ضرب، كتب، فتح، نادى، غنى، راح، باح١ ... إلخ.
٣- أوزان بذواتها:
وزن "أفعل" -دالا على لون أو عيب- جاءت أمثلته كلها تقريبا على وفاق الفصحى بدون تغيير:
أحمر، أخضر، أبيض، وأعمى، أعود ... إلخ.
"أفعل التفضيل متلوا بمن، هو الآخر كثير الورود والاستعمال على نظام الفصحى" "أسرع، أحسن، أفضل، أكبر".
أسماء الفاعلين والمفعولين على وزن "فاعل ومفعول" "ما عدا ما صيغ من فعل أجوف أو ناقص"، يكثر ورودها على صورها الفصيحة، بدون تغيير:
اسم الفاعل اسم المفعول
فاهم مفهوم
عارف معروف
كاتب مكتوب
كما نلاحظ أن كثيرا من أسماء الزمان والمكان من الثلاثي ذات حظ كبير من الاستعمال على وفق ما ورد في الفصحى: مكتب، مدخل، ملعب، مرمى ... إلخ.
وينتسب إلى هذا الباب "باب الكلمات الفصيحة الصرفة" كلمات تستعمل على وجهها الصحيح ويظن الناس أنها عامية خالصة، من هذه الكلمات:
стр. 212
خر = في القاموس: خر الماء سقط من علو إلى سفل بصوت.
خام = في القاموس: الخام الجلد لم يدبغ.
رف = في القاموس: الرف شبه الطاق عليه طوائف البيت.
سك "الباب" = في القاموس: السك: سد الشيء.
ولعل "سك" أصلها "صك" بالصاد وفي القاموس: صك الباب أغلقه. والمعنيان كما ترى متقاربان، كما أن النطق فيهما أيضا متقارب.
خش = في القاموس: خششت فيه دخلت.
داس = في القاموس: الدوس الوطء بالرجل، وفي المختار: داس الشيء برجله.
المداس = في القاموس: المداس الذي يلبس في الرجل.
شاف = في القاموس: شاف الشيء شوفا جلاه.
وهكذا نستطيع أن نأتي بمئات من الكمات من هذا القبيل، لو نحن كنا بصدد الحصر، ولكنا نعني هنا بالتمثيل فقط١.
ب- كلمات يمكن تفصيحها:
نقصد بالتفصيح محاولة إرجاع الكلمة إلى أصل فصيح، إما بالإشارة إلى ما أصابها من تغيير أو تطور في الوزن أو في بعض الأصوات، وإما بردها إلى لهجة قديمة. وهذا النوع من الكلمات ذو أمثلة فائقة الحصر والعد، ومن ثم سوف نعني هنا بإيراد أمثلة لنماذج مختلفة فيها:
١- كلمات ذات أصل فصيح ولكن أصاب بعض أصواتها الصامتة شيء من التغيير في النطق، مثل:
стр. 213
"زعق، زقاق" "تنطق القاف همزة في القاهرة ونحوها من المدن المصرية".
"جمل، جميل" "ينطق الجيم الفصيحة المركبة "جيما انفجارية خالصة على أن هذا النطق الثاني نفسه يروى أنه لهجة قديمة فصيحة".
"تلاته، سوره" "ينطق الثاء تاء في الأولى وسينا في الثانية".
"زكي، زليل" "ينطق الذال فيهما زايا".
"ظلم، ظلام" ينطق الظاء فيهما زايا مفخمة".
كلمات أصاب بعض حركاتها تغيير:
شباك "بكسر الشين والفصيح ضمها".
شتيمة "بكسر الشين والفصيح فتحها".
فتك "بكسر الفاء والتاء والفصيح "فتك" بفتح الفاء وكسر التاء".
فيهم يسمع "بكسر الأول والثاني فيهما والفصيح فتح الأول وكسر الثاني، وهذا الوزن من الأفعال كثير جدا".
ومن المفيد أن نعلم أن هذا التغيير في الحركات أدى بطبيعة الحال إلى تغيير الأوزان، وهذا التغيير بصورتيه ملحوظ في الأفعال المضارعة إلى حد كبير، كما نعلم جميعا.
ومن أشهر أمثلة تغيير الحركات بسبب التطور الصوتي تحويل الفتحة المتبوعة بياء ساكنة إلى حركة طويلة أمامية نصف ضيقة وتحويل الفتحة المتبوعة بواو ساكنة إلى حركة طويلة خلفية نصف ضيقة، مثل بيت "bayt" في العامية "beet" يوم "yawm" في العامية "yoom".
٣- كلمات أو أوزان جاءت على وفق لهجة قديمة، وهذا النوع أمثلته كثيرة
стр. 214
وذات أشكال عدة، وبسبب هذه الكثرة سوف نشير إلى الظاهرة الأساسية، مع ذكر نماذج محدودة:
أ- تسهيل الهمزة: "فار، راس" وذلك معروف في لهجة عربية قديمة.
ب- كسر حرف المضارعة: "يفهم، يفتح"، وهو لغة بهراء.
جـ- حذف نون "من" الجاره: ملآن "من الآن" وهو لغة خثعم وزبيد من اليمن.
د- حذف اللام والألف من "على" الجاره. علمفرس عللحته "على اللجنة" وهو لغة بلحارث.
وهذا السلوك في العامية أشبه بقانون مطرد. وهناك إلى جانب ذلك أمثلة متفرقة جاءت على أوزان وصور مختلفة، وكلها -أو جلها- يمكن ردها إلى أصل فصيح، بشيء من التعمق والنظر الدقيق، من ذلك:
"هو" بتشديد الواو.
"امبارح" بالميم بدلا من اللام في أداة التعريف، وهذه لهجة معروفة.
"مديون" بالتصحيح بدلا من الإعلال "مدين"، ويروى أنها لهجة تميم.
٤- كلمات حدث فيها تغيير بالزيادة أو القلب أو الإبدال.
"بحلق" وأصلها الفصيح "حملق".
"يطوح" وأصلها الفصيح "يتطوح".
"راجل" بزيادة ألف وتغيير في الأصوات.
جـ- كلمات معربة أو دخيلة:
وهذه كثيرة الاستعمال في العامية، وقد دخلتها "وغيرها" عن طريق الاتصال الثقافي والعلمي بلغات أجنبية مختلفة. وهي في معظمها تعبر عن
стр. 215
مظاهر الحضارة والتقدم العلمي في العصر الحديث. ولسنا هنا بصدد التمثيل لهذا النوع من الكلمات، فهي معروفة لنا جميعا، ونستخدمها في حياتنا العامة والخاصة في المجالات المختلفة. والأهم من ذلك كله أن نقرر أنه لا ضير علينا مطلقا إن نحن استخدمنا هذه الكلمات على المستويين العامي والفصيح، لأنها ذات مدلولات خاصة، ليس من السهل أحيانا التعبير عنها بألفاظ عربية. أو قل: إنه ينبغي -في أقل تقدير- أن نستعملها فترة معينة من الزمن حتى تستقر مدلولاتها في أذهان الناس، وحينئذ علينا أن نحاول ترجمتها بالتدريج، كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
المجال الثاني مجال الجمل والعبارات:
يمكن أن نستعين كذلك بالعامية في مجال الجمل والتراكيب. والمعروف أن اللغة ليست كلمات أو ألفاظا مفردة، وإنما هي كلمات وألفاظ صنعت في نسق معين، وضم بعضها إلى بعض على نظام خاص، وفقا لقواعد اللغة المعينة في ذلك. وحصيلة هذا الضم والنظم في التراكيب التي يمثل لها عادة بالجمل أو العبارات.
والحق أن الاستعانة بالعامية في مجال الجمل والعبارات أجدى من الجري وراء الألفاظ، ولكن الواقع الملموس يمنعنا من هذه الإفادة على الوجه المأمول، ذلك لأن قواعد نظم الكلام في العامية خرج في عمومه عن قوانين الفصحى في ذلك إلى حد واضح، وبالرغم من هذا سوف نحاول رسم خطة موجزة يمكن جعلها مدخلا لدراسة شاملة لهذا الموضوع.
ينبغي أن تكون الاستعانة في هذا المقام مركزة على أنماط الجمل، لا على مكونات هذه الأنماط، ولكن لا ضير علينا إن نحن أخذنا في الحسبان هذه المكونات كذلك إذا كانت فصيحة أو قابلة للتفصيح على الوجه الذي بينا.
стр. 216
وأشهر أنماط الجمل في العامية التي يمكن الأخذ بها أو الانطلاق منها نمطان معروفان هما:
١- مبتدأ + خبر
٢- فعل + فاعل
والنمط الأول أكثر ذيوعا واستعمالا في العامية، وليس بعيدا عن الفصحى، حتى إذا كان الخبر فعلا، غاية الأمر أنه قليل نسبيا، وشروط استعماله بمقامه المناسب له حسب قواعد البلاغة العربية.
والمكون الثاني لهذا النمط الأول قد يكون اسما مفردا أو جملة فعلية أو اسمية أو شبه جملة. ومكونات هذا النمط بجزأيه معروفة للتلميذ بحسب أنواعها سواء أكانت أسماء أم "بالنسبة للمكون الثاني وحده" أفعالا أم شبه جملة. ووظيفتنا استغلال هذه المعرفة السليقية بحشو هذا الموقع بكلمات فصيحة، أو كلمات لها أصل فصيح.
أما النمط الثاني "وهو الأقل ورودًا في العامية" فينبغي الأخذ به بطريق تدريجي حتى نصل بالمتعلم إلى درجة تقربه من سلوك الفصيحة في ذلك.
على أن هذين النمطين إنما يمكن العمل بهما في الإثبات بصورة أوسع وأشمل من زميليه الاستفهام والنفي.
ذلك لأن جمل الاستفهام الخاص، قد تغيرت قواعد نظمها إلى حد كبير، من ذلك مثلا أن أداة الاستفهام الخاصة تأتي عادة في نهاية الجملة في اللغة العامية، على العكس من المتفق عليه في الفصحى:
الولد فين؟ × أين الولد؟
هذا بالإضافة إلى أن واحدا من مكونات الجملة "وهو أداة الاستفهام"
стр. 217
قد يعد بعدا واضحا عن صيغه المقررة في الفصيحة، بالرغم من عدم استحالة تفصيحه بصورة أخرى.
أما جمل الاستفهام العام فيمكن الالتجاء إليها وينبغي استغلالها. فهي في عمومها ما زالت -في نظمها- تجري على قواعد العربية باستثناء أداة الاستفهام: الهمزة أو "هل".
الولد في البيت × آلولد في البيت؟
وهنا تنبغي الإشارة إلى أن على المعلم واجبا ملحا في وجوب تصوير النطق تصويرا صادقا بحسب قواعد أنماط هذه الجمل. إن العامية هنا استعاضت بالتنغيم عن الأداة، وخاصة هذا التنغيم، إنه تنغيم صاعد للإشارة إلى عدم تمام الكلام، وتمامه إنما يكون بالإجابة عن السؤال.
وأنماط جمل النفي في العامية قد طورت لنفسها قواعد من النظم ليس من السهل "في هذه المراحل المبكرة" أن نفحصها، حيث إن ذلك يأخذ وقتا طويلا ويحمل المتعلم عنتا وجهدا:
الولد "أو الواد" مش فاهم "عامية" الولد ليس فاهما "فصيحة".
ما كتبتوش "عامية" × لم أكتبه "فصيحة" ... إلخ.
ويمكن -بدلا من ذلك- بذل شيء من الجهد في سبيل تقديم أنماط منفية فصيحة يحتاج انتفاؤها إلى دقة فائقة من المعلم.
ومهما يكن من أمر فهذه إشارة إلى الطريق، وعلى المهتمين بشئون التعليم أن يعكفوا على دراسة هذا المجال. إنهم إن فعلوا ذلك بصدق وإخلاص لا بد واصلون إلى نتيجة يمكن الاعتماد عليها والانطلاق منها إلى خط تعليمي واضح سليم.
هذا الطريق الذي رسمناه يوضح لنا كيف يمكن أن نأخذ بيد التلميذ
стр. 218
منطلقين به من مادة يعرفها إلى مادة مجهولة أو تكاد تكون كذلك. وبالمثل نستطيع أن نتدرج به من الفصحى المعاصرة إلى فصحى التراث، وبذلك تكمل حلقات لغتنا القومية وندخل في مجال موحد هو مجال العربية في عمومها، بدون تصنيف جاد لمستوياتها.
ولكن الالتجاء إلى فصحى التراث تقتضي منا حذرا وعناية، ويوجب علينا النظر في الأمر بموضوعية غير مشوبة بالعواطف أو متبوعة بتسحر وأسى.
نستطيع أن نأخذ من فصحى التراث أسهل نماذجها، وأقربها إلى المعهود لدى المتعلم وأن نسير به في خطى متدرجة. وليس يعوزنا العثور على كثير من النماذج التي تفي بغرض التعليم السليم والحصول على قدر كاف من كنوز تراثنا وثقافتنا الأصيلة.
القرآن الكريم مملوء بالنماذج الرائعة في السهولة وقرب التناول.
ولذلك الحديث الشريف والأدب العربي -نثرا وشعرا- نستطيع أن نقتطف منهما نماذج كثيرة منوعة، تنطلق كلها بالسهولة والقرب من إدراك المتعلمين في أية مرحلة، ولكن الأمر يحتاج إلى عناية في الاختيار، وإلى دقة في رسم خطة الأخذ منهما، بحسب الحاجة ومقتضيات السن والمستوى الثقافي للطلاب.
هذا السبيل الذي رسمناه إن اتخذناه كفيل بأن يضع لنا أساسا سليما ومنطلقا صالحا لتعليم اللغة في المراحل الأولى، وجدير أن يربط حاضرنا بماضينا ويفتح أعيننا على مستقبل لغوي أغنى مادة وأكثر ثروة. ولكن هذا المنهج يحتاج إلى عمل متواصل ودراسات مستمرة، تتمثل في النظر الدائم في العامية لتعيين الصالح منها وتحديد القدر المناسب للأخذ به من حيث القلة والكثرة، بحسب الترقي في مراحل التعليم، كما تتمثل في الرجوع إلى
стр. 219
فصحى التراث لمراجعة آثارها وكنوزها واختيار ما يتسق مع هذا المنهج، بحيث يكون الانتقال إليهما انتقالا طبيعيا غير مصطنع، حتى تأتي في نهاية المطاف إلى صيغة لغوية عامة مقبولة تمثل ثقافتنا في كل العصور وتعبر عن حاجاتنا في مجتمع حديث، مملوء بمظاهر العلم والحضارة.
إرشادات إلى مبادئ الاختيار:
إنه من الخطأ والخطر أن تلتقط المادة اللغوية التقاطا وتقدم إلى التلاميذ دون درس ونظر دقيقين، بل ينبغي أن يقوم الأمر على أساس من الاختيار الذي تحدده مجموعة من المبادئ أو الذي يتحرك ضمن إطار عام في أقل تقدير. ولسنا بقادرين هنا أن نأتي على كل هذه المبادئ أو معظمها أو أن نحدد إطارا معينا يلتزم به الدارسون. ومن ثم سوف نقنع بذكر أمثلة من القواعد التي يمكن الاسترشاد بها عند اختيار المادة، وهي قواعد تهدف إلى تسهيل الأمر على التلاميذ ومساعدتهم على تقبلها بدون عناء أو بذل جهد كبير.
من المبادئ المقررة بين المربين وجوب الحرص على فكرة التوازن بين جوانب المادة، وبخاصة في حالتنا هذه، تلك الحالة التي تأخذ من الفصحى المعاصرة محورها الأساسي، مع امتدادها إلى العامية وفصحى التراث للأخذ منهما. فها هنا ينبغي ألا يطغى جانب على الآخر، وإنما تمثل الجوانب كلها تمثيلا مناسبا، وفقا لظروف الحال، ومقتضيات المستوى الثقافي للتلاميذ.
وعلينا في كل الحالات أن نأخذ في الحسبان تلك العناصر اللغوية المختلفة التي من شأنها أن ترشح المادة للاختيار. هذه العناصر ذات أنواع شتى منها ما يتصل بالكلمة المفردة ومنها ما يختص بالجملة.
стр. 220
أولا: في الكلمة
هناك صفات صوتية وصرفية ودلالية جديرة أن تجعل الكلمة مستساغة وأكثر قبولا.
أ- صفات صوتية:
١- الأقرب إلى روح المنهج الصحيح أن تخلو الكلمة من الأصوات الصعبة في بداية الأمر، كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا. من هذه الأصوات الصعبة بالنسبة للصغار: الثاء والذال والظاء، وحروف الإطباق: الصاد والضاد والطاء "والظاء". أما الجمع بينها أو تتابعها في كلمة واحدة فهو أمر يكلف المتعلم جهدا وعنتا، كما في نحو: اضطر، اصطبر، إلخ.
وترجع الصعوبة في نطق هذه الأصوات إلى طبائعها وإلى عدم إتيان الكبار لها على الوجه الصحيح١.
٢- الجمع بين أصوات أقصى جهاز النطق "الحنجرة وأقصى الحنك" يمثل صعوبة ظاهرة، كالجمع بين العين والهاء، أو العين والخاء.
٣- الكلمات إذا قلت مقاطعها وقصرت كانت أفضل، وأولى بالاختيار. على أن هناك أصواتا تألفها الأذن العربية ويكثر الناس من استعمالها لاحتوائها على عنصر الوضوح السمعي أو عنصر "الغنائية". من هذه الأصوات ما يعرف بأصوات الذلاقة٢ التي يجمعها قولهم "مر بنقل" وكذلك أصوات الرنين أو ما تسمى بأشباه الحركات ويجمعها علماء
стр. 221
العربية في قولهم "لن عمر"، أو "لم يروعنا" في رأي بعضهم وفي استطاعتنا استغلال هذه الخاصة لتلك الأصوات باختيار الكلمات التي تنتظمها.
ب- صفات صرفية:
١- الأولى أن تكون الكلمات على وفق الأوزان السهلة المقبولة: "فعل" أولى من "أفعل"، وهذا أفضل من "افعلل" إلخ.
٢- الكلمات الخالية من اللواصق " " أفضل من تلك التي تشحن بهذه اللواصق، فأعطى مثلا أفضل من "أعطاكها" حيث جاء الفعل الأول مجردا من أية لاصقة على حين ورد الثاني بلاحقين " ".
جـ- من حيث الدلالة:
إن الاهتمام بالدلالة أو المعنى لا يقل عن الاهتمام بالشكل والصورة للكلمة، إذ لا خير في كلمة غمض معناها أو التبس على المتعلم. إن الاغتناء بالألفاظ دون مراعاة المعاني خطأ وخطر، إذ يجعل من التلميذ مجرد آلة يردد ما يسمع دون أن يعي شيئا.
ومن ثم ينبغي أن نقرر أن البدء بالكلمات ذات المعاني المحسة خطوة على الطريق السليم، أما الألفاظ ذات المعاني المجردة أو المفهومات الفلسفية أو الجدلية فهيهات أن يفيد منها المتعلم في هذه السن المبكرة.
وعلى هذا النهج ننصح المربين بالتقليل ما أمكن من استعمال الكلمات التي تؤدي إلى سوء الفهم أو الغموض، كالمشترك اللفظي والتضاد والمجاز، وما إلى ذلك من تلك الكلمات التي تحتمل أكثر من معنى، ولا يمكن التفريق بين معانيها إلا في سياقات معينة، ربما لا تقع تحت خبرة المتعلمين الصغار.
стр. 222
ثانيا: في الجملة
للجملة هي الأخرى صفات تتعلق بالنظم وطرائقه تجعلها أقرب منالا وأكثر قبولا لدى المتعلم الصغير. من هذه الصفات وأهمها:
١- الجملة القصيرة أولى من الجملة الطويلة، لأن الطويلة تتطلب من التلميذ مجهودًا يتمثل في عملية الربط بين مكوناتها الداخلية. والقصر والطول من الأمور النسبية على كل حال، وهنا تظهر براعة المعلم في تحديد ما يختار. ومهما يكن من أمر ينبغي ألا تحشى الجملة بأعداد من المتعلقات أو المكلمات التي يمكن التعبير عنها في جمل أخرى مستقلة.
٢- الجملة البسيطة أولى من الجملة المركبة. ومن أمثلة الجمل المركبة تلك التي تشتمل على "أداة ربط" مثل "إن" و"إذا". إن الجملة من هذا النمط تحتوي على جملتين بسيطتين تنتهي كل واحدة منهما بنغمة موسيقية خاصة: الأولى "في حالتنا هذه" تنتهي بنغمة صاعدة إشارة إلى أن الكلام لم يتم، والثانية تنتهي بنغمة هابطة دلالة على انتهاء الكلام. وإنه لمن الصعب على المتعلم الصغير أن يأتي بنغمتين من نمطين مختلفين في منطوق واحد. نعم، قد يستطيع نطق هذه الجملة المركبة ولكنه سوف يخطئ في موسيقاها، دون شك.
٣- ينبغي أن تراعى قواعد التقديم والتأخير في الجملة، بحسب الشائع والأكثر استعمالا. فالمبتدأ الأولى به أن يكون في موقعه، لا أن يسبقه الخبر، والمفعول به ينبغي أن يأخذ مكانه حسب القواعد العامة، إذ تقديمه على الفاعل أو عليه وعلى الفعل معا يؤدي إلى تعقيد ظاهر.
تلك إشارات على الطريق أو نماذج مما ينبغي الأخذ به من صفات وسمات لغوية عند القيام بعملية اختيار المادة، سواء انتخبت هذ المادة من العامية أو من الفصحى بمستوييها.
стр. 223
على أن الأمر كله في حاجة ملحة إلى بحوث كثيرة، يضطلع بها المربون واللغويون معا، علنا في نهاية المطاف نصل إلى مستوى لغوي مقبول.
وسائل التقريب بين المستويات المختلفة:
يفترض أن اللغة التي يمكن أن تقدم إلى المتعلمين في هذه المرحلة هي اللغة العامية، أو ما يقرب أن يكون كذلك على أحسن تقدير.
ولكنا -كما يرى القارئ في الصفحات السابقة- لم نأخذ بهذا الافتراض على إطلاقه وإنما رأينا أن يكون محور عملنا هو الفصحى المعاصرة مع الامتداد بحدودها نحو العامية وفصحى التراث.
وموضوع التقريب بين المستويات اللغوية موضوع عام، يحتاج إلى بحث مستقل. ولكنا تتميما للفائدة -نستطيع أن نرسم خطوطا لجوانبه، ووسائله.
من أهم هذه الوسائل ما قمنا به بالفعل في بحثنا هذا. ونعني بذلك الاهتمام بالصيغة اللغوية الوسطى "الفصحى المعاصرة" مع الاتجاه نحو العامية لالتقاط فصيحها أو اختيار ما يمكن تفصيحه والسير بالتدريج نحو فصحى التراث، على الوجه الذي بيناه سابقا.
أما الوسائل أو العوامل الأخرى فهي كثيرة، وهي متدخلة متشابكة، تتعاون فيما بينها تعاونا وثيقا نحو الوصول إلى هدف محدد هو تكوين ما يمكن أن يسمى باللغة المشتركة أو اللغة القومية العامة، ويمكن تسميتها في الوقت نفسه "باللغة الفصحى أو الفصيحة".
وهذه الوسائل كلها يمكن ضمها تحت عامل واحد هو "التثقيف اللغوي القومي"، والنعت "بالقومي" جد مهم، لأنه يخرج العامية من الحسبان إذ هي ليست لغة قومية للعرب، وإنما هي صور من الكلام مختلفة، بحسب اختلاف البيئات والمستويات الثقافية الاجتماعية.
стр. 224
وأمثلة هذا التثقيف اللغوي القومي كثيرة، ولكنها تعتمد جميعا على التمسك بصيغة لغوية مقبولة ثقافيا وقوميا. تلك الصيغة أشبه بما يمكن أن يسمى "اللغة الأساسية" أو "اللغة النموذجية" إلخ.
من هذه الأمثلة:
١- تثقيف الأسرة:
تثقيف الأسرة تثقيفا لغويا أمر ذو خطر وبال، حيث يتلقى الطفل مبادئ الكلام وأسسه في محيط هذه الأسرة. إنه يشب على وفق ما يسمع.
٢- وسائل الإعلام:
الإذاعة "بوسيلتيها الراديو والتليفزيون" والصحافة من أخطر الوسائل للتقريب بين المستويات اللغوية، إن هي اتخذت لنفسها سبيلا واضحا وخطة مرسومة في المجال اللغوي.
الإذاعة يسمعها الصغار والكبار، وكذلك يسمعها الناس على اختلاف طبقاتهم وحرفهم وصنائعهم. والكلام المسموع ذو تأثير فعال. فإذا جرت هذه الإذاعة على استعمال نمط من الكلام موحد وصحيح ألفه المستمعون، وأغلب الظن أنهم سيقلدونه ويسيرون على منواله.
وكذلك الحال بالنسبة للصحافة، وإن كان جمهورها أقل من جمهور الكلمة المسموعة، ولكنها لا بد أن تترك أثرها على القراء.
٣- الغناء والأدب بفنونه:
الغناء كلمات مسموعة تلقى بلحن مطرب مشوق. فإن جاءت صحيحة مقبولة فعلت فعلها في نفوس الناس. ولعلنا نذكر أن رجل الشارع يردد من وقت إلى آخر بعض الأغاني الفصيحة، كتلك القصائد المشهورة التي غنتها أم كلثوم، من أمثال "نهج البردة" ونحوها.
стр. 225
والأدب المكتوب والمسموع له دوره الملحوظ في عملية التقريب بين المستويات اللغوية. وقديما قامت أسواق عكاظ وغيرها من الأسواق المعروفة في تاريخنا الأدبي بدور ملموس في التقريب بين اللهجات العربية كان الشاعر يعند إلى قصيدته فيؤلفها بلغة مشتركة، حتى يفهمها الناس الذين يفدون إلى السوق من بيئات مختلفة ذات لهجات منوعة.
٤- المسرح والسينما:
يلعب المسرح والسينما دورا له أثره في حياة الناس. ويستطيع هذان الجهازان أن يقوما بوظيفة تثقيفية جماهيرية، أساسها اللغة الفصيحة، أو لغة مثقفة تصلح واصلة بين العامية الصرفة والفصحى.
٥- النشرات الحكومية:
الملاحظ أن المكاتبات الحكومية لا تعني العناية الكافية باللغة على العكس مما ينتظر الناس، لأن صدورها عن هذه الجهات الرسمية له أثره ويقيننا أن اهتمامها بالأسلوب اللغوي الصحيح سبيل من سبل التقريب وتكوين لغة قومية مشتركة.
٦- الكتب الثقافية:
يجدر بالمسئولين أن يعنوا بالكتاب العام من حيث المضمون والشكل، ذلك لأن مثل هذه الكتب لها جمهور عريض، ومن ثم يجدر بنا أن ننتهز هذه الفرصة فنعني بلغتها، وبذلك تصبح رافدا من روافد الصحة اللغوية. مع ضرورة ضبط هذه المواد بالشكل ضبطا كاملا.
وأن لا ننسى مجلات الأطفال. فهي واحدة من أهم وسائل التقريب، غاية الأمر أن تحرير هذه المجلات يحتاج إلى ذكاء وحسن تصرف في المادة اللغوية، حتى يستطيع الصغير الإفادة منها على الوجه المبتغى.
стр. 226
بهذه الوسائل وغيرها يتسنى لنا أن نقوم بإصلاح لغوي قومي، وما أشد حاجتنا إلى لغة موحدة "أو شبه موحدة" يستخدمها الناس في مجالات حياتهم العامة. والخاصة في مختلف البلدان العربية.
ذلك أمل ننشده، ونظن أننا سائرون إليه وواصلون إلى الدرب بإذن الله، متى صحت النية، وصدقت العزائم.
стр. 227
المبحث السادس: الأخطاء الشائعة في نظام الجملة بين طلاب الجامعات
مدخل
...
المبحث السادس: الأخطاء الشائعة في نظام الجملة "بين طلاب الجامعات"
بالعنوان المذكور أربع كلمات تدخل في إطار المصطلحات التي ينبغي تحديدها منذ البداية، حتى تأتي المناقشة متسقة مع ما وضع لها من مبادئ وضوابط منهجية، تكون النتائج واضحة خالية من الاضطراب. والملاحظ أن كثيرا من الناس -مختصين وغير مختصين- يتناولون هذه المصطلحات وأمثالها بطريقة من اثنين. فقد يستعلمونها بدون تحديد من أي نوع، واهمين أن معانيها واضحة مستقرة في العرف العام، أو يحاولون تقديم نوع من التعريف بها، ولكن دون ربط هذا التعريف بمنهج علمي معين أو اتجاه في البحث واضحة معالمه ورسومه. وكلا الطريقين -في نظرنا- غير محمود، لأن المصطلحات العلمية لا يمكن أن يكتفى في تعرفها بمفهوماتها المعهودة في العرف العام، ولأن عدم ربطها بخط فكري محدد يؤدي إلى اللبس والخلط في نتائج الدرس. وهذا ما نعهده بالفعل في بعض الدراسات اللغوية المعاصرة، حيث يقع الخلاف بين الباحثين حول الموضوع الواحد أو النقطة الواحدة، والسبب في ذلك أن كل واحد منهم يأخذ المصطلحات بمعان تغاير ما رآه الآخر، أو أنه لم يحدد خطوط منهجه الذي يلقي الضوء على مفهومات مصطلحاته.
والمصطلحات التي ننتوي تحديدها في هذا البحث في ضوء ما نختار من منهج هي تلك "الكلمات" التي ينتظمها العنوان السابق باستثناء حرف الجر "في".
стр. 228
الأخطاء "ومفردها "خطأ ":
إن تحديد مفهوم "الخطأ" في اللغة يقتضي منا أن نشير -في إيجاز موجز- إلى نقطتين لهما صلة وثيقة بالموضوع، إحداهما منهجية والأخرى تتعلق بطبيعة اللغة. أما فيما يتعلق بطبيعة اللغة فمن المقرر والثابت أن اللغة لا تبقى على حال واحدة، بل يصيبها دائما وأبدا شيء من "التطور" أو التغير أو التبديل في كل ظواهرها: صوتية أو صرفية أو نحوية أو أسلوبية. ذلك أن الحياة نفسها متغيرة متجددة، ومن ثم تستلزم أنماطا من الكلام جديدة تقابل حاجاتها التعبيرية وتفي بأغراضها ومقاصدها التي تختلف من طور إلى طور ومن بيئة إلى أخرى. وهكذا تخضع اللغة لما يخضع له جميع مظاهر السلوك الإنساني فتتحرك من موقعها، فتضيف جديدا أو تنقص قديما أو تجمع بينهما. وتختلف درجة هذا التحرك وعمقه باختلاف الظروف والملابسات التي تعيش فيها اللغة المعينة.
هذا "التحرك" اللغوي أو تلك الديناميكية اللغوية المقررة يختلف الدارسون في الحكم عليها، كما يختلفون في تعيين مواقع آثارها في النظام اللغوي المعين. فهناك رجال المنهج الوصفي الذين يأخذون هذا "التحرك" قضية مسلمة، ولا يعنيهم منه إلا ملاحظته وتسجيله بأسلوب موضوعي صرف، ولا يدخلون أنوفهم فيما يلاحظون بنظرة ذاتية تسمه بالصواب أو الخطأ أو الجودة وعدم الجودة. وتنحصر وظيفتهم في وصف ما يلاحظون وتسجيل قواعده المستخلصة من الأمثلة المتشابهة. فالجديد عندهم إن كان مطرا في سلوكه ومظاهره ينضم إلى قواعد اللغة ويصبح جزءا من نظامها وإن لم يكن مطردا فهو ابتكار فردي، ربما يأتي عليه اليوم الذي يرشحه للقبول العام.
стр. 229
وإذا كان لهم أن ينعتوا هذا الجديد بنعت ينبئ عن منهجهم وصفوه "بالتغير" الذي لا يزيد مفهومه عن وصف ما وقع في اللغة بالفعل، وقد يسمه بعض البالغين منهم "بالتطور" بمعنى الانتقال من طور إلى طور أحسن، على أساس أن هذا الجديد أو هذا "التغير" لم يأت عبثا أو حشوا أو إفسادا وإنما جاء لمقابلة حاجات الناس في المجتمع الذي لا يكف عن التغير في كل مظاهر السلوك فيه.
أما المعياريون فلهم موقف مخالف تجاه هذا الجديد أو هذا التغير الذي يصيب اللغة. هذا التغير، إن خرج عن قواعد اللغة المتفق عليها والخاضعة للضوابط المرسومة، عد خطأ صرفا أو نوعا من اللحن أو الانحراف في أقل تقدير. إن هؤلاء المعيارين يفرضون القواعد ويفرضون الالتزام بها، إذ اللغة عندهم "ما يجب أن يتكلمه الناس". إنهم ينهجون المنهج المعياري الذي يعني بوضع معايير ومقاييس لغوية معينة ينبغي اتباعها والأخذ بها دائما وأبدا: فما جاء على وفق هذه المعايير والمقاييس فهو صواب. وما جاء على خلاف ذلك فهو خطأ.
وهنا تقابل المعيارين مشكلة حقيقية كثيرا ما تثار في الأوساط اللغوي وتوجه إليهم. هذه المشكلة تتمثل في السؤال التالي:
ما الأساس الذي تنبني عليه القواعد أو المعايير التي يجب الالتزام بها في السلوك اللغوي؟ أو ما مصدر هذه القواعد والمعايير؟
يجيب المعياريون عن هذا السؤال بطريق تقليدي موروث غامض؟ خلاصته أن الأساس أو المصدر إنما هو اللغة الصحيحة السليمة أو النموذجية "أو الفصحى في العربية" التي تلقاها الناس جيلا بعد جيل والتي وضع قواعدها ورسم حدودها أهل الاختصاص من اللغويين، ولا يعنيهم بعد ذلك أن تكون هذه اللغة قديمة امتد بها العمر وتعرضت لشيء من التغير أو أن
стр. 230
قواعدها جاءت شاملة لكل أنماط التعبير وصوره. ومضمون هذا الكلام أن هؤلاء القوم ينكرون التطور ودوره في السلوك اللغوي، أو أنهم يعترفون بوقوعه ولكنه في نظرهم يقع في مجال الخطأ والصواب وربما يمثل هذا الاتجاه واحد من رجالات العربية المشتغلين بقضايا "الصواب والخطأ" في اللغة، حين يقول: "تجري العربية على قوانين ومقاييس يعد الانحراف عنها خطأ ولحنا فيها. وكذلك مفرداتها وصيغها ومعانيها يجب الاحتفاظ بما ورد فيها عن العرب. ولا ينبغي أن نتجاوزه إلا بالمجاز أو الاشتقاق في حدود ما رسم جهابذة اللغة"١.
أما موقفنا نحن إزاء هذه القضية في هذا البحث وما شاكله فيتلخص في خط تفكيري ذي مرحلتين منفصلتين. نقوم في الأولى بتسجيل الظاهرة وتحليلها بالصورة التي تبدو عليها، ثم نتبع ذلك في المرحلة الثانية بتقويم ما نلاحظه ونبدي رأينا فيه من حيث الصواب والخطأ وفقا لمبادئ محددة. ونحن في ذلك لا نخلط بين منهجين، وإنما نفيد منهما معا، وبخاصة في هذه الآونة بالذات التي تحتاج العربية فيها إلى إبداء الرأي وتقديم المشورة، دون الاكتفاء بمجرد التشخيص النظري البحث. على أنه من سوء التقدير ألا نستغل نتائج الدرس الواصف وألا نحاول تطبيقها والأخذ بها بحسب الظرف المعين، كما أنه من الخطأ أن نفرض معايير أو مقاييس لغوية غير مستندة إلى واقع لغوي حقيقي.
وفي رأينا أن الحكم على الظاهرة المعينة من حيث الصواب والخطأ ينبغي أن يبنى على الأسس الثلاثة الآتية:
١- استشارة القواعد التقليدية المسجلة في كتب اللغة الموثوق بها.
стр. 231
٢- الائتناس بآراء أهل الاختصاص، ونعني بهم المشتغلين باللغة وشئونها بالحرفة والصنعة، من أمثال رجال المجامع اللغوية وأساتذة الجامعات المختصين.
٣- اطراد الاستعمال اللغوي في البيئة اللغوية المعينة مع عدم ورود ما يمنعه أو لا يجيزه من القواعد والضوابط المقبولة في إطار الأساسين الأولين.
ولسوف نأخذ هنا بهذه الأسس الثلاثة مجتمعة. أما الأخذ بالأساس الأول فواضح، ذلك أن اللغة العربية اليوم "أو "فصحى العصر" كما يقولون" في صورتها المكتوبة مازالت محتفظة بجملة الخواص المميزة للغة العربية في عصورها الأولى، ومازالت قواعدها الأساسية تسير في الإطار العام الذي رسمته القوانين والضوابط المسجلة في كتب اللغة "الرسمية" والتي اتفق على قبولها معيارا للصواب والخطأ. ومن ثم كان من المنطق والضروري كذلك أن نعود إلى هذه الضوابط لتقويم ما يواجهنا من مشكلات في عربية اليوم.
غير أنه ثبت بالتجربة والخبرة الطويلة أن هذه الضوابط والقواعد نفسها كثيرا ما تقف حائلا أمام إصدار حكم صريح في هذه القضية أو تلك، وأحيانا تقود إلى البلبلة والاضطراب في التقويم، وذلك للأسباب التالية:
١- تعدد الأوجه أو الأحكام بالنسبة للظاهرة الواحدة، وبخاصة في مجال الإعراب. وليس بخافٍ علينا ما سجله علماء العربية من أحكام فيما يختص مثلا بإعراب الأسماء الخمسة والمثنى وجمع المذكر السالم وكل ما سجلوه أو حكموا به وارد عن العرب أو هكذا قالوا.
٢- المبالغة في التأويل والتقدير والتفسير في التحليل الإعرابي، حتى إن المثل الواحد قد يعد صوابا في نظر بعضهم وخطأ صرفا في نظر الآخرين.
стр. 232
من ذلك مثلا ما نعلم وقرره الجمهور من أن كسر اللام بالجر من "رسوله" في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ خطأ صراح. بل لقد روي أن هذه القراءة كانت من أسباب قدوم أبي الأسود على وضع النحو، على حين أن بعضا من الدارسين جوز هذا الكسر على أساس أن الواو هنا للقسم لا للعطف. ومن المعلوم لنا أن بعض أمثلة هذا التأويل أو التقدير مبنية على أسس غير مسموعة من العربي صاحب اللغة ومصدرها الحقيقي، وإنما جرى تحليلها على أسس ذهنية افتراضية أو وفقا لوجهات نظر خاصة يتعسفها الدارسون القدامى أحيانا. ومن حسن حظهم أن خاصة المرونة التي تتسم بها قواعد العربية تغريهم بهذا السلوك من وقت إلى آخر، ولا يعنيهم بعد ذلك إن تغيرت المعاني أو اضطربت بمثل هذا المنهج.
٣- يتبع هذين السببين سبب ثالث يتمثل في تعدد درجات الصحة وإمكانية القبول للأحكام والضوابط التي رسموها، فهناك الصحيح باتفاق والمختلف في صحته، وهناك الضعيف والشاذ. وهناك ما يجوز في الشعر ولا يجوز في النثر. وهذا أمر -كما هو واضح- يضع الدارس أحيانا في حيرة بالغة، إذ قد يصعب عليه الاختيار أو التفضيل بين وجه وآخر أو درجة وأخرى من درجات الصحة أو القبول في كل حال ومثال. بل ربما دفعه ذلك إلى تجويز كل ما يقابله من مادة. على أساس أنه لا يعدم أن يجد لها أو لأمثلتها وجها أو تفسيرا أو تخريجا يستند إليه في الحكم، بل ربما تستقر في ذهنه المقولة المشهورة الصادقة غير الصادقة" "لا يخطئ نحوي قط".
٤- باستثناء الإعراب، لم يهتم علماء العربية الاهتمام الكافي بالنسبة للجوانب الأخرى للنظم أو نظام الجملة، حتى إن الإنسان ليحار أحيانا في الحكم بالصواب أو الخطأ على هذا المثال أو ذاك من حيث جوانب الاختيار
стр. 233
والموقعية والمطابقة، لا ننكر بحال أن هذه الجوانب قد عولجت بصورة ما في كتب النحو والبلاغة، ولكن ذلك جاء بطريقة ينقصها الاستقصاء والتصنيف واستخلاص القواعد العامة لكل باب وتجميعها في إطار علمي ذي حدود مرسومة. والحق أن جل ما جاء من ذلك من كتب التراث إنما كان لخدمة الإعراب أو بدافع منه.
٥- قواعد العربية وضوابطها -شأنها في ذلك شأن قواعد أية لغة- تتصف بالعموم لا بالشمول، أي: أنها لا تنسحب بالضرورة على كل مثال أو مقول أيام التقعيد وقبله. وأغلب الظن أنه كانت هناك أمثلة أو أنماط من التراكيب أو صور من الكلام لم تؤخذ في الحسبان عند التقعيد لسبب أو لآخر، على الرغم من أهليتها للنظر والدرس بوصفها كلاما عربيا ذا خواص مقبولة في بيئته، وذلك -في رأينا- أساس من أسس ترشيح هذا الكلام للأخذ به أو تقعيده. ودليل وجود مثل هذا الكلام المهمل تقعيده تلك الإشارات السريعة التي تقابلنا من وقت إلى آخر في كتب اللغة، منبئة عن وجه أو قاعدة جريئة في لهجة من اللهجات أو ضرب من أساليب الكلام.
إذا قبل هذا الظن -وهو جدير بالقبول- جاز لنا أن نقول لعل أمثلة من الجديد في عربية اليوم تنزع إلى ذاك القديم الذي لم تسجل قواعده أو سجلت وخفيت علينا أو على بعض منا.
كل هذه الأسباب التي تقف أمام الأخذ بالقواعد المسجلة جملة وتفصيلا، بكل ما تنتظمه من اضطراب وما تتسم به من تعدد في الآراء والتوجيهات والافتراضات تحتاج منا إلى النظر الدقيق في اختيار الأحكام وتطبيقها عند البحث في قضية الصواب والخطأ. ومنهجنا هنا هو الأخذ بما صح عند الجمهور وكان مبنيا على أساس واقعي خاليا من التأويل والافتراض أو التعسف في
стр. 234
التقدير. ولا ضير من الأخذ بالقليل أو الشاذ "بمعنى المخالف للقاعدة العامة" في غير قواعد الإعراب ما لم يخرج بالعربية من خواصها الأساسية فيؤدي إلى فساد المعنى أو اضطرابه. والأخذ بهذا القليل أو الشاذ مطلب محمود في هذا الأوان حيث تكثر مشكلات العربية وتصرخ في وجوهنا فلا نجد لها حلا إلا الرفض المطلق أو القبول المطلق، وكلا الأمرين لا يفيدنا في شيء.
وربما كان من الأوفق في هذه المرحلة أن نسترشد بأساس ثان من أسس التقويم عند الأخذ بالمنهج المعياري، فنعاود المختصين من اللغويين ونراجعهم من وقت إلى آخر. ونشير أن الرأي من هؤلاء المختصين مسلك مقبول بل ضروري في نظرنا، حيث إن في هذا النهج نوعا من "توحيد مصدر الفتوى" فيما جد في لغتنا، فلا تترك الأمور فوضى يتقاذفها أنصاف المثقفين وأشباههم فيفتوا بما يعلمون وما لا يعلمون. هذا بالإضافة إلى ما لهؤلاء المختصين من خبرة ودراسة في التفسير والتوجيه والإرشاد إلى ما يخفى على كثير من العاملين في الحقل اللغوي.
والملاحظ على كل حال أن بعضا من أهل الاختصاص يترددون في الحكم على الظواهر اللغوية الجديدة، ولا يستطيعون حل بعض المشكلات التي يستفتون فيها، إما تمسكا بظاهر القديم أو عجزًا عن الفتوى أو رفضا لهذا الجديد برمته.
وهم في هذا الموقف الأخير "وهو الرفض المطلق لكل جديد" يتنكرون لأهم وظائفهم كما يتنكرون لحقيقة ثابتة مستقرة، هي تغير اللغة من حال إلى آخر، شئنا أو لم نشأ. وهذا التغير يحتاج منا إلى نظرة ودراسة، ولا يجدي رفضه بحال من الأحوال. لهذا كان الأساس الثالث المشار إليه سابقا جديرا بالنظر والأخذ في الحسبان في قضيتنا هذه.
إن اطراد استعمال الظاهرة اللغوية في بيئة معينة يرشحها للقبول ويؤهلها لأن تصبح جزءا أو مثلا من أمثلة النظام اللغوي في هذه البيئة، ذلك
стр. 235
لأن انتشارها الواسع العريض يقضي على كل مقاومة تقف في طريقها. وهنا يأتي دور الباحث اللغوي الذي لا ينبغي أن يقف مكتوف الأيدي أمام الجديد اللغوي، وعليه أن يحكم بصحته ما لم يخالف بالنص قاعدة قديمة أو يعارضها وما لم يؤد إلى تغيير في أصول العربية أو الخروج بها عن دائرة الخواص المميزة لها. ونحن بهذا نتمشى مع روح التطور، وهو حتمي، ونضمن للغتنا نموا وغنى في وسائل التعبير. وهو ضروري.
ومن أمثلة هذا الضرب من الجديد في عربية اليوم قولهم "باطراد":
عندما تمارس الرياضة فسوف تجد راحة نفسية
حيث استعملت "عندما" رابطة تشبه أداة الشرط في ربط الشرط بجملة الجواب مع استخدام الفاء في جواب الشرط المبدوء بسوف، كما هو الحال تماما في أساليب الشرط المعهودة. ومن ذلك أيضا وبخاصة في عناوين الصحف.
المتهربون من الضرائب، كيف نتعقبهم؟
حيث استخدمت أداة الاستفهام كما لو كانت في غير موقع الصدارة، على حين أنها في الواقع جاءت في صدر جملتها وهي منطوق ثان أريد به نوع من البيان أو التساؤل شبه المستقبل جذبا للانتباه واهتماما بالفكرة.
стр. 236
الأخطاء الشائعة:
الشيوع في حد ذاته يعني كثرة الاستعمال وربما اطراده، وهذا دليل القبول من البيئة اللغوية، ويرشحه للنظر الذي قد يؤدي إلى الحكم بصحته هذا هو رأي الوصفيين. ولكن المعياريين لهم توجه آخر، إذ المصطلح "الشائعة" وقع صفة لمصطلح آخر هو "الأخطاء". وشيوع الأخطاء ظاهرة تنذر بفساد اللغة واضطراب قواعدها. الأمر الذي يستوجب العمل على مقاومته وعلاجه بطريق أو بآخر.
والمعياريون -على العكس من الوصفيين- لا يدخلون في تفاصيل تحديد معنى الشيوع أو بيان درجاته، ويكتفون بالقول بأن "الخطأ الشائع" هو ما خرج عن الحدود المرسومة وكثر استعماله بحيث أصبح يشكل ظاهرة في الوسط اللغوي المعين، وليس مقصورا استعماله على فرد أو مجموعة من الأفراد بوصفه سمة خاصة بهم أو سلوكا فرديا مميزا لأساليبهم اللغوية والمعروف أن الابتكار أو التجديد اللغوي إنما يصدر في الأصل عن فرد أو أفراد لم يتفقوا على هذا الجديد بطريق العمد، وإن جاز أن يقع هذا الاتفاق بمحض المصادفة. والابتكار في هذه المرحلة ما زال فرديا، فإذا كتب له النجاح وذاع وشاع أصبح جماعيا، وهذه المرحلة الثانية هي التي يؤخذ بها في قضية الصواب والخطأ رفضا أو قبولا، بحسب وجهات نظر الدارسين.
стр. 237
نظام الجملة
مدخل
...
نظام الجملة:
لن نعرض هنا لذلك الحوار المضطرب بين الدارسين فيما يتعلق بتحديد الجملة، إذ قد كثرت آراؤهم في ذلك الأمر وتنوعت إلى درجة يصعب معها الوقوف على تعريف متفق عليه أو يشبه أن يكون كذلك.
ولقد وضعنا لأنفسنا في هذا البحث "وفي غيره" تحديدا للجملة يفي بحاجة المناقشة والتحليل، ويعين القارئ على الفهم والمتابعة. الجملة عندنا: "هي كل منطوق مفيد في موقعه محدود بسكتتين". ولا يضير بعد هذا أن يكون هذا المنطوق قصيرا أو طويلا، بسيطا أو مركبا، كما يجوز أن يكون مركبا من كلمة أو كلمتين في سياقات معينة، كما في الإجابة عن السؤال مثلا.
والإشارة إلى "الجملة" بعنوان البحث لا يعني إهمال النظر في أجزاء الجملة أو أشباهها أو ما شاكل ذلك من مختلف أنواع التراكيب، كالتركيب الإضافي والوصفي وغيرهما؛ لأن الخطأ ليس مقصورا على نمط دون آخر من
стр. 238
أنماط التأليف، ولأن هذه الأنواع ذاتها لا تعدو أن تكون بمثابة الوحدات البنائية للجملة، فما ينطبق عليها ينطبق على مكوناتها. وفي رأينا أنه كان الأولى بالعنوان أن يأتي بصورة أخرى هي: "الخطأ الشائع في نظام الكلام" باستعمال المصطلح "الكلام" بدلا من "الجملة" لأنه أعم، ويصدق على ما لا يصدق عليه تعريف الجملة عندنا وعند غيرنا على سواء، ولله در عبد القاهر الجرجاني حين أشار إلى نظريته المعروفة "بالنظم" دون التورط في تحديد أو تقييد يفوت الغرض.
أما "نظام الجملة" فسوف نأخذه بمعنى واسع غير معهود لكثير من الدارسين، قدامى ومحدثين على سواء. إن "نظام الجملة" عندنا يعني وجوه صحتها، أو بعبارة أدق، نستطيع أن نقول: إن نظام الجملة يشتمل على جملة القوانين والقواعد التي تضبط طرائق التأليف ووجوهه المتفق عليها في البيئة اللغوية المعينة. إنه ينتظم الوجوه أو الجهات التالية في اللغة العربية:
١- الاختيار.
٢- الموقعية.
٣- المطابقة.
٤- الإعراب.
ونحن بهذا النهج نريد أن نؤكد حقيقتين مهمتين:
أولاهما: ليس صحيحا أن نظام الجملة يعني مجرد ترتيب الكلم في التركيب، كما قد يتوهم بعضهم. إن مجرد ترتيب الكلمات أو ضمها بعضها إلى بعض ليس بشيء في ذاته ما لم نراع قواعد "التوليف" أو السبك وقوانين التعليق أو الربط، حتى يصير البناء وحدة متكاملة منسوقة الأطراف منظومة الوحدات.
стр. 239
ثانيهما: نود أن نزيح الوهم بأن الإعراب ليس عضوا من عناصر نظام الجملة، إن الإعراب الصحيح هو دليل السبك الصحيح، وأن المخطئ في وجوهه غير مدرك -لا محالة- لوسائل البناء وأداته. وقديما قالوا: الإعراب دليل الموقعية. ولعل هذا هو سر اهتمام العرب به اهتماما كبيرا، لأنه نهاية المطاف والحصيلة المحسة للجوانب "التوليفية" الأخرى للتركيب. ولا يعترض علينا بعدم اهتمام عبد القاهر الجرجاني به بصورة تشبه أو تقرب من اهتمامه بالوجوه الأخرى للنظم. ذلك أن عبد القاهر في مسلكه هذا كان ينعى على الدارسين اهتمامهم بالإعراب بمعنى مجرد النظر في أواخر الكلم إعرابا وبناء، دون كبير عناية بوسائل التأليف الأخرى التي هي في الواقع بمثابة الروافد أو العناصر التي تصنعه.
ونحن بهذا النهج نكون قد فسرنا "نظام الجملة" بما يعني مفهوم "النحو" ووظائفه بالمعنى العلمي الدقيق. فليس النحو الإعراب كما وهم كثير من متأخري النحاة، وكما سار على ذلك معظم المشتغلين بهذا العلم ومسائله في معاهدنا وجامعاتنا، وهو الأمر الذي أساء إلى النحو تعليما وتعلما واستيعابا واستخداما وتطبيقا. ولقد كان البلاغيون أكثر توفيقا وأقرب إلى الصحة حين ركزوا جهودهم في "علم المعاني" على التراكيب وخواصها "التوليفية" تاركين الإعراب أو راغبين عن الدخول في مسائله لا لعدم أهميته، وإنما لافتراضهم تحققه ووجوده على وجهه الصحيح عند النظر في الوجوه الأخرى للتركيب أو نظام الجملة، أو للابتعاد عن الجدل العقيم الذي وقع فيه النحاة المحترفون حول الإعراب، أو للاعتراض السلبي على مسلك هؤلاء النحاة في هذا الشأن.
ورأينا في هذه المشكلة -وهي جد مهمة- أن نعدل من أسلوب تدريسنا للنحو، فنعمد إلى التراكيب ونصنفها إلى أنماطها المختلفة، ثم نقوم بعد ذلك بتحليلها في إطار الجوانب الأربعة المذكورة سابقا، والتي تمثل
стр. 240
العناصر الأساسية لنظام الجملة. ولا ضير من الاهتمام بالإعراب -نوع اهتمام- على أساس أنه أهم دليل من أدلة التعليق الذي ينتظم الجوانب الثلاثة الأخرى، ونعني بها "الاختيار" و"الموقعية" و"المطابقة".
بقي علينا في هذا المجال أن نشير إلى مصدر مادة الدراسة وطبيعة هذه المادة. المادة هي العربية الفصيحة التي يستخدمها طلاب الجامعات، وبخاصة في أقسام اللغة العربية. وهذه اللغة الفصيحة لغة مكتوبة في الأغلب الأعم، والأمثلة كلها أو جلها مستقاة من أعمالهم التحريرية في البحوث والاختبارات. وإنما كان اعتمادنا على اللغة المكتوبة، لأن لغتهم المنطوقة لا تفيدنا في شيء في هذا المجال: إنها لغة لا يمكن أن تدخل في إطار الفصيحة بالمعنى الذي يرتضيه المعياريون، وإنه لمن الظلم لها ولهم أن تؤخذ هذا المأخذ، فهي خليط مسوخ من أنواع شتى من اللهجات ومن ضروب شتى من الأساليب العربية التي ندر أن يكون أحدها فصيحا أو ما أشبه.
حتى لو تعمد الطلاب الكلام بالفصيحة لوقعنا في حرج معهم ومع أنفسنا، إذ لن يستطيع الواحد منهم أن يرسل الكلام الصحيح إرسالا لمدة تزيد عن الدقيقة الواحدة. وفي الحق أنهم معذورون، فكثير من المتخصصين والمهتمين بشئون العربية لا تسعفهم قدراتهم اللغوية بمادة منطوقة صحيحة لأكثر من دقائق معدودة.
والأخذ من اللغة المكتوبة يشكل صعوبة حقيقية أمام الدارسين. ذلك أن هذه اللغة محرومة من بعض الظواهر الصوتية ذات الأهمية في التحليل اللغوي على مستوى التراكيب "وغيرها". ونعني بذلك مثلا التنغيم والفواصل الصوتية من وقفات وسكنات واستراحات. وكلها ظواهر مهمة في تحديد أنماط الكلام وأنواع الجمل، وتعين على الكشف عن خواص التركيب، فيما يتعلق بالموقعية في أقل تقدير. وفيما تفيدنا علامات الترقيم في تعرف هذه الظواهر
стр. 241
أو بعضها، لكن -يبدو أن الطلاب شأنهم في ذلك شأن غيرهم من المواطنين- لا يدركون هذه العلامات ولا يعرفون قيمها في الكلام المكتوب. ومعنى هذا كله أن الدارس -ما لم يكن ذا خبرة واسعة بهذه الأمور- لا يستطيع أن يأتي بشيء ذي قيمة في هذا المجال.
أضف إلى هذا أن هؤلاء الطلاب متأثرون في كتاباتهم بمصدرين أجنبيين عن مادة الدارسة. أما أولهما فهو اللغات الأجنبية. إما بطريق مباشر أو بطريق ما يجري في السوق من ترجمات قام ويقوم بها أنصاف المثقفين. المصدر الثاني اللهجات العامية، فكثيرا ما نلحظ في مادة الطلاب المكتوبة أمثلة صيغت على نهج قواعد النظم في هذه اللهجات.
ولننصرف الآن إلى مناقشة أخطاء الطلاب في نظام الجملة، وفقا للنهج الذي اخترنا لمفهوم النظم، وهو أن ينتظم أربعة جوانب متصلة غير منفصلة، هي الاختيار والموقعية والمطابقة والإعراب. ولسوف تتركز المناقشة على الشائع من هذه الأخطاء.
стр. 242
أولا: الإعراب
وإنما كان البدء به لكثرة وقوع الخطأ فيه، وتعدد أنواعه ومناحيه، حتى ليظن الدارس أن هؤلاء الطلاب غير عارفين بقواعده الأساسية، أو متجاهلون لها، أو غير مبالين بما يفعلون. وهذا السلوك المعيب واضح في كلامهم المكتوب والمنطوق، وإن كان في هذا الأخير أكثر وقوعا وشيوعا. وهم في ذلك لا يختلفون كثيرا عن أضرابهم من المثقفين وأشباههم. ودليل ذلك ما نلحظه من أخطاء صارخة في الإعراب، في وسائل الإعلام المنطوقة والمكتوبة، وفي بعض الأعمال الجادة كالمجلات الثقافية والعلمية والكتب الرسمية وغير الرسمية، بل إننا نلحظه في بعض الكتب الجامعية، وربما وقع فيه أساتذة اللغة العربية ومدرسوها وهم في حلقة الدرس النحوي نفسه.
وكان البدء بالإعراب كذلك لنؤكد ما ألمحنا إليه سابقا من أن الإعراب عنصر من عناصر نظام الجملة في العربية، وليس شيئا منعزلا عن هذا النظام، كما يتوهم كثير منهم بالقول أو بالفعل، مثلا في طرائقهم ومناهجهم في تقديم مادة النحو وتعليمه. إن الإعراب دليل الموقعية، أو قل: إنه من أهم دلائل التعليق، أي: ربط الكلم بعضه ببعض على طريقة مخصوصة، فهو يشير إلى وظيفة الصيغة ومدى ارتباطها بما يسبقها أو يلحقها، مهما يكن موقعها من الجملة. والعربية بهذه الخاصة -خاصة الإعراب- تمتاز من غيرها من اللغات، إذ هي تتصف بالمرونة في قواعد ترتيب الكلام ونظمه في الجملة من حيث التقديم والتأخير. ويكفي للتدليل على ذلك أن نشير مثلا إلى حال المفعول به. فهو سبق الفعل جوازا ووجوبا ويتوسط بين الفعل والعامل جوازا ووجوبا ويتأخر عن العامل جوازا ووجوبا كذلك، وهو في كل الحالات محدد الوظيفة معروف. بفضل وسائل التعليق أو الربط، ومن أهمها الإعراب الخاص به وهو النصب. تأمل معي الأمثلة الثلاثة الآتية وهي جميعا من باب واحد تقريبا، من حيث مكونات البناء الأساسية:
١- فعل + مفعول به "متصل بضمير الفاعل" + الفاعل، مثل:
خاف رَبَّه عمرُ
٢- فعل + مفعول به + فاعل "متصل بضمير المفعول"، مثل:
"وإذ" ابتلى إبراهيمَ ربُّه
٣- فعل + فاعل "متصل بضمير المفعول" + مفعول به، مثل:
زان نورُه الشجرَ
стр. 243
ففي المثالين الأول والثاني تقدم المفعول على فاعله، وهو في الأول كثير شائع، ولكن هذا التقدم واجب في الثاني "بحسب رأيهم" لاتصال الفاعل "المتأخر" بضمير المفعول. وفي كلتا الحالتين كان الإعراب دليلا من أدلة الوظيفة للصيغة الواقعة مفعولا، أو هو مانع للبس، كما يقولون. أما المثال الثالث "وهو شاذ في رأيهم" فقد جاء بناؤه مضطربا بسبب اتصال الفاعل المتقدم بضمير المفعول المتأخر، ومع ذلك صح الكلام "نوع صحة، لوقوعه في استعمالهم" وأمن اللبس بوجود الإعراب بوصفه دليلا من أدلة التعليق، بالإضافة إلى عنصر "الاختيار" المتمثل في كلمتي "زان + نور".
وقد أشار ابن مالك إلى الحالتين الأولى والثالثة بقوله:
وشاع نحو خاف ربه عمر ... وشذ نحو زان نوره الشجر
وسكت عن الصورة الثانية، لأنها مفهومة بداهة، إذ شذوذ الثالثة هذه يعني ضمنا وجوب عكسها وهي هذه الصورة.
ولسوف يلاحظ القارئ أن معظم الأمثلة تشير إلى الخطأ في الإعراب بالحروف، وذلك لسبب بسيط، وهو أن المادة أو جلها مستقاة من اللغة المكتوبة، وهذه الحروف موجودة في صلب الكلمات، ومن ثم يسهل التقاط الأخطاء وتعرفها والخطأ في الإعراب بالحركات القصيرة موجود كذلك ويكثر وقوعه، ولكنه لا يدرك في الكلام المكتوب إلا في حالات نادرة، كما في نصب غير الممنوع من الصرف، حيث تصحب الفتحة ألف في آخر الكلمة، كما في رأيت رجلا. وكذلك الحال في جزم المضارع الأجوف الصحيح الآخر، في مثل: لم يكون، لم يبيع، لم ينام. فثبوت حرف العلة "أو عدم تقصير الحركة الطويلة الممثلة في الواو والياء والألف" يدل على خطأ في الإعراب، حتى على فرض تسكين آخر الفعل لأن تسكين الجزم في هذه الحالة يصحبه وجوبا تقصير هذه الحركات الطوال، وفقا لنظام التركيب المقطعي في العربية الفصحى.
стр. 244
والخطأ في الإعراب لا يعني الخطأ في علامته وحدها، وإنما يعني بالإضافة إلى ذلك الجهل بالحالة الإعرابية "الرفع والنصب والجر والجزم" أي: الجهل بالموقعية وعدم إدراك وظيفة الصيغة المعنية في التركيب، فلا يدرى أهي فاعل أم مفعول، أهي اسم "إن" أم خبرها إلخ، ومن ثم تأتي العلامة غير مناسبة للموقعية الصحيحة. وأغلب الظن أن معظم حالات الخطأ الإعرابية إنما ترجع إلى هذا الاحتمال الثاني "وهو الجهل بالمواقعية والوظيفة"، غير أن دليلنا في الكشف عن الخطأ في هذا الوجه "وغيره" يتمثل في العلامة الإعرابية، ونعني بها العلامة الإعرابية الظاهرة بالذات، بدليل عدم تعُّرف على الخطأ في هذا الباب في حالة البناء أو الإعراب التقديري.
ولما كانت العلامات الإعرابية هي دليلنا الواضح في تعرف الأخطاء هنا فقد جاءت أمثلتنا مصنفة -في مجموعها- على هذا الأساس، وإن كان الخطأ في كثير من الحالات يتمثل في الجهل بالموقعية "أو الوظيفة" وبعلامة الإعراب كذلك. ففي قولهم مثلا:
وضع أرسطو كتابان في النقد:
تشير النظرة العاجلة إلى أن الطالب استعمل "الألف" بدلا من الياء في إعراب هذا المثنى، ولكن ليس من البعيد -بل هو المحتمل الراجح- أن الطالب لم يدرك موقعية المثنى أو وظيفته في هذا التركيب، فاختار هذه العلامة.
ولقد أثبتت الدراسة أن هناك اتجاهات معينة في الخطأ في الإعراب "بوجوهه المختلفة على نحو ما بينا" في لغة الطلاب "مكتوبة ومنطوقة" يكثر اتباعها ويغلب أن تكون مطردة في الاستعمال على نحو واضح ملموس تظهر هذه الاتجاهات في إعراب أجناس نحوية متعددة، من أهمها ما يلي:
стр. 245
١- يقع الخطأ كثيرا في إعراب اسم "إن" وأخواتها إذا كان خبرها شبه جملة متقدما على الاسم "كما في نحو: إن ثمة رأي آخر حيث جاء الاسم مرفوعا، إما جهلا بالموقعية وما يناسبها من علامات إعرابية أو جهلا بالقيمة النحوية لشبه الجملة ثمة" التي لا يمكن أن تكون هنا إلا خبرا، ووقع متقدما. ولا يقتصر هذا السلوك على هذا المثال ونحوه مما تستخدم فيه "ثمة" وأخواتها" ثم وهنا وهناك إلخ "وهي أشباه جمل تخفى قيمها على كثير من المثقفين"، بل يحدث الشيء نفسه مع أشباه الجمل العادية، مثل:
إن في كلامك خلط كبير
وكذلك يقع الخطأ بكثرة في إعراب اسم كان وأخواتها إذا كان خبرها من النمطين السابقين، وجاء متقدما على الاسم، حيث ينصب هذا الاسم:
وكان هناك رأيا آخر
كان في الدرس نقاطا غير مفهومة
وليس هذا فقط، فقد يلفق الطالب، في هذه الأنماط ونحوها بين الخطأ والصواب في المثال الواحد، كأن يقول:
وكانت خلفهم نارا مشتعلة وحائط قصير
حيث جاء اسم "كان" منصوبا، ولكن ما عطف عليه وقع مرفوعا، وهو دليل الخلط وعدم الإدراك لوظائف الكلم في التركيب.
ومن المؤسف أن نقابل أحيانا في كتابات طلاب الفرق الأولى "حديثي العهد بالجامعة" أمثلة يقع فيها الخطأ في أسماء إن وكان وأخبارهم بوجه عام:
إن الباحثون كانوا يريدون
إن المرأة إنسانا مستقلا
стр. 246
كان المسلمين متأثرين برأي غيرهم
الحرية عمل وليست كلام
ولا نعدم أن نجد في كلام هؤلاء وأمثالهم أخطاء في إعراب المبتدأ والخبر:
الشاهدان موجودين
بل هناك حدودا
٢- إعراب الأسماء الخمسة١ يغلب عليه أن يكون بالواو في كل الحالات الإعرابية، فقد جاء بهما في حالتي النصب والجر، كما في قولهم مثلا:
كانت سلاحا ذو حدين
خالف البلاغيون أبو عبيدة
وفي كتاب الجاحظ وكتاب أبو عبيدة
ويبدو على كل حال أن الخطأ في هذا الباب "وغيره" لا يرجع إلى سوء التقدير في اختيار العلامة المناسبة بقدر ما يرجع إلى الجهل بمواقع الكلم ووظائفه، بدليل قولهم مثلا:
توفي أبي الفرج
واستخدم أبي عبيدة عدة مصطلحات
حيث أعرب بالياء وهما في موقع الرفع. ومن الطريف أن الطلاب لم يستعملوا الإعراب بالألف في هذه الأسماء إلا في موضعها الصحيحة، وهي
стр. 247
مواضع النصب، على حين أن الإعراب بالألف في جميع الحالات لغة مروية عن العرب في الأسماء الثلاثة: أب، أخ، حم، على ما هو معروف.
٣- الاتجاه الغالب في إعراب المثنى أن يكون بالألف وفي جمع المذكر السالم أن يكون بالواو١ في جميع الحالات. فمن أمثلة الأول في حالتي النصب والجر.
وضع أرسطو كتابان في النقد
لو نظرنا إلى البيتان ...
ومن أمثلة الثاني في هاتين الحالتين:
أن الباحثون كانوا يريدون ...
بالنسبة لمؤرخو البلاغة ...
وخيال هؤلاء الناس المارون ...
ولكنا نعود فنقول: يبدو أن الطلاب في الحقيقة غير مدركين إدراكا صحيحا لوظائف الصيغ وقيمتها في التركيب، ومن ثم يظهر خلطهم في اختيار علامات الإعراب. ويؤكد هذا الظن ما يقابلنا من أمثلة غير قليلة تنحو منحى آخر في الإعراب، فيأتي المثنى بالياء في حالة الرفع، وكذلك جمع المذكر السالم. فمن الأول قولهم:
стр. 248
الفلسفة والفن متحدين من حيث العلاقة ومختلفين من حيث الموضوع ومن الثاني: لم يفعل كما فعل سابقيه.
٤- إعراب الأفعال الخمسة في لغة الطلاب مضطرب أشد اضطراب وهذا الاضطراب ليس سببه الخلط بين الصحة والخطأ في إعرابها من مثال إلى آخر، وإنما سببه الخلط في صور الخطأ. تأمل الأمثلة الآتية وهي نماذج مما يقعون فيه أحيانا:
قام النقاد يدافعون عن حرية الشعر
بذل الشعراء جهدهم في أن يأتون بلغة جديدة
لم يعنون بإطلاق أسماء على هذه الفنون
في المثال الأول حذفوا النون من الفعل في موقع الرفع على حين ثبتت هذه النون في حالتي النصب والجزم. وهذ يعني الاضطراب المؤكد في إدراكهم لحالات إعراب المضارع وعلامات هذا الإعراب في هذا الجنس من الكلم.
ومهما يكن من أمر فهذه الأخطاء ليست شائعة في لغة الطلاب شيوع غيرها، ولكنها تمثل ظاهرة خطيرة قد تخطى بالانتشار والانتقال من وسط مثقف إلى آخر، وقد لاحظنا مثلها أو نحوها بالفعل في بعض الصحف اليومية، وبخاصة ثبوت النون في حالتي النصب والجزم.
٥- الفعل المضارع المعتل الآخر المجزوم يكاد يسلك مسلكا خاطئا موحدا في الإعراب في لغة هؤلاء الشباب. ذلك المسلك يتمثل في عدم حذف حرف العلة "أو تفسير الحركة، كما يقول بعضهم" ويستوي في ذلك أن يكون هذا الحرف ألفا أو واوا أو ياء، وهذه أمثلته:
هذا الرأي لم يلقى نجاحا
стр. 249
لم يدعو العقاد إلى ترك التشبيه
لم يكتفي قدامة بهذا التعريف
وهذا الخطأ في المكتوب واضح لا محل للشك في وقوعه، ولو كان في المنطوق ربما فات علينا أو على بعضنا.
ويلحق بهذا الباب -في رأينا- خطأ نلحظه في جزم المضارع الصحيح الآخر الأجوف، إذ ترد أمثلته أحيانا على النحو:
لم يكون، لم يبيع، لم ينال
إن جزم الأمثلة بالسكون يقتضي حتما حذف حرف العلة "أو تقصير الحركة"، بسبب صوتي صرفي يتعلق بطبيعة التركيب المقطعي في عربيتنا الفصحى.
تمثل النماذج السابقة كلها أهم أنواع الخطأ في الإعراب وأكثره وقوعا بين طلاب الجامعات، كما تشير معظم الأمثلة السابقة إلى الخطأ في الإعراب بالحروف. وهناك أيضا أجناس نحوية أخرى يقع فيها الخطأ بصورة فردية لن تأخذ طابع الشيوع بعد. وكذلك تدل التجربة على وقوع الطلاب كثيرا في أخطاء إعرابية أخرى، ولكنا لا ندركها ونتعرف عليها بصورة مؤكدة إلا في الكلام المنطوق، لأن الإعراب فيها بالحركات دون الحروف. يظهر لنا ذلك واضحا في أثناء اللقاءات العلمية المباشرة والاختبارات الشفوية، حيث تشيع الأخطاء في أبواب نحوية معينة من أهمها ما يلي:
١- الاسم المنقوص في حالة النصب.
٢- الفعل المضارع المعتل الآخر بالواو والياء في حالة النصب. ففي هاتين الحالتين لا تظهر الفتحة، ويكاد يكون هذا السلوك مطردًا في نطق الطلاب.
стр. 250
٣- يعامل الممنوع من الصرف بوجه عام معاملة المصروف من حيث ظهور التنوين والجر بالكسرة، وما جاء على صيغة منتهى الجموع.
والحق أن باب الممنوع من الصرف في عمومه يوقع الطلاب، العارفين منهم وغير العارفين- في خلط كبير. فبينما يخطئ كثير منهم في هذا الباب، ويعاملونه معاملة المصروف، نجد بعضا غير قليل يقع في الوهم أحيانا فيمنعون من الصرف ما حقه الصرف. يظهر ذلك على الأخص فيما كان جمع تكسير على وزن "أفعال" منتهيا بهمزة قبلها ألف ممدودة. كما في مثل: أنباء، أبهاء، أصداء.
يظن الطلاب خطأ أن هذه الجموع ونحوها تنتهي بألف التأنيث الممدودة مثل علماء، وشرفاء، لأنها تشبهها في انتهائها بهمزة قبلها ألف ممدودة، ولم يدركوا الفرق الكبير بين الحالتين في التركيب العميق للصيغ، الهمزة في أوزان الألف التأنيث الممدودة همزة زائدة بحسب القاعدة العامة، أما في أمثلتنا هذه فهي أصلية أو منقلبة عن ياء أو واو كما جاءت هذه الأمثلة على وزن أفعال، جمعا وما كانت همزته كذلك من هذا الوزن لا يمنع من الصرف بحال١.
هذا العرض السريع للأخطاء في الإعراب يشير إلى نتيجتين مهمتين.
أولاهما: أن الخطأ في الإعراب أصبح يشكل ظاهرة منذرة بالخطر في لغة الطلاب، الأمر الذي يستدعي وقفة متأنية ومواجهة حاسمة. وأسباب هذا الخطأ كثيرة متداخلة معقدة، أهمها:
١- فقدان الأسلوب الصحيح في الممارسة اللغوية، وهو الكلام المنطوق