وأفدت باستعارة البحر له سعته في الجود وفيض الكف، وباستعارة السيف له إعطائه ما لها من البهاء الحسن الذي يبهر العيون ويملأ النواظر، وباستعارة السيف له إعطائه ما له من الحدة والمضاء.
وهي تشبيه حذف أحد طرفيه وأداته ووجه الشبه، لكنها أبلغ منه؛ لأننا مهما بالغنا في التشبيه فلا بد من ذكر الطرفين, وهذا اعتراف بتباينهما, وأن العلاقة بينهما ليست إلا التشابه والتداني فلا تصل حد الاتحاد، إذ جعلك لكل منهما اسما يمتاز به دليل على عدم امتزاجهما واتحادهما، بخلاف الاستعارة فإن فيها دعوى الاتحاد والامتزاج، وأن الشبه والمشبه به صار شيئا واحدا يصدق عليهما لفظ واحد، فإن قلت: رأيت بحرا يعطي البائس والمحتاج، كنت قد جعلت الجواد والبحر شيئا واحدًا حتى صح أن تسمي أحدهما باسم الآخر، ولولا ما أقمت من الدليل "القرينة" على ما تريد، لما خطر ببال المخاطب غير البحر الذي تعورف بهذا الاسم.
ومن قبل هذا اشترط فيها تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلا يذكر وجه الشبه، ولا أداته، لا لفظا ولا تقديرا، كما لا يجمع فيها بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه بأن يكون المشبه به خبرا١ عن المشبه في في حكم الخبر٢ كما في بابي كان، وإن المفعول الثاني٣ في باب ظن، أوحالا٤، أو صفة٥، أو مضافا كلجين٦ الماء، أو مصدرا مبينا لنوعه٧
стр. 282
أو مبينا بالمشبة صريحا، أو ضمنا كقوله١ تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٢ فقد بين الخيط الأبيض بالفجر صريحا، وفي ضمنه تبيين الخيط الأسود بالليل، فكل هذا تشبيه محذوف الأداة.
قال الإمام عبد القاهر في بيان هذا: إذا دلت القرينة على تشبيه شيء، فهذا على ضربين:
١- أحدهما أن يسقط ذكر المشبه من البين حتى لا يعلم من ظاهر الحال أنك أردته، كقولك: عنت لنا ظبية، وأنت تريد امرأة، ووردنا بحرا، وأنت تريد الممدوح، وهذا تقول: إنه استعارة ولا تتحاشى البتة.
٢- أن يكون المشبه مذكورا أو مقدرا، وحينئذ فالمشبه به إن كان خبرا أو في حكم الخبر، فالوجه أن يسمى تشبيها ولا يسمى استعارة؛ لأن الاسم إذا وقع هذه المواقع كان الكلام موضوعا لإثبات معناه لما يعتمد عليه، أو نفيه عنه فإذا قلت: زيد أسد، فقد وضعت كلامك في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد, وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة كان لإثبات شبه من الأسد له، فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه، فيكون خليقا بأن يسمى تشبيها إذا كان إنما جاء ليفيده، بخلاف الحالة الأولى، فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه للشيء، كما إذا قلت: جاءني أسد، ورأيت أسدا، فإن الكلام في ذلك موضوع لإثبات المجيء واقعا من الأسد والرؤية واقعا منك عليه لا لإثبات معنى الأسد لشيء، فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه وصار قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعلم إلا بعد الرجوع إلى شيء من النظر والتأمل.
"إذا افترقت الصورتان هذا الافتراق ناسب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة بأن نسمي إحداهما تشبيها، والأخرى استعارة".
стр. 283
ثم قال: فإن أبيت إلا أن تطلق اسم الاستعارة على هذا القسم، فإن حسن دخول أدوات التشبيه لا يحسن إطلاقه، وذلك كأن يكون المشبه به معرفة كقولك: زيد الأسد، فإنه يحسن أن يقال: زيد كالأسد، وإن حسن دخول بعضها دون بعض هان الخطب في إطلاقه، وذلك كأن يكون نكرة غير موصوفة كقولك: زيد أسد، فإنه لا يحسن أن يقال: زيد كأسد، ويحسن أن يقال: كأن زيد أسدا، ووجدته أسدا، وإن لم يحسن دول شيء منها إلا بتغيير صورة الكلام كان إطلاقه أقرب لغموض تقدير أداة التشبيه فيه، وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بما لا يلائم المشبه به كقولك: هو بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب، وكقوله:
شمس تألق والفراق غروبها ... عنا وبدر والصدود كسوفه
فإنه لا يحسن دخول الكاف ونحوه في شيء من هذه الأمثلة إلا بتغيير صورته كقولك: هو كالبدر إلا أنه يسكن الأرض، وكالشمس إلا أنه لا تغيب, وكالشمس المتألقة إلا أن الفراق غروبها، وكالبدر إلا أن الصدود كسوفه. انتهى بتصرف واختصار كثير.
والتشبيه الذي يجب تناسيه هو الذي من أجله وقعت الاستعارة لا كل تشبيه فليس بمحظور أن تقول: رأيت أسدا في الحمام مثل الفيل في الضخامة، ولا: جاورت ليثا كأنه بحر متلاطم الأمواج.
ومن اشتراط ادعاء دخول المشبه في المشبه به يتضح لك أن لا بد أن يكون المشبه به كليا كاسم الجنس وعلم الجنس، فلا تتأتى الاستعارة في الأعلام الشخصية لعدم تصور الشركة فيها حتى يمكن ادعاء دخول شيء في حقائقها إلا إذا تضمنت أوصافا بها يصح أن تعتبر كأنها أجناس كتضمن حاتم الجود، ومادر البخل، وقس الفصاحة، وباقل العي والفكاهة، فتقول: رأيت اليوم حاتما أو قسا، وتدعي كلية حاتم، أو قس، ودخول المشبه في جنس الجواد والفصيح، حتى كأن حاتما موضوع لمن اتصف بالجود سواء أكان هو ذلك الطائي المشهور أم غيره، وإن كان إطلاقه على الطائي حقيقة وعلى غيره ادعاء، وكذا القول في قس، وكل ما كان من هذا الضرب فسبيله هذه السبيل.
стр. 284
المبحث السادس: في الاستعارة أمجاز لغوي هي أم مجاز عقلي
يرى الجمهور أن الاستعارة مجاز لغوي وأيده الإمام في "أسرار البلاغة"، وحجتهم على ذلك أنا إذا أجرينا اسم الأسد على الرجل الشجاع، فإننا لا ندعي فله صورة الأسد وشكله وعبالة عنقه ومخالبه، ونحو ذلك من الأوصاف الظاهرة التي تبدو للعيون وتشاهد بالحواس، وإنما ندعي له ذلك من أجل اختصاصه بالشجاعة التي هي من أخص أوصاف الأسد وأمكنها.
ومن الجلي الواضح أن اللغة لم تضع الاسم لها وحدها، بل لها في مثل تلك الجثة وهاتيك الصورة والهيئة، ولو كانت وضعته للشجاعة وحدها لكان صفة لا اسما، ولكان كل شيء يبلغ في شجاعته إلى هذا الحد جديرا بهذا الاسم على جهة الحقيقة، لا على طريق التشبيه والتأويل.
ويرى آخرون أنها مجاز عقلي بمعنى أن التصرف١ فيها في أمر عقلي لا لغوي واختاره الإمام في "دلائل الإعجاز" ودليلهم على ذلك أنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به؛ لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر تستحق هذا الاسم, ولما كان الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ لأنه لا بلاغه في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه.
وإذا كان نقل الاسم تبعا لنقل المعنى كان مستعملا فيما وضع له، ومن ثم صح التعجب في قول ابن العميد٢ يصف غلاما له جميلا:
قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس
كما صح النهي عنه في قول الحسن بن طباطبا:
стр. 285
يا من حكى الماء فرط رقته ... وقلبه في قساوة الحجر
يا ليت حظي كحظ ثوبك من ... جسمك يا واحدًا من البشر
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر١
فلولا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقي لما كان لهذا التعجب وجه، إذ ليس ببدع ولا منكر أن يظلل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهج الشمس بشخصه، ولولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقيا لما كان للنهي عن التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي لا إنسانا بلغ الغاية في الحسن.
وأنت إذا أنعمت النظر رأيت حجة الجمهور دامغة وأنها أحرى بالقبول، بيان هذا أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يخرجه عن كونه مستعملا في غير ما وضع له، وأما صحة التعجب والنهي عنه فلبناء الاستعارة على تناسي التشبيه, وادعاء أن المشبه به عين المشبه حتى تتم المبالغة، إذ من الواضح أن أسدا في قولك: رأيت أسدا، مستعمل في الشجاع، والمعنى الموضوع له الأسد الحقيقي لا الادعائي، فكأنك ادعيت أن للأسد صورتين، إحداهما متعارفة, وهي التي لها الإقدام والبطش في الهيئة المعروفة للحيوان المعروف، وثانيتهما غير متعارفة وهي التي لها الجرأة والقوة، لكن لا مع تلك الصورة، بل مع صورة أخرى على النحو الذي ادعاه المتنبي في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حين يقول:
نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال
مستشهدا لدعواه بما يتخيل عرفا من نحو حكمهم إذا رأوا إنسانا لا يقاومه أحد، إنه ليس بإنسان، وإنما هو أسد، أو هو أسد في صورة إنسان.
والقرينة التي تنصب في الكلام تنفي المتعارف الذي يسبق إلى الفهم، وهو المعنى الأول، وتعين ما أنت تستعمل له الأسد، وهو ثاني المعنيين.
"تنبيه" الفرق بين الاستعارة والكذب من وجهين:
أ- بناء الدعوى فيها على التأويل أي: تأويل دخول المشبه في جنس المشبه به.
ب- نصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها، أما الكاذب فيتبرأ من التأويل، ويركب كل صعب وذلول لترويج ما يدعيه وإيهام أن ليس الحق إلا ما يقول ولا ينصب دليلا على خلاف ما يزعم، وعلى هذا فليس ببدع أن تقع في كلام الله تعالى وكلام رسوله.
стр. 286
المبحث السابع: في قرينة الاستعارة
الاستعارة نوع من المجاز، فلا بد لها من قرينة تفصح عن الغرض، وترشد إلى المقصود، ويمتنع معها إجراء الكلام على حقيقته، وهي قسمان:
١- حالية، تفهم من سياق الحديث، نحو: رأيت قسا يخطب.
٢- مقالية، سوءا أكانت معنى١ واحدا، نحو: يرمي بالسهام، من قولك: لرأيت أسدا يرمي بالسهام، أو أكثر، نحو:
فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في إيماننا نيرانا٢
فكل من العدل والإيمان باعتبار تعلق الإعاقة به قرينة على أن الغرض من النيران السيوف، إذ هو دليل على أن جواب الشرط محذوف، يقدر بنحو: تحاربون أو تلجئون إلى الطاعة.
أو معاني ملتئمة، مربوطا بعضها ببعض، بحيث تكون كلها قرينة، لا كل واحد منها، كما في قول البحتري:
وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤوس الأقران خمس سحائب
فإذا نظرت إلى ما صنع رأيته قد استعار السحائب الخمس لأنامل يمين الممدوح كما هي عادتهم في تشبيه الجواد بالبحر الخضم طورا، وبالسحاب الهطال طورا آخر، وتخيل لما أراد" فذكر أن هناك صاعقة وبين أنها من نصل سيفه"، ثم قال إنها على رءوس الأقران تفتك بهم، ثم قال: خمس، وهي عدد أنامل اليد، فاستبان للسامع من كل هذا غرضه، واتضح له مقصده.
стр. 287
المبحث الثامن: في انقسام الاستعارة إلى عنادية ووفاقية
تنقسم الاستعارة باعتبار الطرفين إلى قسمين:
١- وفاقية، وهي التي يمكن اجتماع طرفيها المستعار منه والمستعار له في شيء واحد، وسميت بذلك لما بين طرفيها من الوفاق.
٢- عنادية، وهي التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، وسميت بذلك لتعاند الطرفين، وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ١ أي: من كان ضالا فهديناه، استعير الإحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشيء حيا للهداية التي هي الدالة على الطريق الموصل إلى المطلوب، والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما إذ لا يوصف الميت بالضلال.
ومن العنادية الاستعارة التهكمية والتمليحية٢، وهما ما نزل فيهما التضاد منزلة التناسب لأجل التهكم والاستهزاء، أو لأجل الملاحة والظرافة، نحو: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣ استعيرت للبشارة، وهي الخبر بما يسر للإنذار الذي هو ضدها بإدخاله في جنس البشارة هزؤ وسخرية بهم، ونظيره كلمة نعاتبه في قول بشار:
إذا الملك الجبار صعر خده ... أتينا إليه بالسيوف نعاتبه٤
والتحية في قول عمرو بن معد يكرب "تحية بينهم ضرب وجيع" والثواب في قولهم ما ثوابه إلا السيف.
ومنها أيضا استعارة اسم الموجود للمعدوم الذي بقيت آثاره الجميلة أو المعدوم أو لا شيء للموجود، إذا لم تنتج منه فائدة، ولم يحل منه بطائل من قبل أنه شارك المعدوم في عدم غنائه ونفعه كما قال أبو تمام:
هب من له يريد حجابه ... ما بال لا شيء عليه حجاب
стр. 288
المبحث التاسع: في انقسامها باعتبار الجامع إلى داخل وخارج
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع وهو الوجه الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه إلى قسمين:
١- ما يكون الجامع فيها داخلا في مفهوم الطرفين كاستعارة النثر لإسقاط المنهزمين وتفريقهم في قول أبي الطيب:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم١
إذ النثر أن تجمع أشياء في كف أو وعاء، ثم يقع فعل تتفرق معه دفعة من غير ترتيب ولا نظام، وقد استعاره لما يتضمنه ذلك التفرق على الوجه المخصوص وهو ما اتفق من تساقط المنهزمين في الحرب دفعة بلا ترتيب ولا نظام، ونسبه إلى الممدوح؛ لأنه سببه.
٢- ما لا يكون داخلا في مفهومها، كقولك: وردت بحرا يتهلل وجهه، وأنت تريد إنسانا جوادا، فالجامع، وهو الجود، غير داخل في مفهومها.
стр. 289
المبحث العاشر: في انقسامها باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع إلى:
١- عامية مبتذلة لاكتها الألسن لظهور الجامع فيها، كقولك: رأيت شمسا ووردت بحرا، وأنت تعني إنسانا جميل المحيا وجوادا كريما.
٢- خاصية غريبة وهي التي لا يظفر بها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كقول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل١
انظر تر عجبا، ألا تراه قد استعار الاقتيات لإذهاب الرحل شحم السنام، وساعده التوفيق فيما عناه من قبل أن كان الشحم مما يصلح للقوت، وأن الرحل أبدا ينتقص منه ويذيبه.
والغرابة على ضروب، منها:
١- أن تكون في الشبه نفسه، كما في قول يزيد بن مسلمة عبد الملك يصف فرسا له بالأدب:
عودته فيما أزور حبائي ... إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر٢
فقد شبه٣ هيئة وقوع العنان في موقعه من قربوس السرج ممتدا إلى جانبي فم الفرس بهيئة وقوع الثوب في موقعه من ركبتي المحتبي ممتدا إلى جانبي ظهره، ثم استعار الاحتباء وهو جمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره لوقوع العنان في قربوس السرج، فجاءت الاستعارة غريبة كما ترى لغرابة الشبه.
٢- أن تحصل بتصرف الاستعارة العامية، كقول ابن المعتز:
سألت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير٤
فهذا تشبيه معروف، لكنه تصرف فيه بأن أسند الفعل إلى الشعاب دون ووجوههم، وعدى الفعل إلى ضمير الممدوح بعلى، فأفاد اللطف والغرابة من حيث أبان أن الشعاب امتلأت من الرجال وغصت بها من كان ناحية وجانب.
٣- أن تحصل بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل، كقول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
فقد أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له اسم الصلب وجعله متمطيا لما هو مشاهد من أن كل ذي صلب يزيد طوله شيئا ما عند التمطي، ثم ثنى واستعار الإعجاز لثله وبطء سيره، وبالغ في ذلك حتى جعل بعضها يردف بعضا، ثم ثلث فاستعار الكلكل لمعظم الليل ووسطه آخذا له من كلكل البعير, وهو ما يعتمد عليه إذا برك، وزاده مبالغة بأن جعله ينوء ويثقل، لما في الليل من التعب والنصب على كل قلب ساهر، وبذا تم له ما أراد من تصوير الليل بصورة البعير على أبلغ وجه وأدقه.
стр. 290
المبحث الحادي عشر: في انقسامها باعتبار الطرفين والجامع
تنقسم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع إلى ستة١ أقسام:
١- استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، نحو: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ ٢ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ استعير الموجان وهو حركة الماء للاضطراب والاختلاط الناشئين عن الحيرة والجامع بينهما الحركة الشديدة والاضطراب.
٢- استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، نحو: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٣ فالمستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة الضوء عن ظلمة الليل وملقى ظله وهما حسيان، والجامع بينهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر كترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وإزالته وترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء٤ عن مكان الليل، وهذا الترتب أمر عقلي.
٣- استعارة محسوس لمحسوس والجامع مختلف بعضه حسي وبعضه عقلي، كما تقول: رأيت شمسا، وأنت تريد إنسانا كالشمس في حسن الطلعة، وهو حسي، ونباهة الشأن ورفعة القدر، وهي عقلية.
٤- استعارة معقول لمعقول، نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٥.
стр. 291
استعير الرقاد وهو النوم للموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والجميع عقلي، ونظيره: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ١، فقد استعير الغيظ للحالة المتوهمة للنار، لإرادة الانتقام من العصاة.
٥- استعارة محسوس لمعقول، نحو: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ٢ فقد استعير صدع الزجاجة، وهو كسرها، وهذا حسي لتبليغ الرسالة بجامع التأثير٣، وهما عقليان.
ونحوه: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ٤، فقد استعير النبذ، وهو إلقاء الشيء، باليد للأمر المتناسي حاله، والجامع عدم العناية فيهما.
٦- استعارة معقول لمحسوس، نحو: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ ٥، فقد استعير الطغيان، وهو التكبر والعلو لظهور الماء وكثرته، والجامع الخروج عن حد الاعتدال والاستعلاء المفرط، فالمستعار منه والجامع عقليان.
стр. 292
المبحث الثاني: عشر في تقسيم الاستعارة إلى مصرحة ومكنية
تنقسم الاستعارة باعتبار ذكر المشبه به أو ذكر ما يخصه إلى قسمين:
١- مصرحة أو مصرح بها أو تصريحية، وهي ما صرح فيها بلفظ المشبه به كقول شوقي:
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان
شبهت الدلالة بالقول بجامع إيضاح المراد وإفهام الغرض في كل منهما واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من القول بمعنى الدلالة قائل بمعنى دال على طريق الاستعارة التصريحية، والقرينة نسبة القول إلى الدقات، ونظيره قول الوأواء الدمشقي:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد
стр. 293
شبه الدموع باللؤلؤ، والعيون بالنرجس، والخدود بالورد، والأنامل بالعناب، والأسنان بالبرد، وقول الحريري:
فزحزحت شفقا غشى سنا قمر ... وتساقطت لؤلؤا من خاتم عطر١
٢- مكنية، وهي ما حذف فيها المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه، نحو: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ٢، شبه الذل بطائر بجامع الخضوع واستعير الطائر للذل، ثم حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الجناح للذل استعارة تخييلية، وهي قرينة المكنية، ويجعل الطائر مستعارا للمخاطب "أي: للولد في معاملة والديه" والأصل واخفض لهما جناحك ذلا، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وقول الكميت:
خفضت لهم مني جناحي ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
ونحو: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ٤ قال في "الكشاف": ساغ استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكنوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرموزا إليه بذكر شيء من روادفه, فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه، ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، فقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، ا. هـ.
"تنبيه" علمت أن إثبات اللازم كالجناح للذل أو للمخاطب بلين الجانب للوالدين، والمأمور أن يذل لهما، وإثبات النقض للعهد يسمى استعارة تخييلية، وهي قرينة الاستعارة المكنية، وسمي ذلك الإثبات استعارة لأجل أن متعلقة وهو الأمر المختص بالمشبه به قد استعير ونقل عما يناسبه، واستعمل مع ما شبه
стр. 294
بأصله, وتخيليه لأن متعلقة وهو الأمر المختص بالمشبه به لما نقل عن ملائمة وأثبت للمشبه، صار يخيل إلى السامع أن المشبه من جنس المشبه به.
وهو حقيقة لاستعماله فيما وضع له، ألا ترى أن الجناح استعمل في حقيقته وإنما النجور في إثباته فهو مجاز عقلي في الإثبات، كما سيأتي، لا مجاز لغوي وهكذا يقال في نظائره.
ومن حيث إنها قرينة المكنية، فهي لازمة لها، لا تفارقها، إذ لا استعارة بدون قرينة، هذا إذا كان لازم المشبه به واحدا، فإن تعددت اللوازم جعل أقوالها وأبينها لزوما قرينة لها، وما عداه ترشيحا وتقوية لها، كما ستعرف ذلك بعد.
стр. 295
المبحث الثالث عشر: في مذهب السكاكي والخطيب القزويني في المكنية
...
المبحث الثالث عشر: في مذهب السكاكي والخطيب القزويني في المكتبة
مذهب السكاكي أن المكنية لفظ المشبه المستعمل في المشبه به بادعاء أن المشبه عين المشبه به, وإنكار أن يكون غيره بقرينة ذكر اللازم، فالذل عنده في المثال السابق مراد به الطائر بادعاء أنه عينه بقرينة إضافة الجناح الذي هو من خواص الطائر ولوازمه إليه، وليس المراد من الذل عنده مجرد الخضوع حتى يكون مستعملا في معناه الحقيقي، بل الذل المفروض أنه عين الطائر، وهو غير الموضوع له.
والجناح استعارة تخيلية بمعنى أن لفظ الجناح استعير عنده لأمر تخيلي وهمي؛ لأنه لما استعمل الذل في الخضوع المتحد مع الطائر ادعاء، أخذ الوهم يخترع له صورة مثل صورة الجناح، واستعار لفظ الجناح لذلك، ولا يخفى ما في هذا من التعسف.
وذهب الخطيب إلى أنها التشبيه المضمر في النفس والإثبات تخييل، فأخرجها من المجاز، أعني الكلمة المستعملة، إلخ.. إذ التشبيه فعل من أفعال النفس، فكل من الجناح والذل مستعمل في معناه الحقيقي عنده.
وقال سعد الدين التفتازاني: وتفسير الاستعارة بذلك لا مستند له في كلام السلف ولا هو مبني على مناسبة لغوية.
стр. 296
المبحث الرابع عشر: في تقسيم الاستعارة التصريحة لدى السكاكي إلى تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما
...
المبحث الرابع عشر: في تقسيم الاستعارة التصريحية لدى السكاكي إلى تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما
تنقسم الاستعارة المصرحة عند السكاكي إلى ثلاثة أقسام:
١- تحقيقية، وهي ما كان المستعار له فيها محققا حس أو عقلا بأن كان اللفظ منقولا إلى أمر معلوم يمكن الإشارة إليه إشارة حسية، أو عقلية، فالأولى كقول زهير في معلقته يمدح حصين بن ضمضم:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظافره لم تقلم
والثاني نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ١، فقد استعير في الأول الأسد للرجل الشجاع، وهو محقق حسا، وفي الثاني الصراط لملمة الإسلام، وهي محققة عقلا.
٢- تخييلية، وهي ما كان المستعار له فيها غير محقق لا حسا ولا عقلا بل هو صورة وهمية محصنة لا يشوبها شيء من التحقيق نحو قول الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال أخذ الوهم يصور المنية بصورة السبع ويخترع لوازمه لها فاخترع لها مثل صورة الأظفار، ثم أطلق على هذه الصورة لفظ الأظفار، فتكون الأظفار عنده تصريحية تخييلية؛ لأن المستعار له الأظفار صورة وهمية شبيهة بصورة الأظفار الحقيقية، وقرينتها إضافتها إلى المنية، والتخييلية عنده قد تكون بدون استعارة بالكناية كقولك: أظفار المنية الشبيهة بالسبع قتلت فلانا، فقد صرح بالتشبيه فلا مكنية في المنية مع كون الاستعارة في الاستعارة تخييلية.
٣- محتملة للتحقيقية والتخييلية كقول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطلة ... وعرى أفراس الصبا ورواحله٢
الصحو خلاف السكر استعارة للسلو استعارة تصريحية تبعية، وأقصر باطلة
стр. 297
أي: أقلع عنه وامتنع والمراد انتهى ميله، والتعرية الإزالة يريد أنه ترك ما كان يرتكبه زمن الحب من الجهل والغي وأعرض عن معاودة ما كان منصرف إليه من اللهو فبطلت الآلات التي كان يستعملها.
فقد شبه الصبا بجهة من جهات المسير كالحج والتجارة، قضى منها حاجاته، فبطلت آلاته تشبيها مضمرا في النفس واستعارة الجهة للصبا وحذفها ورمز إليها بشيء من لوازمها وهي الأفراس والرواحل، فالجهة هي المكنية عند الجمهور، وإثبات الأفراس والرواحل لها تخيليية، والأفراس والرواحل مستعملان في حقيقتهما عندهم أيضا، أما عند السكاكي فيجوز أن تكون الأفراس والرواحل استعارة تحقيقية إن أراد بها دواعي النفس وشهواتها والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات، أو أريد بها أسباب اتباع الغي من المال والأعوان لتحقق معناها عقلا إن أريد منها الدواعي، أو حسا إن أريد منها الأسباب، وعلى هذا فالمراد بالصبا زمان الشباب، ويجوز أن تكون تخييلية إن جعلت الأفراس والرواحل مستعارة لأمر وهمي تخيل للصبا من الصبوة وهو الميل إلى الجهل والفتوة.
стр. 298
المبحث الخامس عشر: في انقسامها إلى أصلية وتبعية
تنقسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار قسمين:
١- أصلية، وهي ما يكون اللفظ المستعار فيها اسم جنس، وهو الذات الصالحة لأن تصدق على كثيرين ولو تأويلا نحو أسد، وقتل إذا استعير للشجاع والضرب الشديد، ونحو: حاتم وقس من قولك: رأيت اليوم حاتما، وسمعت اليوم قسا يخطب، ومثلهما كل ما شاكلهما من الأعلام التي اشتهرت مسمياتها بوصفية.
وإجراء الاستعارة في مثل هذا أن يقال شبه الرجل الشجاع بالأسد بجامع الشجاعة في كل، واستعير لفظ الأسد الشجاع على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، وشبه الرجل الكريم بحاتم بجامع الكرم في كل، واستعير لفظ حاتم للكريم استعارة تصريحية أصلية.
٢- تبعية، وهي ما يكون المستعار فيها:
١- فعلا ٢- اسما مشتقا ٣- حرفا.
فالأول، نحو: عضنا الدهر بنابه، فقد وقع المصائب بالعض بجامع الإيلام
стр. 299
في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من العض بمعنى الإيلام عض بمعنى آلم على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
هذا إذا كان التجوز في الفعل باعتبار حدثه، فإن كان باعتبار زمانه كان التغاير بين المصدرين باعتبار القيدين نحو: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ١، أي: ينادي فيقال شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي بجامع تحقق وقوعها, ثم استعير لفظ النداء في الماضي للنداء في المستقبل, واشتق منه نادى بمعنى ينادي على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
والثاني نحو: جليل عملك ناطق بفضلك، شبهت الدلالة بالنطق بجامع إفهام الغرض في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه واشتق من النطق بمعنى الدلالة ناطق بمعنى دال على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، ونحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٢، فالمرقد مكان الرقاد استعير للقبر بجامع خفاء الأثر في كل، ثم اشتق من الرقاد بمعنى الموت مرقد بمعنى مكان الموت وهو القبر استعارة تصريحية تبعية.
والثالث، نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٣، فقد شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب العلة الغائية عليه بجامع مطلق ترتب شيء على شيء فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعيرت اللام الموضوعة لكل جزئي من جزئيات العلة الغائية كالمحبة والتبني للام التي تدل على العداوة والحزن استعارة تصريحية تبعية، وإلى هذا يشير قول الزمخشري: معنى التعليل في اللام وارد على طريق المجاز؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله.
ثم قال: وهذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل، كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد، ا. هـ.
стр. 300
ونحوه قوله عز اسمه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ١، شبه مطلق استعلاء بمطلق ظرفية بجامع التمكن في كل، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعير لفظ "في" الموضوع لجزئي من جزئيات الظرفية لمعنى على الموضوع للاستعلاء على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومدار قرينة الاستعارة التبعية في الأفعال والصفات المشتقة منها على نسبتها إلى الفاعل نحو: نطقت الحال بكذا، أو إلى المفعول الأول كقول ابن المعتز:
جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
فالذي دل على استعارة قتل وأحيا، إنما إسنادهما إلى البخل والسماح، إذ لو قال: قتل الأعداء وأحيا الأحياء، لم يكن هناك سبيل للاستعارة فيهما، أو إلى المفعول الثاني، كقول القطامي:
لم تلق قوما هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي
نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد ٢
فإسناد القرى إلى اللهذميات قرينة على أن نقريهم استعارة، أو إلى المفعولين الأول والثاني، كقول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا٣
فإن تعلق أقوى بكل من المسامع والبيان دليل على أنه استعارة، أو إلى المجرور، نحو: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤، فذكر العذاب دليل على أن بشر استعارة تبعية تهكمية.
"تنبيهات" أولها: كما تكون المصرحة أصلية وتبعية تكون المكنية كذلك٥.
ثانيها: إنما سميت الاستعارة في القسم الثاني تبعية؛ لأنها تبعية لاستعارة أخرى إذ هي في المشتقات تابعة لجريانها في المصدر أولا، كما أن معاني الحروف جزئية لا تتصور الاستعارة فيها إلا بواسطة كلي مستقل بالمفهومية ليتأتى كونها مشبها ومشبها بها فلا بد من إجراء التشبيه أولا في متعلق معاني الحروف، ثم تتبعها الاستعارة في المعاني الجزئية.
ثالثها: قال السكاكي: لو لم يجعلوا في الفعل والحرف استعارة تبعية بل جعلوا في مدخولهما استعارة مكنية بقرينتهما كما فعلوا في: أنشبت المنية أظفارها، لكان أقرب للضبط.
стр. 301
المبحث السادس عشر: في تقسيمها إلى مرشحة ومجردة ومطلقة
تنقسم الاستعارة باعتبار اقترانها بما يلائم المستعار منه أو المستعار له أو عدم اقترانها بما يلائم أحدهما إلى ثلاثة أقسام: مرشحة ومجردة ومطلقة:
١- فالمرشحة هي التي تقترن بما يلائم المستعار منه، كما تقول: رأيت في الميدان أسدًا دامي الأنياب طويل البراثن، وكما قال كثير عزة:
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقب جارح١
فقد استعار السهم للنظر بجامع التأثير في كل ثم رشح الاستعارة بذكر الريش الملائم للسهم، وكما قال ابن هانئ المغربي:
وجنيتم ثم الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
٢- والمجردة هي التي تقترن بما يلائم المستعار له كما تقول: رأيت أسدًا في حومة الوغى يجندل الأبطال بنصله ويشك الفرسان برمحه، وكما قال كثير يمدح عمر بن عبد العزيز:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال٢
стр. 302
فقد استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون عرضه كما يصون الرداء ما يلقى عليه من مكروه والقرينة تتمة البيت، ثم وصفه بالغمر الذي هو وصف للمعروف لا للرداء على سبيل التجريد.
٣- والمطلقة هي التي لم تقترن بصفة معنوية ولا تفريغ يلائم أحد الطرفين، والفرق بينهما أن الملائم إن كان من تتمة الكلام الذي فيه الاستعارة فهو الصفة، كما في قوله: تبسم ضاحكا، وإن كان كلاما مستقلا جيء به بعد تمام الاستعارة وبني عليها فهو التفريغ، نحو: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ١، بعد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ ٢.
"تنبيهات" أولها: أنه إذا اجتمع الترشيح والتجريد كانت الاستعارة في حكم المطلقة كقول زهير:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
فشاكي السلاح هو حادة تجريد؛ لأنه يناسب المشبه وهو الشجاع، والمقذف إن أريد به في الوقائع والحروب كان تجريدا أيضا، وإن أريد به المرمى باللحم كناية عن عظم الجثة والضخامة، لم يكن لا تجريدا ولا ترشيحا؛ لأنه يلائم كلا منهما، وله لبد وهي الشعر المتراكم بين كتفي الأسد ترشيح، وكذلك أظفاره لم تقلم؛ لأن الأسد الحقيقي هو الذي ليس من شأنه تقليم الأظفار، والقرينة كلمة لدى، أو القرينة حالية، ولدى تجريد إذ التجريد أو الترشيح إنما يكون بعد تمام الاستعارة بقرينتها، ولذا لا تسمى قرينة الاستعارة التصريحية تجريدا ولا قرينة المكنية ترشيحا.
ثانيها: الترشيح أبلغ٣ وأقوى من الإطلاق والتجريد، لاشتماله على تقوية المبالغة وكمالها، فإن المحور الذي يدور عليه الترشيح إنما هو تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه هو المشبه به نفسه، وكأن الاستعارة غير موجودة، ألا ترى أن الناثر أو الشاعر يجد في إنكارها، ويخيل إلى السامع أن الأمر على ما يقول حقيقة، ومن ثم وضع أبو تمام كلامه في علو المنزلة والرقي في خلال الشرف وضعه في علو المكان حين يقول:
стр. 303
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السما
فلولا أنه قصد تناسي التشبيه وعقد العزيمة على جحده ولم يأل جهدا في إنكاره فجعله صاعدا في السماء حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام وجه.
ونحوه قول بشار:
أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا
وقول المتنبي:
كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق
ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد
ومن هذا ما سبق من التعجب والنهي عنه، وإذا جاز البناء على المشبه به مع الاعتراف بالمشبه١ في نحو قول العباس بن الأحنف:
هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا
فلأن يجوز مع جحده وإنكاره في الاستعارة أولى.
ثالثها: المطلقة أبلغ من المجردة؛ لأن التجريد يذكر بالتشبيه، فيضعف دعوى الاتحاد:
стр. 304
المبحث السابع عشر: في حسن الاستعارة وقبحها
لا تحسن الاستعارة ولا تقع الموقع الملائم إلا إذا حازت الشروط الآتية:
١- رعاية حسن التشبيه١، إذ هو أساسها الذي تبنى عليه، خلا أنه مما يستملح هنا قوة الشبه بين الطرفين بعكس باب التشبيه، ومن ثمة تحسن الاستعارة فيما يقوي فيه الشبه بينهما بحيث يصير الفرع كأنه الأصل، ولا يحسن التشبيه، ألا ترى أن الرجل يقول إذا فهم مسئلة: حصل في قلبي نور، ولا يقول: كأن العلم الذي حصل في قلبي نور، ويقول لمن أوقعه في شبهة: أوقعتني في ظلمة، ولا يقول: كأن الشبهة التي أوقعتني فيها ظلمة.
стр. 305
٢- غرابة وجه الشبه ولطفه وكثرة التفصيل فيه وبعده من الابتذال وعدم خفائه إلى الغاية حتى لا يكون تعمية وألغازا، ومن ثم لا يحسن استعارة الأسد لإنسان أبخر لخفاء وجه الشبه في مجرى العادة في مثل هذا.
٣- ألا يشم منها رائحة التشبيه لفظا، ومن ثم ضعفت الاستعارة في قوله: قد زر أزراره على القمر١.
٤- بعدها عن الحقيقة بترشيحها تقوية لدعوى الاتحاد فيها، ومن أجل هذا قدمت المرشحة على المطلقة والمجردة في اعتبار البلغاء، فإن خلت الاستعارة مما سبق ذكره انحطت رتبتها واستهجنت كقول أبي نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
يريد أن المال تظلم من إهانته إياه بتمزيقه بالعطايا، وهذا معنى حسن، لكن العبارة عنه قبيحة لا تروق في نظر البلغاء ويأباها ذوو الفطر السليمة٢.
وقوله أيضا وهو أسخف من الأول:
ما لرجل المال أضحت ... تشتكي منك الكلالا
فأين هذا من قول مسلم بن الوليد في هذا المعنى:
تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما
وقول أبي تمام:
بلوناك أما كعب عرضك في العلا ... فعال وأما خد مالك أسفل
مراده أن عرضك مصون ومالك مبتذل، لكنه قد ساقه مستكرها، وأخرجه مخرجا مستهجنا، وكقول بشار:
وجذت رقاب الوصل أسياف هجرنا ... وقدت لرجل البين نعلين من خدي
قال في "العمدة": فما أهجن رجل البين وأقبح استعارتها ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها، وكذلك رقاب الوصل.
стр. 306
أسرار البلاغة في الاستعارة:
الاستعارة بجميع ضروبها وتعدد مذاهبها وشعوبها، أعلى مرتبة من التشبيه، وأقوى في المبالغة منه، لما فيها من تناسي التشبيه، وادعاء الاتحاد بين المشبه والمشبه به، كأنهما شيء واحد، يطلق عليهما لفظ واحد، انظر إلى قول المتنبي:
ترنو إلي بعين الظبي مجهشة ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم١
تراه وقد تمثلت له محبوبته ظبية تنظر إليه وهي حيرى تمسح طلا فوق خدها بأصابعها وهي كالعنم لينا وحمرة، واختبأ عن عينيه مظهر التشبيه، وظهر له ذلك بمظهر الحقيقة، ورأيته وقد سما به الخيال فرأى الطل يسقط على الورد، فهل يؤدي التشبيه مثل هذا؟ وهل تصل فيه المبالغة إلى ما تصل إليه الاستعارة؟ فهبه قال: تمسح الدموع التي تشبه الطل والخدود التي هي كالورد والأصابع التي تشبه العنم، أتراه يصل إلى مثل ما قال؟ إنك لتحس بأن هذا أدنى من المعنى المجازي وأقل منه مبالغة، فإن في التشبيه جمعا بين المشبه والمشبه به، وهذا إقرار بأنهما متقاربان، وتأمل قول أبي الحسن التهامي:
يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
يتبين لك فيه صورة النجوم وقد أفلت بعد طلوعها، وكواكب الأسحار وقد غادرت بعد ظهورها.
وقد استعمل العرب الاستعارة في كلامهم تقريبا للمعنى إلى ذهن السامع، واستثارة لخياله واختلابا للبه، ليقنع بما يقال له ويلقي في روعه.
تدريب أول:
اجعل التشبيهات الآتية استعارة مصرحة أو مكنية مع بيان القرينة:
١- استذكرت كتابا كالصديق في المؤانسة.
٢- اللسان كالسيف في الإيذاء.
٣- انتثرت في السماء نجوم كالدرر.
٤- في البحر سفن كالجبال في العلو.
стр. 307
٥- على الأشجار بلابل كالقيان في حسن الصوت.
٦- في الغرفة ثريات كهربائية كالشمس في الإضاءة.
٧- الكتاب صديق.
٨- لفلانة أسنان كالبرد في البريق واللمعان.
٩- علي كالغيث في العطاء.
١٠- هند كالبدر في الحسن والبهاء.
الإجابة:
استعارة تصريحية/ القرينة
١- استذكرت صديقا مطبوعا/ استذكرت
٢- احذر سيفا بين فكيك/ بين فكيك
٣- انتثرت درر في السماء/ في السماء
٤- رأيت جبالا تمخر في الحبار/ تمخر في البحار
٥- صدحت قيان على الأشجار/ على الأشجار
٦- في الغرفة شموس مغلقة بالزجاج/ في الغرفة
٧- عندي صديق في القمطر/ في القمطر
٨- في فم فلانة برد منضد/ في فم
٩- رأيت غيثا يعطي الدراهم والدنانير/ يعطي الدراهم
١٠- طلع علينا بدر بين أترابه/ بين أترابه
استعارة مكنية/ القرينة
١- استذكرت كتابا مؤنسا/ مؤنسا
٢- احذر اللسان الغضب/ الغضب
٣- نثرت نجوم مثقوبات في السماء/ مثقوبات
٤- رأيت سفنا تتوجها الثلوج/ تتوجها الثلوج
٥- صدحت بلابل تعزف بألحان مطربة/ تعزف بألحان
٦- في الغرفة ثريات تشرق وتغرب/ تشرق وتغرب
стр. 308
٧- عندي كتاب حميم/ حميم
٨- لفلان أسنان يقدر قيمتها الجوهري/ يقدر قيمتها الجوهري
٩- رأيت هندا تتلألأ بين أترابها/ تتلألأ
تدريب ثان:
أجر الاستعارة فيما يلي وبين نوعها وقرينتها:
١-
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر
٢- ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
٣-
إذا انتضل القوم والأحاديث لم يكن ... عيبا ولا ربا على من يقاعد
٤-
فسمونا والفجر يضحك ... في الشرق إلينا مبشرا بالصباح
٥-
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نكل
٦-
سأبكيك للدنيا وللدين إنني ... رأيت يد المعروف بعدك شلت
الإجابة:
١- في فاضت العيون وضحكت الأحاديث استعارتان، إما تصريحيتان أو مكنيتان، فعلى الأول يقال: شبه نزول الماء متدفقا بفيضان النهر بجامع الكثرة في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من الفيضان بمعنى صب الماء الكثير فاض بمعنى صب على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، ودما تجريد؛ لأنها تناسب العيون، وشبهت المسرة والابتهاج بالضحك بجامع أريحية النفس في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من الضحك بمعنى السرور ضحك بمعنى سر على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية والقرينة حالية، وعلى الثاني يقال: شبهت العيون بالأنهار بجامع جريان الماء الكثير من كل, واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو فاض على طريق الاستعارة المكنية الأصلية، والقرينة نسبة الفيضان إلى العيون وهي الاستعارة التخييلية ودما تجريد أيضا، وشبهت الأحاديث بناس فرحين بجامع الأريحية والسرور لكل عند حصول ما يسر، واستعير اللفظ
стр. 309
الدال على المشبه به للمشبه، وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو ضحك على طريق الاستعارة المكنية الأصلية المطلقة.
٢- شبه مطلق ارتباط بين متلبس بالضلالة ومتلبس به بمطلق ارتباط بين ظرف ومظروف بجامع التمكن في كل، فسرى التشبيه من الكليين "مطلق الارتباط" إلى الجزئيات "معاني الحروف" فاستعيرت "في" من الظرفية الحقيقية للظرفية المعنوية على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة على ذلك كلمة الضلال.
٣- شبهت الأحاديث بالسهام بجامع التأثير ومباراة المتحادثين كما يتبارى الرماة في كل منهما، ثم استعير لفظ السهام للأحاديث وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو انتضل على سبيل الاستعارة المكنية، وكلمة عيبا تجريد؛ لأنها تناسب الأحاديث.
٤- شبه الفجر بإنسان يبتسم، فتظهر أسنانه مضيئة لامعة بجامع البريق واللمعان، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذفه وأشار إليه بشيء من لوازمه، وهو يضحك على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الضحك للفجر استعارة تخييلية.
٥- في كلمة على استعارة تصريحية تبعية، فقد شبه مطلق ارتباط بين متلبس ومتلبس به بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعل عليه بجامع التمكن والاستقرار في كل، ثم استعيرت على من جزئي من جزئيات الأول الجزئي من جزئيات الثاني على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
٦- شبه المعروف بإنسان له يد تعطي، والجامع البذل والعطاء في كل منهما استعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذفه ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليد على سبيل المكنية الأصلية المرشحة بكلمة شلت وإثبات اليد للمعروف استعارة تخييلية.
تمرين أول:
أجر الاستعارة وبين نوعها وقرينتها فيما يلي:
١-
سقاه الردى إذ سل أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كل مرقب
٢-
عوى الشعراء بعضهم لبعض ... على فقد أصابهم انتقام
стр. 310
٣-
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا١
٤- ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ٢,
٥- ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ٣.
٦- ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ٤
٧-
والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض إلا بكئوس الشقيق
تمرين ثان:
١- ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ٥.
٢- ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ ٦.
٣-
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبان
٤-
لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا ... ولا ينال العلا من قدم للحذرا
٥-
وما هي إلا خطرة ثم أقلعت ... بنا على شطوط الحي أجنحة السفن
٦-
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا
٧- قال علي بن أبي طالب: "الدنيا من أمسى فيها على جناح أمن، أصبح فيها على قوادم خوف".
تمرين ثالث:
١-
شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبنا
٢-
جاء النسيم إلى الغصون رسولا ... ومشى يجر على الرياض ذيولا
٣-
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
٤-
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
٥-
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
٦-
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
٧-
وليلة بت أسقي في غيابها ... راحا تسل شبابي مريد الهرم
ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم
стр. 311
المبحث الثامن عشر: في المجاز المركب
المجاز المركب هو اللفظ المركب المستعمل قصدا وبالذات في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، فخرج بقولنا قصدا، وبالذات ما إذا تجوز بجزء من أجزاء المركب، فإنه قد استعمل مجموعة في غير ما وضع له، وليس ذلك مجازا مركبا.
وهذا المجاز قسمان:
أ- ما كانت علاقته غير المشابهة وهو المجاز المرسل المركب، وهو أنواع:
١- المركبات الخبرية المستعملة في المعاني الإنشائية، إما للتحسر وإظهار الحزن، نحو:
ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فأين منه المهرب
وإما للدعاء، نحو: وفقك الله, نجح الله مقاصدنا.. إلى غير ذلك من المقاصد التي يستعمل فيها الخبر ويكون غير مراد به الفائدة ولا لازمها، والعلاقة في مثل هذا اللازمية، إذ يلزم من الأخبار بذهاب الشيء المحبوب كالشباب مثلا التحسر عليه، وهكذا يقال في نظائره والقرينة حالية.
٢- المركبات الإنشائية المستعملة في المعاني الخبرية، نحو قوله ﵇: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" , بمعنى يتبوأ، والعلاقة في نحو هذا السببية؛ لأن إنشاء المتكلم هذه الجملة سبب لإخباره بما تتضمنه، قال العيني في شرح البخاري: فليتبوأ أمر من النبوء وهو اتخاذ المباءة والمنزل، وظاهره أمر ومعناه خبر.
٣- الجمل الإنشائية، فعلية كانت أو اسمية المأتي بها، لما يتولد منها من إنكار ونحوه، والعلاقة في نحو هذا المجاورة، نحو: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ ١.
стр. 312
ب- ما كانت علاقته المشابهة بين الهيئة المستعار منه والهيئة المستعار لها بأن تشبه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين وأمور بالأخرى، ثم يدعي أن الصورة المشبهة من جنس الصورة المشبهة بها فيطلق على الصورة المشبهة اللفظ الدال بالمطابقة على الصورة المشبه بها مبالغة في التشبيه، كما كتب الوليد بن يزيد لما بويع بالخلافة إلى مروان بن محمد حينما بلغه توقفه في البيعة له.. أما بعد: فإن أراك تقدم رجلا وتؤخر١ أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد علي أيهما شئت والسلام، فقد شبهت صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا وتارة لا يريد فيؤخرها مرة أخرى، وكما يقال لمن يعمل فيما لا يجدي: أراك تنفخ في غير فحم، وأراك تخط على الماء، يراد أنه في عمله كمن يفعل ذلك.
وهذا القسم يسمى استعارة تمثيلية٢ واستعارة على سبيل التمثيل وتمثيلا على سبيل الاستعارة أو تمثيلا فقط، ويمتاز عنها التشبيه المركب بأن يقال له: تشبيه تمثيل أو تشبيه تمثيلي.
وإذا اشتهرت الاستعارة التمثيلية وكثر استعمالها سميت مثلا ولا يغير مطلقا محافظة على الاستعارة فيخاطب به المفرد والمذكر وفروعهما بطريقة واحدة٣ كقولهم: أحشفاء وسوء كيلة٤، يضرب مثلا لمن يظلم من جهتين، وبيان الاستعارة في مثل هذا أن يقال: شبهت هيئة من يظلم من جهتين بهيئة رجل اشترى من آخر تمرا رديئا وطفف له المكيال بجامع الظلم من جهتين واستعير التركيب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، وهكذا يقال في سائر الأمثال
стр. 313
النثرية والنظمية نحو: إن البغاث بأرضنا يستنسر١، ما يوم حليمة بسر٢.
وقولهم:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
تنبيه:
هذه الاستعارة أبلغ أنواع المجاز مفردا ومركبا، إذ مبناها تشبيه التمثيل، وقد عرفت دقة مسلكه من قبل أن وجه الشبه فيه يكون هيئة منتزعة من أشياء متعددة، فالاستعارة المبنية عليه تكون أدق أنواع الاستعارات إذ من الصعوبة بمكان أن تعمد إلى صورتين مركبتين من أجزاء عدة فتحاول الربط بينهما, وتحصر جهات اتحادهما وتشبه إحداهما بالأخرى فلا يخفى ما أنت محتاج إليه في المهارة حينئذ، كما لا ينكر الأثر الذي تراه في مخاطبك إذا أدليت إليه في معرض كلامك بمثل، فكم تجد لديه من الأريحية، وكيف يغني إيجاز المثل عن الشرح والإسهاب؟
تدريب:
بين أنواع المجاز المركب فيما يلي:
١- افعل ما بدا لك، تقوله تهديدا لمخاطبك.
٢- أنت تصرخ في واد، تقول ذلك لمن يعمل ما لا فائدة فيه.
٣- لك الحمد والشكر، تقول ذلك بعد الأكل مثلا.
٤- أهذا الذي أطنبت في مدحه، تقول ذلك متهكما.
٥- سلام على الدنيا إذا لم يكن بها صديق صدوق يصدق الوعد منصفا.
٦- أخذت من شبابي الأيام وتولى الصبا ﵇.
الإجابة:
١- في هذا المركب مجاز مرسل مركب علاقته المجاورة، فقد استعمل الأمر في التهديد لا في الطلب.
٢- في هذا المركب استعارة تمثيلية، فقد شبهت صورة من يعمل ما لا فائدة
стр. 314
فيه بصورة من يصرخ في واد بجامع عدم الفائدة في كل، واستعير المركب الدال على هيئة المشبه به لهيئة المشبه على طريق الاستعارة التمثيلية:
٣- في هذا المركب مجاز مرسل، علاقته السببية؛ لأنه استعمل الخبر في الإنشاء لإرادة الدعاء.
٤- في هذا المركب مجاز، علاقته المجاورة؛ لأنه استعمل الاستفهام في التهكم.
٥- استعمل هذا المركب في إنشاء التحسر والأسف على فقدان الصديق، مجازا مرسلا، علاقته السببية.
٦- هذا المركب كسابقه.
تمرين:
بين نوع المجاز المركب، واذكر علاقته فيما يلي:
١- ومن قصد البحر استقل السواقيا، يقال لمن يطمح إلى العظيم ولا يرضى.
٢- تلدغ العقرب وتصيء١، يقال للظالم يشكو كأنه مظلوم.
٣-
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
٤- ليس التكحل في العينين كالكحل، يقال لمن يتكلف ما ليس من طبعه.
٥-
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
٦-
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع؟
стр. 315
المبحث التاسع عشر: في المجاز بالحذف ١ أو الزيادة
كما توصف الكلمة بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي، كما تقدم، كذلك توصف بالمجاز بطريق الاشتراك اللفظي إذا تغير حكم إعرابها الأصلي بواسطة حذف لفظ أو زيادته.
فالحذف كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢، إذ الأصل أهل القرية، فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل هو الجر فحذف المضاف وأعطى المضاف إليه إعرابه، ونظيره "وجاء ربك" أي: أمر ربك.
والحكم بالحذف يكون لأحد أمرين:
١- لأمر يرجع إلى غرض٣ المتكلم، نحو: سل القرية، ألا ترى أنك لو قرأته أو سمعته في غير التنزيل لم تقطع بأن هنهنا محذوفا، إذ من المحتمل أن يكون كلام رجل مر على قرية خربت وباد أهلها، فأراد أن يقول مذكرا نفسه أو صاحبه على سبيل العظة والاعتبار: سل القرية عن أهلها وقل لها ماذا صنعوا، كما قال الرقاشي: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا.
٢- لأن الكلام لا يصح بدون المحذوف، كما إذا حذف أحد جزأي الجملة، نحو: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ .
والزيادة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤، أي: ليس مثله شيء، فإعراب مثله في الأصل النصب، فلما زيدت الكاف سار جرا.
ونحوه: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ ٥. وقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
يريد: ثم السلام عليكما.
ومما تقدم تعلم أن الحذف والزيادة إذا لم يوجبا تغير الإعراب لا توصف الكلمة من أجلهما بالمجاز، نحو: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٦، إذ الأصل: أو كمثل ذوي صيب، فحذف ذوي لدلالة يجعلون أصابعهم على هذا المحذوف، وحذف لفظ مثل لدلالة قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ٧ عليه، ونحوه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٨.
стр. 316
المبحث العشرون: في المجاز العقلي أو المجاز الحكمي ١
هذا ضرب آخر من الاتساع والتجوز، غير ما قدمنا لك الكلام عليه، فإن ما مضى كانت تذكر فيه الكلمة ولا يراد معناها, ولكن ما هو ردف للمعنى أو شبيه به، فالتجوز كان يكون في اللفظ نفسه.
أما ما هنا فإن الكلمة متروكة على ظاهرها ومعناها مقصود في نفسه، وإنما التجوز في حكم يجري عليها، كقولهم: نام ليلي، وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، ففي هذا مجاز لكنه ليس في ذوات الألفاظ، فإن الليل والتجارة مستعملان في حقيقتهما، بل في أن جعلتهما فاعلين لنام وربح.
ومن هذا تفهم ما قالوه في تعريف هذا المجاز بأنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الظاهر من حال المتكلم لملابسة مع قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له، وما في معنى الفعل هو المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، ومعنى كونه غير ما هو له أنه ليس من حقه أن يسند إليه؛ لأنه ليس يوصف له، ومعنى الملابسة العلاقة.
وهذا التعريف يشمل إسناد الفعل المبني للفاعل وما في حكمه كاسم الفاعل إلى غير فاعله كالمفعول والمصدر والزمان والمكان والسبب مما له علاقة بالفاعل، وإسناد الفعل المبني للمفعول وما في حكمه كاسم المفعول إلى غير نائب الفاعل مما له علاقة به، كالفاعل والمصدر ونحوهما، وإيضاح هذه العلاقات مما يلي:
١- إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول نحو: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ٢، و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ .
стр. 317
وقول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقد أسند راضية ودافق وطاعم وكاس وهي مبنية للفاعل إلى ضمير لعيشة مع أن الراضي صاحبها وكذلك الماء مدفوق والشخص مطعوم مكسو.
٢- إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل نحو: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ١، وسيل مفعم٢؛ لأن الوعد آت والسيل مفعم أي: مالئ.
٣- إسناد الفعل إلى المصدر، نحو قول أبي فراس:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقد أسند الجد إلى الجد، أي: الاجتهاد، وهو ليس بفاعل له بل فاعله الجاد وفاصله جد الجاد جدا، أي: اجتهد اجتهادا، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد وأسند الفعل إلى الجد.
٤- الإسناد إلى الزمان، نحو: نهاره صائم، وليله قائم، وقوله:
هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
فقد أسند الصوم إلى النهار والقيام إلى الليل والإساءة والسرور إلى الزمان، وكل هذه أزمنة للأفعال لا واقعة منها.
٥- الإسناد إلى المكان: نحو: ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ ٣، فقد أسند الجري إلى الأنهار، وهي أمكنة للمياه وليست هي الجارية بل الجاري ماؤها، ونحوه بيت ساكن.
٦- الإسناد إلى السبب، نحو:
إني لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا؟
فقد نسب الإفناء إلى قول الشجعان: هل من مدافع، وليس ذلك القول بفاعل ولا بمؤثر وإنما هو سبب فقط.
стр. 318
وقد يجيء١ هذا المجاز في النسبة الإضافية بأن يضاف إلى ملابس ما هو له نحو: جري الأنهار، ومكر الليل، وغراب البين، فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز علاقته المكانية، والمكر إلى الليل مجاز علاقته الزمانية، والبين إلى الغراب مجاز علاقته السببية على النحو الذي يزعمون.
قال الشاعر:
مشائين ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
كما قد يجيء في النسبة الإيقاعية بأن يوقع الفعل على ملابس ما هو له كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ٢، وكما جاء في جميع ما مضى في الإثبات، فقد جاء أيضا في النفي، كقوله عز وعلا: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ٣، أي: خسرت٤، ونحو: ما نام ليلي، أي: سهر: ونحو: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، أي: بما تكره.
أقسامه، باعتبار الطرفين طرفا هذا المجاز، وهما المسند إليه والمسند، إما:
١- حقيقتان، نحو: وشيب أيام الفراق مفارقي.
٢- وإما مجازان نحو: أحيا الأرض شباب الزمان، إذ المراد بإحياء الأرض إحداث النضارة والخضرة فيها مما ينتج عن تهيج القوى المنمية فيها، كما أن المراد من شباب٥، الزمان ابتداء حرارته وازدياد قواه.
٣- وإما مختلفان، نحو: أهلك الناس الدينار والدرهم، فقد جعلته الفتنة إهلاكا، ثم أثبت الإهلاك فعلا للدينار والدرهم.
ونحو قول أبي الطيب:
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا
стр. 319
فقد جعل الزيادة والوفور حياة للمال وتفريقه في العطاء قتلا له، ثم أثبت الإحياء فعلا للصوارم والقتل فعلا للتبسم، مع أن كلا منهما لا يصح منه الفعل.
وقد وقع هذا المجاز في التنزيل نحو: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ١، فقد نسبت الزيادة إلى الآيات لكونها سببا، ونحو: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ نسب الذبح إلى فرعون؛ لأنه الآمر به والسبب فيه، ونحو: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ٢، فقد أسند الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه.
"قرينته" قرينة هذا المجاز إما لفظية، كقول أبي النجم العجلي:
ميز عنه قنزعا عن قنزع ... جذب الليالي أبطئ أو أسرعي٣
فقد استدللنا على أن إسناد ميز إلى جذب الليالي مجاز بقوله بعده:
أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي
فإنه يدل على أن ذلك فعل الله، وأنه هو المفتي، فيكون إسناده إلى جذب الليالي من الإسناد إلى الزمان.
وإما غير لفظية، كاستحالة صدور المسند من المسند إليه، أو قيامه به عقلا، نحو: محبتك جاءت بي إليك، أو عادة نحو: بنى الوزير القصر، وكصدور الكلام من الموحد، كما في إسناد الإشادة والإفناء إلى كر الغداة في قوله الصلتان للعبدي:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
"تنبيهات" الأول: قال عبد القاهر: هذا الضرب من المجاز، على حدته، كنز من كنوز البلاغة ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان، ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان،
стр. 320
وأشباه ذلك، مما تجده لشهرته يجري مجرى الحقيقة، فليس هو كذلك، بل يدق ويلطف حتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها والنادرة تأنق لها.
الثاني: قال الإمام أيضا: واعلم أنه ليس بواجب في هذا المجاز أن يكون للعمل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أن تقول في ربحت تجارتهم: ربحوا في تجارتهم، فإن ذلك لا يأتي في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: أقدمني بلدك حق لي على إنسان، فاعلا سوى الحق، وكذلك لا تستطيع في قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
وقول ابن البواب:
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
أن تزعم أن ليزيد قائلا قد نقل عنه الفعل فجعل للوجه، ولا لصيرني فاعلا غير الهوى، فالاعتبار إذا بأن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته، معنى ذلك أن القدوم في المثال المتقدم موجود على الحقيقة، وكذلك الزيادة والصيرورة موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجودا على الحقيقة لم يكن المجاز فيه نفسه بل لا محالة في الحكم.
الثالث: هذا المجاز كما يجري في الخبر كما سلف يجري في الإنشاء، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ٢ وقوله : ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ٣، وقوله عز وعلا: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ ٤، فإن البناء والإبقاء فعل العملة وهامان سبب آمر، وهكذا يقال فيما بعده.
الرابع: أنكر السكاكي هذا المجاز وقال: الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية يجعل الربيع مثلا في قولك: أنبت الربيع البقل، استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه، وجعل نسبة الإثبات إليه قرينة الاستعارة على ما سبق لك في بيان مذهبه في الاستعارة بالكناية، وقد رد هذا بأنه يستلزم ألا تصح الإضافة نحو: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، لبطلان إضافة الشيء إلى نفسه، وألا يكون الأمر بالبناء لهامان في قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ ؛ لأن المراد به حينئذ العَمَلة أنفسهم، وأن يتوقف جواز التركيب في نحو: أنبت الربيع البقل، على السمع؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل هذه اللوازم منتفية فتنتفي ملزوماتها.