كان المسلمين متأثرين برأي غيرهم
الحرية عمل وليست كلام
ولا نعدم أن نجد في كلام هؤلاء وأمثالهم أخطاء في إعراب المبتدأ والخبر:
الشاهدان موجودين
بل هناك حدودا
٢- إعراب الأسماء الخمسة١ يغلب عليه أن يكون بالواو في كل الحالات الإعرابية، فقد جاء بهما في حالتي النصب والجر، كما في قولهم مثلا:
كانت سلاحا ذو حدين
خالف البلاغيون أبو عبيدة
وفي كتاب الجاحظ وكتاب أبو عبيدة
ويبدو على كل حال أن الخطأ في هذا الباب "وغيره" لا يرجع إلى سوء التقدير في اختيار العلامة المناسبة بقدر ما يرجع إلى الجهل بمواقع الكلم ووظائفه، بدليل قولهم مثلا:
توفي أبي الفرج
واستخدم أبي عبيدة عدة مصطلحات
حيث أعرب بالياء وهما في موقع الرفع. ومن الطريف أن الطلاب لم يستعملوا الإعراب بالألف في هذه الأسماء إلا في موضعها الصحيحة، وهي
стр. 247
مواضع النصب، على حين أن الإعراب بالألف في جميع الحالات لغة مروية عن العرب في الأسماء الثلاثة: أب، أخ، حم، على ما هو معروف.
٣- الاتجاه الغالب في إعراب المثنى أن يكون بالألف وفي جمع المذكر السالم أن يكون بالواو١ في جميع الحالات. فمن أمثلة الأول في حالتي النصب والجر.
وضع أرسطو كتابان في النقد
لو نظرنا إلى البيتان ...
ومن أمثلة الثاني في هاتين الحالتين:
أن الباحثون كانوا يريدون ...
بالنسبة لمؤرخو البلاغة ...
وخيال هؤلاء الناس المارون ...
ولكنا نعود فنقول: يبدو أن الطلاب في الحقيقة غير مدركين إدراكا صحيحا لوظائف الصيغ وقيمتها في التركيب، ومن ثم يظهر خلطهم في اختيار علامات الإعراب. ويؤكد هذا الظن ما يقابلنا من أمثلة غير قليلة تنحو منحى آخر في الإعراب، فيأتي المثنى بالياء في حالة الرفع، وكذلك جمع المذكر السالم. فمن الأول قولهم:
стр. 248
الفلسفة والفن متحدين من حيث العلاقة ومختلفين من حيث الموضوع ومن الثاني: لم يفعل كما فعل سابقيه.
٤- إعراب الأفعال الخمسة في لغة الطلاب مضطرب أشد اضطراب وهذا الاضطراب ليس سببه الخلط بين الصحة والخطأ في إعرابها من مثال إلى آخر، وإنما سببه الخلط في صور الخطأ. تأمل الأمثلة الآتية وهي نماذج مما يقعون فيه أحيانا:
قام النقاد يدافعون عن حرية الشعر
بذل الشعراء جهدهم في أن يأتون بلغة جديدة
لم يعنون بإطلاق أسماء على هذه الفنون
في المثال الأول حذفوا النون من الفعل في موقع الرفع على حين ثبتت هذه النون في حالتي النصب والجزم. وهذ يعني الاضطراب المؤكد في إدراكهم لحالات إعراب المضارع وعلامات هذا الإعراب في هذا الجنس من الكلم.
ومهما يكن من أمر فهذه الأخطاء ليست شائعة في لغة الطلاب شيوع غيرها، ولكنها تمثل ظاهرة خطيرة قد تخطى بالانتشار والانتقال من وسط مثقف إلى آخر، وقد لاحظنا مثلها أو نحوها بالفعل في بعض الصحف اليومية، وبخاصة ثبوت النون في حالتي النصب والجزم.
٥- الفعل المضارع المعتل الآخر المجزوم يكاد يسلك مسلكا خاطئا موحدا في الإعراب في لغة هؤلاء الشباب. ذلك المسلك يتمثل في عدم حذف حرف العلة "أو تفسير الحركة، كما يقول بعضهم" ويستوي في ذلك أن يكون هذا الحرف ألفا أو واوا أو ياء، وهذه أمثلته:
هذا الرأي لم يلقى نجاحا
стр. 249
لم يدعو العقاد إلى ترك التشبيه
لم يكتفي قدامة بهذا التعريف
وهذا الخطأ في المكتوب واضح لا محل للشك في وقوعه، ولو كان في المنطوق ربما فات علينا أو على بعضنا.
ويلحق بهذا الباب -في رأينا- خطأ نلحظه في جزم المضارع الصحيح الآخر الأجوف، إذ ترد أمثلته أحيانا على النحو:
لم يكون، لم يبيع، لم ينال
إن جزم الأمثلة بالسكون يقتضي حتما حذف حرف العلة "أو تقصير الحركة"، بسبب صوتي صرفي يتعلق بطبيعة التركيب المقطعي في عربيتنا الفصحى.
تمثل النماذج السابقة كلها أهم أنواع الخطأ في الإعراب وأكثره وقوعا بين طلاب الجامعات، كما تشير معظم الأمثلة السابقة إلى الخطأ في الإعراب بالحروف. وهناك أيضا أجناس نحوية أخرى يقع فيها الخطأ بصورة فردية لن تأخذ طابع الشيوع بعد. وكذلك تدل التجربة على وقوع الطلاب كثيرا في أخطاء إعرابية أخرى، ولكنا لا ندركها ونتعرف عليها بصورة مؤكدة إلا في الكلام المنطوق، لأن الإعراب فيها بالحركات دون الحروف. يظهر لنا ذلك واضحا في أثناء اللقاءات العلمية المباشرة والاختبارات الشفوية، حيث تشيع الأخطاء في أبواب نحوية معينة من أهمها ما يلي:
١- الاسم المنقوص في حالة النصب.
٢- الفعل المضارع المعتل الآخر بالواو والياء في حالة النصب. ففي هاتين الحالتين لا تظهر الفتحة، ويكاد يكون هذا السلوك مطردًا في نطق الطلاب.
стр. 250
٣- يعامل الممنوع من الصرف بوجه عام معاملة المصروف من حيث ظهور التنوين والجر بالكسرة، وما جاء على صيغة منتهى الجموع.
والحق أن باب الممنوع من الصرف في عمومه يوقع الطلاب، العارفين منهم وغير العارفين- في خلط كبير. فبينما يخطئ كثير منهم في هذا الباب، ويعاملونه معاملة المصروف، نجد بعضا غير قليل يقع في الوهم أحيانا فيمنعون من الصرف ما حقه الصرف. يظهر ذلك على الأخص فيما كان جمع تكسير على وزن "أفعال" منتهيا بهمزة قبلها ألف ممدودة. كما في مثل: أنباء، أبهاء، أصداء.
يظن الطلاب خطأ أن هذه الجموع ونحوها تنتهي بألف التأنيث الممدودة مثل علماء، وشرفاء، لأنها تشبهها في انتهائها بهمزة قبلها ألف ممدودة، ولم يدركوا الفرق الكبير بين الحالتين في التركيب العميق للصيغ، الهمزة في أوزان الألف التأنيث الممدودة همزة زائدة بحسب القاعدة العامة، أما في أمثلتنا هذه فهي أصلية أو منقلبة عن ياء أو واو كما جاءت هذه الأمثلة على وزن أفعال، جمعا وما كانت همزته كذلك من هذا الوزن لا يمنع من الصرف بحال١.
هذا العرض السريع للأخطاء في الإعراب يشير إلى نتيجتين مهمتين.
أولاهما: أن الخطأ في الإعراب أصبح يشكل ظاهرة منذرة بالخطر في لغة الطلاب، الأمر الذي يستدعي وقفة متأنية ومواجهة حاسمة. وأسباب هذا الخطأ كثيرة متداخلة معقدة، أهمها:
١- فقدان الأسلوب الصحيح في الممارسة اللغوية، وهو الكلام المنطوق
стр. 251
الفعلي واستخدامه في شتى مجالات الحياة، إذ هو القادر على تكوين الأنماط النحوية السليمة واستقرارها.
٢- طريقة التعليم، تلك الطريقة التي تجمد نفسها بالتركيز على البحث في أواخر الكلم، وتلقين الطلاب علامات الإعراب دون ربط مناسب بين الإعراب "بهذا المعنى" وعناصر التأليف الأخرى للكلام.
ثانيهما: تتمثل في أن معظم الخطأ في الإعراب بالعلامات النائبة، وهذا يقتضي منا نظرا وتأملا كبيرين، وهذا لا يكون علاجه في رأينا إلا بالنظر في إطار تخطيط جديد لدراسة النحو وتعليمه. ونأمل أن تكون لنا عودة إلى هذه النقطة بالذات في فرصة أخرى.
واتضح لنا من المناقشة السابقة كذلك أن عددا غير قليل من الأمثلة التي حكمنا عليها بالخطأ جاءت على وفاق رأي أو لهجة من اللهجات في القديم. تبين لنا ذلك مثلا في:
١- أمثلة المثنى حيث جاء بعضها بالألف في حالتي النصب والجر.
٢- أمثلة جمع المذكر السالم، وفيها ما لزم الياء "والإعراب على النون".
٣- ثبوت النون في الأفعال الخمسة مع "أن" الناصبة، وقد يأتي مثله مع "لم" الجازمة".
ففي القديم يروى أنه جاءت أمثلة من هذا القبيل:
"إن أباها وأبا أباها"
قد بلغا في المجد غايتاها
بالألف في حالة النصب.
ولا يزالون ضاربين القباب
"بجر القباب وثبوت ياء الجمع ونونه".
أن تقرءان على أسماء ويحكما..
"بثبوت النون مع "أن"".
ونحو: "لم يوفون بثبوت النون مع "لم"".
ومع ذلك مازلنا نحكم على أمثلة الطلاب من هذا القبيل بأنها خطأ. وهذا الحكم يتمشى مع معاييرنا التي اخترناها للحكم في هذه القضية. ومن هذه المعايير العودة إلى القواعد النحوية، المشهورة والمتفق عليها بين الجماعة.
стр. 252
ثانيا: الاختيار
ونعني به أن يختار المنشئ -متكلما أو كاتبا- كلماته أو صيغه بحيث تكون صالحة للتعبير عن معانيه في مواقفها الاجتماعية المعينة، وبحيث يصح ربطه بعضها ببعض بطريق مخصوصة، أو على وفق قواعد الربط والتعليق المتعارف عليها في اللغة المدروسة. والاختيار بهذا المعنى يرتبط بالموقعية أشد ارتباطا وأوثقه، إذ ليس يقبل مجرد رص الكلمات أو الصيغ بعضها بجوار بعض بدون أن تقع كل واحدة منها في موقع يناسبها في التركيب، وذلك بالنظر إلى سوابقها ولواحقها، حتى يصير البناء كله وحدة متكاملة متماسكة الأطراف.
وباستثناء عبد القاهر الجرجاني ومن لف لفه، لسنا نعلم أن أحدًا من السالفين أو الخالفين قد اهتم بالاختيار بهذا المفهوم الاهتمام المناسب لحاله، أو وقف عنده وقفة تكشف عن أبعاده وتوضيح قيمته أو دوره بوصفه عنصرا من عناصر نظام الجملة. وعبد القاهر نفسه اكتفى في هذا المجال بإشارات سريعة متناثرة هنا وهناك، تحتاج إلى جهد للتعرف على مقاصده بوضوح، وإلى نظرة بصيرة بأسلوب الرجل في التفكير وطرائقه في التعبير. فمن ذلك مثلا قوله: وينبغي "أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا وتعجبا،
стр. 253
وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة وبناء لفظة على لفظة"١.
ولم يشأ عبد القاهر بعد ذلك أن يضيف شيئا من شأنه أن يبين تفاصيل الاختيار وطرائقه وأنماطه وكيف تكون هذه الأنماط، ولو بذكر أمثلة منوعة ومصنفة على وفق هذه الطرائق والأنماط. هذا بالإضافة إلى أنه كان يشغل نفسه بنوع من الاختيار، وهو اختيار الأجود والأفضل حتى تتم بلاغة الكلام، على حين أنا نقصد به إلى مجرد اختيار العناصر التي يصح بها الكلام من الوجهة التركيبية المحضة. ودليل انشغاله بفكرة "انتقاء" الأفضل والأجود هذه، قوله: "هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة، حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له عن صاحبتها على ما هي موسومة به حتى يقال: إن "رجلا" أدل على معناه من "فرس" على ما سمي به؟ وحتى يتصور في الاسمين الموضعين لشيء واحد أن يكون هذا أحسن نبأ عنه وأبين كشفا عن صورته من الآخر، فيكون "الليث" مثلا أدل على "السبع" المعلوم من "الأسد"٢.
كذلك ربط عبد القاهر "الاختيار" بالموقعية. وأدرك ما بينهما من تلازم، إذ هما يكونان نظرية النظم عنده. يقول في ذلك "على الرغم من أنه لا يزال يضرب على وفاق حرفته التي تتمثل في مراعاة الأفضل والأجود": "وهل يقع في وهم -وإن جهد- أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية أو أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن وما يكد اللسان أبعد؟ وهل تجد أحدا يقول هذه اللفظة فسيحة إلا وهو يعتبر
стр. 254
مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها"١.
وشأن عبد القاهر هنا شأنه في الحالة السابقة، حيث أوجز الكلام إيجازا "وهو كلام نظري في جملته مكرر في أكثر من موضع في كتابه"، فلم يأت بتفاصيل مبينة أو أمثلة موضحة لكيفيات استعمال الكلام في إطار عنصري نظريته، الاختيار والموقعية. ولسنا ندعي أننا قادرون في هذا البحث على أن نأتي بالبدع أو بما لم يأت به الأولون والآخرون، وإنما سنحاول جهد الطاقة أن نلقي ضوءا على فكرة الاختيار هذه عن طريق مناقشاتنا لبضع صوره وأمثلته التفصيلية، كما التقطناها التقاطا من أخطاء الطلاب في هذا المجال.
والملاحظ أن الطلاب "وغيرهم من المثقفين" يخرجون في كلامهم "المنطوق والمكتوب" على قواعد الاختيار٢ المألوفة في اللغة الفصيحة خروجا يسترعي النظر ويقتضي منا وقفة متأنية قبل إصدار الحكم على هذا السلوك اللغوي الجديد. إن الناظر المدقق في عربية اليوم لا يكاد يجد جملة أو عبارة تخلو من اختيار كلمة أو صيغة٣ لم تألفها هذه الفصيحة في استعمالاتها "التقليدية" أو لم تجد نوعا من التساؤل أو الاعتراض من بعض الدارسين. والحق أننا لو نظرنا إلى هذه "التجاوزات" "وما أكثرها! " بنظرة حرفية ملتزمة
стр. 255
بدقائق قواعد الاختيار في العربية لاستطعنا إخراج لغة هؤلاء الطلاب "وغيرهم" من دائرة القبول.
ولعل هذا الموقف كان واحدا من الأسباب التي دعت المختصين من رجال المجامع اللغوية ونحوها إلى النظر في بعض ما جد من استعمالات ورآه جمع منهم مخالفا لأصول العربية، وحاولوا إخضاعه لما سموه أحيانا "بالتصحيح" أو التفصيح أو التأويل والتقدير. وربما قبلوه أو أمثلة منه دون الالتجاء إلى هذه الطرق، على أساس من شيوعه وكثرة تداوله بصورة تجعل رفضه تعنتا وتعسفا، وبخاصة إذا كان مفيدا في مواقعه ولم يجدوا له بديلا أو مخرجا.
وهذه أمثلة مما حاولوا معالجته في هذا الباب، وجلها أو كلها تدور في نطاق الكلمات أو الصيغ المفردة، إذ قلما تناولوا التراكيب وخواصها الجديدة بالدراسة.
١- رأوا الفعل "استهدف" "على وزان استفعل" متعديا في قولهم "استهدف المصلحة العامة"، فرأوا تخريجه على أن السين والتاء فيه "للجعل أو الاتخاذ"، وأجازوه في الاستعمال العام.
٢- رأوا "التقييم، وقيم" مستعملين في معنى بين القيمة وحددها، وكان حقهما بالواو لا بالياء، فأجازوهما لشيوعهما وللتفرقة بينهما وبين تقويم وقوم "في معنى التعديل. وجاءت إجازتهم هذه استنادا إلى ورود نحو "عيد" الناس إذا شهدوا العيد، ولم يقولوا فيه "عود" بالواو تحاشيا عن توهم أنها من العادة".
٣- رأوا "التبرير وبرر" مستعملين في معنى جعله مقبولا مستساغا فأجازوهما لشيوعهما استنادا إلى قرار عام أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة في قياسية تضعيف للتكثير والمبالغة. "وأصل الفعل بر، في مثل بر حجه = قبل".
стр. 256
٤- وكثيرا ما يحتدم الخلاف بين المجمعين حول تصحيح صيغة أو إجازة استعمالها في مواقع معينة في التركيب. فالمعروف أن "أي" في الفصحى اسم مبهم قد يأتي استفهاما أو موصولا أو شرطا أو صفة لنكرة. ولكنها في لغة اليوم قد "تشغل مواقع أخرى فتقع فاعلا أو نائب فاعل أو مفعولا به" من ذلك مثلا قولهم:
لا يعجبني أي كلام في هذا الموضوع.
لم يأخذ منه أي كتاب.
"وقد أتعب أعضاء المجمع أنفسهم في رد هذا الاستخدام المعاصر إلى معنى من معانيها المعروفة في الفصحى. وقد كان الأستاذ العقاد ذا بصيرة قوية حين قال تعليقا على هذه المحاولات، أضاف الصحفيون إلى اللغة العربية تلك العبارة لتدل على المعنى الذي تدل عليه كلمة في اللغة الإنجليزية، دون أن يخلوا بالمعنى الأصلي لكلمة "أي". ولو لم يبتكروا هذا التعبير لبقي مقابل الكلمة ناقصا في العربية، وليس من واجبنا أن نترك لغتنا عاجزة عن الدلالة عما تدل عليه اللغات الحية الأخرى"١.
وهكذا لو تتبعنا ما عرض له المجمعيون في هذا الصدد لخرجنا بنتيجة واضحة، هي أن عربية اليوم قد فتحت الباب على مصراعيه لاستعمالات لغوية جديدة تنتظم كلمات أو صيغا يختلف الدارسون في قبولها أو جواز اختيارها في هذا التركيب أو ذاك، لورودها على غير المألوف في الفصحى، مسجلا في صورة قواعد، أو مدركا بالذوق اللغوي أو الخبرة والممارسة.
وكذلك نحن، عرضت لنا عشرات الأمثلة في لغة طلاب الجامعات حرنا في تقويمها والحكم عليها، لاحتمالها وجوه الصحة والخطأ، بسبب اضطراب
стр. 257
قواعد الاختيار في الفصحى، أو لورودها على وجه يبدو مقبولا وإن لم ترد في القديم نصوص تؤيده. والحق أن ظاهرة الاختيار "الجديدة" في عربية المثقفين اليوم تحتاج إلى دراسة مستقلة، تنبني على الملاحظة الشاملة والإحصاء الدقيق، حتى يمكن إبداء الرأي فيها بصورة علمية واضحة.
ولقد اكتفينا في مناقشتنا هذه بإيراد نماذج قليلة، تأكدنا من وجه الخطأ فيها، وصرفنا النظر عن كل ما يحتمل الخلاف في التقدير أو يثير الجدل بلا طائل. ولقد تبين لنا أن الخطأ في الاختيار قد يكون في اختيار الكلمة أو اختيار الصيغة. والأول لا يؤثر في قواعد الربط والتعليق في التركيب بقدر ما يؤثر في المعنى العام للجملة، ولكنه يؤدي في جميع الحالات إلى ظهور أنماط من التراكيب غير المألوفة في القديم. أما الثاني "وهو الخطأ في اختيار الصيغة" فمعظمه يؤثر في نظام الجملة من موقعية وما يتبعها من ربط وتعليق، وبعضه ينحصر في الصيغة المفردة لورودها على وجه مخالف لقواعد الصياغة الصرفية.
الخطأ في اختيار الكلمات:
كثيرا ما تقع الكلمة في موقع لا يناسبها في التركيب بسبب من معناها المعجمي كما في نحو:
لا أفهم طالما أنت موجود
وصوابه " ... مادمت موجودا" لأن "طالما" بمعنى "طال" ومثالها صحيح: طالما نصحتك.
خرجوا سويا
وصوابه "خرجوا معا"، "سوى" في اللغة معناه الكمال. يقال "هو سوى الخلقة".
لا يجب أن تفعل كذا ...
стр. 258
والاستعمال الصحيح هو: "لا يجوز لا يصح، أو يجب ألا ... ".
الرؤيا اليوم غير واضحة
والمقصود الرؤية البصرية. والرؤيا لا تكون إلا في النوم، فهي من رأي في منامه "رؤيا" على وزن فعلى بدون تنوين. ومنه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ .
وقد يحدث الخطأ في الخلط في استعمال كلمة مصحوبة بصيغة أو صيغ لا تناسبها في السياق المعين، كما في قولهم:
أخبار كثيرة يسجلها التاريخ في الماضي
حيث استعملوا الفعل المضارع مرتبطا بكلمة "الماضي". ولكن يبدو أن هذا النمط اتجاه جديد في لغة الصحافة بوجه خاص، حيث يقابل القارئ عناوين كثيرة من نحو:
أسرار خطيرة تذيعها النيابة أمس
ومنه كذلك ما ورد على لسان شوقي:
إن عزا لم يظلل في غد ... بجناحيك ذليل مستباح
حيث استعمل المضارع المنفي بلم وربطه "غد"، وهو يبدو غير مقبول، لأن المضارع المسبوق بلم يدل على الماضي ومع ذلك ارتبط بما يفيد الاستقبال صراحة وهو كلمة "غد".
الخطأ في اختيار الصيغ:
وهذا النوع ضربان: الأول: قد يكون الخطأ في اختيار الصيغة المفردة لمجيئها على وزان خطأ أو يؤدي إلى معنى غير مقصود، وفي هذه الحالة تبدو الصيغة قلقة في موضعها وإن لم تؤثر على قواعد النظم أحيانا. أما الضرب
стр. 259
الثاني فنعني به اختيار صيغة قد تكون صحيحة من الوجهة الصرفية المطلقة ولكن مصاحبتها لغيرها من السوابق واللواحق أوقع المتكلمين في خطأ واضح.
وأمثلة النوع الأول كثيرة إلى حد يفوق الحصر في لغة الطلاب وغيرهم ممن يزعمون معرفة العربية معرفة جيدة. من ذلك ما يلي:
هذا القرار لاغي
والمقصود أبطل عمله. وصحيحه ملغي "على وزان مفعل" لأنه من ألغى الرباعي. أما "لاغي" فهو من "لغا، يلغو" بمعنى قال قولا سخيفا. ومنه قوله تعال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ أي لا تسمع فيها لغوا.
عمل مشين
من الرباعي بضم الميم، وصحيحه عمل شائن لأنه من الثلاثي "شان" واسم المفعول منه "مشين" على وزان "مبيع". أما شأن الرباعي فلا وجود له في اللغة.
استقل القطار
ينصب "القطار" على أنه مفعول به. والصحيح "أقله القطار" برفع القطار على أنه فاعل، على وفاق قولهم "أقل الجرة" أطاق حملها" أو "استقله القطار" بالرفع على الفاعلية. بمعنى "مضى به وارتحل" من قولهم "استقل القوم" مضوا وارتحلوا.
والخطأ في اختيار الصيغة هنا أدى كما ترى إلى وقوع خطأ في التركيب كله، إذ نتج عنه اختلاف في وظيفة الصيغة المصاحبة. وأدى هذا الخطأ بنوعيه إلى خطأ واضح في المعنى، إذا استقل القطار بالنصب معناه "في الأصل" حمل "الرجل" القطار، وهو لغو.
أما أمثلة النوع الثاني من الخطأ في اختيار الصيغ فهي كثيرة أيضا، وهذه الأمثلة تبرز بوضوح مدى تأثير هذا الخطأ على خواص التركيب كله، إذ
стр. 260
تنتج عنه مخالفات نحوية صريحة في الموقعية والربط والتعليق، وكل مظاهر النظم تقريبا.
وفيما يلي تصنيف لأنماط الخطأ في هذا الباب، مراعين في كل ذلك الإشارة إلى الصيغة "أو الصيغ" التي أدت إلى خروج التركيب كله من قواعده المقررة.
١- في التعدي واللزوم:
يكثر استعمال الطلاب للأفعال المتعدية واللازمة في صور غير مألوفة في القديم أو في غير ما قرر لها من قواعد صرفية ونحوية. وهم في ذلك يتبعون العرف السائد في الأساليب الحديثة، بحيث أصبح هذا الاستعمال ظاهرة عامة، ليست تخص طبقة من المثقفين دون الأخرى. وفيما يلي أمثلة لأهم أنماط هذا الاستعمال.
١- قد يأتي الفعل اللازم متعديا بحرف الجر، نحو:
تأكدت من الحقيقة بعد البحث في مراجع كثيرة والمعروف أن "تأكد" مطاوع للفعل أكد، فهو لازم.
٢- وأكثر من السابق في الاستعمال جعل الفعل اللازم متعديا بنفسه إلى اسم ظاهر أو ضمير.
يعيش الفعل المتعدي بحرف الجر متعديا بنفسه، وهو كثير.
احتجت مراجع كثيرة
وصلت القاهرة في ساعة متأخرة
وأكثر ما يكون هذا المثال الثاني عندما يكون المتعدي إليه دالا على المكان.
стр. 261
٤- وقد يحدث العكس، أي يقع الفعل المتعدي بنفسه متعديا بحرف الجر، وهذا شائع جدا حتى وصل درجة تشبه الاطراد:
أمكن لنا أن نفعل
حاز على الدرجة
تحرى عن الأمر إلخ
٥- جعل الفعل المتعدي إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف الجر متعديا لاثنين.
أهديته كتاب
وصحته أهديت إليه كتاب، وهو رباعي بمعنى قدم هدية، بخلاف الثلاثي "هدى" في نحو "هداه الله الطريق" فهو متعد إلى اثنين بنفسه.
٦- وقد يقع العكس:
كلفته بالأمر
في مقابل صحيحه وهو "كلفته الأمر" بدو الحرف في الثاني، إذ هو متعد إلى اثنتين بنفسه.
وهناك حالات أخرى كثيرة يمكن ادخالها في هذا الباب وأن لم تكن متعلقة بتحويل المتعدي إلى لازم أو العكس، وإنما تختص باستعمال حرف جر مكان آخر مع هذا الفعل أو ذاك. وأمثلة هذا الضرب من الكلام شائعة في عربية اليوم منطوقة ومكتوبة في بيئات المتعلمين جميعا. ومن أمثلته:
أثر علينا هذا الموقف
وأسدى لي نصحا
قال بأسلوب الواثق مما يقول
стр. 262
ففي الأول استعمل الحرف "على" "في مكان" "في"، وفي الثاني اللام بدلا من "إلى" واستخدم في الثالث "من" وحق الحرف أن يكون "الباء".
نحن ندرك أن كثيرا من هذه الأمثلة السابقة يمكن تخريجه في إطار أصين من أصول التقعيد في العربية، وهما "التضمين" و"التعاور بين الحروف". ولكنا مع ذلك لم نأخذ بأيهما هنا، ذلك لأن الأصل الثاني "وهو التعاور" لم يحاول واحد منهم -فيما يعلم- أن يكشف عن حدوده أو أن يبين طرائفه ومواقعه. وإنما هو أشبه بقوله طرأت على أذهان بعضهم للتخلص مما يقابلهم من مشكلات في هذا الصدد. على أنا نحس أن الأخذ به إنما هو ضرب من التحمل قد يؤدي إلى التعسف أحيانا في التقدير وإصدار الحكم. كذلك لم نحاول الأخذ بالمبدأ الأول "وهو التضمين" هنا لأسباب كثيرة، أهمها في نظرنا اختلاف رجال التقعيد في القديم في قياسيته أو سماعيته وفي حدوده الجائز الأخذ بها. هذا بالإضافة إلى أن بعضهم نص على أنه لا يلجأ إليه إلا لأغراض بلاغية، وبهذا الشرط الأخير أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة١. ونحن في دراستنا هذه لا علاقة لنا بالنظر في بلاغة الكلام أو اختيار الأجود والأفضل، وإنما مهمتنا كلها لا تتجاوز النظر في مجرد الصحة والخطأ. ولسنا نظن بحال أن هؤلاء الطلاب وأمثالهم من المثقفين يقصدون في أساليبهم هذه إلى أغراض بلاغية، وإنما الذي دفعهم إلى الوقوع فيما وقعوا فيه هو الجهل المحض بقواعد التأليف في العربية.
٢- اختيار أدوات النفي:
نلحظ خلطا في استعمال الطلاب بين أدوات النفي مع الفعل. وأكثر ما جاء من ذلك اختيارهم لأداة النفي "لا" مع الفعل الماضي مطلقا.
стр. 263
لا زال الموضوع يحتاج إلى دراسة
ومكان النفي هنا يقتضي "ما"، لأن "لا" النافية لا تصاحب الماضي إلا في الدعاء في مثل "لا أصابك الله بمكروه" أو إذا تكررت مع فعلها، "لا قام ولا استخار".
وقد تختار "لن" في مكان "لم" مع المضارع، كما في قولهم:
لن يعرف أبو عبيدة كل هذه المصطلحات
في مقام "لم يعرف ... "
وقد تأتي "لم" بدلا من "لا" مع المضارع أيضا:
القارئ المعاصر لم يفهم القصيدة بسهولة.
ويقتضي المقام استعمال "لا".
٣- اختلاف زمن الفعل:
وقع في أمثلة قليلة استعمال فعلين مختلفي الزمن مع عدم وجود مسوغ من السياق أو المقام والذي شاهدناه بالفعل هو وقوع المضارع متلوا بماض:
كان قدامة يميل إلى النزعة العقلية وفضلها على غيرها.
٤- الوصف بالاسم الجامد:
شاع في أوساط الطلاب اختيار الاسم الجامد وصفا، على خلاف القاعدة العامة، وهم في ذلك متأثرون بوسائل الإعلام، كما في نحو:
مصر النيل، مصر الخير، مصر الأهرام
والرأي عند الجمهور أن الوصف يكون بالمشتق وما يشبهه، كما يبدو ذلك في قول ابن مالك:
وانعت بمشتق كصعب وذرب ... وشبهه كذا وذي والمنتسب
стр. 264
وأجاز ابن الحاجب وجماعة منهم الوصف بالاسم الجامد، إذ الضابط في الموضوع كله "دلالة الوصف عن معنى في متبرعه كالرجل الدال على الرجولة". ومن ثم يجوز في اسم الجنس المحلى بأل بعد اسم الإشارة كونه نعتا ككونه بدلا أو بيانا نحو هذا الرجل قائم"١.
٥- فصل ما حصه الوصل من الضمائر:
وهذا قليل، ومثاله:
لعل أنني نسيت
والمفروض أن لعلي أو لعلني. وقد ورد مثل هذا الاستعمال في أقوال بعض الشعراء المجيدين في الحديث، كما في قول إبراهيم ناجي في قصيدة "العودة":
فيجيب الدمع والماضي الجريح
لم عدنا؟ ليت أنا لم نعد
٦- اختيار صيغ عامية:
قد يكون من المناسب أحيانا اختيار صيغة عامية أو أكثر لشدة ارتباطها بالموقف، أو لأنها أوفق من غيرها في هذا المقام أو ذاك، فهي حينئذ أشبه "بالمصطلح" الذي لا يمكن الاستغناء عنه بقطع النظر عن صياغته أو انتمائه لهذا المستوى اللغوي أو ذاك.
لكن ليس من المقبول اختيار الصيغ العامية في غير حاجة أو ضرورة ملحة، كما في عبارة واحد من الطلاب:
لم يعد لدى الشاعر وقت للت والعجم.
أو قول الآخر:
لكن ضروري من استخدام أسلوب آخر.
стр. 265
وواضح من المثالين أن الخلط فيهما يرجع إلى عجز الطالب وعدم قدرته على التعبير بالفصيح المناسب للمقام.
والحق أن التأثر بالعامية في إطار "الاختيار" أصبح الآن واسع الأبعاد عميقها، لدرجة أنه يستحق نظرا خاصا ودراسة مستقلة. ومثله في هذا التأثر باللغات الأجنبية. حيث يعمد المنشئون -متكلمين وكاتبين- إلى تعريب الألفاظ والعبارات الأجنبية بصور تتفق أو تختلف مع قواعد العربية في ذلك. وهذا الضرب الثاني من التأثير والتأثر هو الآخر جدير أن يلقى اهتماما خاصا في إطار دراسة "التعريب ومشكلاته".
стр. 266
ثالثا: الموقعية
الموقعية وثيقة الصلة بالاختيار وهما معا يكونان فكرة النظم عند عبد القاهر الجرجاني. وقد أدرك هو بثاقب نظره هذه العلاقة، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. ويعود فيؤكد هذه العلاقة تأكيدا واضحا، وإن كان ذلك بطريق التمثيل لإمكانات اختيار الصيغ للمعنى العام الواحد وبيان الفروق بين كل صيغة وأختها بالإشارة إلى موقعها من التأليف. يقول:
"واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها وتحفظ الرسوم التي رسمت فلا تخل بشيء منها. وذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخير إلى الوجوه التي تراها في قولك زيد منطلق وزيد ينطلق وينطلق زيد ومنطلق زيد وزيد المنطلق والمنطلق زيد، وزيد المنطلق وزيد هو المنطلق".
"وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك إن تخرج أخرج وإن خرجت خرجت وإن تخرج فأنا خارج وأنا خارج إن خرجت وأنا إن خرجت خارج. وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك جاءني زيد مسرعا وجاءني
стр. 267
يسرع وجاءني وهو مسرع أو هو يسرع، وجاءني قد أسرع وجاءني وقد أسرع. فيعرف لكل من ذلك موضعه ويجيء به حيث ينبغي له. وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصيته في ذلك المعنى، فيضع كلا من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء بما في نفي الحال وبلا إذا أراد نفي الاستقبال، وبأن فيما يترجح بين أن يكون وألا يكون، وبإذا فيما علم أنه كائن١". والكلام على "الموقعية" له مكان في أعمال النحاة والبلاغيين، وإن جاء ذلك بطريقة ينقصها الاستقصاء والحصر والتصنيف إلى أنماط بحسب السمات التركيبية للجمل، كما ينقصها التوضيح في باب أو أبواب خاصة بها. وإنما جاء ذكرها في هذه الأعمال متناثرا هنا وهناك: ففي باب الفاعل شيء وفي المبتدأ والخبر أشياء، وفي المفعولات نظرات وفي الحال والتمييز لمحات وفي التوابع إشارات، ومن ثم كان على الدارس أن يجري وراء هذه الأبواب ويلهث في البحث عن ضالته التي ربما لا يسعفه الحظ في العثور عليها، على الرغم من أنها قد تكون مبثوثة أو محشورة في إشارة جانبية في شرح أو حاشية أو تعليق. هذا بالإضافة إلى أن النحاة المحترفين لم يعنوا بالإشارة إلى أهمية الموقعية في تأليف الكلام، وإن كانت هناك إشارات جيدة إلى ذلك في بعض أقوال البلاغيين من أمثال عبد القاهر الجرجاني الذي يلخص هذه الأهمية بقوله:
واعلم أن لا محصول للكلام "غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خيرا عن الآخر أو تتبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول أو تأكيدا له أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك على أن يكون الثاني صفة أو حالا أو تمييزا، أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنيا فتدخل عليه
стр. 268
الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف. وعلى هذا القياس"١.
والموقعية في عربية اليوم متأثرة إلى حد واضح بالأساليب الأجنبية حتى ليستطيع الواحد منا أن يرد الجملة أو العبارة أو الفقرة كلها من حيث ترتيب الكلم فيها إلى أصل أجنبي. ولا يعني هذا بحال أن كل ما جاء على هذا النمط من الأساليب خطأ جملة وتفصيلا. فبعض هذه الأساليب لا يوجد في العربية من القواعد ما يعارضه أو يمنعه صراحة، وبعضها مستحدث ويمكن قبوله على وجه من الوجوه. ولكن هناك في الجانب الآخر تراكيب جاوزت حدود الصواب في العربية لأنها صيغت صياغة أجنبية بعيدة عن روح العربية وما قرر لها من قواعد، كما في نحو:
أنا كمصري ...
المصوغ على وفاق التركيب الإنجليزي.
وصوابه: أنا -مصريا- أو بوصفي مصريا ...
ومنه كذلك: كلما ذاكرت كلما فهمت
بتكرير الرابطة "كلما". وقد جاءت الجملة على غرار التركيب الإنجليزي.
والملاحظ على كل حال أن لغة الطلاب "وغيرهم" قد اتخذت اتجاهات معينة تقرب أن تكون السمة العامة في كلامهم من حيث الموقعية. من هذه الاتجاهات حالات مقبولة، ورد مثلها في العربية، وإن لم تكوّن على وفق المشهور أو الأكثر شيوعا فيها. من هذه الحالات:
стр. 269
١- تقديم متعلق الفعل من جار ومجرور أو ظرف، نحو:
في حديث سابق، أشرنا إلى كذا ...
ويبدو التركيب كما لو كان مكونا من عنصرين، أحدهما جاء بمثابة المقدمة أو التمهيد للثاني، ولكن دون فصل تام بينهما بدليل "النغمة الصاعدة" التي ينتهي بها الجزء الأول، وهذه النغمة دليل اتصال الكلام. وأحيانا يأتون بأداة بين الجزأين تشعر بشيء من الانفصال بينهما، كما في مثل:
ومن جهة أخرى، فإني لا أرى هذا الرأي
حيث جاءت الفاء في هذا الموقع على غير المعهود في الأساليب العربية المتفق على صحتها.
٢- في الجمل الفعلية "وهي ما اشتملت على فعل بقطع النظر عن موقعه يكثر تقديم الاسم على الفعل، على عكس المشهور في الأساليب القديمة.
٣- حرية الموقعية بالنسبة للمفعول المطلق إذا لم يذكر فعله، والأكثر تصدير الجملة به. ومثاله:
انطلاقا من هذه النقطة تتفرع المناقشة.
وكذلك الحال في المفعول لأجله، ويكثر وقوعه في بدء الكلام، نحو: أملا في الحصول على تقدير، أعمل ليل نهار.
٤- يأتي الحال الجملة متقدما على معموله وصاحبه من وقت إلى آخر:
وهو يخرج من المدرج اصطدم بالباب
بالإضافة إلى ذلك هناك حالات جديدة في الصياغة من حيث ترتيب الكلام في التركيب، وتبدو في ظاهرها كما لو كانت مخالفة لقواعد العربية نعني بذلك ما جرى عليه العرف الحديث في لغة الصحافة ونحوها "وتأثر به
стр. 270
المثقفون جميعا من طلاب وغيرهم" من استخدام أدوات الاستفهام في مواقع غير معهودة في القديم، كما في قولهم مثلا:
المتهربون من الضرائب، كيف نتعقبهم؟
الامتحان الفصلي، متى يكون؟
والمعروف أن هذه الأدوات لها الصدارة في الفصحى، ومن ثم إذا وقع أحدها مبتدأ أو خبرا وجب تقديمه. وقد وهم بعض الدارسين المحدثين فظنوا أن الأداة الاستفهامية في هذين المثالين قد فقدت خاصتها، حيث لم تتصدر التركيب الذي وقعت فيه. والحق أن الأداة هنا ما زالت في صدر الكلام، أي الجملة التي وقعت بها الجملة الثانية في التركيبين السابقين. فكأن التركيب مكون من جملتين، جاءت الثانية منهما مصدرة بأداة الاستفهام جذبا للانتباه. ودليل ما نقول وجود سكتة خفيفة بين الجانبين عند النطق الصحيح للتركيب كله. وقد أشرنا إلى ذلك بوضع فاصلة في المثالين.
أما أنماط الخطأ في الموقعية فهي متعددة، ويمكن أن نجمل أهمها فيما يلي:
١- تأخير ما حقه التقديم:
ونعني بذلك في غير حالات الاستفهام السابقة، ويظهر هذا بكثرة عند استخدام الرابطة "بينما"، إذ يقولون: دخلت عليه بينما كان يذاكر وقد نصوا على أن "بينما وبينا" لها صدارة الكلام.
٢- الفصل بين الصفة والموصوف:
والمقصود الفصل بينهما بأجنبي، كما في مثل:
كان شاعرا ربما غير مجيد
стр. 271
فالصفة هي "غير مجيد" وقد فصل بينهما وبين موصوفها بصيغة أجنبية وهو غير جائز عندهم.
٣- الفصل بين الموصول وصلته:
وهو كثير في أسلوب الأدباء المعاصرين، وربما كان ذلك منهم للتأكيد على صيغة معينة، هي الفاصلة بين الموصول وصلته، كما في مثل:
الشاعر الذي بشعره الغزير يفوق أقرانه شاعر فحل. والاتفاق بينهم على أن الفعل بأجنبي ممنوع، وعده ابن مالك شاذا ونستطيع في مثالنا هذا أن نعتبر الفاصل غير أجنبي إذ هو متعلق بالفعل بعده. وأصل الكلام "الذي يفوق أقرانه بشعره الغزير ... " وبهذا يكون الكلام له وجه من العربية.
٤- الفصل بين المتعاطفين:
ومثاله: قابل أعضاء هيئة التدريس الحاليين وكذلك السابقين. فالفصل هنا جاء، بإقحام الصيغة كذلك. وأغلب الظن أنه من تأثير اللغة الإنجليزية في مثل and also، وفي مثالنا هذا لا يمكن إعراب "كذلك" خبرا مقدما و"السابقين" مبتدأ مؤخرا، إذ هو جمع مذكر سالم، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن يكون بالواو لا بالياء.
٥- الفصل بين المضاف والمضاف إليه:
وأكثره واقع بين المتعاطفين في التركيب الإضافي، كما في مثل:
طلاب وأساتذة وعاملو الكلية
وهذا النوع من الفصل له وجه ضعيف في العربية وأجازه بعضهم في الشعر. وقد يأتي الفصل أحيانا بغير ذلك، نحو:
مدير عام الإدارة
стр. 272
فكلمة "عام" هذه يحتمل أن تكون صفة، أو أن تكون مقحمة دون إدراك لوظيفتها في مثل هذا التركيب الذي ينبغي أن يكون: المدير العام للإدارة أو "مدير الإدارة العام". وفي هذه الحالة الأخيرة يكون هناك فصل بين الصفة والموصوف، ولكنه فاصل غير أجنبي، إذ هو مضاف إليه وهو مكمل للمضاف.
٦- إضافة المؤكد إلى المؤكد:
ومثاله: نفس الشيء وهو من آثار الأخذ من اللغات الأجنبية، ففي الإنجليزية يقولون: على الرغم من أنه في هذه اللغة تركيب وصفي لا إضافي.
٧- العطف على الضمير المرفوع المستتر:
يأتي كثيرا العطف على الضمير المرفوع المستتر بدون فاصل، مثل:
لا يتفق والمجهود الذي بذلناه
برفع "المجهول" والواجب هنا الفصل بين المتعاطفين بضمير منفصل، كما في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ فأنت جاء فاصلا بين المعطوف وهو "زوجك" والمعطوف عليه وهو الضمير المستتر "أنت" وقد نص النحاة على هذا الحكم عند شرح قول ابن مالك:
وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافعل بالضمير المنفصل
فقالوا وهذا الحكم ينطبق عند العطف على الضمير المرفوع المستتر.
تلك أمثلة تشير إلى أهم أنماط الخطأ في الموقعية. وهناك بالإضافة إلى ذلك حالات أخرى من المخالفات في هذا الباب، وهي في الوقت نفسه تنتظم أخطاء في الاختيار. ومن ثم يمكن أن تنضم إلى أي من البابين، ولكنا رأينا أنه من الأنسب لها عقد باب خاص بها، لأنه لم تتح لنا حتى الآن فرصة
стр. 273
تصنيفها في إطار مسائل هذ الباب، أو ذاك. وأكدنا هذا الصنيع بوضع عنوان منفصل.
مصاحبات جديدة:
ونعني بهذا المصطلح ضم صيغة إلى أخرى ومصاحبتها له على وجه يشبه أن يكون مطردا. وهذه المصاحبات كلها أو جلها مرفوضة من وجهة نظر القواعد التقليدية، لأنها تنتظم مخالفات نحوية فيما يتعلق بقوانين التأليف. ومن أشهر الأمثلة وأكثرها وقوعا الأنماط التالية:
١- سوف + لن + الفعل.
٢- سوف + لا + الفعل.
ومثالها: سوف لن تأخر بعد اليوم.
سوف لا أفعل هذا ثانية.
قالوا: "السين" وسوف مختصات بالمضارع وهما بمثابة الجزء منه فلا يفصل بينهما وبين الفعل فاصل، هذا بالإضافة إلى أن "لن" تفيد الاستقبال "مع إفادتها النفي" فكان أداتين اجتمعتا لمعنى واحد وهو عبث.
٣- هل + لا + الفعل.
٤- هل + السين أو سوف + الفعل.
الأمثلة: هل تستطيع ذلك؟
هل ستذاكر الليلة؟
والمعروف أن "هل" لا تدخل على أداة نفي، وإنما يقال "ألا تستطيع" بالاستفهام بالهمزة. ومن المقرر كذلك أن هل "تخلص الفعل المضارع للاستقبال" والسين وسوف للاستقبال. فدخول "هل" عليهما يعني اجتماع أداتين لمعنى واحد.
стр. 274
٥- قد + لا + الفعل.
مثل: قد لا أحضر هذه المحاضرة.
قالوا: أن قد تختص بالفعل المثبوت، كما منعوا الفصل بينها وبين الفعل. على أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة قد أجاز هذا الأسلوب.
وهناك في لغة الطلاب وغيرهم حالات أخرى من هذا الضرب، ولكن ليس من شأننا أن نأتي على كل ذلك في هذه الدارسة العاجلة. وإن كنا نبيح لأنفسنا الإشارة إلى حالات خاصة بالواو والفاء وما لحقهما من اتجاهات جديدة في الاستعمال تظهر في مصاحبتهما لصيغ معينة في التراكيب، وهي مصاحبات لا تجد سندا من القديم من حيث الاستخدام الفعلي والقواعد المسجلة معا.
والواو والفاء "حالات خاصة".
والواو: نلاحظ أن الواو في عربية اليوم قد استخدمت استخداما متوسعا فيه إلى حد ظاهر، حيث وقعت في مواقع لم يألفها نظام التأليف في القديم، وصاحبت صيغا ما كان لها أن تصحبها فيما روي عنهم من قواعد، أو نصوص أدبية. والواو في هذه المواقع الجديدة وهذه المصاحبات المبتكرة ليس من السهل التعرف على وظيفتها أو تفسير هذه الوظيفة بحسب القواعد التقليدية.
هذه المواقع والمصاحبات كثيرة، ولسوف نكتفي هنا بإيراد أمثلة لأنماط التراكيب التي ترد فيها الواو مصاحبة للأدوات بوجه خاص. من ذلك ما يلي: "من لغة طلاب الجامعات":
١- "لا بد" + و + أن ...
"لا بد" وأن تقوم بالواجب
стр. 275
"فعل" + و + أن
سبق وأن أشرنا إلى ذلك
في هاتين الحالتين لا نرى وظيفة واضحة للواو، بالإضافة إلى أنها في المثال الثاني وقعت بين الفعل وفاعله المؤول من "أن" والفعل، ولم يعهد في العربية مثل هذا الفعل.
٢- بل +
وفي مصر بل والعالم العربي
٣- بل + و + حتى
لا أعرف هذا الموضوع بل وحتى مغزاه
٤- بل + و + لو
بل ولو كان الأمر بيدي
٥- بل + و + لا + حتى
لا أعرف اسمه بل ولا حتى اسمه
٦- الواو + حتى + و + لو
وحتى ولو خان الصديق
وهناك أمثلة أخرى كثيرة من هذا النوع، بالإضافة إلى أنماط من التراكيب صاحبت الواو فيها صيغا ليست بأدوات ووقعت فيها مواقع ليس للواو من وظيفة ظاهرة مثل:
طول عمره وهو يخاف "هو يخاف طول عمره".
منذ عشرة أيام ونحن ندعوهم "منذ عشرة أيام نحن ندعوهم".
والتفسير الوحيد لهذه الأمثلة كلها هو أن: الواو زائدة.
стр. 276
الفاء:
كذلك ظهرت الفاء في مصاحبات تدعو إلى النظر لعدم وجود مسوغ ظاهر لوجودها وأكثر ما يكون ذلك في الجمل المركبة، حيث تستخدم كما لو كانت رابطة من الروابط، وأحيانا تأتي في بداية عبارة متعلقة بكلام سابق أو مترتبة عليه. وهذه أمثلة لها:
وإذا رفا لقول بهذا رأي صحيح.
كذلك فإن الإعراب أصل في الأسماء.
ومن ثم فإني أخالف هذا الرأي.
عندما تحضر فإني سأكرمك.
وفي هذا المثال -كما نرى- استخدمت الصيغة "عندما" كما لو كانت أداة شرط، ووقعت الفاء في جوابها، كما يحدث تماما مع أدوات الشرط العادية، عندما يكون الجواب من هذا النمط من التركيب وهو كونه جملة اسمية.
تلك لمحات تتعلق بالمخالفات الموقعية في لغة الطلاب والمثقفين بعامة، وهي لمحات تثير في النفس أشياء وتقتضي منا دراسة علمية متأنية لعربية اليوم لنرى رأينا فيما جد فيها من أساليب واستعمالات، وبخاصة أننا لم نعرض هنا لتأثير اللغات الأجنبية واللهجات العامية في اللغة الفصيحة في هذا المجال.
стр. 277
ثالثا: الموقعية
...
стр. 278
رابعا: المطابقة
المطابقة -كغيرها من عناصر نظام الجملة- نوقشت متناثرة هنا وهناك في تراث العربية، باستثناء أبواب نحوية معينة ركز فيها "نوع تركيز" الكلام على أوجه المطابقة واحتمالاتها، كما يظهر ذلك مثلا في التوابع والعدد وأفعل التفضيل والإضافة. ومن الظريف حقا أن تكون معظم الأخطاء التي يقع فيها الطلاب في هذا المجال مما تنتمي أمثلته إلى هذه الأبواب.
والمطابقة في العربية تكون في:
١- في الشخص "متكلم، مخاطب، غائب" وهو خاص بالضمائر.
٢- الإعراب.
٣- في التعريف والتنكير.
٤- في النوع "التذكير والتأنيث".
٥- في العدد "الإفراد والتثنية الجمع".
وهناك ضرب آخر من المطابقة تقتضيه طبيعة العربية وقواعدها كذلك، وهي ما يختص بالعاقل وغير العاقل. وهذا الضرب بالذات لم يحظ من علماء العربية إلا بلمحات سريعة لا تغني شيئا.
وأخطاء الطلاب في قواعد المطابقة تختلف من حال إلى حال من حيث الكثرة والقلة. وفيما يلي كشف بالمثال عن هذه الأخطاء. وإن في إيجاز موجز.
لم نلاحظ أخطاء في لغة هؤلاء الشباب في قواعد المطابقة في الشخص، وإن كنا لا نستبعد وجودها، ودليلنا على ذلك مستواهم الضعيف في قواعد العربية بوجه عام.
والخطأ في الإعراب من حيث قوانين المطابقة موجود بكثرة. وذلك أمر بديهي، فقد سبق أن قررنا شيوع الأخطاء في الإعراب بعامة، ومن ثم ينطبق ما ذكرناه هناك على حالتنا هذه، وإليك أمثلة قليلة من هذا النوع، وهو خطأ مؤسف حقا.
إن كفار قريش ومشركوها ...
стр. 279
فأتى بصيغة الرفع مع عطفها على منصوب هو اسم إن. ولا مجال للقول بأنها معطوفة على المحل. ومنه كذلك:
أتى بكلام دقيقا
اكتشف فنا جديد
المطابقة في التعريف والتنكير:
يظهر خطؤهم في ذلك في بابين اثنين بوجه خاص. الأول أفعل التفضيل. إنهم هنا يعرفونه بال حين يكون متلوا بمن، كما في قولهم:
والأحسن من هذا ...
نعم قد ورد مثله في الشعر في القديم، ولكن لم يؤخذ به، وعد مرفوضا من الجماعة.
الباب الثاني التركيب الإضافي، غير أن ذلك محصور في نمطين من التراكيب، هما:
١- غير مضاف إليه
الغير مفهوم:
وصحته "غير المفهوم"، وذلك بسببين اثنين معا: "غير" متوغلة في الإبهام فلا تدخلها أداة التعريف في أي موقع وقعت فيه، وهي هنا في موقع المضاف. والمضاف في العربية لا تدخله أداة التعريف إلا إذا كان صفة مضافا إلى ما فيه "ال" و"كالجعد الشعر".
ووصل أل بذا المضاف مفتقر ... إن وصلت بالثاني كالجعد الشعر
٢- عدد + معدود
الخمسة كتب
стр. 280
وصحته "خمسة كتب" أو "الخمسة الكتب" على رأي الكوفيين، بتعريف الجزأين. وفي كل الحالات لا يعرف الجزء الأول لأنه مضاف. وحاول مجمع اللغة العربية بالقاهرة تصحيح هذا الاستعمال الشائع.
المطابقة في النوع:
يقع الخطأ في هذا الباب في نمطين معينين بوجه خاص، ولكن لا نعدم أمثلة متناثرة في أنماط أخرى، وهي قليلة لا تشكل ظاهرة.
النمط الأول: التركيب العددي من هذا البناء:
العدد من "١-١٠" + المعدود
ومثاله: ثلاث أبواب
ثلاثة صفحات
والحق أن الخطأ في هذه الحالة وأمثالها ليس مقصورا على الطلاب أو عامة المثقفين، بل قد يقع فيه أهل الاختصاص. وهم إن وقعوا تأولوا أو تمحلوا.
النمط الثاني: يظهر في هذا الشكل:
مفرد مضاف + جمع تكسير "مضاف إليه ومفرده مذكر".
إحدى المعاهد
إحدى أركان التشبيه
وهذا خطأ يمكن تفسيره "لا تسويغه". وهم المتكلمون فظنوا أن المضاف هنا يؤنثه لأنه مرتبط بجمع تكسير، وجمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض مواقعه، فتقول: جاء الرجال أو جاءت الرجال.
ومنه كذلك نحو:
أصبح علما ذات قواعد
стр. 281
وقليلا ما نقابل بأمثلة أخرى من الخطأ في هذه الباب، مثل:
كانت هذه الخطوة ذو حدين.
والواجب أن يقول: "ذات" بصيغة المؤنث. وفي المثال خطأ آخر، كما ترى، وهو الخطأ في الإعراب.
وقد نجد نحو:
أدت تنوع الأدوات إلى غموض القصيدة.
بتأنيث الفعل مع الفاعل المذكر، ولعل الذي أوقعهم في الخطأ هو إضافة الفاعل إلى جمع مؤنث، فالتبس الأمر على المنشئ.
وهناك كثرة كاثرة من الأمثلة يذكر فيها الفعل مع إسناده إلى فاعل مؤنث تأنيثا مجازيا، مثل:
شاع هذه الظاهر.
ولكن مثل هذا التركيب جائز في العربية، على ما قرروا.
الخطأ في العدد:
قليلا ما يقع الطلاب في الخطأ في هذا الوجه من المطابقة. ومع ذلك قابلتنا أمثلة تشير إلى خطأ واضح في هذا المجال. وأكثره في الأشكال النحوية المنتظمة لمثنى وجمع، حيث يخلط الطلاب بينهما في المطابقة، كما في قولهم:
هذان الكتابان هم. "المبتدأ مثنى والخبر جمع".
وقد يقع العكس:
وهم مبحثان. "ضمير الجمع مبتدأ والخبر مثنى".
ومن المخالفة في المطابقة -على رأي- إسناد الفعل إلى الضمير مع ذكر الفاعل الظاهر:
стр. 282
ذهبوا البلاغيون.
وهو جائز على أنه لغة، قيل هي لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة" ومنه في القرآن ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . وتأولت الجماعة هذه الأمثلة ونحوها، على ما هو معروف.
بقي أن نشير إشارة خاطفة إلى معاملة الطلاب للأجناس "العاقلة وغير العاقلة". المشهور -وأظنه القاعدة العامة- أن الضمير "هم" بصيغة الجمع يشار به عادة إلى العقلاء، وربما جاء على خلاف ذلك قليلا، كما في قول واحد منهم:
دواوينه الخمسة هم.
وربما استعملوا اسم الموصول "ما" متعلقا بالعاقل:
وراموا مما حاولوا اكتشاف لغة جديدة.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١ وربما تأولوه.
وبعد:
فهذه إشارات خاطفة إلى أنماط الخطأ التي يقع فيها الطلاب في نظام الجملة العربية، وقد رأينا -فيما رأينا- أخطاء صارخة، لا ينبغي أن تمر دون تفكير وبحث ومحاولة الوصول إلى علاج. ولست أظن أن هذا الخطأ "وغيره" مقصور على طلاب وطن عربي دون الآخر، فالكل في الهم سواء.
وهنا نتساءل:
١- ماذا ينبغي أن تكون عليه العربية.
٢- أنريد أشكالا أو مستويات منها؟ وإذا كان الأمر كذلك، ما هي؟
стр. 283
٣- أنريد عربية عامة صحيحة تربط حاضرنا بماضينا وتحتفظ بأصول العربية الفصحى؟
٤- كيف، وما وسائل ذلك؟
٥- ما أسباب ما تعانيه العربية اليوم؟ وما وسائل العلاج؟
ومهما تكن الأسباب أو تعددت، فمن أهمها جهل العرب بلغتهم، بل بثقافتهم وحضارتهم وموقعهم في العالم.
وأملنا أن نصل إلى إجابات صريحة واضحة في هذا الأمر كله، ذلك الأمر الذي أضحى غير مقبول من الوجهات القومية والثقافية بل الاجتماعية والاقتصادية كذلك ... والله الموفق.
стр. 284
المبحث السابع: التعريب بين التفكير والتعبير
مدخل
...
المبحث السابع: التعريب بين التفكير والتعبير
ينطلق الحديث من وقت إلى آخر في عالمنا العربي مناديا بوجوب تعريب العلوم باعتماد اللغة العربية لغة التدريس والتأليف والبحث العلمي والتقنيات الحديثة في جامعاتنا ومعاهدنا. وهناك من الدارسين أهل الاختصاص من لم يعيروا هذا النداء أي اهتمام، بل ربما عارضه بعضهم وأطلقوا شعارات أخرى ترمي إلى إسكات هذا النداء والتشويش عليه حتى لا ينفذ إلى الآذان ويخرج إلى حيز التنفيذ عاجلا أو آجلا. ولا نعدم في الوقت نفسه أن نجد من يقف وسط المعركة حائرا، لا يدري إلى أي من القبيلين ينتسب، إما لجهله أعماق القضية، وإما عجزا عن تقديم يد العون لهؤلاء أو أولئك.
ونحن من جانبنا نؤيد "التعريب" من حيث المبدأ. والمبدأ أشبه شيء بالدستور يحتاج إلى تفسير وضبط لأبعاده وأهدافه، وتعرف مجالات تطبيقه، وبيئة هذا التطبيق وزمانه. وهذا يقتضي منا إلقاء الضوء على بعض الأفكار والجوانب المتعلقة بهذا المبدأ إيجابا وسلبا، والتي قد يغيب عن بعضهم من القبيلين كليهما إدراك حقيقة الأمر فيها وما يلفها من مشكلات وصعوبات.
وأول ذلك تحديد مفهوم "التعريب" في التوظيف العربي المعاصر، إذ إن المصطلحات هي مفاتيح العلوم، فينبغي أن تكون ذات قدرة وكفاية للكشف عن مغاليق ما نود الوصول إليه، ولا يكون ذلك -بطبيعة الحال- إلا بإخضاعها للنظر والتدقيق مبني ومعنى.
يوظف "التعريب" -مصطلحا- في الثقافة العربية المعاصرة في أربعة معان، مختلطة الحدود في أذهان الكثيرين منا في النظر والتطبيق على سواء.
стр. 285
المعنى الأول:
قد يطلق "التعريب" في ميادين الثقافة العامة ويقصد به إخضاع النصوص أو الأعمال الأجنبية -علمية أو أدبية أو فنية- لشيء من التصرف في مبناها ومعناها، وذلك بتطويعها لمقتضيات الظروف وأنماط التقاليد الاجتماعية والثقافة العربية، وجعلها ذات سمة عربية في الإطار العام.
وقد يقتضي ذلك شيئا من التغيير في الجزئيات وبعض التفاصيل بذكر أفكار أو أمثلة أو نماذج عربية في صلب النص أو العمل المنقول.
ومعنى هذا أن النقل -في حالة النصوص المكتوبة- يأخذ طريقين متصلين غير منفصلين: أحدهما ترجمة الفكرة العامة أو العناصر الرئيسية للموضوع، وثانيهما حشو النص المنقول بأفكار جزئية عربية، أو التحرير والتعديل في بعض نقاطه أو حذف شيء أو أشياء منه، حتى يأخذ الطابع العربي بصورة من الصور. وكثيرا ما يحدث هذا الضرب من "التعريب" في المسرحيات والأفلام ونحوها وبعض الأعمال العلمية، وقد يسمى بالاقتباس أحيانا، أي: اقتباس الفكر الرئيسة وصوغها في بناء عربي.
المعنى الثاني:
وهو شديد الصلة بالأول، حيث يطلق "التعريب" ويراد به الترجمة، وهذا المفهوم يأخذ به بعض الناس -مثقفين وغير مثقفين- بطريق التجوز أو عن سوء فهم أو جهل بالمعاني الدقيقة للمصطلحات. وهذا المسلك -في رأينا- تعزوه الدقة أو -في الأصح- هو ضرب من الخطأ المحض.
إن الترجمة تعني نقل معاني الكلمات أو العبارات والنصوص الأجنبية والتعبير عنها بكلمات وعبارات مقابلة لها في اللغة المنقول إليها، سواء أكانت هذه اللغة المنقول إليها عربية أم غير عربية، في حين أن "التعريب"