الباب الحادي عشر: في الفصل والوصل
تمهيد في قة مسلكه وعظيم خطره
...
الباب الحادي: عشر في الفصل والوصل
وفيه تمهيد وخمسة مباحث:
تمهيد في دقة مسلكه وعظيم خطره:
الفصل والوصل هو العلم بمواضع العطف أو الاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها، أو تركها عند الحاجة إليها، وذلك صعب المسلك لطيف المغزى كثير الفائدة غامض السر لا يوفق للصواب فيه إلا من أوتي حظا من حسن الذوق وطبع على البلاغة ورزق بصيرة نقادة في إدراك محاسنها, ولصعوبة ذلك جعل حدا للبلاغة, ألا ترى إلى بعض البلغاء وقد سئل عن البلاغة فقال: "هي معرفة الفصل والوصل"، فجعل ما سواه تبعا ومفتقرا إليه, وليس بالخفي أنه لم يرد بذلك إلا التنبيه على غموضه وجليل خطره وأن أحدًا لا يكمل في معرفته إلا كمل في سائر فنونها، فإن سبك الكلام وقوة أسره وشدة تلاحم أجزائه تحتاج إلى صانع صنع وحاذق ماهر يبين بين أقسام الجمل التي تفصل والتي توصل, فيرى الفرق واضحا بين جملتين تمتزجان حد الامتزاج, حتى كأن إحداهما الأخرى وجملتين لا تناسب بينهما١ فإحداهما مشئمة٢ والأخرى معرقة، وجملتين هما وسط بين الأمرين فيحكم بوجوب الفصل في النوعين الأولين والوصل في النوع الثالث، واعتبر ذلك بما تراهم قد أجمعوا عليه من النعي على أبي تمام وهو ما هو، في قرص الشعر، ورفيع المنزلة، ورفيع المنزلة، في صياغة الكلام، في قوله يمدح أبا الحسين محمد الهيثم:
زعمت هواك عفا الغداة كما ... عفت منها طلول باللوى ورسوم
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم٣
إذا قد وصل "وأن أبا الحسين كريم" بما قبله ولا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعليق لأحدهما بالآخر، إذ لا يقتضي الحديث، بهذا الحديث، بذلك.
стр. 177
المبحث الأول: في وصل المفردات وفصلها
البحث في وصل الجمل وفصلها لا يتضح إلا إذا سبقه الكلام على وصل المفردات وفصلها، وبيان هذا أن عطف مفرد على آخر يستفاد منه مشاركة الثاني للأول في إعرابه من رفع، ونصب، وجر، ولكن الأكثر في الصفات ألا يعطف بعضها على بعض، نحو: جاء محمد العاقل الفاضل الكريم، وسر هذا أن الصفة جارية مجرى موصوفها، فهي تدل على ذات لها تلك الصفة، ومن ثم يمتنع عطفها على موصوفها، فلا يجوز: جاءني محمد والكريم، على أن الكريم هو محمد؛ لأنه لا يصح عطف الشيء على نفسه، وجاء قليلا عطف بعضها على بعض باعتبار المعاني الدالة عليها، فنقول: نظرت إلى علي الفاضل، والمؤدب والكريم، كأنك قلت: نظرت إلى من اتصف بالفضل والأدب والكرم، وعلى ذلك جاء قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
стр. 178
المبحث الثاني: في وصل الجمل
وصل الجمل عطف بعضها على بعض بالواو، أو إحدى أخواتها، وفائدته تشريك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، ومن حروف العطف ما يفيد العطف فحسب، وهو الواو، ولذا قد تخفى الحاجة إليها فلا يدركها إلا من أوتي حظا من حسن الذوق، ومنها ما يفيد مع التشريك معان أخرى كالترتيب من غير تراخ في الفاء، وهو مع التراخي في ثم، وهكذا، ومن أجل ذلك لا يقع اشتباه في استعمال ما عدا الواو، ولذا لا يبحث هنا إلا عنها.
والجمل المعطوف بعضها على بعض ضربان:
١- أن يكون للجملة المعطوف عليها موضع من الإعراب، وحكم هذه حكم المفرد؛ لأنها لا تكون كذلك حتى تكون واقعة موقعه، وحينئذ يكون وجه الحاجة فيها إلى الواو ظاهرا، والإشراك بها في الحكم موجودا، فإذا قلت: نظرت إلى رجل خلقه حسن، وخلقه قبيح، كنت قد أشركت الثانية في حكم الأولى، وهو كونها في موضع جر صفة للنكرة، ونظائر ذلك كثيرة، وخطبها يسير.
٢- ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتحت هذه نوعان:
أ- أن تتفق١ الجملتان خبرا وإنشاء، وتكون بينهما مناسبة وجامع يصحح العطف مع عدم المانع، نحو: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٢ ونحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ويسمى ذلك توسطا بين الكمالين.
ب- أن تختلف الجملتان خبرا وإنشاء، لكن لو ترك العطف لأوهم خلاف المقصود، كما تقول: لا وشفاه الله، جوابا لمن سألك: هل أبل محمد من مرضه؟
فترك الواو حينئذ يوهم الدعاء عليه مع أن المقصود الدعاء له، وقد روي أن هارون الرشيد سأل وزيره عن شيء فقال: لا وأيد الله الخليفة. فلما بلغ ذلك الصاحب ابن عباد قال: هذه الواو أحسن من الواوات في خدود الملاح.
وقد ذكر صاحب المغرب أن أبا بكر الصديق ﵁ مر برجل في يده ثوب، فقال له الصديق: أتبيع هذا؟ فقال: لا يرحمك الله، فقال له: لا تقل هكذا وقل لا ويرحمك الله.
ويسمى ذلك كمال الانقطاع مع إيهام خلاف المراد.
стр. 179
المبحث الثالث: في الجامع
لا بد في الضرب الأول والنوع الأول من الضرب الثاني من صور الوصل من وجود جامع بين الجملتين به تتجاذبان وعليه تعتمدان.
بيان هذا أنه لا يقع العطف موقعه ولا يحل المحل اللائق به إلا إذا وجد بين الجملة الأولى والثانية جهة جامعة نحو: محمد يعطي ويمنع، ويكتب ويشعر، ويقبح أن تقول: خرجت من داري، وأحسن ما قيل من الشعر، كذا إذ لا صلة بين الثانية والأولى ولا تعلق لها بها.
والجامع١ إما عقلي أو وهمي أو خيالي، فالعقلي أن يكون بين الجملتين إما:
١- اتحاد في المسند إليه أو في المسند، أو في قيد من قيودهما نحو: محمد يكتب ويشعر، وقوله:
يشقى الناس ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام
وخالد الكاتب أديب ومحمد الكاتب فقيه.
٢- وإما تماثل واشتراك فيهما أو في قيد من قيودهما، ولا يكفي مطلق تماثل بل التماثل, والمراد أن يكون في وصف له نوع اختصاص بالمسند إليه أو المسند أو القيد، فنحو: محمد شاعر وعمر كاتب، إنما يحسن إذا كان محمد وعمر أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة.
٣- وإما تضايف بينهما بحيث لا يتعقل أحدهما إلا بالقياس إلى الآخر كالأبوة مع النبوة والعلو مع السفل والأقل مع الأكثر، ونحو ذلك.
والوهمي أن يكون بين الجملتين إما:
١- شبه تماثل كلوني بياض وصفرة، فإن الوهم لبرزهما في معرض المثلين، لكن العقل يعرف أنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس واحد وهو اللون، ومن أجل هذا حسن الجمع بين الثلاثة في قوله:
стр. 180
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتا ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر١
٢- أو تضاد وهو التقابل بين أمرين وجوديين بينهما غاية الخلاف ويتعاقبان على محل واحد كالسواد والبياض والإيمان والكفر والقيام والقعود.
٣- أو شبه تضاد كالسماء والأرض فإنهما وإن كان بينهما غاية الخلاف من جهة الارتفاع والانحطاط لا يتعاقبان على محل واحد كما في التضاد.
والخيالي أمر بسببه يقتضي الخيال اجتماع الأمرين في الفكر لأسباب مختلفة باختلاف المتكلمين كصناعة خاصة أو عرف عام كالسيف والرمح في خيال الفارس والقلم والقرطاس في خيال الكاتب والدرس والسبورة في خيال الطالب، وهكذا. وللقرآن الكريم في هذا الباب القدح المعلى نحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ٢، فبين المسندين فيهما تضاد وبين المسند إليه فيهما اتحاد وبين القيدين تضايف، وقوله عز شأنه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٣، فإنه وإن لم تكن مناسبة بين الإبل والسماء وبينهما وبين الجبال والأرض بحسب الظاهر لكن لما كان الخطاب مع العرب والإبل شاغلة لأخيلتهم، لكونها أعز أموالهم، وكان الأرض لرعيها والسماء لسقيها والجبال لالتجائهم إليها عند إلمام الملمات، ناسب إيراد الكلام طبق تخيلاتهم.
وهناك أمثلة تشرح لك ما مضى، فإذا قلت: العدل نور، الظلم ظلام، كان هناك تقابل وتضاد بين كل من المسند إليه والمسند في الجملتين، وإذا قلت: الأمير يصل ويقطع، فيهما اتحاد في المسند إليه فيهما وتقابل بين المسند، وإذا قلت: أقبل علي وأدبر أخوه، كان فيهما تماثل بين المسند إليه فيهما وتقابل بين المسند، وهلم جرا.
стр. 181
المبحث الرابع: في محسنات الوصل
مما يزيد الوصل حسنا بعد وجود المصحح المجوز للعطف، اتحاد الجملتين في الكيفية كأن تكونا اسميتين أو فعليتين أو شرطيتين أو ظرفيتين، ثم في الاسميتين اتفاقهما في كون الخبر اسما أو فعلا ماضيا أو مضارعا، وفي الفعليتين اتفاقهما في كونهما ماضويتين أو مضارعتين إلا لداع يدعو إلى التخالف وذلك:
١- بأن يقصد التجدد في إحداهما والثبات في الأخرى كقوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ ١، فهم كانوا يزعمون أن اللعب حال إبراهيم المستمرة فاستفهموا عن تجدد مجيئه لهم بالحق.
٢- بأن يقصد المضي في إحداهما والاستقبال في الأخرى كقوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ٢، فقد عبر بالمضارع في الثانية، وإن كان القتل في الماضي لاستحضاره في النفوس وتصويره في القلوب بيانا لفظاعته.
٣- بأن يقصد الإطلاق في إحداهما والتقييد في الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ ٣، فقد أطلقت الجملة الأولى وقيدت الثانية بالإنزال، إذ الشرط قيد في الجواب.
стр. 182
المبحث الخامس: في الفصل
من حق الجمل إذا ترادفت ووقع بعضها في إثر بعض أن تربط بالواو لتكون متسقة منتظمة، وقد يعرض لها ما يوجب ترك الواو، ويسمى ذلك فصلا، ويكون في خمس أحوال:
١- كمال الاتصال، وهو أن يكون بين الجملتين اتحاد تام وامتزاج معنوي، حتى كأنهما أفرغا في قالب واحد، وهذا يكون في:
أ- باب التوكيد، لزيادة التقرير، أو لدفع توهم تجوز أو غلط، سواء أكان تأكيدا لفظيا، نحو: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ١ أم تأكيدا معنويا نحو: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٢، فإنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا، فإثبات كونه ملكا تأكيد وتحقيق لنفي كونه بشرا. وعليه قول الشاعر:
إنما الدنيا فناء ... ليس للدنيا ثبوت
ب- باب البدل والمقتضي له كون الثانية أوفى بالمطلوب من الأولى والمقام يستدعي عناية بشأن المراد سواء أكان بدل كل نحو: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا﴾ ٣ أم بدل بعض نحو: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٤ أبدلت الثانية من الأولى تنبيها إلى نعم الله على عباده وهي أوفى مما قبلها لدلالتها عل المراد مع التفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين لعنادهم واستكبارهم، أم بدل اشتمال نحو: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥ أبدلت الثانية من الأولى بدل اشتمال؛ لأنها أبين في المراد وهو حمل المخاطبين على اتباع الرسل٦، وعليه قول الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما٧
فسياق الحديث في إظهار كراهته إقامته؛ لأنه يسر غير ما يعلن، وجملة لا تقيمن أدل على هذ الغرض ولا سيما مع التأكيد بالنون.
جـ- باب عطف البيان، والداعي إليه خفاء الأولى، والمقام يستدعي إزالة
стр. 183
هذا الخفاءن نحو: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ٢. وعليه قول الشاعر:
كفى زاجرا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتذى
٢- كمال الانقطاع، وهو أن يكون بين الجملتين تباين نام دون إيهام خلاف المراد، وتحت هذا نوعان:
أ- أن تختلفا خبرا وإنشاء لفظا ومعنى نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٤، وقول الشاعر:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
أو تختلفا معنى فقط، نحو قولك: نجح فلان وفقه الله، وقول الشاعر:
جزئى الله الشدائد كل خير ... عرفت با عدوي من صديقي
ب- ألا تكون بينهما مناسبة في المعنى، ولا ارتباط بين المسند غليه فليهما، ولا بين المسند، نحو قوله:
إنما المرء بأصغريه ... كل امرئ رهن بما لديه
٣- شبه كمال الاتصال، هو أن تكون الجملة السبقة كالورد للسؤال أو المنشأ له، فتفصل الثانية عنها كما يفصل الجوبا عن السؤال، ويسمى الفصل لذلك استنئافا، وهو على ثلاثة٥، أضرب، لأن لاسؤال الذي تضمنته الجملة، إما:
стр. 184
أ- عن سبب عام للحكم، نحو:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
كأن المخاطب لما سمع قوله عليل، قال ما سبب علتك، فقال: سهر دائم وحزن طويل.
ب- وأما عن سبب خاص كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ١، كأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ فقيل: نعم إن النفس لأمارة بالسوء، وهذا يقتضي تأكيد الحكم الذي في جملة الجواب، كما سبق لك في أضرب الخبر، وعليه قول الشاعر:
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الكريم يرى في ماله سبلا
كأنه قيل: فماذا يرى الكريم من ماله، فقيل: "إن الكريم ... إلخ.
جـ- وأما عن غيرهما كقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ ٢، كأنه قيل: فماذ قال إبراهيم ﵇، فقيل: "قال سلام"، وعليه قوله:
زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي٣
إذ مساق الكلام في إظهار الشكوى من العذال، وذلك مما يدعو السامع؛ لأن يسأل: أصدقوا أم كذبوا، فقيل: صدقوا.
وقد يحذف صدر الجواب، اسما كان أو فعلا، نحو: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ﴾ ٤، فيمن قرأه بالبناء للمفعول، كما قد يحذف الجواب كله ويقام ما يدل عليه مقامه كقول مساور بن هند يهجو بني أسد:
زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم الإلف٥
стр. 185
فحذف الجواب وهو كذبتم في زعمكم وأقام مقامه قوله لهم: إلف ... إلخ، لدلالته عليه.
قال عبد القاهر: واعلم أن الذي تراه في التنزيل من لفظ قال مفصولا غير معطفو هذا هو التقدير فيه والله أعلم، أعني مثل قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ ١ فقد جاء على ما يقع في أنفس المخاطبين إذا قيل: دخل قوم على فلان فقالوا كذا أن يقولوا فما قال هو ويقول المجيب قال كذا أخرج الكلام ذلك المخرج؛ لأن الناس خوطبوا بما يتعارفون.
وقال السكاكي: وتنزيل السؤال المفهوم من الكلام السابق منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لاعتبارات لطيفة كإغناء السامع عن أن يسأل، أو ألا يسمع منه شيء تحقيرا له، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه، أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ، بترك السؤال، وترك العاطف، إلى غير ذلك، مما ينخرط في هذا السلك. ا. هـ.
٤- شبه٢ كمال الانقطاع، وهو أن تسبق جملة بجملتين يصح عطفهما على إحداهما، ولا يصح عطفها على الأخرى لفساد المعنى، فيترك العطف دفعا لهذا الوهم، ويسمى الفصل حينئذ قطعا، كقوله:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم
فبين الجملتين مناسبة ظاهرة لاتحاد المسندين؛ لأن المعنى أراها أظنها، وكون المسند إليه في الأولى محبوبا والثانية محبا، ولكن ترك العطف لئلا يتوهم أنه عطف على أبغي، فيكون من مظنونات سلمى، كالمعطوف عليه، وهو خلاف المراد٣.
стр. 186
٥- التوسط بين الكمالين, وهو أن تكون الجملتان متناسبتين، ولكن يمنع من العطف مانع وهو عدم قصد التشريك في الحكم كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ١ فجملة الله يستهزئ بهم لا يصح عطفها على إنا معكم لاقتضائه أنها من مقول المنافقين، وليس ذلك كذلك، ولا جملة قالوا؛ لأنه يكون المعنى، فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم، وهذا لا يستقيم؛ لأن استهزاء الله بهم بأن خذلهم وخلاهم وما سولت لهم أنفسهم مستدرجا إياهم من حيث لا يشعرون إنما هو على نفس الاستهزاء وفعلهم له وإرادتهم إياه في قولهم آمنا، لا على أنهم حدثوا عن أنفسهم بأنهم مستهزئون، إذ المؤاخذة على اعتقاد الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان لا في قولهم: إنا استهزأنا، من غير أن يقترن بذلك القول اعتقاد ونية.
"تتمة" لما كانت الجملة الحالية تارة تجيء بالواو، وأخرى بغيرها، ناسب أن تذكر عقب الوصل والفصل، وذلك أن الحال نوعان: لازمة٢ ومنتقلة٣، ويفترقان في أن الأولى لا تقترن بواو البتة، وتكون وصفا غير ثابت كاسم الفاعل والمفعول، نحو: جاء علي ضاحكا، ويمتنع جاء علي طويلا أو أبيض، ويشتركان في شيئين:
١- أنهما يأتيان عاريين من حرف النفي، تقول: هو الحق بينا، وجاء علي مستبشرا، ولا يجوز أن تقول: لا خفيا في الأول، ولا عبوسا في الثاني.
٢- أنهما يكونان بغير واو لأسباب ذكرها في الإيضاح، وهي:
أ- أن إعراب الحال أصلي، ليس تبعا لغيره، ولا مجال للواو في المعرب أصالة، إذ الإعراب دال على التعلق المعنوي، المغني عن الاحتياج، إلى تعلق آخر.
стр. 187
ب- أن حكم الحال مع صاحبها كحكم الخبر مع المخبر عنه١، إلا أن الفرق بينه وبينها أن الحكم يحصل به أصالة في ضمن شيء آخر، والحكم بها إنما يحصل ضمن غيرها، فإن الركوب في قولك: جاء خالد راكبا، محكوم به على خالد، لكن بالتبعية للمجيء، وجعله قيدا له.
جـ- أن الحال وصف لذي الحال، فلا تدخل عليها الواو كالنعت٢. لكن خولف هذا الأصل وجاءت الحال مقترنة بالواو إذا كانت جملة؛ لأنها من حيث هي جملة٣ مستقلة بالإفادة لا بد لها من ربطها بما جعلت حالا عنه.
والصالح للربط شيئان: الواو، والضمير، والثاني هو الأصل بدليل أنه يقتصر عليه في الحال المفردة والنعت والخبر.
والجمل التي تقع حالا ضربان:
١- خالية عن ضمير ما تقع حالا عنه، وهذه يجب أن تقترن بالواو حتى لا تنقطع عما قبلها، ويستثنى منها المضارع المثبت على ما سيجيء.
٢- غير خالية عن ضمير ما تقع حالا عنه، وهذه تارة تجب فيها الواو، وطورا تمتنع فيها، وحينا يجوز الأمران.
أ- فإن كانت فعلية والفعل مضارع مثبت امتنع فيها الواو كقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ ٤. وقول الشاعر:
ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج٥
وسر هذا أن الحال المتنقلة تدل على حصول صفة غير ثابتة مع مقارنة حصولها لما جعلت قيدا له وهو عاملها.
стр. 188
والمضارع المثبت يفيد الأمرين فيدل على الحصول غير الثابت من قبل كونه فعلا يدل على التجدد، ويدل على المقارنة من جهة كونه مضارعا وهو حقيقة في الحال، وقد ورد قليلا قرنها بالواو، كقولهم: قمت وأصك وجهه، وقول عبد الله بن همام السلولي:
فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا١
فاختلفت الأئمة في تأويله، فقيل: إنه على حذف المبدأ، أي: وأنا أصك وأنا أرهنهم، فهي جملة اسمية.
وقال عبد القاهر: ليست الواو فيهما للحال، بل هي للعطف؛ لأن أصك وأرهن بمعنى صككت ورهنت، عبر فيهما بلفظ المضارع حكاية للحال الماضية٢ كما في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
يدل لذلك أن الفاء قد تجيء مكان الواو في مثل هذا.
ب- وإن كانت فعلية ذات مضارع منفي بلا أو ما استوى فيها الأمران، فمن مجيئها بالواو قراءة بن ذكوان فاستقيما ولا تتبعان٣ بالتخفيف، وقول بعض العرب: كنت ولا أخشى الذئب٤، وقول مسكين الدرامي:
أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعي لأب٥
ومن ترك الواو قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ٦، وقول خالد بن يزيد بن معاوية:
لو أن قوما لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب
стр. 189
وسبب ذلك دلالته على المقارنة لكونه مضارعا، ويناسب ذلك ترك الواو وعدم الحصول، ويناسبه ذكرها.
جـ- وإن كانت فعلية ذات ماض لفظا ومعنى، فكذلك يجوز فيها الأمران فمن مجيئها بالواو قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ ١، وقول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل٢
ومن ترك الواو قوله : ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ٣، وقول عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالرمح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا
وشرط ذلك ألا تقع بعد إلا أو "أو العاطفة" وإلا امتنع الاقتران بها، نحو: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٤، وقوله:
كن للخليل نصيرا جار أو عدلا ... ولا تشح عليه جاد أو بخلا
د- وكذا الماضوية معنى فقط "هي المضارع المنفي بلم أو لما" فمن مجيئها بالواو قول كعب بن زهير:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل
وقوله عز اسمه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٥، ومن تركها قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ٦، وقوله:
فقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا كالدر لما يثقب
وسبب جواز الأمرين أنه إذا كان الماضي مثبتا دل على حصول صفة غير ثابتة
стр. 190
لكونه فعلا، وهذا ما يناسبه ترك الواو لمشابهته المفرد، ودل على عدم المقارنة لكونه ماضيا، ولأجل هذا اشترط فيه أن يكون بقد إما ظاهرة أو مقدرة، حتى يقرب من الحال، وهذا ما يناسبه ذكر الواو لبعده عن تلك المشابهة.
وإن كان الماضي منفيا دل على المقارنة دون الحصول، ذاك أن لما لاستغراق النفي من حين الانتفاء إلى زمن التكلم، وغيرها لانتفاء متقدم والأصل فيه أن يستمر فيحصل بهذا الاستمرار الدلالة على المقارنة عند الانطلاق وترك التقييد بما يدل على انقطاع ذلك الانتفاء.
هـ- وإذا كان جملة اسمية فالمشهور جواز الأمرين، لكن مجيء الواو أولى فمن وجودها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، وقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
ومن تركها ما رواه سيبويه: كلمته فوه إلى في، وما أنشده الجوهري من قول بلال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بمكة حولي إذخر وجليل٢
وإنما جاز الأمران؛ لأن الجملة الاسمية تدل على المفارنة لكونها مستمرة، وهذه يناسبها سقوط الواو، لا على حصول صفة غير ثابتة لدلالتها على الدوام والثبات، فهي بعكس الماضي المثبت، وهذا مما يستدعي وصلها بها. وإنما كان المجيء أولى؛ لأنها ليس فيها دلالة على عدم ثبوت الصفة بل هي تدل على الثبوت مع ظهور الاستنئاف فيها، إذ هي مستقلة بالفائدة فيحسن زيادة رابط يؤكد الربط ويقويه.
وقال عبد القاهر: إن٣ كان المبتدأ ضمير ذي الحال وجبت الواو، نحو: جاز زيد، وهو يسرع، أو وهو مسرع.
стр. 191
وعلة ذلك أن الفائدة كانت حاصلة بقوله: يسرع، من غير ذكر الضمير، فالإتيان به يشعر بقصد الاستئناف المنافي للاتصال، فلا يكفي الضمير حينئذ في الربط، بل لا بد من الواو.
وقال أيضا: إن كان الخبر في الجملة الاسمية ظرفا قد قدم على المبتدأ كقولنا: جاء زيد على كتفه سيف، وفي يده سوط، كثر فيها أن تجيء بغير واو، كقول
بشار:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت من البازي علي سواد١
وقول أبي وائلة في عبد الملك بن المهلب:
لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب
والوجه أن يقدر الاسم في هذه الأمثلة مرتفعا على الفاعلية بالظرف، فإنه جائز باتفاق صاحب "الكتاب" والأخفش لاعتماده على ما قبله.
ويقدر متعلقه على ما اختاره عبد القاهر: اسم فاعل لا فعلا، إلا إذا قدر ماضيا مع قد.
وقال أيضا: ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب أنك ترى الجملة جاءت حالا بغير واو، ويحسن ذلك من أجل حرف دخل عليها، كقول الفرزدق:
فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بنى حوالي الأسود الحوارد٢
لأنه لولا دخول كأن عليها لم تحسن إلا بالواو، كأن يقال: وبني حوالي..وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا، بعقب مفرد، فلطف مكانها، كقول ابن الرومي:
والله يبقيك لنا سالما ... بُرداك تبجيل وتعظيم٣
فبرداك تبجيل في موضع حال ثانية لو لم يتقدمها قوله: سالما، لم يحسن فيها ترك الواو.
стр. 192
تدريب أول:
بين سبب الفصل والوصل فيما يأتي:
١-
اخط مع الدهر إذا ما خطا ... واجر مع الدهر كما يجري
٢-
حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار
٣-
لا تدعه إن كنت تنصف نائبا ... هو في الحقيقة نائم لا نائب
٤-
من للمحافل والجحافل والسرى ... فقدت بفقدك نيرا لا يطلع١
٥-
قالت بليت فما نراك كعهدنا ... ليت العهود تجددت بعد البلى
٦- ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ ٢.
٧- ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ ٣.
٨- ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ٤.
الإجابة:
١- وصل بين الجملتين المتوسط بين الكمالين مع عدم المانع من العطف لاتفاقهما إنشاء مع وجود المناسبة.
٢- فصل الشطر الثاني عن الأول؛ لأنه توكيد معنوي له إذ يفهم من جريان حكم الموت على الخلق أن الدنيا ليست دار بقاء، فأكد ذلك بالشطر الثاني، فبينهما كمال الاتصال.
٣- فصل الشطر الثاني عن الأول لاختلافهما خبرا وإنشاء، فبينهما كمال الانقطاع.
٤- فصل بين الشطرين لاختلافهما خبرا وإنشاء فبينهما كمال الانقطاع.
стр. 193
٥- بين الشطرين كمال الانقطاع لاختلافهما خبرا وإنشاء، ولذا فصل بينهما.
٦- بين جملتي: ترى وتحسب، كمال الاتصال؛ لأن الثانية بدل اشتمال من الأولى.
٧- فصل الجملة الثانية والجملة الثالثة عن الأولى؛ لأن كلا منهما توكيد معنوي للأولى.
٨- فصل جملة قال الثانية، لوقوعها جوابا عن سؤال مقدر نشأ من الأولى، فبينهما شبه كمال الاتصال.
تدريب ثان:
بين سبب الفصل والوصل، واذكر الجمل الحالية فيما يلي:
١-
نفسي له نفسي الفداء لنفسه ... لكن بعض المالكين عفيف
٢- ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١.
٣- ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ ٢.
٤-
فما الحداثة عن حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
٥-
يهوي الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
٦-
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... ولا تك بالترداد للرأي مفسدا
٧-
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دار منك محلالا٣
٨-
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدو
الإجابة:
١- بين نفسي له ونفسي الفداء لنفسه كمال الاتصال؛ لأن الثانية توكيد لفظي للأولى.
٢- بين الجملتين كمال الاتصال؛ لأن الثانية توكيد معنوي للأولى؛ لأن تقرير كونه وحيا نفي لأن يكون عن الهوى.
стр. 194
٣- بين يدبر ويفصل كمال الاتصال؛ لأن الثانية بدل بعض من كل.
٤- بين الشطرين شبه كمال الاتصال، إذ الجملة الثانية جواب عن سؤال مقدر.
٥- بين الشطرين كمال الاتصال، إذ الجملة الثانية مؤكدة للأولى تأكيدا معنويا.
٦- وصل الجملتين لتوسطهما بين الكمالين لاتحادهما إنشاء مع وجود المناسبة وعدم المانع مع من العطف.
٧- جملة "عليك التاج" في موضع الحال، ويكثر فيها ترك الواو لتقدم الظرف.
٨- جملة "لا يريدون الرواح" حال، وهي مضارع منفي، فيجوز فيها ذكر الواو وتركها, وإن كان الأكثر في النفي بلا ترك الواو.
تمرين أول:
بين أسباب الفصل والوصل واستخراج الجمل الحالية فيما يلي:
١- ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
٢-
يقولون إني أحمل الضيم عندهم ... أعوذ بربي أن يضام نظيري
٣-
لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يظما وقد تضمن بحرا
٤- ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
٥- ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
٦- "الأرواح جنود مجندة ما تعارف منه ائتلف وما تناكر منها اختلف".
٧-
ولست بهياب لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
٨-
متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل
٩-
لا تأمنن عدوا لأن جانبه ... خشونة الصل عقبي ذلك اللين
стр. 195
تمرين ثان:
١-
أتيناكم قد عمكم حذر العدا ... فنلتم بنا أمنا ولم تعدموا نصرا
٢-
إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد
٣-
ولول جنان الليل ما آب عمر ... إلى جعفر سرباله لم يمزق١
٤- يزعم صديقي أني أحسده على نعمته آراه مخطئا فيما زعم.
٥-
والغدر بالعهد قبيح جدا ... شر الورى من ليس يرى العهدا
٦-
يا من يقتل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان
٧-
بانت قطم ولما يحظ ذو مقة ... منها بوصل ولا إنجاز ميعاد
٨-
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم٢
٩-
من أغفل الشعر لم تعرف مناقبه ... لا يجتنى ثمر من غير أغصان
стр. 196
الباب الثاني عشر: في الإيجار والإطناب والمساواة
المبحث الأول: في دقة مسلكها واختلاف الأئمة في تعريفها
...
الباب الثاني عشر: في الإيجاز والإطناب والمساواة
وفيه خمسة مباحث.
المبحث الأول: في دقة مسلكها واختلاف الأئمة في تعريفها
هذا الباب أساس في بنيان الفصاحة وركن ركين في تكوين ملكة البلاغة، حتى نقل صاحب "سر الفصاحة" عن بعضهم أنه قال: "البلاغة هي الإيجاز والإطناب".
واعلم أن علماء البيان افترقوا فرقتين: فرقة منهم ثبت واسطة بين الإيجاز والإطناب هي المساواة، وعليها درج السكاكي ومن تبعه, وقالوا إنها ليست محمودة ولا مذمومة، وفرقة منها ابن الأثير في جماعة ذهبوا إلى نفي الواسطة، ومن ثم قسموا إيجاز غير الحذف قسمين: إيجاز تقدير وهو ما ساوى لفظه معناه من غير زيادة, وهذه هي المساواة على الرأي الأول، وإيجاز قصر وهو ما يزيد معناه على لفظه.
ومن هذا تعلم أن الخلاف بينهم في الاسم، لا في المسمى، والطريقة الأولى أشهر بين أئمة الفن، ولذا قد جرينا عليها.
стр. 197
المبحث الثاني: في الإيجار
...
المبحث الثاني: في الإيجاز
الإيجاز لغة التقصير، يقال: أوجز في كلامه، إذا قصره، وكلام وجيز أي: قصير.
وفي الاصطلاح اندراج المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل، أو هو التعبير عن المقصود بلفظ أقل من المتعارف١ وافٍ بالمراد لفائدة١.
فإذا لم يفِ كان إخلالا وحذفا رديئا كقول الحارث بن حلزة اليشكري:
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا٢
لا شك أنه يريد: والعيش الناعم الرغد خير في ظلال النوك, والحمق من العيش الشاق في ظلال العقل، لكن لحن كلامه لا يدل على هذا، إلا بعد التأمل، وإمعان النظر.
وقول عروة بن الورد:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
فإنه يريد: إذ يقتلون نفوسهم في السلم.
وقول بعضهم نثرا:
"فإن المعروف إذا زجا٣ كان أفضل منه إذا توفر وأبطا".
لا شك أنه يريد: إذا قل وزجا.
وهو ضربان: إيجاز حذف، وإيجاز قصر؛ لأن الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو الأول، وإن كان كلاما يفيد معنى كلام آخر أطول منه فهو الثاني.
إيجاز الحذف:
الحذف إما مفردا أو حذف جملة أو حذف جمل:
١- حذف المفرد أوسع مجالا من حذف الجملة، إذ هو أكثر استعمالا، وذلك على صور:
أ- حذف المسند إليه ... --> "قد مضى الكلام عليها".
ب- حذف المسند.
جـ- حذف المفعول.
د- حذف المضاف، وهو كثير الدوران في الكلام، كقوله تعالى:
стр. 198
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ١، أي: سدهما، وقوله : ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ ٢ أي: رحمته، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ ٣ أي: عذاب ربهم.
هـ- حذف المضاف إليه، وهو قليل، كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٤ أي: من قبل ذلك ومن بعده.
و حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه وهو فاش كثير الاستعمال نحو: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ٥، أي: حور قاصرات الطرف، وأكثر ما يكون ذلك في باب النداء، نحو: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف، وفي باب المصدر، نحو: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ٦ تقديره: وعمل عملا صالحا.
ز- حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها، وهو نادر٧، ومن ذلك ما حكاه سيبويه، من نحو قولهم: سير عليه ليل، يريدون: ليل طويل.
وقول الحماسي: كل امرئ ستئيم منه العرس أو منها يئيم، تقديره: كل امرئ متزوج؛ لأن المعنى لا يصح إلا به, ومنه أن يتقدم مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلا، فأنت تعني أنه كان رجلا فاضلا جوادا كريما.
ح- حذف القسم، كقولك: لأخرجن، أي: والله لأخرجن.
ط- حذف جواب القسم، وهو كثير في القرآن الكريم، نحو:
стр. 199
﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ١ تقديره: لتعذبن يا كفار مكة.
ي- حذف الشرط، نحو: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ تقديره: فإن لم يتسن لكم إخلاص العبادة لي في أرض فإياي فاعبدون في غيرها.
ك- حذف جواب الشرط، وهو نوعان:
١- أن يحذف لمجرد الاختصار، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣، أي: اعرضوا، بدليل قوله تعالى بعده: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ٤.
٢- أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فلا يتصور شيئا إلا والأمر أعظم منه، نحو: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ٥.
ل- حذف حروف المعاني، وقد توسعوا في ذلك، لكثرة دورانها، وفشو استعمالها، وكثر ذلك في:
"لا" كقول عاصم المنقري:
رأيت الخمر جامحة وفيها ... خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أسقي بها أبدًا نديما
"لو" نحو: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ ٦ تقديره: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.
стр. 200
"الواو" ولحذفها فائدة لا توجد عند إثباتها؛ لأن وجودها يؤذن بالتغاير بين الجملتين، وحذفها يصير الجملتين كأنهما جملة واحدة، وهذا من بديع الإيجاز وحسنه، كحديث أنس بن مالك: كان أصحاب رسول الله ينامون, ثم يصلون لا يتوضئون، وفي رواية ولا يتوضئون، فالحذف دل على اتصال الجملتين حتى كأن الثانية إحدى متعلقات الأولى، فهو في حكم: ينامون، ثم يصلون غير متوضئين، وبذا تتم المبالغة المرادة، وهي أنهم لا يذوقون النوم إلا غرارا.
٢- حذف الجملة١، وهذا يكون إما:
أ- بحذف مسبب ذكر سببه نحو: ليحق لحق ويبطل الباطل، أي: فعل ما فعل، ومنه قول أبي الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
"أي فساءنا".
ب- عكسه نحو: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ ٢، أي: فضربه بها فانفجرت.
جـ- بحذف الأسئلة المقدرة ويلقب بالاستئناف، وذلك على أنواع:
١- استئناف بإعادة اسم ما استؤنف عنه، كقولك: أحسنت٣ إلى علي، علي حقيق بالإحسان، فتقدير المحذوف، وهو السؤال المقدر: لماذا أحسن، أو نحو ذلك.
٢- استئناف بإعادة صفته كقولك: أكرمت محمدا، صديقك القديم أهل لذلك منك. تقدير السؤال المحذوف: هل هو حقيق بالإكرام، والنوع الثاني أبلغ، لاشتماله على بيان السبب الموجب للحكم كالصداقة في هذا المثال.
٣- حذف الجمل وأكثر ما يرد في كلام رب العزة، فهناك تتجلى مراتب
стр. 201
الإعجاز، ويظهر مقدار التفاوت في صنعة الكلام، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ ١، أي: فضربوه بها فحيي، فقلنا: كذلك يحيى الله الموتى، وقوله تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ﴾ ٢، أي: فأرسلوني إلى يوسف لأستعيره الرؤيا فأرسلوه إليه فأتاه وقال: يا يوسف، وقوله: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أي: فأتياهم فأبلغاهم الرسالة فكذبوهما فدمرناهم تدميرا.
والحذف على وجهين:
١- ألا يقام شيء مقام المحذوف كما تقدم.
٢- أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ ٣، أي: فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم.
وأدلة الحذف كثيرة، منها:
أ- العقل الدال على المحذوف، والمقصود الأظهر، الدال على تعيينه كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٤ الآية، فالعقل يدل على أن الحرمة إنما تتعلق بالأفعال لا بالذوات، والذي يتبادر قصده من مثل هذه الأشياء إنما هو التناول الذي يعم الأكل والشرب.
ب- العقل الدال عليهما معا، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكُ﴾ أي: أمره، أو عذابه.
ويرى صاحب "الكشاف" أن هذا ليس من باب الحذف وإنما هو تمثيل لظهور قدرته وتبيين لسلطانه وقهره، فمثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه على بكرة أبيهم.
جـ- العقل الدال على المحذوف والعادة الدالة على تعيينه، كقوله تعالى:
стр. 202
﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ١، فقد دل العقل على المحذف؛ لأنه لا معنى للوم على ذات الشخص، وأما تعيين المحذوف فإنه يحتمل أن يقدر في حبه، لقوله: شغفها حبا، أو في مراودته لقوله: تراود فتاها عن نفسه، أو في شأنه حتى يشملهما معا، ولكن العادة تقتضي بأن الحب المفرط لا يلام عليه صاحبه؛ لأنه ليس من كسبه واختياره، وإنما يلام على المراودة التي يقدر أن يدفعها عن نفسه.
د- العقل الدال على المحذوف، والشروع في الفعل الدال على تعيينه، كما في: باسم الله، فإنك تقدر المتعلق ما جعلت التسمية مبدأ له من نحو: آكل أو أشرب أو أسافر.
هـ- العقل الدال على المحذوف واقتران الكلام بالفعل الدال على تعيينه، كما تقول للمعرس: بالرفاه والبنين، أي: عرست.
إيجاز القصر:
هو ما تزيد فيه المعاني على الألفاظ الدالة عليها بلا حذف، وللقرآن الكريم فيه المنزلة التي لا تسامي والغاية التي لا تدرك، نحو: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢، فتلك آية جمعت مكارم الأخلاق، وانطوى تحتها كل دقيق وجليل، إذ في العفو الصفح عما أساء، والرفق في سائر الأمور، بالمسامحة والإغضاء، وفي الأمر بالمعروف صلة الأرحام ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن المحارم، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وكظم الغيظ.
ويقول عز اسمه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ ٣، فقد استوعبت تلك الكلمات القليلة أنواع المتاجر وصنوف المرافق التي لا يبلغها العد، وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فهاتان كلمتان أحاطتا بجميع الأشياء على غاية الاستقصاء، ولذا روي أن ابن عمر قرأها، فقال: من بقي له شيء فليطلبه.
стр. 203
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١، فتلك جملة تضمنت سرا من أسرار التشريع الجليلة، التي عليها مدار "سعادة المجتمع البشرى في دنياه وأخراه" بيان ذلك أن الإنسان إذا هم بقتل آخر لشيء غاظه منه فذكر أنه إن قتله قتل، ارتدع عن القتل، فسلم المهموم بقتله، وصار كأنه استفاد حياة جديدة، فيما يستقبل بالقصاص مضافة إلى الحياة الأصلية، وأن هذا مما أثر عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن الآية تمتاز بوجوه٢:
١- أنها كلمتان وما أثر عنهم أربع.
٢- لا تكرار فيها وفيما قالوه تكرار.
٣- ليس كل قتل يكون نافيا للقتل، وإنما يكون ذلك إذا كان على جهة القصاص.
٤- حسن التأليف وشدة التلاؤم المدركان بالحسن فيها لا في ما قالوه.
٥- أن فيها الطباق للجمع بين القصاص والحياة، وهما كالضدين كما ستعرف ذلك في البديع.
٦- أن فيها التصريح بالمطلوب وهو الحياة بالنص عليها، فيكون أزجر عن القتل بغير حق وأدعى إلى الاقتصاص.
٧- أن القصاص جعل فيها كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال "في" عليه، فكأن أحد الضدين، وهو الفناء، صار محلا لضده الآخر، وهو الحياة، وفي ذلك ما لا يخفى من المبالغة، وقد نظم أبو تمام معنى ما ورد عن العرب في شطر بيت، فقال:
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... "إن الدم المغبر يحرسه الدم"
كما للسنة النبوية من ذلك الحظ الأوفر، ويرشد إلى ذلك قوله ﵇: $"أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا".
فمن ذلك قوله ﵇: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد ... " , فهو قد جمع من الأسرار الطبية الشيء الكثير.
стр. 204
وقوله ﵇: "الطمع فقر واليأس غنى".
وقول علي كرم الله وجهه: ثمرة التفريط الندامة، لكل مقبل إدبار وما أدبر كان كأن لم يكن، لا يعد من الصبور الظفر وإن طال به الزمان، من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطأ، من أحد سنان الغضب لله قوي على قتل أسد الباطل.
وقول بعض الأعراب: اللهم هب لي حقك وارض عني خلقك.
فلما سمعه علي كرم الله وجهه قال: هذا هو البلاغة.
وقول السمؤل بن عاديا الغساني:
وإن لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
فقد اشتمل على مكارم الأخلاق من سماحة وشجاعة وتواضع وحلم وصبر وتكلف واحتمال مكاره، إذ كل هذه مما تضيم النفس، لما يحصل في تحملها من المشقة والعناء.
стр. 205
المبحث الثالث: في المساواة ١ إيجاز التقدير
هي التعبير عن المعنى المقصود بلفظ مساو له لفائدة٢، بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر، حتى لو نقص اللفظ تطرق الخرم إلى المعنى بمقدار ذلك النقصان، وهي المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب.
وإليها يشير القائل كأن ألفاظه قوالب معانيه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ٣، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ٤، ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ .
وقوله ﵇: "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك مشتبهات". "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ... "الضعيف أمير الركب".
وقول علي كرم الله وجهه: عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته، قد بصرتم إن أبصرتم وهديتم إن اهتديتم.
стр. 206
المبحث الرابع: في الإطناب
هو لغة مصدر أطنب في كلامه إذ بالغ فيه وطول ذيوله، واصطلاحا زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، فخرج بذكر الفائدة التطويل والحشو، والفرق بينهما أن الزائدة إن كان غير متعين كان تطويلا، وإن كان متعينا كان حشوا، وكلاهما بمعزل عن مراتب البلاغة، فالأول نحو:
ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد
فالنأي والبعد واحد، ولا يتعين أحدهما للزيادة.
والثاني ضربان:
أ- ما يفسد به المعنى كقول أبي الطيب في رثاء غلام لسيف الدولة:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاه شعوب
يريد أنه لا خير في الدنيا للشجاعة والصبر لولا الموت، وهذا حسن جميل؛ لأنهما إنما عدا من الفضائل لما فيهما من الإقدام على الموت واحتمال المكاره، ولو علم الإنسان أنه خالد في الدنيا لهان عليه اقتحام المخاطر، كما أنه لو أيقن بزوال المكروه صبر لوثوقه بالخلاص، أما الندى فعلى العكس من ذلك؛ لأن الموت يجعل البذل سهلا إذ من علم أنه ميت فهو جدير أن يجود بماله، كما قال طرفة:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي
فهو حشد، وقد اعتذر له بعض الناس بما فيه تكلف وتعسف.
ب- ما لا يفسد به كقول أبي العيال الهذلي:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب١
فذكر الرأس مع الصداع حشو؛ لأنه لا يكون في غيره من الأعضاء.
стр. 207
وقول أبي عدي:
نحن الرءوس وما الرءوس إذا ... سمت في المجد للأقوام كالأذناب
فإن قوله: للأقوام، حشو لا فائدة فيه، مع أنه غير مفسد.
"تنبيه" قال بدر الدين بن مالك في "المصباح": يكثر الحشو بلفظ: أصبح وأمسى وعدا وإلا وقد واليوم ولعمري ويا صاحبي.
كما قال أبو تمام:
أقروا "لعمري" بحكم السيوف ... وكانت أحق بفصل القضا
وكما قال البحتري:
ما أحسن الأيام إلا أنها ... "يا صاحبي" إذا مضت لم ترجع
والداعي إليه إما إصلاح وزن الشعر، أو تناسب للقوافي وحروف الروي، أو قصد السجع في النثر.
ويكون الإطناب بأمور شتى، منها:
١- الإيضاح بعد الإبهام، ليرى المعنى في صورتين مختلفتين، وليتمكن في النفس فضل تمكن، فإن الكلام إذا قرع السمع على جهة الإبهام ذهب السامع فيه كل مذهب، فإذا وضح تمكن في النفس فضل تمكن، وكان شعورها به أتم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ١.
فقوله تعالى: أن دابر هؤلاء، تفسير لذلك الأمر، تفخيما لشأنه، ولو قيل: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لم يكن له من الروعة مثل ما كان له حين الإبهام, يرشد إلى ذلك أنك لو قلت: هل أدلكم على أكرم الناس أبا وأفضلهم حسبا وأمضاهم عزيمة وأنفذهم رأيا، ثم قلت: فلان، كان أدخل في مدحه وأنبل وأفخم مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل.
ومن ضروبه باب: نعم وبئس، على قول: من يجعل المخصوص خبر متبدأ محذوف، إذ لو أريد الاختصار لقيل: نعم وبئس أبو لهب، عوضا من قولك: نعم الرجل محمد، وبئس الرجل أبو لهب.
стр. 208
ووجه حسنه إبراز الكلام في معرض الاعتدال، نظرا إلى إطنابه من وجه، وإيجازه من وجه آخر، إلى إيهام الجمع بين المنافقين.
والتوشيع١ وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين، أحدهما معطوف على الآخر، نحو قوله ﵇: "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن، البخل وسوء الخلق"، وقول ابن الرومي يمدح عبد الله بن وهب:
إذا أبو القاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران الشمس والقمر
٢- ذكر الخاص بعد العام تنبيها إلى ما له من المزية حتى كأنه ليس من جنس العام، وتنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ٢، فذكر جبريل وميكايل مع دخولهما في الملائكة، للتنبيه على زيادة فضلهما.
٣- التكرير، وقد جاء في القرآن الكريم، وكلام العرب منه شيء كثير، ويكون إما:
أ- للتأكيد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقوله: كم نعمة كانت لكم كم كم وكم.
ب- لزيادة التنبيه إلى ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ ٤ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٥، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع.
جـ- لتعدد المتعلق، كما كرر الله في سورة الرحمن قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٦ لأنه تعالى عدد فيها نعماءه وذكر عباده آلاءه،
стр. 209
ونبههم إلى قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها، وجعلها فاصلة بين كل نعمة ليعرف موضع ما أسداه إليهم منها.
وقد جاء مثل ذلك كثيرا في كلام العرب، ألا ترى إلى مهلهل وقد كرر قوله:
على أن ليس عدلا من كليب١
في أكثر من عشرين بيتا من قصيدته، وإلى الحرث بن عباد وقد كرر قوله:
قربا مني مربط النعامة٢
أكثر من سابقه؛ لأنهما رأيا الحاجة ماسة
إلى التكرير، والضرورة داعية إليه، لعظم الخطب وشدة موقع النكبة.
٤- الإيغال٣، وهو ختم البيت بما يفيد النكتة، يتم المعنى بدون التصريح بها، وذلك إما:
أ- لزيادة المبالغة والتأكيد، كقول الخنساء:
وإن صخرا لشأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فقولها: في رأسه نار، من الإيغال الحسن، إذ لم تكتف بأن تشبهه بالعمل الذي هو الجبل المرتفع المشهور بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا، لما في ذلك من زيادة الظهور والانكشاف.
ب- لتحقيق التشبيه، كقول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب٤
فقد أكد التشبيه وأظهر رونقه بقوله: لم يثقب؛ لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان بالعيون أشبه، وقيل: لا يختص بالشعر، بل يكون في النثر كقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، فإن الرسل مهتدون لا محالة، فالمعنى يتم بدون التصريح بقوله تعالى: "وهم مهتدون" إلا أن فيه زيادة حث وترغيب على اتباع الرسل.
стр. 210
٥- التذييل١، وهو الإتيان بجملة مستقلة عقب الجملة الأولى التي تشمل على معناها للتأكيد، وهو ضربان:
أ- أن يخرج مخرج المثل بأن يقصد بالجملة الثانية حكم كلي منفصل عما قبله جار مجرى الأمثال في فشو الاستعمال، نحو: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ٢، وقول الحطيئة:
نزور فتى يعطي على الحمد ما له ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد
ب- ألا يخرج مخرج المثل بألا يستقل بالإفادة دون ما قبله، نحو قول ابن نباتة السعدي:
لم يبق وجودك لي شيئا اومله ... تركنني أصحب الدنيا بلا أمل
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ٣.
وينقسم أيضا إلى:
أ- ما كان تأكيدا لمنطوق الكلام كالآية: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ﴾ ، إلخ.
ب- ما كان تأكيدا لمفهومه، كقول النابغة:
وليست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب٤
فصدر البيت دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، وقد حقق ذلك بعجزه.
٦- التكميل، ويسمى الاحتراس أيضا، وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المراد بما يدفعه، وهو ضربان:
أ- أن يتوسط الكلام، كقوله:
لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن "عند موفق" لقضى لها
إذ التقدير: عند حاكم موفق, فقوله: موفق, تكميل.
стр. 211
وقول ابن المعتز:
صببنا عليها "ظالمين" سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تكميل دفع به توهم أنها بليدة تستحق الضرب.
ب- أن يقع آخر الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١، فإنه لو اقتصر على وصفهم: بالذلة على المؤمنين، لتوهم أنها ناشئة من ضعفهم، فدفع هذا، بقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
وقول السموأل بن عادياء:
وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم فربما علق بالوهم أن ذلك لضعفهم وقلتهم، فأزال هذا الوهم بالانتصار من قاتليهم.
٧- التتميم، وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم، خلاف المقصود بفضله، كمفعول أو حال أو نحو ذلك، لقصد المبالغة٢، كقول زهير يمدح هرم بن سنان:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلفا
فقوله: على علاته، أي: على كل حال أو على ما فيه من الأحوال والشئون، تتميم وقع في غاية الحسن والرشاقة.
٨- الاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام٣، أو بين كلامين متصلين معنى٤ بحملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب٥ لنكتة سوى دفع الإيهام٦. وهو من دقائق البلاغة وسحر البيان٧، وفائدته إما:
стр. 212
أ- التنزيه والتعظيم، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١ فسبحانه٢ مسوق للتنزيه عن اتخاذ البنات.
ب- أو التقرير في نفس السامع نحو: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ٣ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ٤ فقوله: والله مخرج، جاءت معترضة لتقرير أن تدافع بني إسرائيل في قتل النفس ليس نافعا في إخفائه وكتمانه؛ لأن من لا تخفى عليه خافية مظهره لا محالة.
جـ- أو التصريح بما هو المقصود، كقول كثير عزة:
لو أن الباخلين، وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا
فقوله: وأنتم منهم، تصريح بما هو المقصود من ذمة وتأكيد، لانصراف الذم إليه.
د- أو الدعاء، كقول أبي الطيب:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا
فقوله: وحاشاك، اعتراض حسن في موضعه، والواو في مثله اعتراضية ليست عاطفة ولا حالية٥.
هـ- أو تنبيه المخاطب على أمر يؤكد الإقبال على ما أمر به مما فيه مسرته كقوله:
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
و أو الاستعطاف، كقول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما
ز- أو تنبيه المخاطب على أمر غريب، كقوله:
стр. 213
فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه
فإن قوله: فلا هجره يبدو، يشعر بأن هجر الحبيب أحد مطلوبيه، وغريب أن يكون هجر الحبيب مطلوبا للمحب، فقال:
وفي اليأس راحة
لينبه إلى السبب.
ومما جاء بين كلامين متصلين معنى، وهو أكثر من جملة أيضا، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ١، فإن قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ، بيان لقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ، لإفادة أن الغرض الأصلي من الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فقط، وما بينهما اعتراض للترغيب فيما أمرو به، والتنفير عما نهوا عنه.
٩٠- النفي والإثبات بأن يذكر الشيء على جهة النفي، ثم يثبت أو بالعكس نحو: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ٢، نفى عنهم أولا العلم بما خفي عليهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم آخرا العلم بظاهر الحياة الدنيا دون ما كان مؤديا إلى الجنة.
١٠- ما كان كقولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقته بلساني, يذكرون الظروف فيما يصعب حصوله، دلالة على أن نيله ليس بمتعذر، وعلى هذا جاء قول البحتري:
تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني
تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إلي من الرحيق الخسرواني٣
فحضور مثل هذا المجلس نادر، ولا سيما إذا كان الساقي فيه على ما وصف من الحسن، ومن ثم قال: انظر بعينك.
"تنبيه": قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساويا له في أصل المعنى, كقول الشماخ يمدح عرابة الأوسي:
إذا ما راية رفعة لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
مع قول بشر بن أبي حازم يمدحه أيضا:
إذا ما المكرمات رفعن يوما ... وقصر مبتغوها عن مداها٤
وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها
стр. 214
المبحث الخامس: الإيجار أفضل أم الإطناب
...
المبحث الخامس: الإيجاز أفضل أم الأطناب
مواضع كل منهما.
ما يراه الأئمة في تفضيل الإيجاز على الإطناب، أو العكس، فمن مفضل يراه كشبيب بن شيبة، إذ يقول: القليل الكافي خير من خير من كثير غير شاف.
ويقول آخر: إذا طال الكلام عرضت له أسباب التكلف، ولا خير في شيء يأتي به التكلف.
ومن مرجح للإطناب وحجته أن المنطق إنما هو البيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والشفاء لا يقع إلا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه, وأبينه أشده إحاطة بالمعاني، ولا يحاط بالمعاني إحاطة تامة إلا بالاستقصاء، أضف إلى ذلك أن الإيجاز للخواص، والإطناب مشترك بين الخاصة والعامة، والغبي والفطن.
والمختار، أن الحاجة إلى كل ماسة، وأن لكل موضعا لا يسد عنه فيه سواه، فمن استعمل أحدهما في موضع الآخر، فقد أخطأ.
قال جعفر بن يحيى: متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار وعيا، ومتى كانت الكفاية في موضع الإكثار، كان الإيجاز تقصيرا، يرشد إلى ذلك قول القائل يصف خطباء إباد:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خشية الرقباء١
وقد استحبوا الإيجاز في المواضع الآتية:
стр. 215
١- الكتب الصادرة عن الملوك إلى الولاة في أوقات الحروب والأزمات.
٢- الأوامر والنواهي السلطانية.
٣- كتب السلطان بطلب الخراج وجباية الأموال وتدبير الأعمال.
٤- كتب الوعد والوعيد.
٥- الشكر على النعم التي تسبغ، والعوارف التي تسدي.
٦- الاستعطاف وشكوى الحال وسؤال حسن النظر وشمول العناية.
٧- التنصل من الذنب والاعتذار من التقصير بإيراد الحجج التي تقنع المخاطب وتزيل موجدته.
واستحسنوا البسط والإطناب في المواضع التالية:
١- ما يكتب به عن الملوك في جسيمات الأمور التي يراد تقريرها في نفوس العامة، كأخبار الفتوح المتجددة، فهذا موضع يشبع فيه القول، حتى تعرف الرعية قدر النعمة، فتزيد في الطاعة، ولا بأس من تهويل أمر العدو ووصف جمعه، وعظيم إقدامه؛ لأن في تصغير أمره تحقيرا للظفر به.
٢- ما يكتب به عن الملوك إلى أهل الثغور، في أوقات التحرش بالمملكة، وإقدام العدو على الهجوم عليها، ليعلموا ذلك فيستعدوا للقاء.
٣- ما يكتب به الولاة, ومن في حكمهم, إلى الملوك لإخبارهم بأحوال ما ينظرون فيه من الأعمال وما يجري على أيديهم من مهام الأمور.
٤- الموعظة والإرشاد بالترغيب في الطاعة والنهي عن المعصية، حتى يرتاح قلب المطيع وينبسط أمله، ويرتاع قلب المسيئ ويأخذ الخوف منه كل مأخذ.
٥ الخطب في الصلح بين العشائر لإصلاح ذات البين.
٦ المدح والثناء والهجاء.
أسرار البلاغة في الإيجاز والإطناب:
قد عرفت كلا من الإيجاز والإطناب ومواضع كل منهما, فعليك أن تعرف الدواعي التي لأجلها استعملتها العرب في كلامها.
فمن دواعي الإيجاز: