيرة، بحلول شرعية حكيمة عميقة البحث متينة الدليل بعيدة عن الشبهات والريب والمطاعن، وتهزم آراء العقول الجامدة والجاحدة على السواء؛ فالوسيلة الوحيدة هي: اللجوء لاجتهاد الجماعة، بديلا عن الاجتهاد الفردي، وطريقة ذلك تأسيس مجمع للفقه يضم أشهر فقهاء العالم الإسلامي، ممن جمعوا بين العلم الشرعي والاستنارة الزمنية، وصلاح السيرة والتقوى ويضم إلى هؤلاء علماء موثوق بهم في دينهم من مختلف الاختصاصات الزمنية اللازمة في شئون الاقتصاد: والاجتماع: والقانون: والطب: ونحو ذلك، ليكونوا بمثابة خبراء يعتمد الفقهاء رأيهم في الاختصاصات الفنية".
стр. 477
ويتضح من هذه العبارة أن مهام هذا المجمع المقترح ستتناول النظر في المسائل الجديدة التي حدثت في هذا العصر، ولم يكن لها نظر سابق، كالتعامل المصرفي بأنواعه، وأوراق اليانصيب، وأنظمة الشركات الحديثة والتأمين بأقسامه.
وقد أخذت رابطة العالم الإسلامي في مكة أخيرا بهذا الاقتراح، وأنشأت مجمع الفقه الإسلامي، وله اجتماعات دورية يتناول فيها بحث بعض الموضوعات ذات الأهمية في حياة الناس اليوم؛ ولكنه لا يتسم بالضوابط التي تضمنها الاقتراح.
ونرجو أن يرتفع إلى مستوى ما يواجهه العالم الإسلامي اليوم من مستجدات.
стр. 478
مجمع البحوث الإسلامية:
وفي الأزهر أنشئ مجمع البحوث الإسلامية بمقتضى القانون ١٠٣ لسنة ١٩٦١ ميلادية الخاص بتطوير الأزهر برئاسة شيخ الأزهر ومسئولية أمين عام ويضم عدة لجان: لجنة القرآن والسنة، لجنة البحوث الفقهية، لجنة إحياء التراث الإسلامي لجن الدراسات الاجتماعية.
وتقوم لجنة البحوث الفقهية بتقنين الشريعة الإسلامية على المذاهب المختلفة. كما يقوم المجمع ببحث القضايا التي تهم العالم الإسلامي وإصدار البحوث التي نتضمن رأي الإسلام في هذه القضايا، ويعقد مؤتمرا عاما يدعى إليه علماء العالم الإسلامي كل عام لمناقشة هذه البحوث، وقد انعقد أول مؤتمر سنة ١٩٦٤م.
стр. 479
موسوعة الفقه الإسلامي:
وأما هذا الرصيد الضخم من الفقه الإسلامي في المذاهب الإسلامية المتناثرة في الكتب القديمة، وإزاء التحديات المختلفة للإسلام وشريعته، تجدد الشعور بالحاجة إلى موسوعة للفقه الإسلامي للاعتبارات الآتية:
стр. 480
الحاجة إلى الموسوعة الفقهية على الصعيد الإسلامي:
تيسير معرفة الأحكام الفقهية التي في بطون أمهات الكتب القديمة:
لست من هؤلاء الذين ينظرون إلى كل قديم بمنظار قاتم، ويرون في كتب الفقه القديم طلاسم يصعب حلها، ويعتبرون أي تجديد تقدما ونصرا فإن أصحاب أمهات كتب الفقه الأصيلة قد أفنوا أعمارهم فيها قربة إلى الله تعالى، وبذل كل واحد فيما ألفه من جهد ما يعجز عن القيام به في الوقت الحاضر المجامع والمؤتمرات، ولا تزال الأبحاث الجديدة مع ما فيها من تجديد لا تجد لها معينا تستقي منه سوى تلك المصادر الأولى، التي يجب إجلال أصحابها، والاعتراف بفضلهم، والدعاء لهم جزاء ما قدموا للإسلام من ذخيرة فقهية عظيمة؛ ولكنني أرى أن الممارسين لهذه الكتب، والذين تمرسوا بها، هم الذين يفهمون أسلوبها ويدركون الأحكام في مظانها -وهم قلة نادرة- ويظل أكثر الناس -حتى من المشتغلين بالفقه الإسلامي- يعانون كثيرا من الصعوبات في الاستفادة من تلك الكتب، في معالجة قضايا الفقه الإسلامي.
ونستطيع أن نجمل ما يجده الباحث في أمهات كتب الفقه من صعوبات في الأمور الآتية:
أ- يجد صعوبة في البحث عن الحكم الجزئي؛ حيث إن فهارس تلك الكتب فهارس مجملة تكتفي بذكر الأبواب، ورؤوس الموضوعات، والموضوع واحد قد يشتمل على مئات الأحكام الجزئية التي لا يرد لها ذكر في الفهرس.
ولم يكن السابقون يعرفون طريقة الفهارس التحليلية التي تعين القارئ على سرعة الوصول إلى ما يبتغيه في لحظات قليلة، ولم تخدم هذه الكتب في العصر الحاضر بفهرستها إلا النزر اليسير، بصورة لا تفي بالغرض المقصود؛ بل إن عمل الفهارس وحده قد صار مرحلة أولى تتبعها مرحلة ثانية، هي: بيان موجز الحكم وهو ما يمكن أن يسمى بـ "معجم الكتاب".
فالفهرسة ضرورية لكتب الفقه الكبيرة، التي تبلغ عدة مجلدات، ويقع بعض أبحاثها في مظانه التي تحظر على بال الباحث؛ وذلك ببيان موضع الحكم المبحوث عنه في الكتاب الأصلي، فإذا أضيف إليها بيان موجز
стр. 481
الحكم، ساعد ذلك من يريد الاكتفاء بالمعجم عن الرجوع إلى الكتاب الأصلي.
ب- ويجد الباحث في كتب الفقه الكبيرة صعوبة في الفهم؛ فإن أكثرها شروح وحواشي على متون ومختصرات.
وكان أصحاب الحواشي يكتفون ببيان أول الجملة التي يريدون الكلام عنها من الشرح، ثم ينصرفون إلى شرحه أو التعليق عليه، دون ربط متصل بالمتن، مع التركيز الشديد في الأسلوب؛ فإذا قرأ الباحث وجد نفسه من ناحية أمام نصوص متفرقة لا يجمعها سياق واحد.
ومن ناحية ثانية، أمام أسلوب مركز لا يفهمه إلا من اعتاد قراءة هذه الكتب، وهذا يجعل عثوره على الحكم الذي يبحث عنه صعبا في كثير من الأحيان.
جـ- ويجد الباحث كذلك صعوبة في الفهم الرموز والمصطلحات؛ فإنها تشير إلى كلمات مختزلة لأسماء المراجع أو المؤلفين؛ فمن أمثلة هذه الرموز مثلا في كتب الفقه الحنفي: "ط، س، ز، ح" والمراد بتلك الحروف على التوالي "الطحاوي، أبو يوسف ومحمد، زفر، الحلى المداري" ولا بد من الرجوع إلى الجزء الأول لمعرفة مدلول كل رمز منها.
ومن أمثلة هذه المصطلحات "الإمامان" وهما "أبو حنيفة وأبو يوسف" والصاحبان وهما "أبو يوسف ومحمد"، والأئمة الثلاثة: "أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد" وهكذا.
د- وقد تكون صعوبة إدراك المراد بالمصطلحات ناشئة من اختلاف مدلولها عند المذاهب؛ فإذا لم يكن القارئ على إلمام بها أخطاء في فهم الحكم نفسه. ومثال ذلك: اصطلاح الفساد والبطلان عند الحنفية؛ فالفساد عندهم يقابله الصحة، والبطلان يقابله عدم الانعقاد، وغير الحنفية يجعل الفاسد
стр. 482
كالباطل، وكالوجوب عند الحنفية؛ فهو بين الفرض والسنة. أما غيرهم فالوجوب والفرض بمعنى واحد.
هـ- ومعظم الناشرين لهذه الكتب القديمة يجمعون عدة كتب في كتاب واحد، يوضع واحد منها أو أكثر داخل الإطار، وتوضع الكتب الأخرى في الحواشي خارج الإطار، ويفصل بينها خط، وهذا يجعل الباحث في حيرة أمام ثلاثة كتب أو أربعة في صفحة واحدة.
و ويجد الباحث في بعض هذه الكتب الآراء الفقهية الكثيرة التي نقلها المؤلف دون أن يعزو رأيا إلى صاحبه ومصدره، حتى يتيح للقاريء استئناف النظر فيها من خلال مراجعها الأصلية.
هذا بالإضافة إلى أن كثيرا من المؤلفين في الفقه من أصحاب المذاهب، لا يعتنون بذكر الأدلة، من الكتاب والسنة، وإن ذكروا شيئا من الاستدلال بالسنة، وأوردوه دون تمحيص تعرف منه درجته، أيجمع شروط الصحة أم لا؟ بل إن بعضهم يورد الأخبار الموضوعة التي لا أصل لها.
ومنهج البحث اليوم يعتمد اعتمادا كبيرا على أصالة مصادره وقوة أدلته هذه هي أهم الصعوبات التي يواجهها الباحث في كتب الفقه القديمة، ما لم يكن ممارسا لها متخصصا فيها.
стр. 483
الحاجة إلى الموسوعة على الصعيد العالمي:
١- اتسعت العلوم اتساعا كبيرا، وتشعبت فيها الآراء والاتجاهات، ولم يعد كافيا في أي فرع من فروع هذه العلوم أن تقرأ فيها كتابا واحدا حتى تلم بأطرافه إلماما موضوعيا يشفي غلة الباحث، ويطفئ ظمأه. وليس من السهل أن يحصل الباحث على كل ما كتب في موضوع ما؛ فإن علاج الموضوعات العلمية أصبحت مجالاته متعددة، في: الرسالة، والمحلية، والصحيفة، والكتاب، والوثيقة، فإذا وقع الباحث على بعضها فسيظل بعضها بعيدا عنه، وليس من السهل عليه كذلك إذا
стр. 484
تيسر له جميع ما كتب في الموضوع أن يقرأ كل ما كتب. ولا سيما إذا كان يريد معرفة جزء منه. والكتب المؤلفة، منها ما هو في موضوعات متعددة، وإن كان في علم واحد، ومنها ما هو في موضوع بعينه، والموضوع له عناصره، وليس هناك سوى الفهرسة الإجمالية التي تشير إلى الباب أو الفصل، أو المسألة؛ فمتى يحصل الباحث على العنصر الذي يريد في كافة المصادر التي تناولته؟ إن هذا أمر عسير للغاية. وقد خطا التأليف في العصر الحديث خطوة في هذا السبيل تيسر البحث، تلك الخطوة هي ما يعرف بالفهرسة بأنواعها، وأساليبها المختلفة، التي يمكن معرفة تفاصيلها من الكتب المتخصصة في هذا الميدان: فهرس رجال السند، فهرس الأعلام، فهرس أسماء الأماكن، فهرس أسماء الكتب، فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث النبوية، فهرس الأبواب، فهرس الفصول، فهرس الموضوعات، فهرس المصادر ... إلى غير ذلك من الفهارس التي تختلف باختلاف الكتب، ويكون بعضها حسب ترتيب موضوعات الكتب كفهرس الموضوعات، وبعضها حسب أبجدية الحروف مع غض النظر عن الترتيب في الكتب، وهكذا دواليك.
ثم تقدمت الوسائل الفنية في هذا الميدان بعد أن كثرت الكتب والمجلات والوثائق التي ينبغي للباحث الرجوع إليها، وأصبحت الوسائل التقليدية لا تفي بالغرض ولا تسعف للباحث الرجوع إليها، وأصبحت الوسائل التقليدية لا تفي بالغرض ولا تسعف الباحث؛ فاستخدم العلم الآلة في خدمة الإنسان، فوفر له الجهد الكبير والوقت الطويل، فاستخدم العلم الآلة في خدمة الإنسان، فوفر له الجهد الكبير والوقت الطويل، بإنجاز العمل في سرعة مدهشة، وشمل استخدام الآلة جمع المعلومات بما يعرف "بالأدمغة الإلكترونية"١ واستخدمت هذه "الأدمغة الإلكترونية" في مشروع مركز الإعلام الحقوقية، والقانونية، التي تتسع لتخزين كافة التشريعات والأحكام والنظم القانونية من كافة بلدان العالم، لتكون في خدمة رجل القانون.
ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الشريعة الإسلامي بمنأى عن الاستفادة.
стр. 485
منها في هذه المراكز. وإذا ظلت أحكام الفقه الإسلامي في بطون الكتب القديمة دون ترتيب موضوعي، وفهرسة جزئية تفصيلية، وجمع لما تناثر منها في غير مكانه؛ فإن القائمين على مشروع مراكز الإعلام القانوني يجدون العذر كل العذر في إغفال الاستفادة من الفقه الإسلامي ضمن برامج هذا المشروع. لذا كانت الحاجة ماسة إلى موسوعة فقهية تستخرج الأحكام من بطون أمهات مراجع الفقه الإسلامي في المذاهب المختلفة، وتعرضها بأسلوب موطأ الأكناف، ميسر الفهم، مرتب الموضوعات، مقسم الفقرات، حتى يسهل الإحالة إليها، وهذا من مستلزمات "الأدمغة الإلكترونية" تمهيدا لتلبية طلبات الراغبين في معرفة أحكام الفقه الإسلامي في مشارقة الأرض ومغاربها، بعد صياغتها بالعربية، ثم ترجمتها إلى اللغات الأجنبية، وبعض الأجهزة الإلكترونية اليوم يستخدم الحروف العربية.
٢- وقد كثر الاهتمام بالدراسات القانونية المقارنة، تمهيدا لاختيار الأصلح منها، وسعيا وراء توحيدها بين دول العالم كله أو جله؛ ففي ظل هيئة الأمم المتحدة تأسست سنة ١٩٤٩م تحت إشراف اليونسكو "اللجنة الدولية للقانون المقارن" وهي تتابع نشر دراسة القوانين الأجنبية في العالم، وتقوم منذ عام ١٩٦٤م بإعداد موسوعة دولية للقانون المقارن، وهناك مجامع دولية للقانون في كثير من البلاد الأوروبية تسعى لتحقيق هذا الغرض نفسه، وتصدر العديد من الدراسات القانونية المقارنة.
هذه اللجان والمجامع تعترف بأهمية أحكام الفقه الإسلامي، وتتعلل بعجزها عن الاستفادة منها لصعوبة أسلوبها، وتناثر أحكامها، فإذا تحقق مشروع موسوعة الفقه الإسلامي، وترجم إلى اللغات الأجنبية الحية، زالت هذه العلة.
هذا.... وإن تلك المراكز والمجامع القانونية الدولية تعقد من حيث لآخر مؤتمرات عامة، تدعى إليها الدول الإسلامية لدراسة بعض المشاكل القانونية.
وارتفاع صوت الشريعة الإسلامية في هذه المؤتمرات يتيح الفرصة في الأوساط القانونية الدولية للتعريف بمزايا الشريعة، ودفع الشبهات عنها، وقدرة فقهها الغزير
стр. 486
على إمداد هذه المؤتمرات بالمفيد القيم من البحوث والنظريات، وموسوعة الفقه الإسلامي، تيسر معرفة الأحكام الفقهية، وتيسر عرضها في هذه المجالات.
стр. 487
مشاريع موسوعة الفقه الإسلامي
مشروع كلية الشريعة بجامعة دمشق
...
مشاريع موسوعة الفقه الإسلامي ١:
لقد نجم عن الشعور بالحاجة إلى موسوعات فقهية تيسر سبيل البحث الفقهي أن قامت عدة مشاريع نذكر منها ما يلي:
١- مشروع كلية الشريعة بجامعة دمشق:
حين أنشئت "كلية الشريعة" في دمشق، وتولى عمادتها الداعية الإسلامي الدكتور "مصطفى السباعي" ﵀ قام بأوجه نشاط عدة، مستعينا برجال مختارين من الهيئة العامة في جامعة دمشق ومن خارجها.
وكان من ثمار ذلك مشروع موسوعة الفقه الإسلامي الذي تبنته الكلية وصدر به مرسوم جمهوري رقم ١٧١١ بتاريخ ٣/ ٥ / ١٩٥٦م.
وقد تضمنت مواد هذا المرسوم الخطوط العامة للمشروع:
المادة الأولى: تصدر كلية الشريعة في الجامعة السورية موسوعة "دائرة معارف" للفقه الإسلامي، غايتها صياغة مباحث الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه، وإفراغها في مصنف جامع مرتب، على غرار الموسوعات القانونية الحديثة بحث:
أ- يعرض مواد الفقه الإسلامي عرضا علميا حديثا.
ب- ويسهل الرجوع إلى نصوصه في كل موضوع، للاستفادة منها إلى أبعد حد.
جـ- ويرشد الباحثين إلى مصادر هذا الفقه، ومواطن كل بحث فيه.
المادية الثانية: توضع موسوعة الفقة الإسلامي هذه باللغة العربية، ولمجلس
стр. 488
الجامعة السورية، بناء على اقتراح كلية الشريعة، أن يترجمها إلى اللغات الأخرى، أو يسمح بترجمتها إليها بشروط يحددها.
المادية الثالثة: يشرف على إصدار هذه الموسوعة وما يتصل بها "لجنة موسوعة الفقه الإسلامي" يؤلفها مجلس الجامعة، بناء على اقتراح "مجلس كلية الشريعة" على ألا يتجاوز عددها سبعة أشخاص.
هذا وقد تألفت "لجنة موسوعة الفقه الإسلامي" من: الدكتور مصطفى السباعي ﵀ والدكتور أحمد السمان ﵀ والأستاذ مصطفى الزرقا، والدكتور معروف الدواليبي، والدكتور يوسف العش.
ورأت هذه اللجنة بعد البحث والدراسة أن المرحلة الأولى للعمل تقتضي تحقيق أمرين:
أ- تحديد الموضوعات الفقهية التي تبحث في الموسوعة تحت عنوان مفرد -أي كلمة مفردة- دون مراعاة لترتيب أبواب الفقه المعروفة.
ب- فهرسة ما أمكن من أمهات كتب الفقه المعتمدة، وترتيب تلك الفهارس على الحروف الأبجدية، ليسهل على من يشارك في تحرير الموسوعة الرجوع إلى ما يريد دون مشقة١، وكان معجم "المحلى" لابن حزم الظاهري أول عمل لخدمة المشروع، وهو يورد الكلمة بصيغتها الاصطلاحية بما فيها من حروف أصول وزوائد، ويحيل إلى أماكنها ويذكر خلاصة الحكم الفقهي الذي استقر عليه ابن حزم؛ ففي حرف الألف مثلا يوجد الكلمات: آل البيت، آنية، آب، إباحة، إبراء، أبكم، إبليس، أبو بكر، إجارة، اجتهاد، أجرة، إجماع، إجهاض، أحباس، احتكار، إحداد، إحرام، إحصار، وهكذا ...
стр. 489
منهج الموسوعة:
ويتلخص منهج الموسوعة في الأمور الآتية:
١- غاية الموسوعة: الغاية من الموسوعة هي جمع التراث الفقهي المبعثر في كتب الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبها، جمعا مرتبا ميسرا توجيهيا؛ بحيث يكون مادة قريبة التناول للباحث، وهاديا لمن يريد التوسع إلى المصادر نفسها.
٢- المذاهب: يترتب على هذه الغاية من الموسوعة أن تكون الموسوعة حاوية لكل المذاهب والآراء في الفقه الإسلامي بقدر الإمكان؛ فيجب أن تتضمن المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كما يجب أن تتضمن أيضا مذاهب أخرى كالظاهري، والزيدي، والإمامي، والإباضي.
وخوفا من التكرار رأت لجنة الموسوعة اتخاذ المذهب الحنفي- باعتباره المذهب السائد في البلاد- أساسا لعرض الموضوع ثم تذكر وجوه الخلاف بين هذه المذهب والمذاهب الأخرى؛ إلا إذا اقتضى البحث في موضوع من الموضوعات اختيار مذهب أساسي آخر أوسع من المذهب الحنفي، كما في مسألة الشروط في العقود؛ فإن دائرة الشروط الصحيحة في المذاهب الحنفي أضيق منها في مذاهب أخرى، كالمذهب الحنبلي، فيحسن عرض الموضوع على أساس الاجتهاد الحنبلي.
٣- طريقة الموسوعة وترتيبها:
أ- فضلت اللجنة ترتيب الموسوعة حسب الحروف الهجائية "أ- ب - ت- ث - ج" إلخ ...
ب- ترد كل مادة تحت الحرف الأول لها؛ فكلمة: "إجارة" ترد تحت حرف الألف، وكلمة "بيع" تحت حرف الباء، وكلمة "صلاة" تحت حرف الصاد..... وهكذا....
جـ- والعبرة من تحديد الحرف الأول من الكلمة، بالكلمة الفقهية نفسها لا بأصولها.
стр. 490
المجردة، ولا بالمصدر، باعتبار الموسوعة سجلا فقهيا، وليس قاموسا لغويا؛ فالكلمة الفقهية أقرب إلى ذهن الباحث من الأصل المجرد أو مصدرها، فكلمة "مزارعة" مثلا تأتي تحت حرف الميم، ولا تحت حرف الزاي.
د- ويحال عقب البحث إلى المواد المتشابهة، أو المشتركة، أو المتصلة؛ ففي البيع مثلا، يوجه نظر القارئ للرجوع إلى "مقايضة" وإلى "سلم" وإلى "صرف".
٤- تقسيم الموضوعات: تقسم الموضوعات إلى ثلاثة أقسام
أ- موضوعات شاملة: كالبيع.
ب- موضوعات مستقلة: كالخيار؛ فهو داخل في موضوعات شاملة كالبيع، ولكنه يكون موضوعات مستقلة.
جـ- مواد إحالة: وهي التي تدخل في الموضوعات الشاملة أو المستقلة؛ ولكن يجب إيرادها تحت حرفها، ثم الإحالة إلى مواضعها تسهيلا على الباحث.
مثال "مثمن": ترد في حرف الميم، ولكن يحال الباحث إلى مادة "مبيع" وهكذا ... وعلى الكاتب في كل حال أن يذكر المراجع بطبعاتها.
٥- أسلوب الكتابة: يجب على الكاتب أن يعرض الموضوع بأسلوب خال من التعقيد اللفظي، ويحسن أن أمكن أن يستعمل الكاتب عبارة الكتب الفقهية نفسها، إذا وجد عبارة من كتاب فقهي تؤدي إلى المعنى بوضوح وبساطة؛ فينقلها بذاتها بين قوسين، محيلا إلى المرجع الذي نقلت عنه.
٦- مراحل العمل: ويجتاز هذا العمل الضخم مراحل:
أ- المرحلة الأولى: وهي مرحلة جمع ألفاظ الفقه الإسلامي من كتب المذاهب الأربعة المعروفة، ومذهب أهل الظاهر.
ب- المرحلة الثانية: هي مرحلة وضع المخططات للبحوث على ضوء الألفاظ المستخرجة في المرحلة الأولى.
стр. 491
ج- المرحلة الثالثة: هي استكتاب العلماء، وفقا للمخططات الموضوعة.
د- المرحلة الرابعة: هي مراجعة البحوث المكتوبة التي ترد إلى اللجنة، والتنسيق بينها وتهيئتها للطبع.
وقد قام الدكتور محمد زكي عبد البر بعمله في المرحلة الأولى، ولم ينجزها إنجازا كاملا.
стр. 492
٢- مشروع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة:
أدت الوحدة بين مصر وسوريا سنة ١٩٥٨م إلى اتصال العلماء في البلدين، واقتضى ذلك التعاون في مشروع الموسوعة الفقهية التي بدأت بها كلية الشريعة في جامعة دمشق، فجددت الجمهورية العربية المتحدة مرسوم إنشاء الموسوعة بالقرار الجمهوري رقم ١٥٣٦ لسنة ١٩٥٩م، وأضيفت بهذا المرسوم أسماء أخر، وخلال سنة ١٩٦٠م كانت اتصالات عديدة بين رجال الموسوعة بدمشق ووزير الأوقاف بمصر، أنشأ على أثرها وزير الأوقاف المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وكان من بين لجان هذا المجلس لجنة لموسوعة الفقه الإسلامي، ثم صدر قرار وزاري في يناير سنة ١٩٦١م بتشكيل هذه اللجنة من السوريين والمضربين.
وفي موجة تقديس الزعامات، ونسبة الشيء إلى غير أهله، صدر القرار الوزاري كذلك بتسمية الموسوعة التي تقوم اللجنة بوضعها "موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي" وكان من حظه اللجنة في هذا العمل١:
أ- أن تكون الموسوعة مدونة ترتب موادها ترتيب حروف المعجم -مراعي في ذلك أول الكلمة والحروف التالية لها- كما ينطق بها من غير نظر إلى أصلها.
стр. 493
ب- أن تكون أسماء أبواب الفقه مواد مستقلة "مصطلحات" توضع في ترتيبها الهجائي، أما ما عدا ذلك فيتبع بشأنه ما تقرره لجنة المراجعة، ثم اللجنة العامة.
جـ- أن تكون الموسوعة جامعة لأحكام المذاهب الفقهية الثمانية: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة والظاهرية والشيعة الإماميةن والزيدية١، والإباضية، وجمع ما في كل منها من الأقوال، إلا الأقوال الشاذة "ساقطة الفكرة".
د- أن يكون إيراد أدلة الأحكام في اعتدال، وبمقدار ما تستبين به وجهة النظر.
هـ- أن تتناول الموسوعة مسائل أصوات الفقه، والقواعد الفقهية، لارتباطها الوثيق بالأحكام الفقهية.
و أن وظيفة الموسوعة ليست الموازنة بين الشرائع، ولا بين المذاهب الفقهية، ولا ترجيح بعض الأقوال على بعض، ولا نشر البحوث والآراء؛ وإنما وظيفتها جمع الأحكام الفقهية، وترتيبها، ونقلها في دقة وأمانة، بعبارات سهلة، تساير أحوالنا من المراجع الفقهية التي تلقاها الناس بالقبول حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري؛ وذلك دون تفرقة بين المعمول به وغير المعمول به الآن. أما ما عدا ذلك مما ليس من وظيفتها الأصلية فيكون له ملحق خاص.
ثم انفصلت سوريا عنصر سنة ١٩٦١م وأثر ذلك على لجنة الموسوعة، فإن أعضاءها السوريين تعذر اجتماعهم، ولذلك ألفت اللجنة تأليفا جديدا سنة ١٩٦٢م وأعيد التشكيل مرة أخرى في آخر سنة ١٩٦٤م.
وقد صدر من الموسوعة حتى الآن٢. أربعة عشر جزءا، وآخر الجزء الرابع عشر هو الكلام عن:أطعمه.
стр. 494
٣- مشروع "جمعية الدراسات الإسلامية" بالقاهرة:
فكرت جمعية "الدراسات الإسلامية بالقاهرة في أن تقوم بعمل مدونة للفقه الإسلامي، لا يراعى في تدوينها ما يراعى في كتابة دائرة المعارفة من استخلاص الاصطلاحات الفقهية وترتيبها؛ بل تجمع أحكام المذاهب الثمانية، مذاهب السنة الأربعة، ومذاهب الزيدية، والجعفرية، والإباضية، والظاهرية، في كل باب فقهي.
وتكونت لجنة لهذة المدونة من القضاة والأساتذة الجامعيين، وأخذوا يجمعون النصوص من الكتب الفقهية الأصلية، ويضعونها مواضعها، وبدأوا بكتاب النكاح، فجمعوا نحو ١٥٠٠ صفحة، ولم يتجاوزا أركان النكاح وشروطه.
ثم رأى مجلس إدارة جماعة الدراسات الإسلامية أن النفقات أكثر من الإنتاج، وقرر أن يستبدل بالمدونة إنشاء موسوعة فقهية على حسب الحروف الهجائية فيتبع في ترتيب المصطلحات الفقهية ترتيب الحروف، فحرف الهمزة، ثم حرف الباء، ثم التاء، إلى آخر حروف الهجاء، باعتبار لفظ المصطلح، مع غض النظر عن حروفه الأصلية والمزيدة.
ويراعى في الموسوعة أن تكون جامعة للتراث الإسلامي في الفقه، وفق ما في المذاهب الفقهية الثمانية، وقد تذكر آراء بعض الصحابة والتابعين التي وردت في الكتب المعتبرة، مع العناية بذكر المصادر عقب كل بحث، أو في الهامش.
كما يراعى أن يذكر في دراسة المذاهب الثمانية ما هو متفق عليه أولا، ولا حاجة إلى تكرار عبارات الكتب، وما يكون موضع خلاف يذكر المذهب الذي يكون عليه الأكثر، ثم تذكر من بعد ذلك الآراء التي تخالفه ومنشأ الخلاف.
واعتبرت اللجنة أصول الفقه جزءا من الثروة الفقهية، فجعلته ضمن الموسوعة، يذكر كل موضوع منه تحت مصطلحه.
стр. 495
تواصلت اللجنة- برئاسة الشيخ "محمد أبو زهرة" ﵀ بأن تكون الموسوعة: سهلة، نيرة ضاحية؛ بحيث لا تعلو إلى إدراك المثقفين ولا تنبو عنها أذواق المتخصصين، بل يجد كل منهما ما ينقع غلته، ويشبع حاجته، من غير أن تلتوي عليه الطرق.
ومع نهاية عام ١٩٦٥م كان الجزء الأول من الموسوعة قد تمت كتابته شاملا الموضوعات الآتية:
١- المقدمة.
٢- آل.
٣ آب.
٤ إباحة.
٥- إباق.
٦- أبد.
٧- إبل.
٨ - إبن
٩- إتلاف.
وذلك في ٥٤٤ صفحة