المبحث الثاني: في التقييد بالمفاعيل ونحوها
التقييد بالمفاعيل ونحوها من الحال والتمييز لزيادة التخصيص المستلزم كثرة الفائدة، وبالنواسخ للأغراض التي تؤديها معاني ألفاظها كالاستمرار وحكاية الحال الماضية في كان١، والتوقيت، بزمن معين في ظل وأخواتها، والمقاربة في كاد وكرب, والتأكيد في أن، والتشبيه في كأن، إلى نحو ذلك.
стр. 142
المبحث الثالث: في التقييد البتوابع
...
١- تمييزه بتخصيصه، إن كان نكرة، وتوضيحه إن كان معرفة.
٢- الكشف عن حقيقته, كما يقال: الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله، ومنه في غير المسند إليه قول أوس بن حجر التميمي في مرثية فضالة بن كلدة:
الألمعي الذي يظن بك المظن ... كان قد رأى وقد سمعا
فالألمعي هو المتوقد ذكاء وفطنة، ومن لوازمه أنه إذا ظن بك ظنا طابقت فراسته الواقع، وقد روي أن الأصمعي سئل عن الألمعي فأنشد البيت.
٣- التأكيد، نحو: أمس الدابر، وكان يوما عظيما، وعليه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ١.
٤- بيان المقصود وتفسيره نحو: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ ٢، قال في "الكشاف": فإن قلت: هلا قيل وما من دابة ولا طائر إلا أمم أمثالكم، وما معنى الزيادة؟
قلت: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة كأنه قيل: وما من دابة قط في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها.
٥- المدح، نحو: جاءني محمد الأديب.
٦- الذم، نحو: سافر إبراهيم الأحمق.
ويؤكد لاعتبارات، منها:
١- تحقيق المراد، بحيث لا يحتمل الكلام غيره، كما تقول: جئت أنا.
٢- دفع توهم السامع تجوز المتكلم أو سهوه نحو: قدم صديقك نفسه.
٣- دفع توهم عدم الشمول نحو: جاء القوم كلهم، إذ لو قلت: جاء القوم وسكت، لكان يجوز أن يخطر ببال السامع أن بعضهم قد تخلف، إلا أنك لم تعتد به أو جعلت الواقع من البعض كأنه واقع من الجميع، كما يقال للقبيلة:
стр. 143
صنعتم وفعلتم، ويراد فعل قد كان من البعض، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ ١، والعاقر لها قدار، لكنهم نزلوا منزلته لرضاهم بفعلته.
ويبين لمزايا، منها:
١- المدح، نحو: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ ٢، فالبيت الحرام عطف بيان على الكعبة لغرض مدحها بأنها حرم آمن.
٢- الإيضاح والتفسير بما يختص بالمتبوع ويوضح ذاته، نحو: قال أبو الحسن علي كرم الله وجهه.
ويبدل لأغراض، أهمها:
زيادة التقرير، إذ البدل كالتفسير بعد الإبهام، فيزداد به تقرير المقصود في ذهن السامع، ومنه في غير المسند إليه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٣.
أما في بدل الكل فللذكر مرتين، وأما في بدل البعض؛ فلأن المتكلم لما أتى بالمبدل منه أولا ثم أتى بالبدل ثانيا كان كالمنبه على التجوز والإجمال في المبدل منه فيؤثر في النفس تأثيرا لا يوجد عند الاقتصار على الثاني، وأما في بدل الاشتمال؛ فلأن البدل تشعر به النفس في الجملة قبل ذكره وتتشوف لشيء يطلبه الكلام السابق فإذا ذكر صار متكررا.
ويعطف عليه لدواع، منها:
١- تفصيل المسند إليه باختصار، نحو: جاء محمد وعلي، فإنه أخصر من جاء محمد وجاء علي، مع إفادة التفصيل بالنسبة لقولك: جاءني رجلان، ولا يعلم منه تفصيل المسند، إذ الواو لمطلق الجمع، ولا دلالة فيه لمجيء أحدهما قبل الآخر أو بعده أو معه.
٢- تفصيل المسند، مع الاختصار، نحو: جاء محمد فعلي، أو ثم علي، أو جاء القوم حتى خالد. فهذه الثلاثة الحروف، وإن اشتركت في تفصيل المسند،
стр. 144
فالأول يدل على التنقيب من غي مهلة، والثاني مع المهلة، والثالث يفيد ترتيب أجرائه من الأضعف إلى الأقوى، أو بالعكس، نحو:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي
٣- الشك من المتكلم إذا كان لا يدري الحقيقة.
٤- التشكيك، أي: إيقاع السامع في الشك.
٥- التجاهل، نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
٦- التخيير أو الإباحة نحو: ليدخل الدار محمد أو علي، والفرق بينهما أنه يجوز الجمع في الإباحة دون التخيير.
٧- رد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب، نحو: جاءني علي لا خالد لمن اعتقد أن خالدا جاءك دون علي، أو أنهما جاءاك معا.
стр. 145
المبحث الرابع: في التقييد بضمير الفصل
يؤتى بعد المسند إليه بضمير الفصل لأغراض، منها:
١- التخصيص، أي: قصر المسند على المسند إليه، إذا لم يكن في الكلام ما يفيد القصر سواه نحو: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ ١.
٢- تأكيد التخصيص إذا كان في التركيب مخصص آخر، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ ٢، ومنه قول أبي الطيب:
إذا كان الشباب السكر والشيـ ... ـب هما فالحياة هي الحمام
يريد أنه إذا كان الشخص إبان الشباب كالسكران غافلا عن العواقب، وفي الشيب حزينا بسبب ضعفه، فلا خير في الحياة، بل هي الموت.
٣- تمييز الخبر عن الصفة، نحو: الفصيح هو جيد البيان طلق اللسان.
стр. 146
المبحث الخامس: في التقييد بالشرط
يقيد الفعل بالشرط للأغراض التي تستفاد من معاني الأدوات كالزمان في: متى، والمكان في: أين، والحال في: كيفما، إلى آخر ما استوفى بيانه علم النحو، لكن نذكر هنا ما بين: إن، وإذا، ولو، من الفروق الدقيقة التي تشاكل مباحث هذا الفن.
بيان هذا أن المقصود من الجملة الشرطية عند علماء العربية، إنما هو النسبة التي يدل عليها الجزاء سواء أكانت خبرية أم إنشائية، والشرط قيد لها وسبب فيها لا يغيرها عن حالها الأولى من الخبرية أو الإنشائية، وقد خرج بدخول الأداة عليه عن كونه خبرا يحتمل صدقا وكذبا، فقولك: إن نجحت أكافئك، معناه أكافئك حين نجاحك، وقولك: إن جاء محمد فأكرمه، أي: أكرمه وقت مجيئه.
"إن" و"إذا" تشتركان في الدلالة على تعليق حصول الجزاء على حصول الشرط في المستقبل، وتمتاز كل منهما بما يلي:
أ- تمتاز"إن" بدلالتها بحسب الوضع اللغوي على عدم جزم المتكلم بوقوع الشرط في الزمن المستقبل، نحو: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ١ ومن ثم لا تقع في كلام الله تعالى إلا على سبيل الحكاية أو التأويل, فالأول كقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ ٢، والثاني نحو: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ٣ فقد جاءت في التنزيل على نمط أساليبهم، وعلى الطريقة التي يعبر بها المتكلم منهم حينما يكون غير جازم بوقوع الشرط.
ب- تمتاز "إذا" باستعمالها لغة في كل ما يجزم المتكلم بوقوعه في الزمن المقبل نحو: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ٤.
ومن أجل ما بينهما من الفرق كانت الأحكام النادرة الوقوع مع لفظ المضارع مواقع لإن، والأحوال الكثيرة الوقوع ولفظ الماضي الدال على تحقيق الوقوع
стр. 147
قطعا نظرا إلى نفس لفظه، "وإن كان قد نقل بعد دخول الأداة عليه إلى معنى الاستقبال" مواقع لإذا، وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ١، أي: إذا جاء آل فرعون حسنة كخصب ورخاء وكثرة أولاد قالوا نحن أحقاء بها، وإن أصابهم جدب وبلاء تشائموا من موسى ومن آمن معه، فعبر بإذا في جانب الحسنة؛ لأن المقصود منها الجنس، وهو مقطوع بحصوله لكثرته، وبأن في جانب السيئة لندورها، ولهذا أنكرت للدلالة على القلة.
قال في "الكشاف": وللجهل بمواقع إن وإذا زيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطأ بهما الموقع في قوله يخاطب بعض الولاة, وقد سأله حاجة فلم يقضها ثم شفع له فيها فقضاها:
ذممت ولم يحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعا
ولو عكس في استعمال الأداتين لأصاب الغرض.
"تنبيه": قد تستعمل كل من الأداتين موضع الأخرى، فتستعمل "إن" في الشرط المجزوم بثبوته لأغراض، منها:
١- التجاهل إذا اقتضاه المقام، كما يقول المعتذر: إن كنت فعلت هذا فعن غير قصد.
٢- تنزيل المخاطب منزلة الجاهل؛ لأنه لم يجر على مقتضى علمه كما يقال للابن الذي لا يراعي حقوق الأبوة: إن كان هذا أباك فراع حقوقه عليك.
٣- التوبيخ على الفعل، تنبيها على أنه لقيام البراهين المقتضية وقوع خلافه، كأنه محال الوقوع، فيفرض كما يفرض المحال نحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ٢ في قراءة الكسر، إذ إسرافهم محقق،
стр. 148
لكنه عبر عنه بإن توبيخا لهم وإشارة إلى أنهم لو تأملوا الآيات الظاهرة لصار الإسراف كأنه محال الحصول إذ هو لا يصدر عن عاقل في مثل هذه الحال.
٤- تغليب غير من اتصف بالشرط على من اتصف به، نحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ١، فقد غلب من لم يرتب من لمخاطبين على من ارتاب وكان يعرف الحق وينكره عنادا، كما تستعمل أيضا في المستحيل المجزوم بنفيه على سبيل المساهلة وإرخاء للعنان لإلزام الخصم وتبكيته نحو: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ٢.
وتستعمل "إذا" في مواضع الشك لأغراض، أهمها:
١- الإشارة إلى أن مثل ذلك الشرط لا ينبغي أن كون مشكوكا فيه، نحو قولك لمن قال: لا أدري أيتفضل علي الأمير بالنوال، إذا تفضل عليك فكيف يكون شكرك.
٢- عدم شك المخاطب.
٣- تنزيل المخاطب منزلة الجازم الذي لا شك عنده.
٤- تغليب الجازم على غير الجازم.
ولما كانت الأداتان لتعليق الجزاء بالشرط في الاستقبال التزم في جملتيهما الفعلية والاستقبال، ذاك أن الشرط مفروض الحصول في المستقبل فيمتنع ثبوته ومضيه والجزاء معلق عليه، ولا يعدل عن الاستقبال في اللفظ والمعنى إلى المعنى فقط، إلا لنكتة، كإبراز غير الحاصل في معرض ما هو حاصل، وذلك إما:
١- للتفاؤل نحو: إن عشت نفعت أمتي وبلادي.
٢- لقوة الأسباب وتوافرها، كأن تقول حين انعقاد الشراء: إن اشتريت كان كذا.
٣ لإظهار الرغبة في وقوعه، فيكثر تصور المتكلم إياه، حتى يخيل إليه ما ليس بالحاصل حاصلا، كما تقول: إن ظفرت بحسن العاقبة فذاك ما أبغي،
стр. 149
وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ١، جيء بلفظ الماضي للدلالة على توافر الرغبة في تحصينهن.
٤- للتعريض، نحو: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، قال في "الكشاف": هذا كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير, وفيه لطف للسامعين وزيادة تحذير واسفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى.
ونظيره في التعريض: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣، إذ المراد: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ما يدل عليه "ترجعون".
ووجه حسن التعريض وملاحته إسماع المخاطبين الحق على وجه لا يورثهم مزيد غضب؛ وذلك لأنك تترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل، وذلك أنفذ في أعماق القلوب، حيث لا يريد المتكلم لهم إلا ما يريده لنفسه، وهذا النوع كثير جدا في القرآن الكريم، نحو: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٤.
"تنبيه": قد تستعمل إن في غير الاستقبال قياسا مطردا في موضعين:
١- إذا كان الشرط لفظ كان، نحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٥ الآية.
٢- إذا جيء بها في مقام التأكيد بعد واو الحال لمجرد الربط دون الشرط نحو: علي وإن كثر ماله بخيل، وقليلا في غير ذلك، كقول أبي العلاء:
فيا وطني إن فإنني بك سابق ... من الدهر فلينعم بساكنك البال٦
كما إذا إما:
стр. 150
١- للماضي، نحو: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ ١.
٢- أو للاستمرار، نحو: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ ٢.
"لو" للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط، فيلزم انتفاء الجزاء، بمعنى أن الجزاء كان يمكن أن يقع لو وجد الشرط، فإذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، فهم منه أن المجيء شرط في الإكرام، وأنه على تقدير وقوعه يقع الإكرام، ولهذا قيل: إن "لو" لامتناع الثاني لامتناع الأول، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣ أي: إن انتفاء الهداية، إنما هو بسبب انتفاء المشيئة ونحوه قول الحماسي:
ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر٤
فإن عدم طيران ذلك الفرس بسبب أنه لم يطر ذو حافر قبلها.
وتجيء قليلا لامتناع الأول لامتناع الثاني، فتفيد الدلالة على أن العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم من غير التفات، إلى أن انتفاء الجزاء في الخارج ما هي، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٥، إذ المعنى أنه علم انتفاء تعدد الآلهة بسبب العلم بانتفاء الفساد، ويكثر هذا في مقام الأدلة والبراهين, لكن الاستعمال الأول هو الشائع المستفيض في القرآن والحديث وأشعر العرب.
ويجب كون جملتيهما فعليتين ماضويتين، فإن دخلت على مضارع كان ذلك لنكتة، إما:
١- قصد الاستمرار في الماضي حينا فحينا، نحو: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ٦. قال في "الكشاف": إنما قيل: يطيعكم دون أطاعكم للدلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه، وأنه كلما
стр. 151
عنّ لهم رأي في أمر كان معمولا عليه بدليل قوله في كثير من الأمر كما تقول: فلان يقري الضيف، ويحمي الحريم، وتريد أنه مما اعتاده ووجد منه على طريق الاستمرار.
٢- وإما لتنزيل المضارع منزلة الماضي لصدوره عمن لا خلاف في وقوع أخباره، نحو: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ ١، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ ٢، ونظيره ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣، قال الزمخشري: فإن قلت: لم أدخلت ربما على المضارع، وقد أبوا دخولها إلا على الماضي، قلت: لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ود.
стр. 152
الباب التاسع: في الخروج عن مقتضى الظاهر
ما مضى في الأبواب السالفة هي الأحوال التي يلاحظ فيها البليغ مقتضى ظاهر الحال، وقد يعدل عنها لنكنة، فعلى المخاطب أن يبحث عن سبب العدول مستعينا بالقرائن، ويسمى ذلك: الخروج عن مقتضى الظاهر.
وقد سبق ذكر شيء من أحواله نبهناك عليه في حينه، كتنزيل العالم منزلة الجاهل، والمعقول منزلة المحسوس، وقد بقي منه أمور أهمها١ تجاهل العارف "مزج الشك باليقين" وهو إخراج ما يعرف صحته مخرج ما يشك فيه ليزداد تأكيدا، والداعي إليه:
١- إما المدح كقول ذي الرمة:
أبا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقي آأنت أم أم سالم٢
وقول أبي هلال العسكري:
أثغر ما أرى أم أقحوان ... وقد ما أرى أم خيزران
٢- وإما الذم كقول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
٣- وإما التعجب كقوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ٣.
٤- وإما التوبيخ كقول ليلى بنت طريف الخارجية في أخيها الوليد:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف٤
стр. 153
الالتفات: وهو فن من البلاغة، ملاكه الذوق السليم، والوجدان الصادق، ويلقب "بشجاعة العربية" لأن فيه ورود الموارد الصعبة واقتحام مضايق الأساليب.
وحقيقته التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة: التكلم، والخطاب، والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، وذلك ست صور:
١- فمن التكلم إلى الخطاب نحو: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ دون "أرجع".
٢- ومن التكلم إلى الغيبة نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢ دون "لنا".
٣- ومن الخطاب إلى التكلم نحو قول علقمة بن عبدة العجلي:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب٣
تلكفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب
وكان مقتضى الظاهر يكلفك أي: القلب.
٤- ومن الخطاب إلى الغيبة نحو: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ٤ دون "بكم".
٥- ومن الغيبة إلى التكلم نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ ٥ دون "فساقه".
٦- ومن الغيبة إلى الخطاب نحو: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ٦ دون "إياه".
стр. 154
ووجه حسنه ما ذكره الزمخشري، وهو أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية وتجديدا لنشاط السامع, وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، ومن ثم قيل: لكل جديد لذة، وقد تختص مواقعه بلطائف كما في سورة الفاتحة، فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكره لما هو فيه بقوله: الحمد لله، الدال على الختصاصه بالحمد، وأنه حقيق به وجد من نفسه محركا للإقبال عليه، فإذا انتقل إلى قوله: رب العالمين، الدال على أنه: مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته، قوي ذلك المحرك، وهكذا كلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوي ذلك المحرك، إلى أن يئول الأمر إلى خاتمتها المفيدة أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء، حينئذ يجد من نفسه إقبالا عليه وتخصيصا له بالخطاب بغاية الخضوع والاستعانة به في المهمات.
الأسلوب الحكيم: وسماه الإمام عبد القاهر: المغالطة، وهو نوعان:
١- تلقي المخاطب١ بغير ما يترقب بحمل كلامه على غير ما يريد تنبيها على أنه الأولى بالقصد, كقول ابن حجاج البغدادي:
فقلت ثقلت إذ أتيت مرارا ... قال ثقلت كاهلي بالأيادي
قلت طولت قال لا بل تطو لـ ... ـت وأبرمت قال حبل ودادي
فلفظ ثقلت وقع في كلام المتكلم بمعنى حملتك المئونة فحمله المخاطب على تثقيل عاتقه بالمنن والأيادي.
٢- تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأهم كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٢، فقد سألوا عن بيان ما ينفقون فأجبيبوا ببيان المصارف تنبيها على المهم هو السؤال عنها؛ لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها.
стр. 155
لإضمار في مقام الإظهار، وذلك في موضعين.
١- باب ضمير الشأن والقصة، ويكون مرفوعا نحو: هي الدولة استعدت، وهو الحق حصحص، ومنصوبا نحو: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ ١ وسر هذا الأسلوب المبالغة وتعظيم تلك القصة وتفخيمها، من قبل أن الشيء إذا كان مبهما كانت النفوس متشوقة إلى فهمه، متطلعة إلى علمه، فإذا وضح وفسر حل محلا رفيع القدر لديها، ومن ثمة لا يكون إلا في المواضع التي يقصد فيها التهويل.
٢- باب نعم وبئس، نحو: نعم رجلا محمد، وبئس غلاما سعيد، وانتصاب ما بعدهما من النكرات يجيء على جهة التفسير، والداعي إليه المبالغة في المدح أو الذم، من حيث إنه عند الإبهام يكون للأفئدة تطلع إلى إيضاح المبهم وشغف إلى بيانه.
الإظهار في مقام الإضمار، فإن كان المظهر اسم إشارة كان:
١- إما لكمال العناية به لأجل اختصاصه بحكم غريب، كقول ابن الراوندي٢:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا٣
فأتى باسم الإشارة لأجل الحكم البديع الذي اختص به المشار إليه وهو تركه الأوهام حائرة وتصييره العالم التحرير زنديقا.
٢- وإما للتهكم بالسامع، كما إذا كان فاقد الصبر، فتقول له: هذا الهلال بين السحاب.
٣- وإما لإظهار بلاهته، كأن غير المحسوس عنده محسوس، نحو: فجئني بمثلهم.
стр. 156
٤- وإما لكمال فطنته حتى كأن غير المحسوس عنده محسوس، نحو:
تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك١
أي: بقتلي، وكان من حقه أن يقول به لكنه ادعى أن قتله قد ظهر ظهور المحسوس، وإن كان المظهر غير اسم إشارة، فإما:
١- لزيادة تمكينه في ذهن السامع نحو: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٢، ونحو: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ ٣، وقول الحماسي:
شددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان
٢- وإما للاستعطاف والخضوع الموجبين للشفقة، كقوله:
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا
٣- وإما لإدخال الروعة والمهابة في نفس السامع نحو: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٤، لاندراج كل كمال تحت لفظ الجلالة فأجدر به أن يكون موضع النكلان.
٤- وإما للتهكم والتعجب، نحو: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٥، ثم قال بعد: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ٦، فالغرض شد النكير عليهم والتعريض بأنهم حقا أهل التمرد والعناد.
التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي للدلالة على تحقيق وقعه، نحو: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ، فقد جعل المتوقع الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع، ومثله التعبير عنه باسم الفاعل نحو: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ ٧ لَوَاقِعٌ﴾ بدل يقع، أو باسم المفعول، نحو: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ ٨ بدل يجمع.
стр. 157
"القلب", وهو جعل جزء من أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر مكانه، على وجه١ يثبت حكم كل منهما للآخر، وهو قسمان:
١- ما يكون موجبه تصحيح حكم لفظي فقط والمعنى صحيح بدونه، كقول القطامي:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الودعا٢
لما نكر موقفا وهو في وضع المبتدأ وعرف الوداع وهو في موضع الخبر جعل من "باب القلب".
٢- ما يكون موجبه تصحيح المعنى، كقولهم: عرضت الناقة على الحوض، وأدخلت القلنسوة في الرأس، مكان: عرضت الحوض على الناقة، وأدخلت الرأس في القلنسوة، إذ الأصل أن يجاء بالمعروض إلى المعروض إليه، وأن ينقل المظروف إلى الظرف لا بالعكس كما هنا.
والصحيح جوازه إذا اشتمل على مغزى شريف ومعنى حسن، كقول رؤبة:
ومهمة مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه٣
يريد كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، فعكس التشبيه لقصد المبالغة، ونحوه قول أبي تمام يصف قلم الممدوح:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل٤
وإن لم يشتمل على اعتبار لطيف رد، كقول عروة بن الورد:
"فديت بنفسه نفسي ومالي".
"التغلب": وهو إعطاء أحد المصطحبين أو المتشاكلين حكم الآخر، وهو باب ذو شعب كثيرة، فمن ذلك.
١- تغليب المذكر على المؤنث، نحو: وكانت من القانتين، أدرجت مريم
стр. 158
في القانتين من الرجال، تغليبا لهم على القانتات، وقد جروا على خلاف الغالب في ألفاظ معدودات فغلبوا المؤنث على المذكر.
٢- تغليب الكثير على القليل نحو: فسجد الملاكئة كلهم أجمعون إلا إبليس، غلب الملائكة على إبليس وهو ليس منهم، وسمى الجميع ملائكة.
٣- تغليب المعنى على اللفظ نحو: بل أنتم قوم تجهلون، بدل يجهلون، الذي ضميره للقوم ولفظه غائب مراعاة للخطاب بأنتم.
٤- تغليب المخاطب على الغائب نحو: أنت وعلي صنعتما كذا.
٥- تغليب أحد المتناسين على الآخر كالأبوين والقمرين للأب والأم والشمس والقمر، وعليه قول المتنبي:
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
٦- تغليب العقلاء على غيرهم نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
يوضع الخبر موضع الإنشاء لأغراض، منها:
١- التفاؤل في الجمل الدعائية، نحو: وفقك الله إلى ما فيه الخير، وقول النابغة:
أتاني "أبيت اللعن" أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب١
٢- التباعد عن صيغة الأمر تأدبا واحتراما للسامع كما تقول لعظيم: ينظر مولاي في شأني ويقضي طلبتي، مكان: انظر واقض.
٣- التنبيه على تيسر المطلوب لوفرة الأسباب واستكمال العدة، كما يقول القائد حاثا جنده: تفتكون بالأعداء وتنزلونهم من حصونهم وتذيقونهم الردى، مكان: افتكوا وأنزلوهم وأذيقوهم.
٤- إظهار الرغبة في حصول المطلوب كما تقول في الكتاب لغائب: جمع الله الشمل وقرب أيام اللقاء.
стр. 159
٥- التنبيه على سرعة الامتثال، ولو ادعاء نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ١ مكان: لا تسفكوا، مبالغة في النهي بادعاء أنهم نهوا فامتثلوا، ثم أخبروا.
٦- حمل المخاطب على الفعل بألطف أسلوب، كقولك لرجل لا تحب أن يكذبك: تجيء عدا، مكان قولك: جيء، لتحمله على المجيء؛ لأنه إن لم يأت غدا صرت كاذبا من حيث الظاهر٢ لكون كلامك في صورة الخبر.
يوضع الإنشاء موضع الخبر لاعتبارات، منها:
١- إظهار العناية بالشيء والاهتمام به، نحو: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٣ لم يقل: وإقامة وجوهكم، إشعار بالعناية بالصلاة لعظيم خطرها وجليل قدرها في الدين.
٢- التباعد عن مساواة اللاحق بالسابق، نحو: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ﴾ ٤، لم يقل: وأشهدكم، تحاشيا عن مساواة شهادتهم بشهادة الله تعالى.
٣- الرضا بما هو حاصل كأنه مطلوب في قوله ﵇: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" مكان يتبوأ.
الانتقال من الماضي إلى المضارع، أو بالعكس:
١- فالأول نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ٥ جاء تثير، بدل أثارت، لتستحضر تلك الصورة الماضية، حتى كأن الإنسان يشاهد إثارة الريح للسحاب، فيستدل من ذلك على عجيب قدرته، وباهر حكمته.
стр. 160
٢- الثاني كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ عطف ففزع على ينفخ تأكيدا للثبوت ومبالغة في الحصول ودلالة على أن ذلك كائن لا محالة.
تدريب:
بين السر في خروج التراكيب الآتية عن مقتضى الظاهر:
١-
كل خليل كنت خاللته ... "لا ترك الله له واضحة"٢
كلهم أروغ من ثعلب ... "ما أشبه الليلة بالبارحة"٣
٢- ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا٤ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ .
٣- ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٥.
٤-
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيعتك الحياء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
٥-
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي٦
٦-
وقالوا قد صفت منا قلوب ... نعم صدقوا ولكن عن ودادي
٧- يقول العبد للمولى إذا حول وجهه عنه: ينظر مولاي إلى هنيهة.
٨- يكون مزاحها عسل وماء.
الإجابة:
١- وضع الخبر موضع الإنشاء للدعاية عليه في قوله: لا ترك الله له واضحة.
٢- فيه التفات بالانتقال من الخطاب إلى الغيبة في رحمة الله.
٣- فيه التفات بالانتقال من الخطاب إلى التكلم.
стр. 161
٤- فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة.
٥- فيه تجاهل العارف.
٦- فيه الأسلوب الحكيم، فقد حمل صفاء القلوب على خلوها من الود.
٧- وضع الخبر موضع الإنشاء تأدبا في قوله: ينظر، بدل: انظر.
٨- فيه قلب، والأصل يكون: مزاجها عسلا وماء.
تمرين:
١-
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد١
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العاثر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
٢- ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ٢.
٣- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ٣.
٤- ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٤.
٥-
فلما أن جرى سمن عليها ... كما طينت بالفدن السياعا٥
٦- ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ٦.
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ٧.
٧-
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
стр. 162
الباب العاشر: في القصر
المبحث الأول: في تعريفه لغة واصطلاحا
...
الباب العاشر: في القصر
وفيه ستة مباحث.
المبحث الأول: في تعريفه لغة واصطلاحا
القصر في اللغة: الحبس، وفي التنزيل: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام، وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ١، قال الفراء: قد قصرن أنفسهن على أزواجهن فلم يطمحن إلى غيرهم.
وفي الاصطلاح إثبات الحكم للمذكور في الكلام ونفيه عما عداه، أو هو تخصيص أمر بأمر بإحدى الطرق الآتية، والتعريف الثاني أصح لشمول الأول لقولك: محمد مقصور على القيام، وذلك لا يسمى قصرا اصطلاحا.
فإذا قلنا: ما سافر إلا علي، استفيد من ذلك تخصيص السفر بعلي ونفيه عن غيره ممن يظن فيه ذلك، فما قبل إلا مقصور وما بعدها مقصور عليه "ما وإلا" طريق القصر.
стр. 163
المبحث الثاني: في طرقه
طرق القصر والاختصاص كثيرة أوصلها السيوطي في كتابه "الإتقان" إلى أربعة عشر طريقا١ أشهرها ستة تقدم الكلام على اثنين منها, وهما توسط ضمير الفصل نحو: كليم الله هو موسى، تعريف المسند بأل نحو: خير الزاد التقوى, وسنتكلم هنا على الأربعة الباقية وهي:
١- ووجه إفادة النفي والاستثناء القصر أنه إذا قيل: ما محمد، توجه النفي إلى صفته لا إلى ذاته؛ لأن الذوات لا تنفي، ومن حيث إنه لا نزاع في طوله وقصره وما شاكل ذلك، وإنما النزاع في كونه شاعرا أو كاتبا تناولهما النفي، فإذا قيل: إلا شاعر جاء القصر، هذا في قصر الموصوف على الصفة، أما في قصر الصفة على الموصوف فإنه متى قيل: ما شاعر، فأدخل النفي على الوصف المسلم ثبوته وهو الشعر لغير الشخصين اللذين الكلام فيهما كمحمد وعلي مثلا، توجه النفي إليهما فإذا قيل: إلا محمد، حصل القصر.
٢- ووجه إفادة إنما القصر تضمنها معنى: ما وإلا، دليل ذلك البراهين الآتية:
أ- ما قاله النحاة من كون إنما لإثبات ما يذكر بعدها ونفي ما سواه.
ب- ما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ ١ بنصب الميتة من أن المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهذا المعنى هو المطابق لقراءة رفع الميتة لانحصار التحريم فيها، إذ ما في قراءة الرفع اسم موصول، فتقدير الكلام حينئذ إن المحرم الميتة والخبر معرف بلام الجنس فيفيد الحصر كما تقدم.
جـ- صحة انفصال الضمير معها فتقول: إنما يسافر أنا، كما تقول: ما يسافر إلا أنا، كما قال الفرزدق:
أنا الزائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي٢
стр. 164
إذا لو كان المراد الإيجاب لم يستقم؛ لأنك لا تقول: بدافع أنا، وإنما تقول: أدافع، ولكن لما كان المعنى: ما يدافع إلا أنا، فصل الضمير كما يفصل مع النفي والاستثناء ليتأتى له ما قصد وهو تخصيص المدافع لا المدافع عنه، إذ لو قال: وإنما أدافع عن أحسابهم لصار المعنى أنه يدافع عن أحسابهم لا عن غيرهم، وليس ذلك بمقصود بما فيه من قصور المدح والمقام مقام مبالغة, إذ هو في معرض التفاخر وعدا المآثر.
قال السكاكي: ويذكر لذلك وجه لطيف يسند إلى علي بن عيسى الربعي، وهو أنه لما كانت كلمة إن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم اتصلت بها ما المؤكدة لا النافية كما يظنه من لا وقوف له على علم النحو، ناسب أن يضمن معنى القصر؛ لأن القصر ليس إلا تأكيدا على تأكيد.
٣- يراد بالتقديم تقديم ما كان حقه أن يؤخر، كتقديم الخبر على المبتدأ، وتقديم بعض معمولات الفعل عليه، نحو: أنا أنجزت مسألتك، أي: وحدي، لمن اعتقد أنك وغيرك أنجزتماها، أو بمعنى: لا غيري، لمن اعتقد أن غيرك أنجزها دونك.
وهذه الطرق تفترق من وجوه:
١- أن التقديم يدل على القصر بمفهوم الكلام, فإن ذا الذوق السليم إذا تأمل في كلام فيه التقديم، فهم منه القصر، وإن لم يعرف اصطلاح البلغاء في ذلك، والثلاثة الباقية بالوضع اللغوي؛ لأن الواضع وضعها لتفيد ذلك.
٢- أن الأصل أن ينص في العطف على المثبت والمنفي معا، فلا يترك ذلك إلا خوف التطويل، كما إذا قيل: محمد يعلم الكيمياء والطب والهندسة والجبر والفلك، أو محمد يعلم الكيمياء، وإبراهيم وخالد إلى آخره. فتقول فيهما: محمد يعرف الكيمياء لا غير، أي: لا الطب ولا الهندسة إلى آخره في الأول، ولا إبراهيم ولا خالد في الثاني، وينص في الثلاثة الباقية على المثبت فقط.
٣- أن النفي بلا العاطفة لا يجتمع مع النفي والاستثناء، فلا تقول: ما محمد إلا مجتهدا لا كل؛ لأن شرط جواز النفي بلا، أن يكون ما قبلها منفيا بغيرها، ولذا عيب على صاحب "الكشاف" حيث قال في تفسير قوله تعالى:
стр. 165
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لأن الأصلح لك لا يعلمه إلا الله، لا أنت، وعلى الحريري في قوله:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لا ابن أمه
ويجتمع مع إنما والتقديم فتقول: إنما محمد مجتهد لا كسلان، وهو يجتهد لا علي؛ لأن النفي فيهما غير مصرح به، بل المصرح به هو الإثبات، فلا يقبح تأكيد ما تضمناه والنفي بلا، بخلاف ما وإلا فإنه قد صرح فيهما بالنفي، والنفي الصريح ليس كالضمني.
"تنبيه": لا يحسن العطف بعد إنما إذا كان الوصف مختصا بالموصوف كالتذكر الذي يعلم أنه لا يكون إلا من أولي الألباب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، فلا يحسن أن تقول: إنما يتذكر أولو الألباب لا الجهال، كما يحسن أن تقول: إنما يجيء محمد لا علي.
٤- أن الأصل في "النفي والاستثناء" أن يكون لأمر ينكره المخاطب أو يشك فيه أو لما هو منزل هذه المنزلة, بيان ذلك أنك لا تقول ما هو إلا مخطئ إلا لمن ينكر أن يكون الأمر على ما قلت، وإذا رأيت شبحا من بعد فقلت: ما هو إلا علي, لم تقله إلا والمخاطب يتوهم أنه ليس بعلي.
وأما ما هو منزل هذه المنزلة فكقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٢ أي: مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري والتباعد عن الهلاك، نزل استفظاعهم هلاكه وشدة حرصهم على بقائه منزلة إنكارهم ذلك.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ٣؛ لأن الكفار جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم. وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٤، فمن باب مجاراة الخصم وتسليم بعض مقدماته لتنقطع حجته
стр. 166
كما هي العادة فيمن ادعى على خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه أن يعيد كلامه على وجهه، كما إذا قال لك من يحاجك في مسألة: أنت من دأبك كيت وكيت، فتقول: نعم أنا من دأبي كيت وكيت لكن لا ضير علي ولا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت، فالرسل صلوات الله عليهم كأنهم قالوا: إن ما قلتم هو كما قلتم، لكن ذلك لا يمنع الرسل وفضل الله علينا.
٥- إن الأصل في إنما أن تجيء لأمر من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره وإنما يراد تنبيهه فقط، أو لما هو منزل هذه المنزلة.
تفسير هذا أنك تقول للرجل: إنما هو صاحبك القديم، وإنما هو أخوك، لمن يعلم ذلك ويعترف به، لكنك تريد أن تنبهه لما يجب عليه من حرمة الصاحب وحق الأخوة لترققه وتستعطف قلبه، ألا ترى إلى أبي الطيب حين يقول:
إنما أنت والد والأب القا ... طع أحني من واصل الأولاد
لم يرد أن يعلم كافورا أنه لابن الأخشيد مولاه بمنزلة الوالد، ولا كافور في حاجة إلى أن يعلم بذلك، لكنه أراد أن يذكره بالأمر المعلوم ليجعله ذريعة إلى استدعاء ما يستوجبه من العطف والحنان، ونظير ذلك قولهم: إنما يعجل من يخشى الفوت، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ١. وأما ما هو منزل هذه المنزلة فكقوله تعالى حكاية عن اليهود: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ٢، فهم قد ادعوا أن إصلاحهم أمر جلي ظاهر، ولذا جاء الرد عليهم مؤكدا بأن واسمية الجملة وتعريف الخبر باللام وضمير الفصل وتصدير حرف التنبيه حيث قال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ٣. ونحو ذلك قول ابن قيس الرقيات في مصعب بن الزبير:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
حيث ادعى أن ثبوت هذه الصفة لممدوحه أمر ظاهر، لا يخفى على أحد، كما هو دأب الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا الشهرة فيما يصفون به ممدوحهم، ألا ترى إلى البحتري حين يقول:
لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه
стр. 167
هذا وقد علم بالاستقراء أن أحسن موقع تستعمل فيه إنما إذا كان الغرض منها التعريض بأمر هو مقتضى معنى الكلام بعدها نحو: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ، فإنه تعريض بذم الكافرين من حيث إنهم من فرط العناد وغلبة الهوى عليهم في حكم من ليس بذي عقل فأنتم في طمعكم منهم أن ينظروا ويتذكروا كمن طمع في ذلك من غير أولي الألباب, ونظيره: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ ١ إذ المراد أن من لم تكن له من هذه الخشية، فكأنه ليس له أذن تسمع، ولا قلب يعقل، فالإنذار وعدمه سيان. وعلى ذلك جاء قوله:
أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا
فهذا تعريض بأنه لا مطمع له في وصلها فهو يائس منه:
٦- لأنما مزية على العطف، وهي أن يعقل منها إثبات الفعل للشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة بخلاف العطف، فإنه يفهم منه أولا الإثبات ثم النفي، نحو: محمد قائم لا قاعد، أو بالعكس نحو: ما محمد قائما بل قاعد.
стр. 168
المبحث الثالث: في تقسيمه باعتبار الواقع والحقيقة ١
ينقسم القصر باعتبار الواقع والحقيقة إلى قسمين: حقيقي وإضافي:
стр. 169
المبحث الرابع: في تقسيمه باعتبار حال المقصور
ينقسم كل من الحقيقي والإضافي باعتبار حال المقصور إلى قسمين:
١- قصر موصوف على صفة بألا يتجاوز الموصوف تلك الصفة إلى صفة أخرى أصلا "في القصر الحقيقي" نحو: ما الله إلا كامل، وهذا التقسيم متعذر لا يكاد يوجد أو هو محال لتعذر١ الإحاطة بصفات الشيء فلا يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداه ولذا لم يقع في التنزيل، أو بألا يتجاوز الموصوف تلك الصفة إلى صفة أخرى مخصوصة, وإن أمكن أن يتجاوزها إلى صفات أخرى غير تلك الصفة الأخرى المخصوصة "في القصر الإضافي" نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٢ فالمقصود قصره على الرسالة بألا يتعداها إلى التباعد عن الموت الذي استعظموه، وهذا لا ينافي أنه متصف بالصحة واليقظة ونحوهما.
٢- قصر صفة على موصوف بألا تتجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر أصلا "في القصر الحقيقي" نحو: لا يعلم الغيب إلا الله، أو بألا تتجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر مخصوص، وإن أمكن أن تتجاوزه إلى موصوف غير ذلك الموصوف الآخر "في القصر الإضافي" نحو: لا محترم إلا الصادق فالمقصود قصر الاحترام على الصادق دون الكاذب فلا يمنع هذا من احترام الأمين والمخلص لوطنه ونحو ذلك.
стр. 170
المحبث الخامس: في تقسيمه باعتبار حال المخاطب
...
المبحث الخامس: في تقسيمه باعتبار حال المخاطب
ينقسم القصر الإضافي١ باعتبار حال المخاطب إلى ثلاثة أقسام:
١- قصر إفراد إذا اعتقد المخاطب٢ الشركة بين شيئين فأكثر، نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ، خوطب به من يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، بدليل قوله قبلها: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ .
٢- قصر قلب إذا كان المخاطب يعتقد عكس الحكم فتقلب عليه اعتقاده، نحو: ما شاعر إلا شوقي، ردا على من زعم أن غيره أشعر منه.
٣- قصر تعيين إذا كان المخاطب مترددا في الحكم نحو: ما شاعر إلا شوقي ردا على من تردد في إثبات الشعر له ولبعض الشعراء الآخرين.
стр. 171
المبحث السادس: في مواقع القصر
كما يكون القصر بين المبتدأ والخبر، كما رأيت، يكون أيضا بين الفعل والفاعل، وبين الفاعل والمفاعيل بأنواعها إلا المفعول معه، وكذا بين جميع المعمولات، نحو: ما جاء إلا علي، وما نال عليا إلا التعب، وما أعطيت محمدا إلا دينارا، وماجاء علي إلا راكبا.
فإذا كان القصر: بما وإلا، وجب تقديم المقصور وتأخير المقصور عليه، مع إلا ونحوها من أدوات الاستثناء نحو: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ١، وهو قصر قلب لا إفراد إذا المعنى: أني لم أترك ما أمرتني أن أقوله لهم إلى خلافه، بدليل: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، وليس المراد أني لم أزد على ما أمرتني به شيئا, إذ ليس الكلام في زيادة أو نقصان في التبليغ.
ويجوز قليلا تقديم المقصور عليه وأداة الاستتثناء وهما بحالهما٢ على المقصور نحو: ما كلم إلا محمد خالدا، وما كلم إلا محمد خالد، وعليه قوله:
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى ... عليهم وهل إلا عليك المعول
ووجه إفادة النفي والاستثناء القصر في كل ما تقدم أن النفي في الاستثناء المفرغ يتوجه إلى مقدر هو مستثنى منه، إذ إلا للإخراج، وهو يتطلب مخرجا منه،
стр. 172
وذلك المقدر عام مناسب للمستثنى منه في جنسه وصفته ليتحقق الإخراج ففي نحو: ما فهم إلا محمد، يقدر ما فهم أحد، وفي نحو: ما كسوته إلا عباءة، ما كسوته لباسا، فإذا أخرج منه شيء جاء القصر ضرورة بقاء ما عدا ذلك الشيء على جهة الانتفاء. وإذا كان القصر بإنما أخر المقصور عليه، فيكون القيد الأخير بمنزلة الواقع بعد إلا، فيكون هو المقصور عليه نحو: إنما محمد قائم وإنما أثبته زجرا له. ولا يجوز تقيم المقصور عليه على غيره، لئلا يؤدي إلى الإلباس، إذ قولك: إنما كلم محمد عليا يفهم عنه عكس قولك: إنما كلم محمدًا علي. وإلا إلباس في النفي والاستثناء.
قال السكاكي: ومما ذكر تعثر على الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، وقوله إنما يخشى العلماء من عباد الله فإن الأول يقتضي قصر خشية الله على العلماء، والثاني يقتضي قضر خشية العلماء على الله.
تدريب أول:
بين نوع القصر وطريقه فيما يأتي:
١- لا يألف العلم إلا ذكي، ولا يجفوه إلا غبي.
٢-
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا٢
٣-
إنما الدنيا هبات ... وعوار مسترده
شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شده
٤-
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس
٥-
بك اجتمع الملك المبدد شمله ... وضمت قواص منه بعد قواصي٣
٦-
ليس اليتيم الذي قد مات والده ... بل اليتيم يتيم العلم والأدب
٧-
محاسن أوصاف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد٤
٨- عند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
стр. 173
تدريب ثان:
١- هات جملة تفيد نجاح محمد وعدم نجاح خالد بواسطة إنما.
٢- رد بطريق القصر بإنما على من ظن أن المطر يكثر شتاء في السودان.
٣- اجعل الجملة الآتية دالة على قصر الصفة على الموصوف بطرق القصر الأربع، وهي "أكرم المؤدب".
٤- أ- من تخاطب بالجملة الآتية فيكون القصر قصر قلب.
ب- من تخاطب بالجملة الآتية فيكون القصر قصر إفراد.
جـ- من تخاطب بالجملة الآتية فيكون القصر قصر تعيين، وهي:
ما كتبت إلا ما طلبته مني.
٥- غير الجملة الآتية، بحيث تفيد للقصر بالعطف "بك اجتمع الملك المبدد شمله".
٦- اجعل الجملة الآتية مفيدة للقصر بواسطة النفي والاستثناء "إن الطيور على أشكالها تقع".
٧- اجعل الجملة الآتية مفيدة للقصر بواسطة إنما "يحمد الناس الصادق".
٨- اجعل الجملة الآتية مفيدة للقصر بواسطة العطف "ينال المجد المجتهد".
стр. 174
الإجابة:
١- إنما نجح محمد لا خالد.
٢- إنما يكثر المطر في السودان ربيعا لا شتاء.
٣- أ- لا أكرم إلا المؤدب.
ب- إنما أكرم المؤدب.
جـ- أكرم المؤدب لا سيئ الخلق.
د- المؤدب أكرم.
٤- أ- إذا كان المخاطب يعتقد أن كتبت غير ما طلب.
ب- إذا كان المخاطب يعتقد أنك كتبت ما طلب وغيره.
جـ- إذا كان المخاطب مترددا في كتابتك ما طلب وغيره.
٥- اجتمع الملك المبدد شمله بك لا بغيرك.
٦- لا تقع الطيور إلا على أشكالها.
٧- إنما يحمد الناس الصادق.
٨- ينال المجد المجتهد لا الكسلان.
تمرين أول:
بين طريق القصر ونوعه باعتبار المقصود عليه وباعتبار الواقع وباعتبار المخاطب:
١-
وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى ... ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
٢-
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى
٣-
وللفتى من ماله ما قدمت ... يداه قبل موته لا ما اقتنى
٤-
ما افترينا في مدحه بل وصفنا ... بعض أخلاقه وذلك يكفي
٥-
ليس عار بأن يقال فقير ... إنما العار أن يقال بخيل
٦-
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
٧-
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
٨-
وما يلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
٩-
عمر الفتى ذكره لا طول مدته ... وموته خزيه لا يومه الداني
١٠-
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم ... لا يبن ملك على جهل وإقلال
стр. 175
تمرين ثان:
١- رد بطريق القصر على من زعم تأخر فن الطب بمصر.
٢- ضع الجملة الآتية بإحدى طرق القصر المتقدمة: يحب الناس المخلص لوطنه.
٣- من تخاطب بهذه الجملة على طريق قصر القلب: لا ينال العلا إلا مجد.
٤- حول القصر في هذه الجملة إلى قصر بإنما: وما قصبات السبق إلا لمعبد.
٥- حول طريق القصر الآتي إلى نفي واستثناء: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
٦- رد بطريق القصر على من زعم قلة الحر في الصعيد.
٧- غير الجملة التالية بحيث تفيد القصر بالعطف: بك وثقت.
٨- ضع الجملة الآتية بحيث تفيد القصر بإنما "يجل الناس الجواد".
стр. 176
الباب الحادي عشر: في الفصل والوصل
تمهيد في قة مسلكه وعظيم خطره
...
الباب الحادي: عشر في الفصل والوصل
وفيه تمهيد وخمسة مباحث:
تمهيد في دقة مسلكه وعظيم خطره:
الفصل والوصل هو العلم بمواضع العطف أو الاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها، أو تركها عند الحاجة إليها، وذلك صعب المسلك لطيف المغزى كثير الفائدة غامض السر لا يوفق للصواب فيه إلا من أوتي حظا من حسن الذوق وطبع على البلاغة ورزق بصيرة نقادة في إدراك محاسنها, ولصعوبة ذلك جعل حدا للبلاغة, ألا ترى إلى بعض البلغاء وقد سئل عن البلاغة فقال: "هي معرفة الفصل والوصل"، فجعل ما سواه تبعا ومفتقرا إليه, وليس بالخفي أنه لم يرد بذلك إلا التنبيه على غموضه وجليل خطره وأن أحدًا لا يكمل في معرفته إلا كمل في سائر فنونها، فإن سبك الكلام وقوة أسره وشدة تلاحم أجزائه تحتاج إلى صانع صنع وحاذق ماهر يبين بين أقسام الجمل التي تفصل والتي توصل, فيرى الفرق واضحا بين جملتين تمتزجان حد الامتزاج, حتى كأن إحداهما الأخرى وجملتين لا تناسب بينهما١ فإحداهما مشئمة٢ والأخرى معرقة، وجملتين هما وسط بين الأمرين فيحكم بوجوب الفصل في النوعين الأولين والوصل في النوع الثالث، واعتبر ذلك بما تراهم قد أجمعوا عليه من النعي على أبي تمام وهو ما هو، في قرص الشعر، ورفيع المنزلة، ورفيع المنزلة، في صياغة الكلام، في قوله يمدح أبا الحسين محمد الهيثم:
زعمت هواك عفا الغداة كما ... عفت منها طلول باللوى ورسوم
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم٣
إذا قد وصل "وأن أبا الحسين كريم" بما قبله ولا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعليق لأحدهما بالآخر، إذ لا يقتضي الحديث، بهذا الحديث، بذلك.
стр. 177
المبحث الأول: في وصل المفردات وفصلها
البحث في وصل الجمل وفصلها لا يتضح إلا إذا سبقه الكلام على وصل المفردات وفصلها، وبيان هذا أن عطف مفرد على آخر يستفاد منه مشاركة الثاني للأول في إعرابه من رفع، ونصب، وجر، ولكن الأكثر في الصفات ألا يعطف بعضها على بعض، نحو: جاء محمد العاقل الفاضل الكريم، وسر هذا أن الصفة جارية مجرى موصوفها، فهي تدل على ذات لها تلك الصفة، ومن ثم يمتنع عطفها على موصوفها، فلا يجوز: جاءني محمد والكريم، على أن الكريم هو محمد؛ لأنه لا يصح عطف الشيء على نفسه، وجاء قليلا عطف بعضها على بعض باعتبار المعاني الدالة عليها، فنقول: نظرت إلى علي الفاضل، والمؤدب والكريم، كأنك قلت: نظرت إلى من اتصف بالفضل والأدب والكرم، وعلى ذلك جاء قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
стр. 178
المبحث الثاني: في وصل الجمل
وصل الجمل عطف بعضها على بعض بالواو، أو إحدى أخواتها، وفائدته تشريك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، ومن حروف العطف ما يفيد العطف فحسب، وهو الواو، ولذا قد تخفى الحاجة إليها فلا يدركها إلا من أوتي حظا من حسن الذوق، ومنها ما يفيد مع التشريك معان أخرى كالترتيب من غير تراخ في الفاء، وهو مع التراخي في ثم، وهكذا، ومن أجل ذلك لا يقع اشتباه في استعمال ما عدا الواو، ولذا لا يبحث هنا إلا عنها.
والجمل المعطوف بعضها على بعض ضربان:
١- أن يكون للجملة المعطوف عليها موضع من الإعراب، وحكم هذه حكم المفرد؛ لأنها لا تكون كذلك حتى تكون واقعة موقعه، وحينئذ يكون وجه الحاجة فيها إلى الواو ظاهرا، والإشراك بها في الحكم موجودا، فإذا قلت: نظرت إلى رجل خلقه حسن، وخلقه قبيح، كنت قد أشركت الثانية في حكم الأولى، وهو كونها في موضع جر صفة للنكرة، ونظائر ذلك كثيرة، وخطبها يسير.
٢- ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتحت هذه نوعان:
أ- أن تتفق١ الجملتان خبرا وإنشاء، وتكون بينهما مناسبة وجامع يصحح العطف مع عدم المانع، نحو: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٢ ونحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ويسمى ذلك توسطا بين الكمالين.
ب- أن تختلف الجملتان خبرا وإنشاء، لكن لو ترك العطف لأوهم خلاف المقصود، كما تقول: لا وشفاه الله، جوابا لمن سألك: هل أبل محمد من مرضه؟
فترك الواو حينئذ يوهم الدعاء عليه مع أن المقصود الدعاء له، وقد روي أن هارون الرشيد سأل وزيره عن شيء فقال: لا وأيد الله الخليفة. فلما بلغ ذلك الصاحب ابن عباد قال: هذه الواو أحسن من الواوات في خدود الملاح.
وقد ذكر صاحب المغرب أن أبا بكر الصديق ﵁ مر برجل في يده ثوب، فقال له الصديق: أتبيع هذا؟ فقال: لا يرحمك الله، فقال له: لا تقل هكذا وقل لا ويرحمك الله.
ويسمى ذلك كمال الانقطاع مع إيهام خلاف المراد.
стр. 179
المبحث الثالث: في الجامع
لا بد في الضرب الأول والنوع الأول من الضرب الثاني من صور الوصل من وجود جامع بين الجملتين به تتجاذبان وعليه تعتمدان.
بيان هذا أنه لا يقع العطف موقعه ولا يحل المحل اللائق به إلا إذا وجد بين الجملة الأولى والثانية جهة جامعة نحو: محمد يعطي ويمنع، ويكتب ويشعر، ويقبح أن تقول: خرجت من داري، وأحسن ما قيل من الشعر، كذا إذ لا صلة بين الثانية والأولى ولا تعلق لها بها.
والجامع١ إما عقلي أو وهمي أو خيالي، فالعقلي أن يكون بين الجملتين إما:
١- اتحاد في المسند إليه أو في المسند، أو في قيد من قيودهما نحو: محمد يكتب ويشعر، وقوله:
يشقى الناس ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام
وخالد الكاتب أديب ومحمد الكاتب فقيه.
٢- وإما تماثل واشتراك فيهما أو في قيد من قيودهما، ولا يكفي مطلق تماثل بل التماثل, والمراد أن يكون في وصف له نوع اختصاص بالمسند إليه أو المسند أو القيد، فنحو: محمد شاعر وعمر كاتب، إنما يحسن إذا كان محمد وعمر أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة.
٣- وإما تضايف بينهما بحيث لا يتعقل أحدهما إلا بالقياس إلى الآخر كالأبوة مع النبوة والعلو مع السفل والأقل مع الأكثر، ونحو ذلك.
والوهمي أن يكون بين الجملتين إما:
١- شبه تماثل كلوني بياض وصفرة، فإن الوهم لبرزهما في معرض المثلين، لكن العقل يعرف أنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس واحد وهو اللون، ومن أجل هذا حسن الجمع بين الثلاثة في قوله:
стр. 180
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتا ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر١
٢- أو تضاد وهو التقابل بين أمرين وجوديين بينهما غاية الخلاف ويتعاقبان على محل واحد كالسواد والبياض والإيمان والكفر والقيام والقعود.
٣- أو شبه تضاد كالسماء والأرض فإنهما وإن كان بينهما غاية الخلاف من جهة الارتفاع والانحطاط لا يتعاقبان على محل واحد كما في التضاد.
والخيالي أمر بسببه يقتضي الخيال اجتماع الأمرين في الفكر لأسباب مختلفة باختلاف المتكلمين كصناعة خاصة أو عرف عام كالسيف والرمح في خيال الفارس والقلم والقرطاس في خيال الكاتب والدرس والسبورة في خيال الطالب، وهكذا. وللقرآن الكريم في هذا الباب القدح المعلى نحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ٢، فبين المسندين فيهما تضاد وبين المسند إليه فيهما اتحاد وبين القيدين تضايف، وقوله عز شأنه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٣، فإنه وإن لم تكن مناسبة بين الإبل والسماء وبينهما وبين الجبال والأرض بحسب الظاهر لكن لما كان الخطاب مع العرب والإبل شاغلة لأخيلتهم، لكونها أعز أموالهم، وكان الأرض لرعيها والسماء لسقيها والجبال لالتجائهم إليها عند إلمام الملمات، ناسب إيراد الكلام طبق تخيلاتهم.
وهناك أمثلة تشرح لك ما مضى، فإذا قلت: العدل نور، الظلم ظلام، كان هناك تقابل وتضاد بين كل من المسند إليه والمسند في الجملتين، وإذا قلت: الأمير يصل ويقطع، فيهما اتحاد في المسند إليه فيهما وتقابل بين المسند، وإذا قلت: أقبل علي وأدبر أخوه، كان فيهما تماثل بين المسند إليه فيهما وتقابل بين المسند، وهلم جرا.