← Баляга

Баляга · id 9997

علوم البلاغة

المراغي، أحمد بن مصطفى

Полный текст (425 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب من يدرك شيئا؛ لأن الخبير من له علم بالخفيات، ومن جملة الخفيات بل الظواهر الإبصار فيدركها. ويلحق بها ما يسمى إيهام التناسب، وهو الجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظ يكون لهما معنيان متناسبان، وإن لم يكونا مقصودين هنا، كقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ ١، فالنجم هنا النبات الذي لا ساق له كالبقول وهو إن لم يكن مناسبا للشمس والقمر يوهم نجم السماء وهو مناسب لهما. الإرصاد, التسهيم: الإرصاد لغة نصب الرقيب في الطريق والتسهيم جعل البرد ذا خطوط كأنها فيه سهام, واصطلاحا أن يجعل قبل آخر الفقرة أو البيت ما يفهمهما عند معرفة الروي، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ٢، وقول البحتري: أحلت دمي غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام فالسامع إذا وقف على قوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ ، بعد الإحاطة، بما تقدم علم أنه ليس "إلا الكفور"، والحاذق بمعاني الشعر وتأليفه يعلم بعد أن عرف البيت الأول وصدر الثاني في بيتي البحتري أن ليس عجزه إلا ما قاله. المشاكلة: هي لغة المماثلة واصطلاحا ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا، فالأول كقوله عز وعلا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٣، إذ الجزاء على السيئة ليس بسيئة في الحقيقة لكنه سمي سيئة للمشاكلة اللفظية، وقوله ﵇: "إن الله لا يمل حتى تملوا" ٤، فقد وضع: لا يمل، موضع: لا يقطع عنكم ثوابه.

стр. 352

وقول أبي الرقعمق، وقد تظرف ما شاء: قالوا اقترح شيئا تجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا فقد عبر عن خياطة الجبة بالطبخ لوقوعه في صحبة طبخ الطعام. والثاني كقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ١، وهو مصدر مؤكد لآمنا بالله، والمعنى تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس. وأصل ذلك أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية, ويقولون إنه تطهير لهم، فعبر عن الإيمان بالله بصبغة الله للمشاكلة بهذه القرينة الحالية٢. المزاوجة: هي لغة مصدر زواج بين الشيئين قرن بينهما، واصطلاحا أن يجمع بين الشرط والجزاء في ترتب لازم من اللوازم عليهما معا نحو: إذا ما بدت فازداد منهما جمالها ... نظرت لها فازداد مني غرامها فقد زاوج بين معنيين هما بدوها وظهورها ونظره لها في الشرط والجزاء في أن رتب عليهما لزوم شيء، وهو ازدياد الجمال وازدياد الغرام. ونحوه قول البحتري: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخ إلى الواشي فلج به الهجر فقد جمع بين الشرط والجزاء في لزوم شيء وهو لجاج الهوى ولجاج الهجر، ولا يخفى ما في ترتب لجاج الهوى على النهي من المبالغة في الحب لاقتضائه أن ذكرها ولو على وجه العتب يزيد حبها ويثيره كما قال: أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم

стр. 353

وما في ترتب لزوم الهجران علي وشي الواشي من المبالغة في كون حبه على شفا جرف، إذ يزيله مطلق الوشاية، فكيف يكون لو سمع أو رأى عيبا، كما قال الآخر: ولا خير في ود ضعيف تزيله ... هواتف وهم كلما عرضت جفا العكس, التبديل: هو أن تقدم في الكلام جزءا، ثم تعكس فتقدم ما أخرت وتؤخر ما قدمت وهو على وجوه، منها: ١- أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أضيف إليه ذلك الطرف نحو قولهم: عادات السادات سادات العادات١، فالعادات أحد طرفي الكلام، والسادات مضاف إلى ذلك الطرف، وقد وقع العكس بينهما بأن قدم أولا العادات على السادات ثم السادات على العادات. ونحو قوله بعضهم لآخر: لم لا تفهم ما يقال؟ فأجاب: لأنك لم تقل ما يفهم. وقول متصدق: لا سرف في الخير، ردا على من اتهمه بالتبذير، وقال له: لا خير في السرف. وقول المتنبي: أرى كل ذي ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول إذا أمطرت منهم ومنك سحابة ... فوابلهم طل وطلك وابل ٢- أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين نحو: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. وقول الحماسي: رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بأمر قد سمدن له سمودا٢ فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا

стр. 354

٣- أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين نحو: ما عليك من حسابهم من شيء يوما من حسابك عليهم من شيء، وقول الحسن البصري: إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف، وقول المتنبي: فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده الرجوع: هو رجوع المتكلم إلى الكلام السابق بنقضه وإبطاله لنكتة كالتحسر والتحزن في قول زهير: قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بل وغيرها الأرواح والديم فإنه حين وقف على الديار دهش١ وذهل، فأخبر بما هو غير حاصل فقال: لم يعفها القدم ثم ثاب إليه لرشده فتدارك كلامه وقال: يلي وغيرها الأرواح والديم. ونحو قول الحماسي: أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل التورية٢ - الإيهام - التخيير: هي لغة مصدر ورى الخبر إذا ستره وأظهر غيره، واصطلاحا أن يذكر المتكلم لفظا له معنيان، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد، ودلالة اللفظ عليه خفية ويريد المعنى البعيد، ويوري عنه بالمعنى القريب فيتوهم السامع لأول وهلة أنه يريده، وهو ليس بمراد، ومن ثم سميت إيهاما، كقول لصلاح الصفدي: وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحه وقيل هل أبصرت منه يدا ... تشكرها قلت ولا راحه فللراحة معنيان: قريب، وهو الكف، وهو المتبادر بقرينة ذكر اليد، وبعيد مراد وهو ضد التعب.

стр. 355

ونحوه قول الآخر: أيها المعرض عنا ... حسبك الله تعالى وقول الباخرزي صاحب دمية القصر: يا خالق حملت الورى ... لما طغى الماء على جاريه وعبدك الآن طفى ماؤه ... في الصلب فاحمله على جاريه وهي ثلاثة أضرب: ١- مجردة، وهي التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المعنى القريب، نحو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، للاستواء معنيان: أحدهما الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود؛ لأن الحق تعالى منزه عن ذلك, والثاني: الاستيلاء والملك، وهو المعنى البعيد المقصود الذي ورى عنه بالقريب المذكور. وقول أبي بكر، وقد سئل عن النبي ﵇ حين الهجرة، فقيل له: من هذا؟ فقال: "هاد يهديني"، أراد أبو بكر: هاديا يهديني إلى الإسلام، لكنه ورى عنه بهادي الطريق، وهو الدليل في السفر. ٢- مرشحة، وهي التي يذكر فيها لازم المورى به، وهو المعنى القريب، وهي قسمان: أ- قسم يذكر فيه الترشيح قبلها كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ ٢ بأيد، فاليد هنا القدرة، وهي المعنى البعيد، وقد قرنت بالبناء الذي يناسب المعنى القريب، وهو الجارحة، ونحو قوله: حملناهم طرا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا فالمعنى القريب للدهم الخيول السود، وهو ليس بمراد، والمعنى البعيد القيود من الحديد وهو المراد، ورشح التورية بذكر حملناهم المناسب للمعنى القريب. ب- قسم يذكر بعدها: كقوله:

стр. 356

فالنجم يطلق على ما لا ساق له من النبات وعلى الكواكب وقد أعاد إليه الضمير الأول في فوقه بمعناه الأول، وفي تحته بمعناه الثاني. ونحوه قول البحتري: فسقى الغضا والساكنيه وإن همو ... شبوه بين جوانح وقلوب١ فقد أراد بضمير الغضا في قوله: والساكنيه المكان، وفي قوله: شبوه، أي: أوقدوه الشجر. اللف والنشر: هو ذكر متعدد مفصل أو مجمل، ثم ذكر ما لكل من آحاده بلا تعيين، اتكالا على أن السامع يرد إلى كل ما يليق به لوضوح الحال٢. فالمفصل قسمان: ١- إما مرتب، كقوله تعالى: ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله، فقد جمع بين الليل والنهار بواو العطف، ثم أضيف إلى كل ما يليق به، فأضيف السكون إلى الليل؛ لأن فيه النوم والراحة، وابتغاء الرزق إلى النهار لما فيه من الكد والعمل. قول ابن حَيْوس: فهل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه ٢- وإما بعكس ترتيب اللقب، كقول ابن حيوس أيضا: كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدا وردفا فاللحظ للغزال والقد للغصن والردف للحقف وهو الرمل المتراكم. والمجمل، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٣.

стр. 357

فضمير قالوا لليهود والنصارى على سبيل اللف١، ثم أضيف ما لكل إليه بعد، إذ التقدير وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. ونحوه قوله ﵇: "فإن المرء بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فحتم عليه، ويوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه". الجمع: هو أن يجمع بين شيئين مختلفين، أو أكثر، في حكم واحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ٢. وقول أبي العتاهية: إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة٣ وقول ابن الرومي: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم التفريق: هو أن يعمد المتكلم إلى نوعين مندرجين تحت جنس واحد فيوقع بينهما تباينا في المدح أو الذم أو غيرهما كقول الوطواط في المدح: ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء٤ وقول صفي الدين الحلي: فجود كفيه لم تقلع سحائبه ... عن العباد وجود السحب لم يدم٥

стр. 358

التقسيم: هو ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين، وبقيد التعيين يخرج اللف فإنه لا تعيين فيه، بل الأمر موكول إلى السامع، وذلك كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ١. وقول أبي تمام: فما إلا الوحي أو حد مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل مائل فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل٢ وللتقسيم إطلاقان آخران: ١- ذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل حال ما يليق بها، كقول علي كرم الله وجهه: "أحسن إلى من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره". وقول أبي الطيب: سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهمو من طول ما التثموا مرد ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا وقوله أيضا: بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا٣ ٢- استيفاء أقسام الشيء كقوله ﵇: $"هل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت". وقول أبي تمام: إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا وقول نصيب: فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق وايمن الله ما ندري

стр. 359

الجمع مع التفريق: هو أن يجمع بين شيئين في معنى ويفرق بين جهتي الإدخال، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ١. وقول رشيد الدين الوطواط: فوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرها فقد شبه وجه الحبيب وقلبه هو بالنار، ثم فرق بين وجهي المشابهة بأن جعله في الوجه الضوء واللمعان وفي القلب الحرارة والاحتراق. وقول البحتري: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي البدر منا ولاقطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الجمع مع التقسيم: هو جمع أمور متعددة تحت حكم واحد، ثم تقسيمها أو تقسيمها ثم جمعها، فالأول كقول المتنبي يمدح سيف الدولة حين غزا خرشنة بأرض الروم ولم يفتحها: حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا٢ فقد جمع البيت الأول شقاء المقيمين بنواحي تلك البلدة بما يلحقهم من الإهانة ثم فصله في البيت الثاني. والثاني كقول حسان: قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع

стр. 360

قسم في البيت الأول صفات الممدوحين قسمين ضر الأعداء، ونفع الأولياء، ثم جمعها في البيت الثاني بقوله: سجية تلك، ثم أشار إلى شر الأخلاق ما كان مستحدثا مبتدعا لا ما كان غريزة وجبلة. الجمع مع التفريق والتقسيم: هذا النوع جامع للأنواع الثلاثة المتقدمة، وقد مثلوا له بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١ فالجمع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ ؛ لأن النفس متعددة في المعنى إذ هي نكرة في سياق النفي تعم، والتفريق في قوله : ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، والتقسيم في قوله عز وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ , ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ . ومن هذا النوع أيضا قول ابن شرف القيرواني: لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبي وللخائف الأمن التجريد: هو لغة: إزالة الشيء عن غيره، واصطلاحا هو أن ينتزع من أمر ذي صفة أو أكثر، أمر آخر أو أكثر مثله فيها، لإفادة المبالغة بادعاء كمال الصفة في ذلك الأمر حتى كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة مبلغا يصح أن ينتزع منه موصوف آخر متصف بتلك الصفة، فهي فيه كأنها تفيض بمثالاتها لقوتها كما يفيض الماء عن ماء البحر. وهو أقسام: ١- ما يكون بمن التجريدية كقولهم: لي من فلان صديق حميم، بلغ فلان من الصداقة حدا صح معه أن يستخلص منه صديق آخر مثله فيها.

стр. 361

٢- ما يكون بالباء التجريدة الداخلة على المنتزع منه، نحو: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر، فقد بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا فيها. ٣- ما يكون بدخول باء المعية على المنتزع كقوله: وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل١ يريد أنها تعدو بي ومعي من نفسي لكمال استعدادها للحرب. ٤- ما يكون بدخول "في" على المنتزع منه، نحو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ ٢، فإن جهنم هي دار الخلد، لكنه انتزع منها دارا أخرى وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدة. ٥- ما يكون بدون توسط حرف، نحو قول قتادة بن مسلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم يعني بالكريم نفسه وقد انتزع من نفسه كريما للمبالغة في كرمه. ٦- ما يكون بطريق الكناية، نحو قول الأعشى: يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا يريد أن يشرب الكأس بكف الجواد، فقد انتزع من المخاطب وهو الممدوح جوادا يشرب هو أي: الممدوح بكفه على سبيل الكناية٣؛ لأنه إذا نفي عنه الشرب بكف البخيل فقد أثبت له الشرب بكف الكريم، ومن البين أنه يشرب غالبا بكف نفسه، فهو حينئذ ذلك الكريم. ٧- ما يكون بمخاطبة الإنسان نفسه فينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سبق لها الكلام ويخاطبه كقول الأعشى: ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل

стр. 362

"تنبيهان" الأول: قال أبو علي الفارسي في سر تسمية هذا النوع بهذا الاسم أن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا عن الإنسان كأنه غيره وهو هو بعينه، كقولهم: لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد, ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر إلا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه. ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره، كما فعل الأعشى في قوله: "ودع هريرة إن الركب مرتحل" الثاني: لهذا الضرب من الكلام فائدتان إحداهما: التمكن من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح أو غيره؛ لأنه موجه خطابه إلى غيره فيكون أعذر وأبرأ من العهدة فيما يقول. ثانيتهما: طلب التوسع في الكلام، وذا من مزايا اللغة العربية. المبالغة, آراء العلماء فيها, أقسامها: هي ادعاء١ بلوغ وصف في الشدة أو في الضعف حدا مستحيلا أو بعيدا آراء العلماء فيها: للعلماء في المبالغة ثلاثة آراء: ١- الرفض مطلقا، وحجتهم أن خير الكلام ما خرج مخرج الحق وجاء على منهاج الصدق من غير إفراط ولا تفريط، كما قال حسان: وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا فإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا ٢-القبول مطلقا، وحجة أولئك أن خير الشعر أكذبه، وأفضل الكلام ما بولغ فيه. ٣- التوسط بين الأمرين، فتقبل مع الحسن إذا جرت على منهج الاعتدال، وهذا رأي جمهرة العلماء، ودليل ذلك وقوعها في التنزيل على ضروب مختلفة،

стр. 363

وترد إذا جاءت على جهة الإغراق والغلو، ويذم مستعملها، كما درج على ذلك أبو نواس وابن هانئ الأندلسي والمتنبي وأبو العلاء، وغيرهم. "أقسامها": أقسام المبالغة ثلاثة١: تبليغ وإغراق وغلو؛ لأن المدعى للوصف من الشدة أو الضعف إما أن يكون ممكنا في نفسه أولا الثاني الغلو، والأولى إما أن يكون ممكنا في العادة أولا، الأول: التبليغ، والثاني: الإغراق: ١- فالتبليغ٢ ما يكون المدعى فيه ممكنا عقلا، وعادة، كقول امرئ القيس: فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا فلم ينضح بماء فيغسل٣ فقد وصف هنا الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيتين في مضمار واحد ولم يعرق، وذلك مما لا يمتنع عقلا ولا عادة. ونظيره قول المتنبي: وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب فقد مدحه أولا بأنه يلحق كل وحش ولم يستثن شيئا، ثم عقبه بمدح أعظم ومبالغة أكثر في الشطر الثاني من أجل أنه أفاد به وفرة جريه وشدة صلابته. ٢- والإغراق ما يكون المدعى فيه ممكنا عقلا لا عادة، وهذا على ضربين: أ- وهو أجلبهما إلى حسن الإصغاء أن يقترن به ما يقر به من نحو لو ولولا وكاد وكأن، وإذ ذاك يظهر حسنه ويبهر شكله، كقول امرئ القيس في وصف محبوبته: من القاصرات الطرف لو دب محول ... من النمل فوق الإتب منها لأثرا٤ فقد وصفها بالرقة ونعومة الجسم، وقرب الدعوى بلفظ لو حتى جعل السامع يصغي إلى ما يقول:

стр. 364

ونحوه قول المتنبي: كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ب- أن يجيء مجردا عما ذكر، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي: ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا فقد ادعى أنه يتبع جاره الكرامة حيث سار، وهذا ليس بجائز في شرعة العادة، وإن أجازه العقل. ٣- والغلو ما يكون المدعى فيه غير ممكن لا عادة ولا عقلا، وهذا مسرح الشعراء المفلقين في مدحهم وهجوهم، وهو على قسمين: مقبول، ومردود. فالمقبول أنواع: ١- أن يقترن به ما يقر به إلى الإمكان كلفظ يكاد في قول ابن حمديس: ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق١ وأجمل منه قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ٢. ٢- أن يتضمن نوعا حسنا من تخييل الصحة، كقول أبي الطيب: عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا٣ فقد ادعى تراكم الغبار المرتفع من سنابك الخيل فوق رءوسها بحيث صار أرضا يمكن السير عليها، وهذا وإن كان غير ممكن، يخيل إلى الوهم من ادعاء كثرته وكونه كالجبال صحته، وقد اجتمع السبب الأول والثاني في قول القاضي الأرجاني يصف طول الليل: يخلي لي أن سمر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني ٣- أن يخرج مخرج الخلاعة والهزل كقوله: "أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب غدا إن ذا من العجب".

стр. 365

فلا شك أن سكره على هذه الصفة محال، لكن حسنه الهزل لمجرد سرور المجالس ومضاحكته، والمردود ما جرى من الاعتبارات المتقدمة كقول أبي نواس يمدح هارون الرشيد: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق وقول أبي الطيب: كأني دحوت الأرض من خبرتي بها ... كأني بنى الإسكندر السد من عزمي شبه نفسه بالخالق جل وعلا في دحوه الأرض، ثم فجأة نزل إلى الحضيض فشبه نفسه بالإسكندر. المذهب الكلامي ١: هو أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة عقلية قاطعة تصح نسبتها إلى علم الكلام. ولم يستشهد على هذا النوع بأعظم من شواهد القرآن، فمن لطيف ذلك قوله عز وعلا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢، إذ تمام الدليل: لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة غير الله. وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ٣ لأن تحليل القياس: القمر آفل وربي ليس بآفل فالقمر ليس بربي. وقوله ﵇: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا"، إذ تمام الدليل: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم. ويرى أن أبا دلف العجلي قصده شاعر تميمي، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال له التميمي: بتلك الهداية جئت إليك، فأفحمه.

стр. 366

حسن التعليل: هو أن يدعي شاعر وناثر لشيء علة مناسبة غير العلة الحقيقية على جهة الاستظراف وذلك لإيهام تحقيقه وتقريره من قبل أن الشيء معللا آكد في النفس من إثباته مجردا عن التعليل. وأقسامه أربعة: لأن الوصف إما ثابت قصد بيان علته، أو غير ثابت أريد إثباته، والثابت إما ألا يظهر له علة في العادة، أو يظهر له علة غير المذكورة، وغير الثابت إما ممكن أو غير ممكن. ١- فالأول، كقول أبي تمام: لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي فقد جل علة حرمان الكريم من الغنى هي العلة التي من أجلها حرم المكان العالي السيل، فكما أن العلو هو السبب في حرمان المكان العالي كذلك علو قدر الكريم هو المانع له من الغنى الذي هو كالسيل في حاجة الخلق إليه. ومما جاء بديعا نادرا من هذا الضرب قول أبي هلال العسكري: زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنا فسلوا من قفاه لسانه فخروج ورقة البنفسج إلى الخلف مما لا تظهر علته، لكنه جعلها الافتراء على المحبوب. ٢- والثاني، كقول المتنبي: ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب جرت العادة بأن الملوك إنما يقتلون أعداءهم ليسلموا من أذاهم وضرهم، لكن أبا الطيب اخترع سببا غريبا وتخيل أن الباعث له على قتل الأعادي لم يكن إلا محبته لإجابة من يطلب الإحسان، فهو قد فتك بهم لعلمه علم اليقين بأنه إذا غدا للحرب رجت الذئاب والوحوش الضواري أن يتسع عليها رزقها١، وتنال من علوم أعدائه القتلى، فما أراد أن يخيب لها مطلبا، ومن لطيف هذا النوع قول ابن المعتز:

стр. 367

قالوا اشتكت عينه فقلت لهم ... من كثرة القتل نالها الوصب حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب ٣- والثالث، كقول مسلم بن الوليد: يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق فإن استحسان إساءة الواشي ممكن لكنه لما كان مخالفا عليه الناس احتاج إلى تعقيبه بذكر سببه وهو حذره من الواشي، ولأجل ذلك امتنع من البكاء، فسلم إنسان عينه من الغرق في الدموع. ٤- والرابع، كمعنى بيت فارسي، ترجمته: لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق فنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ممكنة قصد إثباتها, وجعل الدليل على ذلك شدها النطاق. ومما يلحق بحسن التعليل وليس١ منه ما بني على الشك كقول أبي تمام: ربا شفعت ريح الصبا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهن مدامع فقد علل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب بأنها غيبت حبيبا تحت تلك الربى فهي تبكي عليه. التفريع: هو أن يثبت حكم لشيء بينه٢ وبين أمر آخر نسبة وتعلق بعد أن يثبت ذلك الحكم لمنسوب آخر لذلك الأمر، فلا بد إذا من متعلقين أي: شيئين منسوبين لأمر واحد كغلام محمد وأبيه بالنسبة إلى محمد، فمحمد أمر واحد له متعلقان، أي: منسوبان له، أحدهما غلامه والآخر أبوه، ولا بد من حكم واحد يثبت لأحد المتعلقين، وهما الغلام والأب, بعد إثباته للآخر، كأن يقال: غلام محمد فرح ففرح أبوه, فالفرح حكم أثبت لمتعلقي محمد، وهما غلامه وأبوه، وإثباته للثاني

стр. 368

على وجه يشعر بتفريعه عن الأول، وعليه قول الكميت يمدح آل البيت: أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفي من الكلب فقد فرع من وصفهم بشفاء أحلامكم لسقام الجهل ووصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلب. تأكيد المدح بما يشبه الذم: وهو على ضروب ثلاثة: ١- وهو أبلغها أن يستثني من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها، وذلك هو الغاية القصوى في المدح كقول النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب١ فقد أثبت لهم شيئا من العيوب بتقدير عد فلول السيف من المعايب، وهذا محال؛ لأن ذلك دليل كمال الشجاعة وفرط الحمية، فكأنه في المعنى تعليق على المحال، كما قالوا في الأمثال: حتى يبيض الفأر، و ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ، وفي هذا الأسلوب تأكيد من وجهين: أ- أنه كدعوى أقيم عليها البرهان، إذ كأنه استدل على نفي العيب عنهم بتعليق وجوده على وجود ما لا يكون وما لا يتحقق بحال. ب- أن الأصل في الاستثناء الاتصال، فإذا تلفظ المتكلم بغير أو إلا أو نحوهما دار في خلد السامع قبل النطق بما يذكر بعدها أن الآتي مستثنى من المدح السابق، وأنه يراد به إثبات شيء من الذم وهذا ذم، فإذا أتت بعدها صفة مدح تأكد المدح لكونه٢ مدحا على مدح في أبهى قالب وآنق منظر. ونظيره قول ابن الرومي: وما تعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتخير كذلك أنفاس الرياض بسحره ... تطيب وأنفاس الرياض تغير

стр. 369

وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ ١. ٢- أن يثبت لشيء صفة مدح وتعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى كقوله ﵇: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش". وقال النابغة الجعدي: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا وهذا الضرب يفيد التأكيد من الوجه الثاني فقط، ومن ثم كان الضرب الأول أبلغ وأجمل. ٢- أن يؤتى بالاستثناء المفرغ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ ٢، إذ المعنى: وما تعيب منا إلا أسس المناقم ودعائم المفاخر كلها وهو الإيمان بآيات الله. ويجري الاستدراك في هذا الباب مجرى الاستثناء، كقول البديع الهمذاني: هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل فإن قوله: إلا وسوى استثناء مثل: بيد أني من قريش، وقوله: لكنه استدرك يفيد فائدة الاستثناء إذ إلا في باب الاستثناء المنقطع بمعنى لكن. تأكيد الذم بما يشبه المدح: وهو ضربان: ١- أن يستثني من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها كما تقول: فلان لا خير فيه إلا أنه يتصدق بما يسرقه٣. ٢- أن يثبت للشيء صفة ذم وتعقب بأداة استثناء عليها صفة ذم أخرى له كما تقول: فلان حسود إلا أنه نمام، وبيان إفادة الضربين للتوكيد على تفاوت فيهما تفهم قياسا عل ما عرفت في النوع السالف، كما أن الاستدراك كالاستثناء.

стр. 370

الاستتباع: هو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر، كقول المتنبي: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد فقد مدحه ببلوغه الغاية في الشجاعة إذ كثر قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم لخلد في الدنيا، على أسلوب استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها من قبل أنه جعل الدنيا مهنأة بخلوده, ولا تهنأ إلا بما فيه صلاحها. وفي البيت وجهان آخران من المدح: أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال، وثانيهما أنه لم يكن ظالما في قتل أي أحد من مقتوليه؛ لأنه لم يقصد بذا إلا صلاح الدنيا وأهلها فهم مسرورون ببقائه. الإدماج: هو لغة الإدخال، فيقال: أدمج الشيء في ثوب، إذا لفه فيه، واصطلاحا: أن يجعل المتكلم الكلام الذي سيق لمعنى من مدح أو غيره١ متضمنا معنى آخر كقول أبي الطيب: أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد به على الدهر الذنوبا٢ فقد ساق الكلام أصالة لبيان طول الليل, وأدمج في ذلك على جهة الاستتباع الشكاية من الدهر. ونحوه قول ابن المعتز في وصف نبات يسمى الخيري: فقد نقض العاشقون ما صنع الهجـ ... ـر بألوانهم على ورقة فإن الغرض وصف الخيري بصفة لكنه أدمج الغزل في الوصف. وفيه وجه ثان من الحسن وهو إيهام الجمع بين متنافيين وهما الإيجاز والإطناب، أما الأول فمن جهة الإدماج، وأما الثاني فلأن الغرض الوصف بالصفرة، واللفظ زائد عليه لفائدة.

стр. 371

التوجيه - الإيهام: هو إيراد الكلام محتملا معنيين على السواء١، كهجاء ومديح، ليبلغ القائل غرضه الذي يريده بما لا يمسك عليه. كما روي أن محمد بن حزم هنأ الحسن بن سهل بتزويج ابنته بوران للخليفة المأمون مع من هنأه فأثابهم وحرمه، فكتب إليه: إن أنت تماديت في حرماني قلت فيك شعرا لا يعرف أمدح هو أم ذم. فاستحضر وسأله، فأقر، فقال الحسن: لا أعطيك أو تفعل، فقال: بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن٢ يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من فلا يدري ببنت من في العظمة وعلو الشأن أم في الدناءة والخسة. فاستحسن الحسن منه ذلك وقال له: أمن مبتكراتك هذا؟ فقال: لا، بل نقلته من شعر بشار بن برد، وكان كثير العبث بهذا النوع. ومن أحاديثه في ذلك أنه خاط قباء عند خياط يسمى زيدا٣، فقال له الخياط مازحا: لأخيطنه فلا تدري أهو جبة أم قباء. فقال بشار: إذا أنظم فيك شعرا لا يعلم من سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك، فلما خاطه له كما أخبره قبل، قال فيه بشار: خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء قل لمن يعرف هذا ... أمديح أم هجاء٤ قال السكاكي: ومن هذا النوع متشابهات القرآن باعتبار أي: وهو احتمالها وجهين، وإن كانت تفارقه باعتبار آخر وهو عدم تساوي الاحتمالين؛ لأن أحد المعنيين في المتشابهات قريب والآخر بعيد كما تقدم من عد المتشابه من التورية.

стр. 372

الهزل الذي يراد به الجد ١: هو أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه فيخرج ذلك المقصد مخرج الهزل والمجون، كقول أبي نواس: إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب أي: تباعد عن هذا التفاخر وخبرني كيف تأكل الضب، ولا مفاخرة مع من يأكله؛ لأن أشرف الناس تعافه، ونظيره قول ابن نباتة: سلبت محاسنك الغزال صفاته ... حتى تحير كل ظبي فيكا لك جيده ولحاظه ونفاره ... وكذا نظير قرونه لأبيكا تجاهل العارف: هو سوق المعلوم مساق غيره٢، لنكتة: ١- كالتوبيخ في قول ليلى بنت طريف ترثي أخاها الوليد حين قتله يزيد بن مزيد الشيباني في عهد هارون الرشيد: أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف ٢- وكالمبالغة في المدح في قول البحتري: ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي٣ ٣- وكالمبالغة في الذم كقول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أو نساء ٤- وكالتدله في الحب كقول الحسين بن عبد الله الغريبي: بالله يا ظبيات القاع قلنا لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر ٥- وكالتحقير في قوله تعالى حكاية عن الكفار:

стр. 373

﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١. ٦- وكالتعريض٢ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٣. ٧- وكالإيناس؛ لأن المقام مقام هيبة ورهبة كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ٤. القول بالموجب: هو نوعان: ١- أحدهما أن تقع صفة في كلام غيرك كناية عن شيء أثبت له حكم فتثبت أنت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم لذلك الغير أو نفيه عنه، نحو: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥، فالأعز صفة وقعت في كلا المنافقين كناية عن فريقهم والأذل كناية عن المؤمنين، وقد أثبتوا لفريقهم حكما هو إخراج المؤمنين من المدينة عند رجوعهم إليها، فرد الله تعالى عليهم بإثبات صفة العزة لغيرهم من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج أو انتفائه. ٢- الأسلوب الحكيم، وقد تقدم، وهو حمل لفظ وقع في كلام غيرك على خلاف مراده مما يحتمله ذلك اللفظ بذكر متعلقه كالبيت الثالث٦ من قوله: وإخوان حسبتهمو دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي وخلتهمو سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي

стр. 374

الاطراد: هو أن يذكر اسم الممدوح واسم من يمكن أن آبائه على ترتيب الولادة ليزداد إبانة وتوضيحا على ترتيب صحيح ونسق مستقيم من غير تكلف ولا تعسف, فيكون كالماء الجاري رقة وانسجاما، كقوله: إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب١ وقول دريد بن الصمة: قتلناك بعبد الله خير لدانة ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب وقد روي أن عبد الملك بن مروان لما سمعه قال: لولا القافية لبلغ به آدم. ومن ذلك قول النبي ﵇: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". أما ذكر الأمهات والجدات فليس محمودا عند البلغاء لما فيه من إنزال قدر الممدوح، ولهذا عيب على أبي نواس قوله يمدح محمدًا الأمين: أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام تدريب أول: بين نوع المحسنات المعنوية فيما يلي: ١- ومولع بفخاخ يمدها وشباك ... قالت لي العين ماذا يصيد قلت كراكي ٢- لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني قد خطرت ببالكا ٣- وللغزالة شيء من تلفته ... ونورها من ضيا خديه مكتسب ٤- الدهر يصمت وهو أبلغ ناطق ... من موجز ندس ومن ثرثار ٥- ليس به عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه ٦- ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ٢. ٧- رأى جسدي والدمع والقلب والحشا ... فأضنى وأفنى واستمال وتيما

стр. 375

٨- آراؤه وعطاياه ونعمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم ٩- يا قوم كم من عاتق عانس ... ممدوحة الأوصاف في الأندية قتلتها لا أتقي وارثا ... يطلب مني قودا أو دية الإجابة: ١- في هذا البيت تورية في لفظ كراكي، إذ المعنى القريب له "جمع كركي" وهو الطائر المعروف، وهو ليس بمراد، والمعنى البعيد، والمراد من الكركي، هو النوم. ٢- في هذا البيت طباق بين ساء وسر. ٣- فيه استخدام ذكر لفظ الغزالة بمعنى الحيوان المعروف، وأعاد إليه الضمير بمعنى الشمس. ٤- فيه طباق بين يصمت وناطق وبين موجز وثرثار. ٥- فيه تأكيد المدح بما يشبه الذم من الضرب الأول. ٦- في الآية تورية لذكر جرحتم إذا لها معنيان قريب من جرحه جرحا شق بعض بدنه وليس ذا بمراد، وبعيد هو المراد وهو اكتسبتم الذنوب من جرح الرجل اكتسب فهو جارح, وهي مجردة لعدم ذكر لازم المعنى القريب. ٧- فيه لف ونشر مرتب إذ ذكر أربعة أشياء ثم أتى بما يقابلها على الترتيب. ٨- فيه جمع إذ جمع بين أشياء وأعطاها حكما واحدا. ٩- في البيتين تورية إذ من يسمع العاتق والعانس والقتل يفهم منها المعنى القريب, وهو البكر والموت لكنه أراد منها المعنى البعيد وهو الخمر والمزج بالماء. تدريب ثان: بين نوع المحسن المعنوي فيما يلي: ١- وقد أطفئوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج ٢- فوا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفي ومطوي على الغل غادر ٣- كأن الثريا علقت في جبينه ... وفي خده الشعري وفي وجهه البدر

стр. 376

٤- أبكيكما دمعا ولو أني على ... قدر الجوى أبكي بكيتكما دما ٥- من مبلغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل ٦- إن الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر دونها الأعمار ٧- فأف لهذا الدهر لا بل لأهله ٨- فهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر الإجابة: ١- فيه طباق بين أطفئوا وأوقدوا. ٢- فيه مقابلة بين ناصح وفي وبين مطوي على الغل غادر إذ الغل ضد النصح والغدر ضد الوفاء. ٣- فيه مراعاة النظير لجمعه أشياء متناسبة لا على جهة التضاد، وهي الثريا والشعر والبدر. ٤- في أرصاد؛ لأنه جعل قبل العجز من البيت ما يدل عليه إذ عرف الروي. ٥- فيه مشاكلة فقد عبر عن اختيار الجار بالبناء مشاكلة لبناء الدار. ٦- فيه العكس فقد قدم في الكلام جزءا ثم أخر ما قدم في البيت الثاني. ٧- فيه الرجوع فقد نقض ما قاله أولا. ٨- فيه تقسيم باستيفاء أقسام الشيء؛ لأن الغائب لا يخلو من هذه الثلاثة. تدريب ثالث: ١- أن تلقني لا ترى غيري بناظره ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد ٢- لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال ٣- وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه. ٤- قال الشيرازي في "شرح المفتاح" العثير الغبار ولا تفتح فيه العين. ٥- أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم ٦- أودع رجل بعض القضاة أموالا فادعى ضياعها، فقال ابن دويدة المغربي يخاطبه:

стр. 377

إن قال قد ضاعت فيصدق إنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي أو قال قد وقعت فيصدق إنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع ٧- إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها ٨- فتى قسم الأيام بين سيوفه ... وبين طريفات المكارم والبلد فسود يوما بالعجاج وبالرىدى ... وبيض يوما بالفضائل والمجد الإجابة: ١- فيه تجريد جاء على طريق الكناية فقد كنى بالأسد عن نفسه. ٢- فيه تجريد فقد جرد من نفسه شخصا ثم خاطبه. ٣- فيه المذهب الكلامي، إذ التقدير: والإعادة أهون من البدء، والأهون أدخل في الإمكان من البدء، فالإعادة أدخل في الإمكان من البدء وهو المطلوب. ٤- في قوله: ولا تفتح فيه العين تورية، فالمعنى القريب النهي عن فتح العين وهو الجارحة، وليس بمراد، والبعيد النهي عن فتح العين في اللفظ، لئلا يلزم التحريف. ٥- فيه تجاهل العارف بسوق المعلوم مساق المجهول. ٦- فيه القول بالموجب، إذ هو قد حمل لفظي ضاعت، ووقعت الواقعين في كلام القاضي إلى معنى آخر مراد يحتمله اللفظ. ٧- فيه المزاوجة فقد زاوج بين احتربت وتذكرت الواقعتين في الشرط والجزاء ورتب على كل منهما أمرا, وهو فيضان الدماء وفيضان الدموع. ٨- فيه جمع وتقسيم؛ لأنه جمع أيام الممدوح في الحرب والعطاء، ثم قسم ذلك. تمرين أول: بين نوع المحسن المعنوي فيما يلي: ١- ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها ٢- يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ٣- أسكر سكرى من المدام إذا ... مر بفكري خيال مبسمة

стр. 378

٤- بدائع الحسن فيه مفترقة ... وأعين الناس فيه متفقة سهام ألحاظه مفوقه ... فكل من رام لحظة رشقة ٥- أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ يرجو شبابك وائل ٦- فارقني من أحب وأحزني ... وأحزني من حب من فارقني ٧- قالوا: حبيبك محموم فقلت لهم ... أنا الذي كنت في حمائه السبب عانقته ولهيب النار في كبدي ... يوما فأثر فيه ذلك اللهب ٨- أنت بدر حسنا وشمس علوا ... وحسام غزا وبحر نوالا تمرين ثان: ١- فثوبي مثل شعري مثل نحري ... بياض في بياض في بياض ٢- ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن ٣- ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١. ٤- أبادهم فلبيت المال ما جمعوا ... والروح للسيف والأجساد للرخم ٥- إن ترد خبر حالهم عن يقين ... فالفهم في منازل أو نزال تلق بيض الوجوه سود مثار النـ ... ـقع خضر الأكناف حمر النصال ٦- فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل ٧- أهدى لمجلسه الكريم وإنما ... أهدى له ما حزت من نعمائه كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه ٨- فلان لا خير فيه إلا أنه ذو وجهين تمرين ثالث: ١- يا سادة لبعدهم ... أصبحت صبا وصبا لجين دمعي كم جرى ... لطيب عيش ذهبا ٢- زيادة المرء في دنيا نقصان ... وربحه غير فعل الخير خسران ٣- إذا صدق الجد أفترى العم للفى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال

стр. 379

٤- وما طيب الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا ٥- ولا عيب فيهم غير أن ذوي الندى ... خساس إذا قيسوا بهم ولئام ٦- بكت فقدك الدنيا قديما بدمعها ... فكان بها في سالف الدهر طوفان ٧- الأرض طرس والرياض سطوره ... والزهر شكل بينهما وحروف ٨- والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط ٩- قال الحطيئة: ندمت على لسان كاد مني ... فليت بأنه في جوف علم

стр. 380

المحسنات المعنوية ... أقلعت عن رشف الطلا ... واللثم في خد الحبب وقلت هذي راحة ... تسوق للقلب التعب١ فالمعنى القريب للراحة ضد التعب وليس بمراد، والآخر بمعنى الخمر، وهو المراد، ورشحه بذكر التعب بعده. ٣- مبينة، وهو ما قرنت بما يلائم المعنى البعيد، كقول ابن سناء الملك: أما والله لولا خوف سخطك ... لهان علي ما ألقى برهطك ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك فالمعنى القريب للخافقين: المشرق والمغرب، وذا ليس بمراد، والمعنى البعيد المراد القلب، والقرط، وقد بينه الشاعر بالنص عليه. الاستخدام: هو ذكر اللفظ بمعنى وإعادة ضمير أو إشارة عليه بمعنى آخر، أو إعادة ضميرين عليه تريد بثانيهما غير ما تريد بأولهما، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، فالمراد بالشهر الهلال وبضميره الزمان المعلوم. وقول ابن معتوق الموسوي المتوفى سنة ١٠٢٥هـ: تالله ما ذكر العقيق وأهله ... إلا وأجراه الغرام بمحجري إذ المراد بالعقيق الوادي الذي بظاهر المدينة ببلاد الحجاز, وبالضمير الذي يعود إليه الدم الأحمر الشبيه بالعقيق. والثاني، كقوله: رأى العقيق فأجرى ذاك ناظره ... متيم لج في الأشواق خاله فقد أراد بالعقيق أولا المكان، ثم أعاد اسم الإشارة إليه بمعنى الدم. والثالث، كقول شوقي يخاطب الإله جل وعلا: العقل أنت عقلته وسرجته ... وأحرت فيك دليله وأرحته آتيته الحجر الأصم ونحتة ... والنجم يعبد فوقه أو تحته٢

стр. 381

المحسنات اللفظية: الجناس, التجنيس, أقسامه, فائدته. هو لغة مصدر جانس الشيء الشيء شاكله واتحد معه في الجنس، واصطلاحا تشابه الكلمتين في اللفظ١ مع اختلاف في المعنى، وينقسم قسمين: ١- تام، وهو ما اتفق فيه اللفظان في أربعة أشياء: أ- هيئة الحروف، أي: حركاتها وسكناتها. ب- عددها. جـ- نوعها. د- ترتيبها. أ- فالمماثل هو ما كان اللفظان فيه من نوع واحد اسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٢، فالساعة الأولى يوم القيامة والثانية واحدة الساعات. وقول محمود سامي البارودي: تحملت خرف المن كل رزيئة ... وحمل رزايا الدهر أحلى من المن فالمن الأول تعداد الصنائع والنعم نحو: أعطيتك كذا وأحسنت إليك بكذا، والمن الثاني العسل. ب- والمستوفي ما كان اللفظان فيه من نوعين كاسم وفعل، كقول أبي تمام: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله

стр. 382

٢- مركب، وغير مركب: أ- فغير المركب كالأمثلة التي فرطت. ب- والمركب ما كان أحد ركنيه لفظا مركبا، ويسمى جناس التركيب، وينقسم إلى قسمين: مركب من كلمتين تامتين، ويسمى بالملفوف. كقول القاضي الفاضل: عضنا الدهر بنابه ... ليت، راحل بنابه لا يوالي الدهر إلا ... خاملا ليس بنابه ومركب من كلمة وبعض كلمة، ويسمى مرفوضا، كقول الحريري: والمكر مهما استطعت لا تأته ... لتقتني السودد والمكرمة وقوله أيضا: فلا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي المزن حال مصابه ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاة ومطعم صابه ٣- متشابه ومفروق؛ لأنه إن توافقت المركبة من كلمتين مع غير المركبة في الخط لقب بالمشابه كقول بعض البلغاء: يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك، وإن لم تنفقا فيه لقب بالمفروق نحو: لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها فمتى عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها وغير التام ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الأربعة المتقدمة: ١- فإن اختلفا في هيئة الحروف سمي جناسا محرفا، والاختلاف قد يكون في الحركة فقط، كقولهم: لا تنال الغرر١، إلا بركوب الغرر، وقد يكون في الحركة والسكون، كقولهم: البدعة شرك لشرك. وقول الحريري: فقلت للائمي أقصر فإني ... سأختار المقام على المقام

стр. 383

٢- وإن اختلفا في العدد سمي ناقصا، ويكون ذلك على وجهين: أ- ما كان بزيادة حرف إما في الأول كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ١ ويسمى مردوفا، وإما في الوسط كقولهم: جدي جهدي٢، ويسمى مكتنفا، وإما في الآخر، ويسمى مطرفا، كقول أبي تمام: يمدحون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب٣ ب- ما كان بزيادة أكثر من حروف، ويسمى مذيلا. ٣- وإن اختلفا في نوع الحروف اشترط ألا يكون الاختلاف بأكثر من حرف، وذلك على وجهين: أ- أن يكون هو وما يقابله في الطرف الآخر متقاربي المخرج ويسمى مضارعا، والاختلاف إما في الأول كقول الحريري: بيني وبين كنى ليلى دامس وطريق طامس٤، أو في الوسط كقولهم: البرايا أهداف البلايا، أو في الآخر، كقول الحريري لهم في السير: جرى السيل وإلى الخير جرى الخيل. ب- أن يكونا غير متقاربي المخرج ويسمى لاحقا، والاختلاف إما في الأول نحو: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ٥, أو في الوسط نحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ٦. أو في الآخر، كقول البحتري: ألما فات من تلاق تلاف ... أم لشاك من الصبابة شاف ٤- وإن اختلفا في ترتيب الحروف سمي جناس القلب، وهو ضربان:

стр. 384

أ- قلب الكل، كقولهم: حسامة فتح لأوليائه، حتف لأعدائه. ب- قلب البعض، كقوله ﵇: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا"، وقول بعضهم: رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه. تنبيهات: الأول: إذا وقع أحد المتجانسين جناس القلب في أول البيت والآخر في آخره سمي مقلوبا مجنحا١، كقول ابن نباتة المصري: ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاسي الثاني: إذا ولي أحد المتجانسين سمي مزدوجا ومكررا ومرددا كما في الحديث: "المؤمنون هينون لينون" وكقولهم: من طلب شيئا وجد وجد. وقول البستي: أبا العباس لا تحسب لشيني ... بأني من حلا الأشعار عار الثالث: من التجنيس نوع يسمى تجنيس الإشارة، وهو ألا يذكر أحد المتجانسين في الكلام، ولكن يشار إليه بما يدل عليه، نحو: حلقت لحية موسى باسمه ... وبهرون إذا ما قلبا فلا شك أنك إذا ما قلبت هرون من آخره إلى أوله يصير "نوره"، لكنه لم يذكرها بلفظها، بل أشار إليها بقوله: وبهرون إذا ما قلبا. الرابع: يلحق بالتجنيس شيئان: أ- أن يجمع اللفظين الاشتقاق، كقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ ٢، وقول أبي تمام: فيا دمع أنجدني على ساكني نجد ب- أن تجمع اللفظين المشابهة وهي ما يشبه٣ الاشتقاق وليس باشتقاق، كقوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ ٤.

стр. 385

وقول البحتري: إذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العذول فيها هباء قال في "أسرار البلاغة": لا يحسن تجانس اللفظين إلا إذا كان موقع معنيهما من العقل موقعا حميدا, ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله: ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب واستحسنت تجنيس القائل: حتى نجا من خوفه وما نجا١. وقول المحدث: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعاني أمت بما أودعاني لأمر يرجع إلى اللفظ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول, وقويت في الثاني ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفا مكررة تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ويوهمك كأنه لم يزدك, وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه السريرة صار التجنيس، وخصوصا المستوفى منه، المتفق في الصورة من حلى الشعر, ومذكورا في أقسام البديع، ا. هـ. وقال ابن رشيق في "العمدة": التجنيس من أنواع الفراغ وقلة الفائدة, ومما لا يشك في تكلفه، وقد أكثر منه الساقة المتعقبون في نظمهم ونثرهم، حتى برد ورك، ا. هـ. وقال ابن حجة الحموي في "خزانة الأدب": أما الجناس فإنه غير مذهبي ومذهب من نسجت على منواله من أهل الأدب. رد العجز على الصدر - التصدير: هو في النثر جعل أحد اللفظين المكررين٢ أو المتجانسين٣ أو ملحقين٤ بهما اشتقاقا أو شبه اشتقاق في أول الفقرة، والآخر في آخرها، فالمكرران نحو:

стр. 386

﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاه﴾ ١، والمتجانسان نحو: سائل اللئم يرجع ودمه سائل، والملحقان بهما اشتقاقا ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ٢ وشبه اشتقاق نحو: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ . وفي النظم أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول أو في حشوه أو في آخره أو في صدر المصراع الثاني٣، فالأول نحو: تمنت سليمي أن أموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنت والثاني كقول الصمة بن عبد الله القشيري: أقول لصاحبي والعيس تهوى ... بنا بين المنيفة فالضمار تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار٤ والثالث كقول أبي تمام: ومن كان بالبيض الكواكب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما٥ والرابع كقول ذي الرمة: وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها والخامس كقول القاضي الأرجاني: دعاني من ملامكما سفاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني والسادس كقول الثعالبي: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل٦ والسابع كقول الحريري:

стр. 387

فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني١ والثامن كقول القاضي الأرجاني: أملتهم ثم تأملتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فلاح والتاسع كقول البحتري: ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا والعاشر كقول أبي العلاء: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذاب يهجر للإفراط في الخصر٢ والحادي عشر كقول ابن عيينة المهلبي: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير والثاني عشر كقول أبي تمام في مرثية محمد بن نهشل حين استشهد: وقد كانت البيض القواضب في الوغى ... بواتر وهي الآن من بعده بتر٣ "تنبيه" تركنا المثل الأربعة الباقية الملحقة بالتجانس التي يجمعها الاشتقاق الأكبر لقلة استعمالها. السجع, شروط حسنة, حكمه, أقسامه: هو في المنثور بإزاء التصريع الآتي بيانه في المنظوم، وهو لغه من قولهم: سجعت الناقة إذا مدت حنينها على جهة واحدة، واصطلاحا أن تتواطأ الفاصلتان في النثر على حرف واحد. شروط حسنة: لا يحسن السجع كل الحسن إلا إذا استوفى أربعة أشياء: ١- أن تكون المفردات رشيقة أنيقة خفيفة على السمع. ٢- أن تكون الألفاظ خدم المعاني، إذ هي تابعة لها، فإذا رأيت السجع

стр. 388

لا يدين لك إلا بزيادة في اللفظ، أو نقصان فيه، فاعلم أنه من المتكلف الممقوت. ٣- أن تكون المعاني الحاصلة عند التركيب مألوفة غير مستنكرة. ٤- أن تدل كل واحدة من السجعتين على معنى يغاير ما دلت عليه الأخرى حتى لا يكون السجع تكرارا بلا فائدة. ومتى استوفى هذه الشروط كان حلية ظاهرة في الكلام، ومن ثم لا تجد لبليغ كلاما يخلو منه كما لا تخلو منه سورة، وإن قصرت، بل ربما وقع في أوساط الآيات، كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ١. أقسامه: هو على ثلاثة أضرب: مرصع، ومتواز، ومطرف: ١- فالمرصع ما اتفقت ألفاظ إحدى الفقرتين أو أكثرها في الوزن والتقفية كقول الحريري، فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، وقول أبي الفتح البستي: ليكن إقدامك توكلا، وإحجامك تأملا. ٢- والمتوازي ما اتفق فيه الفقرتان في الكلمتين الأخيرتين نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ ٢، وقوله عز وعلا: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ٣. ٣- والمطرف ما اختلفت فاصلتاه في الوزن واتفقتا في الحرف الأخير نحو: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ٤، وقوله: جنابه محط الرحال، ومخيم الآمال. وأيضا السجع إما قصير نحو: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ .

стр. 389

وإما متوسط نحو: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ١، وإما طويل نحو: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٢. تنبيهات: الأول: أحسن السجع ما تساوت قرائنه كقوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ٣، ثم ما طالت قرينته الثانية كقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٤، أو الثالثة، نحو قوله عز وعلا: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ٥، فلا يحسن أن تكون القرينة الثانية أقصر من الأولى كثيرا؛ لأن السجع إذا استوفى أمده في الأولى بطولها وجاءت الثانية أقصر منها كثيرا، يكون كالشيء المبتور، يؤيد ذلك الذوق السليم. الثاني: الأسجاع مبنية على سكون أواخرها؛ لأن المزاوجة بين الفقر في جميع الصور لا تتم إلا بالوقف، ألا ترى أنك لو وصلت قولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت، لم يكن بد من إعطاء أواخر القرائن ما يستلزمه حكم الإعراب فتختلف أواخرها ويفوت السجع. الثالث: يقال للجزء الواحد من السجع سجعة، وجمعها سجعات، وفقرة وجمعها فِقَر وفقَرات وفقْرات، وقرينة لمقارنة أختها، وتجمع على قرائن، وللحرف الأخير منها حرف الروي أو الفاصلة. الرابع: ربما غيرت الكلمة عن موضوعها في تصريف اللغة طلبا للسجع والمزاوجة بين الكلمة وأخواتها، ألا ترى قوله ﵇ في تعويذه لابن ابنته:

стр. 390

"أعيذه من الهامة والسامة، والعين اللامة"، وأصلها الملة؛ لأنها من ألم، فعبر عنها باللامة لموافقة ما قبلها، وقوله للنساء: "انصرفن مأزورات غير مأجورات"، والأصل موزورات أخذا من الوزر، لكنه قال ذلك لمكان مأجورات. الخامس: يرى بعض العلماء ومنهم الباقلاني وابن الأثير كراهة إطلاق السجع على القرآن الكريم؛ لأنه نوع من الكلام يعتمد الصنعة وقلما يخلو من التكلف والتعسف، إلى أنه مأخوذ من سجع الحمام، وهو هديره، وإنما يقال في مثل ذلك فواصل، أخذا من قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ١. السادس: يرى بعضهم أن السجع غير مختص بالنثر، بل يكون في النظم، كقول أبي تمام يمدح أبا العباس نصر بن بسام: تجلى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي٢ وقول الخنساء: حامي الحقيقة محمود الخليفة ... مهدي الطريقة نفاع وضرار جواب قاصية جزار ناصية ... عقاد ألوية للخيل جرار وقول الآخر: ومكارم أوليتها متورعا ... وجرائم ألغيتها متبرعا ومنه على هذا الرأي التشطير، وهو أن يجعل في كل من شطري البيت سجعتان على روي مخالف لروي سجعتي الشطر الآخر كقول أبي تمام: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب٣ فالشطر الأول محتو على سجعتين مبنيتين على الميم، والثاني محتو على سجعتين مبنيتين على الباء.
следующие страницы →