وقول ابن المعتز:
صببنا عليها "ظالمين" سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تكميل دفع به توهم أنها بليدة تستحق الضرب.
ب- أن يقع آخر الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١، فإنه لو اقتصر على وصفهم: بالذلة على المؤمنين، لتوهم أنها ناشئة من ضعفهم، فدفع هذا، بقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
وقول السموأل بن عادياء:
وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم فربما علق بالوهم أن ذلك لضعفهم وقلتهم، فأزال هذا الوهم بالانتصار من قاتليهم.
٧- التتميم، وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم، خلاف المقصود بفضله، كمفعول أو حال أو نحو ذلك، لقصد المبالغة٢، كقول زهير يمدح هرم بن سنان:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلفا
فقوله: على علاته، أي: على كل حال أو على ما فيه من الأحوال والشئون، تتميم وقع في غاية الحسن والرشاقة.
٨- الاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام٣، أو بين كلامين متصلين معنى٤ بحملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب٥ لنكتة سوى دفع الإيهام٦. وهو من دقائق البلاغة وسحر البيان٧، وفائدته إما:
стр. 212
أ- التنزيه والتعظيم، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١ فسبحانه٢ مسوق للتنزيه عن اتخاذ البنات.
ب- أو التقرير في نفس السامع نحو: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ٣ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ٤ فقوله: والله مخرج، جاءت معترضة لتقرير أن تدافع بني إسرائيل في قتل النفس ليس نافعا في إخفائه وكتمانه؛ لأن من لا تخفى عليه خافية مظهره لا محالة.
جـ- أو التصريح بما هو المقصود، كقول كثير عزة:
لو أن الباخلين، وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا
فقوله: وأنتم منهم، تصريح بما هو المقصود من ذمة وتأكيد، لانصراف الذم إليه.
د- أو الدعاء، كقول أبي الطيب:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا
فقوله: وحاشاك، اعتراض حسن في موضعه، والواو في مثله اعتراضية ليست عاطفة ولا حالية٥.
هـ- أو تنبيه المخاطب على أمر يؤكد الإقبال على ما أمر به مما فيه مسرته كقوله:
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
و أو الاستعطاف، كقول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما
ز- أو تنبيه المخاطب على أمر غريب، كقوله:
стр. 213
فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه
فإن قوله: فلا هجره يبدو، يشعر بأن هجر الحبيب أحد مطلوبيه، وغريب أن يكون هجر الحبيب مطلوبا للمحب، فقال:
وفي اليأس راحة
لينبه إلى السبب.
ومما جاء بين كلامين متصلين معنى، وهو أكثر من جملة أيضا، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ١، فإن قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ، بيان لقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ، لإفادة أن الغرض الأصلي من الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فقط، وما بينهما اعتراض للترغيب فيما أمرو به، والتنفير عما نهوا عنه.
٩٠- النفي والإثبات بأن يذكر الشيء على جهة النفي، ثم يثبت أو بالعكس نحو: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ٢، نفى عنهم أولا العلم بما خفي عليهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم آخرا العلم بظاهر الحياة الدنيا دون ما كان مؤديا إلى الجنة.
١٠- ما كان كقولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقته بلساني, يذكرون الظروف فيما يصعب حصوله، دلالة على أن نيله ليس بمتعذر، وعلى هذا جاء قول البحتري:
تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني
تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إلي من الرحيق الخسرواني٣
فحضور مثل هذا المجلس نادر، ولا سيما إذا كان الساقي فيه على ما وصف من الحسن، ومن ثم قال: انظر بعينك.
"تنبيه": قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساويا له في أصل المعنى, كقول الشماخ يمدح عرابة الأوسي:
إذا ما راية رفعة لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
مع قول بشر بن أبي حازم يمدحه أيضا:
إذا ما المكرمات رفعن يوما ... وقصر مبتغوها عن مداها٤
وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها
стр. 214
المبحث الخامس: الإيجار أفضل أم الإطناب
...
المبحث الخامس: الإيجاز أفضل أم الأطناب
مواضع كل منهما.
ما يراه الأئمة في تفضيل الإيجاز على الإطناب، أو العكس، فمن مفضل يراه كشبيب بن شيبة، إذ يقول: القليل الكافي خير من خير من كثير غير شاف.
ويقول آخر: إذا طال الكلام عرضت له أسباب التكلف، ولا خير في شيء يأتي به التكلف.
ومن مرجح للإطناب وحجته أن المنطق إنما هو البيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والشفاء لا يقع إلا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه, وأبينه أشده إحاطة بالمعاني، ولا يحاط بالمعاني إحاطة تامة إلا بالاستقصاء، أضف إلى ذلك أن الإيجاز للخواص، والإطناب مشترك بين الخاصة والعامة، والغبي والفطن.
والمختار، أن الحاجة إلى كل ماسة، وأن لكل موضعا لا يسد عنه فيه سواه، فمن استعمل أحدهما في موضع الآخر، فقد أخطأ.
قال جعفر بن يحيى: متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار وعيا، ومتى كانت الكفاية في موضع الإكثار، كان الإيجاز تقصيرا، يرشد إلى ذلك قول القائل يصف خطباء إباد:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خشية الرقباء١
وقد استحبوا الإيجاز في المواضع الآتية:
стр. 215
١- الكتب الصادرة عن الملوك إلى الولاة في أوقات الحروب والأزمات.
٢- الأوامر والنواهي السلطانية.
٣- كتب السلطان بطلب الخراج وجباية الأموال وتدبير الأعمال.
٤- كتب الوعد والوعيد.
٥- الشكر على النعم التي تسبغ، والعوارف التي تسدي.
٦- الاستعطاف وشكوى الحال وسؤال حسن النظر وشمول العناية.
٧- التنصل من الذنب والاعتذار من التقصير بإيراد الحجج التي تقنع المخاطب وتزيل موجدته.
واستحسنوا البسط والإطناب في المواضع التالية:
١- ما يكتب به عن الملوك في جسيمات الأمور التي يراد تقريرها في نفوس العامة، كأخبار الفتوح المتجددة، فهذا موضع يشبع فيه القول، حتى تعرف الرعية قدر النعمة، فتزيد في الطاعة، ولا بأس من تهويل أمر العدو ووصف جمعه، وعظيم إقدامه؛ لأن في تصغير أمره تحقيرا للظفر به.
٢- ما يكتب به عن الملوك إلى أهل الثغور، في أوقات التحرش بالمملكة، وإقدام العدو على الهجوم عليها، ليعلموا ذلك فيستعدوا للقاء.
٣- ما يكتب به الولاة, ومن في حكمهم, إلى الملوك لإخبارهم بأحوال ما ينظرون فيه من الأعمال وما يجري على أيديهم من مهام الأمور.
٤- الموعظة والإرشاد بالترغيب في الطاعة والنهي عن المعصية، حتى يرتاح قلب المطيع وينبسط أمله، ويرتاع قلب المسيئ ويأخذ الخوف منه كل مأخذ.
٥ الخطب في الصلح بين العشائر لإصلاح ذات البين.
٦ المدح والثناء والهجاء.
أسرار البلاغة في الإيجاز والإطناب:
قد عرفت كلا من الإيجاز والإطناب ومواضع كل منهما, فعليك أن تعرف الدواعي التي لأجلها استعملتها العرب في كلامها.
فمن دواعي الإيجاز:
стр. 216
١- سهولة الحفظ، فقد قيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها.
٢- إخفاء الأمر عن غير المخاطب.
٣- ضيق المقام خوف فوات الفرصة.
٤- ذكاء المخاطب، حيث تكفيه اللمحة والوحي والإشارة.
ومن دواعي الاطناب:
١- توكيد المعنى وتثبيته في النفس، أفلا ترى إلى قوله تعالى في باب الموعظة: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.
٢- دفع اللبس الذي كان يحتمل وجوده مع الإيجاز واعتبر ذلك بما تراه في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ٢ فكلمة القلب تحتمل أحد معنيين: القطعة من اللحم، والفهم والإدراك, لهذا أتي بكلمة في جوفه ليتعين المعنى الثاني، ويزول اللبس، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٣، فأتى بكلمة في الصدور لدفع اللبس بأن المراد بها العيون الباصرة.
٣- التعظيم والتهويل، انظر إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ ٤، إذ كان يكفي في الدلالة على وقت علم النفس ما أحضرت قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أو غيره مما بعده من الاثني عشر المذكورة، لكنه عددها لتهويل شأن هذا اليوم.
стр. 217
تدريب الأول:
بين الإيجاز والإطناب والمساواة، مع ذكر السبب فيما يلي:
١- ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ ، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
٢- ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ ١.
٣- وقال أعرابي: إن شككت في فاسأل قلبك عن قلبي.
٤-
واحرص على حفظ القلوب من الأذى ... إن الزجاجة كسرها لا يشعب
٥- ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ٢
٦-
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت
٧- أخرج منها ماءها ومرعاها.
٨- ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٣.
стр. 218
تدريب ثان:
١- علمتني نبوتك سلوتك، وأسلمني يأسي منك إلى الصبر عنك.
٢- ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ١.
٣-
والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت ... بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
٤-
لا تودع السر وشاء به مذلا ... فما رعى غنما في الدو سرجان
٥- ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢.
٦-
ألا حبذا حبذا حبذا ... حبيب تحملت منه الأذى
٧- قال أبو دعبل الجمحي يمدح النبي ﵇:
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا وليس بجسمه سقم
٨- أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله.
стр. 219
تمرين أول:
بين الإيجاز والإطناب والمساواة وأسبابها فيما يلي:
١-
يهون بالرأي ما يجري القضاء به ... من أخطأ الرأي لا يستذنب القدرا
٢- ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ١.
٣-
تراه كأن الله يجدع أنفه ... "وعينيه" إن مولاه ثاب له وفر
٤-
أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة ... ونأي حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم
٥- ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢.
٦- ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا.
٧-
فسائل هداك الله أي بني أب ... من الناس يسعى سعينا ويقارض
٨- سئل بعض الأدباء: ما كان سبب موت أخيك؟ فقال: "كونه" فأحسن ما شاء.
٩- ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ ٣.
تمرين ثان:
١-
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
٢- ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ٤.
٣- وقال ﵇: "حبك الشيء يعمي ويصم".
٤- ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ٥.
стр. 220
٥- ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ١.
٦-
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
٧-
فدعوا نزال فكنت أو نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
٨- ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ .
٩- ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٢.
стр. 221
نموذج عام على المعاني:
تكلم من المعاني على ما يأتي:
تهوى الثناء مبرر ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
الإجابة:
إن تطبيق جملة من النثر أو بيت من الشعر على فن المعاني يستدعي أن نعرض أبوابه، فنرى في هذا البيت:
١- جملتان خبريتان أولاهما فعلية مضارعة تقتضي الاستمرار التجددي، بدليل أن الغرض الموعظة، والثانية اسمية تفيد الاستمرار والدوام، كما هو شأن الأخلاق والغرائز.
٢- كلم من الجملتين ضرب ابتدائي خال من المؤكدات.
٣- ذكر المفعول؛ لأن القصد تعلق الفعل به.
٤- قدم المفعول على المستند إليه في الجملة الأولى؛ لأنه الأهم في الكلام.
٥- نكر المسند إليه لقصد التعميم.
٦- عرف المفعول بأل لإرادة الجنس.
٧- فصل بين الشطرين؛ لأن بينهما شبه كمال الاتصال؛ لأن الثانية جواب عن سؤال مقدر.
٨- في البيت إطناب بالتذييل الجاري مجرى المثل.
стр. 222
نموذج ثان:
أنشأ يمزق أثوابي يؤدبني ... أبعد شيبي عندي يبتغي الأدبا
الإجابة:
١- في الشطر الأول جملتان خبريتان من الضرب الابتدائي وفي الشطر الثاني جملة إنشائية.
٢- الغرض من إلقاء الخبر فيهما التحسر على تلك المعاملة القاسية التي عامله بها ابنه.
٣- قدم الظرف وهو بعد في الشطر الثاني؛ لأنه محط الإنكار.
٤- الاستفهام فيه للتوبيخ.
٥- قيد الجملة الأولى بتابع وهو عطف البيان لغرض الإيضاح والبيان، وقيد الجملة الثانية بظرف الزمان؛ لأنه هو المقصود بالإنكار.
٦- فصل بين جملتي: أنشأن ويؤدبني؛ لأن بينهما كمال الاتصال؛ لأن الثانية بيان للأولى، وبين جملتي: أنشأ، وأبعد شيبي؛ لأن بينهما كمال الانقطاع لاختلافهما خبرا وإنشاء.
٧- في البيت إطناب بالتذييل غير الجاري مجرى المثل.
стр. 223
علم البيان
مدخل
...
علم البيان:
البيان لغة الكشف والإيضاح، يقال: فلان أبين من فلان، أي: أوضح منه كلاما واصطلاحا, علم يستطاع بمعرفته إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، وتراكيب متفاوتة في وضوح الدلالة، مع مطابقة كل منها مقتضى الحال.
وتقييد الاختلاف بالوضوح لتخرج الألفاظ المترادفة كليث وأسد وغضنفر، فإنها وإن كانت طرقا مختلفة لإيراد المعنى الواحد، فاختلافهما إنما هو في اللفظ والعبارة، لا في الوضوح والخفاء.
واللام في المعنى الواحد للاستغراق العرفي، أي: كل معنى يدخل تحت قصد المتكلم وإرادته، فلو عرف أحد إيراد معنى واحد، كقولنا: علي جواد، بطرق مختلفة لم يكن بذاك عارفا بالبيان.
إيضاح هذا التعريف، أن الضليع بهذا الفن، إذا حاول التعبير عما يختلج في صدره من المعاني وجد السبيل ممهدا، فيختار ما هو أليق بمقصده وأشبه بمطلبه من فنون القول وأساليب الكلام، فإذا حث همة الشجعان على اقتحام غمار الوغى بهرهم بساحر بيانه وعظيم إحسانه، فإن شاء شبههم بأسو خفان، فقال: كأنكم أسود لها في غيل خفان١ أشبل، وإن شاء استعار، وقال: إني أرى هنا أسودا تتحفز للكر والفر وتثب لاقتناص فرائسها ولها قرم٢ إلى الأخذ بنواصيها وحز رؤسها، وإن أراد كنى عن مقصده وروى عن مراده فقال: البسوا لعدوكم جلد النمر٣ واقلبوا له ظهر المجن فإنه قد ورم أنفه عليكم وداسكم تحت أقدامه.
стр. 224
هناك تناديه القلوب وتتسابق إليه الفرسان قائلة: لبيك لبيك ها نحن أولاء نحمي الذمار، ونجير الجار، ونجدل الأقران، ونصرعهم في الميدان، ونبيع النفوس رخيصة ونشتري بها المجد والسؤدد:
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وإن دعا النفوس لمكرمة وهز العطف لمحمدة أمكنه أن يقول: كأنكم البحور يعم فيضها القاصي والداني وتطعم بأنعامها الفقير والغني.
أو يقول: هذه البحور على سواحلها القصاد تقذف أمواجها ما يفرج كربة البائس ويدفع الضر عن المعدم.
أو يقول: إني أرى مجدا مد سرادقه، وندى ضربت خيامه.
إذ ذاك تسخو كف البخيل ويهتز عطف الكريم وتصبو النفوس لاكتساب المحامد ونيل المجد بالثمن الربيح.
موضوعه: اللفظ العربي، من حيث التفاوت في وضوح الدلالة بعد رعاية مطابقته مقتضى الحال.
فائدته: ستعلم مما يلي أن مباحث البيان محصورة في المجاز على أنحائه، أي؛ إنه بمعنى أعم يشمل الكناية، وأن التشبيه إنما ذكر فيه لبناء الاستعارة عليه.
والمجاز ثروة كبيرة في اللغة من جهات عدة، منها:
١- الإكثار من الألفاظ وتعدد الوضع تفننا في التعبير كتسمية المطر بالسماء والنبات بالغيث، على ما سيأتي.
٢- التذرع إلى الوضع فيما لم يوضع له لفظ من المحسوسات، كقولهم: ساق الشجرة، وإبط الوادي، وعنق الإبريق، وذوابة الرحل١.
٣- التذرع إلى الوضع لتمثيل صور المعاني، كقولهم: نبض٢ البرق، سبح٣ الفرس.
стр. 225
٤- الرمز إلى حقائق المعاني كقولهم: سافر ولا ظهر١ له، وفلان يملك رقبة أي: عبدا.
وهاك مثلا يبين لك اتساع اللغة بالمجاز، ذلك أن مادة كف أصلها الكف، وهو الجارحة، ثم تصرفوا فيها واستعملوها على أنحاء شتى مجازا، فقالوا:
كفه عن الأمر، إذا منعه، كأنه دفعه بكفه من استعمال اللفظ في لازمه مجازا مرسلا، وكف هو عن الأمر إذا امتنع وهو من وادي سابقه، واستكف السائل وتكفف إذا طلب بكفه، واستكف بالصدقة إذا مد يد بها لتعطيه إياها، وكفه الميزان لشبهها بالكف في الشكل، والكفة النقرة المستديرة، يجتمع فيها الماء، واستكفوا حوله إذا أحاطوا به ينظرون إليه، إلى نحو هذه المعاني التي ترجع كلها إلى معنى الكف.
فالمجاز إذا غذاء اللغة والروح الذي لا تحيا بدونه، ولا قوام لها إلا به، ولولاه ما كنا نرى فيها اللبهجة والجمال اللذين يتذوقهما كل ناطق بالضاد.
"واضعه" أول من دون مسائل هذا العلم أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه "مجاز القرآن"، وتبعه الجاحظ، وابن المعتز، وقدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وما زال يشدو شيئا فشيئا حتى جاء الإمام عبد القاهر فأحكم أساسه وشيد بناءه.
الدلالة:
علمت مما سبق أن فائدة هذا العلم إبراز المعنى بطرق مختلفة في وضوح الدلالة فناسب تعريف الدلالة وبيان أقسامها، فنقول:
الدلالة فهم أمر من أمر، والأول المدلول، والثاني الدال، وهي: إما لفظية وإما غير لفظية.
والثانية لا علاقة لها بمباحث هذا الفن ... والأولى أقسام ثلاثة:
١- دلالة اللفظ على تمام مسماه وتسمى دلالة المطابقة: كدلالة الإنسان والأسد على حقيقتيهما.
стр. 226
٢- دلالة اللفظ على بعض مسماه، وتسمى: "دلالة التضمن، كدلالة البيت على السقف أو الحائط.
٣- دلالة اللفظ على لازم معناه كدلالة الإنسان على كونه متحركا أو شاغلا لجهة، أو نحو ذلك، وشرطه اللزوم الذهني١ "سواء أصاحبه لزوم خارجي، أم لا" بحيث يلزم من حصول المعنى الموضوع له في الذهن حصول فيه إما على الفور، أو بعد التأمل في القرائن والأمارات، لكن لا يشترط أن يكون اللزوم مما يثبته العقل٢، بل يكفي أن يكون لعرف عام٣، أو عرف خاص٤، كاصطلاحات أرباب الصناعات والاصطلاحات الشرعية واللغوية.
والدلالة الأولى تسمى عند البيانيين وضعية، ويستحيل تفاوتها وضوحا وخفاء؛ لأن السامع لشيء من الألفاظ الموضوعية، إما أن يكون عالما بالوضع للمسمى أولا، فإن كان الأول فإنه يعرفه بتمامه بلا زيادة ولا نقصان، وإن كان الثاني فإنه لا يعرف منه شيئا أصلا.
والثانية والثالثة تسميان: عقليتين؛ لأن دلالة اللفظ على الجزء، واللازم مصدرها العقل الحاكم بأن حصول الكل مستلزم حصول الجزء، ووجود الملزوم مستلزم وجود اللازم, ويتأتى فيهما الاختلاف وضوحا وخفاء، إذ اللوازم كثيرة بعضها قريب اللزوم يسبق إلى الذهن فهمه بسرعة، وبعضها بعيد، فيصح اختلاف الطرق فيها، ويكون بعضها أكمل من بعض في الإفادة.
وكذا يجوز أن يكون المعنى جزءا من شيء وجزءا من شيء آخر، فدلالة الشيء الذي ذلك المعنى جزء منه على ذلك المعنى، أوضح دلالة من الشيء الذي ذلك المعنى جزء من جزئه على ذلك المعنى.
стр. 227
فدلالة الحيوان على الجسم أوضح١ من دلالة الإنسان عليه، ودلالة الجدار على التراب أوضح من دلالة البيت عليه.
وفي هذا مجال لقائل: إذ الدلالة الوضعية ربما يعرض لها الوضوح والخفاء، ألا ترى أنا نجد في أنفسنا ألفاظا محفوظة لدينا، معلومة الوضع، ومع ذلك يحضر لنا معنى بعضها بنفس الالتفات إليه، لكثرة الممارسة، أو لقرب العهد باستعماله في معناه، أو لقرب العهد بعلم وضعه، وبعضها لا يحضر معناه إلا بالمراجعة مرة بعد أخرى لطول العهد بعلم وضعه ولعدم تداوله.
أضف إلى ذلك أن التركيب الذي فيه تعقيد لفظي لا يفهم معناه إلا بعد التأمل، مع العلم بوضع جميع ألفاظه، فليس ببعيد إذا أن تكون قابلة للوضوح والخفاء. وقد أجيب عن الأول بأن التوقف والمراجعة لطلب تذكر الوضع المنسي، لا لخفاء الدلالة, بدليل أنه عندما نتذكر الوضع نعلم المعنى من غير توقف، وعن الثاني بأن الهيئة مختلفة، والكلام عند اتفاقها؛ لأن لها دخلا في الفهم الوضعي.
أبواب الفن:
اعلم أن اللفظ إن استعمل في معنه الموضوع له فحقيقة، وإن استعمل في غيره، لعلاقة مع قرينة، فإما مانعة من إرادة المعنى الأصلي فمجاز، وإما غير مانعة فكناية.
والمجاز إن كان لعلاقة المشابهة فاستعارة مفردا كان أو مركبا، وإن كان لعلاقة غير المشابهة فإن كان مفردا سمي مجازا مرسلا، وإن كان مركبا قيل له: مجاز مركب مرسل.
والاستعارة مبنية على التشبيه، فوجب التعرض له، فعلم من هذا وبما تقدم من أن الدلالة الوضعية لا تتفاوت وضوحا وخفاء على المشهور، أن أبواب هذا الفن أربعة: التشبيه المجاز بقسميه، الكناية, أما الحقيقة فإنما تذكر فيه ليتضح مقابلها، وهو المجاز أشد الوضوح "وبضدها تتميز الأشياء" وأيضا فهي أصل المجاز، وهو فرع لها تناسب ذكرها في الفن تبعا.
стр. 228
الباب الأول: في التشبيه
المبحث الأول: في شرح حقيقة وبيان جليل فائدته
...
الباب الأول: في التشبيه
وفيه اثنا عشر مبحثا.
المبحث الأول: في شرح حقيقته وبيان جليل فائدته
التشبيه لغة التمثيل، يقال: هذا شبه هذا ومثيله، وشبهت الشيء بالشيء أقمته مقامه لما بينهما من الصفة المشتركة.
واصطلاحا: إلحاق أمر "المشبه" بأمر "المشبه به" في معنى مشترك "وجه الشبه" بأداة "الكاف وكأن وما في معناهما" لغرض "فائدة"١.
"أركانه" مما سبق تعلم أن أركانه أربعة: مشبه ومشبه به، ويسميان بالطرفين، ووجه شبه، وأداة.
"فائدته" إيضاح المعنى المقصود مع الإيجاز والاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت: علي كالأسد، كان الغرض أن تبين حال علي، وأنه متصف بقوة البطش وشدة المراس وعظيم الشجاعة، وما إلى ذلك من أوصاف الأسد البادية للعيون.
ولا شيء أدل على ذلك من تشبيهه بالأسد من أجل أن كانت هذه الصفات خصيصي بالأسد مقصورة عليه، فصار هذا القول أكشف وأبين للقصد من قولك علي شجاع جريء, إلى أشباه ذلك.
ومن أسباب ذلك ما يلي:
١- ما يحصل للنفس من الأنس به بإخراجها من الخفي إلى الجلي الواضح، ألا ترى أنك إذا وصفت يوما بالقصر، فقلت: هذا يوم من أقصر ما يتصور، لم يجد السامع له من الأنس ما يجده لنحو قولك: يوم كإبهام القطاة.
стр. 229
أو لنحو قوله:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب١
٢- ما يحصل لها من الأنس بإخراجها مما لم تألفه، إلى ما هي به آلف، فإذا كنت أنت وصاحب لك يسعى في أمر على شاطئ نهر وأردت أن تقرر له أنه لا يحصل من سعيه على فائدة، فأدخلت يدك في الماء ثم قلت له: انظر، هل حصل في كفي شيء من الماء، فكذلك أنت في أمرك, كان لذلك تأثير في النفس وتمكين للمعنى في القلب يزيد على القول المرسل إرسالا.
٣- ما يحصل لها بالانتقال مما تعلمه إلى ما هي به، فإنك ترى الفرق بينها وبين أن تقول: الدنيا لا تدوم، ثم تسكت، وبين أن تذكر عقب ذلك قوله ﵇: "من في الدنيا ضيف، وما في يده عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة" , أو تنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
стр. 230
المبحث الثاني: في الطرفين
ينقسم الطرفان إلى حسيين وعقليين ومختلفين، وإلى مفردين ومركبين ومختلفين، فالحسيان ما يدركان هما أو مادتهما أي: أجزاؤهما بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وبهذا التفسير دخل في الحسي شيئان:
ما كان للطرفان فيه مشتركين، إما: في صفة مبصرة كتشبيه الحور الحسان بالياقوت والمرجان في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ١.
وقول عنترة يصف غدرانا:
جادت عليها كل عين ثرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم٢
أو في صفة مسموعة كتشبيه الصوت الحسن بالموسيقى، والأسلحة في وقعها بالصواعق، والأصوات غير المفهومة بأصوات الفراريج، في قول عياش بن سلمة يذم بني دالان:
стр. 231
كأن بني دالان إذا جاءهم ... فراريج يلقى بينهن سويق١
أو في صفة مذوقة، كتشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، والبرقوق الكرز، والريق بالخمر، في قول امرئ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر٢
أو في الصفة المشمومة كتشبيه رائحة الرياحين المجتمعة بالغالية٣ والنكهة بريح العنبر.
أو في الصفة الملموسة، كما يشبه الجسم بالحرير في النعومة، كقول ذي الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
"الخيالي" وهو المعدوم الذي يفرض مجتمعا من أمور عدة، كل منها مدرك بالحس، كقول أبي الغنائم المحصي:
خود كأن بنانها ... في خضرة النقش المزرد
سمك من البلور في ... شبك تكون من زبرجد٤
فسمك على هذه الشاكلة، وشبك بهذه الصفة لا يوجدان حتى يدركا بالحس، لكن ما يتألفان منه وهو السمك والبلور وشبك والزبرجد، يدركان بالحس.
والعقليان ما لم يدركا، هما ولا مادتهما بإحدى الحواس، كتشبيههم الضلال عن الحق بالعمى، والعلم بالحياة، وبهذا التفسير دخل في العقلي.
"الوهمي"٥ وهو ما ليس مدركا بإحدى الحواس، لكنه لو أدرك، لكان مدركا بها، كرءوس الشياطين، وأنياب الأغوال، في قوله تعالى:
стр. 232
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ١، وقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
فهاتان لا تدركان بالحس، لعدم وجودهما، لكن لو أدركتا لم تدركا إلا بحاسة البصر.
"الوجداني" كتشبيههم الجوع بالنار، والعطش باللهب وتسعر النار.
والمختلفتان إما بأن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا، كما يشبه العدل بالقسطاس، والرأي بسواد الليل في قوله:
الرأي كالليل مسود جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح
أو بالعكس بتقدير المعقول كأنه محسوس ويجعل كالأصل لذلك المحسوس مبالغة، ويكون حينئذ من التشبيه المقلوب كما في تشبيه العطر بحسن الخلق في قول الصاحب بن عباد:
أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدي له أخلاقه
والمفردان إما مطلقان، كما في تشبيه الشعر بالليل، والمخاطب بالحالم، في قوله:
تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة ... فأفنيتها هل أنت إلا كحالم
وإما مقيدان بوصف أو إضافة أو ظرف أو حال، أو نحو ذلك، مما يكون له تعلق بوجه الشبه، كقولهم لم يفخر بما ليس له، كالحادي، وليس له بعير٢، فهذه الجملة الحالية محتاج إليها في تحقيق الشبه بينهما، وكقول القاضي الفاضل:
والشمس بين الأرائك قد حكت ... سيفا صقيلا في يد رعشاء
وأما مختلفان، والمقيد هو المشبه، نحو:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل٣
ونحو قول المتنبي:
стр. 233
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
وإما بالعكس كقول الخنساء:
أغر أبلج تأثم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وقول السري الرفاء:
والفجر كالراهب قد مزقت ... من طرب عنه الجلابيب
وإما مركبان١ كقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه٢
فالشبه٣ هو مجموع الغبار والسيوف المتألقة في خلاله والمشبه به هو الليل الذي تتهافت كواكبه إذ لم يقصد تشبيه النقع بالليل والسيوف بالكواكب، بل عمد إلى تشبيه هيئة السيوف وقد سلت من أغمادها، وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب وتضطرب اضطرابا شديدا وتتحرك بسرعة إلى جهات مختلفة، وكذا إلى هيئة الكواكب في تهاويها وتصادمها وتداخلها واستطالة أشكالها عند السقوط.
وهذا القسم ضربان:
١- ما لا يصح تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الثاني كقول القاضي التنوخي:
كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعة٤
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعة
فإن المريخ في مقابلة المنصرف عن الدعوة، ولو قيل: كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة، كان ضربا من الهذيان.
стр. 234
٢- ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر، غير أن الحالة تتغير، كقول أبي الطيب الرقي:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزر
فلو قيل: كأن النجوم درر وكأن السماء بساط أزرق, كان تشبيها صحيحا، ولكن أين هذا من ذاك الذي يملأ نفسك عجبا، إذ يريك هيئة نجوم طالعة متألقة متفرقة في أديم سماء صافية الزرقة.
وإما مختلفان، وهو ضربان:
١- أن يكون المشبه مفردا والمشبه به مركبا، كقول الصنوبري:
وكأن محمر الشقيق ... إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد١
فالمشبه هو الشقيق عند تصوبه٢ وتصعده، والمشبه به مركب، وهو الصورة الحادثة من نشر أجرام حمر مبسوطة على رءوس سيقان خضر مستطيلة.
٢- أن يكون المشبه مركبا، والمشبه به مفردا، كقول أبي تمام يصف الربيع:
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر٣
يريد أن النبات لشدة خضرته مع كثرته وتكاثفه، صار لونه يميل إلى السواد فنقص من ضوء الشمس حتى صار كأنه ليل مقمر.
فهو قد شبه النهار الذي خالطه زهر الربا "وهذا مركب" بالليل المقمر "وهذا مفرد مقيد بالصفة".
стр. 235
المبحث الثالث: في تقسيم التشبيه
باعتبار الطرفين إلى ملفوف ومفروق
الطرفان إن تعددا كان ذلك على ضربين:
١- أن يؤتى بالمشبهات أولا على طريق العطف, أو غيرها، ثم يؤتى بالمشبهات بها كذلك، ويسمى حينئذ تشبيها ملفوفا، كقول امرئ القيس يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... ولدى وكرها الناب والحشف البالي١
فقد شبه الرطب من قلوب الطير بالعناب، وشبه اليابس العتيق منها بالحشف البالي.
وفضيلة هذا الضرب من التشبيه اختصار اللفظ، وحسن الترتيب، إلا أن في الجمع فائدة في المقصود من التشبيه كما هو الحال في التشبيه المركب.
٢- أن يؤتى بمشبه ومشبه به، ثم بآخر وآخر، ويسمى تشبيها مفروقا، كقول ابن سكرة:
الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر كالدر٢
стр. 236
المبحث الرابع: في تقسيم التشبيه باعتبار الطرفين إلى تشبيه تسوية، وتشبيه جمع
إذا تعدد أحد الطرفين كان ذلك على ضربين:
١- فإن كان المتعدد المشبه سمي تشبيه التسوية، كقوله:
صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي
وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي٣
فقد شبه في البيت الأول صدغ الحبيب "وهو الشعر البادي من الرأس فيما بين الأذن والعين" وحاله بالليالي، وشبه في البيت الثاني ثغر الحبيب "وهو مقدم أسنانه" ودموعه باللآلئ في القدر والصفاء والإشراق:
٢- وإن كان المشبه به سمي تشبيه الجمع كقول البحتري:
بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح
стр. 237
المبحث الخامس: في وجه الشبه
وجه الشبه هو الوصف الخاص١ الذي قصد اشتراك الطرفين فيه، فقولك: علي كالأسد، ووجه سعدى كالشمس, الوجه في الأول الجرأة والإقدام وشدة البطش المشهورة في الأسد، وفي الثاني الحسن والبهاء الثابتان للشمس.
فمن أراد أن يشبه حركة أو هيئة بغيرها فعليه أن يتطلب أمرا يشترك فيه الطرفان, كما فعل ابن المعتز حين يقول:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا٢
فهو لم ينظر إلى جميع صفات البرق، بل نظر إلى انبساط يعقبه انقباض، وانتشار يتلوه انضمام، فشبه ذلك بمصحف، القارئ يفتح مرة، ويطبقه مرة أخرى.
ومما ذكر تعلم أن قولهم: "النحو في الكلام كالملح في الطعام" يريدون به أن الكلام لا ينتفع به إلا بمراعاة أحكام النحو فيه، كما لا ينتفع بالطعام ما لم يصلح بالملح، إلا أن القليل من النحو مفيد والكثير مفسد، كما يفسد الملح الطعام، إذا كثر فيه، إذ لا تتصور زيادة ولا نقصان في جريان أحكامه في الكلام؛ لأنه إن استوفى أحكامه من رفع الفاعل ونصب المفعول ونحو ذلك، فقد وجد النحو وانتفى الفساد وانتفع به في فهم المراد وإلا لم يوجد وكان
стр. 238
الكلام فاسدا. فقول أبي بكر الخوارزمي: "والبغض عند كثرة الإعراب" كلام ليس له معنى، وينقسم الوجه إلى عدة أقسام:
١- تحقيقي وتخييلي:
أ- فالتحقيقي ما كان متقررا في الطرفين على وجه التحقيق كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ١، فوجه الشبه وهو العظم والضخامة، موجود في كل من المراكب والجبال حقيقة.
ب- والتخييلي ما لا يكون وجوده في أحد الطرفين إلا على ضرب من التأويل، فمثاله في المشبه قوله: صدغ الحبيب وحالي، كلاهما كالليالي، ومثاله في المشبه به قول التنوخي:
وكأن النجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهن ابتداع
فوجه الشبه هو الهيئة الحادثة من حصول أشياء مشرقة بيض في جوانب شيء مظلم أسود، وهي غير موجودة في المشبه به، إلا على طريقة التخييل، ذاك أنه لما كانت البدع والضلالات تجعل صاحبها كمن يمشي في الظلمة فلا يهتدي إلى الطريق الذي تقع له به النجاة!!
شبهت بالظلمة وشاع ذلك حتى قيل: شاهدت سواد الفكر من جبين فلان، لتخييل أن البدعة نوع له زيادة اختصاص بسواد اللون، وبطريق العكس شبه الهدى، والعلم بالنور، واشتهر ذلك كما ورد: "أتيتكم بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها" من حيث تخيل أن السنن ونحوها جنس من الأجناس التي لها إشراق٢ وبياض في العين.
ومن أجل هذا صار تشبيه النجوم بين الدياجي بالسنن بين الابتداع واضحا جليا كتشبيهها ببياض الشيب في سواد الشباب.
٢- واحد ومركب من متعدد منزل منزلة الواحد، وكل منهما: إما حسي، وإما عقلي، ومتعدد "يقصد فيه اشتراك الطرفين في عدة أمور كل منها وجه شبه
стр. 239
على حدته، وبهذا يخالف المركب المنزل منزلة الواحد، فإن وجه الشبه فيه الهيئة المنتزعة من عدة أمور وهو: إما حسي، وإما عقلي، وإما مختلف بعضه حسي وبعضه عقلي:
أ- فالواحد الحسي طرفاه لا يكونان إلى حسيين، فإن الوجه أمر منتزع من الطرفين موجود فيهما، وكل ما يؤخذ من العقلي وينتزع منه يجب أن يدرك بالعقل لا بالحس؛ لأن أوصاف العقلي يجب أن تكون عقلية، وذلك كتشبيه الخد بالورد بجامع الحمرة والغضاضة.
ب- والواحد العقلي طرفاه إما عقليان كما يشبه وجود ما لا ينتفع به بعدمه بجامع العراء عن الفائدة في قولهم: وجوده كالعدم، وإما حسيان كتشبيه الرجل بالأسد في الجرأة والإقدام والبطش، وإما المشبه عقلي والمشبه به حسي، كما يشبه العلم بالنور بجامع الهداية في كل، وإما بالعكس كما يشبه العطر بخلق الكريم بجامع ارتياح النفس وانتعاشها.
جـ- والمركب الحسي طرفاه إما مفردان كتشبيه الثريا بعنقود من الكرم لاشتراكهما في الهيئة الحادثة من تقارن الصور البيض المستديرة الصفار في رأي العين على كيفية مخصوصة ومقدار معين في قول كسناجم محمود بن الحسين:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا١
وإما مركبان كالهيئة الحاصلة من سقوط أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار، متفرقة في جوانب شيء مظلم في قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
إما مختلفان كما مر من تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد، فالمشبه مفرد، والمشبه به مركب، وإما بالعكس كتشبيه النهار المشمس الذي شابه زهر الربا بليل مقمر.
ومن بديع المركب الحسي ما يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركة، وذلك على وجهين:
стр. 240
١- أن تقترن هيئة الحركة بغيرها من أوصاف الجسم، كالشكل واللون، كقول جبار بن جزء بن أخي الشماخ:
والشمس كالمرآة في كف الأشل ... لما رأيتها بدت فوق الجبل
فوجه الشبه: الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة مع الإشراق حتى يرى الشعاع كأنه يهم بأن ينسبط حتى يفيض من الوسط إلى جوانب الدائرة، ثم يبدو له أن يرجع من الانبساط الذي هم به إلى الانقباض كأنه يرجع من الجوانب إلى الوسط، فإن الإنسان إذا أحد النظر لينظر إلى الشمس، ولا سيما أول شروقها، ليتبين جرمها، وجدها تؤدي هذه الهيئة، وكذلك المرآة في كف الأشل.
٢- أن تجرد هيئة الحركة عن غيرها من الأوصاف، فهناك لا بد من اختلاط حركات كثيرة للجسم إلى جهات مختلفة، كان يتحرك بعضه إلى اليمين وبعضه إلى الشمال وبعضه إلى العلو وبعضه إلى السفل، فحركة الدولاب والرحا والسهم، لا تركيب فيها لاتحاد الحركة.
وحركة المصحف في قول ابن المعتز:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
فيها تركيب؛ لأنه يتحرك في حالتي الانطباق والانفتاح إلى جهتين في كل حال إلى جهة، ومن لطيف ذلك قول الأعشى، يصف السفينة في البحر، وتقاذف الأمواج بها:
تقص السفين بجانبيه كما ... ينزو الرياح خلاله كرع١
شبه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه، فإنه يكون له حينئذ حركات متفاوتة تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة, ويكون هناك تسفل وتصعيد على غير ترتيب، وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى، فلا يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه متسفلا، وذلك أشبه شيء بحال السفينة وهيئة حركاتها حين تتدافعها الأمواج.
стр. 241
وكما يقع التركيب في هيئة الحركة، قد يقع في هيئة السكون، كقول أبي الطيب في صفة الكلب:
يقعي جلوس البدي المصطلي ... بأربع مجدولة لم تجدل١
فلم ينل التشبيه حظا من الحسن إلا لما فيه من التفصيل من حيث كان لكل عضو من أعضاء الكلب في إقعائه موقع خاص، وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلف منها صورة خاصة، وكذلك صورة جلوس البدوي عند الاصطلاء.
والمركب العقلي كحرمان الانتفاع بأبلغ نافع من تحمل التعب في استصحابه في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ٢، فالتشبيه منزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض، ذلك أنه روعي من الحمار فعل مخصوص وهو الحمل، وأن يكون المحمول أوعية العلوم ومستودع ثمار العقول، وأن الحمار جاهل لما فيها، فلا حظ له إلا أن يثقل عليه الحمل أو يكد جنبيه، وكذا في جانب المشبه, فقد روعي أنهم فعلوا فعلا مخصوصا، هو الحمل المعنوي، وكون المحمول أوعية العلوم وكونهم جاهلين لما فيها.
"تنبيه": قد تقع بعد أداة التشبيه أمور يظن أن المقصود أمر منتزع من بعضها، فيقع الخطأ لكونه أمرا منتزعا من جميعها، كقوله:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت٣
فإنه ربما يظن أن الشطر الأول منه تشبيه مستقل بنفسه، لا حاجة به إلى الثاني، على أن المراد به ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة إليه،
стр. 242
لكن، بعد التأمل، يظهر أن مقصد الشاعر أن يثبت ابتداء مطمعا متصلا بانتهاء مؤيس، وذلك يتوقف على البيت كله.
وهذا بخلاف التشبيهات المجتمعة في نحو: محمد كالأسد، والسيف والبحر، فإن المقصد فيها التشبيه بكل واحد على حدته، حتى لو حذف بعضها، لا يتغير الباقي في إفادة معناه، بخلاف المركب، فإن المقصود يختل بإسقاط بعض الأمور، كما أنه لو قدم بعضها وأخر بعضها الآخر لا يتغير المعنى، إذ ليس لهذه التشبيهات نسق مخصوص، ولا ترتيب معين١ بخلاف المركب.
والمتعدد الحسي: كالموت والطعم والرائحة، في تشبيه النبق الكبير بالتفاح في هذه الأمور الثلاثة.
والمتعدد العقلي: كحدة النظر وكمال الحذر وإخفاء السفاد، عند تشبيه طائر بالغراب، فيما ذكر.
والمتعدد المختلف، كحسن الطلعة ونباهة الشأن عند تشبيه إنسان بالشمس، واعلم أنه قد ينتزع التشبه من نفس التضاد لاشتراك الضدين فيه، فينزل التضاد منزلة التناسب، فيشبه أحد الضدين بالآخر، للتلميح والظرافة، أو للتهكم والاستهزاء، كما يشبه بخيل بحاتم، وعي بقس في الفصاحة، كما قال الإمام المرزوقي، وفي قول شقيق الأسدي:
أتاني من أبي أنس وعيد ... فسل لغيظه الضحاك جسمي٢
إن قائل هذا البيت قصد به الاستهزاء والتلميح بما يستظرفه السامعون.
стр. 243
المبحث السادس: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى تمثيل وغيره
التمثيل تشبيه وجه منتزع من متعدد أمرين، أو أمور، كقوله:
وكأن النجوم والليل داج ... نقش عاج يلوح في سقف ساج١
فوجه الشبه هيئة مأخوذة من أشياء بيضاء مستديرة لامعة في وسط شيء أسود، وكقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٢ فقد شبهت حال المنافقين بحال من استوقد نارا إلى آخر هذه الآية، بجامع الطمع في حصول شيء بوشرت أسبابه وهيئت وسائله، ثم تلا ذلك الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب وتقويض أركانها رأسا إلى عقب، وغير التمثيل ما كان بخلاف ذلك، نحو: فلان كالسيف في المضاء.
الفرق بين التشبيه والتمثيل:
التشبيه أعم من التمثيل، فكل تمثيل تشبيه دون عكس إذ التمثيل مختص بما كان وجه الشبه فيه منتزعا من متعدد.
وللتمثيل موقعان:
١- أن يكون في مفتتح الكلام فيكون قياسا موضحا وبرهانا مصاحبا، وهو كثير جدا في القرآن الكريم نحو: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ ٣.
٢- ما يجيء بعد تمام المعاني لإيضاحها وتقريرها فيشبه البرهان الذي تثبت به الدعوى, كقول أبي العتاهية:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
تأثير التمثيل في النفس:
إذا وقع التمثيل في صدر القول بعث المعنى إلى النفس بوضوح وجلاء مؤيدا بالبرهان، وإذا أتى بعد استيفاء المعاني كان:
١- إما دليلا على إمكانها، كقول المتنبي:
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
٢- أو تأييدا للمعنى الثابت، كقوله:
ونا لو نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد
стр. 244
وهو في كلتا الحالين يكسب المعاني منقبة، ويرفع قدرها، ويجعل لها في القلوب هزة وارتياحا، فإنك إذا تأملت حالك وحال المعنى قبل التمثيل وبعده ترى بونا شاسعا ومسافة الخلاف متسعة، ألا تراك تحس الفرق بين أن تقول: أرى قوما لهم بهاء ومنظر وليس لهم مخبر، وأن تنشد قول الشاعر:
في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر١
فإن جاء في باب المدح كسا المعنى حلة من الفخامة وقضى للمادح بغر المنائح كقوله:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
وإن جاء في باب الذم كان وقعه أشد وحده، كقوله تعالى: ﴿آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ , ﴿مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ ٢.
وإن جاء في مقام الاحتجاج كان ساطع البرهان باهر البيان، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وإن جاء في مقام الوعظ كان أبلغ في التنبيه والزجر، كقوله تعالى في وصف نعيم الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ ٤.
وإن جاء في موضع الاعتذار خلب القلب وسحر اللب وسل السخيمة وأزال الموجدة والضغينة، كقول المتنبي:
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم
وهكذا حاله في كل فنون القول وضروب الكلام، ولا سيما باب الوصف، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ ٥.
وقول الشاعر:
والليل تجري الدراري في مجرته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره
стр. 245
المبحث السابع: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى مجمل مفصل
فالمجمل هو الذي لم يذكر فيه وجه الشبه، وهو قسمان:
١- ظاهر يفهمه كل أحد كأن يشبه الشيء إذا استدار بالكرة في وجه والحلقة في وجه آخر، وكقوله:
إنما الدنيا كبيت ... نسجته العنكبوت
٢- خفي لا يعرف المقصود منه ببديهة السمع، بل يحتاج إلى تأويل كقول كعب بن معدان الأشعري في وصف بني المهلب "هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها"، فهذا يحتاج إلى فضل تأمل ورفق، ولا يفهمه إلا من ارتفع عن طبقة العامة ودخل في عداد الخاصة.
ومن المجمل ما ذكر معه وصف المشبه به، كقول زياد الأعجم:
وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما تلق في البحر يغرق
أو وصفهما معا، كقول أبي تمام يمدح الحسن بن رجاء:
ستصبح العيس بي والليل عند فتى ... كثير ذكر الرضا في ساعة الغضب
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني وعاوده ظني فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب١
فقد وصف المشبه، أعني الممدوح، بأن عطاياه فائضة عليه، أعرض أو لم يعرض، ووصف المشبه، أعني الغيث، بأن يصيبك, جئته أو ترحلت عنه، والوصفان دالان على وجه الشبه، أعني الإفاضة، في حالتي الطلب وعدمه، وحالتي الإقبال عليه والإعراض عنه.
والمفصل ما ذكر٢ فيه وجه الشبه أو ذكر فيه مكان الوجه أمر يستلزمه فالأول نحو:
يا هلالا يدعي أبوه هلالا ... جل باريك في الورى وتعالى
أنت بدر حسنا وشمس علوا ... وحسام حزما وبحر نوالا
والثاني كقولهم للألفاظ إذا وجدوها لا تثقل على اللسان ولا تبعد دلالتها على معانيها, وهي كالعسل حلاوة، وكالماء سلاسة، وكالنسيم رقة.
والجامع في الحقيقة لازم الحلاوة، وهو ميل الطبع ولازم السلاسة والرقة، وهو نشاط النفس وانتعاشها.
стр. 246
المبحث الثامن: في تفسير التشبيه باعتبار الوجه إلى قريب مبتذل وبعيد غريب
فالقريب المبتذل هو ما ينتقل فيه المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق لظهور وجه الشبه بادئ ذي بدء، فيسهل تداوله بين العامة والخاصة، كما إذا نظرت إلى السيف الصقيل عند سله وبريق لمعانه، لم يتباعد عنك أن تذكر لمعان البرق.
وسبب ظهوره أحد أمرين:
١- كونه أمرا جمليا لا تفصيل فيه، فإن الجملة أسبق إلى النفس من التفصيل إذ الرؤية تصل إلى الوصف أولا على الجملة ثم يتلوها التفصيل، ألا ترى أن السمع يدرك من تفاصيل الصوت، والذوق يدرك من تفاصيل المذوق في المرة الثانية ما لا يدركه في المرة الأولى.
٢- كونه١ قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن، إما مطلقا لتكرره على الحس، كما تقدم من تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة، وإما عند حضور المشبه، لقرب المناسبة، كما تشبه الضبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل والمقدار، والجرة الصغيرة بالكوز.
стр. 247
والبعيد الغريب ما يحتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به إلى فكر ودقة نظر، لخفاء وجهه.
وسبب خفاء الوجه١ أحد أمرين:
١- كونه كثير التفصيل كما سبق من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، فإن هذه الهيئة لا تقوم في نفس الرائي المرآة الدائمة الاضطراب، إلا أن يتمهل في نظره ويستأنف التأمل مليا حتى يتجلى له وجه الشبه فيهما.
٢- ندور حضور المشبه به في الذهن، إما عند حضور المشبه لبعد المناسبة بينهما، كما في تشبيه البنفسج بنار الكبريت، وإما مطلقا لكونه وهميا كما سبق من تشبيه نصاب السهام بأنياب الأغوال، أو مركبا خياليا كما مر من تشبيه الشقيق بأعلام الياقوت المنشورة على رماح من زبرجد، أو مركبا عقليا كما في تشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا.
تنبيهات:
١- يراد بالتفصيل أن ينظر في الأوصاف واحدا فواحدا، ويفصل بعضها من بعض بعد التأمل، وينظر في الشيء الواحد لغير جهة، ويقع ذلك على ضروب، أشهرها:
أ- أن يؤخذ بعض ويترك بعض، كما فعل امرؤ القيس في قوله:
حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان٢
فقد اعتبر في اللهب والشكل واللون واللمعان، ونفى اتصاله بالدخان.
ب- أن يعتبر الجميع، كما فعل الآخر في قوله "وقدتقدم":
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا
стр. 248
فإنه قد لاحظ في الأنجم الشكل والمقدار واللون واجتماعها على مسافة مخصوص في القرب، ثم نظر إلى مثل ذلك في العنقود المنور من الملاحية.
وكلما كان التركيب "خياليا كان أو عقليا" من أمور أكثر كان التشبيه أبعد لكون تفاصيله أكثر.
٢- التشبيه البليغ هو البعيد الغريب لغرابته؛ ولأن المشيء إذا نيل بعد طول الاشتياق إليه كان نيله أحلى وموقعه من النفس ألطف، كما قال الجاحظ: يذكر ما في الفكر والنظر من الفضيلة، وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة ولذة السبع بلطع١ الدم وأكل اللحم من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه.
٣- ربما تصرف الفطن الحاذق بصنعة الكلام في القريب المبتذل فجعله بديعا نادرا وغريبا لا ترتقي إليه أفكار العامة، كأن يشترط في تمام التشبيه وجود وصف لم يكن، وانتفاء وصف قد كان ولو ادعاء، ويسمى التشبيه المشروط، وذلك على ضروب، منها:
١- أن يكون كقول المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء٢
فتشبيه الحسناء بالشمس مطروق مبتذل يستوي فيه الخاصة والعامة، لكن حديث الحياء وما فيه من الدقة والخفاء أخرجه من الابتذال إلى الغرابة وشبيه به قول أبي نواس:
إن السحاب لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيه
حتى تهم بإقلاع فيمنعها ... خوف من السخط من إجلال منشيها
٢- أن يكون كقول الوطواط:
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول٣
стр. 249
فقد شرط لتمام المماثلة بين النجوم وبينه عم مغيبها، ونظيره قول البديع الهمداني:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
٣- أن يكون كقول ابن بابك:
ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل
حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل
٤- أن يجمع بين عدة تشبيهات فيزداد بذلك لطفا وغرابة، كقوله:
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... أو فضة أو برد أو أقاح
стр. 250
المبحث التاسع: في الكلام على أدوات التشبيه
أدوات التشبيه هي: الكاف، وكأن، ومثل، ونحوها مما يفيد معنى المماثلة والمشابهة، نحو: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ... إلى آخر الآية.
ويفرق بين الكاف وكان بوجوه:
أ- أن الكاف يليها المشبه به١، وكأن يليها المشبه، نحو:
الحليم كالجبل في سكونه ... كأنك سحبان فصاحة
ب- أن الكاف تدل دائما على التشبيه، وكأن تفيد التشبيه، إذا كان خبرها جامدا أو مؤولا به، نحو:
وكأن دجلة إذ تلاطم موجها ... ملك يعظم خيفة ويبجل
وتفيد الشك إذا كان خبرها مشتقا، نحو:
كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة
جـ- التشبيه بكأن أبلغ من التشبيه بالكاف، لما فيه من التوكيد، لتركبها من: الكاف، وأن.
وقد ينوب عن الأداة ويغني عنها فعل من أفعال اليقين٢ أو الرجحان كعلم وظن وحسب، ويكون منبئا عن حال التشبيه في القرب أو البعد، ولا يعتبر أداة، بل الأداة محذوفة، كقوله:
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سجا مزردة على أقمار٣