المبحث العشرون: في المجاز العقلي أو المجاز الحكمي ١
هذا ضرب آخر من الاتساع والتجوز، غير ما قدمنا لك الكلام عليه، فإن ما مضى كانت تذكر فيه الكلمة ولا يراد معناها, ولكن ما هو ردف للمعنى أو شبيه به، فالتجوز كان يكون في اللفظ نفسه.
أما ما هنا فإن الكلمة متروكة على ظاهرها ومعناها مقصود في نفسه، وإنما التجوز في حكم يجري عليها، كقولهم: نام ليلي، وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، ففي هذا مجاز لكنه ليس في ذوات الألفاظ، فإن الليل والتجارة مستعملان في حقيقتهما، بل في أن جعلتهما فاعلين لنام وربح.
ومن هذا تفهم ما قالوه في تعريف هذا المجاز بأنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الظاهر من حال المتكلم لملابسة مع قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له، وما في معنى الفعل هو المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، ومعنى كونه غير ما هو له أنه ليس من حقه أن يسند إليه؛ لأنه ليس يوصف له، ومعنى الملابسة العلاقة.
وهذا التعريف يشمل إسناد الفعل المبني للفاعل وما في حكمه كاسم الفاعل إلى غير فاعله كالمفعول والمصدر والزمان والمكان والسبب مما له علاقة بالفاعل، وإسناد الفعل المبني للمفعول وما في حكمه كاسم المفعول إلى غير نائب الفاعل مما له علاقة به، كالفاعل والمصدر ونحوهما، وإيضاح هذه العلاقات مما يلي:
١- إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول نحو: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ٢، و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ .
стр. 317
وقول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقد أسند راضية ودافق وطاعم وكاس وهي مبنية للفاعل إلى ضمير لعيشة مع أن الراضي صاحبها وكذلك الماء مدفوق والشخص مطعوم مكسو.
٢- إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل نحو: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ١، وسيل مفعم٢؛ لأن الوعد آت والسيل مفعم أي: مالئ.
٣- إسناد الفعل إلى المصدر، نحو قول أبي فراس:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقد أسند الجد إلى الجد، أي: الاجتهاد، وهو ليس بفاعل له بل فاعله الجاد وفاصله جد الجاد جدا، أي: اجتهد اجتهادا، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد وأسند الفعل إلى الجد.
٤- الإسناد إلى الزمان، نحو: نهاره صائم، وليله قائم، وقوله:
هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
فقد أسند الصوم إلى النهار والقيام إلى الليل والإساءة والسرور إلى الزمان، وكل هذه أزمنة للأفعال لا واقعة منها.
٥- الإسناد إلى المكان: نحو: ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ ٣، فقد أسند الجري إلى الأنهار، وهي أمكنة للمياه وليست هي الجارية بل الجاري ماؤها، ونحوه بيت ساكن.
٦- الإسناد إلى السبب، نحو:
إني لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا؟
فقد نسب الإفناء إلى قول الشجعان: هل من مدافع، وليس ذلك القول بفاعل ولا بمؤثر وإنما هو سبب فقط.
стр. 318
وقد يجيء١ هذا المجاز في النسبة الإضافية بأن يضاف إلى ملابس ما هو له نحو: جري الأنهار، ومكر الليل، وغراب البين، فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز علاقته المكانية، والمكر إلى الليل مجاز علاقته الزمانية، والبين إلى الغراب مجاز علاقته السببية على النحو الذي يزعمون.
قال الشاعر:
مشائين ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
كما قد يجيء في النسبة الإيقاعية بأن يوقع الفعل على ملابس ما هو له كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ٢، وكما جاء في جميع ما مضى في الإثبات، فقد جاء أيضا في النفي، كقوله عز وعلا: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ٣، أي: خسرت٤، ونحو: ما نام ليلي، أي: سهر: ونحو: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، أي: بما تكره.
أقسامه، باعتبار الطرفين طرفا هذا المجاز، وهما المسند إليه والمسند، إما:
١- حقيقتان، نحو: وشيب أيام الفراق مفارقي.
٢- وإما مجازان نحو: أحيا الأرض شباب الزمان، إذ المراد بإحياء الأرض إحداث النضارة والخضرة فيها مما ينتج عن تهيج القوى المنمية فيها، كما أن المراد من شباب٥، الزمان ابتداء حرارته وازدياد قواه.
٣- وإما مختلفان، نحو: أهلك الناس الدينار والدرهم، فقد جعلته الفتنة إهلاكا، ثم أثبت الإهلاك فعلا للدينار والدرهم.
ونحو قول أبي الطيب:
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا
стр. 319
فقد جعل الزيادة والوفور حياة للمال وتفريقه في العطاء قتلا له، ثم أثبت الإحياء فعلا للصوارم والقتل فعلا للتبسم، مع أن كلا منهما لا يصح منه الفعل.
وقد وقع هذا المجاز في التنزيل نحو: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ١، فقد نسبت الزيادة إلى الآيات لكونها سببا، ونحو: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ نسب الذبح إلى فرعون؛ لأنه الآمر به والسبب فيه، ونحو: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ٢، فقد أسند الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه.
"قرينته" قرينة هذا المجاز إما لفظية، كقول أبي النجم العجلي:
ميز عنه قنزعا عن قنزع ... جذب الليالي أبطئ أو أسرعي٣
فقد استدللنا على أن إسناد ميز إلى جذب الليالي مجاز بقوله بعده:
أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي
فإنه يدل على أن ذلك فعل الله، وأنه هو المفتي، فيكون إسناده إلى جذب الليالي من الإسناد إلى الزمان.
وإما غير لفظية، كاستحالة صدور المسند من المسند إليه، أو قيامه به عقلا، نحو: محبتك جاءت بي إليك، أو عادة نحو: بنى الوزير القصر، وكصدور الكلام من الموحد، كما في إسناد الإشادة والإفناء إلى كر الغداة في قوله الصلتان للعبدي:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
"تنبيهات" الأول: قال عبد القاهر: هذا الضرب من المجاز، على حدته، كنز من كنوز البلاغة ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان، ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان،
стр. 320
وأشباه ذلك، مما تجده لشهرته يجري مجرى الحقيقة، فليس هو كذلك، بل يدق ويلطف حتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها والنادرة تأنق لها.
الثاني: قال الإمام أيضا: واعلم أنه ليس بواجب في هذا المجاز أن يكون للعمل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أن تقول في ربحت تجارتهم: ربحوا في تجارتهم، فإن ذلك لا يأتي في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: أقدمني بلدك حق لي على إنسان، فاعلا سوى الحق، وكذلك لا تستطيع في قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
وقول ابن البواب:
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
أن تزعم أن ليزيد قائلا قد نقل عنه الفعل فجعل للوجه، ولا لصيرني فاعلا غير الهوى، فالاعتبار إذا بأن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته، معنى ذلك أن القدوم في المثال المتقدم موجود على الحقيقة، وكذلك الزيادة والصيرورة موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجودا على الحقيقة لم يكن المجاز فيه نفسه بل لا محالة في الحكم.
الثالث: هذا المجاز كما يجري في الخبر كما سلف يجري في الإنشاء، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ٢ وقوله : ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ٣، وقوله عز وعلا: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ ٤، فإن البناء والإبقاء فعل العملة وهامان سبب آمر، وهكذا يقال فيما بعده.
الرابع: أنكر السكاكي هذا المجاز وقال: الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية يجعل الربيع مثلا في قولك: أنبت الربيع البقل، استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه، وجعل نسبة الإثبات إليه قرينة الاستعارة على ما سبق لك في بيان مذهبه في الاستعارة بالكناية، وقد رد هذا بأنه يستلزم ألا تصح الإضافة نحو: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، لبطلان إضافة الشيء إلى نفسه، وألا يكون الأمر بالبناء لهامان في قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ ؛ لأن المراد به حينئذ العَمَلة أنفسهم، وأن يتوقف جواز التركيب في نحو: أنبت الربيع البقل، على السمع؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل هذه اللوازم منتفية فتنتفي ملزوماتها.
стр. 321
تتمة وفيها مهمان:
١- المجازات١ اللغوية المفردة يجب إقرارها حيث وردت, ولا يجوز تعديها إلا بإذن وتوقيف من اللغة، فإذا استعير لفظ الأسد للشجاع لما يربطهما من معنى الشجاعة يجب إقراره، ولا يجوز تعديته واستعارته للرجل الأبخر لعلاقة المشابهة بينهما، ولفظ نخلة إذا استعير للرجل الطويل بجامع الطول في كل، لا يصح أن نعديه، ونطلقه على الحبل من أجل طوله.
أما المجازات العقلية فيجوز تعديها إلى غير محالها التي وردت فيها، فكما ورد قوله تعالى: ﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ ٢، قيل: تكاثرت أشواقي وأسقمني فقدك وأحيتني مشاهدتك، إلى غير ذلك مما لا يكاد يضبط في الرسائل والمواعظ والخطب كما قال ابن نباتة الخطيب: إنه الموت حسام أزهق النفوس ذبابه٣، كذا في الطراز.
٢- المجاز خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لباعث يرجع إما إلى اللفظ، وإما إلى المعنى، وإما إليهما جميعا:
أ- فما يرجع إلى اللفظ أن يكون المجاز أخف على اللسان من الحقيقة كما نشعر بذلك في مثل لفظ الخنفقيق "الداهية"، أو يكون صالحا للقافية أو السجع وهي لا تصلح لذلك، أو يكون مألوف الاستعمال والحقيقة غريبة وحشية.
ب- ومما يرجع إلى المعنى، قصد التعظيم، كما تقول: سلام على المجلس،
стр. 322
الكريم عادلا، إلى المجاز, تعظيما للمخاطب وتشريفا له عن أن يخاطب بلقبه، أو المبالغة مع الإيجاز، كما تبين لك ذلك فيما سلف.
جـ- ومما يرجع إليهما تحسين اللفظ ودقة المعنى من أجل أن الشيء إذا عرف من بعض الوجوه دون بعض تاقت النفس إلى تحصيل ما ليس بمعلوم لها، وذلك لا يتسنى إلا عند التعبير بالمجاز، أما عند التعبير بالحقيقة فيحصل العلم به من جميع الوجوه، لا جرم كان التعبير بالمجاز أقرب إلى تحسين الكلام وتجميله.
أسرار البلاغة في المجاز العقلي:
المجاز العقلي ضرب من التوسع في أساليب اللغة, وفن من فنون الإيجاز في القول ألا ترى أن إسناد الفعل إلى سبيله وجعله الفاعل المؤثر دليل على ما كان لهذا الأثر من شديد الصلة في صدور الفعل، وكأنه هو الذي صدر منه.
انظر إلى قول ابن الرومي:
أرى الشعر يحيي الناس والمجد بالذي ... تبقيه أرواح له عطرات
فما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات
تره قد جعل حياة الناس ومآثرهم رهينة الشعر بما ينشر من فضائلهم ويذكره من جليل إحسانهم وعظيم إنعامهم فيبقى على كر الغداة ومر العشي.
وكذلك تجد ما في نسبة الحادث، إلى زمانه أو مكانه، من دلالة على التعميم والشمول، فإن الفعل إذا أريد بيان شموله, وأنه يعم كل من يكنه المكان أو يحيط به الزمان نسب إلى المكان أو الزمان، تأمل قوله تعالى على لسان زكريا ﵇: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١، تره أراد أن يجعل الشيب قد عم رأسه حتى صار كأنه نار، أضاف الاشتعال إلى الرأس لا إلى الشعر, مع أن المقصود هو بيان ابيضاض الشعر.
وانظر إلى طرفة بن العبد تره قد نسب إبداء المجهول إلى الأيام وهي لا تظهره بل يظهر فيها، ويستبين من أمره ما كان خفيا، في قوله:
ستبدي لكل الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقد جعل ذلك شيمة الزمان وطبيعة الحدثان، في كل عصر وأوان، ولا تجد ذلك المعنى مستبينا إذا أنت قد قلت: سيبدو على صفحات الزمان ما كان أمره خفيا، وما لم تجده من الشئون جليا.
стр. 323
تداريب وتمارين
...
تدريب أول:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
١-
أهلكنا الليل، والنهار معا ... والدهر يغدو مصمما جذعا١
٢-
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
٣-
ولما رأيت الخيل تترى أثائجا ... علمت بأن اليوم أحمس فاجر٢
٤-
وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب
٥-
محا البين ما أبقيت عيون المها مني ... فشبت ولم أفض اللبائة من سني
٦-
سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر ... لعلك تدري بعض ما لم تكن تدري
الإجابة:
١- إسناد الإهلاك إلى الليل والنهار مجاز عقلي علاقته الزمانية؛ لأن الفاعل هو الله، وهذان زمنان له.
٢- الأيام لا تظهر مجهولا، بل يظهر ذلك فيها، فهو مجاز عقلي، علاقته الزمانية.
٣- وصف اليوم بالفجور مجاز، علاقته الزمانية؛ لأن الفجور صفة لما يقع فيه.
٤- العز ينبت في المكان، ولا ينبته المكان، فهو مجاز عقلي، علاقته المكانية.
٥- إسناد المحو إلى البين مجاز عقلي، علاقته السببية؛ لأن البين لا يمحو شيئا بل هو سبب فيه.
стр. 324
٦- الجيزة لا تسأل، بل يسأل أهلها، فوقوع السؤال على الجيزة مجاز عقلي في النسبة الإيقاعية والعلاقة المكانية، ويصح أن يكون في هذا مجاز بالحذف، أو مجاز مرسل.
تدريب ثان:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
١-
الدهر يفترس الرجال فلا تكن ... ممن تطيشهم المناصب والرتب
٢-
إن البلية من تمل كلامه ... فانقع فؤادك من حديث الوامق١
٣-
نعم المعين على المروءة للفتى ... مال يصون عن التبذل نفسه
٤-
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
٥- ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢.
٦- ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ٣.
الإجابة:
١- في إسناد يفترس إلى ضمير الدهر مجاز عقلي علاقته الزمانية، وفي إسناد تطيش إلى المناصب والرتب مجاز عقلي علاقته السببية.
٢- في إسناد الوامق إلى المفعول مجاز علاقته المفعولية إذ المراد سر نفسك بمحادثة الموموق أي: المحبوب.
٣- في إسناد الإعانة والصيانة إلى المال مجاز عقلي علاقته السببية.
٤- في إسناد سال إلى الأبطح مجاز عقلي علاقته المكانية, إذ الدم سال فيه لا منه.
٥- في إسناد الفاعل وهو آمن إلى المفعول وهو الحرم مجاز عقلي علاقته المفعولية.
٦- في إسناد المفعول وهو مستور إلى الفاعل وهو الحجاب مجاز عقلي علاقته الفاعلة.
стр. 325
تمرين أول:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
١-
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
٢-
الدهر لازم بين فرقتنا ... وكذاك فرق بيننا الدهر
٣-
وكذاك سر المرء إن لم يطوه ... نشرته ألسنة تزيد وتكذب
٤-
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد
٥-
والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
٦-
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب
تمرين ثان:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
١- ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ .
٢- ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
٣- منزل عامر بنعم الله.
٤- ذاك مشرب عذب.
٥- هذا مركب فاره.
٦- ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ .
٧- سار بي الحنين إلى لقائك.
٨- هذا منزل ساكن.
٩- قال تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ .
١٠- تنام وما ليل المضيم بنائم.
стр. 326
الباب الثالث: في الكناية
المبحث الأول: في تعريفها
...
الباب الثالث: في الكناية
وفيه أربعة مباحث وخاتمة.
المبحث الأول: في تعريفها
الكناية لغة أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وقد كنوت بكذا عن كذا، أو كنيت إذا تركت التصريح به، أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح
وفي الاصطلاح تطلق على معنيين:
١- المعنى المصدري الذي هو فعل المتكلم، أعني ذكر اللفظ الذي يراد به لازم معناه مع جواز إرادته١ معه.
٢- اللفظ المستعمل فيما وضع له، لكن لا ليكون مقصودا بالذات، بل لينتقل منه إلى لازمه المقصود لما بينها من العلاقة واللزوم العرفي، وعلى هذا التعريف فهي حقيقة لاستعمال اللفظ فيما وضع له، لكن لا لذاته، بل لينتقل منه إلى لازمه فمعناه مراد لغيره مع استعمال اللفظ فيما وضع له، واللازم مراد لذاته، لا مع استعمال اللفظ فيه، فهو مناط الإثبات والنفي والصدق والكذب٢.
تفسير هذا أن العرب تلفظ أحيانا بلفظ لا تريد منه معناه الذي يدل عليه بالوضع، بل تريد منه ما هو لازم له في الوجود بحيث إذا تحقق الأول تحقق الثاني عرفا وعادة، فنقول: فلان رحب الصدر، ونقصد أنه حليم من قبل أن الحليم يكون ذا أناة وتؤدة ولا يجد الغضب إليه سبيلا، لما في صدره من السعة لاحتمال
стр. 327
كثير من الحفاظ والأضغان كما يحتمل الصندوق الواسع كثيرا من المتاع والماعون، وتقول: فلانة نئوم الضحى، وتقصد أنها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها من الخدم والحشم، فهم يقومون بتدبير شئون المنزل، وقضاء الحوائج البيتية، فلا تحتاج إلى القيام مبكرة من النوم فأولئك قد كفوها مئونة التعب والنصب.
"الفرق بينها وبين المجاز" مما سلف تعلم الفرق بين الكناية والمجاز هو أن الأولى لا يمتنع معها إرادة المعنى الأصلي، فيسوغ في المثالين المتقدمين أن تريد أنه واسع الصدر حقيقة, وأنها تنام حقا إلى وقت الضحى، وقد تمتنع إرادة المعنى الأصلي فيها أحيانا لخصوص الموضوع، نحو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ كناية عن الاستيلاء والملك، ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢ كناية عن قوة التمكن وتمام القدرة، إلى غير ذلك٣.
أما قرينة المجاز فتمنع من إرادة المعنى الأصلي، فلا يسوغ إرادة الأسد المفترس في قولك: رأيت أسدا في الميدان يضرب يمينا وشمالا.
стр. 328
المبحث الثاني: في أقسامها من حيث المكني عنه
تنقسم الكناية من حيث المكني عنه إلى ثلاثة أقسام:
١- كناية يطلب بها صفة من الصفات كالجود والكرم ودماثة الأخلاق، إلى غير ذلك، وهي ضربان:
أ- قرينة، وهي ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بلا واسطة سواء أكانت واضحة كقولهم كناية عن طويل القامة طويل النجاد٤، وقول الحماسي:
أبت الروادف والثدى لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
كنى عن كبر الإعجاز ونهود الثدي بارتفاع القميص عن أن يمس بطنا أو ظهرا.
стр. 329
وهذا من بديع الكناية، أم خفية يتوقف الانتقال منها إلى اللازم على التأمل وإعمال الرؤية، كقولهم كناية عن الأبله هو عريض القفا، إذ يزعمون أن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرطا دلا على الغباوة، أوما ترى إلى قول طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد
ب- بعيدة، وهي ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بواسطة كقولهم في الكناية عن المضياف: هو كثير الرماد، فإنه ينتقل الذهن من كثرة الرماد إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الرماد، ومنها إلى كثرة الضيفان، ثم إلى المضيافة، وهي المقصودة، ونظيره قول الآخر:
وما يك في عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل
فإن الذهن ينتقل من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يقصد دارا هو مقيم على حراستها والعس دونها، مع أن ذلك ليس من طبعه، إلى أنه قد دام زجره وتأديبه حتى تغير عن مجرى عادته، ثم إلى استمرار موجب نباحه وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ومن ذا إلى كونه ملجأ للقاصي وللداني، ومن ذا إلا أنه مشهور بحسن قرى الأضياف.
وكذا ينتقل من هزال الفصيل إلى فقد الأم، ومن ذا إلى قوة الداعي إلى نحرها مع كمال عنايتهم بالنوق، خصوصا المثالي١ منها، ومن هذا إلى صرفها إلى الطبائخ، ومن ذا إلى أنه مضايف.
٢- كناية، يطلب بها موصوف، نحو قولك كناية عن الأسد: قتلت ملك الوحوش، وشرطها الاختصاص بالمكني عنه ليحصل الانتقال منها إليه، وهي ضربان:
أ- ما هي معنى واحد بأن يتفق في صفة اختصاصها بموصوف معين فتذكر تلك الصفة ليتوصل بها إلى ذلك الموصوف كمجامع الأضغان كناية عن القلوب في قوله:
الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان٢
стр. 330
ونحوه قول البحتري في قصيدته التي وصف فيها قتلة الذئب:
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد١
ففي الشطر الثاني ثلاث كنايات، كل منها مستقل بإفادة الغرض، لا كناية واحدة، فقوله: بحيث يكون اللب، الرعب، الحقد، ثلاثتها عن كناية القلب، إذ هو محل العقل والخوف الضغينة.
ب- ما هي مجموع معان بأن تؤخذ صفة فتضم إلى صفة ثانية، ثم ثالثة، فتكون جملتها مما يختص بالموصوف، فمتى ذكرت توصل بها إليه كقولهم كناية عن الإنسان: إنه حي مستوي القامة عريض الأظفار، فمجموع هذه الأوصاف هو الثلاثة المختص بالإنسان لا كل واحد٢ منها:
٣- كناية، يطلب بها نسبة٣، أي: ثبوت أمر لأمر، أو نفيه عنه، كما يقولون: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه٤، فهم لم يصرحوا بثبوت المجد والكرم له، بل كنوا عن ذلك بكونهما بين برديه وبين ثوبيه، وكقول زياد الأعجم في مدح عبد الله بن الحشرج وكان أمير نيسابور:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
فإنه أراد أن يثبت هذه الصفات خلالا للممدوح لكنه لم يصرح بذلك فيقول: إنها مجموعة فيه، أو مقصورة عليه، أو نحو ذلك، بل عدل إلى ما أنت تراه فجعلها في قبة مضروبة عليه لتمكنه أن يثبتها للممدوح بطريق الكناية؛ لأنه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبت له، ومثل هذا وإن كان في حلة أبدع ووشي أغرب قول حسان:
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيا الناس أن يتحولا
وقول أبي نواس:
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن بصير الجود حيث يصير
وقول الآخر: "وحيثما يك أمر صالح تكن".
ففي كل هذا توصل إلى إثبات للممدوح بإثباتها في المكان الذي يحل فيه، ولزومها بلزومه حيثما كان، وعلى هذا المسلك يحمل قولهم: مثلك لا يبخل.
قال في "الكشاف": نفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية؛ لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، فإنه أبلغ من قولك: أنت لا تخفر، ا. هـ.
стр. 331
المبحث الثالث: في أقسامها من حيث الوسائط
تنقسم الكناية باعتبار الوسائط إلى أقسام أربعة:
١- تعريض١: وهو خلاف التصريح, واصطلاحا ما أشير به إلى غير المعنى بدلالة السياق، كما تقول: المسلم من سلم المسلمون من لسانه، فالمعنى الأصلي انحصار الإسلام فيمن سلم الناس يده ولسانه، والمعنى الكنائي اللازم للمعنى الأصلي انتفاء الإسلام عن المؤذي مطلقا، وهو المعنى المقصود من اللفظ، ويشير بسياقه إلى نفي الإسلام عن المؤذي الذي تكلمت عنده.
ومن لطيف ذلك ما كتبه عمر بن مسعدة وزير المأمون إلى المأمون يوصيه على بعض أصحابه: أما بعد، فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطول٢ في إلحاقه بنظرائه، فأعلمته بأن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك بعد عن طاعته، فوقع المأمون في كتابه: قد عرفنا نصيحتك له وتعريضك لنفسك وأجبناك إليهما.
٢- تلويح: وهو لغة أن تشير إلى غيرك من بعد واصطلاحا كناية كثرت فيها الوسائط بين اللازم والملزوم، نحو: "أولئك قوم يوقدون نارهم في الوادي" كناية عن بخلهم، فقد انتقل من الإيقاد في الوادي المنخفض، إلى إخفاء النيران، ومن هذا إلى عدم رغبتهم في اهتداء ضيوفهم إليها، ومن ذا إلى بخلهم، ونحوه ما تقدم من قولهم: هو جبان الكلب، ومهزول الفصيل.
стр. 332
٣- رمز وهو لغة أن نشير إلى قريب منك خفية بشفة، أو حاجب، كما قال:
رمزت إلي مخافة من بعلها ... من غير أن تبدي هناك كلامها
واصطلاحا هو كناية قلت وسائطها مع خفاء اللزوم نحو: هو غليظ الكبد، كناية عن القسوة، إذ ذلك تتوقف على معرفة ما كان يعتقده العرب من أن الكبد موضع الإحساس، والتأثر فيلزم من رقته اللين ومن غلظه القسوة، ونحوه ما سبق.
٤- إيماء وإشارة، وهي كناية قلت وسائطها، مع وضوح الدلالة، كقول أبي تمام يصف إبله مادحا أبا سعيد١:
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد
وقول البحتري يمدح آل طلحة:
أوما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول
ومن لطيف ذلك وعجيبه قول بعضهم في رثاء البرامكة:
سألت الندى والجود ما لي أراكما ... تبدلتما ذلا بعز مؤبد
وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقالا أصبنا بابن يحيى محمد
فقلت: فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد
فقالا: أقمنا كي نعزي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد
стр. 333
المبحث الرابع: في حسن الكناية وقبحها
الكناية تكون حسنة إن جمعت بين الفائدة ولطف الإشارة, كما تقدم لك من الأمثلة، وقبيحة إذا خلت مما ذكر، كقول الشريف الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال
فهذا من رديء الكنايات، إذ هذا لا يفيد ما قصده من المعنى، بل ربما جر إلى ما يقبح من تهمتها بالريبة.
ونحوه قول أبي الطيب:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
قال ابن الأثير: فهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها، وما ذاك إلا من سوء تأليفها وقبح تركيبها، وقد أجاد الشريف فيما زلت فيه قدم أبي الطيب فجاء به على وصف حسن وقالب عجيب حيث قال:
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما في ضمان المآزر
وقريب من بيت المتنبي قول الآخر:
وما نلت منها محرما غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
стр. 334
خاتمة:
اتفقت كلمة البلغاء على:
١- أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح؛ لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشيء ببينة.
٢- وعلى أن الاستعارة أبلغ من التشبيه، ومن المجاز المرسل، لما فيهما من دعوى الاتحاد، وأن أبلغ أنواعها الاستعارة التمثيلية، ثم المكنية، لاشتمالها على المجاز العقلي الذي هو قرينتها.
٣- وعلى أن الاستعارة سواء أكانت تمثيلية أم مكنية أم غيرها، أبلغ من الكناي؛، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة.
وليس معنى الأبلغية في كلا من هذه الأمور يفيد زيادة في المعنى نفسه لا يفيدها خلافه، بل المراد زيادة التأكيد في الإثبات.
قال الإمام عبد القاهر: فليست فضيلة قولنا رأيت أسدا على قولنا رأيت رجلا لا يتميز عن الأسد في جرأته وشجاعنه، أن الأول أفاد زيادة في مساواته للأسد في الشجاعة لم يفدها الثاني، بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني، وسر هذه المزية والفخامة أنك إذا قلت: رأيت أسدا كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده، وذلك أنه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل والممتنع أن يعرى عنها وإذا صرحت بالتشبيه فقلت: رأيت رجلا كالأسد، كنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجع بين أن يكون وألا يكون، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء.
стр. 335
وليست فضيلة قولنا: جم الرماد على قولنا كثير القرى أن الأول أفاد زيادة لقراه لم يفدها الثاني, بل هي أن الأول أفاد تأكيد الإثبات كثرة القرى له لم يفده الثاني، وذلك أن كل عاقل يعلم أن إثبات الصفة بإثبات دليلها آكد, وأبلغ في الدعوة من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا عقلا، وذلك أنك لا تدعي دليل الصفة إلا والأمر ظاهر معروف وبحيث لا يشك فيه, ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط، كذا في "دلائل الإعجاز" مع اختصار.
أسرار البلاغة في الكناية:
الكناية فن من التعبير توخاه العرب استكثارا للألفاظ التي تؤدي ما يقصد من المعاني، وبها يتنوفون في الأساليب، ويزينون ضروب التعبير، ويكثرون من وجوه الدلالة، انظر إلى امرئ القيس تجده كنى عن المرأة ببيضة الخدر في قوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
وإلى حميد بن ثور نراه كنى عنها بالسرحة في قوله:
أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاة١ تروق
فيا طيب رياها وبرد خلالها ... إذا حان من حامي النهار وديق٢
وإلى النبي ﵇ وقد كنى عنها بالقارورة في قوله لأنجشه وهو يحدو بنسائه: $"رفقا بالقوارير"، وبها ينصبون الدليل على كل قضية ويقيمون البرهان على كل مدعى، انظر إلى المتنبي وهو يذكر وقيعة سيف الدولة بأعدائه:
فمساهم وبسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب
تجده قد أراد أن يبين أنه قهرهم وأذلهم بعد أن كانوا أعزة، لكنه تلطف في التعبير ونصب الدليل على صحة دعواه، فأشار إلى عزتهم أولا بافتراشهم بسط الحرير، ثم إلى ذلتهم بعد بافتراشهم بسط التراب.
وتأمل قول أبي تمام يمدح أبا سعيد بن يوسف الثغري ويذكر كرمه:
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد
стр. 336
تره قد أبان كرم أبي سعيد بغاية الوضوح من حيث أبان أن إبله أبت إلا أن تزور الكرماء، ويكفيها أن تزور من بينهم أبا سعيد.
وليس بالخفي ما للكناية من فضيلة في إلباس المعقول ثوب المحسوس، أتراك تشاهد لطف التعبير ودقة التصوير إذا تأملت الكناية بحمالة الحطب عن النمامة التي تفسد ذات البين, وتهيج الشر في قوله تعالى يصف امرأة أبي لهب: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ١، فإنك وأنت تقرؤها يخيل إليك أنها ممسكة حطبها بيديها، ومشعلة نارا لتوقد العداوة والبغضاء بين قوم، وتؤلب بعضهم على بعض.
إلى ما فيها من حيلة بترك بعض ألفاظ إلى ما هو أجمل في القول وآنس للنفس، ألا ترى إليهم وهم يكنون عن الموت بقولهم: "فلان قد استوفى أكله" أو بقولهم: "لحق باللطيف الخبير" وعن الصحراء بالمفازة وهي مهلكة.
إلى ما فيها من حسن التلطف في إطراح الألفاظ المستهجنة كما جاء في القرآن الكريم من الكنايات التي تتعلق بالنساء كالنهي عن أخذ المهور مع ذكر السبب في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ٣.
إلى أنها قد تكون طريقا من طرق الإيجاز والاختصار كقوله تعالى كناية عن كثير من الأفعال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤ وقولهم كناية عن الجامع لكل شيء "هو سفينة نوح".
وأنك لترى فيها من العجب العجاب ومن غريب الصنعة، ومن بديع السحر إذا كانت في باب الصناعات الخسيسة والأشياء الحقيرة بذكر منافعها، كما قيل لحائك: ما صناعتك؟ قال: زينة الأحياء، وجهاز الموتى.
وقال ابن باقلاني "بائع فول":
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نلزت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حوله وقعود
стр. 337
نماذج وتمارين:
نموذج أول:
بين الكناية وأنواعها باعتبار المكنى عنه وباعتبار الوسائط فيما يلي:
١-
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
٢- قال الحجاج: إن أمير المؤمنين نثر كنانته عودا عودا فوجدني أمرها ضرب عودا وأصابها مكسرا فرماكم بي، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم غرائب الإبل.
٣-
ولا زال بيت الملك فوقك عاليا ... تشيد أطناب له عمود
٤-
تقول التي من بيتها خف محملي ... عزيز علينا أن نراك تسير
٥-
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من القطن
٦-
يبيت بمنجاة من اللؤم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
الإجابة:
١- في مخضوب البنان كناية عن موصوف، وهي المرأة، إذ هذه من صفاتها الخاصة بها، من نوع الإيماء؛ لأن الذهن ينتقل إلى ذلك بلا واسطة.
٢- في هذه العبارة كنايات ثلاث:
أ- ففي قوله: نثر كنانته إلى قوله فرماكم بي كناية عن صفة هي البحث والتفتيش عن الأصلح حتى عثر عليه, وهي من نوع التلويح؛ لأن الذهن ينتقل من نثر الكنانة إلى البحث والتفتيش عن أصلح سهامها, ومن ذا إلى العثور على ذلك الأصلح, ومن ذا إلى اختياره من بينها ثم إرساله إليهم لتدبير شئونهم.
ب- وفي قوله: لأحزمنكم حزم السلمة كناية عن صفة هي الضغط عليهم والبطش بهم من نوع الإيماء.
جـ- وفي قوله: لأضربنكم إلخ كناية عن صفة هي القسوة في معاملتهم والتنكيل بهم، وهي من نوع الإيماء.
٣- وفي هذا البيت كناية عن نسبة هي اتصافه بالملك؛ لأن الذهن ينتقل من ملازمته بيت الملك وحلوله في ذلك المكان إلى كونه ملكا، وهي من نوع الإيماء.
стр. 338
٤- كنى أبو نواس بقوله: من بيتها خف إلخ عن موصوف، وهي امرأته؛ لأن الراحلة إنما تخف من بيت صاحبها في العادة، فهي كناية عن موصوف، وهي امرأته؛ لأن الراحلة إنما تخف من بيت صاحبها في العادة فهي كناية عن موصوف من نوع الإيماء لعدم الوسائط.
٥- في قوله: أخلاهم من الفطن كناية عن موصوف وهم الجهال، وهي من نوع الإيماء.
٦- في هذا البيت كناية عن نسبة هي إثبات النزاهة لها, ونفي الفجور عنها ذاك أنه نبه بنفي اللوم عن بيتها على انتفاء أنواع الفجور عنها، ومن ذا إلى براءتها من كل ما يشينها، وهي من نوع الإيماء.
نموذج ثان:
بين أنواع الكناية من حيث المكنى عنه ومن حيث الوسائط:
١- قال زياد بن أبيه: وإني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطيع بالعاصي، حتى يلقى الرجل قاتل أبيه فيقول: "انج سعد فقد هلك سعيد"١، أو تستقيم لي قناتكم٢.
٢- ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ ٣.
٣-
وأقبلت يوم جد البين في حلل ... سود تعض بنان النادم الحصر٤
٤-
أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلا قبلي
٥-
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل٥
٦-
فصبحهم وبسطهم حرير ... ومساهم وبسطهم تراب
стр. 339
الإجابة:
١- في هذه المقالة كنايات عدة، فقد كنى بقوله: انج سعد إلخ، عن الفرار والهرب، وهي نوع من التلويح لكثرة الوسائط فيها إذ ينتقل الذهن من قولهم هذا إلى السبب الباعث على ذلك، وهو الخوف من الفتك بهم، ومن ذا إلى أخذ عدتهم للهرب، تباعدا عن التنكيل بهم، إلى الهرب وهو المراد، وكنى باستقامة القناة عن حسن سيرهم واعتدالهم في أمورهم، وهي كناية عن صفة من نوع الرمز.
٢- كنى الله تعالى بذات الألواح والدسر عن السفينة، إذ ذاك وصف خاص بها، فهي كناية عن موصوف من نوع الإيماء، وكنى بقوله: تجري بأعيننا عن شمول لطفه وعنايته بها، وهي كناية عن صفة من نوع التلويح لوجود الوسائط إذ ينتقل الذهن من النظر إليه، إلى مراقبتها، ومن ذا إلى الاهتمام بها، ومنه إلى العناية بها.
٣- كنى بعض بنان الندم عن الأسف على فوات المرغوب فيه، فهو كناية عن صفة من نوع الإيماء.
٤- كنى ببسطة الكف عن الغنى، فهو كناية عن صفة من نوع الإيماء، إذ ينتقل الذهن من بسطة الكف، إلى مثلها بالمال، إلى الغنى.
٥- في هذا البيت كنايتان عن صفتين من نوع التلويح، الأولى كناية عن نحو الفصال، والثانية كناية عن أنه مضياف، ذاك أن الذهن ينتقل من عدم إمتاعها إلى أنه لا يبقى لها فصالها لتأنس بها, ويحصل لها الفرح الطبيعي بالنظر إليها، ومن ذا إلى نحرها، وكذا ينتقل من قرب أجلها إلى نحرها، ومن ذا إلى أنه مضياف.
٦- في هذا البيت كنايتان عن صفتين، وهما العز والذل، ومن نوع التلويح إذ كنى بكون بسطهم حريرا عن عزتهم إذ ينتقل الذهن من إحرازهم الرياش والأثاث الفاخر إلى غناهم ومن ذا إلى كونهم أعزاء، وكنى بكون بسطهم ترابا عن ذلهم، إذ ينتقل الذهن من افتراش التراب إلى ضياع ما يملكون، ومن ذا إلى كونهم أذلاء.
стр. 340
تمرين أول:
بين الكناية باعتبار المكنى عنه وباعتبار الوسائط فيما يلي:
١-
بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضر مرابعنا حمر مواضينا١
٢-
أبيني أفي يميني يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك٢
٣- ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ٣.
٤- ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ ٤.
٥- روي أن امرأة وقفت على قيس بن سعد فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي فقال: ما أحسن ما روت عن حاجتها، املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا.
٦-
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
٧-
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشو ... ق إليها حيث النحول
تمرين ثان:
١-
قوم ترى أرحامهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان
٢-
وإن ذكر المجد ألفيته ... تأزر بالمجد ثم ارتدى
٣-
ولست بخالع درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليل النهار
٤- ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ ٥.
٥- تعرضت عجوز لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصى، فقال لها: ألطفت في السؤال, لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا.
٦-
اللابس المجد لم تنسج غلائله ... إلا يد الصانعين السيف والقلم
٧- ولما سقط في أيديهم.
стр. 341
نموذج عام في البيان:
١- جاء في بعض الجرائد أن ظفر الزعيم سعد زغلول في الانتخابات يسيل له لعاب ساسة الغربيين، فجميع الروابي التي نشهدها في جميع الأقطار لا تبلغ سفح هذا الجبل.
٢-
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
الإجابة:
١- في جملة يسيل إلخ، كناية عن صفة هي الشوق إليه من نوع التلويح، إذ ينتقل الذهن من سيل اللعاب إلى الشيء, إلى شهوته وميل النفس إليه ومحبتها له، وفي الروابي استعارة تصريحية أصلية مجردة فقد شبه الزعماء بالروابي بجامع العظم وجلالة القدر في كل والقرينة حالية، وفي قوله: تبلغ سفح هذا الجبل، استعارة تصريحية مرشحة بكملة سفح والقرينة حالية.
٢- في نقض النأي مجاز عقلي علاقته السببية؛ لأن البعد سبب النقض وخلف العهد، وفي العهد استعارة بالكناية حيث شبه العهد بالجبل بجامع أن كلا يفيد الربط، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم حذف لفظ المشبه ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو النقض, على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية، وإثبات النقض للعهد استعارة تخييلية وهي قرينة المكنية، وفي البنان مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن التي تخضب هي الكف كلها، وفي يمين مجاز مرسل علاقته السببية إذ المراد وفاء باليمين وإنفاذ لما حلفت عليه، وفي مخضوب البنان كناية عن موصوف وهي المرأة من نوع الإيماء والإشارة، والشطر الثاني كله استعارة تمثيلية؛ لأنه جار مجرى المثل.
стр. 342
مزايا دراسة البيان في صوغ مختلف الأساليب:
رأيت فيما سلف ألوانا مختلفة من التعبير وضروبا متنوعة من البيان, يستطيع المتكلم أن يجعلها قبلة أنظاره إذا أراد صياغة المعاني في القوالب التي يراها أليق بغرضه وأبلغ لمقصده، ويحوك بها ما شاء أن يحوكه من شريف المعاني التي تجيش بخاطره وتعلق بصدره, فإذا طرق باب المديح وأراد وصف ممدوحه بالكرم والجود أمكن أن ينحو نحو مسلم بن الوليد حين يمدح زيد بن مسلم الحنفي من وائل فقال:
ولو أن في كبد السماء فضيلة ... لسما لها زيد الجواد فنالا
يا زيد آل يزيد ذكرك سؤدد ... باق وقربك يطرد الإمحالا
نفحات كفك يا ذؤابة وائل ... تركت عليك الراغبين عيالا
فيؤدي المعنى على حقيقته دون مبالغة ولا إغراق، أو حين يمدح جعفر بن يحيى البرمكي فيقول:
تداعت خطوب الدهر عن جابر جعفر ... وأمسك أنفاس الرغائب سائله
هو البحر يغشى سرة الأرض سيبه ... وتدرك أطارف البلاد سواحله
فلو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
فهو قد شبهه بالبحر اللجي، يعم فيضه الآفاق، وتدرك سواحله أطراف البلاد, أو نحو أبي نواس وهو يمدح الخطيب:
أنت الخطيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
ويحق لي إذا صرت بينكما ... ألا يحل بساحتي فقر
فجعله كالبحر المتدفق الذي إذا حل ببلدة عمها الخصب وفارقها الجدب، أو نحو قول البحتري يمدح يوسف بن محمد:
أدراهم الأولى بداره جلجل ... سقاك الحيا روحاته وبواكره
وجاءك يحكي يوسف بن محمد ... فروتك رباه وجادك ماطره
إذ لم يشأ إلا أن يجعل الغيث يشبهه في فيضه، وبالغ في التشبيه، وافتن في الأسلوب، وعكس ما ألفه الناس من تشبيه الجواد بالغيث والبحر، ثم انظر إلى قول الآخر:
إذ ما رأيت رأيت البحر يبسط كفه ... فلا تخش إقلالا من الدهر أو عدما
فقد لجأ في وصف ممدوحه بالكرم إلى الاستعارة المصرحة وهي كما تعلم أبلغ من التشبيه وأعلى كعبا, لما فيها من دعوى الاتحاد بين المشبه والمشبه به، وقول أبي العتاهية:
للجود باب في الأنام ولم تزل ... يمناك مفتاحا لذاك الباب
فقد جعل للجود بابا مفتاحه في يد الممدوح اليمنى على سبيل الاستعارة المكنية وقول المتنبي في مدح كافور:
стр. 343
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
فصور لك ما يلقاه قاصدو ممدوحه من الغنى والثروة، وأن من لا يبغي سواه، كما أن من قصد البحر تأبى همته أن ينظر إلى الجداول والغدران.
وهذه استعارة تمثيلية لها أثرها من البهجة والجمال الذي تحس به وتتذوقه، وقول أبي نواس في الفضل بن الربيع:
وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا
فأضاف الجود إلى الكف، والجود ينسب عادة إلى الممدوح من قبيل إضافة ما للكل إلى الجزء على سبيل المجاز المرسل، وقول مسلم:
تظلم المال والأعداء في يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما
إذ كنى عن كثرة عطاياه وقتاله للأعداء وإفنائه إياهم بالتظلم من يده.
وللكناية أثرها البعيد في تثبيت المعنى في النفس وحسن تصويرها، فهي تهش له وترتاح.
فها أنت ذا قد رأيت في وصف الجود ضروبا وألوانا مختلفة من التعبير وفنونا شتى من القول، وهكذا ينفسح مجال الكلام أمام البليغ، وتتشعب طرقه في أي معنى من المعاني التي يقصد القول فيها، ولكن بعضها كما رأيت أبلغ من بعض بالنظر إلى مقتضيات الأحوال، فما يصلح لمقام لا يصلح مثله لآخر، وهذا هو سر البلاغة، فقد يكون المقام داعيا إلى التشبيه لا الاستعارة، وقد يكون الأنسب العكس، فقد يكون المقام يدعو إلى الكناية.
فتلك الصور المختلفة والأساليب المتنوعة هي موضوع علم البيان الذي درست مسائله، فإذا أنت جعلتها رائدك في صوغ المعاني، هدتك الصراط المستقيم، وبلغت بك الغاية التي تسعى إليها.
ولكن دراسة العلم وحدها، والوقوف على شواهد يسيرة من كلام الفصحاء والبلغاء لا يبلغان بك إلى المقصد، كما درست قواعد الحساب مثلا وحللت مسائل قليلة لكل قاعدة، فإن هذا لا يكسبك الملكة التي بها تستطيع أن تحل كثيرا من المسائل، بل لا بد للملكة من التمرين وممارسة حل كثير من المسائل المختلفة، حتى تتكون لديك.
стр. 344
فبلاغة القول ورشاقة التعبير ورصانته وإصابة المرمى من نفس السامع تحتاج إلى إدمان القراءة في كتب الأدب، والوقوف على متنوع الأساليب، من أقوال الكتاب والشعراء والخطباء، وحفظ ما يمكنك حفظه من منثورهم ومنظومهم.
ولا نرى كاتبا بليغا ولا شاعرا مجيدا إلى جال في مختلف الأساليب الشعرية والنثرية جولة صادقة، وروى عن عذبها، وغاص في بحارها، واستخرج من دررها.
فعليك أيها القارئ من الإكثار من القراءة فيما خلفه لنا العرب من تراث أدبي من النظيم والنثير في مختلف العصور، فإنك إن فعلت ذلك ظفرت بملكة مواتية وحظ من الأدب عظيم.
стр. 345
علم البديع
مدخل
...
علم البديع:
البديع لغة: الجديد المخترع لا على مثال سابق ولا احتذاء متقدم، تقول: بدع الشيء وأبدعه، فهو مبدع، وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ١.
واصطلاحا: علم تعرف به الوجوه والمزايا التي تكسب الكلام حسنا وقبولا بعد رعاية المطابقة لمتقضى الحال التي يورد فيها ووضوح الدلالة على ما عرفت في العلمين السالفين٢.
"واضعه" أول من دون قواعده ووضع أصوله عبد الله بن المعتز العباسي المتوفى سنة ٢٧٤هـ، فقد استقصى ما في الشعر من المحسنات وألف كتابا ترجمه باسم "البديع" ذكر فيه سبعة عشر نوعا وقال: "ما جمع قبلي فنون البديع أحد ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره".
ثم ألف معاصره جعفر بن قدامة كتابا سماه "نقد قدامة" ذكر فيه ثلاثة عشر نوعا زيادة على ما أملاه ابن المعتز.
ثم جاءت التآليف تترى، فألف فيه أبو هلال العسكري وجمع سبعة وثلاثين نوعا، ثم ابن رشيق القيرواني فجمع مثلها في كتاب "العمدة" ثم جاء شرف الدين النيفاشي فبلغ بها السبعين.
ثم ألفت البديعيات فألف زكي الدين بن أبي الأصبع بديعيته، وأوصل الأنواع إلى التسعين، ثم جاء بعده صفي الدين الحلي فأوصلها إلى مائة وأربعين، ونظم قصيدة ميمية في مديح النبي ﵇، وذكر اسم كل نوع في بيت.
стр. 346
ومن بعده جاء عز الدين الموصلي فذكر مثل ما ذكره سالفه، مع زيادة يسيرة من ابتكاره، وهكذا ارتفعت التآليف صعدا وريدت الأنواع وكبرت البديعات في هذ العلم كبديعة ابن حجة الحموي, وقد شرحها في كتاب سماه "خزانة الأدب" وبديعة عبد الغني النابلسي، وقد جاوز بها المائة والستين نوعا.
أقسام المحسنات:
تنقسم المحسنات إلى قسمين:
١- محسنات معنوية، وهي التي يكون التحسين بها راجعا إلى المعنى أولا وبالذات، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين١ اللفظ أيضا كالطباق بين يسر ويعلن في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ٢، وعلامتها أنه لو غير اللفظ بما يرادفه فقيل مثله: يعلم ما يخفون وما يظهرون، لم يتغير المحسن المذكور.
٢- محسنات لفظية، وهي التي يكون التحسين بها راجعا إلى اللفظ أصالة وإن حسنت المعنى أحيانا تبعا كالجناس في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٣، فالساعة الأولى يوم القيامة والساعة الثانية واحدة الساعات الزمنية، وعلامتها أنه لو غير اللفظ الثاني إلى ما يرادفه زال ذلك المحسن، فلو قيل: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا إلا قليلا لضاع ذلك الحسن.
стр. 347
المحسنات المعنوية:
المحسنات المعنوية كثيرة، لكنا رأينا ألا نذكر منها إلا ما اشتهر أمره، وأهم الناثر والشاعر علمه:
الطباق - المطابقة - التكافؤ - التضاد
هو لغة الجمع بين الشيئين، واصطلاحا الجمع بين معنيين متقابلين، سواء أكان ذلك التقابل تقابل التضاد أو الإيجاب والسلب أو العدم والملكة أو التضايف، أو ما شابه ذلك، وسواء كان ذلك المعنى حقيقيا أو مجازيا١.
وهي تنقسم أولا إلى:
أ- مطابقة بلفظين من نوع واحد، سواء أكانا اسمين، نحو: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ ٢ أم فعلين نحو: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ ٣، وقوله ﵇ للأنصار: "إنكم لتكثرون عند الفزع وتلقون عند الطمع"، أم حرفين نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٤، وقول القائل:
ربكنا في الهوى خطرا فإما ... لنا ما قد ركبنا أو علينا
ب- مطابقة بلفظين من نوعين نحو: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، وقوله:
قد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع
والتقابل إما ظاهر كما سبق وإما خفي نحو: أشداء على الكفار رحماء بينهم فإن الرحمة تستلزم اللين المقابل للشدة، وقول أبي تمام:
ما الوحش إلا أن هاتا أو إنس ... قنى الخط إلا أن تلك ذوابل
لما في هاتان من القرب وتلك من البعد.
ثانيا إلى:
أ- طباق الإيجاب كما سلف لك من الأمثلة.
ب- طباق السلب، وهو أن يجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي،
стр. 348
أو أمر ونهي، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ٢.
ومن الطباق ما سماه بعضهم التدبيج من دبج الأرض زينها، واصطلاحا أن يذكر في معنى كالمدح وغيره ألوان لقصد الكناية أو التورية.
فتدبيج الكناية كقول أبي تمام يرثي أبا نهشل محمد بن حميد:
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
فقد كنى عن القتل بلبس الثياب الحمر وعن دخول الجنة بخضر السندس, إذ هو من شعار أهلها، وجمع بين الحمرة والخضرة على سبيل الطباق.
وتدبيج التورية كقول الحريري: فمذ ازور المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر، اسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر، فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر إنسان ذو صفرة، والبعيد الذهب, وهو المراد هنا، فيكون تورية، وأما بقية العبارة فكناية٣ ويلحق بالطباق شيئان أحدهما ما يسمى: إيهام التضاد، وهو الجمع بين معنيين غير متقابلين، معبرا عنهما بلفظين متقابلين، كقول دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فإن ضحك بمعنى ظهر، وبكى بمعناه الحقيقي.
وثانيهما: الجمع بين معنيين يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق كالسببية واللزوم، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٤ فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون٥.
стр. 349
المقابلة:
ومن الطباق نوع يخص باسم المقابلة، وهي أن يؤتى بمعيين متوافقين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك على سبيل الترتيب.
فمقابلة اثنين باثنين كقوله ﵇ لأم المؤمنين عائشة: "عليك بالرفق يا عائشة فإنه ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه".
وقول النابغة الجعدي:
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
ومقابلة ثلاثة بثلاثة كقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ١.
وقول المتنبي:
فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر
ومقابلة أربعة بأربعة، نحو: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٢ وتتضح لك مقابلة اتقى باستغنى إذا علمت أن المراد بالاستغناء الزهد فيما عند الله كأنه استغنى نه، فلم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، فلم يتق.
ومقابلة خمسة بخمسة٣ كقول أبي الطيب:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
ومقابلة ستة بستة كقول الآخر٤:
على رأس عبد تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينه
стр. 350
مراعاة النظير - التناسب - الائتلاف
هي أن يجمع في الكلام بين أمرين، أو أمور متناسبة، لا بالتضاد، وبالقيد الأخير يخرج الطباق.
فالجمع بين أمرين كقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ١.
وبين ثلاثة كقول البحتري يصف إبلا بالإنضاء والهزال:
"كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار".
فقد اختار تشبيهها بالقسي دون العراجين والأطناب٢ مثلا من أجل أنه أراد تشبيهها بالأسهم والأوتار، فيحصل بذكرها معها ملاءمة لا تحصل بدونها.
وبين أربعة كقول بعضهم للوزير المهلبي: أنت أيها الوزير إسماعيلي الوعد، شعبي التوفير، يوسفي العفو، محمدي الخلق.
وبين أكثر من أربعة كقول ابن رشيق:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم
فقد لائم بين الصحة والقوة والسماع والخبر والأحاديث والرواية، ثم بين السيل والحيا، أي: المطر والبحر، وكف تميم، وبذا صار الكلام ملتئم النسج، محكم التأليف والحوك، مع ما أدخله في البيت الثاني من حسن الصنعة، إذ أتى بصحة الترتيب في العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر، كما يقع في سند الأحاديث، ألا ترى أن السيول أصلها المطر، وهو أصله البحر، وهو أصله كف الممدوح على حسب ما ادعاه مبالغة في المدح.
تشابه الأطراف:
من مراعاة النظير ما يسمى: تشابه الأطراف: وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى كقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٣.
стр. 351
فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب من يدرك شيئا؛ لأن الخبير من له علم بالخفيات، ومن جملة الخفيات بل الظواهر الإبصار فيدركها.
ويلحق بها ما يسمى إيهام التناسب، وهو الجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظ يكون لهما معنيان متناسبان، وإن لم يكونا مقصودين هنا، كقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ ١، فالنجم هنا النبات الذي لا ساق له كالبقول وهو إن لم يكن مناسبا للشمس والقمر يوهم نجم السماء وهو مناسب لهما.
الإرصاد, التسهيم:
الإرصاد لغة نصب الرقيب في الطريق والتسهيم جعل البرد ذا خطوط كأنها فيه سهام, واصطلاحا أن يجعل قبل آخر الفقرة أو البيت ما يفهمهما عند معرفة الروي، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ٢، وقول البحتري:
أحلت دمي غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام
فالسامع إذا وقف على قوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ ، بعد الإحاطة، بما تقدم علم أنه ليس "إلا الكفور"، والحاذق بمعاني الشعر وتأليفه يعلم بعد أن عرف البيت الأول وصدر الثاني في بيتي البحتري أن ليس عجزه إلا ما قاله.
المشاكلة:
هي لغة المماثلة واصطلاحا ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا، فالأول كقوله عز وعلا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٣، إذ الجزاء على السيئة ليس بسيئة في الحقيقة لكنه سمي سيئة للمشاكلة اللفظية، وقوله ﵇: "إن الله لا يمل حتى تملوا" ٤، فقد وضع: لا يمل، موضع: لا يقطع عنكم ثوابه.
стр. 352
وقول أبي الرقعمق، وقد تظرف ما شاء:
قالوا اقترح شيئا تجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
فقد عبر عن خياطة الجبة بالطبخ لوقوعه في صحبة طبخ الطعام.
والثاني كقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ١، وهو مصدر مؤكد لآمنا بالله، والمعنى تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس.
وأصل ذلك أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية, ويقولون إنه تطهير لهم، فعبر عن الإيمان بالله بصبغة الله للمشاكلة بهذه القرينة الحالية٢.
المزاوجة:
هي لغة مصدر زواج بين الشيئين قرن بينهما، واصطلاحا أن يجمع بين الشرط والجزاء في ترتب لازم من اللوازم عليهما معا نحو:
إذا ما بدت فازداد منهما جمالها ... نظرت لها فازداد مني غرامها
فقد زاوج بين معنيين هما بدوها وظهورها ونظره لها في الشرط والجزاء في أن رتب عليهما لزوم شيء، وهو ازدياد الجمال وازدياد الغرام.
ونحوه قول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخ إلى الواشي فلج به الهجر
فقد جمع بين الشرط والجزاء في لزوم شيء وهو لجاج الهوى ولجاج الهجر، ولا يخفى ما في ترتب لجاج الهوى على النهي من المبالغة في الحب لاقتضائه أن ذكرها ولو على وجه العتب يزيد حبها ويثيره كما قال:
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
стр. 353
وما في ترتب لزوم الهجران علي وشي الواشي من المبالغة في كون حبه على شفا جرف، إذ يزيله مطلق الوشاية، فكيف يكون لو سمع أو رأى عيبا، كما قال الآخر:
ولا خير في ود ضعيف تزيله ... هواتف وهم كلما عرضت جفا
العكس, التبديل:
هو أن تقدم في الكلام جزءا، ثم تعكس فتقدم ما أخرت وتؤخر ما قدمت وهو على وجوه، منها:
١- أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أضيف إليه ذلك الطرف نحو قولهم: عادات السادات سادات العادات١، فالعادات أحد طرفي الكلام، والسادات مضاف إلى ذلك الطرف، وقد وقع العكس بينهما بأن قدم أولا العادات على السادات ثم السادات على العادات.
ونحو قوله بعضهم لآخر: لم لا تفهم ما يقال؟ فأجاب: لأنك لم تقل ما يفهم.
وقول متصدق: لا سرف في الخير، ردا على من اتهمه بالتبذير، وقال له: لا خير في السرف.
وقول المتنبي:
أرى كل ذي ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول
إذا أمطرت منهم ومنك سحابة ... فوابلهم طل وطلك وابل
٢- أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين نحو: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
وقول الحماسي:
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بأمر قد سمدن له سمودا٢
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
стр. 354
٣- أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين نحو: ما عليك من حسابهم من شيء يوما من حسابك عليهم من شيء، وقول الحسن البصري: إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف، وقول المتنبي:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
الرجوع:
هو رجوع المتكلم إلى الكلام السابق بنقضه وإبطاله لنكتة كالتحسر والتحزن في قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بل وغيرها الأرواح والديم
فإنه حين وقف على الديار دهش١ وذهل، فأخبر بما هو غير حاصل فقال: لم يعفها القدم ثم ثاب إليه لرشده فتدارك كلامه وقال: يلي وغيرها الأرواح والديم.
ونحو قول الحماسي:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل
التورية٢ - الإيهام - التخيير:
هي لغة مصدر ورى الخبر إذا ستره وأظهر غيره، واصطلاحا أن يذكر المتكلم لفظا له معنيان، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد، ودلالة اللفظ عليه خفية ويريد المعنى البعيد، ويوري عنه بالمعنى القريب فيتوهم السامع لأول وهلة أنه يريده، وهو ليس بمراد، ومن ثم سميت إيهاما، كقول لصلاح الصفدي:
وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحه
وقيل هل أبصرت منه يدا ... تشكرها قلت ولا راحه
فللراحة معنيان: قريب، وهو الكف، وهو المتبادر بقرينة ذكر اليد، وبعيد مراد وهو ضد التعب.
стр. 355
ونحوه قول الآخر:
أيها المعرض عنا ... حسبك الله تعالى
وقول الباخرزي صاحب دمية القصر:
يا خالق حملت الورى ... لما طغى الماء على جاريه
وعبدك الآن طفى ماؤه ... في الصلب فاحمله على جاريه
وهي ثلاثة أضرب:
١- مجردة، وهي التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المعنى القريب، نحو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، للاستواء معنيان: أحدهما الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود؛ لأن الحق تعالى منزه عن ذلك, والثاني: الاستيلاء والملك، وهو المعنى البعيد المقصود الذي ورى عنه بالقريب المذكور.
وقول أبي بكر، وقد سئل عن النبي ﵇ حين الهجرة، فقيل له: من هذا؟ فقال: "هاد يهديني"، أراد أبو بكر: هاديا يهديني إلى الإسلام، لكنه ورى عنه بهادي الطريق، وهو الدليل في السفر.
٢- مرشحة، وهي التي يذكر فيها لازم المورى به، وهو المعنى القريب، وهي قسمان:
أ- قسم يذكر فيه الترشيح قبلها كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ ٢ بأيد، فاليد هنا القدرة، وهي المعنى البعيد، وقد قرنت بالبناء الذي يناسب المعنى القريب، وهو الجارحة، ونحو قوله:
حملناهم طرا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا
فالمعنى القريب للدهم الخيول السود، وهو ليس بمراد، والمعنى البعيد القيود من الحديد وهو المراد، ورشح التورية بذكر حملناهم المناسب للمعنى القريب.
ب- قسم يذكر بعدها: كقوله: