← Баляга

Баляга · id 9997

علوم البلاغة

المراغي، أحمد بن مصطفى

Полный текст (425 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المبحث الثامن: في تفسير التشبيه باعتبار الوجه إلى قريب مبتذل وبعيد غريب فالقريب المبتذل هو ما ينتقل فيه المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق لظهور وجه الشبه بادئ ذي بدء، فيسهل تداوله بين العامة والخاصة، كما إذا نظرت إلى السيف الصقيل عند سله وبريق لمعانه، لم يتباعد عنك أن تذكر لمعان البرق. وسبب ظهوره أحد أمرين: ١- كونه أمرا جمليا لا تفصيل فيه، فإن الجملة أسبق إلى النفس من التفصيل إذ الرؤية تصل إلى الوصف أولا على الجملة ثم يتلوها التفصيل، ألا ترى أن السمع يدرك من تفاصيل الصوت، والذوق يدرك من تفاصيل المذوق في المرة الثانية ما لا يدركه في المرة الأولى. ٢- كونه١ قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن، إما مطلقا لتكرره على الحس، كما تقدم من تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة، وإما عند حضور المشبه، لقرب المناسبة، كما تشبه الضبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل والمقدار، والجرة الصغيرة بالكوز.

стр. 247

والبعيد الغريب ما يحتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به إلى فكر ودقة نظر، لخفاء وجهه. وسبب خفاء الوجه١ أحد أمرين: ١- كونه كثير التفصيل كما سبق من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، فإن هذه الهيئة لا تقوم في نفس الرائي المرآة الدائمة الاضطراب، إلا أن يتمهل في نظره ويستأنف التأمل مليا حتى يتجلى له وجه الشبه فيهما. ٢- ندور حضور المشبه به في الذهن، إما عند حضور المشبه لبعد المناسبة بينهما، كما في تشبيه البنفسج بنار الكبريت، وإما مطلقا لكونه وهميا كما سبق من تشبيه نصاب السهام بأنياب الأغوال، أو مركبا خياليا كما مر من تشبيه الشقيق بأعلام الياقوت المنشورة على رماح من زبرجد، أو مركبا عقليا كما في تشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا. تنبيهات: ١- يراد بالتفصيل أن ينظر في الأوصاف واحدا فواحدا، ويفصل بعضها من بعض بعد التأمل، وينظر في الشيء الواحد لغير جهة، ويقع ذلك على ضروب، أشهرها: أ- أن يؤخذ بعض ويترك بعض، كما فعل امرؤ القيس في قوله: حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان٢ فقد اعتبر في اللهب والشكل واللون واللمعان، ونفى اتصاله بالدخان. ب- أن يعتبر الجميع، كما فعل الآخر في قوله "وقدتقدم": وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا

стр. 248

فإنه قد لاحظ في الأنجم الشكل والمقدار واللون واجتماعها على مسافة مخصوص في القرب، ثم نظر إلى مثل ذلك في العنقود المنور من الملاحية. وكلما كان التركيب "خياليا كان أو عقليا" من أمور أكثر كان التشبيه أبعد لكون تفاصيله أكثر. ٢- التشبيه البليغ هو البعيد الغريب لغرابته؛ ولأن المشيء إذا نيل بعد طول الاشتياق إليه كان نيله أحلى وموقعه من النفس ألطف، كما قال الجاحظ: يذكر ما في الفكر والنظر من الفضيلة، وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة ولذة السبع بلطع١ الدم وأكل اللحم من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه. ٣- ربما تصرف الفطن الحاذق بصنعة الكلام في القريب المبتذل فجعله بديعا نادرا وغريبا لا ترتقي إليه أفكار العامة، كأن يشترط في تمام التشبيه وجود وصف لم يكن، وانتفاء وصف قد كان ولو ادعاء، ويسمى التشبيه المشروط، وذلك على ضروب، منها: ١- أن يكون كقول المتنبي: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء٢ فتشبيه الحسناء بالشمس مطروق مبتذل يستوي فيه الخاصة والعامة، لكن حديث الحياء وما فيه من الدقة والخفاء أخرجه من الابتذال إلى الغرابة وشبيه به قول أبي نواس: إن السحاب لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيه حتى تهم بإقلاع فيمنعها ... خوف من السخط من إجلال منشيها ٢- أن يكون كقول الوطواط: عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول٣

стр. 249

فقد شرط لتمام المماثلة بين النجوم وبينه عم مغيبها، ونظيره قول البديع الهمداني: يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا ٣- أن يكون كقول ابن بابك: ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل ٤- أن يجمع بين عدة تشبيهات فيزداد بذلك لطفا وغرابة، كقوله: كأنما يبسم عن لؤلؤ ... أو فضة أو برد أو أقاح

стр. 250

المبحث التاسع: في الكلام على أدوات التشبيه أدوات التشبيه هي: الكاف، وكأن، ومثل، ونحوها مما يفيد معنى المماثلة والمشابهة، نحو: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ... إلى آخر الآية. ويفرق بين الكاف وكان بوجوه: أ- أن الكاف يليها المشبه به١، وكأن يليها المشبه، نحو: الحليم كالجبل في سكونه ... كأنك سحبان فصاحة ب- أن الكاف تدل دائما على التشبيه، وكأن تفيد التشبيه، إذا كان خبرها جامدا أو مؤولا به، نحو: وكأن دجلة إذ تلاطم موجها ... ملك يعظم خيفة ويبجل وتفيد الشك إذا كان خبرها مشتقا، نحو: كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة جـ- التشبيه بكأن أبلغ من التشبيه بالكاف، لما فيه من التوكيد، لتركبها من: الكاف، وأن. وقد ينوب عن الأداة ويغني عنها فعل من أفعال اليقين٢ أو الرجحان كعلم وظن وحسب، ويكون منبئا عن حال التشبيه في القرب أو البعد، ولا يعتبر أداة، بل الأداة محذوفة، كقوله: قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سجا مزردة على أقمار٣

стр. 251

المبحث العاشر: في تقسيم التشبيه باعتبار الإدارة ... المبحث العاشر: في تقسيم التشبيه باعتبار الأداة ينقسم التشبيه باعتباره الأداة إلى: ١- مؤكد، وهو ما حذفت أداته، نحو: وهي تمر مر السحاب وقوله: هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقاهم بهم١ ومنه ما أضيف المشبه به إلى المشبه، كقوله: فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزده ضوء مصبح ٢- مرسل، وهو ما ذكرت فيه الأداة، نحو: كأن عيون النرجس الغض حولنا ... مداهن در حشوهن عقيق التشبيه البليغ٢: هو ما ذكر فيه الطرفان فقط وحذف منه الوجه والأداة، وسبب تسميته بذلك أن حذف الوجه والأداة يوهم اتحاد الطرفين, وعدم تفضالهما فيعلو المشبه إلى مستوى المشبه به، وهذه هي المبالغة في قوة التشبيه، أما ذكر الأداة فيفيد ضعف المشبه وعدم إلحاقه بالمشبه به، كما أن ذكر الوجه يفيد تقييد التشبيه وحصره في جهة واحدة. ومن أمثلته ما يأتي:

стр. 252

فالأرض ياقوته والجو لؤلؤه ... والنبت فيروزج والماء بلور طلعن بدورا وانقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا فاقضوا مآربكم عجالا إنما ... أعماركم سفر من الأسفار التشبيه الضمني ١: هو ما لم يصرح فيه بأركان التشبيه على الطريقة المعلومة، بل يفهم من معنى الكلام وسياق الحديث كقوله: علا فما يستقر المال في يده ... وكيف تمسك ماء قنة الجبل فإنه قد شبه الممدوح المفهوم من ضمير علا بقنة الجبل ووجه الشبه عدم استقرار شيء والأداة محذوفة، ونحوه قول المتنبي: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وقول الطغرائي: مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل٢

стр. 253

المبحث الحادي: عشر في الغرض من التشبيه الغرض من التشبيه وهو الإيضاح والبيان مع الإيجاز والاختصار يعود في الأغلب "في التشبيه غير المقلوب" إلى المشبه لوجوه، منها: ١- بيان إمكانه، إذا كان أمرا غريبا لا يمكن فهمه وتصوره إلا بالمثال، كقول البحتري: دنوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انحدار وارتفاع كذلك الشمس تبعد أن تسامي ... ويدنو الضوء منها والشعاع فحين أثبت للمدوح صفتين متناقضتين، هما القرب والبعد، وكان ذلك غير ممكن في مجرى العرف والعادة، ضرب لذلك المثل بالشمس، ليبين إمكان ما قال.

стр. 254

٢- بيان حاله، إذا كان غير معروف الصفة قبل التشبيه، كقول النابغة يمدح النعمان: كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب فالوجه عظم حال النعمان وصغر حال الملوك الآخرين إذا قيسوا به. ويكثر استعماله على هذا النحو في العلوم والفنون للإيضاح والبيان لتقريب الحقائق إلى أذهان المتعلمين، كما يقال لهم: الأرض كالكرة، والذئب كالكلب في الحجم. ٣- بيان مقدار حاله في القوة والضعف إذا كان معروف الصفة قبل التشبيه فبه يعرف مقدار نصيبه، كقول الأعشى: كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل١ ٤- تقرير حاله في نفس السامع، بإبرازها فيما هي فيه أظهر وأقوى، ويكثر في تشبيه الأمور المعنوية بأخرى تدرك بالحس كقولك للمشتغل بما لا فائدة فيه: أنت كالراقم على الماء، إذ بالتشبيه يظهر أنه قد بلغ من الخيبة أقصى الغاية وكقول المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام٢ وقوله: إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر ٥- تزيين المشبه وتحسين حاله ليرغب فيه، كقول ابن المعتز يصف الهلال: أهلا بفطر قد أثار هلاله ... فالآن فاغد على الشراب وبكر انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر٣ ٦- تشويه المشبه وذمه ليكره ويرغب عنه، نحو: كلف في شحوب وجهك يحكي ... نكتًا فوق وجنة برصاه

стр. 255

وقوله في ذم القصر: وترى أناملها دبت على أوتارها ... كخنافس دبت على أوتار ٧- استطرافه وجعله مستحدثا بديعا إما لإبرازه في صورة ما يمتنع عادة كما يشبه الجمل الموقد ببحر من المسك موجه الذهب, وإما لندور حضور المشبه به في النفس عند حضور المشبه كقولي ابن الرومي في تشبيه بنفسجة. ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها بين قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت١ قال الإمام عبد القاهر: فقد أراك شبيها لنبات غض يرف٢، وأوراق رطبة من لهب نار في جسم مستول عليه اليبس، ومبنى الطباع وموضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له كانت صيانة النفوس به أكثر, وكان الشغف به أجدر. ونحوه قول عدي ابن الرفاع يصف قرن غنان: تزجي أغن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مداها وقد يعكس التشبيه "فيجعل المشبه مشبها به وبالعكس" وعندئذ يجعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، ويشبه الزائد بالناقص للمبالغة، وإيهام أن المشبه أقوى وأتم من المشبه به في وجه الشبه، فتعود الفائدة حينئذ إلى المشبه به لا إلى المشبه، كقول محمد بن وهيب يمدح المأمون: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح٣ فقد جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأتم من غرة الصباح في الإشراق والضياء، وقوله: وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا

стр. 256

وذلك أنه لما رأى استمرار وصف الأخلاق بالضيق وبالسعة، تعمد تشبيه الأرض الواسعة بخلق الكريم بادعاء أنه في السعة أكمل من الأرض المتباعدة الأطراف، وقولهتعالى حكاية عن مستحلي الربا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ، إذ مقتضى الظاهر أن يقال: إنما الربا مثل البيع، لكنهم خالفوا ذلك ذهابا منهم إلى جعل الربا في الحل أقوى حالا من البيع. ومنه قول البحتري: في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تئنيها وقوله في وصف بركة المتوكل: كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها وكل هذا إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة، أو ادعاء بالزائد فيه فإن أريد مجرد الجمع بين شيئين في أمر جاز التشبيه، ولكن الأحسن تركه والعدول إلى التشابه ليكون كل من الطرفين مشبها ومشبها به احترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر، كما فعل أبو إسحاق الصابي في قوله: تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب فوالله ما أدري أبالخمر أسلبت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب١ ويجوز التشبيه أيضا كتشبيههم غرة الفرس بالصبح وعكسه متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه، من غير قصد، إلى المبالغة في وصف الغرة بالضياء وفرط التلألؤ، ونحو ذلك، وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة، أو الدينار الخارج من السكة، كما قال ابن المعتز: وكأن الشمس المنيرة دينا ... ر جلته حدائد الضراب وعكسه متى أريد استدارة متلألئ متضمن لخصوص في اللون، وإن عظم التفاوت بين نور الشمس ونور المرآة، والدينار وبين الجرمين، إذ ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه.

стр. 257

المبحث الثاني عشر: في أقسام التشبيه باعتبار الغرض ينقسم التشبيه باعتبار الغرض إلى: حسن وقبيح، أو: مقبول ومردود. ١- فالحسن هو الوافي١ بإفادة الغرض والمطلوب منه، وذلك هو النمط الذي تسمو إليه نفوس البلغاء، كقول امرئ القيس يصف فرسا: على الذبل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حمية على مرجل٢ وقول ابن نباتة في وصف فرس أغر أبلق: وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه وقول الآخر: نشرت إلي غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعد والموبق فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق٣ ٢- والقبيح هو ما لم يف بالغرض لعدم وجود وجه شبه بين الشبه والمشبه به، أو مع وجوده، لكن على بعد، وما أحق مثل هذا بالاستكراه والذم، وأي شيء أولى بنفور الطبع السليم منه، وذلك كقول أبي نواس يصف الخمر: وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلا من الغزل لؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذر من جبل فهذا تشبيه بعيد ركيك، غث اللفظ بشعه، فهو قد شبه الحبب بنمل صغار ينحدر من جبل، وشبيه به قول الفرزدق: يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل٤

стр. 258

فقد شبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وذلك من البعد بمكان؛ لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما فيه، فإن لون حديد الدروع أبيض، وإن أراد شيئا آخر فليس بواضح مع ما فيه من السخف، ونحوه قول المتنبي: وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان١ إذ لا مشاكلة بين لون الدم ولون النارنج. تذييل: وفيه أمران: ١- التشبيه، باعتبار المبالغة أقسام ثلاثة: أ- أعلاها ما حذف فيه الوجه والأداة، نحو: محمد أسد. ب- المتوسط في المبالغة، وهو ما حذف فيه الوجه، أو الأداة، نحو: علي كالبدر، أو: علي بدر في الحسن والبهاء. جـ- أدناها ما ذكر فيه الوجه والأداة، نحو: علي كالأسد في الشجاعة. ذاك أن القوة إما بعموم وجه الشبه ظاهرا٢، أو بحمل المشبه به على المشبه وإيهام أنه هو، فما اشتمل على الوجهين معا فهو في غاية القوة، وهو القسم الأول، وما خلا منهما معا، فلا قوة له، وهو القسم الثالث، وما اشتمل على أحدهما فقط فهو متوسط، وهو القسم الثاني. ٢- اختلف القوم في التشبيه، أيعد من المجاز أم لا؟ فأهل التحقيق قالوا: الطرفين مستعمل في موضوعه. وذهب ابن الأثير إلى أنه مجاز وحجته أن مضمر الأداة من التشبيه معدود في الاستعارة, فيجب أن يكون مظهرها كذلك, إذ لا فرق بينهما إلا بظهور الأداة وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا في المجاز لم يكن مخرج له عن سننه, كذا في "الطراز" بتصرف.

стр. 259

أثر التشبيه في النفس: قال المبرد في "الكامل" التشبيه جار كثيرا في كلام العرب حتى لو قال قائل هو أكثر كلامهم لم يبعد، قال الله وله المثل الأعلى في الزجاجة: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ١. وقال أبو هلال في "الصناعتين": التشبيه يزيد المعنى وضوحا، ويكسبه تأكيدا، ولهذا أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحد عنه. وسر هذا أن للخيال نصيبا كبيرا فيه، فهو يفتن حتى لا يقف عند غاية، وأنه يعمل عمل السحر في إيضاح المعاني وجلائها، فهو ينتقل بالنفس من الشيء الذي تجهله، إلى شيء قديم الصحبة، طويل المعرفة، وغير خاف ما لهذا من كثير الخطر، وعظيم الأثر. انظر قوله ﵇ في ذم من يعلم الخير ولا يعمل به: "مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس وهو يحترق". وإنك لترى فيه تشنيع حال من اتصف به، وكأنك تشاهد النار، وهي تعلق به وتأخذ منه بالنواصي والأقدام. وتأمل قول أبي العلاء المعري: إن الشبيبة نار إن أردت بها ... أمرا فبادره إن الدهر مطفيها تجده جعل عزيمة الشباب الوثابة المتحفزة للعمل كالنار، يمتد لهيبها، ويشتد أوارها، لكنها لا تلبث حتى تخمد جذوتها، وينطفئ ذلك اللهب المتقد، ومن ثم طلب إلى الشباب البدار إلى نيل المآرب، وعدم التواني في درك المقاصد. وإلى قول مهيار الديلمي: وبعض مودات الرجال عقارب ... لها تحت ظلماء العقوق دبيب تره صور بعض المودات بصورة عقارب، تسير في الظلماء على غير هدى، وتنفث سمومها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

стр. 260

وكلما كان عمل الخيال أكثر، كانت صورته أعجب، والنفس به أطرب، ولن نجد تلك الروعة وذاك الجمال في تشبيه المحسوسات بعضها ببعض، فتشبيه ابن المعتز للشمس بالدرهم المضروب في قوله: وكأن الشمس المنيرة دينا ... ر جلته حدائد الضراب وللهلال بالزورق من الفضة التي حمولته من عنبر في قوله: فانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر أقل جمالا من ذاك الذي تقدم، وليس له في النفس أريحية، ولا تأخذها منه هزة، والتشبيهات المستعملة، في العلوم والفنون، ما هي إلا وسيلة من وسائل الإيضاح لكشف ما يخفى من الحقائق. قال صاحب "الصناعتين": والطريق المسلوكة والمنهج القاصد في التمثيل عند القدماء والمحدثين, تشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والحسن بالشمس والقمر، والسهم الماضي بالسيف، والعالي الرتبة بالنجم، والحليم الرزين بالجبل، والقاسي بالحديد والصخر، والبليد بالجماد، واللئيم بالكلب. وشهر قوة بخصال محمودة، فصاروا فيها أعلاما، فجروا مجرى ما قدمناه كالسموءل١ في الوفاء، وحاتم في السخاء، والأحنف٢ في الحلم، وسحبان في البلاغة، وقس٣ في الخطابة، ولقمان٤ في الحكمة. وآخرون بأضدادها فشبه بهم في حال الذم، كباقل٥ في العي، وهنقة٦ في الحق، والكسعي٧ في الندم، ومادر٨ في البخل. يوجد صورة سكانر

стр. 261

تداريب وتمارين: تدريب أول: بين أركان التشبيه وأقسامه باعتبار كل منها فيما يلي: ١- تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك ٢- ولم أر مثل هالة في معد ... يشابه حسنها إلا الهلالا ٣- كأن بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر ٤- كأن سهيلا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها ٥- العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك ... والعقل للمرء مثل التاج للملك ٦- والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم ٧- وتراكضوا خيل الشباب وبادروا ... أن تسترد فإنهن عوار تدريب ثان: ١- وقصائد مثل الرياض أضعتها ... في باخل ضاعت به الأحساب ٢- انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الحندسا١ كمنجل قد صيغ من فضة ... يحصد من زهر الدجا نرجسا ٣- والدهر كالبحر لا ينفك ذا كدر ... وإنما صفوة بين الورى لمع ٤- فإذا ركبت فإنني زيد الفوارس في الجلاد ... وإذا نطقت فإنني قس بن ساعدة الإيادي٢

стр. 262

٥- والبدر في أفق السماء كغادة ... بيضاء لاحت في ثياب حداد١ ٦- والليل في لون الغراب كأنه ... هو في حلوكته وإن لم ينعب٢ ٧- قال علي كرم الله وجهه: مثل الذي يعلم الخير، ولا يعمل به، مثل السراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه. ٨ قال صاحب "كليلة ودمنة": الدنيا كالماء المالح، كلما ازددت منه شربا، ازددت عطشا. الإجابة: ١- المشبه القصائد، مفرد محسوس، المشبه به الرياض مفرد محسوس الأداة مثل، وهو تشبيه مرسل، الوجه الحسن والجمال، مجمل غير تمثل الغرض تزيين المشبه. ٢- المشبه الهلال مفرد محسوس مقيد، المشبه به المنجل مفرد محسوس مقيد، الأداة الكاف، تشبيه مرسل، الوجه إزالة شيء مظلم، مجمل غير تمثيل تزيين المشبه. ٣- المشبه الدهر مفرد معقول، المشبه به البحر مفرد محسوس، الأداة الكاف تشبيه مرسل، الوجه الكدر غالبا مجمل غير تمثيل، الغرض بيان حاله. ٤- المشبه ضمير المتكلم مفرد محسوس، المشبه به زيد الفوارس مفرد محسوس والأداة محذوفة مؤكد، الوجه الجلاد مفصل غير تمثيل، الغرض بيان حال المشبه ومثله البيت الثاني. ٥- المشبه البدر مفرد مقيد محسوس، المشبه به حسناء في ثياب حداد مفرد محسوس مقيد، الأداة الكاف مرسل، الوجه بياض يعلوه سواد مجمل غير تمثيل والغرض بيان مقدار حال المشبه به، وهو تشبيه مقلوب. ٦- المشبه ضمير الليل مفرد محسوس، المشبه به الغراب مفرد محسوس، الأداة كأن، مرسل، الوجه الحلوكة والسواد مفصل غير تمثيل، الغرض بيان مقدار حاله.

стр. 263

٧- المشبه الذي يعلم الخير ولا يعمل به مفرد مقيد محسوس، المشبه به السراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه مقيد محسوس، الأداة مثل تشبيه مرسل, الوجه نفع غيره وحرمان نفسه، مجمل غير تمثيل الغرض تقبيح حال المشبه. ٨- المشبه الدنيا مفرد محسوس، المشبه به الماء المالح مفرد مقيد محسوس، والأداة الكاف وهو تشبيه مرسل، الوجه عدم الفائدة مجمل غير تمثيل، الغرض تقبيح حال المشبه. تمرين أول: بين أركان التشبيه وأقسامه باعتبار كل فيما يلي: ١- ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار ٢- الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب ٣- كأن سماءها لما تجلت ... خلال نجومها عند الصباح رياض بنفسج خضل نداه ... تفتح فيه أنوار الأقاحي١ ٤- قال علي كرم الله وجه: إنه لم يبق من الدنيا إلا كإناخة راكب أو صر حالب. ٥- قال صابح "كليلة ودمنة": من صنع المعروف لعاجل الجزاء فهو كملقي الحب للطير لا لينفعها بل ليصيدها. ٦- فأنهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا ٧- فإن أغش قوما بعده أو أزورهم ... فكالوحوش يدنيها من الأنس المحل٢ ٨- إذا أقبلت قيس كأن عيونها ... حدق الكلاب وأظهرت سيماها٣ ٩- بفرع ووجه وقد وردف ... كليل وبدر وغصن وحقف

стр. 264

تمرين ثان: ١- قال ﵇: "أمتي كالمطر لا يدرى أوله أم آخره". ٢- ولقد ذكرتك والزمان كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق ٣- فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كف جارية ممشوقة القد ٤- كأن أثيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل١ ٥- إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير ٦- قال صاحب "كليلة ودمنة": صحبة الأشرار تورث النثر كالريح إذا مرت على المنثر حملت نتنا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا. ٧- وما منع الضغائن مثل ضرب ... ترى منه السواعد كالقلينا٢ ٨- إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران ٩- ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح

стр. 265

الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز المبحث الأول: في أقسام الحقيقة ... الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز وفيه عشرون مبحثا وتتمة. المبحث الأول: في أقسام الحقيقة الحقيقة التي نبحث عنها هنا١ ضربان: حقيقة من طريق اللغة، وحقيقة من ناحية المعنى والمعقول, بيان هذا أنا إذا وصفنا كلمة مفردة بكونها حقيقة، كما إذ أطلقنا السبع على الحيوان المعروف، واليد على الجارحة المخصوصة، كان ذلك الإطلاق حكما آتيا من ناحية اللغة، ألا ترى أنا نقول: إن المتكلم استعمل الكلمة فيما وضعت له ابتداء في اللغة، وإذا وصفنا بالحقيقة الجملة من الكلام كان ذلك الوصف آتيا من جانب المعقول دون اللغة؛ لأن الأوصاف اللاحقة للجمل من حيث إنها جمل لا يصح ردها إلى اللغة، ولا وجه لنسبتها إلى واضعها؛ لأن التأليف هو إسناد فعل إلى اسم، أو اسم إلى اسم، وذاك شيء يحصل بقصد المتكلم, فمثلا كتب لا يصير خبرا عن محمد في قولك: محمد كتب بوضع اللغة، بل بمن قصد إثبات الكتابة فعلا له، كذا في "أسرار البلاغة" بتصرف.

стр. 266

المبحث الثاني: في تعريف الحقيقة الحقيقة في اللغة فعيل بمعنى فاعل من حق الشيء إذا ثبت، أو بمعنى مفعول من حققت الشيء إذا أثبته، ثم نقل إلى الكلمة الثابتة أو المثبتة في مكانها الأصلي والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الاسمية. وقد علمت مما سبق أن الحقيقة التي نبحث عنها ضربان: حقيقة لغوية، وحقيقة عقلية. ١- فاللغوية هي الكلمة المستعملة فيما وضعت١ له في إصلاح التخاطب، فخرج بقولنا المستعملة الكلمة قبل الاستعمال، فلا تسمى حقيقة ولا مجازا، وبقولنا فيما وضعت له الغلط، نحو: خذ هذا الكتاب، مشيرا إلى مسطرة، والمجاز الذي لم يستعمل فيما وضع له، لا في اصطلاح التخاطب، ولا في غيره، كلأسد المستعمل في الرجل الشجاع؛ لأن الاستعارة وإن كانت موضوعة فوضعها تأويلي, أي: يحتاج إلى قرينة لا تحقيقي، والمفهوم من إطلاق الوضع التحقيقي وهو ما كانت الدلالة فيه بنفسه لا بقرينة، وبقولنا في اصطلاح التخاطب المجاز المستعمل فيما وضع له في اصطلاح آخر غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب كالزكاة, إذا استعملها الشرعي في النماء، فإنها تكون مجازا؛ لأنها لفظ استعمل في غير ما وضع له في اصطلاح الشرع، وهو الجزء المخصوص الذي يؤخذ من المال، ويعطى للسائل والمحروم، وإن كان مستعملا فيما وضع له في اصطلاح اللغة، فلولا هذا القيد لتناول تعريف الحقيقة والمجاز. ٢- والعقلية هي إسناد الفعل، أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر، أي: إسناد الفعل، أو ما في معناه، وهو المصدر واسم الفاعل، واسم المفعول والصفة المشبهة، واسم التفضيل والظرف، إلى ما هو له عند المتكلم فيما يفهم من ظاهر٢ حاله بألا ينصب قرينة على أنه غير ما هو له في اعتقاده، ومعنى كونه له أن حقه أن يسند إليه؛ لأنه وصف له وذلك كإسناد الفعل المبني للفاعل إلى الفاعل، وإسناد الفعل المبني للمفعول، وستأتي الأمثلة عند ذكر أقسامها، وهي أربعة: ١- ما يطابق الواقع والاعتقاد معا كقول الموحد: خلق الله العالم. ٢- ما يطابق الواقع دون الاعتقاد ولا يكاد يوجد له مثال, ومثلوا له بقول المعتزلي لمن لا يعرف حقيقة حاله وهو يخفيها عنه "خلق الله الأفعال كلها"

стр. 267

إذ هو لا يعتقد ذلك، وإنما يعتقد أن الأفعال الاختيارية مخلوقة بكسب العبد واختياره. ٣- ما يطابق الاعتقاد دون الواقع كقول الطبعي، المنكر لوجود الإله شفى الطبيب المريض، وعليه قوله تعالى، حكاية عن بعض الكفار: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١. ٤- ما لا يطابق شيئا منهما كالأقوال الكاذبة التي يكون المتكلم عالما بحالها دون المخاطب، كما تقول: سافر محمد، وأنت تعلم أنه لم يسافر، فلو علمه المخاطب كما علمه المتكلم لما تعين كونه حقيقة لجواز٢ أن يجعل المتكلم علم السامع بأنه لم يسافر قرينة على عدم إرادة ظاهرة، فلا يكون إسنادا إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر.

стр. 268

المبحث الثالث: في تعريف المجاز وأقسامه المجاز مفعل واشتقاقه من الجواز وهو التعدي من قولهم: جزت موضع كذا، إذا تعديته، سمي به المجاز الآتي بيانه؛ لأنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولا. وفي الاصطلاح قسمان: مجاز عقلي، ولغوي، والأول سنتكلم عنه بعد، والثاني ضربان: مفرد ومركب، فالمركب سيأتي بيانه. والمفرد هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب لملاحظة علاقة١ بين الثاني والأول مع قرينة٢ تمنع إرادة المعنى الأصلي، كالأسد المستعمل في الشجاع، والغيث المستعمل في النبات، فخرج بقولنا: الكلمة المستعملة قبل الاستعمال، فلا هي حقيقة ولا مجاز، وبقولنا:

стр. 269

في غير ما وضعت له الحقيقة، وبقولنا: في اصطلاح التخاطب الحقيقة التي لها معنى آخر في اصطلاح التخاطب كالزكاة إذا استعملها المتكلم باصطلاح اللغة في النماء، فإنها يصدق عليها أنها كلمة مستعملة في غير ما وضعت له لكن باصطلاح آخر، وهو اصطلاح الشرع لا اصطلاح المتكلم، وهو اللغة، فلولا هذا القيد لأمكن دخول هذه الحقيقة في تعريف المجاز، وبقولنا الملاحظة: علاقة، وهي المناسبة الخاصة بين المعنى المنقول عنه والمنقول إليه، الغلط كالكتاب إذا استعمل في المسطرة غلطا في نحو قولك: خذ الكتاب، مشيرا إلى مسطرة، فإنه ليس فيه علاقة ملحوظة، وبقولنا: مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي الكناية فإن قرينتها لا تمنع من إرادة الموضوع له. وينقسم إلى: مجاز مرسل واستعارة؛ لأن العلاقة المصححة للتجوز إن كانت غير المشابهة فمجاز مرسل، وإلا فاستعارة.

стр. 270

المبحث الرابع: في المجاز المرسل ١ هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة ومناسبة غير المشابهة كاليد إذا استعملت في النعمة، لما جرت به العادة من صدورها عن الجارحة، وبواسطتها تصل إلى المقصود بها. ويجب أن يكون في الكلام دلالة على رب تلك النعمة ومصدرها بنسبتها إليه ومن ثم لا تقول: اقتنيت يدا، ولا اتسعت اليد في المد، كما تقول: اقتنيت نعمة، وكثرت النعمة في البلد، وإنما تقول: جلست يده عندي، وكثرت أياديه لدي، أو ما شابه ذلك. ومن هذا قوله ﵇ لأزواجه: "أسرعكن لحوق بي أطولكن يدا" إذ المراد بسط اليد بالعطاء والبذل. ونظير ذلك اليد إذا استعملت في القدرة؛ لأن أجلى مظاهرها وأحكمها في اليد، ألا ترى أن بها البطش والتنكيل والأخذ والقطع والرفع والوضع، إلى غير ذلك من أفاعيلها التي ترشدك إلى وجوه القدرة ومكانها.

стр. 271

ومن هذا النمط الأصبع في قولهم لراعي الإبل إن له عليها إصبعا، أي: أثرا حسنا، كما قال الراعي يصف راعيا: ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا دلوا على أثر المهارة والحذق بالأصبع من قبل أنهما لا يظهران في عمل اليد إلا في حسن التصريف الأصابع وخفة رفعها ووضعها كما يظهر ذلك في الخط والنقش وغيرهما من دقائق الصناعات. وعلاقات هذا المجاز كثيرة، أشهرها: ١- السببية، وهي كون الشيء المنقول عنه سببا ومؤثرا في شيء آخر، نحو: رعى جواي المطر، أي: الكلأ, الحادث بالغيث. ٢- المسببية, وهي كون المنقول عنه مسببا ومتأثرا من شيء آخر، نحو: أمطرت السماء نباتا، أي: ماء، به يوجد النبات، وتناولت كأس الشفاء، أي: الدواء، وعليه قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ١، أي: مطرا يسبب الرزق، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٢، أي: سلاح يحدث القوة والمنعة. ٣- الكلية، وهي كون الشيء متضمنا لشيء آخر ولغيره، كالأصابع المستعملة في الأنامل في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ ٣، أي: رءوس أناملهم، ونحو: شربت ماء النيل، أي: بعضه، والقرينة: شربت، وسكنت مصر، أي: منزلا من منازلها، والقرينة: سكنت. ٤- الجزئية، بمعنى الشيء يتضمنه وغيره شيء آخر كإطلاق العين على الربيئة٤ لكونها هي المقصودة في كون الرجل ربيئة؛ لأن ما عداها لا يعني شيئا مع فقدها، فصارت كأنها الشخص كله، ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٥ أي: صل، وقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: لا تصل.

стр. 272

وقولهم: قال فلان اليوم كلمة نالت استحسان الجميع، أي: كلاما مفيدا وشروط هذه العلاقة أمران: أ- أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا. ب- أن يستلزم انتفاء الجزء انتفاء الكل عرفا كما في إطلاق الرقبة، أو الرأس، على الإنسان دون إطلاق الظفر أو الأذن مثلا، أو أن يكون زائد الاختصاص بالمعنى المطلوب من الكل كما في إطلاق اليد على المعطى والعين على الربيئة، أو أن يكون أشرف أجزائه، كما في إطلاق القافية على القصيدة في قول معن بن أوس: أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني١ ٥- الملزومية، وهي كون الشيء يجب عند وجوده وجود شيء آخر، كما في إطلاق الشمس على الضوء في قولك: دخلت الشمس من الكوة، والقرينة على ذلك: دخلت. ٦- اللازمية٢، وهي كون الشيء يلزم وجوده عند وجود شيء آخر، كما في إطلاق الحرارة على النار، وإطلاق الضوء على الشمس في قولك: انظر الحرارة، أي: النار، وطلع الضوء، أي: الشمس، والقرينة على ذلك: نظر وطلع. ٧- اعتبار ما كان، وهو النظر إلى الشيء بما كان عليه في الزمن الماضي، نحو: شربت بنا جيدا، تريد قهوة بن, ونحو: مشيت اليوم في شارع بلاق، تريد شارع ٢٦ يوليو قبل تغيير الاسم، وعليه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ٣، سمي الذين أمرنا بإيتائهم أموالهم حال البلوغ: يتامى، لما كانوا عليه من اليتم، ونحوه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ ٤، سماه مجرما باعتبار الدنيا، والقرينة على ذلك: شربت، واليوم، وآتوا، ويأت.

стр. 273

٨- اعتبار ما سيكون، وهو النظر إلى الشيء مما سيكون عليه في الزمن المستقبل، نحو: غرست اليوم شجرا, وأنت تعني بذورا، وطحنت خبزا، أي: قمحا، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ١ أي: صائرا إلى الكفر والفجور، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ٢ أي: عنبا يئول عصيره إلى الخمرية، والقرينة على ذلك حالية في الأولى ومقالية في الباقي، وهي طحن ويلد وأعصر. ٩- الحالية، وهي كون الشيء حالا في غيره نحو: نزلت بالقوم فأكرموني أي: بدارهم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣، أي: في الجنة التي هي محل الرحمة، والقرينة: نزل و"هم فيها خالدون". ١٠- المحلية، وهي كون الشيء يحل فيه غير، نحو: انصرف الديوان، أي: عماله، وحكمت المحكمة أي: قضاتها، وأقرت المدرسة توزيع الجوائز على النابغين أي: ناظريها، والقرينة على ذلك: انصرف، وحكمت، وأقرت. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ٤، أي: أهل النادي، وقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٥ أي: القدرة، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٦ أي: عقول، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ ٧ أي: ألسنتهم، والقرينة: انصرف وحكمت ويدعو وبيده ويفقهون ويقولون. ١١- الآلية، وهي كون الشيء آلة لإيصال أثر شيء إلى آخر، نحو: يتكلم فلان خمس ألسن، أي: خمس لغات، ونحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه﴾ ٨، أي: بلغة قومه.

стр. 274

وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ١ أي: ذكرا جميلا، والقرينة: يتكلم، وأرسلنا، واجعل. ١٢- العموم، وهو كون الشيء شاملا لكثيرين، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ ٢ أي: محمدًا ﵇، وقوله عز من قائل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ٣ يعني نعيم بن مسعود الأشجعي، والقرينة على ذلك أن الحسد ما كان إلا له، وأن القائل ما كان نعيما. ١٣- الخصوص، كإطلاق اسم الشخص على القبيلة، نحو: ربيعة، ومضر، وقريش، وتميم. ١٤- البدلية، وهو كون الشيء بدلا وعوضا من شيء آخر، نحو: قضيت الدين في موعده، أي: أديته، وفي ملك فلان ألف دينارا، أي: متاع يساوي ألفا ونحو: ﴿إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ ٤ أي: أديتم، والقرينة: في موعده في الأول وحالية في الثاني والثالث. ١٥- المبدلية، أي: كون الشيء مبدلا من شيء آخر نحو: أكلت دم القتيل أي: ديته، كما قال عروة الرحال، يخاطب امرأته متوعدا: أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر٥ ١٦- المجاورة، وهي كون الشيء يجاور غيره، فيطلق عليه اسمه كإطلاق الراوية على القربة، والثياب على النفس في قول عنترة: فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم وقد تكون المجاورة في الذكر فقط، وتسمى المشاكلة نحو: اطبخوا لي جبة وقميصا.

стр. 275

١٧- الدالية، وهي كون الشيء يدل على شيء آخر، نحو: فهمت الكتاب أي: معناه، كما قال المتنبي: فهمت الكتاب أبر الكتب ... فسمعت لأمر أمير العرب ١٨- المدلولية، وهي كون الشيء مدلولا لغيره، نحو: قرأت معناه مشغوفا بتقبيل، تريد لفظه. ١٩- إقامة صيغة مقام أخرى، وتسمى هذه العلاقة بالتعلق الاشتقاقي، ويندرج تحت هذا أنواع: أ- إطلاق المصدر على اسم المفعول نحو: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ١ أي: معلومه. ب- إطلاق اسم المفعول على المصدر، نحو: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ ٢، أي: الفتنة. جـ- إطلاق اسم الفاعل على المصدر، نحو: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ ٣، أي: تكذيب، أو على اسم المفعول نحو: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ ٤، أي: مدفوق، ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ٥، أي: لا معصوم. د- إطلاق اسم المفعول على اسم الفاعل نحو: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ٦، أي: آتيا، ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ٧ أي: ساترا. تنبيهات: ١- ليس المقصود من العلاقة إلا بيان الارتباط, فالفطن اللبيب يعرف ما يناسب كل مقام فيصح أن يعتبر في إطلاق الدال على المدلول علاقة المجاورة بأن يتخيل أن الدال مجاور للمدلول، أو علاقة الحالية نظرا إلى أن الدال محل

стр. 276

للمدلول، كما يقولون: الألفاظ قوالب المعاني، أو علاقة السببية والمسببية، أو نحو ذلك، بحسب ما يهدي إليه الذوق، ويرشد إليه الوجدان الصادق. ٢- قد يكون اللفظ الواحد صالحا؛ لأن يكون بالنظر إلى معنى واحد مجازا مرسلا واستعارة باعتبارين، فإذا جاز مراعاة علاقتين أو أكثر فالمعول عليه هو ما لاحظه المتكلم، فإن لم يعرف مقصده، صح للمخاطب أن يعتبر ما يشاء، ولكن بعد أن ينعم النظر ويرجح أكثرها قوة وأشدها ملاءمة للغرض، ومن ثمة يرجح علاقة المشابهة على غيرها، والمشابهة الحقيقية على الصورية، فمثلا المشفر إذا أطلق على شفة الإنسان، فإن لوحظ في إطلاقه عليها المشابهة في الغلظ، فهي استعارة، وإن لوحظ أنه من إطلاق اسم المقيد على المطلق كان مجازا مرسلا. ٣- قسم الإمام عبد القاهر هذا المجاز إلى قسمين: خال من الفائدة ومفيد، فالخالي منها ما استعمل في شيء بقيد مع كونه موضوعا في أصل اللغة لذلك الشيء بقيد آخر من غير قصد التشبيه كالمرسن الذي أصله للحيوان والشفة التي أصلها للإنسان، والجحفلة التي أصل وضعها للفرس، إذا استعمل شيء منها في غير الجنس الذي وضعت له، كقول العجاج: وفاحما ومرسنا مسرجا يريد أنفا كالسراج، وقول الآخر: فبتنا جلوسا لدى مهرنا ... ننزع من شفتيه الصفارا١ أما المفيد فما عدا هذا الضرب والاستعارة كما إذا قصد التشبيه في الأمثلة الماضية، كقولهم في الذم إنه لغليظ الجحافل وغليظ المشافر، فإنه بمنزلة أن يقال كأن شفتيه في الغلظ مشفر البعير، وعليه قول الفرزدق: فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي غليظ المشافر يريد: ولكنك زنجي، كأنه لا يسمو فكره إلى معرفة شرفي. ٤- يلاحظ مما سبق أن اسم العلاقة يستفاد من وصف الكلمة إلى تذكر في الجملة، فإن كانت الجزء جعلت العلاقة الجزئية، وإن كانت الكل جعلت الكلية، وهكذا.

стр. 277

أسرار البلاغة في المجاز المرسل: المجاز المرسل ضرب من التوسع أساليب اللغة, وفن من فنون الإيجاز في القول انظر قوله: كفى بالمرء عيبا أن تراه ... له وجه وليس له لسان تراه قد سلك طريقا أرشد بها السامعين إلى أن من فقد الفصاحة والبيان، فكأنه فقد اللسان جملة، وفي هذا من كمال المبالغة ما أنت تشعر به وتتذوقه. وهكذا تشاهد مثل هذا الخيال الرائع إذا أنت تأملت قوله: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا فإنك لتستبين منه أنه رعى الغيث، وكأن النبات كله ماء. وفي هذا كبير دلالة على أن النبات لا يحيا بدون الماء، وعلى أن عليه حياة الحيوان على وجه الأرض، وأنه بدونه لا يعيش. تدريب أول: بين المجاز المرسل، وعلاقته فيما يلي: ١- إن العدو وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب ٢- ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١. ٣- وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين ٤- ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا ٥- مكثنا في "النعيم المقيم". ٦- ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢. ٧- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٣. ٨- ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ ٤.

стр. 278

الإجابة: ١- في الصدور مجاز مرسل مفرد، علاقته المحلية؛ لأن الصدور محل القلوب التي تتأثر بالحقد وغيره. ٢- في الأنباء مجاز مرسل، علاقته: التعلق الاشتياقي، إذ الوعيد ليس بالنبأ بل بالمنبأ به, أي: المخبر به. ٣- في كلمة البنان مجاز علاقته الجزئية، إذ المراد الكف، وكذا في يمين علاقته السببية، إذ المراد: ليس لها وفاء بالمحلوف عليه. ٤- في دناهم مجاز مرسل علاقته المسببية إذ المراد: جاز بناهم كما في المثل كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. ٥- في كلمة يمينه، مجاز مرسل علاقته المحلية، إذ المعنى: بقوته وقدرته. ٦- في كلمة القتلى، مجاز مرسل علاقته ما سيكون، إذ المراد: فيمن سيقتلون. ٧- في كلمة نارا، مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن أكل هذه الأموال يوصل إلى النار. تدريب ثان: ١- "ذلك بما قدمت أيديهم". ٢- ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ . ٣- ناولني الطبيب جرعة الشفاء. ٤- "وجلعنا الأنهار تجري من تحتهم". ٥- بلادي وإن جارت علي عزيزة ... وأهلي وإن ضنوا علي كرام ٦- لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل١ ٧- ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ . ٨- ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .

стр. 279

تمرين أول: بين المجاز المرسل، وعلاقته، فيما يلي: ١- تنبت أرض مصر ذهبا. ٢- هذا خلق الله. ٣- ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ . ٤- حفرنا الماء "البئر". ٥- قرأت شعر أبي العلاء. ٦- ركبت القطار. ٧- ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ . ٨- يتخرج في المدرسة رجال نافعون. تمرين ثان: ١- أصدق كلمة قالها لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ٢- إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم ... حد الظبات وصلناها بأيدينا١ ٣- كفى بالمرء عيبا أن تراه ... له وجه وليس له لسان ٤- أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان ٥- ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ٦- وليست أيادي الناس عندي غنيمة ... ورب يد عندي أشد من الأسر ٧- تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل ٨- ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا بعد مربع٢ ٩- قال الحطيئة: ندمت على لسان كان مني ... فليت بأنه في جوف عكم

стр. 280

المبحث الخامس: في الاستعارة ومنزلها في البلاغة قال الإمام في "أسرار البلاغة": اعلم أن الاستعارة أمد ميدانا وأشد افتنانا وأوسع سعة وأبعد غورا وأذهب نجدا في الصناعة وغورا١ من أن تجمع شعبها وشعوبها وتحصر فنونها وضروبها، ومن خصائصها أنها تعطيك الكثير من المعاني حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعاني التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها الظنون، ا. هـ. وللاستعارة إطلاقان: ١- المعنى المصدري، وهو فعل المتكلم، أعني استعمال لفظ المشبه به في المشبه بقرينة صارفة عن الحقيقة. وأركانها بهذا المعنى ثلاثة: مستعار وهو اللفظ، ومستعار منه وهو المشبه به ومستعار له وهو المشبه. ٢- المعنى الاسمي، وهو اللفظ المستعمل في غير المعنى الموضوع له لمناسبة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه مع قرينة تصرف عن إرادة المعنى الأصلي، كقولك: رأيت أسدا، تعني رجلا شجاعا، وبحرا تريد جوادا، وشمسا تريد إنسانا مضيء الوجه متهللا، وسللت سيفا على العدو تقصد رجلا ماضيا في نصرتك. فأنت بهذا قد استعرت اسم الأسد للرجل الشجاع، فأفدت بهذه الاستعارة المبالغة في وصفه بالشجاعة وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وشدته، إلى غير ذلك من المعاني المركوزة في طبيعته الدالة على الجرأة،

стр. 281

وأفدت باستعارة البحر له سعته في الجود وفيض الكف، وباستعارة السيف له إعطائه ما لها من البهاء الحسن الذي يبهر العيون ويملأ النواظر، وباستعارة السيف له إعطائه ما له من الحدة والمضاء. وهي تشبيه حذف أحد طرفيه وأداته ووجه الشبه، لكنها أبلغ منه؛ لأننا مهما بالغنا في التشبيه فلا بد من ذكر الطرفين, وهذا اعتراف بتباينهما, وأن العلاقة بينهما ليست إلا التشابه والتداني فلا تصل حد الاتحاد، إذ جعلك لكل منهما اسما يمتاز به دليل على عدم امتزاجهما واتحادهما، بخلاف الاستعارة فإن فيها دعوى الاتحاد والامتزاج، وأن الشبه والمشبه به صار شيئا واحدا يصدق عليهما لفظ واحد، فإن قلت: رأيت بحرا يعطي البائس والمحتاج، كنت قد جعلت الجواد والبحر شيئا واحدًا حتى صح أن تسمي أحدهما باسم الآخر، ولولا ما أقمت من الدليل "القرينة" على ما تريد، لما خطر ببال المخاطب غير البحر الذي تعورف بهذا الاسم. ومن قبل هذا اشترط فيها تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلا يذكر وجه الشبه، ولا أداته، لا لفظا ولا تقديرا، كما لا يجمع فيها بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه بأن يكون المشبه به خبرا١ عن المشبه في في حكم الخبر٢ كما في بابي كان، وإن المفعول الثاني٣ في باب ظن، أوحالا٤، أو صفة٥، أو مضافا كلجين٦ الماء، أو مصدرا مبينا لنوعه٧

стр. 282

أو مبينا بالمشبة صريحا، أو ضمنا كقوله١ تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٢ فقد بين الخيط الأبيض بالفجر صريحا، وفي ضمنه تبيين الخيط الأسود بالليل، فكل هذا تشبيه محذوف الأداة. قال الإمام عبد القاهر في بيان هذا: إذا دلت القرينة على تشبيه شيء، فهذا على ضربين: ١- أحدهما أن يسقط ذكر المشبه من البين حتى لا يعلم من ظاهر الحال أنك أردته، كقولك: عنت لنا ظبية، وأنت تريد امرأة، ووردنا بحرا، وأنت تريد الممدوح، وهذا تقول: إنه استعارة ولا تتحاشى البتة. ٢- أن يكون المشبه مذكورا أو مقدرا، وحينئذ فالمشبه به إن كان خبرا أو في حكم الخبر، فالوجه أن يسمى تشبيها ولا يسمى استعارة؛ لأن الاسم إذا وقع هذه المواقع كان الكلام موضوعا لإثبات معناه لما يعتمد عليه، أو نفيه عنه فإذا قلت: زيد أسد، فقد وضعت كلامك في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد, وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة كان لإثبات شبه من الأسد له، فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه، فيكون خليقا بأن يسمى تشبيها إذا كان إنما جاء ليفيده، بخلاف الحالة الأولى، فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه للشيء، كما إذا قلت: جاءني أسد، ورأيت أسدا، فإن الكلام في ذلك موضوع لإثبات المجيء واقعا من الأسد والرؤية واقعا منك عليه لا لإثبات معنى الأسد لشيء، فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه وصار قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعلم إلا بعد الرجوع إلى شيء من النظر والتأمل. "إذا افترقت الصورتان هذا الافتراق ناسب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة بأن نسمي إحداهما تشبيها، والأخرى استعارة".

стр. 283

ثم قال: فإن أبيت إلا أن تطلق اسم الاستعارة على هذا القسم، فإن حسن دخول أدوات التشبيه لا يحسن إطلاقه، وذلك كأن يكون المشبه به معرفة كقولك: زيد الأسد، فإنه يحسن أن يقال: زيد كالأسد، وإن حسن دخول بعضها دون بعض هان الخطب في إطلاقه، وذلك كأن يكون نكرة غير موصوفة كقولك: زيد أسد، فإنه لا يحسن أن يقال: زيد كأسد، ويحسن أن يقال: كأن زيد أسدا، ووجدته أسدا، وإن لم يحسن دول شيء منها إلا بتغيير صورة الكلام كان إطلاقه أقرب لغموض تقدير أداة التشبيه فيه، وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بما لا يلائم المشبه به كقولك: هو بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب، وكقوله: شمس تألق والفراق غروبها ... عنا وبدر والصدود كسوفه فإنه لا يحسن دخول الكاف ونحوه في شيء من هذه الأمثلة إلا بتغيير صورته كقولك: هو كالبدر إلا أنه يسكن الأرض، وكالشمس إلا أنه لا تغيب, وكالشمس المتألقة إلا أن الفراق غروبها، وكالبدر إلا أن الصدود كسوفه. انتهى بتصرف واختصار كثير. والتشبيه الذي يجب تناسيه هو الذي من أجله وقعت الاستعارة لا كل تشبيه فليس بمحظور أن تقول: رأيت أسدا في الحمام مثل الفيل في الضخامة، ولا: جاورت ليثا كأنه بحر متلاطم الأمواج. ومن اشتراط ادعاء دخول المشبه في المشبه به يتضح لك أن لا بد أن يكون المشبه به كليا كاسم الجنس وعلم الجنس، فلا تتأتى الاستعارة في الأعلام الشخصية لعدم تصور الشركة فيها حتى يمكن ادعاء دخول شيء في حقائقها إلا إذا تضمنت أوصافا بها يصح أن تعتبر كأنها أجناس كتضمن حاتم الجود، ومادر البخل، وقس الفصاحة، وباقل العي والفكاهة، فتقول: رأيت اليوم حاتما أو قسا، وتدعي كلية حاتم، أو قس، ودخول المشبه في جنس الجواد والفصيح، حتى كأن حاتما موضوع لمن اتصف بالجود سواء أكان هو ذلك الطائي المشهور أم غيره، وإن كان إطلاقه على الطائي حقيقة وعلى غيره ادعاء، وكذا القول في قس، وكل ما كان من هذا الضرب فسبيله هذه السبيل.

стр. 284

المبحث السادس: في الاستعارة أمجاز لغوي هي أم مجاز عقلي يرى الجمهور أن الاستعارة مجاز لغوي وأيده الإمام في "أسرار البلاغة"، وحجتهم على ذلك أنا إذا أجرينا اسم الأسد على الرجل الشجاع، فإننا لا ندعي فله صورة الأسد وشكله وعبالة عنقه ومخالبه، ونحو ذلك من الأوصاف الظاهرة التي تبدو للعيون وتشاهد بالحواس، وإنما ندعي له ذلك من أجل اختصاصه بالشجاعة التي هي من أخص أوصاف الأسد وأمكنها. ومن الجلي الواضح أن اللغة لم تضع الاسم لها وحدها، بل لها في مثل تلك الجثة وهاتيك الصورة والهيئة، ولو كانت وضعته للشجاعة وحدها لكان صفة لا اسما، ولكان كل شيء يبلغ في شجاعته إلى هذا الحد جديرا بهذا الاسم على جهة الحقيقة، لا على طريق التشبيه والتأويل. ويرى آخرون أنها مجاز عقلي بمعنى أن التصرف١ فيها في أمر عقلي لا لغوي واختاره الإمام في "دلائل الإعجاز" ودليلهم على ذلك أنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به؛ لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر تستحق هذا الاسم, ولما كان الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ لأنه لا بلاغه في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه. وإذا كان نقل الاسم تبعا لنقل المعنى كان مستعملا فيما وضع له، ومن ثم صح التعجب في قول ابن العميد٢ يصف غلاما له جميلا: قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس كما صح النهي عنه في قول الحسن بن طباطبا:

стр. 285

يا من حكى الماء فرط رقته ... وقلبه في قساوة الحجر يا ليت حظي كحظ ثوبك من ... جسمك يا واحدًا من البشر لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر١ فلولا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقي لما كان لهذا التعجب وجه، إذ ليس ببدع ولا منكر أن يظلل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهج الشمس بشخصه، ولولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقيا لما كان للنهي عن التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي لا إنسانا بلغ الغاية في الحسن. وأنت إذا أنعمت النظر رأيت حجة الجمهور دامغة وأنها أحرى بالقبول، بيان هذا أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يخرجه عن كونه مستعملا في غير ما وضع له، وأما صحة التعجب والنهي عنه فلبناء الاستعارة على تناسي التشبيه, وادعاء أن المشبه به عين المشبه حتى تتم المبالغة، إذ من الواضح أن أسدا في قولك: رأيت أسدا، مستعمل في الشجاع، والمعنى الموضوع له الأسد الحقيقي لا الادعائي، فكأنك ادعيت أن للأسد صورتين، إحداهما متعارفة, وهي التي لها الإقدام والبطش في الهيئة المعروفة للحيوان المعروف، وثانيتهما غير متعارفة وهي التي لها الجرأة والقوة، لكن لا مع تلك الصورة، بل مع صورة أخرى على النحو الذي ادعاه المتنبي في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حين يقول: نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال مستشهدا لدعواه بما يتخيل عرفا من نحو حكمهم إذا رأوا إنسانا لا يقاومه أحد، إنه ليس بإنسان، وإنما هو أسد، أو هو أسد في صورة إنسان. والقرينة التي تنصب في الكلام تنفي المتعارف الذي يسبق إلى الفهم، وهو المعنى الأول، وتعين ما أنت تستعمل له الأسد، وهو ثاني المعنيين. "تنبيه" الفرق بين الاستعارة والكذب من وجهين: أ- بناء الدعوى فيها على التأويل أي: تأويل دخول المشبه في جنس المشبه به. ب- نصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها، أما الكاذب فيتبرأ من التأويل، ويركب كل صعب وذلول لترويج ما يدعيه وإيهام أن ليس الحق إلا ما يقول ولا ينصب دليلا على خلاف ما يزعم، وعلى هذا فليس ببدع أن تقع في كلام الله تعالى وكلام رسوله.
следующие страницы →